شروط صحة التعجيل:
إذا عجل زكاة ماله سقط عنه الواجب عند حولان الحول إذا وجدت الشروط التالية:
الشرط الأول: بقاء المالك أهلا لوجوب الزكاة عليه إلى آخر الحول، فلو سقطت عنه هذه الأهلية ـ بأن مات مثلاُ قبل مرور الحول ـ لم يعتبر المال المعجل زكاة. وفي هذه الحالة لورثته أن يستردوا ما دفع إن كان بين للقابض أنها زكاة معجلة.
الشرط الثاني: أن يبقى ماله كما هو إلى مرور الحول، فلو تلف ماله أو باعه في غير تجارة، لم يعتبر المعجل زكاة وكان له أن يسترد ما عجله إن بين للقابض أنه زكاة معجلة.
الشرط الثالث: أن يكون القابض للمال المعجل مستحقاً في آخر الحول ـ وإن مرت عليه ظروف خلال الحول جعلته غير مستحق، بسبب طروء غنى بغير ما دفع إليه من زكاة، أو ارتداد أو نحو ذلك ـ إذ العبرة إنما هي بآخر الحول، حيث تجب المبادرة بالإخراج.
وعلى هذا: لو أن القابض للزكاة المعجلة خرج عن الاستحقاق في آخر العام، لم يعتبر المدفوع له زكاة، وعلى المالك أن يدفع الزكاة ثانية. وينظر: فإن كان قال له عند الدفع: هذه زكاتي، كان له أن يسترد منه ما أعطاه. وإن لم يقل له ذلك فليس له الرجوع عليه بشيء.
دفع الزكاة عن طريق الإمام:
تنقسم الأموال الزكوية ـ بالنظر إلى المسألة ـ إلى قسمين أموال باطنة، وأموال ظاهرة.
стр. 317
أما الأموال الباطنة: فهي النقدان، وعُروض التجارة، والركاز:
وللمالك أن يخرج زكاة هذه الأموال ويعطيها للمستحقين إذا شاء بنفسه، دون وساطة الإمام، وله أن لا يعطيها له وإن طلبها، بل لا يجوز للإمام أن يطلبها منه، لأنها أموال باطنة هو أدرى بها وبكميتها.
وأما الأموال الظاهرة: فهي الأنعام والزروع والثمار والمعادن، فإن طلب الإمام زكاة هذه الأمور وجب على المالك تسليمها إليه، لظاهر قوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا) التوبة: ١٠٣
وإن لم يطلبها الإمام كان المالك بالخيار: بين أن يتولى دفعها للمستحقين بنفسه، وأن يسلمها للإمام. ولكن الأفضل إعطاؤها له، لأنه ـ أي الإمام ـ اعرف بالمستحقين وأقدر على استيعابهم، ولأن توزيعها عن طريق الإمام أضمن لعدم إيذاء المستحقين بالتمنن أو الاستعلاء، إذ علاقة الحاكم بها كعلاقة الأب بأولاده، فلا مجال لشيوع معنى التمنن أو الاستعلاء بينهما، ولأن ذلك خير سبيل لإٍغناء المستحقين بالزكاة، مما يجعلهم يعتمدون على أنفسهم بشق سبل الكدح والارتزاق لأنفسهم.
هذا إذا كان الإمام عادلاً في قسمة الأموال وصرفها إلى المستحقين، فإن كان جائزا، بل غلب على الظن أنه لا يسلمها إلى المستحقين، فإن الأفضل أن يتولى المالك توزيع زكاته بنفسه، إلا أن يطلبها الإمام على وجه الحتم، وكانت أموالاً ظاهرة، فلا سبيل عندئذ للمالك إلى منعها عنه، إن كان جائزاً.
التوكيل بالزكاة:
الأفضل أن يخرج المالك زكاة ماله ويعطيها للمستحقين
стр. 318
بنفسه، إلا ما قد علمت من حكم إعطائها للإمام بالتفصيل الذي ذكرناه.
ولكن هل له أن يوكل بها غيره؟
نعم، له أن يفعل ذلك، لأن الزكاة إنما تتعلق بحق مالي، والحقوق المالية يجوز التوكيل في أدائها، كالتوكيل في دفع الديون والأثمان، وإعادة الودائع والعواري إلى أصحابها.
فيجوز للمالك بها أن يوكل كل من يملك أن يفعل ذلك عن نفسه، فيدخل فيه الكافر والصبي المميز، ولكن يشترط إذا وكل بها كافراً وصبياً أن يعين له الشخص المدفوع إليه.
النية عند دفعها:
تجب النية عند إخراج الزكاة تميزاً لها عن الكفارات وبقية الصدقات، وللحديث المشهور: " إنما الأعمال بالنيات " البخاري (١) ومسلم (١٩٠٧)
فإن تولى إخراج الزكاة بنفسه، استحضر نية ذلك عند الدفع للمستحق، أو عندما يعزل المبلغ الذي يريد إخراجه عن بقية ماله، أي فإن نوى عند العزل أن هذا المبلغ هو زكاة ماله، كان ذلك كافيا، ولم يجب استحضار النية مرة أخرى عند الدفع.
وإن وكل بها، نوى الزكاة عند تسليم المبلغ إلى الوكيل، ولا يجب على الوكيل بعد ذلك أن يستحضر أي نية عند إعطائه للمستحقين، ولكن الأفضل أن ينوي الوكيل أيضاً عند توزيع المبلغ عليهم، فإن لم ينو المالك عند تسليمها للوكيل لا تكفي نية الوكيل عند دفعها للمستحقين. وإن سلمها للإمام أو نائبه، نوى عند دفعها
стр. 319
له، وكان ذلك كافياً، لأن الإمام نائب عن المستحقين، فكانت النية عند إعطائها له بمثابة النية عند إعطائها للمستحقين أنفسهم.
فإن لم يستحضر المالك النية عند إعطائها للإمام لم تفد نية الإمام عنه بعد ذلك، ولا يعتبر المال المدفوع له مجزئاً عن الزكاة، وذلك لأن الإمام ـ كما قلنا ـ نائب عن المستحقين، وليس نائباً عن المالك كما هو الشأن في الوكيل، لذلك فلا عبرة بنيته عن المالك. على أن نية الوكيل لا تكفي، إذا لم ينو المالك الموكل كما علمت.
стр. 320
مصارف الزكاة
المستحقون للزكاة:
لقد ذكر الله تعالى المستحقين الذين تصرف إليهم الزكاة بقوله:
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ التوبة/٦٠
وإليك بيان هذه الأصناف:
١ـ الفقراء: جمع فقير، وهو: من لا مال له يقع موقعاً من كفاية مطعماً وملبساً ومسكناً، كمن يحتاج إلى عشرة فلا يقدر إلى على ثلاثة.
٢ـ المساكين: جمع مسكين، وهو: من له شيء يسد مسداً من حاجته، ويقع موقعاً من كفايته، ولكنه لا يكفيه. كمن يحتاج إلى عشرة مثلاً فلا يجد إلى ثمانية. ويعطى هؤلاء ومن قبلهم كفاية العمر الغالب على الأصح.
هذا ومما ينبغي الانتباه إليه: أن الحاجة إلى النكاح من تمام الكفاية التي تؤخذ بعين الاعتبار، عند تقدير ما لديه وما يحتاج إليه.
стр. 321
٣ـ العاملون عليها: هم العمال الموظفون والجباة الذين يستعين بهم الإمام لجمع الزكاة وتوزيعها. وهؤلاء يعطون أجرة مثل عملهم الذي قاموا به، ولا يزاد لهم على ذلك، ولا يجوز إعطاؤهم نسبة معينة مما يجبون، إذ لا دليل على هذا في شرع الله تعالى، وإنما هم أجراء، فيعطون أجرة مثل عملهم لا غير.
٤ـ المؤلفة قلوبهم: وهم مسلمون حديثو عهد الإسلام، يتوقع بإعطائهم أن يقوى إسلامهم. أو هم مسلمون ذوو وجاهة ومكانة في قومهم، يتوقع بإعطائهم إسلام أمثالهم. أو هم مسلمون يقومون على الثغور، يحمون المسلمين من هجمات الكفار وشر البغاة، أو يقومون بجبي الزكاة من قوم يتعذر إرسال عمال إليهم.
وإنما يعطى هؤلاء سهماً من الزكاة إذا كان المسلمون في حاجة إليهم، وإلا فلا يعطون شيئاً.
٥ـ وفي الرقاب: أي في تحرير رقاب العبيد من الرق، والمراد المكاتبون، أي الذين تعاقدوا مع أسيادهم المالكين لهم على: أن يجلبوا إليهم أقساطاً من المال، فإذا أدوها صاروا أحراراً، فيعطون من الزكاة ما عجزوا عن سداده من هذه الأقساط.
٦ـ الغارمون: وهم الذين أثقلتهم الديون وعجزوا عن وفائها. فيعطي هؤلاء ما يقدرون به على وفاء ديونهم التي حلت آجالها مع ما يكفيهم مطعماً وملبساً ومسكناً، شريطة أن يكونوا قد استدانو لأمر مشروع، فإذا كانت استدانتهم لأمر غير مشروع فلا يعطون من الزكاة، إلا إذا كانوا قد تابوا من المعصية، وغلب على الظن صدقهم في توبتهم.
هذا، ويدخل في هذا الصنف: من استدان لدفع فتنة بين
стр. 322
متنازعين، فيعطى ما استدانه لهذا الغرض، وإن كان غنياً يملك ما يفي به ذاك الدين من ماله الخاص.
٧ـ في سبيل الله تعالى: والمراد هنا الرجال الغراة المتطوعون بالجهاد دفاعاً عن الإسلام، ولا تعويض لهم ولا راتب في مال المسلمين. فيعطى كل من هؤلاء ما يكفيه ويكفي من تجب عليه نفقته إلى أن يرجع، مهما طالت غيبته، وإن كان غنياً. كما يعطى ما يساعده على الجهاد من وسائل نقل وحمل أمتعة وأدوات حرب، وما إلى ذلك.
٨ـ ابن السبيل: هو المسافر سفراً مباحاً، أو المريد لسفر مباح، أي لا معصية فيه، ولو لنزهة، فيعطى ما يكفيه لسفره ـ أو في سفره ـ ذهاباً وإياباً إن كان يقصد الرجوع، نفقة ومركباً وحمولة إن عجز عن حمل أمتعته. فإن كان عاصياً بسفره، أو في سفره، لا يعطى من الزكاة إلا إذا تاب وغلب على الظن صدقه في توبته.
فهؤلاء الأصناف الثمانية هم المستحقون للزكاة، وهي محصورة فيهم فلا تصرف إلى غيرهم.
ودل على هذا الحصر قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء ... ﴾
والمراد بالصدقات الزكاة المفروضة، بدليل قوله تعالى في آخر الآية ﴿فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ﴾ وأما غير الزكاة من الصدقات المتطوع بها فيجوز صرفها إلى غيرهم.
كيف توزع الزكاة على مستحقيها ؟
تصرف الزكاة إلى من يوجد من هؤلاء الأصناف في محل الزكاة:
стр. 323
ـ فإن وجدوا جميعاً وجب الصرف إليهم، ولا يجوز أن يحرم صنف منهم (١).
ـ فإن فقد أحد الأصناف رد نصيبه على باقي الأصناف
ـ وإن فضل نصيب أحد الأصناف عن حاجة أفراده ردت الزيادة على الأصناف الآخرين.
ـ تقسم الزكاة على الأصناف الموجودين بالتساوي وإن تفاوتت حاجاتهم، ماعدا العاملين عليها، فإنهم يعطون أجرهم على ما مر، قبل قسمة الزكاة.
ولا تشترط التسوية بين أفراد الصنف الواحد، بل تجوز المفاضلة بينهم. وإذا وزع المالك بنفسه أو بوكيله وجب أن يعطي ثلاثة من كل صنف على الأقل إن كان عددهم غير محصور، لأن كل صنف ذكر بصيغة الجمع في الآية، وأقل الجمع ثلاثة، فإن كان عددهم محصوراً، وتسهل معرفته وضبطه عادة، وجب أن يستوفي الجميع إذا وفت الزكاة بحاجتهم، فإن ترك واحداً منهم في الحالين ـ مع علمه به ـ ضمن له أقل متمول من مال.
نقل الزكاة من محل وجوبها:
لا يجوز نقل الزكاة إلى غير البلد التي وجبت فيه ـ وهو محل المال ـ طالماً أنه يوجد مستحقوها في ذلك البلد، وإن قربت المسافة، لأن في ذلك إيحاشاً وإيلاماً لمستحقيها في بلد وجوبها، إذ إن أطماعهم تمتد إليها، وآمالهم تتعلق بها. ولقوله ﷺ لمعاذ ﵁ حين بعثه إلى اليمن: " فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة، تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم ".
стр. 324
فإذا فقد أحد الأصناف في بلد الوجوب، أو زاد نصيب أفرادهم عن حاجتهم، نقل نصيب ذاك الصنف، أو ما فضل عن حاجة أفراده، إلى نفس الصنف من أفراد بلد من بلد الزكاة.
شروط استحقاق الزكاة، ومن لا تدفع إليهم:
يشترط ـ فيمن كان أحد الأصناف الثمانية المذكورة ـ شروط، حتى يستحق الزكاة ويصح دفعها إليه، وإليك هذه الشروط:
١ـ الإسلام: فلا تدفع الزكاة الواجبة لغير مسلم، دل على ذلك قوله ﷺ : " ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ... . فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة، تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم ". البخاري: ١٣٣١، مسلم: ١٩].
فواضح أن الزكاة تؤخذ من أغنياء المسلمين وتعطي لفقرائهم، فكما أنها لا تؤخذ من أغنياء غير المسلمين فلا تعطى لفقراء غيرهم، ويجوز أن يعطى غير المسلمين من الصدقات غير الواجبة.
٢ـ عدم القدرة على الكسب: فإذا كان الفقير أو المسكين يقدر على الكسب من عمل يليق به، ويحصل به ما يكفيه، لا يصح دفع الزكاة إليه ولا يجوز له قبولها. لما رواه الترمذي (٦٥٢) وأبو دواد (١٦٣٤) من قوله ﷺ : " لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مِرَّة سَوِىٍّ " والمرة: القوة والقدرة على الكسب. وفي رواية عند أبي داود (١٦٣٣): " ولا لذي قوة مكتسب ".
٣ـ أن لا تكون نفقته واجبة على المزكي، لأن من كانت نفقته واجبة على المزكي كان مستغنياً بتلك النفقة، وكان دفع
стр. 325
المزكي إليه دفعاً إلى نفسه، لأن فائدته تعود إليه، إذ إنه يوفر بذلك النفقة على نفسه أو يخففها.
فلا يجوز دفع الزكاة إلى الأب والأم أو الجد والجدة مهما علوا، لأن نفقتهم واجبة على الفروع، وكذلك لا يجوز دفع الزكاة إلى الأبناء والبنات وفروعهم إن كانوا صغاراً، أو كباراً مجانين أو مرضى مزمنين، لأن نفقة هؤلاء واجبة على آبائهم.
وأيضا: لا تعطى الزكاة للزوجة، لأن نفقتها واجبة على زوجها. هذا ومما ينبغي أن ينتبه إليه: أن هؤلاء لا يعطون من الزكاة بوصف المسكنة أو الفقراء، أما لو كان أحدهم من صنف غير صنف الفقراء والمساكين، كما إذا كان غارماً أو في سبيل الله، فإنه يجوز لمن تجب نفقته عليه أن يعطيه زكاة ماله لذاك الوصف.
إعطاء الزكاة لمن يكتفي بنفقة غيره عليه:
علمنا أن من وجبت عليه زكاة لا يصح أن يعطيها إلى من في نفقته ـ من زوجة، وأصل، وفرع ـ إن كان فقيراً أو مسكيناً. وهل يجوز لغير من يعوله أن يعطيه زكاة ماله؟
ـ فإن كان مكتفياً بنفقة من تجب نفقته عليه فلا يجزئ دفعها إليه، لأنه مستغنٍ بنفقة غيره عليه.
ـ وإن كان لا يكتفي بنفقةٍ جاز إعطاؤها إليه، لأنه في هذه الحالة مسكين أو فقير.
إعطاء الزوجة زكاة مالها لزوجها:
يسن للزوجة إذا كانت غنية، ووجبت في مالها الزكاة، أن تعطي زكاة مالها لزوجها إن كان فقيراً، وكذلك يستحب لها أن
стр. 326
تنفقها على أولادها إن كانوا كذلك، لأن نفقة الزوج والأولاد غير واجبة على الأم والزوجة.
فقد روى البخاري (١٣٩٧) ومسلم (١٠٠٠) أن زينب امرأة عبدالله بن مسعود ﵄ سألت رسول الله ﷺ : أيجزئ عني أن أنفق على زوجي وأيتام لي في حجري؟ فقال: لمن بلغه سؤالها: " نعم، لها أجران: أجر القرابة، وأجر الصدقة ".
وروى البخاري (١٣٩٨) ومسلم (١٠٠١) عن أم سلمة ﵄ قالت: قلت يا رسول الله، إلي أجر أن أنفق على بني أبي سلمة، إنما هم بني؟ فقال: " أنفقي عليهم، فلك أجر ما أنفقت عليهم " وقد ذكر البخاري رحمه الله تعالى هاذين الحديثين تحت عنوان: الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر.
الزكاة للأقارب الذي لا تجب نفقتهم:
وإذا كان للمالك الذي وجبت في ماله الزكاة أقارب لا تجب عليه نفقتهم، كالأخوة والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات وأبنائهم وغيرهم، وكانوا فقراء أو مساكين، أو غيرهم من أصناف المستحقين للزكاة، جاز صرف الزكاة إليهم، وكانوا هم أولى من غيرهم. ومثل من ذكر في جواز الزكاة إليهم: أبناؤه الكبار القادرون على الكسب ولا كسب يكفيهم.
روي الترمذي (٦٥٨) والنسائي (٥/ ٩٢) وابن ماجه (١٨٤٤) واللفظ له عن سلمان بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذى القرابة اثنتان: صدقة وصلة".
٤ـ أن يكون غير هاشمي ولا مطلبي: من ثبت نسبه إلى بني هاشم أو بني المطلب فلا يعطى من الزكاة، لقوله ﷺ : (إن هذه
стр. 327
الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد) [مسلم: ١٠٧٢].
وروي البخاري (١٤٢٠) ومسلم (١٠٦٩) عن أبي هريرة ﵁ قال: أخذ الحسن بن على تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه، فقال النبي ﷺ " كخ كخ ـ ليطرحها ـ ثم قال: أما شعرت أنا لا نأكل الصدقة ".
والمراد بآل محمد ـ ﷺ ـ بنو هاشم، وبنو المطلب.
رأي واجتهاد:
والذي نراه في هذه الأيام أن يعطى هؤلاء من الزكاة إن كانوا من أصناف المستحقين، وذلك أن في عدم إعطائهم تضييعاً لهم، طالماً أنهم لا يعطون ما جعله شرع الله تعالى: لهم من خمس الغنيمة مقابل منعهم من الزكاة. قال تعالى
﴿َاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ الأنفال: ٤١
وذوو القربى هم بنو هاشم وبنو المطلب، فقد روى البخاري (٢٩٧١) عن جبير بن مطعم ﵁ قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله، أعطيت بني المطلب وتركتنا، ونحن وهم منك بمنزلة واحدة؟ فقال رسول الله ﷺ " إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد ".
[بمنزلة واحدة: من حيث القرابة، فعثمان من بني عبد شمس، وجبير من بني نوفل، وهما والمطلب وهاشم أبناء عبد مناف شيء واحد: من حيث المنزلة في الإسلام، لأنهم ناصروه ﷺ جيمعاً قبل الإسلام وبعده].
стр. 328
زكاة الدَّيْن
وجوب الزكاة فيه:
من كان له ديون تبلغ نصاباً، وحدها أو مع ما عنده، وجبت فيها الزكاة إذا حال عليها الحول، كما تجب على ما في يده من المال, وذلك لأنه مال بلغ نصاباً وحال عليه الحول، فوجبت فيه الزكاة. وكونه ليس في يده لا يمنع من وجوبها فيه، كالتجارة الغذائية والوديعة، فإن في كل منهما زكاة وإن كانت ليست في يده.
متى تخرج زكاة الدين:
أ-إذا كان الدين حالاً، وكان الدائن قادراً على أخذه من المدين، بأن كان المدين مليئاً يجد ما يفي به دينه، وجب على الدائن إخراج زكاته فور وجوبها وإن لم يقبضه، لأنه في حكم المال الذي تحت يده، فهو كالوديعة في يد المدين، يقدر على أخذه والتصرف فيه.
ب- إن كان الدين حالاً، وكان الدائن غير قادر على أخذه لعسر المدين أو إنكاره له ولا بنية للدائن عليه، فلا يجب على الدائن إخراج زكاته في الحال، لأنه غير قادر على أخذه والتصرف
стр. 329
فيه. وإنما يحسب ويحفظ فترة بقائه في ذمة المدين، فإذا قبضه زكاه عما مضى عليه من السنين.
لأن زكاته كل سنة لزمته وثبتت في ذمته، كمال الغائب عنه، فوجب عليه وفاؤها حين قبضه له.
ج-كذلك إذا كان الدين مؤجلاً، فإنه لا يجب عليه إخراج الزكاة حتى يحل الأجل، فإذا حل الأجل وقبضه ـ أو لم يقبضه وكان قادراً على قبضه ـ زكاه عما مضى من السنين. وإن حل الأجل ولم يقبضه وكان غير قادر على قبضه انتظر، فإذا قبضه زكاه عما مضى من السنين.
وجوب الزكاة في مال من عليه دين:
من ملك نصاباً من الأموال الزكوية التي مر ذكرها، وحال عليه الحول في ملكه، وجبت فيه الزكاة، ولزمه إخراجها على ما مر، وإن كانت عليه ديون تستغرق ما لديه من مال أو تنقصه عن النصاب. وكذلك الحال بالنسبة لمن ملك عروضاَ للتجارة، وبلغت نصاباً بعد حول من ملكيتها، فإن الدين الذي عليه لا يمنع وجوب الزكاة في المال الذي تحت يديه، من عروض تجارة وغيرها. وذلك لأن الدين يتعلق بالذمة، والزكاة تتعلق بالمال الذي تحت يده وتجب فيه، وإذا وجبت الزكاة في المال أصبحت ملكاً لمن وجبت له، وهم المستحقون لها، وإن بقيت في يد صاحب المال، فوجب أداؤها إليهم.
ويؤيد هذا: ما رواه مالك في الموطأ (١/ ٢٥٣) أن عثمان بن عفان ﵁ كان يقول: " هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليؤد دينه، حتى تحصل أموالكم، فتؤدون منه الزكاة ".
стр. 330
فقد نبه ﵁ الناس حتى يؤدوا ما عليهم من ديون قبل أن يمضي الشهر الذي يحول فيه حول الزكاة، وتثبت الزكاة في أموالهم بمضيه، ولا يلتفت إلى ما عليهم من ديون. [انظر الأم للشافعي: ٤٢ ـ ٤٣] (١).
стр. 331
الصيام
أحكامه الفقهية وأدلته وأسراره
стр. 332
الصيام
تعريفه ، وتشريعه، وأسراره
تعريفه:
الصيام لغة: الإمساك عن الشيء، كلاماً كان أو طعاماً. ودليل ذلك قوله تعالى، حكاية عن مريم ﵍: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً﴾ مريم: ٢٦: أي إمساكاً وسكوتاً عن الكلام.
والصيام شرعاً: إمساك عن المفطرات، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس مع النية.
تاريخ تشريع الصيام:
فرض صيام شهر رمضان في شعبان من السنة الثانية للهجرة. وقد كان الصيام قبل ذلك معروفاً عند الأمم السابقة، وعند أهل الكتاب الذي عاصروا النبي ﷺ قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ البقرة: ١٨٣.
إلا أن وجوب صوم رمضان لم يشرع من قبل، فهذه الأمة تلتقي مع الأمم السابقة في أصل مشروعية الصوم، وتختص أمة سيدنا محمد ﷺ بفرضية شهر رمضان بالذات.
стр. 333
دليل مشروعية صوم شهر رمضان:
الأصل في فرضية صوم شهر رمضان قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ البقرة: ١٨٥
وقوله ﷺ : " بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان " رواه البخاري (٨) ومسلم (١٦) وغيرهما.
وكذلك قوله ﷺ للأعرابي الذي سأله: أخبرني ماذا فرض علي الله من الصوم؟ فقال: " صيام رمضان " رواه البخاري (١٧٩٢) ومسلم (١١).
حكم تارك صيام شهر رمضان من غير عذر:
لما كان صيام شهر رمضان ركناً من أركان الإسلام، ومن الفرائض المعلومة من الدين بالضرورة، كما جاحد وجوبه كافرا، أي يعامل معاملة المرتد، فيستتاب، فإن تاب قبل منه، وإلا قتل حداً. وذلك إن لم يكن قريب العهد بالإسلام، أو نشأ بعيدا عن العمران ـ كما يقول العلماء ـ أي بعيداً عن العلماء. أما من ترك صومه بغير عذر، وكان غير جاحد لوجوبه، وذلك كأن قال: الصوم واجب علي، ولكني لا أصوم فإنه يكون فاسقاً، وليس بكافر، ووجب على حاكم المسلمين حبسه ومنعه من الطعام والشراب نهاراً ليحصل له الصوم بذلك، ولو صورة.
من حكم الصيام وأسراره وفوائده:
ينبغي للمسلم أن يعلم قبل كل شيء: أن صيام شهر رمضان
стр. 334
عبادة فرضها الله تعالى. ومعنى كونها عبادة: أن يقوم المسلم بأدائها استجابة لأمر الله تعالى، وقياماً بحق العبودية له، بقطع النظر عن أي نتيجة يمكن أن تنتج عن عبادة الصوم. فإذا فعل المسلم ذلك، فلا مانع أن يتطلع بعدئذ إلى الحكم والأسرار الإلهية الكامنة في تلك العبارة، من صيام وغيره، ومما لا شك فيه أن أحكام الله تعالى كلها قائمة على حكم وأسرار وفوائد للعباد، ولكن لا يشترط أن يكون العباد على علم بها.
ومما لا شك فيه أيضاً أن للصوم حكماً وفوائد كثيرة قد يطلع العباد على بعضها. ويبقى الكثير منها خافياً عليهم.
ومن هذه الحكم والفوائد التي يمكن أن يستشفها المسلم ويلمها في الصوم ما يلي:
١ـ إن الصيام من شأنه أن يوقظ قلب المؤمن لمراقبة الله ، ذلك لأن الصائم ما إن يستدبر جزءاً من نهاره حتى يحس بالجوع والعطش، وتهفو نفسه إلى الطعام والشراب، لكن شعوره بأنه صائم يحول دون تحقيقه لرغبات نفسه، تحقيقاً لأمر الله ، ومن خلال هذا التدافع يستيقظ القلب، وينمو فيه شعور المراقبة لله تعالى، ويظل على ذكر لربوبيته وعظيم سلطانه، كما يظل متنبهاً إلى أنه عبد خاضع لحكم الله تعالة، ومنقاد لإرادته.
٢ـ إن شهر رمضان شهر قدسي بين أشهر السنة كلها، يريد الله من عباده أن يملؤوه بالطاعات والقربات، ويحققوا فيه أسمى معاني عبوديتهم لله ، وهيهات أن يتحقق ذلك أمام موائد الطعام، وفي مجالس الشراب، وبعد امتلاء المعدة، وتصاعد أبخرة الطعام إلى الفكر والدماغ، فكان في
стр. 335
شريعة صيام هذا الشهر أيسر سبيل للقيام بحقه، وأداء واجب العبودية فيه.
٣ـ إن استمرار حالة الشبع في حياة المسلم من شأنه أن يغمر مشاعره بأسباب القسوة، وينمي في نفسه عوامل الطغيان، وكلاهما مما يتنافي مع شأن المسلم، فكان في شريعة الصيام ما يهذب نفس المسلم، ويرهف مشاعره.
٤ـ إن من أهم المبادئ التي ينهض عليها المجتمع الإسلامي تراحم المسلمين وتعاطفهم، وهيهات أن يرحم الغني الفقير رحمة صادقة من غير أن يتخلله شعور بآلام الفقر وشدته، ومرارة الجوع وضراوته. وشهر الصيام خير ما يكسب الغني شعور الفقير، ويجعله يعيش معه في آلامه وحرمانه، ومن ثم كان الصوم خير ما يثير في نفس الأغنياء دوافع العطف والرحمة والمواساة.
стр. 336
ثبوت شهر رمضان
يثبت دخول شهر رمضان بأحد أمرين:
الأول: رؤية الهلال، ليلة الثلاثين من شعبان، وذلك بأن يشهد أمام القاضي شاهد عدل أنه قد رأى الهلال.
الثاني: إكمال شعبان ثلاثين يوماً: وذلك فيما إذا تعسرت رؤية الهلال بسبب غيوم، أو إذا لم يتقدم شاهد عدل يشهد بأنه قد رأى الهلال، فيتمم شهر شعبان ثلاثين يوماً، إذ هو الأصل ما لم يعارضه شيء.
ودليل هذين الأمرين: قوله ﷺ : " صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً " رواه البخاري (١٨١٠) ومسلم (١٠٨٠)
وعن ابن عباس ﵁ قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ ، فقال: إني رأيت هلال رمضان. فقال "أتشهد أن لا إله إلا الله " قال: نعم. قال: " أتشهد أن محمداً رسول الله " قال: نعم. قال: " يا بلال، أذن في الناس، فليصوموا غداً " صححه ابن حبان (موارد الظمآن ٨٧٠) والحاكم (١/ ٤٢٤)
هذا، وإذا رؤي الهلال ببلد لزم الصوم أهل البلاد القريبة من
стр. 337
بلد الرؤية، دون أهل البلاد البعيدة، لأن البلاد القريبة ـ كدمشق وحمص وحلب ـ في حكم البلد الواحد، بخلاف البلاد البعيدة كدمشق، والقاهرة، ومكة
ويعتبر البعد باختلاف المطالع.
ودليل ما سبق:
ما رواه مسلم (١٠٨٧) عن كريب قال: استهل عليَّ رمضان وأنا بالشام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني ابن عباس ﵁: متى رأيتم الهلال؟
فقلت: رأيناه ليلة الجمعة. قال: أنت رأيته؟ قلت: نعم. ورآه الناس، وصاموا وصام معاوية، فقال: كلنا رأيناه ليلة السبت. فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين، أو نراه. فقلت: أو لا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ قال: لا، هكذا أمرنا رسول الله ﷺ .
وعليه قال العلماء: إذا لم يجب الصوم على أهل بلد بعيد فسافر إليه شخص من بلد الرؤية فإنه يوافقهم في الصوم آخراً، وإن كان قد أتم ثلاثين يوماً، لأنه بالانتقال إلى بلدهم صار واحداً منهم، فيلزمه حكمهم، ومن سافر من البلد الذي لم ير فيه الهلال إلى بلد الرؤية أفطر معهم، سواء أصام ثمانية وعشرين يوماً، وذلك بأن كان رمضان عندهم ناقصاً فأفطر معهم في التاسع والعشرين، أم صام تسعة وعشرين، وذلك بأن كان رمضان عندهم تاماً لكنه يقضي يوماً إن صام ثمانية وعشرين، لأن الشهر لا يكون كذلك.
ومن أصبح في بلد معيداً، فسافر إلى بلد بعيد أهله صيام وجب عليه أن يمسك بقية اليوم موافقة لهم.
стр. 338
شروط وجوب الصوم
وشروط صحته
يشترط لوجوب صيام رمضان أن تتوفر الأمور التالية:
١ـ الإسلام:
فلا يجب الصوم على الكافر، بمعنى أنه لا يطالب في دار الدنيا بالصيام، لأنه فرع عن دخوله في الإسلام، وما دام غير داخل في الإسلام لا معنى لصيامه، ولا معنى لمطالبته بالصوم. أما في الآخرة فالكافر يعاقب على كفره، وعلى تركه لفروع الإسلام أيضاً
٢ـ التكليف:
ويقصد بالتكليف أن يكون المسلم بالغاً عاقلاً، فإن فقد أحد هذين الوصفين سقطت صفة التكليف عنه، وإذا سقطت صفة التكليف عنه لم يطالب بشيء من الوظائف الدينية.
ودليل ذلك: حديث علي ﵁ عن النبي ﷺ قال: " رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل " رواه أبوداود (٤٤٠٣) وغيره.
стр. 339
٣ـ الخلو عن الأعذار المانعة من الصوم، أو المبيحة للفطر:
أما الأعذار المانعة فهي:
أـ التلبس بالحيض، أو النفاس جزءاً من أجزاء النهار.
ب ـ الإغماء أو الجنون المطبق بياض اليوم كله، فإن أفاق ولو لحظة من النهار سقط العذر، ووجب إمساك بقية اليوم.
وأما الأعذار المبيحة للإفطار فهي:
١ـ المرض الذي يسبب لصاحبه ضرراَ شديداً، أو ألماً أو انزعاجاً شديدين. أما إن اشتد المرض أو الألم بحيث خشي معه على نفسه الهلاك وجب الفطر عندئذ.
٢ـ السفر الطويل الذي لا يقل عن ٨٣ كم بشرط أن يكون سفراً مباحاً، وبشرط أن يستغرق السفر سائر اليوم.
أما إن أصبح صائماً وهو مقيم، ثم أحدث سفراً أثناء النهار لم يجز الإفطار.
ودليل هذين العذرين قوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ البقرة: ١٨٥.
٣ـ العجز عن الصيام: فلا يجب الصوم على من لا يطيقه لكبر، أو مرض لا يرجى برؤه، لأن الصوم إنما يجب على من يقدر عليه.
ودليل ذلك قوله تعالى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ البقرة: ١٨٤.
وقرئ: " يطيقونه " أي يكلفونه فلا يطيقونه.
قال ابن عباس ﵁: هو الشيخ الكبير والمرأة
стр. 340
الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً رواه البخاري (٤٢٣٥)
شروط صحة الصوم
يشترط لصحة الصوم الشروط التالية:
١ـ الإسلام، فلا يصح صوم الكافر بحال.
٢ـ العقل: أي التمييز، فلا يصح صوم المجنون والطفل غير المميز، لفقدان النية، ويصح صوم الصبي المميز، ويؤمر به إذا أطاق الصوم متى بلغ السابعة من العمر ويضرب على تركه إذا بلغ العشر، كالصلاة.
٣ـ الخلو من الأعذار المانعة من الصوم، وهي التلبس بحيض أو نفاس، والإغماء أو الجنون المطبقين بياض اليوم كله.
стр. 341
أركان الصوم
يتكون الصيام من تحقيق ركنين أساسين، هما:
١ـ نية الصوم.
٢ـ الإمساك عن المفطرات من الفجر إلى الغروب.
أولاً ـ النية:
وهي قصد الصيام، ومحلها القلب، ولا تكفي باللسان، ولا يشترط التلفظ بها، ودليل وجوب النية قوله ﷺ " إنما الأعمال بالنيات " رواه البخاري (١) ومسلم (١٩٠٧)
فإن كانت النية لصوم رمضان اشترط فيها تحقق الأمور التالية:
١ـ التبييت:
وهو أن يتوافر لديه القصد في الليل: أي قبل طلوع الفجر، فإن لم يقصد إلى الصيام إلا بعد طلوع الفجر بطلت النية. وبطل الصوم.
ودليل ذلك قوله ﷺ : ﴿من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له﴾ رواه الدارقطني (٢/ ١٧٢) وقال: رواته ثقات. ورواه البيهقي (٤/ ٢٠٢)
стр. 342
٢ـ التعيين:
وذلك بأن يعين نوع الصوم، فيعزم في قلبه على صيام غد عن رمضان، فلو قصد في نفسه مطلق الصوم لم تصح نيته أيضا. لقوله ﷺ في حديث: إنما الأعمال بالنيات السابق:
﴿وإنما لكل امرئ ما نوى﴾ أي ينصرف فعله إلى النوع الذي قصده بالفعل.
٣ـ التكرار:
أي أن ينوي كل ليلة قبل الفجر عن صيام اليوم التالي، فلا تغني نية واحدة عن الشهر كله، لأن صيام شهر رمضان ليس عبادة واحدة، بل هي عبادات متكررة، وكل عبادة لابد أن تنفرد بنية مستقلة.
أما صوم النافلة فلا يشترط في نيتها تبييت ولا تعيين، فيصبح بنية قبل الزوال، ويصح بنية مطلقة.
ودليل ذلك حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها يوماً: " هل عندكم من غداء؟ قالت لا. قال: فإني إذاً أصوم ". رواه الدارقطني.
ثانياً ـ الإمساك عن المفطرات:
والمفطرات كل من الأمور التالية:
١ـ الأكل والشرب:
إذا كان ذلك عمداً، مهما كان المأكول أو المشروب قليلاً، فإن نسي أنه صائم، وأكل أو شرب لم يفطر مهما كثر الطعام، أو الشراب.
ودليل ذلك حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول
стр. 343
الله ﷺ : " من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه " رواه مسلم (١١٥٥) والبخاري (١٨١٣)
٢ـ وصول عين إلى الجوف من منفذ مفتوح:
والمقصود بالعين: أي شيء تراه العين. والجوف: هو الدماغ أو ما وراء الحلق إلى المعدة والأمعاء.
والمنفذ المفتوح: هو الفم والأذن والقبل والدبر من الذكر والأنثى.
فالقطرة من الأذن مفطرة، لأنها منفذ مفتوح.
والقطرة في العين مفطرة، لأنه منفذ غير مفتوح.
والحقنة الشرجية مفطرة، لأن الشرج منفذ مفتوح.
والحقنة الوردية لا تفطر، لأن الوريد غير مفتوح. وهكذا.
وهذا كله أيضا بشرط التعمد، فإن فعل شيئاً من ذلك ناسياً لم يضر قياساً على الطعام والشراب.
ولو وصل جوفه ذباب أو بعوضة، أو غبار الطريق لم يفطر أيضاً، لما في الاحتراز عن ذلك من المشقة الشديدة.
ولو ابتلع ريقه لم يفطر لعسر التحرز عنه.
ولو ابتلع ريقه متنجساً ـ كمن دميت لثته، ولم يغسل فمه، وإن ابيض ريقه ـ افطر.
ولو تمضمض أو استنشق فسبق ماء المضمضة أو الاستنشاق إلى جوفه، فإنه لا يفطر إن لم يكن قد بالغ في ذلك أثناء الوضوء، فإن كان قد بالغ في ذلك أفطر، لأنه فعل ما هو منهي عنه أثناء الصوم.
ولو بقي طعام بين أسنانه فجرى به ريقه من غير قصد لم يفطر إن عجز عن تمييزه ومجه، لأنه معذور فيه وغير مقصر، فإن لم يعجز أفطر لتقصيره.
стр. 344
ولو أكره حتى أكل أو شرب لم يفطر أيضاَ، لأن حكم اختياره ساقط.
٣ـ القيء المتعمد فيه:
فهو مفطر، وإن تأكد الصائم أن شيئا لم يعد ثانية إلى جوفه، ولكن إذا غلبه القئ لم يضر، ولو علم أن بعضاً مما خرج قد عاد إلى جوفه بدون قصد منه. ودليل ذلك ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من ذرعه قئ ـ وهو صائم فليس عليه قضاء، وإن استقاء فليقض" أخرجه أبو داود (٢٣٨٠) والترمذي (٧٢٠) وغيرهما.
ومعنى ذرعه: غلبه.
٤ـ الوطء عمداً:
ولو من بغير إنزال. ودليل ذلك قوله تعالى: (وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) البقرة: ١٨٧.
والمراد بالخيط الأبيض: ضوء النهار. والخيط الأسود: ظلمة الليل. والفجر: ضوء يطلع معترضاَ في الأفق ينتهي بطلوعه الليل ويبدء النهار.
ومعنى تباشروهن: تجامعوهن.
وأنتم عاكفون: أي في حال اعتكاف.
أما لو وطئ ناسياً فإنه لا يفطر على الأكل والشرب ناسياً.
стр. 345
٥ـ الاستمناء:
وهو استخراج المني بمباشرة تقبيل ونحوه، أو بواسطة اليد، فإن تعمد ذلك الصائم أفطر. أما إن غلب على أمره فلا يفطر.
هذا وتكره القبلة في رمضان كراهة تحريم لمن حركت شهوته، رجلا كان أو امرأة، لأن في ذلك تعريضاَ لإفساد الصوم.
أما من لم تحرك شهوته، فالأولى له تركها حسماً للباب.
روى مسلم (١١٠٦) عن عائشة ﵄ قالت: " كان رسول الله ﷺ يقبلني وهو صائم. وأيكم يملك إربه كما كان رسول الله ﷺ يملك إربه ".
قال العلماء: ومعنى كلام عائشة ﵄: أنه ينبغي لكم الاحتراز عن القبلة، ولا تتوهموا من أنفسكم أنكم مثل النبي ﷺ في استباحتها، لأنه يملك نفسه، ويأمن الوقوع في قبلة يتولد منها إنزال أو شهوة، أو هيجان نفس ونحو ذلك، وأنتم لا تأمنون ذلك.
٦ـ الحيض والنفاس:
فإن كلا منهما عذر يمنع من صحة الصوم، فإذا طرأ على المرأة الصائمة حيض أو نفاس في جزء من النهار بطل صيامها، ووجب عليها قضاء ذلك اليوم. روى البخاري (٢٩٨) ومسلم (٨٠) عن أبي سعيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في المرأة، وقد سئل عن نقصان دينها: " أليس إذا حاضت لم تصل، ولم تصم؟ ".
٧ـ الجنون والردة:
وكلاهما مانع من صحة الصوم، لخروج من قام به ذلك عن أهليه العبادة.
стр. 346
وهكذا يجب على الصائم الإمساك عن هذه المفطرات ليصح صومه، بدءاً من أول طلوع الفجر إلى تحقق غروب الشمس، فإن باشر الصائم شيئاً من هذه المفطرات ظانا أن الفجر لم يطلع بعد، فتبين خطؤه بطل صومه، وامسك النهار حرمة للشهر، وقضى بدلاً عنه.
وكذلك إذا أفطر في آخر النهار ظاناً غروب الشمس، ثم تبين أنها لم تكن قد غابت بعد بطل صيامه، ووجب عليه القضاء.
стр. 347
آداب الصيام ومكروهاته
آداب الصيام
للصيام آداب كثيرة نوجزها فيما يلي
١ـ تعجيل الفطر:
ويكون ذلك إثر تحقق غروب الشمس. ودليل ذلك ما رواه البخاري (١٨٥٦) ومسلم (١٠٩٨) عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر ". والأفضل أن يفطر على رطب أو تمر، فإن لم يجد فعلى ماء.
روي الترمذي (٦٩٦) وأبو داود (٢٣٥٦) أن النبي ﷺ : " كان يفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن لم يكن فعلى تمرات، فإن لم يكن حسا حسوات من ماء، فإنه طهور ".
٢ـ السَحور:
والسَحور يفتح السين ما يؤكل في السحر، وبضم السين: الأكل ودليل استحبابه ما رواه البخاري (٨٢٣) ومسلم (١٠٩٥) أن النبي ﷺ قال: " تسحروا فإن في السحور بركة " والحكمة من استحباب السحور التقوي على الصوم.
стр. 348
روي الحاكم في مستدركه (١/ ٤٢٥) أن النبي ﷺ قال " واستعينوا بطعام السحر على صيام النهار "
ويدخل وقت السحور بنصف الليل. ويحصل فضل السحور بكثير المأكول، وقليله، وبالماء. روى ابن حبان في صحيحه أن النبي ﷺ قال: " تسحروا ولو بجرعة ماء " (موارد الظمآن: ٨٨٤).
٣ـ تأخير السحور:
وذلك بحيث ينتهي من الطعام والشراب قبيل طلوع الفجر بقليل. ودليل ذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده (٥/ ١٤٧) عن النبي ﷺ قال: " لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الإفطار وأخروا السحور ".
وروى البخاري (٥٥٦) عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ وزيد بن ثابت تسحراً، فلما فرغا من سحورهما قام نبي الله ﷺ فصلى قلنا لأنس: كم كان بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصلاة؟ قال: قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية.
٤ـ ترك الهجر من الكلام:
كالشتم والكذب، والغيبة والنميمة، وصون النفس عن الشهوات: كالنظر إلى النساء، وسماع الغناء روى البخاري (١٨٠٤) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه " واعلم أن الشتم والكذب والغيبة والنميمة ونحو ذلك أمور محرمة بحد ذاتها، وإنما الجديد في الأمر بالنسبة للصائم أنها ـ علاوة على كونها إثماً ـ تحبط أجر صيام، وإن صح معها الصوم، وتم الواجب. ولذلك تعد هذه الأمور من آداب الصيام وسنته.
стр. 349
٥ـ الاغتسال عن الجنابة قبل الفجر:
ليكون على طهر من أول الصوم ـ ومعنى ذلك أن الجنابة لا تنافي الصيام، ولكن الأفضل إزالتها قبل الفجر.
ودليل ذلك ما رواه البخاري (١٨٢٥، ١٨٣٠): أن النبي ﷺ كان يصبح جنباً من جماع غير احتلام، ثم يغتسل ويصوم.
وكذلك يستحب الغسل عن الحيض والنفاس قبل الفجر إذا تم الطهر ونقطع الدم قبل ذلك.
٦ـ ترك الحجامة والفصد، ونحوهما:
لأن ذلك يضعف الصائم، وترك ذوق الطعام وعلكه، خوفاً من وصول شيء منه إلى جوفه، لأن وصوله إلى الجوف يفطر.
٧ـ أن يقول عند فطره:
(اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت، ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله).
٨ـ أن يفطر الصائمين:
وذلك بأن يطعمهم، فإن عجز عن إطعامهم فطرهم على تمرة أو شربة ماء.
قال رسول الله ﷺ " من فطر صائماً كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً " رواه الترمذي (٨٠٧) وصححه.
٩ـ كثرة الصدقة:
وتلاوة القرآن ومدارسته. والاعتكاف في المسجد، لاسيما في العشر الأخير من رمضان.
عن أنس ﵁ قيل: يا رسول الله فأي الصدقة أفضل؟ قال: صدقة في رمضان " رواه الترمذي (٦٦٣) وروي البخاري (١٨٠٣) ومسلم (٢٣٠٨) أن جبريل كان
стр. 350
يلقي النبي ﷺ كل سنة في رمضان حتى ينسلخ فيعرض عليه النبي ﷺ القرآن. وسنتحدث عن الاعتكاف في آخر باب الصوم.
مكروهات الصيام:
مكروهات الصيام تتمثل في مخالفة الآداب المذكورة، فبعضها يدخل في المكروه التنزيهي: كتأخير الإفطار، وتعجيل السحور، وبعضها يدخل في المحرمات، كالغيبة والنميمة، وقول الزور.
стр. 351
قضاء رمضان
والفدية والكفارة
١ـ المسافر والمريض:
من فاته شيء من رمضان ـ لسفر أو مرض ـ وجب عليه قضاؤه قبل حلول شهر رمضان من العام الذي يليه، فإن لم يقض تساهلاً حتى دخل رمضان آخر أثم، ولزمه مع القضاء فدية، وهي أن يطعم عن كل يوم مد، ومن غالب قوت البلد، يتصدق به على الفقراء، ويتكرر بتكرر السنين. والمد يساوي ملء حفنة، وبالوزن: رطل وثلث بالرطل البغدادي، وهو ما يساوي ٦٠٠ غراماً تقريباً.
أما إن استمر عذره: كأن استمر مرضه حتى دخل عليه رمضان آخر فلا يجب عليه إلا القضاء، ولا فدية بهذا التأخير.
فإن مات ولم يقض فلا يخلو: إما أن يكون قد مات قبل أن يتمكن من القضاء، أو مات بعد التمكن، ولكنه لم يقض تقصيراً.
فإن مات قبل التمكن من القضاء فلا إثم عليه، ولا تدارك له، لعدم تقصيره.
ومن مات بعد التمكن من القضاء صام عنه وليه ـ ندباً ـ الأيام الباقات في ذمته.
والمقصود بالولي هنا أي قريب من أقاربه. ودليل ذلك ما رواه
стр. 352
البخاري (١٨٥١) ومسلم (١١٤٧) عن عائشة ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: من مات وعليه صيام صام عنه وليه ".
وروى البخاري (١٨٥٢) أيضاً، ومسلم (١١٤٨) عن ابن عباس ﵄ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه؟ قال: " نعم فدين الله أحق أن يقضى ".
هذا ويصح صوم الأجنبي عنه إذا استأذن بذلك أحد أقاربه، فإن صام بغير إذن، ولا وصية من الميت لم يصح بدلاً عنه.
فإن لم يصم عنه أحد أطعم عنه لكل يوم مد، ويخرج هذا من التركة وجوباً كالديون، فإن لم يكن له مال جاز الإخراج عنه، وتبرأ ذمته.
روى الترمذي (٨١٧) عن ابن عمر ﵄ قال: (من مات وعليه صيام شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكيناً)
وروى أبو داود (٢٤٠١) عن ابن عباس ﵄ قال: (إذا مرض الرجل في رمضان، ثم مات ولم يصم أطعم عنه).
٢ـ الكبير العاجز، والمريض الذي لا يرجى برؤه:
إذا اضطر الشيخ المسن إلى الفطر، وجب عليه أن يتصدق عن كل يوم بمد من غالب قوت البلد، ولا يجب عليه، ولا على أحد من أوليائه غير ذلك.
روى البخاري (٤٢٣٥) عن عطاء: سمع ابن عباس ﵄ يقرأ
﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ البقرة ١٨٤. قال ابن عباس: ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً.
стр. 353
هذا، ومما يجب أن يعلم أن المريض الذي لا يرجى برؤه حكمه حكم المسن الذي لا يقدر على الصوم، فيفطر، ويتصدق عن كل يوم بمد من غالب قوت البلد.
٣ـ الحامل والمرضع:
إذا أفطرت الحامل والمرضع، فهي إما أن تفطر خوفاً على نفسها، أو خوفاً على طفلها.
فإن أفطرت خوفاً من حصول ضرر بالصوم على نفسها وجب عليها القضاء فقط قبل حلول شهر رمضان آخر.
روى الترمذي (٧١٥) وأبو داود (٢٤٠٨) وغيرهما عن أنس الكعبي ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: " إن الله تعالى وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحامل أو المرضع الصوم ".
أي خفف بتقصير الصلاة، ورخص في الفطر مع القضاء.
وإن أفطرت خوفاً على طفلها، وذلك بأن تخاف الحامل من إسقاطه إن صامت، أو تخاف المرضع أن يقل لبنها فيهلك الولد إن صامت، وجب عليها والحالة هذه القضاء والتصدق بمد من غالب قوت البلد عن كل يوم أفطرته.
ومثل هذه الصورة أن يفطر الصائم لإنقاذ مشرف على الهلاك، فيجب عليه مع القضاء التصدق بمد طعام.
روى أبو داود (٢٣١٨) عن ابن عباس ﵄ قال: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) البقرة ١٨٤.
قال كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة، وهما يطيقان الصوم أن يفطرا ويطعماً كل يوم مسكيناً، والحبلى والمرضع إذا خافتا ـ يعني على أولادهما ـ أفطرتا وأطعمتا).
стр. 354
كفارة الإفطار في رمضان
موجب الكفارة:
هو إفساد صوم يوم من أيام رمضان بجماع بشرط أن يكون المجامع ذاكراً لصومه، عالماً بالحرمة، غير مترخص بالسفر.
فمن فعل ذلك ناسياً للصوم، أو جاهلاً بالحرمة، أو أفسد به صوماً غير صوم رمضان، أو أفطر معتمداً ولكن بغير الجماع، أو كان مسافراً سفراً يخوله الإفطار فجامع، فلا كفارة عليه، وإنما عليه القضاء فقط.
من تجب عليه الكفارة:
إنما تجب الكفارة على الزوج المجامع، ولا تجب على الزوجة، أو المرأة الموطوءة وإن كانت صائمة، لأن جناية الواطئ أغلظ فناسب أن يكون هو المكلف بالكفارة.
ما هي الكفارة؟
الكفارة التي تجب بإفساد الصوم هي عتق رقبة مؤمنة، أي نفس رقيقة ذكراً كانت أم أنثى، فإن لم يجد، أو لم يستطيع، فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أيضا فإطعام ستين مسكيناً لكل مسكين مد من غالب قوت البلد. فإن عجز عن الكل ثبتت الكفارة في ذمته حتى يقدر على خصلة منها.
ودليل ذلك ما رواه البخاري (١٨٣٤) ومسلم (١١١١) وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ قال: بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ جاء رجل فقال: يا رسول الله، هلكت. قال: " مالك؟ " قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم ـ في رواية: في رمضان ـ فقال
стр. 355
رسول الله ﷺ " هل تجد رقبة تعتقها؟ " قال: لا. قال: " فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ " قال: لا. فقال: " فهل تجد إطعام ستين مسكيناً قال: لا. قال: فمكث النبي ﷺ فبينا نحن على ذلك أتي النبي ﷺ بعرق فيه تمر ـ وعاء ينسج من ورق النخل والعرق: المكتل ـ قال: " أين السائل؟ " فقال: أنا. قال: " خذ هذا فتصدق به". قال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها ـ يريد الحرتين ـ أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: " أطعمه أهلك ".
قال العلماء: ولا يجوز للفقير الذي قدر على الإطعام صرف ذلك الطعام إلى عياله، وكذلك غيرها من الكفارات، وما ذكر في الحديث فإنما هو خصوصية لذلك الرجل.
هذا ومما ينبغي أن يعلم أنه يجب على المجامع مع الكفارة قضاء اليوم الذي أفطره من رمضان بالجماع. وأن الكفارة تتكرر بتكرر الأيام التي أفطرها بالجماع. فإذا جامع في يومين من رمضان لزمه ـ مع القضاء ـ كفارتان، وإذا جامع في ثلاثة لزمه ثلاث كفارات، وهكذا.