← Фикх шафии

Фикх шафии · id 6369

الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 678 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

سُنَن الصَّلاَة السَّنة: هي ما يطلب من الإنسان فعله على غير سبيل الحتم، بحيث يثاب المسلم على فعله ولا يعاقب على تركه. وللصلاة أركان وشروط لا بد من فعلها على سبيل الإلزام أو الحتم، كي تصح الصلاة، وقد ذكرناها فيما سبق. وللصلاة أيضاً سنن يطلب من المصلي فعلها، ولكن لا على سبيل الحتم، بحيث يزداد ثواب الصلاة بفعلها ولا عقاب على تركها. وهذه السنن تؤدى في أثنائها، وسنن تؤدى عقبها. (أ) السنن التي تؤدي قبل الصلاة: وهي لا تزيد على الأمور الثلاثة التالية: الأول ـ الأذان: قد مر تعريفه وبيان دليله وشروطه وما يتعلق بذلك. الثاني ـ الإقامة: وقد مر أيضاً تعريفها وبيان شروطها والفرق بينها وبين الآذان.

стр. 142

الثالث ـ اتخاذ سترة أمامه: تحول بينه وبين المارين، كجدار، وعموم، وعصا، أو كان يبسط أمامه مصلى كسجادة ونحوها. فإذ لم يجد خط خطاً. روى البخاري (٤٧٢)، ومسلم (٥٠١)، عن ابن عمر ﵁: أن رسول الله ﷺ كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة، فتوضع بين يديه، فيصلي إليها والناس وراءه، كان يفعل ذلك في السفر. [الحربة: رمح قصير عريض النصل. بين يديه: قدامه]. والأفضل أن تكون السترة قريبة من موضع سجوده، فقد روى البخاري (٤٧٤)، ومسلم (٥٠٨)، عن سهل بن سعد ﵁ كان بين مصلى رسول الله ﷺ وبين الجذار ممر الشاة. [مصلى: موضع السجود. ممر الشاة: سعة ما تمر منه الشاة]. (ب) السنن التي تؤدى أثناء الصلاة: وهي أيضاً تنقسم إلى قسمين: أبعاض، وهيئات. (ف الأبعاض) كل ما يجبر تركه بسجود السهو في آخر الصلاة. (والهيئات) كل ما يجبر تركه بسجود السهو. وسنشرح سجود السهو وما يتعلق به من أبحاث آخر الكلام عن أعمال الصلاة. ونبدأ بتعداد أبعاض الصلاة أولاً، ثم هيئاتها ثانياُ. * الأبعاض: ١ـ التشهد الأول: ويقصد به التشهد في الجلوس الذي لا يعقبه سلام، وهو الجلوس

стр. 143

الذي يكون على رأس ركعتين في صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء فيسن التشهد فيه. جاء في حديث المسيء صلاته عند أبي داود (١١٧٣) ومسلم (٥٧٠) أن رسول الله ﷺ قام في صلاة الظهر وعليه جلوس فلما أتم صلاته سجد سجدتين. (أي تعويضاً عن التشهد الأول الذي تركه بترك الجلوس له، فلو كان ركناً لاضطر إلى الإتيان به، ولم ينجبر تركه بسجود السهو). ٢ـ الصلاة على النبي عقب التشهد الأول. هي أيضا سنة يجبر تركها بالسجود. ٣ـ الجلوس للتشهد الأول: أي فهي إذا ثلاث سنن مستقلة: سنة الجلوس، وسنة التشهد فيه، ثم سنة الصلاة على النبي ﷺ . ٤ـ الصلاة على آل النبي ﷺ بعد التشهد الأخير الذي هو ركن: أي يسن عند أداء ركن التشهد في الجلسة الأخيرة، وركن الصلاة على النبي ﷺ ، الصلاة على آل النبي ﷺ ، لما مر معك من الصيغة الكاملة للصلاة على النبي ﷺ . ٥ـ القنوت عند الاعتدال من الركعة الثانية في صلاة الفجر، وفي آخر ركعة من الوتر في النصف الثاني من رمضان، وفي اعتدال الركعة الأخيرة من أي صلاة بالنسبة لقنوت النازلة:

стр. 144

روى أحمد وغيره، عن أنس ﵁ قال: "ما زال رسول الله ﷺ يقنت في الصبح حتى فارق الدنيا". وروى البخاري (٩٥٦)، ومسلم (٦٧٧)، عن أنس ﵁، قد سئل: أقنت النبي ﷺ الصبح؟ قال: نعم، فقيل له: أوقنت قبل الركوع؟ قال: بعد الركوع يسيراً. [ينظر البيهقي في الصبح وفي قنوات الوتر]. وتؤدي سنة القنوت بأن يثني المصلي على الله تعالى ويدعوه بأي لفظ شاء كأن يقول: "اللهم أغفر لي يا غفور" ولكن الكمال في أدائها يكون بالتزام الدعاء الوارد عن رسول الله ﷺ في ذلك. روى أبو داود (١٤٢٥) عن الحسن بن على ﵁ قال: علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في الوتر: "اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك في فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضي عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت" ويسن للإمام أن يأتي به بصيغة الجمع. قال الترمذي (٤٦٤): هذا حديث حسن وقال: ولا نعرف عن النبي ﷺ قي القنوات في الوتر شيئاً أحسن منه. وعند أبي داود (١٤٢٨) أن أبي بن كعب ﵁ أمهم ـ يعني في رمضان ـ وكان يقنت في الصنف الأخر من رمضان. وروى الحاكم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا رفع رأسه من الركوع من صلاة الصبح في الركعة الثانية، رفع يديه يدعو بهذا الدعاء: " اللهم أهدني فيمن هديت ... ".

стр. 145

واستحب العلماء أن يزاد فيه: فلك الحمد على ما قضيت، نستغفرك اللهم ربنا ونتوب إليك، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم. للأخبار الصحيحة في الصلاة على النبي ﷺ بعد الدعاء والذكر. [مغني المحتاج (١/ ١٦٦ - ١٦٧)]. ويسنّ أن يرفع يديه أثناء هذا القنوت، ويجعل بطنها لجهة السماء. * الهيئات: وقد ذكرنا أن الهيئات هي: سنن الصلاة التي إن تركها المصلي لم يُسنَّ جبرها بسجود السهو، بخلاف الأبعاض. والهيئات تتلخص فيما يلي: ١ - رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام وعند الركوع والرفع منه: وكيفية أداء هذه السنَّة: أن يرفع كفيه مستقبلاً بهما القبلة، منشورتي الأصابع، محاذياً بإبهاميه لشحمتي الأذنين، على أن تكون كفَّاه مكشوفتين. روي البخاري (٧٠٥)، ومسلم (٣٩٠)، عن ابن عمر ﵄ قال: رأيت النبي ﷺ افتتح التكبير في الصلاة، فرفع يديه حين يكبر، حتى يجعلهما حذو منكبيه، وإذا كبر للركوع فعل مثله، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فعل مثله وقال: ربنا ولك الحمد، ولا يفعل ذلك حين يسجد، ولا حين يرفع رأسه من السجود.

стр. 146

٢ - وضع يده اليمنى على ظهر يده اليسرى، وذلك في الوقوف: وكيفية ذلك: أن يضع يده اليمنى على ظهر كف ورسغ اليسرى، ويقبض على اليسرى بأصبع يده اليمنى، ويكون محل ذلك تحت صدره وفوق سرَّته. لخبر مسلم (٤٠١)، عن وائل بن حُجْر ﵁: أنه رأى النبي ﷺ رفع يديه حين دخل في الصلاة ... ثم وضع يده اليمنى على اليسرى. وعند النسائي (٢/ ١٢٦): ثم وضع يده اليمنى على كفه اليسرى والرسغ والساعد. ٣ - النظر إلى موضع السجود: فيكره أن يتوزع نظره فيما حوله، أو أن ينظر إلى الأعلى أو إلى شئ أمامه حتى ولو كان الكعبة، بل يُسنُّ أن يجعل نظره الدائم إلى موضع سجوده، إلا عند التشهد، فليجعل نظره إلى سبابته التي يشير بها عند التشهد. دليل ذلك: اتباع فعل النبي ﷺ . ٤ - افتتاح الصلاة بعد التكبير بقراءة التوجه: ولفظه، ما رواه مسلم (٧٧١)، عن علي ﵁ عن رسول الله ﷺ : أنه كان أذا قام إلى الصلاة قال: "وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين".

стр. 147

[وجهت وجهي: قصدت بعبادتي. فطر: ابتدأ خلقها. حنيفاً: مائلاً إلى الدين الحق. نسكي: عبادتي وما أتقرب به إلى الله تعالى]. مكان استحباب التوجه: تستحب قراءة التوجه في افتتاح المفروضة والنافلة، للمنفرد وللإمام والمأموم، بشرط أن لا يبدأ بقراءة الفاتحة بعد، فإن بدأ بها- وقد علمت أن البسملة جزء منها- أو بالتعوذ، فاتت سنية قراءة التوجه، فلا ينبغي أن يعود إليه ولو كان ناسياً. ولا تستحب قراءة التوجه في صلاة الجنازة، ولا في صلاة الفريضة إذا ضاق وقتها، بحيث خشي إن اشتغل بقراءة التوجه أن يخرج الوقت. ٥ - الاستعاذة بعد التوجه: وهي أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. يبدأ بها قراءة الفتاحة، فإذا شرع في قراءة الفاتحة قبل أن يستعيذ، فاتت الاستعاذة وكره أن يعود إليها. لقوله سبحانه: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ [النحل: ٩٨]. ٦ - الجهر بالقراءة في موضعه والإسراء في موضعه: والمواضع التي يسنّ فيها الجهر بالقراءة هي: ركعتا صلاة الفجر، والركعتان الأوليتان من المغرب والعشاء، وصلاة الجمعة، والعيدين، وخسوف القمر، وصلاة الاستسقاء، والتراويح، ووتر رمضان، كل ذلك بالنسبة للإمام والمنفرد فقط. ويسنّ الإسرار فيما عدا ذلك. دلّ على ذلك أحاديث منها:

стр. 148

- ما روى البخاري (٧٣٥)، ومسلم (٤٦٣)، عن جبير بن مطعم ﵁: سمعت رسول الله ﷺ قرأ المغرب بالطور. - ما رواه البخاري (٧٣٣)، ومسلم (٤٦٤)، عن البراء ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقرأ: "والتين والزيتون" في العشاء، وما سمعت أحداً أحسن صوتاً منه، أو قراءة. - ما رواه البخاري (٧٣٩)، ومسلم (٤٤٩)، من حديث ابن عباس ﵁ في حضور الجن واستماعهم القرآن من النبي ﷺ وفيه: وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له. روى البخاري (٧٤٥)؛ ومسلم (٤٥١)، عن أبي قتادة ﵁: أن النبي ﷺ كان يقرأ بأمِّ الكتاب وسورة معها في الركعتين الأُّوْلَيَيْنِ من صلاة الظهر وصلاة العصر. وفي رواية: وهكذا يفعل في الصبح. مع ما سبق من أحاديث الجهر بالقراءة. وروى أبو داود (٨٢٣و٨٢٤)؛ والنسائي (٢/ ١٤١) وغيرهما، عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: كنا خلف رسول الله ﷺ في صلاة الفجر فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: "لعلكم تقرؤون خلف إمامكم" قال: قلنا يا رسول الله، أي والله، قال: "لا تفعلوا إلا بأمّ القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها". وفي رواية: "فلا تقرؤوا بشيء من القرآن إذا جهرت به إلا بأم القرآن". وفي حال عدم سماعه الإمام تعتبر الصلاة كأنها سرية في حقه. فهذه الأحاديث تدل على أنه ﷺ كان يجهر بقراءته بحيث يسمعها من حضر.

стр. 149

ودل على السر في غير ما ذُكر، ما رواه البخاري (٧١٣)، عن خبّاب ﵁، وقد سأله سائلٌ: أكانَ رسولُ الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: نعم، قلنا: بمَ كنتم تعرفون ذلك؟ قال: باضْطِرابِ لِحْيَتهِ. روى البخاري (٧٣٨)؛ ومسلم (٣٩٦)، عن أبي هريرة ﵁ قال: في كل صلاة يقرأ، فما أسمعنا رسول الله ﷺ أسمعناكم وما أخفى عنا أخفينا عنكم. ولم ينقل الصحابي ﵃ الجهر في غير تلك المواضع. وستأتي أدلة الصلوات الخاصة في مواضعها. ويتوسط في النفل المطلق في الليل بين السر والجهر، قال تعالى: ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلاً﴾ [الإسراء: ١٠]. والمراد صلاة الليل. ٧ - التأمين عند انتهاء الفاتحة: وهو أن يتبع قوله تعالى: ﴿ولا الضالين﴾ بكلمة "أمين". والتأمين سنّة لكل مصلِّ في كل صلاة، يجهر بها في الجهرية، ويسرّ بها في السرية، ويجهر بها المأموم تبعاً للإمام. ومعنى آمين: استجب يارب. وروى البخاري (٧٤٨)، ومسلم (٤١٠)، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا قال أحدكم - وفي رواية عند مسلم: في الصلاة - آمين، وقالت الملائكة في السماء: آمين، فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه".

стр. 150

وروى البخاري (٧٤٧)، ومسلم (٤١٠)، عن أبي هريرة ﵁ قال: "إذا أمن الإمام فأمنوا، فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه". روى أبو داود (٩٣٤)، عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا تلا: ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ قال: آمين، حتى يسمع من يليه من الصف الأول. وزاد ابن ماجه (٨٥٣): فيرتج بها المسجد. ٨ - قراءة شئ من القرآن بعد الفاتحة: وتتحقق السنة بقراءة سورة من القرآن مهما قصرت، أو بقراءة ثلاثة آيات متواليات. ومكان استحبابها الركعتان الأوليتان فقط من كل صلاة، بالنسبة للإمام، والمنفرد مطلقاً. وبالنسبة للمقتدي أيضاً في الصلاة السرّية، أو حيث يكون بعيداً لا يسمع قراءة الأمام. ويسن أن يقرأ في الصبح والظهر من طوال المفصل، كالحجرات، والرحمن، وفي العصر والعشاء، من أواسطه، كالشمس وضحاها، والليل إذا يغشى، وفي المغرب من قصاره، كقل هو الله أحد. لحديث النسائي (٢/ ١٦٧)، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة ﵁ قال: ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله ﷺ من فلان، فصلينا وراء ذلك الإنسان، وكان يطيل الأولين من الظهر ويخفف في الأخريين، ويخفف في العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في العشاء بالشمس وضحاها وأشباهها، ويقرأ في الصبح بسورتين طويلتين.

стр. 151

ويسنّ أيضاً أن يقرأ في صبح الجمعة: ﴿الم تنزيل﴾ السجدة في الركعة الأولى، و ﴿هل أتى﴾ في الركعة الثانية. لما روى البخاري (٨٥١)، ومسلم (٨٨٠)، عن أبي هريرة ﵁ قال: كان النبي ﷺ يقرأ في الجمعة، في صلاة الفجر: ﴿الم تنزيل﴾ - السجدة - و ﴿هل أتى على الإنسان﴾. ويسن تطويل الركعة الأولى على الثانية في جميع الصلوات، لما رواه البخاري (٧٢٥)، ومسلم (٤٥١): كان النبي ﷺ ... يطول في الأولى ويقصر في الثانية. ٩ - التكبير عند الانتقالات: عرفنا أن تكبيرة الإحرام بالصلاة ركن لا تصح بدونه. فإذا دَخلتَ في الصلاة وكبرتَ تكبيرة الإحرام، يسنّ لك أن تكبّر مثلها عند كل انتقال من الانتقالات، ما عدا الرفع من الركوع فيسن بدلاً من التكبير قول: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، لما رواه البخاري (٧٥٦)، ومسلم (٣٩٢)، عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة، يكبر حين يقوم ويكبر حين يركع، ثم يقول: "سمع الله لمن حمده" حين يقيم صلبه من الركوع ثم يقول وهو قائم: "ربنا ولك الحمد" ثم يكبر حين يهوي للسجود، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس. ١٠ - التسبيح عند الركوع والسجود: وكيفية ذلك أن يقول إذا أستقر راكعاً: سبحان ربي العظيم

стр. 152

وبحمده (ثلاث مرات). وأن يقول إذا استقر ساجداً: سبحان ربي الأعلى وبحمده (ثلاث مرات). وهذا أدنى درجات الكمال، فإن زاد على الثلاث كان أفضل. [أنظر الركوع في الأركان]. ١١ - وضع اليدين على أول الفخذين في جلستي التشهد: وكيفية أن يبسط اليسرى، مع ضم الأصابع إلى بعضها، بحيث تكون رؤوس الأصابع مسامتة لأول الركبة، ويقبض يده اليمنى إلا الأصبع المسبِّحة، وهي التي تسمى السبَّابة، فإنه يمدها منخفضة عند أول التشهُّد حتى إذا وصل إلى قوله: إلا الله، أشار بها، إلى التوحيد ورفعها. ويسن أن تبقى مرفوعة دون أن يحركها إلى آخر الصلاة. روى مسلم (٥٨٠) عن ابن عمر ﵄ في صفة جلوسه ﷺ قال: كان إذا جلس في الصلاة، وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض أصابعه كلها، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام، ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى. ١٢ - التورّك في الجلسة الأخيرة والافتراش في غيرها: التورُّك: هو أن يجلس المصلي على وركه الأيسر، وأن ينصب رجله اليمنى، ويخرج الرجل اليسرى من تحتها. والورك: هو الفخذ. والافتراش هو أن يجلس المصلي على كعب رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى على رؤوس أصابعها. روى البخاري (٧٩٤) من حديث أبي حُمَيد الساعدي ﵁ قال: أنا كنت أحفَظَكم لصلاة رسول الله ﷺ ... وفيه: فإذا جَلَسَ

стр. 153

في الرَّكْعَتَيْنِ جلس على رجله اليسرى، ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة الآخرةِ قدَّم رجله اليسرى، ونصب الأخرى، وقعد على مقْعَدَتِهِ. [قدم رجله اليسرى: أي من تحت رجله اليمنى منصوبة]. وعند مسلم (٥٧٩)، عن عبدالله بن الزبير ﵄: كان رسول الله ﷺ إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى بين فخذيه وساقه، وفرض قدمه اليمنى. ١٣ - الصلوات الإبراهيمية ثم الدعاء بعد التشهد الأخير: عرفت فيما مضى أن الصلاة على النبي ﷺ ركن في جلسة التشهد الأخيرة، ويتأدى الركن بأي صيغة من الصلاة على النبي ﷺ . أما اختيار الصلوات الإبراهيمية - وقد مضى ذكر نصَّها- فسنَّة. فإذا أتمها يسن أن يستعيذ من عذاب القبر، ومن عذاب النار، أو من عذاب النار، أو أن يدعو لنفسه بما شاء؛ على أن لا يطيل ذلك قدر قراءة التشهد والصلاة على النبي ﷺ . وروى مسلم (٥٥٨) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر المسيح الدجال". ١٤ - التسليمة الثانية: ذكرنا أن التسليمة الأولى ركن، وهي التي تكون مع الالتفات إلى جهة اليمين.

стр. 154

فإذا فعلها فقد انتهت أركان الصلاة وواجباتها، إلا أنه يسنَّ أن يضيف إليها تسليمة أخرى، ملتفتاً إلى جهة اليسار. روى مسلم (٥٨٢) عن سعد ﵁ قال: كنت أرى رسول الله ﷺ يسلِّم عن يمينه وعن يساره حتى أري بياض خده. وروى أبو داود (٩٩٦) وغيره، عن ابن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ كان يسلّم عن يمينه وعن شماله حتى يُرى بياض خده: "السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله". قال الترمذي: حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح. ١٥ - التزام الخشوع في سائر الصلاة: معنى الخشوع: الخشوع يقظة القلب إلى ما يردّده اللسان من القراءات والأذكار والأدعية، بأن يتدبر كل ذلك ويتفاعل مع معانيه، ويشعر أنه يناجي ربه . والصحيح أن الخشوع- بهذا المعنى- في جزء من أجزاء الصلاة أمرٌ لا بد منه؛ بحيث إذا كانت الغفلة مطبقة على صلاته كلها من أولها إلى آخرها، كانت صلاة باطلة. أما استمرار الخشوع في سائر أجزاء الصلاة فهو سنَّة مكمّلة. روى مسلم (٢٢٨)، عن عثمان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ ﷺ يقول: "ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها، إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة، وذلك الدهر كله". [يؤت: يعمل. كبيرة: ذنباً كبيراً كالتعامل بالربا وشرب الخمر

стр. 155

ونحو ذلك. وذلك الدهر كله: أي تكفير الذنوب الصغيرة بسبب الصلاة مستمر طوال العمر لتكرر الصلاة كل يوم]. فهذه السنن كلها تسمى هيئات، فلو ترك المصلي شيئاً منها لم يسنّ جبره بالسجود للسهو، بخلاف القسم الأول وهو ما يسمى أبعاضاَ، فإن المصلي إذا ترك شيئاً منه يسن له أن يعوِّضه بالسجود للسهو. (ج) السنن التي تؤدي عقب كل صلاة: ويسنّ عقب الصلاة الأمور التالية: ١ - الاستغفار والذكر والدعاء: وروى مسلم (٥٩١)، أن النبي ﷺ كان إذا انصرف من صلاته استغفر الله ثلاثاً، وقال: "اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت ياذا الجلال والإكرام". ولا مانع من رفع الصوت بذلك للإمام إذا أراد التعليم، فإذا تعلموا خفض، فقد روى البخاري (٨٠٥)؛ ومسلم (٥٨٣)، عن ابن عباس ﵄ أخبر: أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي ﷺ . وروى مسلم (٥٩٦)، عن كعب بن عجرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "معقبات لا يخيب قائلهن دبر كل صلاة مكتوبة: ثلاث وثلاثون تسبيحة، وثلاث وثلاثون تحميدة، وثلاث وثلاثون تكبيرة". ومن حديث أبي هريرة ﵁ (٥٩٧) "وكبر الله ثلاثاً وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له

стр. 156

الملك وله الحمد، وهو على كل شئ قدير. غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر". [خطاياه: الذنوب الصغيرة. زبد البحر: ما يعلو على وجه مائه عند هيجانه وتموجه والمراد: مهما كانت كثيرة]. وروى الترمذي (٣٤٧٠) أن النبي ﷺ قال: " من قال دبر صلاة الفجر وهو ثان رجله قبل أن يتكلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شئ قدير، عشر مرات، كتب له عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وكان في يومه ذلك كله في حرز من كل مكروه وحرس من الشيطان". وروى أبو داود (١٥٢٢)، عن معاذ بن جبل ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ أخذ بيده وقال: "يا معاذ، والله إني أحبك، فقال: أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك". وهناك أدعية وأذكار كثيرة وردت عقب الصلوات عامة، وعقب كل صلاة خاصة، تعرف من كتب السنة وكتب الأذكار. ٢ - أن ينتقل للنفل من موضع فرضه، لكثر مواضع السجود، فإنها تشهد له: والأفضل إن صلى في المسجد أن ينتقل إلى بيته، ودليل ذلك ما رواه البخاري (٦٩٨)؛ ومسلم (٧٨١)، عن النبي ﷺ قال: "فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة".

стр. 157

وروى مسلم (٧٧٨) أن النبي ﷺ قال: " إذا قضى أحدكم صلاته في مسجده، فليجعل لبيته نصيباً من صلاته، فإن الله جاعل من صلاته خيراً". ٣ - وإذا صلوا في المسجد، وكان وراءهم نساء، فإنه يسن لهم أن يمكثوا في أماكنهم حتى ينصرفن لأن الاختلاط بهن مظنة الفساد: روى البخاري (٨٢٨)، عن أم سلمة ﵂: أن النساء في عهد رسول الله ﷺ كن إذا سلمن من المكتوبة قمن وثبت رسول الله ﷺ ومن صلى من الرجال ما شاء الله، فإذا قام رسول الله ﷺ قام الرجال. وفي رواية عنها (٨٣٢) قالت: كان رسول الله ﷺ إذا سلم قام النساء حين يقضي تسليمه، ويمكث هو في مقامه يسيراً قبل أن يقوم قال ابن شهاب الزهري أحد الرواة: نرى - والله أعلم - أن ذلك كان لينصرف النساء قبل أن يدركهن أحد من الرجال. * * *

стр. 158

مَكروهَات الصَّلاَة قاعدة: كل مخالفة لسنة من السنن التي مضى بيانها، يدخل في نطاق المكروه. والمكروه هو: كل ما يثاب المصلّي على تركه امتثالاً، ولا يعاقب على فعله. فترك تكبيرات الانتقال مثلاً مكروه، لأن الإِتيان بها سنة، وترك الافتتاح بالتوجه أيضاً مكروه، لأن الافتتاح به سنة. إلا أن ثمة تصرفات خاصة أخرى يسن اجتنابها، ويكره للمصلي أن يتلبس بها، نذكر منها الأمور التالية: ١ - الالتفات في الصلاة بالعنق إلا لحاجة: روى أبو داود (٩٠٩) وغيره، أن النبي ﷺ قال: "لا يزال الله مقبلاً على العبد في صلاته ما لم يلتفت، فإذا التفت انصرف عنه". وقد بين النبي ﷺ أن الالتفات إنما: " هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العيد". روى ذلك البخاري (٧١٨). ولأن هذا الالتفات ينافي الخشوع المطلوب في الصلاة.

стр. 159

أما إذا كان هناك داع إلى الالتفات، كمراقبة عدو مثلاً فإنه لا يكره ودليل ذلك ما رواه أبو داود (٩١٦) بإسناد صحيح: عن سهل بن الحنظلية قال: ثوب بالصلاة - يعني صلاة الصبح- فجعل رسول الله ﷺ يصلي وهو يلتفت إلى الشعب، قال أبو داود: وكان أرسل فارساً إلى الشعب من الليل يحرس. [ثوب: من التثويب والمراد به هنا إقامة الصلاة]. وهذا إذا كان الالتفات بالعنق، أما إذا التفت بصدره فحوَّله عن القبلة؛ فإنه يبطل صلاته لتركه ركن الاستقبال. وأما اللمح بالعين دون الالتفات، فإنه لا بأس به، فقد ذكر ابن حبان في صحيحه (٥٠٠) من حديث علي بن شيبان ﵁ قال: قدمنا على رسول الله ﷺ فصلينا معه، فلمح بمؤخر عينه رجلاً لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، فقال: "لا صلاة لمن لا يقيم صلبه". أي لا يطمئن في ركوعه. ٢ - رفع بصره إلى السماء: وروى البخاري (٧١٧)، عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: "ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم؟ ثم قال: لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم" وروى مسلم مثله (٤٢٨)، (٤٢٩)، عن جابر بن سمرة وأبي هريرة ﵄. ٣ - كف الشعر وتشمير أطراف الثواب أثناء الصلاة: روى البخاري (٧٧٧)؛ ومسلم - واللفظ له - عن النبي ﷺ قوله: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم ولا أكف ثوباً ولا شعراً". والسنة إرسال ثيابه على سجيتها.

стр. 160

٤ - الصلاة عند حضرة طعام تتوق نفسه إليه؛ لانشغال نفسه به مما يفوت عليه الخضوع في الصلاة: روى البخاري (٦٤٢)؛ ومسلم (٥٥٩)، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة، فابدؤوا بالعشاء ولا يعجل حتى يفرغ منه". ٥ - الصلاة عند حصر البول أو الغائط: لأنه - والحالة هذه - لا يمكنه إعطاء الصلاة حقها من الخشوع والحضور. قال رسول الله ﷺ : "لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان". أي البول والغائط. (رواه مسلم: ٥٦٠)، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا نعس أحدكم - وهو يصلي - فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس، لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه". ٧ - الصلاة في الأماكن التالية: الحمَّام، الطريق، السوق، المقبرة، الكنيسة، المزبلة، وأعطان الإبل، وهي مباركها، لمظِنَّة وجود النجاسة في بعضها، وانشغال القلب في بعضها الآخر. وللنهي عن الصلاة في هذه المواضع روى الترمذي (٣٤٦)، أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة في المزبلة والمجزرة والمقبرة، وقارعة

стр. 161

الطريق، وفي الحمَّام، وفي معاطن الإِبل، وفوق ظهر البيت. وقال الترمذي: إسناد هذا الحديث ليس بذاك القوي. [المجزرة: مكان الجزر أي الذبح. قارعة الطريق: أعلاه ووسطه حيث يمر الناس. البيت: الكعبة]. وقد صح عند ابن حبان (٣٣٨) حديث: "الأرض مسجد إلا المقبرة والحمام". كما صح عنده أيضاً (٣٣٦) حديث: "لا تصلوا في أعْطان الإبل". أي مباركها حول الماء. (رواه الترمذي: ٣٤٨، وغيره). * * *

стр. 162

أمورٌ تخالِفُ فيهَا المَرأة الرجَّل يُسنُّ للمرأة أن تخالف الرجل في خمسة أشياء، وهي: أولاً: تضم بعضها إلى بعض في السجود، بأن تضم مرفقيها إلى جنبيها أثناء السجود، وتلصق بطنها بفخذيها، بخلاف الرجل فإنه يُسنُّ أن يباعد مرفقيه عن جنبيه ويرفع بطنه عن فخذيه. روى البيهقي (٢/ ٢٣٢): أنه ﷺ مرَّ على امرأتين تصلِّيان، فقال: "إذا سجدتما فضما بعض اللحم إلى الأرض، فإن المرأة ليست في ذلك كالرجل". ثانياً: تخفض المرأة صوتها في حضرة الرجال الأجانب، فلا تجهر بالصلاة الجهرية خشية الفتنة، قال تعالى: ﴿فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض﴾ [الأحزاب: ٣٢]. [تخضعن بالقول: تُلَيِّنَّ كلامكنَّ. مرض: فسوق وقلة ورع]. وهذا يدل على أن صوت المرأة قد يثير الفتنة، فيطلب منها خفض الصوت بحضرة الأجانب.

стр. 163

بخلاف الرجل فإنه يسن أن يجهر في مواضع الجهر. ثالثاً: إذا ناب المرأة شئ أثناء الصلاة، وأرادت أن تنبه أحداً من حولها لأمر ما، فإنها تصفق بأن تضرب يدها اليمنى على ظهر كف اليسرى. أما الرجل، فيسن إذا نابه شئ في الصلاة أن يسبَّح بصوت مرتفع سهل بن سعد ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "من رابه شيء في صلاته فليسبح، فإنه إذ سبح التفت إليه، وإنما التصفيق للنساء". [التصفيق هنا: ضرب ظاهر الكف اليسرى بباطن الكف اليمنى. رابه: شك في أمر يحتاج إلى تنبيه. ولفظ مسلم (نابه): أي أصابه شئ يحتاج فيه إلى الإعلام]. رابعاً: جميع بدن المرأة عورة ما عدا وجهها وكفيها، كما مر بيانه. لقوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ [النور: ٣١] والمشهور عند الجمهور: أن المراد بالزينة مواضعها، وما ظهر منها هو الوجه والكفَّان (رواه ابن كثير: ٣/ ٢٨٣). روى أبو داود (٦٤٠) وغيره، عن أم سلمة ﵂، إنها سألت النبي ﷺ : أتصلي المرأة في درع وخمار وليس عليها إزار؟ قال: "إذا كان الدرع سابغاً، يغطي ظهور قدميها". [الدرع: قميص المرأة الذي يغطي بدنها ورجليها. خمار: ما تغطي المرأة به رأسها. سابغ: طويل].

стр. 164

وواضح: أنه إذا غطى ظهور قدميها حال القيام والركوع، انسدل أثناء السجود، غطى باطن القدمين، لانضمام بعضها إلى بعض. [وانظر بحث شروط الصلاة]. أما الرجل فعورته ما بين سرته وركبته، فلو صلى والمستور من جسمه ما بين السرة والركبة فقط صحت صلاته. روى الدارقطني (١/ ٢٣١)؛ والبيهقي (٢/ ٢٢٩)، مرفوعاً: "ما فوق الركبتين من العورة، وما أسفل من السرة من العورة". وروى البخاري (٣٤٦)، عن جابر ﵁: أنه صلى في ثوب واحد، وقال: رأيت النبي ﷺ يصلي في ثوب واحد. وفي رواية (٣٤٥): صلى جابر في إزارٍ قد عقده من قبل قفاه. [والإزار في الغالب ثوب يستر وسط الجسم، أي ما بين السرة والركبة وما قاربهما]. خامساً: لا يسنُّ الأذان للمرأة ويسن لها الإقامة، فلو أذنت بصوت منخفض لم يكره، واعتبر لها ذلك من الذكر الذي يثاب عليه، أما إن رفعت صوتها به كره، فإن خيفت الفتنة حرم. بخلاف الرجل فقد علمت أن الأذان سنَّة له عند القيام إلى كل مكتوبة. *****

стр. 165

مُبطلاَت الصَّلاَة تبطل الصلاة إذا تلبَّس المصلي بواحد من الأمور التالية: ١ - الكلام العمد: ويقصد به ما عدا القرآن والذكر والدعاء. روى البخاري (٤٢٦٠)، ومسلم (٥٣٩)، عن زيد بن أرقم ﵁ قال: كنا نتكلم في الصلاة يكلم أحدنا أخاه في حاجته، حتى نزلت هذه الآية: ﴿حافظوا على الصلوات الوسطى وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فأمرنا بالسكوت. [قانتين: خاشعين]. وروى مسلم (٥٣٧)، عن معاوية بن حكم السُّلَمي ﵁ أن النبي ﷺ قال له - وقد سمت عاطساً في صلاته-: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شئ من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن". وعُدَّ الكلام الذي تبطل فيه الصلاة، ما كان مؤلفاً من حرفين فصاعداً، وإن لم يفهم منه معنى، أو كان يعبّر عنه بحرف واحد إذا كان له معنى، مثل كلمة "قِ" أمراً من الوقاية، و"عِ" من الوعي، و"فِ" من الوفاء.

стр. 166

أما إن تكلم ناسياً أنه في الصلاة أو كان جاهلاً لتحريمه لقرب عهده بالإسلام، فيعفا عن سير الكلام، وهو ما لم يزد على ست كلمات. ٢ - الفعل الكثير: والمقصود به الفعل المخالف لأفعال الصلاة، بشرط أن يكثر ويتوالى، لأنه يتنافى مع نظام الصلاة، وضابط الكثرة ثلاث حركات فصاعداً، وضابط الموالاة أن تعدَّ الأعمال متتابعة بالعرف، فإن الصلاة تبطل. ٣ - ملاقاة نجاسة لثوب أو بدن: والمقصود بالملاقاة: أن تصيب النجاسة شيئاً منهما ثم لا يبادر المصلي إلى إلقائها فوراً، فعندئذ تبطل الصلاة، لأنه حدث ما يتنافى مع شرط من شروط الصلاة، وهو طهارة البدن والثوب من النجاسة. فإن أصابته النجاسة بإلقاء ريح أو نحوه وتمكن من إلقائها عنه فوراً، بأن كانت يابسة؛ لم تبطل صلاته. ٤ - انكشاف شيء من العورة: وقد عرفت حد العورة بالنسبة لكل من المرأة والرجل في الصلاة أما إن انكشفت بدون قصده: فإن أسرع فسترها فوراً، لم تبطل، وإلا بطلت، لفقدان شرط من شروطها في جزء من أجزائها. ٥ - الأكل أو الشرب: لأنهما يتنافيان مع هيئة الصلاة ونظامها.

стр. 167

وحد المبطل من ذلك للمعتمد؛ أيُّ قَدْرٍ من الطعام أو الشرب مهما كان قليلاً. أما بالنسبة لغير المعتمد، فيشترط أن يكون كثيراً في العرف. وقد قدر الفقهاء الكثير بما يبلغ مجموعه قدر حُمصه، فلو كان بين أسنانه بقايا من طعان لا يبلغ هذا القرار فبلعها مع الريق دون قصد لم تبطل. ويدخل ف يحد الطعام المبطل للصلاة: ما لو كان في فمه سكرة فذاب شئ منها في فمه، فبلع ذلك الذوب. ٦ - الحدث قبل التسليمة الأولى: لا فرق بين أن يكون ذلك عمداً أو سهواً، لفقدان شرط من شروط الصلاة - وهو الطهارة من الحدث - قبل تمام أركانها. أما إن أحدث بعد التسليمة الأولى وقبل الثانية، فقد تمت صلاته صحيحة. وهذا محل إجماع عند جميع المسلمين. ٧ - التنحنح، والضحك، والبكاء، والأنين إن ظهر بكلٍّ من ذلك حرفان: فضابط إبطال هذه الأمور الأربعة للصلاة: أن يظهر فيه حرفان، وأن لم يكونا مفهومين. أما إن كان قليلاً، بحيث لم يسمع فيه إلا حرفٌ واحد، أو لم يظهر فيه أي حرف لم تبطل. هذا إذا لم يكن مغلوباً على أمره، بأن تعمَّد ذلك، أما إذا غلب عليه، بأن فاجأه السعال أو غلب عليه الضحك، لم تبطل صلاته. أما التبسم فلا تبطل به الصلاة. وكذلك الذكر والدعاء إذا قصد به مخاطبة الناس، فإنها تبطل،

стр. 168

كما إذا قال لإنسان: يرحمك الله. لأنه يعتبر عندئذ من كلام الناس، والصلاة لا تصلح له، كما علمت. ٨ - تغير النيَّة: ضابط ذلك: أن يعزم على الخروج من الصلاة، أو يعلِّق خروجه منها على أمر، كمجيء شخص ونحوه. فإن صلاته تبطل بمجرد طروء هذا القصد عليه. وعلة بطلان الصلاة بذلك: أن الصلاة لا تصلح إلا بنية جازمة، وهذا القصد أو العزم يتنافى مع النية الجازمة. ٩ - استدبار القبلة: لأن استقبالها شرط أساسي من شروط الصلاة، سواء تعمَّد ذلك أو أداره شخص غصباً، إلا أنه في حالة العمد تبطل الصلاة فوراً، وفي حالة الإِكراه لا تبطل إلا إذا استقر مدة وهو مستدبر لها. فإن استدار إلى القبلة بسرعة لم تبطل صلاته، والاستقرار وعدمه يحددهما العرف. *****

стр. 169

سُجوُد السَّهُو السهو لغة: نسيان الشيء والغفلة عنه. والمقصود بالسهو هنا: خلل يوقعه المصلي في صلاته، سواء كان عمداً أو نسياناً، ويكون السجود- ومحله في آخر الصلاة- جبراً لذلك الخلل. حكم سجود السهو: هو سنَّة عند حدوث سبب من أسبابه التي سنتحدث عنها، فإن لم يسجد لم تبطل صلاته. ولم يكن واجباً، لأنه لم يشرع لترك واجب كما سنرى. ودليل مشروعيته ما روه البخاري (١١٦٩)، عن أبي هريرة ﵁ قال: صلَّى بنا النبي ﷺ الظهر أو العصر، فسلَّم، فقال له ذو اليدين: الصلاة يا رسول الله، أنقصت؟ فقال النبي ﷺ : " أَحَقُّ ما يَقُولُ؟ ". قالوا: نعم، فَصلَّى ركعتين أُخْرَيَتَيْنِ، ثمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْن. وأدلة أخرى تأتي فيما يلي:

стр. 170

أسباب سجود السهو: ١ - أن يترك المصلي بعضاً من أبعاض الصلاة التي مرّ ذكرها كالتشهد الأول والقنوت: روى البخاري (١١٦٦)؛ ومسلم (٥٧٠)، عن عبدالله بن بُحَيْنَة ﵁ أنه قال: صلى لنا رسول الله ﷺ رَكْعَتَيْن من بعض الصلوات- وفي رواية: قام من اثنتين من الظهر - ثم قام فلم يجلس، فقان الناس معه، فلما قضى صلاته ونظرنا تسليمه، كبَّر قبل التسليم، فسجد سجدتين وهو جالس، ثم سلم. [نظرنا: انتظرنا]. وروى ابن ماجه (١٢٠٨)؛ وأبو داود (١٠٣٦) وغيرهما، عن المغيرة بن شعبة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا قام أحدكم من الركعتين، فلم يَسْتَتِمَّ قائماً فليجلس، وإذا اسْتَتَمَّ قائماً فلا يجلس، ويسجد سَجْدَتَي السَهْو". ٢ - الشك في عدد ما أتى به من الركعات: فيفرض العدد الأقل، ويتمم الباقي ثم يسجد للسهو، جبراً لاحتمال أنه قد زاد في صلاته. فلو شك هل هو صلى الظهر ثلاثاً أو أربعاً، فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمساً شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتماماً لأربع كانتا تَرْغِيماً للشيطان".

стр. 171

[شفعن: جعلنها زوجاً كما ينبغي أن تكون. ترغيماً: إغاظة وإذلالاً]. أما لو شك بعد الخروج من الصلاة، فإن هذه الشك لا يؤثر على صحة صلاته وتمامها إلا في النية وتكبيرة الإحرام، فتلزمه الإعادة. وسهو المأموم حال قدوته بالإمام - وذلك كان سها عن التشهد الأول - يحمله الإمام، ولا يلزمه سجود السهو بعد سلام الإمام، ودليل ذلك قوله ﷺ : "الإِمام ضامن" (رواه ابن حبان وصححه: ٣٦٢). ٣ - ارتكاب فعل منهي عنه سهواً، إذا كان يبطل عمده الصلاة: كما إذا تكلم بكلمات قليلة أو أتى بركعة زائدة سهواً، ثم تنبه إلى وذلك وهو في الصلاة، فيسجد للسهو. ٤ - نقل شئ من أفعال الصلاة ركناً كان أو بعضاَ، أو سورة نقلها إلى غير محلها، وهو القيام: مثاله: قرأ الفاتحة في جلوس التشهد، أو قرأ القنوت في الركوع، أو قرأ السورة التي يسنُّ قراءتها بعد الفاتحة في الاعتدال، فيسن أن يسجد لذلك سجود سهو في آخر الصلاة. * كيفية السجود ومحله: سجود السهو سجدتان كسجدات الصلاة، ينوي بهما المصلي سجود السهو، ومحله آخر صلاته قبل السلام؛ فلو سلَّم المصلي قبل السجود عامداً أو ناسياً وطال الفصل؛ فات السجود، وإلا بأن قصر الفصل فله أن يتدارك السجود بأن يسجد مرتين بنية السهو ثم يسلِّم مرة أخرى. *****

стр. 172

سَجدَاتُ التِّلاَوَة يسنّ سجدات التلاوة للقارئ داخل الصلاة وخارجها، وللمستمع خارج الصلاة. ودليل ذلك ما رواه البخاري (١٠٢٥)، عن ابن عمر ﵁ قال: كان النبي ﷺ يقرأ علينا السورة فيها السجدة، فيسجد ونسجد، حتى ما يجد أحدنا موضع جبهته. وروى مسلم (٨١) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويْلَهُ، أُمِرَ ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار". وروى البخاري (١٠٢٧) عن عمر ﵁ قال: " يا أيها الناس إنا نَمُرُّ بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه ". وفي رواية عن ابن عمر ﵄: أن الله لم يفرض علينا السجود إلا أن نَشَاء.

стр. 173

عدد سجدات التلاوة: وسجدات التلاوة في القرآن أربع عشر سجدة، وهي في السور التالية: سجدة في الأعراف، والرعد، والنحل، والإسراء، ومريم، وسجدتان في الحج، وسجدة في الفرقان، والنمل، وألم تنزيل، وحم السجدة، والنجم، والانشقاق، والعلق. ومن أراد سجود التلاوة كبَّر للإحرام رافعاً يديه، ثم كبَّر للهوي بلا رفع، وسجد سجدة واحدة كسجدات الصلاة، ثم سلَّم. وتكبيرة الإحرام والسلام شرطان فيها، ويشترط فيها أيضاً ما يشترط في الصلاة من الطهارة، واستقبال القبلة، وغير ذلك. *****

стр. 174

صَلاَة الجَمَاعَة تاريخ إقامتها: أقام النبي ﷺ الجماعة بعد الهجرة الشريفة، فلقد مكث ﷺ مدة مقامه في مكة ثلاث عشرة سنة يصلي بغير جماعة، لأن الصحابة كانوا مقهورين، يصلّون في بيوتهم، فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة أقام الجماعة وواظب عليها. حكمها: الصحيح أنها - فيما عدا صلاة الجمعة - فرض كفاية، لا تسقط فرضيتها عن أهل البلدة إلا حيث يظهر شعارها؛ فإن لم تُؤدَّ فيها مطلقاً أو أديت في خفاء أثم أهل البلدة كلهم، ووجب على الإِمام قتالهم. والأصل في مشروعيتها قوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك﴾ [النساء: ١٠٢]. وهذا في صلاة الخوف، وإذا ورد الأمر بإقامة الجماعة في الخوف كانت في الأمن أولى. وكذلك قوله ﷺ : "صلاة الجماعة تفضل صلاة الفَذِّ بسبع وعشرين درجة" (رواه البخاري: ٦١٨؛ ومسلم: ٦٥٠). وكذلك ما رواه أبو داود (٥٤٧)، وصحَّحه ابن حبان (٤٢٥)

стр. 175

وغيرهما: أنه ﷺ قال: " ما من ثلاثة في قرية أو بدو لا تقام فيهم الجماعة إلا استحوذ عليهم الشيطان فعليك بالجماعة، فإنما يأكل الذئب القاصية". [استحوذ عليهم: غلبهم واستولى عليهم وحوَّلهم إليه. القاصية: الشاة البعيدة عن القطع]. حكمة مشروعيتها: إنما ينهض عمود الإسلام على تعارف المسلمين وتآخيهم وتعاونهم لإحقاق الحق وإزهاق الباطل؛ ولا يتم هذا التعارف والتآخي في مجال أفضل من مجال المسجد عندما يتلاقى فيه المسلمون لأداء صلاة الجماعة كل يوم خمس مرات. ومهما فرقت مصالح الدنيا بينهم وأورثت الأحقاد في نفوسهم، فإن في ثباتهم على التلاقي في صلوات الجماعة ما يمزق بينهم من حجب الفرقة ويذيب من قلوبهم الأحقاد والأضغان؛ إن كانوا حقاً مؤمنين بالله ولم يكونوا منافقين فيما يتظاهرون به من صلاة وعبادة وسعي إلى المساجد. الأعذار المقبولة في التخلف عن صلاة الجماعة: الأعذار قسمان: أعذار عامة، أعذار خاصة. أما الأعذار العامة: فكمطر، وريح عاصف بليل، ووحل شديد في الطريق. روي أن أبن عمر ﵄: أذَّن للصلاة في ليلة ذات بردٍ وريح، (رواه البخاري: ٦٣٥؛ ومسلم: ٦٩٧)، ثم قال: أَلاَ صَلوا في

стр. 176

الرِّحَالِ، ثم قال: إن رسول الله ﷺ كانَ يَأمر المُؤَذَّنَ إذَا كانَتْ لَيْلَةٌ ذات برد ومطر أن يقول: " ألا صلوا في رحالكم". أي منازلكم ومساكنكم. وأنت تعلن أن هذه الأعذار قلما تتحقق اليوم إلا في القرى، بل في بعض القرى. * وأما الأعذار الخاصة: فكمرض وجوع وعطش شديدين، وكخوف من ظالم على نفس أو مال، ومدافعة حدث من بول أو غائط. لما رواه البخاري (٦٤٣)؛ ومسلم (٥٥٩): " إذا وُضِعَ عَشَاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعِشاء، ولا يعجلن حتى يفرغ منه"، ولخبر مسلم (٥٦٠): "لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان". وكملازمة غريم له إذا خرج إلى الجماعة وهو معسر، وأكل ذي ريح كريه، أو يكون مرتدياً ثياباً قذرة تؤذي بقذارتها أو ريحها. فكل واحدة من هذه الحالات تعتبر عذراً شرعياَ يسوغ لصاحبه التخلف عن حضور الجماعة. روى البخاري (٨١٧)؛ ومسلم (٥٦٤)، عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: " من أكل ثوماً - وقيس غيره من الأعذار عليه- فليعتزلن، أو قال: فليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته". شروط من يقتدى به: لا بد فيمن يكون إماماً أن تتوفر فيه شروط معينة- أكثرها نسبية، حسب حال المأموم- ونلخصها في الأمور التالية: ١ - أن لا يعلم المقتدي بطلان صلاة إمامه أو يعتقد ذلك: مثاله: أن يجتهد اثنان في جهة القبلة فاعتقد كل منهما أن القبلة في جهة غير التي اعتقدها الآخر، فلا يجوز أن يقتدي أحدهما بالآخر

стр. 177

لأن كلاًّ منهما يعتقد أن الآخر مخطئ في اتجاهه وأن صلاته إلى تلك الجهة غير صحيحة. ٢ - أن لا يكون أميّاً، والمقتدي قارئ: والمقصود بالأمي هنا من لا يتقن قراءة الفاتحة بحيث يخل بقراءتها إخلالاً يفوّت حرفاً أو شدة أو نحو ذلك. فإن كان المقتدي مثله جاز اقتداء كل منهما بالآخر. ٣ - أن لا يكون امرأة، والمقتدي رجل: فإن كان المقتدي أيضاً امرأة جاز اقتداء كلٍّ منهما بالآخر لقوله ﷺ : " لا تَؤُمَّنَّ امرأة رجلاً" (رواه ابن ماجه). من الصفات التي يستحب أن يتحلى بها الإمام: يجدر أن يكون إمام القوم أَفقهم، وأَقرأهم، وأصلحهم، وأَسَنََّهُم. ومهما تحققت هذه الصفات في الإِمام كانت الصلاة خلفه أفضل وكان الثواب بذلك أرجى. روى مسلم (٦١٣) عن ابن مسعود ﵁ قال رسول الله ﷺ : " يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواءً فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواءً فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواءً فأقدمهم سناً". واعلم أنه لا يجوز اقتداء المتوضئ بالمتيمم وبماسح الخف، والقائم بالقاعد، والبالغ بالصبي، والحر بالعبد، والصحيح بالمسلس، والمؤدي بالقاضي، والمفترض بالمتنفل وبالعكس.

стр. 178

كيفية الاقتداء: لا يتحقق الاقتداء المشروع إلا بشروط وكيفيات ينبغي مراعاتها، وهي كثيرة نلخصها فيما يلي: ١ - أن لا يتقدم المأموم على الإمام في المكان: فإن تقدَّم عليه بطل اقتداؤه، لقوله ﵊: " إنما جعل الإمام ليؤتم به" (رواه البخاري: ٦٥٧؛ ومسلم: ٤١١). والائتمام الاتباع، وهو لا يكون إلا حيث يكون التابع متأخراً، لكن لا تضر مساواته له في الموقف وإن كان ذلك مع الكراهة، وإنما يندب تخلفه عنه قليلاً، فإذا تقدم عليه بطلت صلاته، والاعتبار في التقدم والتأخر بالعقب، وهو مؤخر القدم. فإن كان المقتدي اثنين فأكثر، اصطفوا خلف الإمام وإن كان واحداً وقف عن يمينه، فإذا جاء ثانٍ وقف عن يساره، ثم رجعا أو تقدم الإمام. روى مسلم عن جابر ﵁ قال: صليت خلف رسول الله ﷺ ، فقمت عن يمينه، ثم جاء جابر بن صخر فقام عن يساره، فأخذ بأيدينا جميعاً حتى أقامنا خلفه. ويسن أن لا يزيد ما بين الإمام والمأموم على ثلاثة (١)، وهكذا بين كل صفِّين. وإذا صلى خلف الإِمام رجال ونساء صفَّ الرجال أولاً ثم النساء بعدهم، وإذا صلى رجل وامرأة صف الرجل عن يمين الإِمام، والمرأة خلف الرجل. أما جماعة النساء، فتقف إمامتهن وسطهم لثبوت ذلك عن عائشة وأم سلمة ﵄. (رواه البيهقي بإسناد صحيح).

стр. 179

ويكره وقوف المأموم منفرداً في صف وحده، بل يدخل الصف إن وجد سعة، وإن لم يجد سعة، فإنه يندب أن يجر شخصاً واحداً من الصف إليه بعد الإحرام (١)، ويندب للمجرور أن يساعده ويرجع إليه لينال فضيلة المعاونة على البر. ٢ـ أن يتابعه في انتقالاته وسائر أركان الصلاة الفعلية: وذلك بأن يتأخر ابتداء فعل المأموم عن فعل الإمام، ويتقدم على فراعه. فإن تأخر المأموم عن الإمام قدر ركن كره ذلك، وإن تأخر عنه قدر ركنين طويلين: كأن ركع واعتدل ثم سجد ورفع ولا يزال المأموم واقفاً من دون عذر، بطلت صلاته. وأما إذا كان لتأخره عذر بأن كان بطيئاً في القراءة، فله أن يتخلف عن الإمام بثلاثة أركان، فإن لم تكلف لمتابعته فيما بعد وجب عليه أن يقطع ما هو فيه ويتابع الإمام، ثم يتدارك الباقي بعد سلام إمامه. ٣ـ العلم بانتقالات الإمام: وذلك بأن يراه، أو يرى بعض صف، أو يسمع مبلغاً. ٤ـ أن لا يكون بين الإمام والمأموم فاصل مكاني كبير: إذا لم يكونا في المسجد، أما إذا جمعهما مسجد، فإن الاقتداء صحيح مهما بعدت المسافة بينهما، أو حالت أبنية نافذة. أما إذا كانا في خارج المسجد أو كان الإمام في المسجد والمقتدي خارجه، فيشترط عندئذ أن لا تبتعد المسافة بين الإمام والمقتدي.

стр. 180

وضبط ذلك ما يلي: أولاً: إذا كان الإمام والمقتدي في فضاء، كبيداء ونحوها، اشترط أن لا تزيد المسافة بينهما على ثلاثمائة ذراع هاشمي أي (١٥٠) متر تقريباً. ثانياً: أن يكون كل منهما في بناء، مثل بيتين أو صحن وبيت، وجب ـ علاوة على الشرط المذكورـ اتصال صف من أحد البناءين بالآخر، إن كان بناء الإمام منحرفاً يميناً أو يساراً عن موقف المأموم أو المقتدي. ثالثاً: أن يكون الإمام في المسجد وبعض المقتدين في خارج المسجد، فالشرط هو أن لا تزيد مسافة البعد ما بين طرف المسجد وأول مقتد يقف خارجه على ثلاثمائة ذراع هاشمي. ٥ـ أن ينوي المقتدي الجماعة أو الاقتداء: ويشترط أن تكون النية مع تكبيرة الإحرام. فلو ترك نية الاقتداء وتابعه مع ذلك في الانتقالات والأفعال، بطلت صلاته إن اقتضت متابعته أن ينتظره انتظاراً كثيراً عرفاً، أما إن وقعت المتابعة اتفاقاً بدون قصد أو كان انتظار للإمام انتظاراً يسيراً فلا تبطل صلاته بذلك. أما الإمام فلا يجب عليه أن ينوي الإمامة، بل يستحب له ذلك، لتحصل له فضيلة الجماعة، فإن لم ينو لم تحصل له، إذ ليس للمرء من عمله إلا ما نوى. قال رسول الله ﷺ : " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى". [رواه البخاري: ١، ومسلم: ١٩٠٧]. ويحصل المأموم على فضيلة الجماعة ما لم يسلم الإمام، إدراك
следующие страницы →