الأموال التي تجب فيها الزكاة
الأساس الذي يراعى في ذلك:
إن الأساس الذي تتعلق بموجبه الزكاة بالأموال هو صفة النماء، فكل مال قابل للنمو والزيادة يتعلق به حق الزكاة، وكل ما لا يقبل النمو من الأموال الجامدة لا يتعلق به حق الزكاة.
والحكمة من مراعاة هذا الأساس واضحة، فإن المال الجامد إذا وجبت فيه الزكاة لابد أن تستفيده الزكاة تقريباً خلال أربعين عاماً، فيكون في ذلك ضرر للمالك.
أما المال القابل للنمو والزيادة: فإن الزكاة إنما تتعلق به تبعاً للنمو المتعلق به، فلا خوف على أصل المال من أن تقتضي عليه الزكاة، وإليك تعداد الأموال التي تجب فيها الزكاة بناءً على هذا الأصل.
١ـ النقدان:
١ - النقدان:
والمقصود بهما: الذهب، والفضة، سواء كانا مضروبين أو كانا سبائك، كما أن المقصود بهما ما دخل تحت الملك حقيقة أو اعتباراً، أي سواء كان التعامل الفعلي بهما أو بأوراقٍ تقم مقامها،
стр. 282
وتعتبر سندات ذات ضمانة ثابتة بدفع ما ارتبطت به من القيمة الحقيقية، ذهباً أو فضة.
والدليل على وجوب الزكاة في النقدين:
قوله :
﴿َالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (التوبة: ٣٤).
والمقصود بالكنز حبس ما يتعلق به من الزكاة، والمال المكنوز هو المال الذي لم تؤد زكاته، فقد روى البخاري في صحيحه (١٣٣٩) عن ابن عمر ﵄، في تفسير هذه الآية، قال: من كنزها فلم يؤد زكاتها فويل له.
وما رواه مسلم (٩٨٧) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " ما من صاحب ذهب ولا فضة، لا يؤدي حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، فيري سبيله، إما إلى الجنة، وإما إلى النار ". [حقها: زكاتها].
أنواع الذهب والفضة التي تتعلق بها الزكاة:
بناء على ما قد عرفت من المقصود بالنقدين فإن الزكاة تتعلق بأنواع من الذهب والفضة، نبينها لك فيما يلي:
١ـ الدراهم الفضية والدنانير الذهبية، وما هو في حكم محل منهما من الذهب أو الفضة.
٢ـ السبائك من كل من الذهب والفضة.
٣ـ الأواني والقطع الفضية والذهبية المعدة للاستعمال أو الزينة.
стр. 283
لا زكاة في الحُلِيِّ
ويستثني من النوع الثالث الحليي المباح، فلا زكاة فيه، كما إذا كان للمرأة حلى من ذهب أو فضة، ولم يكن بالغاً من الكثرة إلى حد السرف في عرف الناس، وكذلك خاتم الفضة للرجل، فلا تجب عليها الزكاة فيه , وذلك أن اعتبارهما حلياً يقضي على صفة النماء فيهما، ويحيلهما بإذن الشارع إلى مال جامد لا نمو فيه، وقد روى جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: " لا زكاة في الحلي ". [البيهقي: ٤/ ١٣٨، الدارقطني: ٢/ ١٠٧].
ويقوي هذا ما روي من آثار عن الصحابة ﵃، فقد روى مالك رحمه الله تعالى في الموطأ [١/ ٢٥٠] أن عائشة ﵂ كانت تلي بنات أخيها ـ يتامى في حجرها لهن الحلي، فلا تخرج من حليهن الزكاة. وأن عبدالله بن عمر ﵄ كان يحلي بناته وجواريه الذهب، ثم لا يخرج من حليهن الزكاة.
كما روى الشافعي رحمه الله تعالى في الأم [٢/ ٣٤ ـ ٣٥]: أن رجلاً سأل جابر بن عبدالله ﵄ عن الحلي، أفيه زكاة؟ فقال: لا.
وهذا بخلاف ما يدخل منهما في الاستعمال المحرم، كحلي الرجل ـ ما عدا الخاتم من الفضة ـ وكأدوات استعمال أو زينة في المنزل، فإن صفة النماء ـ وإن تكن قد سقطت عنه بسبب ذلك ـ إلا أن هذا السبب لما كان محرماً لم يكن لسقوط النماء عنه أي اعتبار.
دليل التحريم:
ما رواه البخاري (٥١١٠) ومسلم (٢٠٦٧) عن حذيفة بن
стр. 284
اليمان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة ". [صحافها: جمع صحفة، وهي القصعة. لهم: الكفار]. وقيس على الأكل والشرب غيرهما من وجوه الاستعمال، كما يقاس على الاستعمال، كما يقاس على الاستعمال الاقتناء للزينة، لأنه يجر إلى الاستعمال، ولأنه أيضا لم يؤذن به، والأصل التحريم
كما يشمل المنع الرجال والنساء على حد سواء.
٢ـ الأنعام:
وهي: الإبل، والبقر، والغنم، ويلحق بها المعز:
ودل على وجوب الزكاة في هذه الأجناس:
ما رواه البخاري (١٣٨٦) عن أنس بن مالك ﵁ أن أبا بكر ﵁ كتب له كتاباً وبعثه به إلى البحرين، وفي أوله: (بسم اله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ على المسلمين، فمن سألها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سأل فوقها فلا يعط ... )
وهو حديث طويل فيه ذكر هذه الأجناس، وبيان أنصبتها، وما يجب فيها، وسيأتي بيان ذلك مفرقاً في مواضعه عند الكلام عن الأنصبة والنسبة التي تجب فيها.
٣ـ الزروع والثمار:
وإنما تجب الزكاة فيها إذا كانت مما يقتاته الناس في أحوالهم العادية، ويمكن ادخاره دون أن يفسد , وذلك من الثمار: الرطب والعنب، ومن الزروع: الحنطة، والشعير، والأرز، والعدس،
стр. 285
والحمص، والذرة ... . إلخ، ولا عبرة بما يقتات به في أيام الشدة والحذب.
دليل وجوب الزكاة فيها:
قول الله تعالى: "كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ " الأنعام: ١٤١.
ونقل عن ابن عباس ﵁ حقه: إخراج زكاته.
وقوله تعالى:
﴿أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ﴾ / البقرة: ٢٦٧ /، وهناك أدلة أخرى تأتي في مواضعها إن شاء الله تعالى. ودليل اختصاصها بما ذكر: ما رواه أبو داود (١٦٠٣) وحسنه الترمذي (٦٤٤) عن عتاب بن أسيد ﵁ قال: " أمر رسول الله ﷺ أن يخرص العنب كما يخرص النخل، وتؤخذ زكاته زبيباً، كما تؤخذ صدقة النخل تمراً " والخرص: تقدير ما يكون من الرطب تمراً، ومن العنب زبيباً.
وروى الحاكم بإسناد صحيح: عن أبي موسى الأشعري ومعاذ بن جبل ﵄، وكان النبي ﷺ قد بعثها إلى اليمن يعلمان الناس أمر دينهم وقال لهما: " لا تأخذوا الصدقة إلا من هذه الأربعة: الشعير، والحنطة، والزبيب، والتمر ".
وروى أيضا عن معاذ ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: وأما القثاء، والبطيخ، والرمان، والقضب، فقد عفا عنه رسول الله ﷺ قال: وهذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقد حكم الحافظ الذهبي أيضاً بصحته. [المستدرك: ١/ ٤٠١].
القضب: النبات الذي يقطع ويؤكل طربا ً.
стр. 286
وقيس على الحنطة والشعير كل ما يقتات به غالباً، لأن الاقتيات ضروري للحياة، فجب فيها حق لأصحاب الضرورات والحاجات.
٤ـ عروض التجارة:
والمقصود بالتجارة تقليب المال بالمعاوضة لغرض الربح، وهي لا تختص بنوع معين من المال، والعروض هي السلع التي تقلب الأيدي بغرض الربح.
دليل وجوب الزكاة في أموال عروض التجارة:
قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ / البقرة: ٢٦٧ /، قال مجاهد: نزلت الآية في التجارة، وقوله ﷺ : " في الإبل صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البز صدقتها " رواه الحاكم [المستدرك: ١/ ٣٨٨] بإسناد صحيح على شرط الشيخين. (١)
والبز: هو الثياب المعدة للبيع عند البزازين، فتقاس عليه كل الأموال المعدة للتجارة.
وروى أبو داود (١٥٦٢)، عن سمرة بن جندب قال: (أما بعد، فإن النبي ﷺ كان يأمرنا أن نخرج الصدقة مما نعده للبيع). والمراد بالصدقة الزكاة.
стр. 287
شروط وجوب الزكاة في العروض:
لا تصبح السلع المملوكة عروض تجارة تجب فيها الزكاة إلا بشرطين:
١ـ أن يملكه بعقد فيه عوض، كالبيع والإجازة والمهر ونحو ذلك، فلو ملكه بإرث أو وصية أو هبة، فلا يصير عرضا تجارياً.
٢ـ أن ينوي عند تملكه المتاجرة به، وأن تستمر هذه النية، فإذا لم ينو عند تملكه المتاجرة لا يصبح عرضاً تجارياً حتى ولو نوى المتاجرة بعد ذلك، وكذلك إذا اشتراه بنية التجارة، ثم نوى أن يبقيه تحت ملكه ولا يتاجر به، أي أن يتخذه قنية، فإنه يسقط تعلق الزكاة به.
المعدن والركاز:
المقصود بهما الذهب والفضة المستخرجان من باطن الأرض.
فإن استخرج من معدنه تصفية واستخلاصاً مما قد علق به فهو المقصود بالمعدن، وإن كان دفيناً يرجع إلى ما قبل الإسلام فهو الركاز.
أما ما ثبت أنه مدفون في عهد الإسلام فهو من الأموال الضائعة، ولها أحكام خاصة بها تفصل في باب اللقطة.
دليل وجوب الزكاة في المعدن:
ما رواه البيهقي: أنه ﷺ أخذ من المعادن القبلية الصدقة. والقبلية: نسبة إلى قبل ـ بفتح القاف ـ ناحية من قرية بين مكة والمدينة اسمها الفرع.
стр. 288
قال النووي رحمه الله تعالى: قال أصبحنا: أجمعت الأمة على وجوب الزكاة في المعدن. [المجموع: ٦/ ٧٣، ٧٤].
أما دليل وجوب الزكاة في الركاز:
فهو ما رواه البخاري (١٤٢٨) ومسلم (١٧١٠) عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "وفي الركاز الخمس ".
لفت نظر:
إن الركاز والمعدن ليسا ـ كما قد علمت ـ شيئاً آخر غير الذهب والفضة، ومع ذلك فقد اعتبرناهما نوعاً مستقلاً برأسه من أموال الزكاة بسبب ما يتعلق بهما من أحكام خاصة بهما، سواء بما يتعلق باشتراط الحول، أو بالنسبة المئوية التي يجب دفعها ـ وستعلم هذه الأحكام فيما بعد ـ فمن أجل ذلك اعتبرا نوعاً مستقلاً من أنواع الأموال الزكوية، وإن كانا داخلين في الحقيقة تحت الذهب والفضة.
стр. 289
الأنصبة
وشروطها وما يجب فيها
قد عرفت الأموال الزكوية وعرفت أنواعها.
فأما الأنصبة: فهي جمع نصاب، والنصاب: هو الحد الأدني الذي يعتبر وجوده شرطاً لتعلق الزكاة بالمال. فإن لم تبلغ كميته في ملك المكلف هذا الحد لم تجب الزكاة عليه.
ولكل نوع من أنواع الزكاة نصاب خاص به، فلنستعرض هذه الأنصبة كلا على حدة:
أولاً: نصاب النقدين (الذهب والفضة):
لا زكاة في الذهب حتى يبلغ قدره عشرين مثقالاً، فهذا هو نصاب الذهب، ولا زكاة في الفضة حتى تبلغ مائتي درهم، فهذا هو نصاب الفضة.
ودليل ذلك:
ما رواه أبو داود (١٥٧٣) عن على بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ قال " إذا كانت لك مائتا درهم، وحال عليها الحول، ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء ـ يعني في الذهب ـ حتى يكون لك عشرون ديناراً، فإذا كان لك عشرون
стр. 290
ديناراً، وحال عليها الحول ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك ".
وقوله ﷺ " ليس فيما دون خمس أوراق من الوَرِق صدقة " رواه البخاري (١٤١٣) ومسلم (٩٨٠) واللفظ له. [الوَرِق: الفضة، وأواق: جمع أوقية، وهي أربعون درهماً]
ما هو المثقال:
إن المعروف لدينا الآن نوعان من المثاقيل:
أحدهما المثقال العجمي، وهو يساوي أربع غرامات وثمانية أعشار الغرام، والعشرون مثقالاً تساوي إذاً ستاً وتسعين غراماً.
وثانيهما المثقال العراقي: وهو يساوي خمسة غرامات، فالعشرون مثقالاً تساوي إذاً مائة غرام.
والاحتياط في الأمر أن نعتمد الأقل، وهو المقدار الأول، حرصاً على مصلحة الفقير، وبذلك يكون نصاب الذهب ستة وتسعين غراماً. فإذا كانت قيمة الغرام الواحد من الذهب اليوم خمس عشرة ليرة سورية مثلاً، فإن نصاب الزكاة من الذهب هو حاصل ضرب النصاب بسعر الغرام ن ويساوي: ألفاً وأربعمائة وأربعين ليرة سورية.
وهكذا إذا اختلف سعر الذهب اختلافا عادياً ننظر إلى سعره، ولا ينظر إلى سعره في الأحوال غير العادية.
ما هو الدرهم:
من المتفق عليه أن كل عشرة دراهم تساوي في الوزن سبعة مثاقيل، أي فهي تساوي ثلاثة وثلاثين غراماً وستة أعشار الغرام،
стр. 291
على التقدير الأول الذي اعتمدناه، فمائتا درهم تساوي إذاً ستمائة واثنين وسبعين غراماً من الفضة.
ويبدو من التحقيق التاريخي أن قيمة مائتي درهم من الفضة كانت تساوي في صدر الإسلام عشرين مثقالاً من الذهب، وعلى هذا الأساس كان كل منهما نصاباً لوجوب الزكاة.
ثم إن التفاوت طرأ على قيمتها فيما بعد، بسبب اختلاف قيمة الذهب، فأصبحت قيمة عشرين مثقالاً من الذهب تزيد كثيراً على قيمة مائتي درهم من الفضة، كما هو الواقع الآن.
وعلى كل: فإن الذي يملك أوراقاً نقدية، له أن يعتبرها عوضا عن ذهب، فلا يتعلق حق الزكاة بها حتى تبلغ قيمة ستة وتسعين غراماً من الذهب. وله إذا شاء أن يعتبرها عوضاً عن فضة، فتتعلق بها الزكاة، بمجرد أن يبلغ ما في ملكة منها قيمة ستمائة واثنين وسبعين غراماً.
والاحتياط في الدين أن يأخذ بما هو أصلح للفقير، ويقدرها بالأقل قيمة، حتى يكون على يقين من براءة ذمته عند الله ، فإذا كان تقديرها بالفضة يجعل النصاب أقل من تقديرها بالذهب قدرها بها، حتى تجب عليه الزكاة ويؤديها.
شرط وجوب الزكاة في نصاب النقدين حَوَلان الحَوْل:
إذا تكامل نصاب الذهب أو الفضة، على نحو ما أوضحنا، اشترط في وجوب الزكاة فيه أن يمر على تملك المكلف له، حول قمري كامل دون أن ينزل المال عن الحد الأدني منه.
ودليل ذلك: قوله ﷺ فيما رواه أبو داود (١٥٧٣) -" ليس
стр. 292
في مال زكاة حتى يحول عليه الحول" أي حتى يمضي على تملكه عام قمري.
وحديث علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ الذي ذكرنا نصه عند الكلام عن نصاب النقدين.
فإن هبطت كمية المال عن الحد الأدنى من النصاب المعتبر، ولو خلال يوم أو ساعة واحدة من السنة، ثم ازداد المال وارتفع مرة أخرى إلى حد النصاب، ألغي التاريخ السابق لملكية النصاب، وسجل تاريخ جديد لحصوله وتجمعه، واستؤنفت الحول من حين يكمل النصاب. (١)
النسبة الواجبة في زكاة النقدين:
إذا ملك المكلف نصاب أحد النقدين أو ما يزيد عليه، ومر عليه عام قمري بشرطه السابق، وجب عليه أن يخرج من مجموع المال الذي حال عليه الحول في ملكه رُبْع عُشْره، أي نسبة اثنين ونصف في المائة منه.
دليل ذلك:
حديث علي ﵁ الذي مر ذكره.
ما جاء في كتاب أبي بكر ﵁ في الرقة ربع العشر. والرقة: الفضة.
стр. 293
استبدال أموال الزكاة أو التصرف فيها:
لا خلاف أن زكاة النقد إنما تخرج نقداً، ولا يصح للمالك أن يخرج بدلها سلعاً تساوي قيمتها المقدار الواجب فيها.
وإذا دفعها المالك لغيره، من حاكم أو وكيل أو غيره، فليس لهؤلاء أن يتصرفوا فيها تصرفاً يخرجها عن طبيعتها قبل إيصالها إلى مستحقيها. قال النووي رحمه الله تعالى: (قال أصحابنا: لا يجوز للإمام ولا للساعي بيع شيء من مال الزكاة من غير ضرورة، بل يوصلها إلى المستحقين بأعيانها، لأن أهل الزكاة أهل رشد لا ولاية عليهم، فلم يجز بيع ما لهم بغير إذنهم) المجموع [٦: ١٧٦]
وهذه الضرورة التي ذكرها النووي رحمه الله تعالى: كما إذا خاف على الزكاة الواجبة تلفاً أو فساداً إذا أبقاها حتى تصل إلى مستحقيها، أو احتاج إلى مؤونة في نقلها، فباع جزءاً منها لذلك.
وعليه: تلفت نظر المشرفين المخلصين على الجمعيات الخيرية إلى أنه: لا يجوز لهم أن يتصرفوا بما يدفع إليهم من أموال على أنها زكاة فيشتروا بها سلعاً غذائية وغيرها، يعطونها للمستحقين، بحجة الإشفاق عليهم ورعاية مصلحتهم، حتى لا يأخذوا الأموال ويتصرفوا بها تصرفاً ليس في صالحهم وصالح أولادهم وعيالهم. ونحن ننصح لهؤلاء المخلصين، إذا كانوا حريصين على الأجر والثواب، أن لا ينصبوا أنفسهم مشرعين، وأن لا يصوروا المصلحة في شرع الله تعالى كما يبدو لهم، وأن لا يجعلوا من أنفسهم أولياء على من لم يجعل الله لهم ولاية عليهم، وأن يلتزموا ما نقله النووي رحمه الله تعالى عن العلماء الأجلة: من أن أهل الزكاة أهل رشد لا ولاية عليهم، فلا يجوز
стр. 294
التصرف فيما وكلنا بأدائه إليهم بغير إذنهم، وإنما يعتبر إذنهم بعد أن يدفع إليهم حقهم، ويحوزوه بأنفسهم، ويدخل في قبضة يدهم.
قال النووي رحمه الله تعالى: قال أصحابنا: ولو وجبت ناقة أو بقرة أو شاة واحدة، فليس للمالك بيعها وتفرقة ثمنها على الأصناف بلا خلاف، بل يجمعهم ويدفعها إليهم، وكذا حكم الأمام عند الجمهور. [المجموع: ٦/ ١٧٨] وينبغي أن لا يغيب عن ذهننا أن الزكاة عبادة، والعبادة لا محل فيها للرأي والاجتهاد إلا بحدود ضيقة، ولذا يقف فيها الفقهاء عند النصوص، ولا ينظرون إلى ما قد يتوهم من مصلحة في مخالفتها.
قال النووي رحمه الله تعالى: (وقال إمام الحرمين: المعتمد في الدليل لأصحابنا أن الزكاة قربة لله تعالى، وكل ما كان ذلك فسبيله أن يتبع فيه أمر الله تعالى، ولو قال إنسان لوكيله: اشتر ثوباً، وعلم الوكيل أن غرضه التجارة، ولو وجد سلعة هي أنفع لموكله، لم يكن له مخالفته وإن رآه أنفع، فما يجب لله تعالى بأمره أولى بالاتباع) [المجموع: ٥/ ٤٠٣]: أي ليس لنا مخالفته بحجة الفائدة والنفع.
ثانياً: نصاب الأنعام ومقدار ما يجب فيها:
علمت فيما مضى أن الأنعام هي: الإبل، والبقر، والغنم.
فأما الإبل:
فإن أول نصابها أن يمتلك الرجل خمسة منها، فلا زكاة فيما دون ذلك، ثم إن الزكاة تزداد كلما ازداد عددها كثرة، طبق ضابط محدد إليك بيانه:
стр. 295
النصاب ... القدر الواجب
من ٥ ـ ٩ ... شاة واحدة
من ١٠ إلى ١٤ ... شاتان ... والشاة: واحد الغنم، على أن تكون جذعة ضأن، أي لها سنة. أو ثنية معز، أي لها سنتان.
من ١٥ إلى ١٩ ... ثلاث شياه
من ٢٠ إلى ٢٤ ... أربع شياه
من ٢٥ إلى ٣٥ ... بنت مَخاض (وهي من الإبل ما دخلت فيها سنتها الثانية
من ٣٦ إلى ٤٥ ... بنت لَبُون (وهي من الإبل ما دخلت في الثالثة من عمرها)
من ٤٦ إلى ٦٠ ... حقة (وهي من الإبل الناقة التي دخلت عامها الرابع)
من ٦١ إلى ٧٥ ... جذعة (وهي الناقة التي دخلت في الخامسة من العمر
من ٧٦ إلى ٩٠ ... بنتا لبون
من ٩١ إلى ١٢٠ ... حقتان
ثم إن زادت الإبل على ذلك: وجب في مقابل كل أربعين ابنه لبون، ومقابل كل خمسين حقة. فلو بلغت إبله مائه وسبعين وجب فيها بعد حَوَلان الحول ثلاث بنات لبون وحقه واحدة، لأن
стр. 296
مائة وسبعين بعيراً تتضمن ثلاث أربعينات وخمسين واحدة.
دليل ما سبق:
ما رواه البخاري (١٣٨٦) عن أنس ﵁: أن أبا بكر ﵁ كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين لجمع الزكاة: بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ على المسلمين والتي أمر الله بها رسوله، فمن سألها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سأل فوقها فلا يعط،: (في أربع وعشرين من الإبل فما دونها ـ من الغنم ـ في كل خمس شاة، فإذا بلغت خمساً وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى، فإن لم يكن فيها بنت مخاض فابن لبون ذكر، فإذا بلغت ستاً وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الجمل، فإذا بلغت أحدى وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة، فإذا بلغت ستاً وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون، فإذا بلغت أحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الجمل، فإذا زادت على عشرين ومائة: ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة).
[من الغنم: أي تعطي زكاتها من الغنم، طروقة الجمل: أي أصبحت يمكن للفحل أن يعلوها لضرابها، والضراب للبهائم مثل الجماع للإنسان].
وأما البقر:
فإن أدنى درجات نصابه ثلاثون، فلا زكاة فيما دون ذلك، ثم إن ما يجب إخراجه يزداد حسب ضابط معين، كلما تكاثرت كمية البقر، وإليك بيان هذا الضابط:
стр. 297
النصاب ... القدر الواجب
من ٣٠ ـ ٣٩ ... تبيع أو تبيعة (وهو من البقر ماله من العمر سنة)
من ٤٠ ـ ٥٩ ... مسنة (وهي من البقر ما لها سنتان).
من ٦٠ـ ٦٩ ... تبيعان
من ٧٠ ـ ٧٩ ... مسنة وتبيع
من ٨٠ ـ ٨٩ ... مسنتان
من ٩٠ ـ ٩٩ ... ثلاثة أتبعة
من ١٠٠ ـ ١٠٩ ... مسنة وتبيعان
من ١١٠ ـ ١١٩ ... مسنتان وتبيع
ثم إذا ازداد العدد على ذلك ففي كل ثلاثين منه تبيع، وفي كل أربعين منه مسنة.
دليل ذلك: ما رواه الترمذي (٦٢٣) وأبوداود (١٥٧٦) وغيرهما عن معاذ ﵁ قال: (بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فأمرني أن آخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعاً أو تبيعة، ومن كل أربعين بقرة مسنة).
стр. 298
وأما الغنم:
فلا زكاة فيها حتى تبلغ أربعين رأساً، فإذا بلغت أربعين رأسا وجب فيها واحدة منها، ثم إن القدر الواجب فيها يزداد كلما ازدادت الأغنام طبق ضابط معين نوضحه فيما يلي:
النصاب ... القدر الواجب
من ٤٠ إلى ١٢٠ ... شاة واحدة، ذات عام واحد إن كانت من الضأن، وعامين إن كانت من المعز
من ١٢١ إلى ٢٠٠ ... شاتان
من ٢٠١ إلى ٣٠٠ ... ثلاث شياه
ثم يتصاعد القدر الواجب على أساس مطرد، وهو: في كل مائة شاة، أي كلما ازدادت شياهه مائة زاد القدر الواجب فيها شاة.
دليل ذلك:
حديث البخاري (١٣٨٦) عن أنس ﵁، وكتاب أبي بكر ﵁ له وقد سبق ذكر أجزاء منه وفيه: (وفي صدقة الغنم ـ في سائمتها ـ إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة شاة، فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين ففيها شاتان، فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة ففيها ثلاث شياه، فإذا ازدادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاه، فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة شاة واحدة، فليس فيها صدقة، إلا أن يشاء ربها ... .. )
[سائمتها: هي التي ترعى الكلاء المباح. ربهما: صاحبها].
стр. 299
شروط خاصة لوجوب الزكاة في الأنعام.
مر بك بيان الشروط العامة لوجوب الزكاة، تحت عنوان (من تجب عليه الزكاة)، إلا أن لوجوب الزكاة في الأنعام شروطاً إضافية أخرى، علاوة على تلك الشروط العامة التي مر بيانها وهي:
١ـ أن تكون سائمة: أي ترعى الكلاء المباح أكثر من السنة، بحيث لا تتوقف حياتها وصحتها على أكثر من ذلك، لحديث البخاري السابق: (في سائمتها).
٢ـ أن تتخذ الماشية للدر ـ أي الحليب ـ أو النسل أو التسمين لا للعمل، فلو اتخذها للعمل ـ كالحراثة والتحميل، ونضح الماء ـ لم تجب فيها الزكاة، ودليل ذلك: قوله ﷺ في الخبر الصحيح: "ليس في البقر العوامل شيء" أخرجه الطبراني. ويقاس على البقر غيرها.
٣ـ يستثني فيها من اشتراط الحول ـ وهو شرط فيها على العموم ـ ما توالد من الأصل أثناء الحول، فإنه لا يشترط لوجوب الزكاة فيه مرور عام جديد على ولادته، وإنما يزكي عنه مع الكبار عند تمام حولها، لأنها تبع للأصول، والتابع يأخذ حكم المتبوع.
ثالثا: نصاب الزروع والثمار ومقدار ما يجب فيها:
نصابها:
سبق بيان الأصناف التي تتعلق فيها الزكاة من الزروع والثمار، كما سبق بيان الدليل من القرآن والسنة على ذلك.
ونوضح لك الآن النصاب الذي يشترط أن يتوفر في الزروع والثمار حتى تجب الزكاة فيها، فنقول:
نصاب الثمار أو الزروع: ما لا يقل عن خمسة أوسق كيلاُ،
стр. 300
وذلك بعد تصفيتها من نحو قشر وطين وتراب، وبعد أن يجف الثمر الجفاف المعتاد، فإذا بلغ الناتج خمسة أو ستة فما فوق تعلقت به الزكاة.
الدليل:
قوله ﷺ : " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة "
رواه البخاري (١٣٤٠) ومسلم (٩٧٩) ولمسلم (٩٧٩): " ليس في حب ولا تمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق " وفي رواية عنده (ثمر) ـ بالثاء المثلثة ـ بدل (تمر) بالتاء المثناه، وهي أشمل، إذ تشمل التمر والزبيب.
ما هو الوَسْق:
الوَسْق من المكاييل، وقد قدره رسول الله ﷺ بستين صاعاً من صيعان المدينة في عهده ﵊. جاء في الحديث السابق عند ابن حبان: والوسق ستون صاعاً. والصاع يساوي أربعة أمداد، أي أربع حفنات كبار. وقد قدرت دائرة المعارف الإسلامية في (المجلد ١٤/ ص ١٠٥) الصاع بثلاثة ألتار، فيكون الوسق على هذا مائة وثمانين لتراً، ويكون نصاب الزروع والثمار، تسعمائة لتر كيلاً.
القدر الواجب فيها:
كل زرع أو ثمر يُسقى بماء المطر أو بماء الأنهار، دون الحاجة إلى بذل كلفة أو نفقة من صاحب الزرع والثمر، أو يشرب بعروقه ـ كالأشجار البعلية ـ يجب فيه العشر إذا بلغ نصاباً، فيجب
стр. 301
في ثلاثمائة صاع ـ وهو أدنى النصاب ـ ثلاثون صاعاً، وفي تسعمائة لتراً تسعون لتراً.
أما إذا كان يسقى بالنواضح أو المحركات أو نحوها، مما يسبب للزراع كلفة ونفقة، فإن زكاته عندئذ نصف العشر، أي فيجب في ثلاثمائة صاع خمسة عشر صاعاً، وفي تسعمائة لتر خمسة وأربعون لتراً.
دليل ذلك:
ما رواه البخاري (١٤١٢) عن ابن عمر ﵄، عن رسول الله ﷺ قال: " فيما سقت السماء والعيون ـ أو كان عثرياً ـ العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر " والعثري من الشجر: ما سقته السماء أو امتص بعروقه، وهو ما يسمى بالبعل. وروى مسلم (٩٨١) عن جابر ﵁: أنه سمع النبي ﷺ قال: " فيما سقت الأنهار والغيم العشور، وفيما سقي بالسانية نصف العشر " وعند أبي داود (١٥٩٩) " أو كان بعلاً العشر ".
[الغيم: المطر. السانية: ما يستخرج بواسطته الماء من البئر ونحوه].
متى تجب زكاة الثمار والزروع:
لا يثبت وجوب الزكاة في الزروع ـ التي تجب فيها الزكاة ـ إلا بعد أن ينعقد الحب ويشتد. ولا يشترط اشتداد الجميع، بل اشتداد بعضه كاشتداد كله.
ولا تثبت في الثمار ـ التي تجب فيها ـ إلا بعد أن يبدو صلاحها، أي يظهر نضجها باحمرار أو اصفرار أو تلون، حسب
стр. 302
المعهود في كل ثمر. ويعتبر ظهور الصلاح في البعض كظهوره في الكل.
وإنما اشترط بدو الصلاح في الثمار، والاشتداد في الحب، لأنها قبل هذه الحالة لا تعتبر أقواتاً، ولا يصلح للادخار.
وإذا ثبت الوجوب بالاشتداد وظهور الصلاح فلا يجب الأداء وإخراج المقدار المناسب في ذلك الوقت وإنما تخرج الثمار عندما يصبح العنب زبيباً والرطب تمراً، دل على ذلك حديث عتاب بن أسيد ﵁: " أمر رسول الله ﷺ أن يُخْرَصَ العنب كما يخرص النخل وتؤخذ زكاته زبيباً كما تؤخذ صدقة النخل تمراً " الترمذي (٦٤٤).
وزكاة الزروع عند الحصول عليها بعد تصفيتا من القشر وغيره، لقوله تعالى: " وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) [الأنعام: ١٤١]
بيع الثمار والزروع بعد وجوب الزكاة فيها:
إذا باع الزروع أو الثمار ـ بعدما وجبت الزكاة فيها ـ لم يصح البيع في المقدار الذي يجب إخراجه منها، إلا إذا خرص الجميع، أي قدر ما يكون من الثمار زبيباً أو تمراً، وقدر ما يكون من الزروع حبا صافيا، لأن الخرص تضمين للمالك قدر ما يستحق عليه من الزكاة.
ومثل البيع كل تصرف بأكل أو هبة أو إتلاف، فإذا تصرف بشيء من ذلك غرم مقدار الزكاة فيما تصرف فيه. وإن كان عالماً بالتحريم أثم وإلا فلا.
وعليه: فالمستحب للحاكم أن يبعث من يخرص الثمار والزروع حين تجب فيها الزكاة، لحديث عتاب ﵁ الذي
стр. 303
مر ذكره، وإذا لم يفعل الحاكم ذلك تحاكم المالك إلى عدلين خبيرين يخرصان له ما يتحصل له ما يتحمل عنده، ومقدار ما يجب عليه، وبعد ذلك يجوز له التصرف فيما عنده.
إخراج القيمة بدل العين:
علمنا أن الواجب في زكاة المواشي أعيان نص عليها الشارع في كل عدد مملوك منها، والزكاة حق لله تعالى يصرف لمستحقيه، وطالما أن الشارع علق هذا الحق بما نص عليه فلا يجوز نقله إلى غيره، وعليه: فالواجب إخراج زكاة المواشي من أعيانها كما بين فيما سبق مع أدلته، ولا يجوز إخراج القيمة بدل الأعيان.
وكذلك الأمر بالنسبة لزكاة الزروع والثمار، لأن الشارع علق الحق فيما يخرج منها، حين قال: " فيما سقت السماء ... "
ويستثنى من هذا بعض الحالات للضرورة، كما إذا وجبت عليه شاه في خمس من الإبل، وبحث عنها فلم يجدها، وكان الفقراء يتضررون بالتأخير حتى الوجود، ومثله لو امتنع المالك من أداء الواجب، وأخفى الأموال الواجب فيها، فوجد له الحاكم أموالاً أخرى فإنه يأخذ مما وجد.
رابعاً: الحول والنصاب في أموال التجارة ومقدار ما يجب فيها:
عرفت فيما مضى أن أموال التجارة ـ أو عروض التجارة ـ هي: تلك السلع التي تقلب بالمعاوضة لغرض الربح، أيا كانت هذه السلع، وتسمى عروض التجارة. فكل سلعة يتاجر فيها الإنسان، سواء كانت أصلاً من الأصناف التي تزكى: كالذهب والفضة والحبوب والثمار والماشية، أم كانت من غيرها: كالأقمشة والمصنوعات والأرض والعقارات والأسهم، نجب الزكاة فيها بشروطها.
стр. 304
إذا عرفت هذا، فاعلم أن عروض التجارة معتبرة بالذهب والفضة من حيث النصاب، وحولان الحول، ومقدار ما يجب فيها.
أي تقوم الأموال التجارية بالنقد المتعارف عليه والمتعامل به، فإن بلغت قمتها ستة وتسعين غراماً من الذهب، أو قيمة مائتي درهم من الفضة، وجبت فيها الزكاة، وله الخيار أن يقدرها بقيمة الذهب أو قيمة الفضة، إلا إذا اشتريت في الأصل بأحدهما عيناً وجب تقديرها به.
والعبرة ببلوغ الأموال التجارية نصاباً آخر العام من البدء بالمتاجرة، فلا يشترط بلوغها نصاباً عند بدء التجارة، ولا بقاؤها كذلك خلال الحول، وبهذا يعلم أن المراد بالحول في زكاة التجارة مرور عام قمري على تملك السلع بنية التجارة، إلا إذا كان تملكها بنقد يبلغ نصاباً أو يزيد عليه فبدء الحول في هذه الحالة من تاريخ تملك النصاب من النقد الذي اشتريت به عروض التجارة.
وبناء على ما سبق فإن التاجر يُجري جرداً عاماً لكل ما هو تحت يده من هذه الأموال التي يتاجر بها، ويقدر قيمتها وقت الجرد بقيمة الذهب أو الفضة على ما مر، فإن بلغت نصاباً، وجب أن يخرج ربع عشر قيمة هذه الأموال زكاة، وإن لم تبلغ نصاباً لم يجب فيها شيء. ويلاحظ عند الجرد والتقويم ما يلي:
أولاً:
لا يدخل في الأمور التجارية التي يجب تقويمها الأثاث وما في معناه، والأجهزة الموجودة في المحل لقصد الاستعانة بها لا لقصد بيعها، فلا زكاة عليها مهما بلغت قيمتها.
ثانيا:
يدخل في الأموال التي يجب تقويمها كل من رأس المال
стр. 305
والربح معاً، فيضمان إلى بعضهما، وتؤدي الزكاة عن الجميع، فلو بدأ تجارته بما قيمته ألفا ليرة سورية، وفي آخر العام بلغت خمسة آلاف ليرة سورية، وجبت الزكاة عن الكل.
الواجب إخراجه في زكاة التجارة:
علمنا أنه إذا حال الحول على التجارة قومت العروض بالنقد الغالب المتعامل به، فإذا بلغت نصاب الذهب أو الفضة وجبت فيها الزكاة بنسبة اثنين ونصف في المائة.
وهل تخرج هذه النسبة من عين عروض التجارة المقومة، أم من القيمة التي قومت به
في المذهب ثلاثة أقوال:
أـ يجب إخراج مما قومت به العروض، ولا يجزئ الإخراج من نفس العروض، لأن عروض التجارة ليست بأموال زكوية في الأصل، وإنما صارت كذلك بنية التجارة، وتعلقت بها الزكاة بالنظر إلى قيمتها بما قومت به، فوجب الإخراج منها.
وهذا هو القول الأصح الذي عليه العمل وبه الفتوى.
ب ـ يجب الإخراج من نفس السلع التجارية ولا تجزئ القيمة، لأن العروض هي سبب وجوب الزكاة.
ج ـ يخير بين الإخراج من القيمة أو من نفس العروض، لأن الزكاة تعلقت بهما، إذ أن كلا منهما سبب وجوبها.
تنبيه ولفت نظر:
هذا وينبغي التنبيه هنا إلى أنه إذا قلنا بجواز إخراج القدر الواجب في الزكاة من نفس عروض التجارة فيجب إخراج اثنين ونصف في المائة من كل نوع نملكه من العروض، ولا يجزئ أن نخرج بدل القدر الواجب من نوع بقيمته من نوع آخر، وكذلك
стр. 306
يجب أن يخرج القدر الواجب من كل نوع من الصنف الوسط منه، ولا يجزئ أن نخرج الأقل قيمة، والمعيب، وما كسد سوقه، ونحو ذلك.
خامساً: نصاب المعدن والركاز وما يجب فيهما:
قد علمت معنى كل من المعدن والركاز، فلا نعيده الآن، وإنما المهم هنا أن تعلم النصاب الذي تتعلق به الزكاة من كل منهما، والنسبة التي يجب إخراجها.
فأما المعدن:
فنصابه نصب الذهب والفضة نفسه، إلا أنه لا يشترط لوجوب الزكاة فيه حولان الحول، بل تجب الزكاة فور استخراجه. فإذا استخرج الرجل ذهباً أو فضة من معدنه، وبلغ ما أخرجه من ذلك نصاباً، وجب عليه أن يخرج زكاته فوراً، بنسبة ربع العشر، أي اثنين ونصف في المائة من المجموع.
وأما الركاز:
فنصابه أيضاً نصاب النقدين، ولا يشترط لتعلق الزكاة به مرور حول بل يجب إخراج زكاته فوراً، إلا أن المقدار الذي يجب إخراجه هنا إنما هو الخمس، أي عشرون في المائة من مجموع ما قد استخرجه.
دليل ذلك:
ما رواه البخاري (١٤٢٨) ومسلم (١٧١٠) عن رسول الله ﷺ : " وفي الركاز الخمس "
وافترق عن الأنواع الزكوية الأخرى، لأن سبيل امتلاكه يكون
стр. 307
بغير مؤونة أو كلفة ذات أهمية، فكان حق الفقراء فيه أكثر. ولم يشترط الحول في المعدن والركاز: لأن كلا منهما مستخرج من الأرض، فهو بمنزلة الزرع، فتؤخذ منه الزكاة كما تؤخذ من الزروع فور الحصول عليها، وبعد تنقيتها وتصفيتها من الشوائب الدخيلة عليها.
стр. 308
زكاة الخليطين
المقصود بالخليطين:
يقصد بالخليطين في باب الزكاة: مالان زكويان لشخصين، خلطا ببعضهما، يقصد الشركة أو نحوها.
أقسام الخليطين:
يقسم هذا المال إلى قسمين
الأول:
يسمى خلطة عيان، أو خلطة شيوع: ويقصد به أن يكون بين شخصين من أهل الزكاة نصاب زكوي أو فوقه، ملكاه حولاً كاملاً بشراء أو إرث أو غيرهما، وكان من جنس واحد.
ويلاحظ أن المالين في هذا القسم ممتزجان امتزاج شيوع. أي أن ما يملكه كل واحد غير متميز عما يملكه الآخر، وإنما لكل مهما جزء غير متعين من المملوك بنسبة ما يملك. وذلك: كما لو ورث أخوان من أبيها أربعين رأسا من الغنم، أو اشترى اثنان معاً ذلك الغنم، فإن كلا منهما يملك من كل رأس نصفه.
стр. 309
وكذلك لو كان الموروث أو المشترى سلعاً أو أرضاً، فكل واحد يملك النصف من كل جزء منها دون تعيين.
الثاني:
يسمى خلطة مجاورة أو خلطة أوصاف: ويقصد به أن يكون بين شخصين مثلاً من أهل الزكاة نصاب غير مشترك من المال، بل بينهما مجاورة مجردة. فيلاحظ أن المالين في هذا القسم غير ممتزجين، بل هما منفصلان متميزان.
كيف تؤدى زكاة الخليطين:
يعتبر الخليطان ـ من أي القسمين كانا ـ مالاً واحداً لرجل واحد، في تعلق الزكاة بهما. أي: فإذا بلغ مجموع الخليطين نصاباً، وحال عليه الحول، وهو كذلك، وجبت الزكاة فيهما، وإن كانت حصة كل من المالكين منفردة لا تبلغ نصاباً.
دليله: حديث البخاري عن أنس ﵁، وقد مرت بك فقرات منه، وفيه: " لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع، خشية الصدقة ".
ومعناه: إذا كان نصيب كل مالك مفترقاً أو متميزاً عن غيره، فلا يجمع معه ليصبح المجموع نصاباً، فتجنب فيه الزكاة، وإذا كان مختلطاً به، فلا يميز عنه حتى لا تجب فيه الزكاة، لأنه يصبح أقل من النصاب.
وهذا الحكم كما ترى من شأنه في بعض الأحيان: أن يوجب في المالين زكاة لم تكن واجبة فيهما لولا الاختلاط، كما أن من شأنه أيضا في أحيان أخرى أن يقلل نسبة الزكاة فيهما، وقد كانت أكثر فيهما لولا الاختلاط.
стр. 310
مثال الأول:
أن يملك شخصان مدة حول كامل أربعين رأساً من الغنم فإن الزكاة تتعلق بها، مع العلم بأن كلاً منهما لو انفرد بنصيبه منها لما وجب على أحدهما فيها زكاة، لنقصان نصيب كل منهما عن النصاب.
ومثال الثاني:
أن يملكا ثمانين رأساً من الغنم، لكل منهما أربعون فلا يجب فيها بعد مرور الحول إلا شاة واحدة حال الاختلاط، مع العلم بأن كلا منهما لو انفرد بنصيبه استقلالاً لوجب فيهما شاتان، في كل أربعين شاة.
شروط اعتبار الخليطين مالاً واحداً:
لاعتبار الزكاة في الخليطين، كما لو كانا مالاً واحداً لرجل واحد، طائفتان من الشروط.
أما الطائفة الأولى:
فهي شروط للخليطين من أي القسمين كانا، أي سواء كانت الخلطة على سبيل الشيوع، أو كانت خلطة مجاورة، وهي:
١ـ أن يكون المالان من جنس واحد، فلو كان أحد المالين غنماً والآخر بقراً بقي كل منهما مستقلاً، مهما كانت الخلطة والشركة.
٢ـ كون مجموع المالين نصاباً فأكثر، فلو كان المجموع خمسة وثلاثين رأساً من الغنم لم تجب فيها الزكاة، وإن كان كل منهما ـ أو أحدهما ـ يملك عدد آخر من الأغنام لو ضُمَّت إلى الخليط لبلغ نصاباً.
٣ـ دوام الخلطة سنة إن كان المال مما يجب فيه الحول،
стр. 311
فلو ملك كل منهما أربعين شاة في أول شهر محرم، وخلطاهما في أول صفر فإن الواجب إذا استدار العام وعاد شهر محرم أن يخرج كل منهما شاة، أي فلا عبرة بالخلطة. أما إذا لم يكن المال حوليا، كالزروع والثمار، فإنما يشترط بقاء الخلطة فيها إلى ظهور الثمر واشتداد الحب.
وأما الطائفة الثانية فهي شروط خاصة بخلطة الجوار وهي:
١) أن لا يتميز ـ بالنسبة للأنعام ـ مراحها ومسرحها ومرعاها وموضع حلبها.
فلو كان كل من المالكين يذهب بشياهه إلى مرعى مختلف عن الآخر، أو يعود بها إلى مراح، وهو محل المبيت ـ مختلف، وكذلك المسرح ـ وهو المكان الذي تسرح إليه لتجتمع وتساق إلى المرعى ـ أو كان منهما يمضي بشياهه إلى مكان مستقل للحلب، لم يكن لهذا الاختلاط أي أثر فيما ذكرنا.
٢) أن يكون الراعي لها واحداً، والفحل الذي يطرقها واحداً، فلو كان لكل منهما راعٍ، أو فحل خاص، لم يعتبر المال مختلطاً.
٣) يشترط إذا كان المال الزكوي زرعاً: أن لا يتميز الحارس، والجرين: أي المكان الذي يجفف فيه الثمر. ويشترط إذا كان عروض تجارة: أن لا يتميز الدكان ومحل التخزين، وأداة البيع من ميزان ونحوه.
فإذا توافرت هذه الشروط الثلاثة اعتبر الخليطان مالاً واحداً كأنهما لمالك واحد، ولا يضر أنهما ليسا ممتزجين امتزاج شيوع، بل تكفي ـ إذا وجدت هذه الشروط ـ المجاورة. أما إذا لم تتوفر،
стр. 312
أو لم يوجد واحد منها، فإن كل مالك ينظر في ماله ويحسبه مستقلاً عن الآخر، ويخرج زكاته على هذا الأساس.
ما يلزم كل مالك من زكاة الخليطين:
إذا أخذت الزكاة من الخليط ـ على أنه مال واحد ـ كان على كل واحد من الشركاء بنسبة ما يملك من الخليط، فإن أخذ من عين ماله أكثر مما يلزمه استرد الزيادة من شركائه، وإن أخذ منه أقل مما يلزمه رد الفرق على شركائه.
فلو كان الخليط مائه شاة لزمت فيه شاه، فإن كان الخليط لثلاثة: وأحد الشركاء يملك خمسين شاة لزمه نصف شاة، والثاني يملك خمساً وعشرين لزمه ربع شاة، وكذلك الثالث.
دليل ما سبق: ما جاء في حديث أنس ﵁: " ما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية ".
стр. 313
كيفية أداء الزكاة
عدم التأخير عن وقت الاستحقاق:
إذا كان المال نصاباً فما فوقه، وحال الحول عليه، فقد وجبت فيه الزكاة وثبتت لمستحقيها، ووجب على المالك إخراج القدر الواجب على الفور، إذا توفر شرطان اثنان:
الشرط الأول: أن يتمكن من إخراجها: وذلك بأن يكون المال حاضراً عنده. فإن كان غائباً عن المكان الذي هو فيه، بأن كان في بلدة أخرى، أو كان ديناً في ذمة بعض الناس، لم يكلف بإخراج الزكاة عنه فوراً. نعم إن توفر تحت يده المبلغ الذي يجب إخراجه عن المال المشغول بالدين، وجب إخراجه فوراً.
الشرط الثاني: حضور الأصناف المستحقين لها، أو حضور، الإمام أو وكيله الساعي على جمعها، فإن لم يحضر من يستحقها من الأصناف الثمانية المذكورة في القرآن، أو من ينوب عنهم، فله تأخيرها، بل لا بد من تأخيرها حتى يحضر المستحقون.
ما الذي يترتب على التأخير:
إذا توفر هذان الشرطان، وأخَّر المالك مع ذلك إخراج الزكاة، يترتب على ذلك أمران اثنان:
стр. 314
الأول: الإثم، إذ هو في حكم من يحبس مال الفقراء عنده دون موجب، وهو حرام. ويستثنى من ذلك ما إذا اخر لانتظار قريب أو جار أو من هو أحوج من الحاضرين، شريطة أن لا يتضرر الحاضرون بهذا التأخير ضرراَ بليغاً، ويزداد جوعهم وعوزهم، فيأثم عند ذلك مطلقاً.
الثاني: الضمان، أي ينتقل حق الفقراء والمستحقين من التعلق بعين المال إلى التعلق بذمة المالك، فتصبح ذمته مشغولة بحقهم حتى وإن تلف جميع ماله، ذلك لأنه قصر بسبب التأخير الذي لم يكن له فيه عذر، فيتحمل مسؤولية تقصيره، حفظاً لمصلحة المستحقين، حتى ولو كان تأخيره لانتظار من ذكر آنفاً.
تأخير الوكيل صرف الزكاة للمستحقين:
مما مر يتبين لنا: أنه إذا وكل المالك غيره بصرف زكاة ماله، ودفع له المقدار الواجب، ووجد المستحقون لهذه الزكاة، فليس له تأخير دفعها إليهم، وإن أخر أثم وكان ضامناً.
وهنا نلفت أنظار المشرفين على الجمعيات الخيرية إلى هذا الأمر ونبين لهم أن إبقاء مبلغ الزكاة - التي تدفع إليهم من المالكين - كرصيد مدور لحساب الجمعية أو في صندوقها، وكذلك إبقاء مبالغ لتدفع للمستحقين خلال العام كأقساط شهرية، أمر غير مشروع، ومخالف لما ثبت في شرع الله تعالى، من وجوب أداء الحق لصاحبه فور استحقاقه، ومباين لحكمة تشريع الزكاة التي تهدف إلى إغناء الفقير ومن على شاكلته، بإعطائه مبلغاً من المال قد يساعده على تهيئة عمل شريف يكون مورد رزق دائم له، وبذلك يمحى اسمه من لائحة الفقراء والمعوزين، ليوضع في قائمة المنفقين والمحسنين المتصدقين. ونحن غير مسؤولين عن تصرف
стр. 315
المكلف صاحب الاستحقاق، طالما أنه بالغ عاقل راشد من حيث الظاهر.
وعليه فإننا نهيب بالمشرفين المخلصين على الجمعيات أن لا يقعوا في هذه المخالفة، كي يسلم لهم الأجر عند الله ، ولا تحبط أعمالهم، أو تذهب جهودهم المبذولة في خدمة ذوي الحاجة سدى.
تعجيل الزكاة قبل وقت وجوبها:
أما إذا أراد المالك أن يستعجل بإخراج زكاته، قبل حلول وقتها، فينظر.
إن أخرجها قبل أن يمتلك نصاباً لم تجزئ، ولم يقع المال المدفوع زكاة، أي فإذا تكامل ماله بعد ذلك نصاباً، وحال عليه الحول، وجب أن يخرج الزكاة عنه، ولم يسد المال الذي كان قد عجل بإخراجه أي مسد عنه.
ذلك لأن سبب وجوب الزكاة- وهو النصاب- مفقود من أصله، فقسناه على التعجيل بأداء الثمن قبل شراء السلعة، فإنها لا تعتبر ثمناً، ولا تغني عن وجوب دفع الثمن بعد عقد الشراء.
أما إن أخرجها بعد أن امتلك النصاب وقبل أن يحول الحول، فهو مجزئ ويقع المال المدفوع زكاة عن ماله الزكوي، أي فلا يجب عليه أن يخرج زكاة ماله هذا بعد تكامل الحول عليه.
ودليل ذلك: ما رواه أبو داود (١٦٢٤) والترمذي (٦٧٨) وابن ماجه (١٧٩٥): أن العباس ﵁ سأل رسول الله ﷺ في تعجيل صدقته قبل أن تحل، فرخص له في ذلك.
стр. 316
شروط صحة التعجيل:
إذا عجل زكاة ماله سقط عنه الواجب عند حولان الحول إذا وجدت الشروط التالية:
الشرط الأول: بقاء المالك أهلا لوجوب الزكاة عليه إلى آخر الحول، فلو سقطت عنه هذه الأهلية ـ بأن مات مثلاُ قبل مرور الحول ـ لم يعتبر المال المعجل زكاة. وفي هذه الحالة لورثته أن يستردوا ما دفع إن كان بين للقابض أنها زكاة معجلة.
الشرط الثاني: أن يبقى ماله كما هو إلى مرور الحول، فلو تلف ماله أو باعه في غير تجارة، لم يعتبر المعجل زكاة وكان له أن يسترد ما عجله إن بين للقابض أنه زكاة معجلة.
الشرط الثالث: أن يكون القابض للمال المعجل مستحقاً في آخر الحول ـ وإن مرت عليه ظروف خلال الحول جعلته غير مستحق، بسبب طروء غنى بغير ما دفع إليه من زكاة، أو ارتداد أو نحو ذلك ـ إذ العبرة إنما هي بآخر الحول، حيث تجب المبادرة بالإخراج.
وعلى هذا: لو أن القابض للزكاة المعجلة خرج عن الاستحقاق في آخر العام، لم يعتبر المدفوع له زكاة، وعلى المالك أن يدفع الزكاة ثانية. وينظر: فإن كان قال له عند الدفع: هذه زكاتي، كان له أن يسترد منه ما أعطاه. وإن لم يقل له ذلك فليس له الرجوع عليه بشيء.
دفع الزكاة عن طريق الإمام:
تنقسم الأموال الزكوية ـ بالنظر إلى المسألة ـ إلى قسمين أموال باطنة، وأموال ظاهرة.
стр. 317
أما الأموال الباطنة: فهي النقدان، وعُروض التجارة، والركاز:
وللمالك أن يخرج زكاة هذه الأموال ويعطيها للمستحقين إذا شاء بنفسه، دون وساطة الإمام، وله أن لا يعطيها له وإن طلبها، بل لا يجوز للإمام أن يطلبها منه، لأنها أموال باطنة هو أدرى بها وبكميتها.
وأما الأموال الظاهرة: فهي الأنعام والزروع والثمار والمعادن، فإن طلب الإمام زكاة هذه الأمور وجب على المالك تسليمها إليه، لظاهر قوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا) التوبة: ١٠٣
وإن لم يطلبها الإمام كان المالك بالخيار: بين أن يتولى دفعها للمستحقين بنفسه، وأن يسلمها للإمام. ولكن الأفضل إعطاؤها له، لأنه ـ أي الإمام ـ اعرف بالمستحقين وأقدر على استيعابهم، ولأن توزيعها عن طريق الإمام أضمن لعدم إيذاء المستحقين بالتمنن أو الاستعلاء، إذ علاقة الحاكم بها كعلاقة الأب بأولاده، فلا مجال لشيوع معنى التمنن أو الاستعلاء بينهما، ولأن ذلك خير سبيل لإٍغناء المستحقين بالزكاة، مما يجعلهم يعتمدون على أنفسهم بشق سبل الكدح والارتزاق لأنفسهم.
هذا إذا كان الإمام عادلاً في قسمة الأموال وصرفها إلى المستحقين، فإن كان جائزا، بل غلب على الظن أنه لا يسلمها إلى المستحقين، فإن الأفضل أن يتولى المالك توزيع زكاته بنفسه، إلا أن يطلبها الإمام على وجه الحتم، وكانت أموالاً ظاهرة، فلا سبيل عندئذ للمالك إلى منعها عنه، إن كان جائزاً.
التوكيل بالزكاة:
الأفضل أن يخرج المالك زكاة ماله ويعطيها للمستحقين
стр. 318
بنفسه، إلا ما قد علمت من حكم إعطائها للإمام بالتفصيل الذي ذكرناه.
ولكن هل له أن يوكل بها غيره؟
نعم، له أن يفعل ذلك، لأن الزكاة إنما تتعلق بحق مالي، والحقوق المالية يجوز التوكيل في أدائها، كالتوكيل في دفع الديون والأثمان، وإعادة الودائع والعواري إلى أصحابها.
فيجوز للمالك بها أن يوكل كل من يملك أن يفعل ذلك عن نفسه، فيدخل فيه الكافر والصبي المميز، ولكن يشترط إذا وكل بها كافراً وصبياً أن يعين له الشخص المدفوع إليه.
النية عند دفعها:
تجب النية عند إخراج الزكاة تميزاً لها عن الكفارات وبقية الصدقات، وللحديث المشهور: " إنما الأعمال بالنيات " البخاري (١) ومسلم (١٩٠٧)
فإن تولى إخراج الزكاة بنفسه، استحضر نية ذلك عند الدفع للمستحق، أو عندما يعزل المبلغ الذي يريد إخراجه عن بقية ماله، أي فإن نوى عند العزل أن هذا المبلغ هو زكاة ماله، كان ذلك كافيا، ولم يجب استحضار النية مرة أخرى عند الدفع.
وإن وكل بها، نوى الزكاة عند تسليم المبلغ إلى الوكيل، ولا يجب على الوكيل بعد ذلك أن يستحضر أي نية عند إعطائه للمستحقين، ولكن الأفضل أن ينوي الوكيل أيضاً عند توزيع المبلغ عليهم، فإن لم ينو المالك عند تسليمها للوكيل لا تكفي نية الوكيل عند دفعها للمستحقين. وإن سلمها للإمام أو نائبه، نوى عند دفعها
стр. 319
له، وكان ذلك كافياً، لأن الإمام نائب عن المستحقين، فكانت النية عند إعطائها له بمثابة النية عند إعطائها للمستحقين أنفسهم.
فإن لم يستحضر المالك النية عند إعطائها للإمام لم تفد نية الإمام عنه بعد ذلك، ولا يعتبر المال المدفوع له مجزئاً عن الزكاة، وذلك لأن الإمام ـ كما قلنا ـ نائب عن المستحقين، وليس نائباً عن المالك كما هو الشأن في الوكيل، لذلك فلا عبرة بنيته عن المالك. على أن نية الوكيل لا تكفي، إذا لم ينو المالك الموكل كما علمت.
стр. 320
مصارف الزكاة
المستحقون للزكاة:
لقد ذكر الله تعالى المستحقين الذين تصرف إليهم الزكاة بقوله:
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ التوبة/٦٠
وإليك بيان هذه الأصناف:
١ـ الفقراء: جمع فقير، وهو: من لا مال له يقع موقعاً من كفاية مطعماً وملبساً ومسكناً، كمن يحتاج إلى عشرة فلا يقدر إلى على ثلاثة.
٢ـ المساكين: جمع مسكين، وهو: من له شيء يسد مسداً من حاجته، ويقع موقعاً من كفايته، ولكنه لا يكفيه. كمن يحتاج إلى عشرة مثلاً فلا يجد إلى ثمانية. ويعطى هؤلاء ومن قبلهم كفاية العمر الغالب على الأصح.
هذا ومما ينبغي الانتباه إليه: أن الحاجة إلى النكاح من تمام الكفاية التي تؤخذ بعين الاعتبار، عند تقدير ما لديه وما يحتاج إليه.