الرِّحَالِ، ثم قال: إن رسول الله ﷺ كانَ يَأمر المُؤَذَّنَ إذَا كانَتْ لَيْلَةٌ ذات برد ومطر أن يقول: " ألا صلوا في رحالكم". أي منازلكم ومساكنكم.
وأنت تعلن أن هذه الأعذار قلما تتحقق اليوم إلا في القرى، بل في بعض القرى.
* وأما الأعذار الخاصة:
فكمرض وجوع وعطش شديدين، وكخوف من ظالم على نفس أو مال، ومدافعة حدث من بول أو غائط. لما رواه البخاري (٦٤٣)؛ ومسلم (٥٥٩): " إذا وُضِعَ عَشَاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعِشاء، ولا يعجلن حتى يفرغ منه"، ولخبر مسلم (٥٦٠): "لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان". وكملازمة غريم له إذا خرج إلى الجماعة وهو معسر، وأكل ذي ريح كريه، أو يكون مرتدياً ثياباً قذرة تؤذي بقذارتها أو ريحها. فكل واحدة من هذه الحالات تعتبر عذراً شرعياَ يسوغ لصاحبه التخلف عن حضور الجماعة.
روى البخاري (٨١٧)؛ ومسلم (٥٦٤)، عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: " من أكل ثوماً - وقيس غيره من الأعذار عليه- فليعتزلن، أو قال: فليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته".
شروط من يقتدى به:
لا بد فيمن يكون إماماً أن تتوفر فيه شروط معينة- أكثرها نسبية، حسب حال المأموم- ونلخصها في الأمور التالية:
١ - أن لا يعلم المقتدي بطلان صلاة إمامه أو يعتقد ذلك:
مثاله: أن يجتهد اثنان في جهة القبلة فاعتقد كل منهما أن القبلة في جهة غير التي اعتقدها الآخر، فلا يجوز أن يقتدي أحدهما بالآخر
стр. 177
لأن كلاًّ منهما يعتقد أن الآخر مخطئ في اتجاهه وأن صلاته إلى تلك الجهة غير صحيحة.
٢ - أن لا يكون أميّاً، والمقتدي قارئ:
والمقصود بالأمي هنا من لا يتقن قراءة الفاتحة بحيث يخل بقراءتها إخلالاً يفوّت حرفاً أو شدة أو نحو ذلك. فإن كان المقتدي مثله جاز اقتداء كل منهما بالآخر.
٣ - أن لا يكون امرأة، والمقتدي رجل:
فإن كان المقتدي أيضاً امرأة جاز اقتداء كلٍّ منهما بالآخر لقوله ﷺ : " لا تَؤُمَّنَّ امرأة رجلاً" (رواه ابن ماجه).
من الصفات التي يستحب أن يتحلى بها الإمام:
يجدر أن يكون إمام القوم أَفقهم، وأَقرأهم، وأصلحهم، وأَسَنََّهُم.
ومهما تحققت هذه الصفات في الإِمام كانت الصلاة خلفه أفضل وكان الثواب بذلك أرجى.
روى مسلم (٦١٣) عن ابن مسعود ﵁ قال رسول الله ﷺ : " يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواءً فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواءً فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواءً فأقدمهم سناً".
واعلم أنه لا يجوز اقتداء المتوضئ بالمتيمم وبماسح الخف، والقائم بالقاعد، والبالغ بالصبي، والحر بالعبد، والصحيح بالمسلس، والمؤدي بالقاضي، والمفترض بالمتنفل وبالعكس.
стр. 178
كيفية الاقتداء:
لا يتحقق الاقتداء المشروع إلا بشروط وكيفيات ينبغي مراعاتها، وهي كثيرة نلخصها فيما يلي:
١ - أن لا يتقدم المأموم على الإمام في المكان:
فإن تقدَّم عليه بطل اقتداؤه، لقوله ﵊:
" إنما جعل الإمام ليؤتم به" (رواه البخاري: ٦٥٧؛ ومسلم: ٤١١).
والائتمام الاتباع، وهو لا يكون إلا حيث يكون التابع متأخراً، لكن لا تضر مساواته له في الموقف وإن كان ذلك مع الكراهة، وإنما يندب تخلفه عنه قليلاً، فإذا تقدم عليه بطلت صلاته، والاعتبار في التقدم والتأخر بالعقب، وهو مؤخر القدم. فإن كان المقتدي اثنين فأكثر، اصطفوا خلف الإمام وإن كان واحداً وقف عن يمينه، فإذا جاء ثانٍ وقف عن يساره، ثم رجعا أو تقدم الإمام.
روى مسلم عن جابر ﵁ قال: صليت خلف رسول الله ﷺ ، فقمت عن يمينه، ثم جاء جابر بن صخر فقام عن يساره، فأخذ بأيدينا جميعاً حتى أقامنا خلفه.
ويسن أن لا يزيد ما بين الإمام والمأموم على ثلاثة (١)، وهكذا بين كل صفِّين. وإذا صلى خلف الإِمام رجال ونساء صفَّ الرجال أولاً ثم النساء بعدهم، وإذا صلى رجل وامرأة صف الرجل عن يمين الإِمام، والمرأة خلف الرجل.
أما جماعة النساء، فتقف إمامتهن وسطهم لثبوت ذلك عن عائشة وأم سلمة ﵄. (رواه البيهقي بإسناد صحيح).
стр. 179
ويكره وقوف المأموم منفرداً في صف وحده، بل يدخل الصف إن وجد سعة، وإن لم يجد سعة، فإنه يندب أن يجر شخصاً واحداً من الصف إليه بعد الإحرام (١)، ويندب للمجرور أن يساعده ويرجع إليه لينال فضيلة المعاونة على البر.
٢ـ أن يتابعه في انتقالاته وسائر أركان الصلاة الفعلية:
وذلك بأن يتأخر ابتداء فعل المأموم عن فعل الإمام، ويتقدم على فراعه. فإن تأخر المأموم عن الإمام قدر ركن كره ذلك، وإن تأخر عنه قدر ركنين طويلين: كأن ركع واعتدل ثم سجد ورفع ولا يزال المأموم واقفاً من دون عذر، بطلت صلاته.
وأما إذا كان لتأخره عذر بأن كان بطيئاً في القراءة، فله أن يتخلف عن الإمام بثلاثة أركان، فإن لم تكلف لمتابعته فيما بعد وجب عليه أن يقطع ما هو فيه ويتابع الإمام، ثم يتدارك الباقي بعد سلام إمامه.
٣ـ العلم بانتقالات الإمام:
وذلك بأن يراه، أو يرى بعض صف، أو يسمع مبلغاً.
٤ـ أن لا يكون بين الإمام والمأموم فاصل مكاني كبير:
إذا لم يكونا في المسجد، أما إذا جمعهما مسجد، فإن الاقتداء صحيح مهما بعدت المسافة بينهما، أو حالت أبنية نافذة.
أما إذا كانا في خارج المسجد أو كان الإمام في المسجد والمقتدي خارجه، فيشترط عندئذ أن لا تبتعد المسافة بين الإمام والمقتدي.
стр. 180
وضبط ذلك ما يلي:
أولاً: إذا كان الإمام والمقتدي في فضاء، كبيداء ونحوها، اشترط أن لا تزيد المسافة بينهما على ثلاثمائة ذراع هاشمي أي (١٥٠) متر تقريباً.
ثانياً: أن يكون كل منهما في بناء، مثل بيتين أو صحن وبيت، وجب ـ علاوة على الشرط المذكورـ اتصال صف من أحد البناءين بالآخر، إن كان بناء الإمام منحرفاً يميناً أو يساراً عن موقف المأموم أو المقتدي.
ثالثاً: أن يكون الإمام في المسجد وبعض المقتدين في خارج المسجد، فالشرط هو أن لا تزيد مسافة البعد ما بين طرف المسجد وأول مقتد يقف خارجه على ثلاثمائة ذراع هاشمي.
٥ـ أن ينوي المقتدي الجماعة أو الاقتداء:
ويشترط أن تكون النية مع تكبيرة الإحرام. فلو ترك نية الاقتداء وتابعه مع ذلك في الانتقالات والأفعال، بطلت صلاته إن اقتضت متابعته أن ينتظره انتظاراً كثيراً عرفاً، أما إن وقعت المتابعة اتفاقاً بدون قصد أو كان انتظار للإمام انتظاراً يسيراً فلا تبطل صلاته بذلك. أما الإمام فلا يجب عليه أن ينوي الإمامة، بل يستحب له ذلك، لتحصل له فضيلة الجماعة، فإن لم ينو لم تحصل له، إذ ليس للمرء من عمله إلا ما نوى. قال رسول الله ﷺ : " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى". [رواه البخاري: ١، ومسلم: ١٩٠٧].
ويحصل المأموم على فضيلة الجماعة ما لم يسلم الإمام، إدراك
стр. 181
تكبيرة الإحرام مع الإمام فضيلة وتحصل بالاشتغال بالتحريم عقب تحريم الإمام.
ويدرك المأموم مع الإمام الركعة إذا أدركه في ركوعها، وإذا أدركه بعد الركوع فاتته الركعة، وكان عليه أن يتداركها أو يتدارك ما فاته، إن كان أكثر من ركعة بعد سلام الإمام.
***
стр. 182
صلاة المسافر
القصر والجمع:
مقدمة:
يقول الله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨]. أي إنه لم يشرع من أحكام الذين ما يوقعكم في الجهد والعنت، ويجعلكم في حيرة من أمركم. فحيثما يقع المسلم في ضيق يوسع الله له في أمر دينه، كي تظل أحكامه مقبولة متحملة.
والسفر قطعة من العذاب، يفقد فيه الإنسان استقراره وأسباب اجله، من أجل ذلك خفف الله تعالى عن المسافر كثيراً من أحكام دينه، وكيفية الاستفادة منه.
كيفية تكون صلاة المسافر:
رَخّص الله للمسافر في صلاته رخصتين:
أولاهما: اختصار في كمية الركعات، ويسمى " قصراً ".
стр. 183
الثانية: ضم صلاتين إلى بعضهما في الأداء، ليكتسب المسافر أوسع وقت ممكن من الفراغ، ويسمى "الجمع بين الصلاتين".
أولاًـ القصر:
هو أن تؤدى الصلاة الرباعية، كالظهر والعصر والعشاء، ركعتين بدلاً من أربع، كما سنرى فيما يأتي من أدلة.
والأصل في مشروعية القصر قوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ [النساء: ١٠١]. [ضربتم: سافرتم].
روى مسلم (٦٨٦) وغيره، عن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب ﵁: ﴿ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يقتنكم الذين كفروا﴾ فقد أَمِنَ الناس؟ فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته".
وهذا يدل على أن قصر الصلاة ليس خاصاً بحالة الخوف.
ولا بد لصحة القصر من مراعاة الشروط التالية:
١ـ أن تتعلق بذمته في السفر، ويؤديها أيضاً في السفر:
فخرج بهذا الشرط الصلاة التي دخل وقتها قبل أن يسافر، ثم سافر قبل أن يصليها، فلا يجوز أن يصليها قصراً، لأنه لم يكن مسافراً حين وجبت عليه وتعلقت بذمته.
وخرج أيضاً الصلاة التي دخل وقتها وهو مسافر، ولكنه لم يصلها
стр. 184
حتى رجع إلى بلده، فلا يجوز أن يصليها أيضاً قصراً، لأنه حين أدائها ليس بمسافر، والقصر للمسافر.
٢ـ أن يتجاوز سور البلد التي يسافر منها، أو يتجاوز عمرانها إن لم يكن لها سور:
لأن من كان داخل سور البلد أو عمرانها ليس بمسافر. أي فالسفر إنما يبدأ من لحظة هذا التجاوز، كما أنه ينتهي بالوصول رجوعاً إلى تلك المنطقة. وإذا فهو لا يقصر من الصلاة إلا ما تعلق بذمته وفعله وضمن هذه الفترة.
روى البخاري (١٠٣٩)، ومسلم (٦٩٠)، عن أنس ﵁ قال: صليت الظهر مع النبي ﷺ بالمدينة أربعاً، والعصر بذي الحليف ركعتين. وذو الحليفة خارج عمران المدينة.
٣ـ أن لا ينوي المسافر إقامة أربعة أيام غير يومي الدخول والرجوع، في المكان الذي يسافر إليه:
فإذا نوى ذلك، أصبحت البلدة التي يسافر إليها في حكم موطنه ومحل إقامته، فلم يعد يجوز له القصر فيها، ويبقى له حق القصر في الطريق فقط.
أما إذا كان ناوياً أن يقيم أقل من أربعة أيام، أو كان لا يعلم مدة بقائه فيها، لعمل يعالجه ولا يدري متى يتمه: وقصر في الحالة الثانية إلى ثمانية عشر يوماً غير يومي دخول وخروجه.
روى أبو داود (١٢٢٩)، عن عمران بن حصين ﵁ -
стр. 185
قال: "غزوت مع رسول الله ﷺ ، وشهدت معه الفتح، فأقام بمكة ثماني عشر ليلة، لا يصلي إلاّ ركعتين". لأن النبي ﷺ أقام هذه المدة بمكة عام الفتح لحرب هوازن يقتصر الصلاة، ولم يكن يعلم المدة التي سيضطر لبقائها.
٤ـ أن لا يقتدي بمقيم:
فإن اقتدى به وجب عليه أن يتابعه في الإتمام، ولم يجز له القصر.
أما العكس فلا مانع من القصر فيه، وهو أن يؤم المسافر مقيمين، فله أن يقصر. ويسن له إذا سلم على رأس ركعتين أن يبادر المقتدين فيقول لهم: أتموا صلاتكم فإني مسافر.
دليل ذلك ما رواه أحمد بسند صحيح عن ابن عباس ﵁ أنه سئل: ما بال المسافر يصلي ركعتين إذا انفرد، وأربعاً إذا ائتم بمقيم؟ فقال: تلك هي السنة.
وجاء في حديث عمران ﵁ السابق، ويقول: "يا أهل البلد صلوا أربعاً، فإنَّانَا قومٌ سَفَر".
ثانياً ـ الجمع:
وقد عرفت معناه قبل قليل.
روى البخاري (١٠٥٦)، عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول ﷺ يجمع بين صلاة الظهر والعصر إذا كان على ظهر سير، ويجمع بين المغرب والعشاء.
[على ظهر سير: أي مسافراً].
стр. 186
وروى مسلم (٧٠٥) عنه: أن النبي ﷺ جمع بين الصلاة في سفرة سافرناها في غزوة تبوك، فجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، قال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: قلت لابن عباس ﵁: ما حمله على ذلك؟ قال أراد أن لا يُحْرِج أُمَّتَه.
و ينقسم جمع الصلاة إلى قسمين:
جمع تقديم، بأن يقدم المتأخر إلى وقت الأولى، وجمع تأخير، بأن يؤخر المتقدمة إلى وقت الثانية.
روى أبو داود (١٢٠٨)؛ والترمذي (٥٥٣) وغيرهما، عن معاذ ﵁: أن النبي ﷺ كان في غزوة تبوك، إذا ارتحل قبل أن ترتفع الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر يصليهما جميعاً. وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً ثم سار. وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء، فصلاها مع المغرب.
الصلوات التي يجمع بينها:
علم مما سبق أن الصلوات التي يصلح أن يجمع بينها: هي الظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء. فلا يصح أن يجمع الصبح مع ما قبله أو بعده، كما لا يجمع بين العصر والمغرب.
هذا وإن لكل من جمع التقديم والتأخير شروطاً ينبغي مراعاتها.
فلنذكر شروط كل منهما.
شروط جمع التقديم:
أولاً: الترتيب منهما:
стр. 187
بأن يبدأ الصلاة الأولى صاحبة الوقت، ثم يتبعها بالأخرى.
ثانياً: أن ينوي جمع الثانية مع الأولى قبل فراغه من الصلاة الأولى، ولكن يسن أن تكون النية مع تكبيرة الإحرام بها.
ثالثاً: الموالاة بينهما، بأن يبادر إلى الثانية فور فراغه من الأولى وتسليمه منها، لا يفرق بينهما بشيء من ذكر أو سنة أو غير ذلك؛ فإن فرق بينهما بشيء طويل عرفاً، أو أخر الثانية بدون أن يشغل نفسه بشيء بطل الجمع، ووجب تأخيرها إلى وقتها. اتباعاً للنبي ﷺ في كل ذلك.
روى البخاري (١٠٤٠)، عن ابن عمر ﵄ قال: رأيت النبي ﷺ إذا أعجله السير يؤخر المغرب فيصليهما ثلاثاً، ثم يسلم، ثم قلما يلبث حتى يقيم العشاء، فيصليهما ركعتين، ثم يسلم.
رابعاً: أن يدوم سفره إلى تلبسه إلى تلبسه بالثانية، أي فلا يضر أن يصل إلى بلده أثناءها.
شروط جمع التأخير:
أولاً: أن ينوي جمع الأولى تأخيراً خلال وقتها الأصلي، فلو خرج وقت الظهر وهو لم ينو جمعها مع العصر تأخيراً، أصبحت متعلقة بذمته على وجه القضاء، وأثم في التأخير.
ثانياً: أن يدوم سفره إلى أن يفرغ من الصلاتين معاً، فلو أقام قبل الفراغ النهائي منهما أصبحت المؤخرة قضاء.
ولا يرد هنا شرط الترتيب بينهما، بل يبدأ بما شاء منهما، كما أن الموالاة بينهما ـ هنا ـ سنة وليست شرطاً لصحة الجمع.
стр. 188
شروط السفر الذي يباح فيه القصر والجمع:
الشرط الأول: أن يكون السفر طويلاً تبلغ مسافته ٨١ كم فصاعداً، فلا يعتد بالسفر الذي يكون دون ذلك.
روى البخاري تعليقاً في (تقصير الصلاة، باب: في كم تقصر الصلاة): وكان ابن عمر وابن عباس ﵄ يقصران ويفطران في أربعة برد، وهي ستة عشر فرسخاً، وتساوي ٨١ كم تقريباً. ومثلهما يفعلان توفيقاً، أي بعلم عن النبي ﷺ .
الشرط الثاني: أن يكون السفر إلى جهة معينة مقصورة بذاتها، فلا يعتد بسفر رجل هائم على وجهه ليست له وجهة معينة، ولا بسفر من يتبع قائده مثلاً وهو لا يدري أين يذهب به. وهذا قبل بلوغه مسافة السفر الطويل، فإن قطعها قصر، لتيقن طول السفر.
الشرط الثالث: أن لا يكون الغرض من السفر الوصول إلى أي معصية، فإن كان كذلك لم يعتد بذلك السفر أيضاً، كمن يسافر ليتاجر بخمر أو ليُرَابي أو ليقطع طريقاً، لأن القصر رخصة، والرخصة إنما شرعت للأمانة، ولذلك لا تناط بالمعاصي، أي لا تتعلق بما فيه معصية.
* الجمع بين الصلاتين في المطر:
يجوز الجمع بين صلاتين تقديماً في المطر.
روى البخاري (٥١٨)، ومسلم (٧٠٥)، عن ابن عباس ﵁: أن النبي ﷺ صلى بالمدينة سبعاً وثمانياً: الظهر والعصر،
стр. 189
والمغرب والعشاء. زاد مسلم: من غير خوف ولا سفر. وعند البخاري: فقال أيوب ـ أحد رواة الحديث ـ: لعله في ليلة مطيرة؟ قال: عَسَى. وعند مسلم: قال ابن عباس ﵄: أراد أن لا يُحْرِج أحداً من أمته.
ولا يجوز جمعهما في وقت الثانية، لأنه ربما انقطع المطر، فيكون أخرج الصلاة عن وقتها بغير عذر.
ويشترط لهذا الجمع الشروط التالية:
١ـ أن تكون الصلاة جماعة بمسجد بعيد عرفاً، يتأذى المسلم بالمطر في طريقه إليه
٢ـ استدامة المطر أول الصلاتين، وعند السلام من الأولى.
*****
стр. 190
صَلاَة الخَوف
معناها والأصل في مشروعيتها:
الخوف ضد الأمن، والمقصود بصلاة الخوف: الصلاة التي تؤدي في ظروف القتال مع العدو، إذ تختص برخص وتسهيلات ـ لا سيما بالنسبة للجماعة ـ لا توجد الصلوات الأخرى.
والأصل في مشروعيتها: آيات وأحاديث تأتي في بيان حالاتها وكيفيتها.
حالاتها:
لصلاة الخوف حالتان حسب حالة القتال:
الحالة الأولى:
حالة المرابطة والحراسة وعدم التحام القتال: وفي هذه الحالة تأخذ الصلاة شكلاً معيناً، ويختلف بعض الشيء عن الصلاة في صورتها العامة، بسبب حرص المسلمين على أدائها جماعة، خلف إمامهم الأعظم أو قائدهم الأعلى، أو من ينوب منابه في إدارة القتال.
وقد دلّ على مشروعيتها في هذه الحالة قوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا معك فليصلوا معك
стр. 191
وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهيناً﴾ [النساء: ١٠٢].
(فإذا سجدوا: أي أتم الذين معك صلاتهم، فليذهبوا وليحرسوكم. فيميلون: فيحملون. جناح حرج وإثم).
ولهذه الصورة التي ذكرتها الآية لصلاة الخوف كيفيتان ـ بينها رسول الله ﷺ بفعله ـ تختلفان بحسب اختلاف موقع العدو من المسلمين، وكونه في جهة القبلة أم في غير جهتها.
الكيفية الأولى:
وهي عندما يكون العدو رابضاً في جهة القبلة والقتال غير ملتحم: فإذا أراد الجنود أن يصلوا جماعة، ولم يرغبوا أن يجزئوا صلاتهم إلى عدة جماعات، تحقيقاً لفضيلة الجماعة الواحدة الكبرى، فليرتبهم إمامهم صفين أو أربعاً أو أكثر، ويصلي بهم، فإذا سجد فليسجد معه الصف الذي يليه فقط إن كان المصلون صفين، أو الصفان اللذان يليانه إن كانوا أربعة صفوف، وهكذا، وليقف الباقون يحرسون إخوانهم من إمامهم في قيام الركعة الثانية، فإذا سجد الإمام لركعة الثانية تبعه من تخلف في الأولى، وتخلف المتبعون له إذ ذاك، ثم يتلاحق الجميع في جلوس التشهد ويسلمون جميعاً.
وهذه الكيفية هي التي صلى بها رسول الله ﷺ في غزوة من غزواته، وهي عزوة عسفان، فكانت سنة في كل حالة تشبهها.
стр. 192
روى البخاري (٩٠٢) عن ابن عباس ﵄ قال: قام النبي ﷺ وقام الناس معه، فكبر وكبّروا معه، وركع ناسٌ منهم، ثم سجد وسجدوا منه، ثم قام للثانية فقام الذين سجدوا وحرسوا لإخوانهم، وأتت الطائفة الأخرى، فركعوا وسجدوا معه والناس كلهم في صلاة، ولكن يحرس بعضهم بعضاً.
الكيفية الثانية:
وهي عندما يكون العدو منتشراً في غير جهة القبلة والقتال غير ملتحم، والكيفية المندوبة للصلاة في هذه الحالة هي:
١ـ ينقسم المصلون إلى فرقتين، تقف واحدة في وجه العدو ترقبه وتحرس المسلمين، وتذهب الأخرى لتؤدي الصلاة جماعة مع الإمام.
٢ـ يصلي الإمام بهذه الفرقة الثانية ركعة، فإذا قام للثانية فارقته وأتمت الركعة الثانية بانفراد، وذهبوا إلى حيث ترابط الفرقة الأولى.
٣ـ تأتي الفرقة الأولى فتقتدي بالإمام ـ وينبغي أن يطيل قيامه في الركعة الثانية ريثما تلحق به هذه الفرقة ـ فيصلي بها الإمام الركعة الثانية التي هي الأولى في حقهم، فإذا جلس للتشهد قاموا فأتموا الركعة الثانية، ثم لحقوا به وهو لا يزال في التشهد، فيسلم بهم.
وهذه الكيفية في صفة صلاة رسول الله ﷺ في غزوة ذات الرقاع.
روى البخاري (٣٩٠٠)، مسلم (٨٤٢)، وغيرهما، عن صالح بن خوَّات عمن شهد رسول الله ﷺ صلى يوم ذات الرقاع صلاة الخوف: أن طائفة صفت معه، وطائفة وُجاه العدو، فصلى بالتي معه ركعة، ثم
стр. 193
ثبت قائماً، وأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا، فصفوا وجاء العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالساً، وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم.
وأنت ترى أن في أداء الصلاة على هاتين الكيفيتين ـ والمسلمون في مواجهة العدو ـ صورة من صور المحافظة على الصلاة بجماعة، والمحافظة على حراسة المسلمين، والتنبه للعدو والصحو إلى مكايدهم.
ومزيتها الكبرى التأسي برسول الله ﷺ ، واكتساب أجر أداء الجميع صلاتهم في جماعة واحدة، مع الخليفة أو الإمام الأكبر، أو القائد في ميادين القتال.
الحالة الثانية:
وهي عندما يلتحم القتال مع العدو وتتداخل الصفوف ويشتد الخوف.
ولا توجد كيفية محددة للصلاة في هذه الحالة، بل يصلي كل منهم على النحو الذي يستطيع، راجلاً أو راكباً، ماشياً أو واقفاً، مستقبلاً القبلة أو منحرفاً عنها، ويركع ويسجد بإيماء، أي بتحريك رأسه مشيراً إلى الركوع والسجود، ويجعل إيماء السجود أبلغ من إيماءة الركوع. وإن أمكن اقتداء بعضهم ببعض وصلاتهم جماعة فهو أفضل، وإن اختلفت جهاتهم، أو تقدم المأموم على الإمام.
قال تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾ [البقرة: ٢٣٨].
стр. 194
[الوسطى: صلاة العصر. قانتين: خاشعين. كما علمكم: أي أعمال الصلاة].
روى البخاري (٤٢٦١)، عن ابن عمر ﵄، في وصفه صلاة الخوف وبعد ذكره الكيفيتين السابقتين، قال: وبعد فإن كان وصفه خوف هو أشد من ذلك، صلوا رجالاً قياماً على أقدامهم، أو ركباناً، مستقبلي القبلة، أو غير مستقبليها. قال مالك: قال نافع: لا أرى عبدالله بن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله ﷺ .
وعند مسلم (٨٣٩): فصلً راكباً أو قائما، تومئ إيماء.
وبعذر في هذه الحالة في كل ما يقع منه من حركات تستدعيها ظروف القتال، إلا أنه لا يعذر في الكلام والصياح، إذ لا ضرورة تستدعي ذلك، وإذا أصابته نجاسة لا يعفا عنها كدم ونحوه، صحت صلاته ووجب عليه القضاء فيما بعد:
واعلم أن هذه الصلاة يرخص فيها بهذا الشكر عند كل قتال مشروع، وفي كل حالة يكون فيها المكلف في خوف شديد، كما إذا كان فاراً من عدو، أو حيوان مفترس، ونحو ذلك.
والمنظور إليه في مشروعية هذه الكيفية هو الحفاظ على أداء الصلاة في وقتها المحدد لها، امتثالاً لأمر الشارع حيث يقول: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً﴾ [النساء ١٠٣].
حكمة مشروعية صلاة الخوف:
والحكمة من مشروعية هذه الكيفيات في الصلاة التيسر على المكلف، كي يتمكن من أداء هذه الفريضة، وهو أحوج ما يكون إلى
стр. 195
الصلة بالله ، يستمد منه العون والنصرة، وهو يقارع الكفرة في ميادين القتال، فيطمئن قلبه بذكر ربه جل وعلا، وتزداد ثقته بنصره وتأييده، وثبت قدمه في أرض المعركة، حتى يندحر الباطل ويكتب لأهل الحق الفوز والفلاح، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فأثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون﴾ [الأنفال: ٤٥].
ومن الجدير بالذكر أن صلاة الخوف، بكيفياتها السابقة تمكن الجندي المسلم من أقامة الصلاة دون حرج، مهما اختلفت أساليب القتال وتنوعت وسائل الحرب، على اختلاف الزمان والمكان، ولا سيما المتقاتلة، كما هو الحال في كثير من المواقف القتالية الحديثة.
الصلاة لا تسقط بأي حال:
يتبين مما سبق أن الصلاة لا تسقط بحال من الأحوال مهما اشتد العذر، ما دام التكليف قائماً، والحياة مستمرة. ولكن الله رخص في تأخيرها كالجمع بين الصلاتين أو قصرها كصلاة المسافر، أو التسهيل في كيفية أدائها كصلاة الخوف وصلاة المريض، وذلك حسب الأسباب والظروف.
*****
стр. 196
صَلاَة الجمُعَة
" مشروعيتها:
صلاة الجمعة مشروعة، وهي من الفضائل التي اختص الله تعالى بها هذه الأمة التي هديت للفوز بمكرمات هذه اليوم.
روى البخاري (٨٣٦)، ومسلم (٨٥٥)، عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلقوا فيه، فهدانا الله، فالناس لنا فيه تبع: اليهود غداً والنصارى بعد غد".
[الآخرون: وجوداً في الدنيا. السابقون: في الفصل والأجر ودخول الجنة. بيد: غير. الكتاب: الشريعة السماوية. هذا يوم الجمعة. فرض عليهم: أن يتقربوا إلى الله تعالى فيه].
وقد فرضت بمكة قبيل الهجرة، إلا أنها لم تقم في مكة لضعف أسعد بن زرارة ﵁. روى ذلك أبو داود (١٠٦٩) وغيره، من كعب بن مالك ﵁.
стр. 197
" دليل مشروعيها
دلّ على مشروعيتها الجمعة ووجوبها قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي إلى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ودروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ [الجمعة: ٩].
وأحاديث كثيرة منها: ما رواه أبو داود (١٠٦٧)، عن طارق بن شهاب ﵁، عن النبي ﷺ قال: "الجمعة حق واجب على كل مسلم ... "
وما رواه مسلم (٨٦٥) وغيره، عن أبي هريرة وابن عمر ﵄، أنهما سمعا النبي ﷺ يقول على أعواد منبره: "لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين".
[ودعهم: تركهم].
" الحكمة من مشروعيتها:
لمشروعية صلاة الجمعة حكم وفوائد كثيرة، لا مجال لاستقصائها في هذا المكان، ومن أهمها تلاقي المسلمين على مستوى جميع أهل البلدة، في مكان واحد ـ هو المسجد الجامع ـ مرة كل أسبوع، يلتقون على نصيحة تجمع شمالهم وتزيدهم وحدة وتضامناً، كما تزيدهم ألفة وتعارفاً وتعاوناً، وتجعلهم واعين متنبهين للأحداث التي تجد من حولهم كل أسبوع، وتشدهم إلى إمامهم الأعظم الذي ينبغي أن يكون هو الخطيب فيهم، والواعظ لهم. فهي إذاً مؤتمر أسبوعي يتلاقى فيه المسلمون صفاً واحداً، وراء قائدهم الذي هو إمامهم وخطيبهم فيه. ولذلك أكثر الشارع من الحث على حضورها، والتحذير من تركها
стр. 198
والتهاون في شانها، وقد مر بك شيء من هذا، وسيأتي بعض منها فيما يلي من كلام، وحسبنا في هذا قوله ﷺ : "من ترك ثلاث جمع تهاوناً طبع الله على قلبه".
شرائط وجوبها:
تجب صلاة الجمعة على من وجدت فيه الشروط السبعة التالية:
الأول ـ الإسلام:
فلا تجب وجوب مطالبة في الدنيا على الكافر، إذ هو مطالب فيها بأساس العبادات والطاعات كلها ألا وهو الإسلام، أما في الآخرة فهو مطالب بها بمعنى أنه يعاقب عليها.
الثاني ـ البلوغ:
فلا تجب على الصبي لأنه غير مكلف.
الثالث ـ العقل:
إذ المجنون غير مكلف أيضاً.
الرابع ـ الحرية الكاملة:
فلا تجب صلاة الجمعة على الرقيق، لأنه مشغول بحق سيده، فكان مانعاً عن وجوبها في حقه.
الخامس ـ الذكورة:
فلا تجب على النساء، لانشغالهن في الأولاد وشؤون البيت، وحصول المشقة لهن بوجوب الحضور في وقت مخصوص ومكان معين.
السادس ـ الصحة الجسمية:
فلا تجب على المريض الذي يتألم بحضور المسجد أو بانحباسه
стр. 199
فيه إلى انقضاء الصلاة، أو الذي يزداد مرضه شدة بحضوره، أو يزداد طولاً بأن يتأخر برؤه، ويلحق بالمريض الشخص الذي مرضه ويخدمه، ولا يوجد من يقوم مقامه خلال ذهابه إلى الصلاة، مع حاجة المرض إليه، سواء كان الممرض قريباً أم لا، فلا تجب عليه صلاة الجمعة.
السابع ـ الإقامة بمحل الجمعة:
فلا تجب على مسافر سفراً مباحاً ولو قصيراً، إذا كان قد بدأ سفره قبل فجر يوم الجمعة، وكان لا يسمع في المكان الذي هو فيه صوب الأذان من بلدته التي سافر منها. وكذلك المستوطن في محل لا تصح فيه الجمعة، كقرية ليس فيها أربعون مستوطنون خالون من الأعذار، إذا لم يسمع صوت الأذان من الطرف الذي يلي القرية من بلد الجمعة إلى الطرف الذي يقابله من القرية.
ودلّ على هذه الشروط قوله ﷺ : "الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض" [رواه أبو داود: ١٠٦٧].
وخبر الدارقطني (٢/ ٣) وغيره، عن النبي ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الأخر فعليه الجمعة إلا امرأة ومسافر وعبداً ومريضاً".
ولحديث أبي داود (١٠٥٦): " الجمعة على كل من سمع النداء". أي الأذان.
شرائط صحتها:
فإذا توفرت هذه الشروط السبعة، وجبت صلاة الجمعة، إلا أنها لا تصح إلا بشروط أربعة:
стр. 200
الشرط الأول:
أن تقام في خطة أبنية، سواء كانت هذه الخطة ضمن أبنية بلدة، أو قرية يستوطنها ما لا يقل عن أربعين رجلاً ممن نجب عليهم صلاة الجمعة.
والمقصود بالبلدة: ما اجتمع فيه قاضٍ وحاكم، وكان فيه أسواق للبيع والشراء. والمقصود بالقرية: ما لم يوجد فيه ذلك.
فلا تصح صلاة الجمعة في الصحراء وبين الخيام، ولا في قرية لا يوجد فيها أربعون رجلاً تجب في حقهم صلاة الجمعة. فإن سمعوا الأذان من البلدة المجاورة لهم، وجب عليهم الخروج إليها لصلاة الجمعة، وإلا سقطت عنهم، كما ذكرنا ذلك عند الحدوث في شروط وجوب صلاة الجمعة.
ودليل هذا الشرط: أنها لم تقم في عصر النبي ﷺ .
الشرط الثاني:
أن لا يقل العدد الذي تقام به صلاة الجمعة عن أربعين رجلاً من أهل الجمعة، أي ممن تنعقد بهم، وهم الذكور البالغون المستوطنون.
لما رواه البيهقي (١/ ١٧٧)، عن جابر عم عبدالله ﵁ قال: مضت السنة أن في كل أربعين فما فوق ذلك جمعة. وجاء في حديث كعب بن مالك ﵁، وكانوا يومئذ أربعين.
стр. 201
الشرط الثالث:
أن تقام في وقت الظهر، فلو ضاق وقت الظهر عنها، بأن لم يبق الجمعة، فخرج وقت الظهر وهم فيها، قلوبها ظهراً وأتموها أربع ركعات.
دل على هذا فعله ﷺ لها في هذا الوقت.
روى البخاري (٨٦٢)، عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس. أي إلى الغرب وهو الزوال.
وروى البخاري (٣٩٣٥)؛ ومسلم (٨٦٠)، علن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: كنا نصلي مع النبي ﷺ الجمعة، ثم ننصرف وليس للحيطان ظل نستظل فيه.
وعن سهل بن سعد ﵁ قال: ما كنا نقبل ولا نتغذى إلا بعد الجمعة. (رواه البخاري: ٨٩٧؛ ومسلم: ٨٥٩).
[نقبل: من القيلولة وهي النوم عند الظهيرة للاستراحة. نتغدى: نتناول طعام الغداء].
فالأحاديث تدل على أنه ﷺ ما كان يصليها إلا في وقت الظهر، بل وفي أول الوقت.
الشرط الرابع:
أن لا تعدد الجمعة في بلد واحد طالما كان ذلك ممكناً، بل يجب أن يجتمع أهل البلدة الواحدة في مكان واحد، فإن كثر الناس، وضاق المكان الواحد عن استيعابهم جاز التعدد بقدر الحاجة فقط.
стр. 202
فلو تعددت الجمعات في البلدة الواحدة بدون حاجة، لم يصح منها إلا أسبقها، والعبرة بالسبق البداءة لا الانتهاء، فالجمعة التي بدأ إمامها بالصلاة قبلاً، هي الجمعة الصحيحة، ويعتبر أصحاب الجمعات الأخرى مقصرين إذا انفردوا بجمعات متعددة، ولم يلتقوا جميعاً في أول جمعة بدأت في البلدة، فتكون جمعاتهم لذلك باطلة ويصلون في مكانها ظهراً.
فإن لم تعلم الجمعة السابقة فالكل باطل، ويستأنفون جمعة جديدة في مكان واحد إن أمكن ذلك واتسع الوقت، وإلا صلى الجميع ظهراً، جبراً للخلل، بل تداركاً للبطلان.
ودليل هذا الشرط:
إن الجمعة لم تقم في عصر النبي ﷺ والخلفاء الراشدين وعصر التابعين، إلا في موضع واحد من البلدة، فقد كان في البلدة مسجد كبير يسمى المسجد الجامع، أي الذي تصلى فيه الجمعة، أما المساجد الأخرى فقد كانت مصليات للأوقات الخمسة الأخرى.
روى البخاري (٨٦٠)؛ ومسلم (٨٤٧)، عن عائشة ﵂ قالت: كان الناس ينتابون يوم الجمعة من منازلهم والعوالي ...
[ينتابون: يأتون مرة بعد مرة. العوالي: مواضع شرق المدينة.
أقربها على بعد أربعة أميال أو ثلاثة من المدينة].
وروى البخاري (٨٥٢)، عن ابن عباس ﵄ أنه قال: إن أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله ﷺ في مسجد عبدالقيس، بجواثي من البحرين.
стр. 203
والحكمة من هذا الشرط: أن الانتصار على مكان واحد أفضى إلى المقصود، وهو إظهار شعار الاجتماع وتوحيد الكلمة، بل التناثر في أماكن متفرقة بدون حاجة ربما هيأ أسباب الفرقة والشقاق.
فرائض الجمعة:
تتكون شعيرة الجمعة من فرضين، هما أساس هذه الركن الإسلامي العظيم.
الفريضة الأولى - خطبتان، أولهما شروط هي:
١ - أن يقوم الخطيب فيهما إن استطاع، ويفصل بينهما بجلوس:
وذلك لما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن سمرة ﵁ أنه ﷺ كان يخطب خطبتين يجلس بينهما، وكان يخطب قائماً.
وروى البخاري (٨٧٨) ومسلم (٨٦١) عن ابن عمر ﵄ قال: كان النبي ﷺ يخطب قائماً ثم يقعد، ثم يقوم كما تفعلون الآن.
٢ - أن لا تؤخر عن الصلاة:
وذلك للاتباع المعلوم من مجموع الأحاديث الواردة في الجمعة، ولإجماع المسلمين على ذلك.
٣ - أن يكون الخطيب طاهراً من الحدثين الأصغر والأكبر، ومن نجاسة غير معفو عنها في ثوبه وبدنه ومكانه، وأن يكون ساتر العورة:
إذ الخطبة كالصلاة، ولذلك كانت الخطبتان عوضاً عن ركعتين من فريضة الظهر، فاشترط لها ما يشترط للصلاة من الطهارة ونحوها.
стр. 204
٤ - أن تتلى أركان الخطبة باللغة العربية:
على الخطيب أن يخطب باللغة العربية وإن لم يفهمها الحاضرون فإن لم يكن ثمة من يعلم العربية، ومضى زمن أمكن خلاله تعلمها أثموا جميعاً، ولا جمعة لهم، بل يصلونها ظهراً.
أما إذا لم تمض مدة يمكن تعلم العربية خلالها، ترجم أركان الخطبة باللغة التي يشاء، وصحت بذلك الجمعة.
٥ - الموالاة بين أركان الخطبة، وبين الخطبتين الأولى والثانية، وبين الثانية والصلاة:
فلو وقع فاصل طويل في العرف بين الخطبة الأولى والثانية، أو بين مجموع الخطبتين والصلاة، لم تصح الخطبة، فإن أمكن تداركها وجب ذلك، وإلا انقلبت الجمعة ظهراً.
٦ - أن يسمع أركان الخطبتين أربعون من تنعقد بهم الجمعة.
* ثم إن للخطبتين أركاناً هي:
١ - حمد الله تعالى، بأي صيغة كان.
٢ - الصلاة على النبي ﷺ بأي صيغة من الصلوات.
بشرط أن يذكر اسمه الصريح: كالنبي أو الرسول أو محمد، فلا يكفي ذكر الضمير بدلاً من الاسم الصريح.
٣ - الوصية بالتقوى، بأي الألفاظ والأساليب كانت:
فهذه الأركان الثلاثة أركان لكلا الخطبتين، لا يصح كل منهما إلا بها.
стр. 205
٤ - قراءة آية من القرآن في إحدى الخطبتين:
ويشترط أن تكون الآية مفهمة وواضحة المعنى، فلا يكفي قراءة آية من الحروف المنقطة أوائل السور.
٥ - الدعاء للمؤمنين في الخطبة الثانية، بما يقع عليه اسم الدعاء عرفاً.
الفريضة الثانية - صلاة ركعتين في جماعة:
روى النسائي (٣/ ١١١)، عن عمر ﵁ قال: صلاة الجمعة ركعتان .. على لسان محمد ﷺ .
وجاء حديث أبي داود السابق: "الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة .. " وعلى ذلك انعقد الإجماع.
وإنما يشترط إدراك الجماعة بركعة واحدة منها، فإن أدركها صحت وإلا وجب تحويلها ظهراً. ويجب أن لا يقل المقتدون عن أربعين ممن تنعقد بهم صلاة الجمعة.
وعلى ذلك، لو جاء مسبوق فاقتدى بالإمام في الركعة الثانية، أدركه بعد القيام من ركوع الركعة الثانية، لم تقع صلاة جمعة، وإنما يتم بعد سلام إمامه ظهراً.
وعلى ذلك أيضاً، لو اقتدى المصلون الإمام في الجمعة، وأتموا معه ركعة، ثم طرأ سبب اقتضى مفارقة المصلين أو بعضهم للإمام، وإتمام كل منهم صلاته لنفسه مفرداً، فإن جمعتهم صحيحة. أما لو طرأ
стр. 206
هذا السبب قبل انتهاء الركعة الأولى، فإن صلاتهم لا تصح جمعة، وتنقلب في حقهم ظهراً.
ودليل ما سبق ما رواه النسائي وابن ماجه والدارقطني عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أدرك ركعة من صلاة الجمعة وغيرها، فليضف إليها أخرى، وقد تمت صلاته".
آداب الجمعة وهيئاتها:
ليوم الجمعة وصلاتها آداب مسنونة، ينبغي الاهتمام بها والدأب عليها، وهي:
١ - الغسل:
لخبر: "إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل". (رواه البخاري: ٣٨٧؛ ومسلم: ٨٤٤).
وإنما صرف الأمر هنا عن الوجوب إلى الاستحباب للحديث الذي رواه الترمذي: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن أغتسل فالغسل أفضل".
[فبها ونعمت: أي فبالسنة عمل، ونعمت السنة].
٢ - تنظيف الجسد من الأوساخ والروائح الكريهة والأدهان والتطيب:
ولذلك لئلا يتأذى به أحد من الناس، بل ليألفوه ويسروا باللقاء به.
وقد علمت أن من رخص ترك صلاة الجمعة أن يكون قد أكل ذا ريح كريه يتأذى به الناس.
روى البخاري (٨٤٣)، عن سلمان الفارسي ﵁ قال:
стр. 207
قال النبي ﷺ : "لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام، إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى".
٣ - لبس أحسن الثياب:
روى أحمد (٣/ ٨١)، وغيره، عنه ﷺ قال: "من اغتسل يوم الجمعة، ثم لبس أحسن ثيابه، ومس طيباً إن كان عنده، ثم مشى إلى الجمعة وعليه السكينة، ولم يتخط أحداً ولم يؤذه، ثم ركع ما قضي له، ثم انتظر حتى ينصرف الإمام، غفر له ما بين الجمعتين"؟
والأفضل أن تكون الثياب بيضاً، لما رواه الترمذي (٩٩٤) وغيره، أنه ﷺ قال: "البسوا من ثيابكم البياض، فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم".
٤ - أخذ الظفر وتهذيب الشعر:
لخبر البزار في مسنده: أنه ﷺ كان يقلم أظافره ويقص شاربه يوم الجمعة.
٥ - التبكير إلى المسجد:
روى البخاري (٨٤١) ومسلم (٨٥٠)، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر".
стр. 208
[غسل الجنابة: أي كغسل الجنابة من حيث الهيئة. راح: ذهب].
قرب: تصدق بها تقرباً إلى الله تعالى. بدنة: هي واحدة الإبل تهدي إلى بيت الله الحرام. أقرن: له قرنان، وهو أكمل وأحسن صورة، وقد ينتفع بقرنه. خرج الإمام: صعد المنبر للخطبة. الذكر: الموعظة وفيها من ذكر الله ].
٦ - صلاة ركعتين عند دخول المسجد:
روى مسلم (٨٧٥)، عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، والإمام يخطب، فليركع ركعتين، وليتجوز فيهما". أي يخففهما مع الإتيان بهما كاملة الأركان والسنن والآداب.
هذا إذا لم يبلغ الخطيب أواخر الخطبة، وإلا فلينظر قيام الصلاة المكتوبة. وتفوت هاتان الركعتان بجلوسه، فإن جلس لم يصح منه بعد صلاة نافلة، بل يجب أن يظل جالساً ينصت إلى الخطبة حتى تقام الصلاة.
٧ - الإنصات للخطبتين:
روى البخاري في صحيحه (٨٩٢) ومسلم (٨٥١) وغيرهما، عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: "إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت، والإمام يخطب، فقد لغوت". وعند أبي داود (١٠٥١) من رواية علي ﵁: "ومن لغا فليس له في جمعته تلك شئ". أي لم يحصل له الفضل المطلوب، والثواب المرجو.
واللغو: هو ما لا يحسن من الكلام.
стр. 209
آداب عامة ليوم الجمعة:
يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، ولن سنن وآداب، ينبغي أن يكون المسلم على بينة منها، ليبق منها ما يمكنه تطبيقه، وإليك بعضاً منها:
أولاً: تسن قراءة سورة الكهف في يوم الجمعة وليلتها:
روى النسائي عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن النبي ﷺ قال: "من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين".
ثانياً: يسن الإكثار من الدعاء يومها وليلتها:
لما روى البخاري (٨٩٣) ومسلم (٨٥٢) أن النبي ﷺ ذكر يوم الجمعة فقال: " فيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم، وهو قائم يصلي، يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه إياه". وأشار بيده يقللها، أي يبين أنها فترة قصيرة من الزمن.
ثالثاً: يسن الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ في يومها وليلتها: لحديث: "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي". (رواه أبو داود: ١٠٤٧؛ وغيره بأسانيد صحيحه).
*****
стр. 210
صلاة النّفْل
النّفْل لغة الزيادة، واصطلاحاً: ما عدا الفرائض.
وسمِّي بذلك، لأنه زائد على ما فرضه الله تعالى.
والنفل يُرادف السنة، والمندوب، والمستحب.
صلاة النَّفْل قسمان: قسم لا يسن فيه لجماعة، وقسم يسن فيه الجماعة.
القسم الأول ـ وهو الذي لا يسن فيه الجماعة ، قسمان أيضاً:
قسم يعتبر تابعاً للصلوات المكتوبة، التي مضى بيانها.
وقسم يعتبر نافلة غير تابعة للفرائض. وسنشرح كلا منهما على حدة.
(أ) النفل التابع للفرائض:
هذا النفل قسمان مؤكد، وغير مؤكد.
أما المؤكد: فهو عبارة عن ركعتين قبل الصبح، وركعتين قبل الظهر، وركعتين بعده، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء.
روى البخاري (١١٢٦) ومسلم (٧٢٩)، عن ابن عمر ﵄ قال: حفظت من النبي ﷺ عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر،
стр. 211
وركعتين بعدهما، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل صلاة الصبح، كانت ساعة لا يدخل على النبي ﷺ فيها.
وآكد هذه الركعات ركعتا الفجر، لما روى البخاري (١١١٦) ومسلم (٧٢٤)، عن عائشة ﵂ قالت: لم يكن النبي ﷺ على شيء من النوافل أشد تعاهداً منه على ركعتي الفجر.
[النوافل: جمع نافلة، وهي ما زاد على الفرض. أشد تعاهداً: أكثر محافظة].
وأما غير المؤكد:
ـ فركعتان أخريان قبل الظهر، روى البخاري (١١٢٧)، عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان لا يدع أربعاً قبل الظهر، وركعتين قبل الغداة، أي صلاة الفجر. ولمسلم (٧٣٠): كان يصلي في بيتي قبل الظهر أربعاً، ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يدخل فيصلي ركعتين.
ويزيد ركعتين أيضاً بعدها، لما رواه الخمسة وصححه الترمذي (٤٢٧، ٤٢٨) عن أم حبيبة ﵂ قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: " من صلى أربع ركعات قبل الظهر، وأربعاً بعدها، حرمه الله على النار ".
والجمعة كالظهر فيما مر، لأنها بدل عنها، فيسن قبلها أربع ركعات، ركعتان مؤكدتان وركعتان غير مؤكدتان، كذلك بعدها.
روى مسلم (٨٨١)، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا صلى أحكم الجمعة فليصل بعدها أربعاً ".
стр. 212
وروى الترمذي (٥٢٣) أن ابن مسعود ﵁ كان يصلي قبل الجمعة أربعاً وبعدها أربعاً. والظاهر أنه توقيف، أي علمه من فعل النبي ﷺ .
ـ أربع ركعات قبل فريضة العصر، لما رواه الترمذي (٤٣٠) وغيره، عن على ﵁: كان النبي ﷺ يصلي قبل العصر أربع ركعات يفصل بينهن بالتسليم.
ـ وركعتان خفيفتان قبل صلة المغرب، لما رواه البخاري (٥٩٩) ومسلم (٨٣٧) واللفظ له، عن أنس ﵁ قال: كنا بالمدينة، فإذا أذن المؤذن لصلاة المغرب ابتدروا السواري فيركعون ركعتين ركعتين، حتى أن الغريب ليدخل فيحسب أن الصلاة قد صليت، من كثرة من يصليهما.
[ابتدروا السواري: جمع سارة وهي الدعامة التي يرفع عليها وغيرها السقف، وتسمى أسطوانة. وابتدروها: أي تسارعوا إليها ووفق كل واحد خلف واحدا منها. ركعتين ركعتين: أي كل واحد يصلي ركعتين لا يزيد عليهما].
ومعنى كونها خفيفتين: أنه لا يأتي زيادة على أدنى ما تتحقق به أركان الصلاة وسننها وآدابها.
ـ ويستحب ـ أيضاً ـ أن يصلي ركعتين خفيفتين قبل صلاة العشاء، لما رواه البخاري (٦٠١) ومسلم (٨٣٨)، عن عبد الله بن مغفل
стр. 213
- ﵁ قال: قال النبي ﷺ : " بين كل أذانين صلاة، ثلاثاً لمن شاء " وفي رواية: " بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة، ثم قال في الثالثة: لمن شاء ".
[الأذانين: الأذان والإقامة].
(ب) النفل الذي لا يتبع الفرائض:
وهذا النفل ينقسم أيضاً إلى قسمين: نوافل مسماة ذات أوقات معينة، ونوافل مطلقة عن التسمية والوقت.
النوافل المسماة ذات الأوقات المعينة هي:
١ـ تحية المسجد:
وهي ركعتان قبل الجلوس لكل دخول إلى المسجد، ودليلها حديث البخاري (٤٣٣) ومسلم (٧١٤): " فإذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين ".
وتحصل التحية بالفرض، أو بأي نفل آخر، لأن المقصود أن لا يبادر الإنسان الجلوس في المسجد بغير صلاة.
٢ـ الوتر:
وهي سنة مؤكدة، وإنما سميت بذلك، لأنها تختم بركعة واحدة، على خلاف الصلوات الأخرى.
روى الترمذي (٤٥٣) وغيره، عن علي ﵁ قال: إن الوتر ليس بحتم كصلاتكم المكتوبة، ولكن سنَّ رسول الله ﷺ .
وعنده وعند أبي داود (١٤١٦) قال رسول الله ﷺ : " يا أهل القرآن أوتروا، فإن الله وتر يحب الوتر ".
стр. 214
وقت الوتر: ما بين صلاة العشاء وطلوع الفجر، والأفضل أن يؤخرها إلى آخر صلاة الليل. روى أبو داود (١٤١٨) أن النبي ﷺ قال: " إن الله أمدكم بصلاة وهي خير لكم من حمر النعم، وهي الوتر، فجعلها لكم فيما بين العشاء إلى طلوع الفجر". وروى البخاري (٩٥٣) ومسلم (٧٤٩)، عن النبي ﷺ قال: " إجعلوا آخر صلاتكم من الليل وتراً ".
هذا إن رجا الإنسان أن يقوم من آخر الليل، أما من خاف أن لا يقوم، فليوتر بعد فريضة العشاء وسنتها.
روى مسلم (٧٥٥) عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من خاف أن لا يقوم آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل ". مشهودة: أي تحضرها الملائكة.
وروى البخاري (١٨٨٠) ومسلم (٧٢١) عن أبي هريرة ﵁ قال: أوصاني خليلي بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أرقد. أي أصلي الوتر قبل أن أنام.
وأقل الوتر ركعة، لكن يكره الاقتصار عليها، وأقل الكمال ثلاث ركعات: ركعتان متصلتان، ثم ركعة منفردة. ومنتهى الكمال فيها إحدى عشر ركعة، يسلم على رأس كل ركعتين، ثم يختم بواحدة:
روى مسلم (٧٥٢)، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " الوتر ركعة من آخر الليل ".
وروى البخاري (١٠٧١) ومسلم (٧٣٦) وغيرهما ـ واللفظ له ـ
стр. 215
عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي ما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة. فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر، وتبين له الفجر، وجاءه المؤذن، قام فركع ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على شقه الإيمان حتى يأتيه المؤذن للإقامة.
[ركعتين خفيفتين: هما سنة الفجر].
وروى أبو داود (١٤٢٢)، عن أبي أيوب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " الوتر حق على كل مسلم، فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل ".
[حق: مشروع ومطلوب].
٣ـ قيام الليل:
وهو ما يسمى بالتهجد إن فعل بعد النوم، والتهجد: ترك الهجود، والهجود: النوم، أي ترك النوم.
وقيام الليل سنة غير محددة بعدد من الركعات، تؤدى بعد الاستيقاظ من النوم، وقبل أذان الفجر.
ودليل مشروعية قيام الليل قوله تعالى: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محمودا﴾ (سورة الإسراء: ٧٩) أي اترك الهجود ـ وهو النوم ـ وقم فَصلَّ واقرأ القرآن.
[نافلة لك: زيادة على الفرائض المفروضة عليك خاصة].
وروى مسلم (١١٦٣) وغيره، عن أبي هريرة ﵁ قال: