← Фикх шафии

Фикх шафии · id 6369

الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 678 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

أضجعوه على قفاه وجعلوا وجهه مرفوعاً قليلاً بحيث يوجه إلى القبلة، وكذا أخمصاه، وهما أسفل الرجل، يسن توجيهها إلى القبلة. ٢ - يسن أن يلقن الشهادة وهي كلمة " لا إله إلا الله " بشكل رفيق وبدون إلحاح، وذلك بأن يردد على سمعه كلمة لا إله إلا الله، دون أن يأمره بقولها، لخير مسلم (٩١٦، ٩١٧) " لقنوا موتاكم: لا إله إلا الله ". ٣ - يسن أن يقرأ عنده سورة يس لحديث: " اقرءوا على موتاكم يس" (رواه أبو داود: ٣١٢١؛ وابن حبان: ٧٢٠، وصححه)، والمقصود بموتاكم من قد حصره الموت. ٤ - يسن للمريض الذي شعر بنذير الموت وسكراته ن يحسن ظنه بالله تعالى، وأن يلقي صور آثامه ومعاصيه وراء ظهره، متصوراً أنه يقبل على رب كريم يغفر له الذنوب كلها، ما دام محافظاً على إيمانه وتوحيده، له، للحديث الصحيح: " أنا عند ظن عبدي بي" (رواه البخاري: ٦٨٧٠؛ ومسلم: ٢٦٧٥). ما يطلبه فعله بالمسلم عقب موته: إذا مات وفاضت روحه، ندب تنفيذ الأمور التالية: ١ - تغميض عينيه، وشد لحييه بعصابة، ولئلا يبقى فمه مفتوحاً. ولأن النبي ﷺ دخل على أبي سلمة ﵁ عنه وقد شق بصره - أي شخص فأغمضه. (رواه مسلم: ٩٢٠). ٢ - تليين مفاصله، ورد كل منها إلى مكانه، بأن يلين ساعده ثم يمده إلى عضده وكذلك رجليه وبقية أعضائه.

стр. 247

٣ - وضع شئ ثقيل على بطنه، كي لا ينتفخ، فيقبح منظره، كما يندب ستر جميع بدنه بثوب خفيف. ٤ - يسن نزع جميع ثيابه منه، ووضعه على سريره ونحوه مما هو مرتفع عن الأرض، وتوجيهه للقبلة كساعة الاحتضار، وليتول فعل ذلك أرفق محارمه به. ما يجب فعله إذا فارق الإنسان الحياة وتحقق موته: يندب المبادرة فوراً إلى تجهيزه، أي إلى غسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه. وهذه الأربعة أجمع المسلمون على أنها فروض كفاية، تتعلق بجميع المسلمين من أهل البلدة، إذا لم يقم أحد منهم بها أثم الجميع. ١ - غسل الميت: وأول أعمال التجهيز هو الغسل وله كيفيتان: الكيفية الأولى: وهي أقل ما يتحقق به معنى الغسل ويرتفع به الإثم، هي: أن يزال ما قد يكون على جسمه من النجاسة، ثم يعمم سائر بدنه بالماء. الكيفية الثانية: وهي أكمل ما تتحقق به السنة، أن يتبع غاسله ما يلي: أولاً: يوضع الميت في مكان خال على مرتفع كلوح ونحوه، وتستر عورته بقميص أو نحوه. ثانياً: يجلسه الغاسل على المغتسل مائلاً إلى الوراء، ويسند رأسه بيده اليمنى، ويمر بيده اليسرى على بطنه بتحامل وشده ليخرج ما قد

стр. 248

يكون فيه، ثم يلف يده اليسرى بخرقة أو قفاز ويغسل سوأتيه، ثم يتعهد فمه ومنخريه فينظفها، ثم يوضئه كما يتوضأ الحي. ثالثاً: يغسل رأسه ووجهه بصابون ونحوه من المنظفات، ويسرح شعره إن كان له شعر، فإن نتف منه شئ أعاده إليه ليدفنه معه. رابعاً: يغسل كامل شقه الأيمن مما يلي وجهه، ثم شقه الأيسر مما يلي وجهه أيضاً، ثم يغسل شقه الأيمن مما يلي القفا ثم شقه الأيسر مما يلي القفا أيضاً، وبذلك يعمم جسمه كله بالماء. فهذه غسلة أولى، ويسن أن يكرر مثل هذه الغسلة مرتين أخريين، وبذلك يتم غسله ثلاث مرات، وليمزج بالماء شيئاً من الكافور في الغسلة الأخيرة، إذا كان الميت غير محرم. والدليل على ما سبق: ما رواه البخاري (١٥٦)؛ ومسلم (٩٣٩)، عن أم عطية الأنصارية ﵂ قالت: دخل علينا رسول الله ﷺ ونحن نغسل ابنته فقال: " اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك إن رأيتن، بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافوراً، وشيئاً من كافور، وابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها". [صدر: ورق مدقوق لنوع من الشجر يستعمل في التنظيف. كافور: كمام النخل وهو زهره]. فإن كان محرماً، غسل كغيره، دون أن يمس كافوراً أو غيره مما له رائحة طيبة. روى البخاري (١٢٠٨)، عن ابن عباس ﵄: أن رجلاً وقصه بعيره، ونحن مع النبي ﷺ وهو محرم، فقال النبي ﷺ :

стр. 249

واغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين، ولاتمسوه طيباً ولا تخمروا رأسه فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبداً وفي رواية ملبياً ". [وقصه: رواه على الأرض وداس عنقه. تخمروا: تغطوا. ملبداً: من التلبيد، والتلبيد: هو أن يجعل في شعره شيئاً من صمغ ونحوه عند الإحرام، ليلتصق بعض ببعض، فلا يتساقط منه شئ، ولا ينشأ فيه شئ من الحشرات كالقمل ونحوه. ملبياً: أي وهو يلبي كما كان عند موته]. ويجب أن يغسل الرجل والمرأة، كما يؤخذ من الأحاديث السابقة، إلا أن الرجل أن يغسل زوجته، وللزوجة أن تغسل الرجل إلا امرأة أجنبيه سقط الغسل، واستعيض عنه بالتيمم. واعلم أن غسل الميت إنما شرع تكريماً له وتنظيفاً، فهو واجب بالنسبة لكل ميت مسلم، إلا شهيد المعركة كما ستعلم. ٢ - التكفين: أقل التكفين المطلوب أن يلفّ الميت بثوب يستر جميع بدنه، ورأسه إن كان غير محرم، والواجب ثوب يستر العورة على الأصح. وأكمله أن يُنْظر: فإن كان ذكراً، كفن في ثلاثة أثواب بيض، وتكون كلها لفائف طويلة على قدر طوله: عراضاً بحيث تلتف كل واحدة منها على جميع بدنه. فيكره أن يكفَّن بغير الأبيض كما يكره أن يكفن بما يشبه القميص، أو أن يستر رأْسه بما يشبه العمامة. لما رواه البخاري (١٢١٤)؛ ومسلم (٩٤١)، عن عائشة ﵂ قالت: كُفِّنَ

стр. 250

رسول الله في ثلاثة أثوابٍ بيضٍ سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة. [سحولية: ثياب بيض نقية لا تكون إلا من القطن، وقيل: منسوبة إلى بلد في اليمن]. ولما رواه الترمذي (٩٩٤) وغيره: أنه ﷺ قال: " البسوا من ثيابكم البياض، فإنها خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم ". وإن كانت أنثى: ندب أن تكفن في خمسة أثواب بيض هي: إزار يستر من سرتها إلى أدنى جسمها، وخمار يستر رأسها، وقميص يستر أعلى جسمها إلى ما دون الإزار، ولفافتان تحتوي كل منهما على جميع جسدها. لما رواه أبو داود (٣١٥٧) وغيره: أن النبي ﷺ أمر أن تكفن ابنته أم كلثوم ﵂ في ذلك. وهذا في غير المحرم كما علمت، فإن كان الميت محرماً وجب كشف رأْسه، لما مرّ من حديث الذي وقصته ناقته وهو محرم، ووجه المرأة المحرمة في هذا كرأْس الرجل. ويجب أن يكون قماش الكفن من جنس ما يجوز للميت لبسه لو كان حياً، فلا يجوز أن يكفن الذكر بالحرير البلدي. وينبغي أن يجعل على منافذ جسمه وأعضاء سجوده قطن عليه حنوط أو كافور، وتشد خرق على اللفائف، ثم تحلّ في القبر.

стр. 251

٣ - الصلاة على الميت: ودل على مشروعيتها: ما رواه البخاري (١١٨٨)؛ ومسلم (٩٥١)، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، فخرج إلى المصلى، فصف بهم، وكبر أربعاً. ولا تصح إلا بعد غسله، وكيفيتها كما يلي: ١ - يكبر تكبيرة الإحرام ناوياً الصلاة على الميت، وكيفية النية أن يخطر في باله: أن يصلي أربع تكبيرات على هذا الميت فرض كفاية. ٢ - فإذا كبر، وضع يديه على صدره مثل الصلاة العادية، وقرأ الفاتحة. ٣ - وإذا أتمّ الفاتحة كبر تكبيرة ثانية، رافعاً يديه إلى شحمة أذنيه، ثم وضع يديه مرة أخرى على صدره، وقرأ أي صيغة من صيغ الصلاة على النبي ﷺ ، وأفضلها الصلاة الإبراهيمية التي مرت معك في أحكام الصلاة. ٤ - ثم يكبر التكبيرة الثالثة، ويدعو للميت بعدها، وهو المقصود الأعظم من الصلاة على الميت. روى البخاري (١٢٧٠)، عن طلحة بن عبدالله بن عوف قال: صليت خلف ابن عباس ﵄ على جنازةٍ، فقرأ بفاتحة الكتاب، فقال: ليعلموا أنها سنة.

стр. 252

وروى النسائي (٤/ ٥٧)) بإسناد صحيح عن أبي أمامة بن سهل ﵁ أنه أخبره رجل من اًصحاب النبي ﷺ : أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سراً في نفسه، ثم يصلي على النبي ﷺ ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات، ولا يقرأ في شئ منهن، ثم يسلم سراً في نفسه. وأقل الدعاء أن يقول: اللهم ارحمه أو اغفر له. وأكمله أن يدعو له بالدعاء المأثور عن النبي ﷺ : فيدعو أولاً بهذا الدعاء: " اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان" (رواه الترمذي: ١٠٢٤؛ وأبو داود: ٣٢٠١). ثم يقول: " اللهم هذا عبدك وابن عبديك .. وإن كانت أنثى قال: اللهم هذه أمتك وابنة أمتك، خرج من روح الدنيا وسعتها، ومحبوبه وأحبائه فيها، إلى ظلمة القبر وما هو لاقيه، كان يشهد أن لا إله إلا الله أنت وحدك وأن محمداً عبدك ورسولك، وأنت أعلم به منَّا. اللهم إنه نزل بك وأنت خير منزول به، وأصبح فقيراً إلى رحمتك، وأنت غني عن عذابه، وقد جئناك راغبين إليك، شفعاء له. اللهم إن كان محسناً فزد في إحسانه وإن كان مسيئاً فتجاوز عنه، ولقه برحمتك رضاك، وقه فتنة القبر وعذابه وأفسح له في قبره، وجاف الأرض عن جنبيه، ولقه برحمتك الأمن من عذابك، حتى تبعثه إلى جنتك يا أرحم الراحمين". فإن كان الميت طفلاً قال بدلاً من هذا الدعاء الثاني: " اللهم

стр. 253

اجعله فرطاً لأبويه وسلفاً وذخراً وعظة واعتباراً وشفيعاً. وثقل به موازينهما وأفرغ الصبر على قلوبهما ولا تفتنهما بعده ولا تحرمهما أجره". وهذه الأدعية التقطها الشافعي رحمه الله تعالى من مجموع الأخبار، وربما ذكرها بالمعنى، واستحسنها أصحابه, وأصح حديث في الباب ما رواه مسلم (٩٦٣) عن عوف بن مالك ﵁ قال: صلى رسول الله ﷺ على جنازة، فسمعته يقول: " اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه، وأكرم نزله ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقي الثوب الأبيض من الدنس، وأبدل له داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، وزوجاً خيراً من زوجه، وأدخله الجنة وقه فتنة القبر وعذاب النار". قال عوف: فتمنين أن لو كنت أنا الميت، لدعاء الرسول ﷺ على هذا الميت. [عافه: خلصه مما يكره]. ٥ - ثم يكبر التكبيرة الرابعة ويقول بعدها: " اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده واغفر لنا وله". (رواه أبو داود: ٣٢٠١؛ عن النبي ﷺ ). ٦ - ثم يسلم تسليمتين عن يمينه ويساره كل تسليمة كتسليمة الصلوات الأخرى. روى البيهقي (٤/ ٤٣) بإسناد جيد، عبدالله بن مسعود ﵁ قال: كان النبي ﷺ يفعل التسليم على الجنازة مثل التسليم في الصلاة. وأنت تلاحظ مما ذكرنا أن الصلاة على الميت كلها من قيام، فلا ركوع فيها ولا سجود ولا جلوس.

стр. 254

٤ - دفن الميت: أقل ما يجب في دفن الميت أن يدفن في حفرة تمنع انتشار رائحته وتمنع تسلط السباع عليه، مستقبلاً فيها القبلة. وأكمل ذلك أن يتبع فيه ما يلي: ١ - أن يدفعن في قبر بعمق قدر قامة الرجل المعتدل وبسطة يديه إلى الأعلى، وأن يوسع قدر زراع وشبر. روى أبو داود (٣٢١٥) والترمذي (١٧١٣) وقال: حسن صحيح، عن هشام بن عامر ﵁، عن رسول الله ﷺ قال في قتلى أحد: " احفروا وأوسعوا وأحسنوا ". ٢ - يجب أن يضجع على يمينه وأن يوجه إلى القبلة، بحيث لو لم يوجه إلى القبلة وردم عليه التراب، وجب نبش القبر وتوجيهه إلى القبلة، إن لم يقدر أنه قد تغير. ويندب أن يلصق خده بالأرض. ٣ - يسن أن يكون القبر لحدا إن كانت الأرض صلبة لخبر مسلم (٩٦٦) عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه قال: في مرض موته: ألحدوا لي لحداً وانصبوا علي اللبن نصباً، كما صنع برسول الله ﷺ . واللحد تجويف يفتح في الجدار القبلي للقبر، بمقدار ما يسع الميت، فيوضع الميت فيه، ثم يسدّ فم هذا التجويف بحجارة رقاق كي لا ينهال عليه التراب. فإن كانت الأرض رخوة ندب أن يكون القبر شقًاَ. والمقصود به شقِّ في أسفل أرض القبر بمقدار ما يسع الميت، ويبني طرفاه بلبنٍ

стр. 255

أو نحوه، فيوضع الميت فيه، ثم يسقف الشق من فوقه بحجارة رقاق، ثم يهال فوقه التراب. ٤ - يسنّ أن يسلّ الميت من قبل رأسه، بعد أ، يوضع عند أسفل القبر، ويمدد برفق في القبر. ٥ - روى أبو داود (٣٢١١) بإسناد صحيح أن عبدالله بن يزيد الخطميّ الصحابيّ ﵁، ادخل الحارث القبر من قبل رجلي القبر وقال: هذا من السنة. ويسن أن يدخل القبر لتسويته أقرب الناس إليه من الذكور، وأن يقول الذي يلحده: " بسم الله وعلى سنَّة رسول الله " للإتباع. روى أبو داود (٣٢١٣) والترمذي (١٠٤٦) وحسَّنه: عن ابن عمر رضي عنهما: أن النبي ﷺ كان إذا وضع الميت في القبر قال: " بسم الله، وعلى سنة رسول الله".

стр. 256

تشييع الجنازة (آدابها وبدعها) حكم تشييع الجنازة للرجال والنساء: اتباع الجنازة وتشييعها إلى القبر مستحب للرجال، لما رواه البراء بن عازب قال: أمرنا رسول الله ﷺ باتباع الجنازة، وعيادة المريض، وتشميت العاطس، وإجابة الداعي، ونصرة المظلوم. (رواه البخاري: ١١٨٢). ويستحب أن لا ينصرف عائداً إلا بعد أن يدفن الميت، روى البخاري (١٢٦١) ومسلم (٩٤٥) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من شهد الجنازة حتى يصلي عليها فله قيراط، ومن شهد حتى تدفن كان له قيراطان". قبل: وما القيراطان؟ قال: " مثل الجبلين العظيمين". أي من الأجر. أما النساء فلا يستحب لهن ذلك، بل هو خلاف السنة، وخلاف وصية رسول الله ﷺ . لما رواه البخاري (١٢١٩) ومسلم (٩٣٨) عن أم عطية ﵂ قالت: نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا. أي لم يشدد علينا في النهي ولم يحرم علينا الاتباع. ولما رواه ابن ماجه عن علي ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ ، فإذا نسوة جلوس، فقال: " ما يجلسكن"؟ قلن: ننتظر الجنازة. قال: " هل تغسلن "؟ قلن: لا. قال: " هل

стр. 257

تحملن"؟ قلن: لا. قال: ... " هل تدلين فيمن يدلي؟ " - أي هل تنزلن الميت في القبر؟ - فلن: لا. قال: " فارجعن مأزورات غير مأجورات" أي عليكن إثم، وليس لكن أجر، في اتباعكنّ الجنازة وحضور الدفن. ومن آداب تشييع الجنازة الأمور التالية: ١ - أن يشيعها ماشياً، فإن أحبَ أن يركب في العودة فلا بأس. روى البخاري (٣١٧٧) عن ثوبان ﵁: أن رسول الله ﷺ أتى بدابة، وهو مع الجنازة، فأبى أن يركبها. فلما انصرف أتى بدابة فركب، فقيل له، فقال: " إن الملائكة كانت تمشي، فلما أكن لأركب وهم يمشون، فلما ذهبوا ركبت". وحمل هذا على الندب، لما ثبت عنه ﷺ أنه ركب في بعض أحيانه. روى مسلم (٩٦٥) عن جابر بن سمرة ﵁ قال: " صلى رسول الله ﷺ على ابن الدحداح، ثم أتى بفرس عري، فعقله رجل فركبه، فجعل يتوقص به ونحن نتبعه، نسعى خلفه. [عري: لا سرج له. فعقله: أمسكه له. يتوقص: يتوثب. نسعى: نمشي بسرعة]. ٢ - يحرم حمل الجنازة على هيئة مزرية أو يخاف منها السقوط، ويسن ان تحمل في تابوت، لا سيما إذا كانت امرأة، رعاية لتكريم الله تعالى للإنسان. ٣ - يكره اللغط اثناء تشييع الجنازة، بل يسنّ أن لا يرفع صوته بقراءة ولا بذكر ولا غيرهما، وليستعض عن ذلك بالتفكر في الموت

стр. 258

والتأمل في عاقبة أمره. لحديث أبي داود (٣١٧١) عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: " لا تتبع الجنازة بصوت ولا نار". ٤ - الأفضل أن يمشي المشيعون أمام الجنازة على مقربة منها، لأنهم شفعاء لها عند الله ، فناسب أن يكونوا في مقدمتها. روى أبو داود (٣١٧٩) وغيره، عن ابن عمر ﵄ قال: رأيت النبي ﷺ وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة. وروى أيضاً (٣١٨٠) عن النبي ﷺ : الراكب يسير خلف الجنازة، والماشي خلفها وأمامها، وعن يمينها وعن يسارها، قريباً منها. ٥ - لا مانع من أن يشيع المسلم جنازة قريبه الكافر، ولا كراهة في ذلك. ٦ - تسن تعزية أهل الميت خلال ثلاث أيام من الموت، لما رواه ابن ماجه (١٦٠١) عن النبي ﷺ قال: " ما من مسلم يعزي أخاه بمصيبة إلا مساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة". [يعزي أخاه: يحثه على الصبر ويواسيه بمثل قوله: أعظم الله أجرك]. وتكره بعد ثلاثة أيام إلا لمسافر، لأن الحزن ينتهي بها غالباً فلا يستحسن تجديده. كما يكره تكرارها، والأولى أن تكون بعد الدفن لاشتغال أهل الميت بتجهيزه، إلا إن اشتد حزنهم فتقديمها أولى، مواساة لهم. وصيغتها المندوبة: " أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميتك، وعوضك الله عن مصيبتك خيراً ".

стр. 259

بدع الجنائز: ١ - كل ما يخالف آداب التشييع التي ذكرناها فهي بدعّ ينبغي التحرز منها، كتشييع الجنازة راكباً، وكرفع الأصوات معها. ٢ - حمل الأكاليل ونحوها مع الجنازة، فهي بدعةٌ محرمةٌ، تسللت إلى المسلمين تقليداً لعادات الكافرين في مراسيم جنائزهم، وفيها ما فيها من إضاعة المال دون فائدة، والمفاخرة والمباهاة. ٣ - القبور التي تحفر وتبني بطريقة مخالفة لما ذكرناه من ضابط عمق القبر واتساعه، وأفضلية اللحد ثم الشقّ. ٤ - يكره تشييد القبور، داخلها أو ظاهرها، بكل ما دخل فيه النار كالإسمنت والجص ونحوهما. روى مسلم (٩٧٠)، عن جابر ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر. وهو أن يوضع عليه الجص، وهو ما يسمى بالجبصين، فإن بني الرخام ونحوه كان حراماً، لمخالفته الشديدة لنهي رسول الله ﷺ ، ولما في ذلك من إضاعة المال المنهي عنه شرعاً، وما فيه من المباهاة والمفاخرة المقيتة في دين الله . ٥ - يكره كراهية تحريم تسنيم القبور والبناء عليها، على النحو الذي يفعله كثير من الناس اليوم، والسنَّة أن لا يرفع القبر عن الأرض أكثر من شبر واحد، للنهي عن كل ذلك. روى مسلم (٩٦٩) وغيره، أن على بن أبي طالي ﵁ قال لأبي الهياج الأسدي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ : " أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته.

стр. 260

[تمثالاً: صورة، والمراد هنا ما كان لذي روح. طمسته: محوته أو درسته. مشرفاً: مرتفعاً. سويته: مع الأرض بارتفاع قليل]. ٦ - الندب على الميت بتعديل شمائله- كأن يقول: واكهفاه واعظيماه - والنياحة، وهي كل فعل أو قول يتضمن إظهار الجزع، كضرب الصدر وشق الجيب ونحو ذلك. فذلك كله حرام، نهى رسول الله ﷺ عنه بأحاديث صحيحة وعبارات حاسمة، لما فيه من منافاة للانقياد والاستسلام لقضاء الله تعالى وقدره. روى مسلم (٩٣٥) عن أبي مالك الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: " النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة، وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب ". أي يسلط على أعضائها الجرب والحكة بحيث يغطي بدنها تغطية الدرع وهو القميص. وفي معناه السربال. والقطران نوع من صمغ الأشجار، تطلي به الإبل إذا جربت. وروى البخاري (١٢٣٢) عن عبدالله بن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ : " ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية ". [لطم: ضرب. الجيوب: جمع جيب، وهو فتحة الثوب من جهة العنق، أي شق ثيابه من ناحية الجيب. بدعوى الجاهلية: قال ما كان يقوله أهل الجاهلية، مثل: واعضداه، يا سند البيت، ونحوها]. ولا بأس في البكاء الطبيعي الناشئ عن العاطفة ورقة القلب. روى البخاري (١٢٤١) ومسلم (٢٣١٥، ٢٣١٦): أنه ﷺ بكى على ولده إبراهيم قبل موته، لما رآه يجود بنفسه، وقال: " إن العين

стр. 261

تدمع والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون". وروى مسلم (٩٧٦) عن أبي هريرة ﵁ قال: زار النبي ﷺ قبر أمه، فبكى وأبكى من حوله. ٧ - انشغال أهل الميت بصنع الطعام وجمع الناس عليه، كما هو المعتاد في هذا العصر، بدعة تناقض السنة وتخالفها مخالفة شديدة. وإنما السنة عكس ذلك، أي أن يقوم بعض المشيعين بتحضير الطعام وإرساله إلى أهل الميت، أو جمعهم عليه في بيت الداعي، ويستحب أن يكون كثيراً بحيث يكفي أهل الميت يومهم وليلتهم. وذلك لقوله ﷺ لما جاء خبر قتل جعفر بن أبي طالب: " اصنعوا لآل جعفر طعاماً فإنه قد جاءهم ما يشغلهم ". (رواه الترمذي: ٩٩٨؛ وأبو داود: ٣١٣٢ وغيرهما). ويحرم تهيئة الطعام للنائحات وأمثالهن، سواء كان ذلك من أهل الميت أم غيرهم، ذلك لأنه إعانة على معصية، وتحميس على الاستمرار فيها. ومن البدع ما يفعله أهل الميت من جمع الناس على الطعام بمناسبة ما يسمونه بمرور الأربعين ونحوه. وإذا كانت نفقة هذه الأطعمة من مال الورثة وفيهم قاصرون - أي غير بالغين - كان هذا الفعل من أشد المحرمات؛ لأنه أكل لمال اليتيم وإضاعة له في غير مصلحته. ويشترك في ارتكاب الحرمة كل من الداعي والآكل. ٨ - قراءة القرآن في محافل رسمية للتعزية، على النحو الذي يتم اليوم، فهي أيضاً بدعة. وإنما تسن تعزية أهل الميت خلال ثلاثة أيام من موته اتفاقاً، أي دون أن يعد أقارب الميت العدة لها.

стр. 262

حكم السقط والشهيد: والسقط: هو الولد النازل قبل تمامه. والشهيد: هو الذي يقتل في معركة تدار دفاعاً عن الإسلام، ولرفع لوائه. * فأما السقط فله حالتان: الحالة الأولى: أن لا يصيح عند الولادة، فإن لم يكن قد بلغ حمله أربعة أشهر بعد، لم يجب غسله ولا تكفيه ولا الصلاة عليه، ولكن يستحب تكفينه بخرقة والدفن دون الصلاة. الحالة الثانية: أن يصيح عند الولادة، أو يتيقن حياته باختلاج ونحوه، فيجب في حقه الصلاة مع جميع ما ذكر، لا فرق بينه وبين الكبير. روى الترمذي (١٠٣٢) وغيره، عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ : " إذا استهل السقط صلى عليه وورث ". [استهل: من الاستهلال وهو الصياح أو العطاس أو حركة يعلم بها حياته]. * وأما الشهيد: فلا يغسل، ولا يصلى عليه، ويسن تكفينه في ثيابه التي قتل بها. لما روه البخاري (١٢٧٨)، عن جابر ﵁: أن النبي ﷺ أمر في قتلى أحد بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلوا ولم يصل عليهم.

стр. 263

فإن جرح في المعركة، وبقيت فيه حياة مستقرة بعد انتهاء القتال، ثم ما لم يعتبر شهيداً من حيث المعاملة الدنيوية، وغسل وصلى عليه كالعادة، ولو كان موته بالسراية من الجرح. والحكمة من أن التشهد لا يغسل ولا يصلى عليه: إبقاء أثر الشهادة عليهم، والتعظيم لهم باستغنائهم عن دعاء الناس لهم. قال رسول الله ﷺ : " والذي نفس محمد بيده، ما من كلم يكلم في سبيل الله إلا جاء كهيئته حين كلم: اللون لون الدم والريح ريح مسك" (رواه البخاري: ٢٣٥؛ ومسلم:: ١٨٧٦) واللفظ له. [كلم: جرح. كهيئته: كحالته]. زيارة القبور: زيارة القبور التي دفن فيها مسلمون، مندوبة للرجال بالإجماع، لقوله ﷺ في الحديث الصحيح: " كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها". (رواه مسلم: ٩٧٧)، وعند الترمذي (١٠٥٤): " فإنها تذكر الآخرة". وقد مر معك حديث زيارته ﷺ قبر أمه. ولا يندب لها وقت محدد. أما النساء فيكره لهنّ زيارتها، لأنها مظنَّةٌ للتبرج والنواح ورفع الأصوات، روى أبو داود (٣٢٣٦) وغيره، عن ابن عباس ﵄ قال: (لعن الله زائرات القبور). ولكن يسن لهم زيارة قبر رسول الله ﷺ ، وينبغي أن يلحق بذلك قبور بقية الأنبياء والصالحين، شريطة أن لا يكون تبرج واختلاط وازدحام والتصاق بالرجال، ورفع أصوات، مما هو مظنة الفتنة، وما أكثره في زيارتهن!!.

стр. 264

من آداب زيارة القبور: إذا دخل الزائر المقبرة، ندب له أن يسلم على الموتى قائلاً: " السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون". (رواه مسلم: ٢٤٩). وليقرأ عندهم ما تيسر من القرآن، فإن الرحمة تنزل حيث يُقرأ القرآن، ثم ليدع لهم عقب القراءة، وليهدِ مثل ثواب تلاوته لأرواحهم، فإن الدعاء مرجو الإِجابة، وإذا استجيب الدعاء استفاد الميت من ثواب القراءة. والله أعلم. تم بحمد الله **********

стр. 265

الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى الجزء الثاني في الزكاة والصيام والحج تأليف الدكتور مصطفي الخِنْ ... الدكتور مصطفي البُغا على الشربجي دار القلم دمشق

стр. 266

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد: فقد وعدنا فيما مضى أن نخرج الفقه الإسلامي في مختلف موضوعاته وأبوابه على شكل سلسلة، يضم كل جزء منها موضوعات متقاربة، وبعد أن أصدرنا الجزء الأول في أحكام (الطهارة والصلاة) رأينا من الإقبال عليه ـ ولله الحمد والمنة ـ ما شجعنا على متابعة عملنا، وزادنا حرصاً على بذل الجهد للوفاء بوعدنا. وها نحن أولاء نقدم للقراء الكرام من أبناء أمتنا الجزء الثاني ويحتوي على أحكام العبادات التالية (الزكاة ـ الصيام ـ الحج والعمرة)، ونرجوا الله سبحانه أن يوفقنا لإنجاز باقي أجزاء هذه السلسلة، التي سوف تنتظم الفقه الإسلامي في شتى موضوعاته إن شاء الله تعالى. ومنه سبحانه نستمد العون والتوفيق، وهو نعم المولى ونعم النصير. دمشق في غزة محرم ١٤٠٢ هـ المؤلفون

стр. 267

﴿من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين﴾ " حديث شريف "

стр. 268

الزكاة أحكامها الفقهية وأدلتها وأسرارها

стр. 269

الزكاة تمهيد ١ـ الإسلام دين التعاون والتكافل: إن الإسلام تنظيم كامل وشامل، أكرم الله الإنسان وشرفه به، لكي يعيش أياماً سعيدة في حياته على هذه الأرض، وسعادته إنما تتم بأن يهتدي إلى هويته أولاً، فيعرف أنه عبد مملوك لإله واحد متصف بكل صفات الكمال هو ، ثم بأن تتحقق من حوله أسباب عيش كريم يمكنه من ممارسة عبوديته له ، ولا تتوفر للإنسان أسباب عيش كريم إلا عن طريق التعاون والتكافل، على أساس من الاحترام المتبادل، ودون أن يكون ذلك ذريعة بيد أحد لظلم أو استغلال. والإسلام ـ من دون الشرائع الوضعية كلها ـ هو التنظيم الذي يحقق هذه الحاجة الأساسية والخطيرة للإنسان، في التئام مع فطرته وتصعيد لمزاياه ونفسيته. وهو يحقق هذه الحاجة من خلال نظام متكامل يبدأ بتقويم العقيدة، ثم تقويم النظرة إلى الكون والحياة، ثم تقويم الخلق، ثم وضع الضوابط المنظمة والمقومة للسلوك، ثم تغذية ذلك كله والدخول تحت سلطانه باقتناع وطواعية. وليست شريعة الزكاة إلا ضابطاً من جملة الضوابط الكثيرة

стр. 270

التي شرعا الله تعالى لتقويم السلوك الإنساني بما يتلاءم مع شروط السعادة للمجموعة الإنسانية بوصفها التركيبي المتآلف، وبوصفها أفراداً ينشد كل منهم كرامته وسعادته الشخصية في هذه الحياة. إن وظيفة الزكاة ـ في نظرة كلية شاملة ـ هي مراقبة الدخل الفردي أن لا يطغى في نموه على ميزان العدالة بين الأفراد، وأن يظل نموه خاضعاً لأساس الاكتفاء الذاتي للجميع، نلاحظ هذا في قوله ﵊ لأصحابه الذين كان يرسلهم إلى المدن والقبائل: " ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله " ... فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم " أخرجه البخاري (١٣٣١) ومسلم (١٩) وغيرهم. وهكذا الشريعة الإسلامية، لا تكل الفرد إلى جهده وطاقته الشخصية وحدها في تدبير أمر نفسه وتوفير أسباب اكتفائه، كما لا تكله إلى ضميره الإنساني وحده في مد يد التعاون العادل والتناصر الإنساني إلى أيدي إخوانه، بل إنها ترسي القواعد والنظم التي تمد جهد الفرد ونشاطه الذاتي بعون يضمن له كرامة العيش ومستوى الاكتفاء، وترسي التشريعات الكافية لمراقبة الضمير الفردي أن لا يتمرد وتطغيه نوازع البغي والأنانية، ولضبطه ضمن خط العدل والاستقامة مع الآخرين، ولسوف تبدوا لك هذه الحقيقة إن شاء الله تعالى من خلال سيرك في معرفة أحكام الزكاة، وكيفية جمعها وسبل توزيعها، وما إلى ذلك من الأحكام المتعلقة بهذا الركن الإسلامي العظيم وذي الأهمية البالغة. ٢ـ معنى الزكاة: الزكاة: مأخوذة من زكا الشيء يزكو، أي زاد ونما، يقال:

стр. 271

زكا الزرع وزكت التجارة، إذا زاد ونما كل منهما. كما أنها تستعمل بمعنى الطهارة، ومنه قوله تعالى: "قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا " (الشمس: ٩) أي من طهرها ـ يعني النفس ـ من الأخلاق الرديئة. ثم استعملت الكلمة ـ في اصطلاح الشريعة الإسلامية ـ لقدر مخصوص من بعض أنواع المال، يجب صرفه لأصناف معينة من الناس، عند توفر شروط معينة سنتحدث عنها. وسمي هذا المال زكاة، لأن المال الأصلي ينمو ببركة إخراجها ودعاء الآخذ لها، ولأنها تكون بمثابة تطهير لسائر المال الباقي من الشبهة، وتخليص له من الحقوق المتعلقة به، وبشكل خاص حقوق ذوي الحاجة والفاقة. ٣ـ تاريخ مشروعيتها: الصحيح أن مشروعية الزكاة كانت في السنة الثانية من هجرة النبي ﷺ إلى المدينة، قُبَيْل فرض صوم رمضان. ٤ـ حكمها ودليلها: الزكاة ركن من أهم الأركان الإسلامية، ولها من الأدلة القطعية في دلالتها وثبوتها ما جعلها من الأحكام الواضحة، المعروفة من الدين بالضرورة، بحيث يكفر جاحدها: فدليلها من الكتاب: قوله تعالى: ﴿أَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ﴾ (البقرة: ٤٣) والأمر بها مكرر في القرآن في آيات كثيرة، كما ورد ذكرها في اثنين وثلاثين موضعاً. ودليلها من السنة: قول النبي ﷺ " بني الإسلام على خمس:

стр. 272

شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان " رواه البخاري (٨) ومسلم (١٦) وغيرهما. وقوله ﷺ في الحديث المتفق عليه ـ الذي مر ذكره ـ لمعاذ ﵁ عندما أرسله إلى اليمن: " ... فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم ". والأحاديث في هذا كثيرة أيضاً. ٥ـ حكمتها وفوائدها: للزكاة حكم وفوائد كثيرة يصعب حصرها جميعاً في هذا الكتاب الموجز، وهي في جملتها تعود لصالح المعطي والآخذ، لصالح الفرد والمجتمع، وإليك بعض هذه الحكم والفوائد: أولاً: من شأن الزكاة أن تعود المعطي على الكرم والبذل، وأن تقتلع من نفسه جذور الشح وعوامل البخل، وخصوصاً عندما يلمس بنفسه ثمرات ذلك، ويتنبه إلى أن الزكاة تزيد في المال أكثر مما تنقص منه، وصدق رسول الله ﷺ إذ يقول: " ما نقصت صدقة من مال " مسلم: (٢٥٨٨) وكيف تنقصه؟! والله سبحانه يبارك له بسبب الصدقة بدفع المضرة عنه وكف تطلع الناس إليه، وتهيئة سبل الانتفاع به وتكثيره، إلى جانب الثواب العظيم الذي يترتب على الإنفاق ابتغاء مرضاة الله . ثانيا: تقوي آصرة الأخوة والمحبة بينه وبين الآخرين، فإذا تصورت شيوع هذا الركن الإسلامي في المجتمع، وقيام كل مسلم وجبت الزكاة في ماله بأداء هذا الحق لمستحقيه، تصورت مدى الألفة التي يتكامل نسيجها بين فئات المسلمين وجماعاتهم

стр. 273

وأفرادهم، وبدون هذه الألفة لا يتم أي تماسك بين لبنات المجتمع، الذي من شأنه أن يكون متماسكاً قوياً كالبنيان، بل أن يكون متعاطفاً متوادداً كالجسد الواحد. ثالثا: من شأن الزكاة أن تحافظ على مستوى الكفاية لأفراد المجتمع، مهما وجدت ظروف وأسباب من شأنها تغذية الفوارق الاجتماعية، أو فتح منافذ الحاجة والفقر في المجتمع، إن الزكاة تعتبر بحق الضمانة الوحيدة لحماية المجتمع من أخطار الفوارق الاجتماعية الكبيرة بين أفراد الأمة، وأسباب الفقر والحاجة. رابعا: من شأن الزكاة أن تقضي على كثير من عوامل البطالة وأسبابها، فإن من أهم أسبابها الفقر الذي لا يجد معه الفقير قدراً أدنى من المال، ليفتح به مشروع صناعة أو عمل، ولكن شريعة الزكاة عندما تكون مطبقة على وجهها، فإن من حق الفقير أن يأخذ من مال الزكاة ما يكفيه للقيام بمشروع عمل، يتلاءم مع خبراته وكفاءته. خامساً: الزكاة هي السبيل الوحيد لتطهير القلوب من الأحقاد والحسد والضغائن، وهي أدران خطيرة لا تنتشر في المجتمع إلا عندما تختفي منه مظاهر التراحم والتعاون والتعاطف، وليست هذه المظاهر شعارات من الكلام، وإنما هي حقائق ينبغي أن يلمسها الشعور، وأن تتجلى ثمارها ملموسة بشكل مادي في المجتمع، فإذا طبقت الزكاة على وجهها برزت هذه الثمار جلية واضحة، وفعلت فعلها العجيب في تطهير النفوس من جميع الأحقاد والضغائن، وتآخي الناس على اختلاف درجاتهم في الثروة والغني، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ (التوبة: ١٠٣)

стр. 274

حكم مانع الزكاة: أ - حكم من منعها منكراً لها: علمت أن الزكاة ركن من أركان الإسلام، فهي ثالث الأركان بعد الشهادتين والصلاة، ولذلك اجمع العلماء على أن من جحدها وأنكر فرضيتها فقد كفر وارتد عن الإسلام، وكان حلال الدم إن لم يتب، وذلك لأنها من الأمور التي علمت فرضيتها بالضرورة، أي يعلم ذلك الخاص والعام من المسلمين، ولا يحتاج في ذلك إلى حجة أو برهان. قال النووي: رحمه الله تعالى: نقلاً عن الخطابي: (فإن من أنكر فرض الزكاة في هذه الأزمان كان كافراً بإجماع المسلمين) ... وقال (استفاض في المسلمين علم وجوب الزكاة، حتى عرفها الخاص والعام، واشترك فيه العالم والجاهل، فلا يعذر أحد بتأويل يتأوله في إنكارها، وكذلك الأمر في كل من أنكر شيئا مما أجمعت الأمة عليه من أمور الدين، إذا كان عمله منتشراً: كالصلوات الخمس، وصوم شهر رمضان، والاغتسال من الجنابة، وتحريم الزنا، ونكاح ذوات المحارم، ونحوها من الأحكام). (شرح مسلم: ١/ ٢٠٥) وقال ابن جحر العسقلاني ـ رحمه الله تعالى: (وأما أصل فرضية الزكاة فمن جحدها كفر) (فتح الباري: ٣/ ٢٦٢). ب - حكم من منعها بخلاً وشحاً: وأما من منع الزكاة، وهو معتقد بوجوبها ومقر بفرضيتها، فهو فاسق آثم يناله شديد العقاب في الآخرة، وحسبنا في هذا: قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ) (التوبة: ٣٤، ٣٥)

стр. 275

وقد ورد عن ابن عمر ﵄، موقوفاً ومرفوعاً إلى رسول الله ﷺ : " كل ما أديت زكاته فليس بكنز ... وكل ما لا تؤدي زكاته فهو كنز " وكذلك قوله ﷺ فيما رواه البخاري (١٣٣٨) عن أبي هريرة ﵁: "من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان، يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه ـ يعني شدقيه ـ ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك. ثم تلا: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ الآية وتتمتها: ﴿ِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ / آل عمران: ١٨٠ /. وفي هذا المعنى الكثير من الآيات والأحاديث. [مثل له: صير له. شجاعاً: ثعباناً. أقرع: لا شعر على رأسه لكثرة سمه وطول عمره. زبيبتان: نابان يخرجان من فمه، أو نقطتان سوداوان فوق عينيه، وهو أوحش ما يكون من الحيات وأخبثه. يطوقه: يُجعل في عنقه كالطوق. شدقيه: جانبي فمه. هو: أي بخلهم وعدم إنفاقهم. ولله ميراث: ملك ما يتوارث أهل السماوات والأرض من مال وغيره والمعنى: لم يبخلون عليه بملكه ولا ينفقونها في سبيله؟ ]. وأما في الدنيا فإنه تؤخذ منه قهراً عنه، وإن تعنت في ذلك وتصدى لمن يأخذها نوصب القتال من قبل الحاكم المسلم الذي يقيم شرع الله ، وهو مؤتمن عليه. والدليل على ما سبق من أحكام الزكاة: ما رواه البخاري (١٣٣٥) ومسلم (٢٠) عن أبي هريرة - رضي

стр. 276

الله عنه - قال: لما توفي رسول الله ﷺ وكان أبو بكر ﵁ وكفر من كفر من العرب، فقال عمر ﵁: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله". فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال. والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها. فقال عمر ﵁: فوالله ما هو إلا أن شرح الله صدر أبي بكر ﵁ فعرفت أنه الحق. [عناقاً: الأنثى من ولد المعز التي لم تبلغ سنة. شرح الله صدر أبي بكر: أي لقتالهم. فعرفت أنه الحق: بما ظهر لي من الدليل الذي أقامه أبو بكر ﵁]. من تجب عليه الزكاة شروط وجوبها: إنما تجب الزكاة على من توفرت فيه الشروط التالية: ١ـ الإسلام: فلا تجب وجوب مطالبة في الدنيا على الكافر. دليل ذلك حديث معاذ ﵁ وفيه: " ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ... فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة ... ". فقد رتب المطالبة بالزكاة على إجابتهم الدعوة ودخولهم في الإسلام أولاً، وكذلك: قول أبي بكر ﵁ هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ على المسلمين. رواه البخاري (١٣٨٦). فقوله: (على المسلمين) صريح في أن غير المسلم لا

стр. 277

يطالب بها في الدنيا. وهذا في زكاة المال، وأما زكاة الفطر: فإنها تلزم الكافر لحق غيره من أقاربه المسلمين، الذين تجب عليه نفقتهم، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ٢ـ ملكية النصاب: وهو حد أدني من المال سيأتي بيانه، وتفصيل القول فيه والدليل عليه، عند الكلام عن كل نوع من الأموال التي تجب فيها الزكاة. ٣ـ مرور حول قمري كامل على ملكية النصاب: فلا زكاة في المال مهما بلغ إلى بعد مرور عام كامل عليه، دلّ على ذلك قوله ﷺ : " ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول " رواه أبو داود (١٥٧٣). ويستثني من هذا الشرط الزروع والثمار والدفائن، فلا يشترط الحول من وجوب زكاة هذه الأموال، بل تجب فيها فور تحصيلها أو الحصول عليها، وسيأتي تفصيل القول في ذلك في مكانه إن شاء الله تعالى. الزكاة في مال الصبي والمجنون: من خلال بيان الشروط السابق ذكرها تعلم: أنه لا يشترط لوجوب الزكاة في المال بلوغ صاحبه ولا عقله ولا رشده. معنى وجوب الزكاة في ماليهما: وليس المعنى أن الصبي والمجنون مكلفان شرعاً بإخراج الزكاة من ماليهما بحيث لو لم يؤدها كل منهما عوقب يوم القيام، وإنما المعنى أن حق الزكاة متعلق بأموالهما إذا تكاملت فيها شرائطه، فيجب على ولي كل منهما أن يؤدي هذا الحق لأصحابه، بحيث لو قصر في ذلك الولي كان آثماً مستحقاً للعقوبة من الله عز

стр. 278

وجل، فإن لم يكن له ولي، وجب ـ على الصبي بعد البلوغ، والمجنون بعد الإفاقة من الجنون ـ أن يخرج زكاة السنوات الماضية على أنها ذمة باقية لديه، إذا كانت شروط وجوبها متوفرة إذ ذاك. دليل وجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون: أولاً: قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ (التوبة: ١٠٣). قوله تعالى: [وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ] (المعارج: ٢٤، ٢٥) فقد دلت الآيات على أن الله تعالى ملك عباده المال، وجعل فيه حقا لمن حرم منه، وأمر نبيه ﷺ أن يأخذ هذا الحق من المال في وقته، ليكون طُهْرة له وحفظاً وتحصيناً، ولم يفرق الله بين مالك وآخر، كما أنه سبحانه لم يخص مالاً دون مال. ثانيا: الحديث السابق ذكره، وهو ما رواه البخاري (١٣٨٦) بسنده عن أبي بكر ﵁ (هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ على المسلمين). فالمسلمون كلمة عامة، وهي تشمل البالغين وغير البالغين، والعقلاء وغيرهم، والأصل بقاء العام على عمومه، ما لم يرد دليل عن الشارع بتخصيصه. وأخرج الدارقطني في سننه (٢/ ١١٠) عن عبدالله بن عمر ﵄، مرفوعا إلى النبي ﷺ أنه قال: " من وَلِيَ يتيماً له مال فليتجر له، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة ". [يتيما: هو من مات أبوه وهو دون البلوغ]. كما روى الشافعي رحمه الله تعالى في الأم [٢/ ٣٢ ـ ٢٤] أن رسول الله ﷺ قال: ﴿ابتغوا في أموال اليتامى حتى لا تذهبها أو تستهلكها الصدقة﴾. (ابتغوا: تاجروا).

стр. 279

ووجه الاستدلال بالحديثين: أنهما يدلان على أن المال إذا ترك دون متاجرة أذهبته الصدقة واستهلكته، وإنما يكون ذلك بإخراج الصدقة منه، ولا يجوز إخراج الصدقة من مال الصبي إلا إذا كانت واجبة، إذ ليس لوليه أن يتبرع بماله، فدل ذلك على وجوب الصدقة ـ وهي الزكاة ـ في ماله. ويقاس المجنون على الصبي في هذا لأنه في حكمه. ثالثاً: روى مالك رحمه الله تعالى في الموطأ [١/ ٢٥١] عن عمر ﵁ قال: (اتجروا في أموال اليتامى، لا تأكلها الصدقة). وروى الشافعي رحمه الله تعالى في الأم [٢/ ٢٣/ـ ٢٤] عن عمر أيضاً: أنه قال لرجل: (إن عندنا مال يتيم قد أسرعت به الزكاة). ووجه الاستدلال بالأثرين هو وجه الاستدلال بالحديثين السابقين، ويؤيده ما رواه مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه قال: (كانت عائشة تليني وأخاً لي يتيمين في حجرها، فكانت تخرج من أموالنا الزكاة) [الزرقاني على الموطأ: ٢/ ٣٢٥]. رابعاً: القياس على زكاة الفطر، فإن الإجماع ثابت على وجوب زكاة الفطر عن الصغار والمجانين، فكما أن الصغر أو الجنون لم يمنع من وجوب زكاة الفطر عن بدن الصبي والمجنون، فينبغي أن لا يكون مانعاً في مال كل منهما، إذا تكاملت فيه شروط وجوب الزكاة. خامساً: المقصود من الزكاة سدُّ حاجة الفقراء وتطهير المال، بفرز حقوق المستحقين لجزئه منه، بقطع النظر عن صفة صاحب المال، ما دام أنه مسلم خاضع للنظام الإسلامي عموماً، فاقتضى ذلك تعلق الزكاة بمال كل من الصبي والمجنون، لاسيما وأن مال كل منهما قابل، لتعلق غرامة ذلك الشيء بماله، فالزكاة

стр. 280

مثلها، بجامع أن كلا منهما حق مالي يتعلق به. سادساً: ليست الزكاة عبادة بدنية محضة حتى تنطبق عليها شرائط التكليف، أو يتأثر وجوبها بنقص أهليه المكلف، وإنما هي عبادة تغلب فيها الناحية المالية، وأنها ضبط لجانب من جوانب العدالة الاقتصادية، وتحقق شامل للكفاية، فينبغي أن يستوي في الخضوع لذلك كل متملك.

стр. 281

الأموال التي تجب فيها الزكاة الأساس الذي يراعى في ذلك: إن الأساس الذي تتعلق بموجبه الزكاة بالأموال هو صفة النماء، فكل مال قابل للنمو والزيادة يتعلق به حق الزكاة، وكل ما لا يقبل النمو من الأموال الجامدة لا يتعلق به حق الزكاة. والحكمة من مراعاة هذا الأساس واضحة، فإن المال الجامد إذا وجبت فيه الزكاة لابد أن تستفيده الزكاة تقريباً خلال أربعين عاماً، فيكون في ذلك ضرر للمالك. أما المال القابل للنمو والزيادة: فإن الزكاة إنما تتعلق به تبعاً للنمو المتعلق به، فلا خوف على أصل المال من أن تقتضي عليه الزكاة، وإليك تعداد الأموال التي تجب فيها الزكاة بناءً على هذا الأصل. ١ـ النقدان: ١ - النقدان: والمقصود بهما: الذهب، والفضة، سواء كانا مضروبين أو كانا سبائك، كما أن المقصود بهما ما دخل تحت الملك حقيقة أو اعتباراً، أي سواء كان التعامل الفعلي بهما أو بأوراقٍ تقم مقامها،

стр. 282

وتعتبر سندات ذات ضمانة ثابتة بدفع ما ارتبطت به من القيمة الحقيقية، ذهباً أو فضة. والدليل على وجوب الزكاة في النقدين: قوله : ﴿َالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (التوبة: ٣٤). والمقصود بالكنز حبس ما يتعلق به من الزكاة، والمال المكنوز هو المال الذي لم تؤد زكاته، فقد روى البخاري في صحيحه (١٣٣٩) عن ابن عمر ﵄، في تفسير هذه الآية، قال: من كنزها فلم يؤد زكاتها فويل له. وما رواه مسلم (٩٨٧) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " ما من صاحب ذهب ولا فضة، لا يؤدي حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، فيري سبيله، إما إلى الجنة، وإما إلى النار ". [حقها: زكاتها]. أنواع الذهب والفضة التي تتعلق بها الزكاة: بناء على ما قد عرفت من المقصود بالنقدين فإن الزكاة تتعلق بأنواع من الذهب والفضة، نبينها لك فيما يلي: ١ـ الدراهم الفضية والدنانير الذهبية، وما هو في حكم محل منهما من الذهب أو الفضة. ٢ـ السبائك من كل من الذهب والفضة. ٣ـ الأواني والقطع الفضية والذهبية المعدة للاستعمال أو الزينة.

стр. 283

لا زكاة في الحُلِيِّ ويستثني من النوع الثالث الحليي المباح، فلا زكاة فيه، كما إذا كان للمرأة حلى من ذهب أو فضة، ولم يكن بالغاً من الكثرة إلى حد السرف في عرف الناس، وكذلك خاتم الفضة للرجل، فلا تجب عليها الزكاة فيه , وذلك أن اعتبارهما حلياً يقضي على صفة النماء فيهما، ويحيلهما بإذن الشارع إلى مال جامد لا نمو فيه، وقد روى جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: " لا زكاة في الحلي ". [البيهقي: ٤/ ١٣٨، الدارقطني: ٢/ ١٠٧]. ويقوي هذا ما روي من آثار عن الصحابة ﵃، فقد روى مالك رحمه الله تعالى في الموطأ [١/ ٢٥٠] أن عائشة ﵂ كانت تلي بنات أخيها ـ يتامى في حجرها لهن الحلي، فلا تخرج من حليهن الزكاة. وأن عبدالله بن عمر ﵄ كان يحلي بناته وجواريه الذهب، ثم لا يخرج من حليهن الزكاة. كما روى الشافعي رحمه الله تعالى في الأم [٢/ ٣٤ ـ ٣٥]: أن رجلاً سأل جابر بن عبدالله ﵄ عن الحلي، أفيه زكاة؟ فقال: لا. وهذا بخلاف ما يدخل منهما في الاستعمال المحرم، كحلي الرجل ـ ما عدا الخاتم من الفضة ـ وكأدوات استعمال أو زينة في المنزل، فإن صفة النماء ـ وإن تكن قد سقطت عنه بسبب ذلك ـ إلا أن هذا السبب لما كان محرماً لم يكن لسقوط النماء عنه أي اعتبار. دليل التحريم: ما رواه البخاري (٥١١٠) ومسلم (٢٠٦٧) عن حذيفة بن

стр. 284

اليمان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة ". [صحافها: جمع صحفة، وهي القصعة. لهم: الكفار]. وقيس على الأكل والشرب غيرهما من وجوه الاستعمال، كما يقاس على الاستعمال، كما يقاس على الاستعمال الاقتناء للزينة، لأنه يجر إلى الاستعمال، ولأنه أيضا لم يؤذن به، والأصل التحريم كما يشمل المنع الرجال والنساء على حد سواء. ٢ـ الأنعام: وهي: الإبل، والبقر، والغنم، ويلحق بها المعز: ودل على وجوب الزكاة في هذه الأجناس: ما رواه البخاري (١٣٨٦) عن أنس بن مالك ﵁ أن أبا بكر ﵁ كتب له كتاباً وبعثه به إلى البحرين، وفي أوله: (بسم اله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ على المسلمين، فمن سألها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سأل فوقها فلا يعط ... ) وهو حديث طويل فيه ذكر هذه الأجناس، وبيان أنصبتها، وما يجب فيها، وسيأتي بيان ذلك مفرقاً في مواضعه عند الكلام عن الأنصبة والنسبة التي تجب فيها. ٣ـ الزروع والثمار: وإنما تجب الزكاة فيها إذا كانت مما يقتاته الناس في أحوالهم العادية، ويمكن ادخاره دون أن يفسد , وذلك من الثمار: الرطب والعنب، ومن الزروع: الحنطة، والشعير، والأرز، والعدس،

стр. 285

والحمص، والذرة ... . إلخ، ولا عبرة بما يقتات به في أيام الشدة والحذب. دليل وجوب الزكاة فيها: قول الله تعالى: "كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ " الأنعام: ١٤١. ونقل عن ابن عباس ﵁ حقه: إخراج زكاته. وقوله تعالى: ﴿أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ﴾ / البقرة: ٢٦٧ /، وهناك أدلة أخرى تأتي في مواضعها إن شاء الله تعالى. ودليل اختصاصها بما ذكر: ما رواه أبو داود (١٦٠٣) وحسنه الترمذي (٦٤٤) عن عتاب بن أسيد ﵁ قال: " أمر رسول الله ﷺ أن يخرص العنب كما يخرص النخل، وتؤخذ زكاته زبيباً، كما تؤخذ صدقة النخل تمراً " والخرص: تقدير ما يكون من الرطب تمراً، ومن العنب زبيباً. وروى الحاكم بإسناد صحيح: عن أبي موسى الأشعري ومعاذ بن جبل ﵄، وكان النبي ﷺ قد بعثها إلى اليمن يعلمان الناس أمر دينهم وقال لهما: " لا تأخذوا الصدقة إلا من هذه الأربعة: الشعير، والحنطة، والزبيب، والتمر ". وروى أيضا عن معاذ ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: وأما القثاء، والبطيخ، والرمان، والقضب، فقد عفا عنه رسول الله ﷺ قال: وهذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقد حكم الحافظ الذهبي أيضاً بصحته. [المستدرك: ١/ ٤٠١]. القضب: النبات الذي يقطع ويؤكل طربا ً.
следующие страницы →