← Фикх шафии

Фикх шафии · id 6369

الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 678 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أنواع الطهارة الطهارة نوعان: أولاً ـ طهارة من النجس. ثانياً ـ طهارة من الحدث. الطهارة من النجس: معنى النجس: النجس لغة: كل مستقذر. وشرعاً: مستقذر يمنع صحة الصلاة، كالدم والبول. الأعيان النجسة: والأعيان النجسة كثيرة نذكر أهمها في سبعة أشياء: ١ـ الخمر وكل مانع مسكر. قال تعالى: (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس) أي نجس [المائدة: ٩٠]. وقال رسول الله ﷺ : "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام" [رواه مسلم: ٢٠٠٣، عن أبن عمر ﵄]. ٢ـ الكلب والخنزير: قال رسول الله ﷺ : " طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب" [رواه مسلم: ٢٧٩]. وفي رواية للدارقطني (١/ ٦٥): "إحداهن بالبطحاء". [ولغ: شرب، البطحاء: صغار الحصى ويقصد به التراب].

стр. 37

٣ـ الميتة: وهي كل حيوان مات بغير زكاة شرعية، قال تعالى: (حرمت عليكم الميتة) [المائدة: ٣). وتحريمها إنما كان من أجل نجاستها. ويدخل في حكم الميتة ما ذبح على الأنصاب، وما ذكر عليه غير اسم الله، قال تعالى: (وما أهل لغير الله به) [المائدة: ٣]. ما سيتثنى من نجاسة الميتة: ويستثنى من نجاسة الميتة ثلاثة أشياء: الأول- ميتة الإنسان: قال تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم) [الإسراء: ٧٠]. ومقتضى تكريمه أن يكون الإنسان طاهراً حياً وميتاً. وقال رسول الله ﷺ : "سبحان الله إن المسلم لا ينجس" [رواه البخاري: ٢٧٩]. وقال ابن عباس ﵄ " المسلم لا ينجس حياً وميتاً" [رواه البخاري تعليقا في الجنائز، باب غسل الميت ووضوئه]. والثاني والثالث ـ السمك والجراد: قال رسول الله ﷺ : "أحلت لكم ميتتان ودمّان، فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال " [رواه ابن ماجه]. ٤ـ الدم السائل ومنه القيح: قال تعالى: (أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس) [سورة الأنعام: الآية ١٤٥]. ويستثنى من نجاسة الدم: الكبد والطحال للحديث السابق. ٥ـ بول الإنسان وغائطه، وبول الحيوان وفرثه:

стр. 38

روى البخاري (٢١٧) ومسلم (٢٨٤) أن أعرابياً بال في المسجد، فقال رسول الله ﷺ : صًُبُّوا عليه ذنوباً من ماء" أي دلواً، والأمر يصب الماء عليه دليل نجاسته. ٦ـ كل جزء انفصل من الحيوان حال حياته فإنه نجس. قال رسول الله ﷺ : "ما قطع من بهيمة فهو ميتة" [رواه الحاكم وصححه]. ويستثنى من ذلك شعر وريش الحيوانات المأكول اللحم فإنه طاهر. قال تعالى: (ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين) [سورة النحل: ٨٠]. ٧ـ لبن الحيوان غير مأكول اللحم: كالحمار ونحوه، لأن لبنه كلحمه، ولحمه نجس. النجاسة العينية والنجاسة الحكمية: النجاسة العينية: هي كل نجاسة لها جرم مشاهد، أولها صفة ظاهرة من لون أو ريح، كالغائط أو البول أو الدم. والنجاسة الحكمية: كل نجاسة جفت وذهب أثرها، ولم يبق لها أثر من لون أو ريح، وذلك مثل بول أصاب ثوباً ثم جف، ولم يظهر له أثر. النجاسة المغلظة والمخففة والمتوسطة: النجاسة المغلظة: وهي نجاسة الكلب والخنزير، ودليل تغليظها أنه لا يكفي غسلها بالماء مرة كباقي النجاسات، بل لا بد من غسلها سبع مرات إحداهن بالتراب، كما مر في حديث "ولوغ الكلب" وقيس عليه الخنزير لأنه أسوأ حالاً منه.

стр. 39

النجاسة المخففة: وهي بول الصبي الذي لم يأكل إلا اللبن ولم يبلغ سنه حولين، ودليل كونها مخففة أنها يكفي رشها بالماء، بحيث يعم الرش جميع موضع النجاسة من غير سيلان. روى البخاري (٢٠٢١)، ومسلم (٢٨٧) وغيرهما: عن أم قيس بنت مِحْصن ﵂: أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام، إلى رسول الله ﷺ فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه ولم يغسله. [فنضحه: رشه بحيث عم المحل بالماء وغمره بدون سيلان] .. النجاسة المتوسطة: وهي غير الكلب والخنزير، وغير بول الصبي الذي لم يطعم إلا لبن، وذلك مثل بول الإنسان، وروث الحيوان، والدم. وسميت متوسطة لأنها لا تظهر بالرش، ولا يجب فيها تكرار الغسل إذا زالت عينها بغسلة واحدة. روى البخاري (٢١٤) عن أنس ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا تبرز لحاجته أتيته بماء فيغسل به. [تبرز لحاجته: خرج إلى البزار وهو الفضاء، ليقضي حاجته من بول أو غائط]. وروى البخاري (١٧٦)، ومسلم (٣٠٣): عن على ﵁ قال: كنت رجلاً مذاءً، فاستحييت أن أسال رسول الله ﷺ ، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله، فقال: "وفيه الوضوء". ولمسلم "يغسل ذكره ويتوضأ". [مذاء كثير خروج المذي، وهو ماء أصفر رقيق يخرج غالباً عند ثوران الشهوة].

стр. 40

وروى البخاري (١٥٥): عن عبدالله بن مسعود ﵁ قال: أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن آتية بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجده، فأخلت روثه فاتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: "هذا ركس". والركس: النجس، والروثة براز الحيوان. فدلت هذه الأحاديث على نجاسة الأشياء المذكورة، وقبس ما لم يذكر منها على ما ذكر. كيفية التطير من النجاسات: التطهر من النجاسة المغلطة: وهي نجاسة الكلب والخنزير، وهذه لا تطهر إلا إذا غسلت سبع مرات إحداهن بالتراب، سواء كانت النجاسة عينية أم حكمية، وسواء كانت على الجسم، أو الثوب، أو المكان. التطهر من النجاسة المتوسطة: وهي نجاسة ما عدا الكلب والخنزير، والصبي الذي لم يطعم، وهذه النجاسة إنما تطهر إذا جرى الماء عليها وذهب بأثرها، فزالت عينها وذهبت صفاته من لون أو طعم أو ريح، سواء كانت عينية أم حكمية، وسواء كانت على ثوب أم جسم أم مكان، ولكن لا يضر بقاء لون عسر زواله، كالدم مثلاً.

стр. 41

تطهير جلود الميتة غير الكلب والخنزير: ويطهر جلد الحيوان غير الكلب والخنزير بالدباغ، والدباغ: نزع رطوبة الجلد التي يفسده إيقاؤها، بمادة لاذعة حِرِّيفة، بحيث لو تقع في الماء بعد إليه النتن والفساد. قال رسول الله ﷺ : "إذا دبغ الإهاب فقد طهر" [رواه مسلم: ٣٦٦]، ويجب غسل الجلد بالماء بعد الدبغ لملاقاته للأدوية النجسة التي دبغ بها، أو الأدوية التي تنجست بملاقاته قبل طهر عينه. بعض ما يعفى عنه من النجاسات: الإسلام دين النظافة، لذلك أوجب إزالة النجاسة أينما كانت، والتحرز منها، وجعل الطهارة من النجاسة شرطاً لصحة الصلاة سواء في الثوب أم البدن أم المكان. إلا أن الدين راعي اليسر، وعدم الحرج، فعفا عن بعض النجاسات لتعذر إزالتها، أو مشقة الاحتراز عنها، تسهيلاً على الناس، ورفعاً للحرج عنهم، وإليك بعض هذه المعفوات: ١ـ رشاش البول البسيط الذي لا يدركه الطرف المعتدل إذا أصاب الثوب أو البدن، سواء كانت النجاسة مغلظة أم مخففة أم متوسطة. ٢ـ اليسير من الدم، والقيح، ودم البراغيث وونيم الذباب أي نجاسته ما لم يكن ذلك بفعل الإنسان وتعمده. ٣ـ دم وقيح الجروح ولو كان كثيراً، شريطة أن يكون من الإنسان نفسه، وأن لا يكون بفعله وتعمده، وأن لا يجاوز محله المعتاد وصوله إليه.

стр. 42

٤ـ روث الدواب الذي يصيب الحبوب أثناء دراستها، وروث الأنعام الذي يصيب اللبن أثناء الحلب ما لم يكثر فيغير اللبن. ٥ـ روث السمك في الماء ما لم يتغير، وذرق الطيور في الأماكن التي تتردد عليها كالحرم الملكي والحرم المدني والجامع الأموي، وذلك لعموم البلوى، وعسر الاحتراز عنه. ٦ـ ما يصيب ثوب الجزار من الدم ما لم يكثر. ٧ـ الدم الذي على اللحم. ٨ـ فم الطفل المتنجس بالقي، إذا أخذ ثدي أمه. ٩ـ ما يصيب الإنسان من طين الشارع. ١٠ـ الميتة التي لا نفس لها سائلة أي لا دم لها من نفسها إذا وقعت في مائع: كالذباب، والنحل، والنمل، شريطة أن تقع بنفسها، ولم تغير المائع الذي وقعت فيه. روى البخاري (٥٤٤٥) وغيره: عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا وقع الذباب في إناء أحدكم، فليغمسه كله ثم يطرحه، فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء". ووجه الاستدلال: أنه لو كان ينجسه لم يأمر بغمسه. وقيس بالذباب كل ما في معناه من كل ميتة لا يسيل دمها. *****

стр. 43

الاسْتنجاء وآدابُه معناه: هو إزالة النجاسة أو تخفيفها عن مخرج البول أو الغائط. مأخوذ من النَّجاء وهو الخلاص من الأذى، أو النجوة: وهي المرتفع عن الأرض، أو النجو: وهو الحُزْء، أي ما يخرج من الدبر. سمي بذلك شرعاً، لأن المستنجي يطلب الخلاص من الأذى ويعمل على إزالته عنه، وغالباً ما يستتر وراء مرتفع من الأرض، أو نحوها، ليقوم بذلك. حكمه: وهو واجب، وقد دل على ذلك قول الرسول ﷺ كما سيأتي خلال البحث. ما يستنجي به: يجوز الاستنجاء بالماء المطلق، وهو الأصل في التطهير من النجاسة كما يجوز بكل جامد خشن يمكن أن يزيل النجاسة، كالحجر والورق ونحو ذلك. والأفضل أن يستنجي أولاً بالحجر ونحوه، ثم يستعمل الماء، لأن الحجر يزيل عين النجاسة والماء بعده يزيل أثرها دون أن يخلطها. وأن أقتصر على أحدهما فالماء أفضل، لأنه يزيل العين والأثر، بخلاف غيره، وأن أقتصر على الحجر ونحوه، فيشترط أن يكون المستعمل جافاً، وأن يستعمل قبل أن يجف الخارج من القبل أو الدبر، وألا يجاوز الخارج

стр. 44

صفحة الآلية أو حشفة الذكر وما يقابلها من مخرج البول عند الأنثى، وأن لا ينتقل عن المحل الذي أصابه أثناء خروجه. كما يشترط أن لا نقل المسحات عن ثلاثة أحجار أو ما ينوب منابها، فإن لم ينظف المحل زيد عليها، ويسن أن يجعل وتراً، أي منفردة: كخمسة أو سبعة، ونحوها. روى البخاري (١٤٩)، ومسلم (٢٧١): عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله يدخل الخلاء، فأحمل أنا وغلام نحوي إدواة من ماء وعنزة، فيستجني بالماء. [الخلاء: مكان قضاء الحاجة. إداوة: إناء صغير من جلد عنزة: الحربة القصيرة، تركز ليصلى إليها كسترة. يستنجي: يتخلص من أثر النجاسة]. وروى البخاري (١٥٥) وغيره، عن ابن مسعود ﵁ قال: أتي النبي ﷺ الغائط فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار. [الغائط: المكان المنخفض من الأرض تقضى فيه الحاجة، ويطلق على ما يخرج من الدبر]. وروى أبو داود (٤٠) وغيره، عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: " إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن، فإنها تجزئ عنه ". [يستطيب: يستنجي، سمي بذلك لأن المستنجي يطيب نفسه بإزالة الخبث عن المخرج].

стр. 45

وروى أبو داود (٤٤)، والترمذي (٣٠٩٩)، وابن ماجه (٣٥٧)، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " نزلت هذه الآية في أهل قباء: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين) [التوبة: ١٠٨]. قال: كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية ". روى مسلم (٢٦٢٢) عن سلمان ﵁ عن

стр. 46

رسول الله ﷺ قال: " لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار". وروى البخاري (١٦٠)، ومسلم (٢٣٧) عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: " ومن استجمر فليوتر ". [استجمر: مسح بالحجار وهي الأحجار الصغيرة]. ما لا يستنجي به: لا يصح الاستنجاء بما كان نجس العين أو متنجساً لأنه ربما زاد في أثر النجاسة بدل تخفيفه. روى البخاري (١٥٥) عن عبدالله بن مسعود ﵁ قال: أتى النبي ﷺ الغائط فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجدهن فأخذت روثة فاتيته بها فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: "هذا ركس ". [الركس: النجس. روثة: براز الحيوان مأكول اللحم وغيره]. ـ ويحرم الاستنجاء بما كان مطعوماً لأدمي كالخبز وغيره، أو جني كالعظم. روى مسلم (٤٥٠) عن مسعود ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: " أتاني داعي الجن، فذهبت معه، فقرات عليهم القرآن ". قال: وسألوه الزاد، فقال: " لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه، يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحماً، وكل بعرة علف لدوابكم ". فقال رسول ﷺ : " فلا تستنجوا بهما، فإنهما طعام إخوانكم" وعند الترمذي (١٨): ولا تستنجوا بالروث ولا بالعظام، فإنه زاد إخوانكم من الجن". فيقاس طعام الأدمي على غيره من باب أولي. ـ يحرم الاستنجاء بكل محترم، كجزء حيوان متصل به، كبده ورجله، ومن الآدمي من باب أولى، لأنه يتنافى مع تكريمه، فإن كان جزء الحيوان منفصلا عنه، وكان طاهراً كشعر مأكول اللحم وجلد الميتة المدبوغ، جاز ذلك. آداب الاستنجاء وقضاء الحاجة: هناك آداب يطلب من المسلم أن يراعيها عند القيام بقضاء حاجته واستنجائه وهي: ١ـ ما يتعلق بالمكان الذي يقضي فيه حاجته: فإنه يجتنب التبول والتغوط في: ـ طريق الناس أو المكان الذي يجلسون فيه، لما فيه من الأذى لهم. روى مسلم (٢٦٩) وغيره، عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: " اتقوا اللعانين". قالوا: وما اللعانان؟ قال: " الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم".

стр. 47

[اللعين: الأمرين الجالبين اللعن]. ـ ثقب في الأرض أو جدار أو نحوه، لما قد ينتج عنه من أذى، فقد يكون فيه حيوان ضار كعقرب أو حيه، فيخرج عليه ويؤذيه، وقد يكون فيه حيوان ضعيف فيتأذى. روى أبو داود (٢٩) عن عبدالله بن سرجس قال: " نهى رسول الله ﷺ أن يبال في الجحر". وهو الثقب في الأرض. ـ تحت الشجرة المثمرة، صيانة للثمر عن التلويث عند وقوعه سواء كان مأكولاً أو منتفعاً به لئلا تعافه النفس. ـ الماء الراكد: لما ينتج من تقزز النفس منه إن كان كثيراً لا تغيره النجاسة، ومن إضاعته إن كانت النجاسة تغيره، أو كان دون القلتين. روى مسلم (٢٨١) وغيره، عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ : أنه نهى أن يبال في الماء الراكد. والتغوط أقبح وأولى بالنهي، والنهي للكراهة، ونقل الإمام النووي أنه للتحرم. [انظر شرح مسلم: ٣/ ١٨٧]. ٢ـ ما يتعلق بالدخول إلى قضاء الحاجة والخروج منه، فيستحب لقاضي الحاجة: أن يقدم رجله اليسرى عند الدخول ويمناه عند الخروج لأنه الأليق بأماكن القذر والنجس. ولا يحمل الله تعالى ومثله كل اسم معظم.

стр. 48

كما يستحب له أنن يقول الأذكار والأدعية التي ثبتت عن رسول الله ﷺ ، قبل دخول الخلاء وبعد الخروج منه: فيقول قبل الدخول: "باسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" [رواه البخاري ١٤٢، ومسلم: ٣٧٥]. [الخبث: جمع خبيث. والخبائث: جمع خبيثة، والمراد ذكور الشياطين وإنائهم]. وبعد الخروج يقول: "غفرانك، الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافني، الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى من قوته، ودفع عنى أذاه" [رواه أبو داود: ٣٠، والترمذي: ١٧ وابن ماجه: ٣٠١، والطبراني]. ٣ـ ما يتعلق بالجهة: يحرم على قاضي الحاجة أن يستقبل القبلة أو يستدبرها، إن كان في الفضاء ولا ساتر مرتفع يستر عورته حال قضاء حاجته، وكذلك إن كان في بناء غير معد لقضاء الحاجة، ولم تتحقق شروط الساتر المذكورة، ويشترط ألا يبعد عنه الساتر أكثر من ثلاثة أذرع بذارع الآدمي، أي ما يساوى ١٥٠سم تقريباً. فإن كان البناء معداً لقضاء الحاجة جاز الاستقبال والاستدبار. روى البخاري (٣٨١) ومسلم (٢٦٤)، عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول أو غائط، ولكن شرقوا أو غربوا". وخص ذلك بالصحراء وما في معناها من الأمكنة التي لا ساتر فيها، ودليل التخصيص: ما روى البخاري (١٤٨)، ومسلم (٢٦٦)

стр. 49

وغيرهما، عن ابن عمر ﵄ قال: ارتقيت فوق ظهر بيت حفصة لبعض حاجتي، فرأيت النبي ﷺ ، مسدبر القبلة، مستقبل الشام. فحمل الأول على المكان غير المعد لقضاء الحاجة، وما في معناه من الاماكن التي لا ساتر فيها، وحمل الثاني على المكان المعد وما في معناه، جمعاً بين الأدلة، ولا يخلو الأمر معه عن كراهة في غير المعد مع وجود الساتر. ٤ـ ما يتعلق بحال قاضي الحاجة: أن يعتمد على يساره وينصب يمناه. ولا ينظر إلى السماء ولا إلى فرجه ولا إلى ما يخرج منه لأنه لا يليق بحاله. ويكره القاضي الحاجة الكلام وغيره أثناء قضائها. روى مسلم (٣٧٠) وغيره، عن ابن عمر ﵄: أن رجلا مرّ ورسول الله ﷺ يبول، فسلم عليه فلم يرد عليه. وروى أبو داود (١٥) وغيره، عن أبي سعيد ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "لا يخرج الرجلان يضربان الغائط، كشفين عن عورتهما يتحدثان، فإن الله يمقت على ذلك". [يضربان: يأتيان. يمقت: يغضب] ويقاس على الكلام غيره كالأكل والشرب والعبث، ونحو ذلك ٥ـ الاستنجاء باليسار: يستعمل قاضي الحاجة شماله لتنظيف المحل بالماء اليمنى لهذا، كما يكره له أن يمس بها ذكره. وإن احتاج أن يمسك الذكر لينظفه بالحجر ونحوه من الجامدات، أمسك الجامد بيده اليمنى دون أن يحركها، وأمسك الذكر باليسرى وحركها لينظف المحل.

стр. 50

روى البخاري (١٥٣)، ومسلم (٢٦٧)، عن أبي قتادة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إذا بال أحدكم فلا يأخذن ذكره بيمينه ولا يستنج بيمينه". الطهارة من الحدث: معنى الحدث: الحدث لغة: الشيء الحادث. وشرعاً: هو أم اعتباري يقوم بالأعضاء يمنع من صحة الصلاة وما في حكمها، حيث لا مرخص. ويطلق الحدث أيضاً على نواقض الوضوء التي سنتحدث عنا فيما بعد، وعلى موجبات الغسل. أقسام الحدث: والحدث يقسم إلى قسمين: حدث أصغر، وحدث أكبر. الحدث الأصغر: هو أمر اعتباري يقوم بأعضاء الإنسان الأربعة، وهي: الوجه، واليدان، والرأس، والرجلان، فيمنع من صحة الصلاة ونحوها، ويرتفع هذا الحدث بالوضوء، فيصبح الإنسان مستعداً للصلاة ونحوها. والحدث الأكبر: وهو أمر اعتباري يقوم بالجسم كله فيمنع من صحة الصلاة وما في حكمها، ويرتفع هذا الحدث بالغسل فيصبح الإنسان أهلاً لما كان ممنوعاً عنه. *****

стр. 51

الوضُوء معناه: الوضوء لغة: مأخوذة من الوضاءة وهي الحسن والبهجة، وشرعاً: اسم للفعل الذي هو استعمال الماء أعضاء معينة ما النية. والوضوء اسم للماء الذي يتوضأ به، وسمي بذلك لما يضفي على الأعضاء من وضاءة يغسلها وتنظيفها. فروض الوضوء: وفروض الوضوء ستة وهي: النية، وغسل الوجه، وغسل اليدين، مع المرفقين، ومسح بعض الرأس، وغسل الرجلين مع الكعبين، والترتيب. والأصل في مشروعية الوضوء وأركانه قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأمسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) [المائدة: ٦]. ١ـ النية: لأن الوضوء عبادة، وبالنية تتميز العبادة، قال رسول الله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" [رواه البخاري: ١، ومسلم: ١٩٠٧]. أي لا تصح العبادة ولا يعتد بها شرعاً إلا إذا نويت، ولا يحصل للمكلف أجرها إلا إذا أخلص فيها. تعريف النية: والنية معناها لغة: القصد، وشرعاً: قصد الشيء مقروناً بفعله.

стр. 52

محل النية: ومحل النية القلب، ويسن التلفظ بها باللسان. كيفية النية: وكيفيتها أن يقول بقلبه: نويت فرض الوضوء، أو رفع الحدث، أو استباحة الصلاة. وقت النية: ووقتها عند غسل أول جزء من الوجه، لأنه أول الوضوء. ٢ـ غسل جميع الوجه: لقوله تعالى: (فاغسلوا وجوهكم). وحدود الوجه من منبت الشعر إلى أسفل الذقن طولاً، ومن الأذن إلى الأذن عرضاً. ويجب غسل كل ما على الوجه: من حاجب، وشارب، ولحية، ظاهرة وباطناً لأنها من أجزاء الوجه، إلا اللحية الكثيفة ـ وهي التي لا يرى ما تحتها ـ فإنه يكفى غسل ظاهرها دون باطنها. ٣ـ غسل اليدين مع المرفقين: لقوله تعالى: (وأيديكم إلى المرافق). جمع مرفق وهو مجتمع الساعد مع العضد و"إلى" بمعنى مع، أي: مع المرافق، دل على ذلك ما رواه مسلم (٢٤٦)، عن أبي هريرة ﵁: "أنه توضأ فغسل وجهه فاسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت الرسول ﷺ يتوضأ". [أشرع في العضد وأشرع في الساق، معناه: أدخل الغسل فيهما].

стр. 53

ويجب تعميم جميع الشعر والبشرة بالغسل، فلو كان تحت أظافره وسخ يمنع وصول الماء أو خاتم لم يصح الوضوء، لما رواه البخاري (١٦١)، ومسلم (٢٤١) واللفظ له، عن عبدالله بن عمرو ﵄ قال: رجعنا مع رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة، حتى إذا كنا بماء بالطريق تعجل قوم عند العصر، فتوضأوا وهم عجال، فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسها ماء، فقال رسول الله ﷺ : "ويل للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء". أي أتموه وأكملوه باستيعاب العضو بالغسل. [عجال: مستعجلون]. وروى مسلم (٢٤٣): أن رجلا توضأ فترك موضع ظفر على قدمه، فأبصره النبي ﷺ ، فقال: "أرجع فأحسن وضوءك". فرجع ثم صلى. [فرجع: أي فأتم وضوءه وأحسنه]. فدل الحديثان: على أنه لا يجزئ الوضوء إذا بقي أدنى جزء من العضو المغسول دون غسل. ٤ـ مسح بعض الرأس، ولو شعرة ما دامت في حدود الرأس، لقوله تعالى: (وامسحوا برؤوسكم). وروى المغيرة بن شعبة ﵁: أن رسول الله ﷺ توضأ، ومسح بناصيته، وعلى عمامته. [رواه مسلم: ٢٧٩]. ولو غسل رأسه أو بعضه يدل المسح جاز. والناصية: مقدم الرأس، وهي جزء منه، والاكتفاء، بالمسح عليها دليل على ان مسح الجزء هو المفروض ويحصل بأي جزء كان. ٥ـ غسل الرجلين مع الكعبين: لقوله تعالى: (وأرجلكم إلى الكعبين). الكعبان مثنى الكعب: وهو العظم الناتئ من كل جانب عند

стр. 54

مفصل الساق مع القدم، و "إلى": بمعنى مع، أي مع الكعبين، دل على ذلك: ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ السابق وحتى أشرع في الساق". ويجب تعميم الرجلين بالغسل بحيث لا يبقى منهما ولو موضع ظفر، أو تحت شعر لما مر في غسل اليدين. ٦ـ الترتيب على الشكل الذي ذكرناه: وهذا مستفاد من الآية التي ذكرت فروض الوضوء مرتبة، ومن فعله ﷺ فإنه لم يتوضأ إلا مرتباً ـ كما جاء في الآية ـ ثبت ذلك بالأحاديث الصحيحة منها حديث أبي هريرة ﵁ السابق، وفيه العطف بثم، وهي الترتيب باتفاق. قال النووي في المجموع (١/ ٤٨٤): واحتج الأصحاب من السنة بالأحاديث الصحيحة المستفيضة عن جماعات من الصحابة في صفة وضوء النبي ﷺ ، وكلهم وصفوه مرتباً، مع كثرتهم وكثرة المواطن التي رأوه فيها، وكثرة اختلافهم في صفاته في مرة ومرتين وثلاث وغير ذلك، ولم يثبت فيه ـ مع اختلاف أنواعه ـ صفة غير مرتبة، وفعله ﷺ بيان للوضوء المأمور به، ولو جاز ترك الترتيب لتركه في بعض الأحوال لبيان الجواز، كما ترك التكرار في أوقات. سنن الوضوء: للوضوء سنن كثيرة نذكر أهمها وهي: ١ـ التسمية في ابتدائه: روى النسائي (١/ ٦١) بإسناد جيد، عن أنس ﵁ قال: طلب بعض أصحاب النبي ﷺ وضوءاً

стр. 55

فلم يجدوا ماء، فقال ﵊: "هل مع أحد منكم ماء"، فأتي بماء فوضع يده في الإناء الذي فيه الماء، ثم قال: "توضأوا بسم الله" أي قائلين ذلك عند الابتداء به. قال أنس ﵁: فرأيت الماء يفور من بين أصابعه، حتى توضأوا من عن آخرهم ـ أي جميعهم ـ وكانوا نحواً من سبعين. ٢ـ غسل الكفين ثلاثاً قبل إدخالهما الإناء: روى البخاري (٢١٨٣)، ومسلم (٢٣٥)، من حديث عبدالله بن زيد ﵁ وقد سئل عن وضوء النبي ﷺ ، فدعا بنور من ماء، فتوضأ لهم وضوء النبي ﷺ فأكفأ على يده من التور، فغسل يديه ثلاثاً، ثم أدخل يده في الإناء ... ". [التور: إناء من نحاس. فأكفأ: صب]. ٣ـ استعمال السواك: لما رواه البخاري (٨٤٧)، ومسلم (٢٥٢)، وغيرهما، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء". أي لأمرتهم أمر إيجاب، وهذا دليل الاستحباب المؤكد. ٤ و ٥ ـ المضمضة والاستنشاق باليد اليمنى والاستنثار باليد اليسرى، جاء في حديث عبد الله بن زيد ﵁ السابق من غرفة واحدة، وكرر ذلك ثلاثاً. [استنثر: أخرج الماء الذي أدخله في أنفه]. ٦ـ تخليل اللحية الكثة: روى أبو داود (١٤٥) عن أنس - رضي

стр. 56

الله عنه - كان إذا توضأ أخذ كفاً من ماء، فأخله تحت حنكه، فخلل به لحيته، وقال: "هكذا أمرني ربي " ٧ـ مسح جميع الرأس: جاء في حديث عبد الله بن زيد ﵁: فمسح رأسه بيديه، فاقبل بهما وأدبر: بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما على قفاه ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه. ٨ـ تخليل ما بين أصابع اليدين والرجلين بالماء: أما اليدين فبالتشبيك بينهما، وأما الرجلان فبخنصر اليد اليسرى: عن لقيط بن صبرة ﵁ قلت: يا رسول الله أخبرني عن الوضوء؟ قال: "أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائماً" [رواه أبو داود: ١٤٢، وصححه الترمذي: ٧٨٨، وغيرهما] [أسبغ: أكمله وأتمه بأركانه وسننه]. وعن المستورد قال: "رأيت النبي ﷺ توضأ فخلل أصابع رجليه بخنصره، [رواه أبن ماجه: ٤٤٦]. ٩ـ مسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما بماء جديد غير ماء الرأس عن ابن عباس ﵁: "أن النبي ﷺ مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما" [رواه الترمذي: ٣٦، وصححه]. وعند النسائي (١/ ٧٤): "مسح برأسه وأذنيه، باطنهما بالمسحتين، وظاهرهما بإبهاميه". وقال عبدالله بن زيد: "رأيت النبي ﷺ يتوضأ، فأخذ ماء لأذنيه خلاف الماء الذي أخذه لرأسه" [رواه الحاكم: ١/ ١٥١]، وقال عنه الحافظ الذهبي: صحيح.

стр. 57

١٠ـ التثليث في جميع فرائض الوضوء وسننه. روى مسلم (٢٣٠) أن عثمان ﵁ قال: ألا أريكم وضوء رسول الله ﷺ ؟ ثم توضأ ثلاثاً ثلاثاً. ١١ـ تقديم اليمنى على اليسرى، في اليدين والرجلين: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله قال: "إذا توضأتم فابدءوا بميامنكم" [رواه ابن ماجه: ٤٠٢]. ودلّ على ذلك حديثه السابق في فرائض الوضوء. ١٢ـ الدلك ـ وهو إمرار اليد على العضو عند غسله ـ: روى أحمد في مسنده (٤/ ٣٩) عن عبدالله بن زيد ﵁ أن رسول الله ﷺ توضأ، فجعل يقول هكذا، يدلك. [في المصباح: دلكت الشيء ـ من باب قتل ـ مرسته بيدك، ودلكت النعل بالأرض مسحتها بها. يقول: عبر عبدالله بالقول عن الفعل]. ١٣ـ الموالاة: أي غسل الأعضاء بالتتابع من غير انقطاع، بحيث يغسل العضو الثاني قبل أن يجف الأول، أتباعاً للنبي ﷺ ، لما مر معك من أحاديث على ذلك. ١٤ـ إطالة الغرة والتحجيل: والغرة غسل جزء من مقدم الرأس والتحجيل غسل ما فوق المرفقين في اليدين، وما فوق الكعبين في الرجلين، قال رسول الله ﷺ : "إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل" [رواه البخاري: ١٣٦، ومسلم: ٢٤٦]. وفي رواية عند مسلم: " فليطل غرته وتحجيله".

стр. 58

[غرّاًً: جمع أغر، أي ذو غرة، وهي بياض في الجبهة. محجلين: من التحجيل وهو بياض في اليدين والرجلين، وهذا تشبيه لأن الأصل في الغرة والتحجيل أن يكون في جهة الفرس وقوائمها، والمراد به هنا: النور الذي يسطع من المؤمنين يوم القيامة]. ١٥ـ الاعتدال بالماء دون سرف أو تقتير: فقد روى البخاري (١٩٨) عن أنس ﵁: كان النبي ﷺ يتوضأ بالمد. [والمد: إناء يساوي مكعباً طول حرفه ١٠ سم تقريباً]. ١٦ـ استقبال القبلة عند الوضوء، لأنها أشرف الجهات. ١٧ـ أن لا يتكلم أثناء الوضوء، اتباعاً للرسول ﷺ . ١٨ـ التشهد عند الانتهاء من الوضوء والدعاء، يقول: "أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله" [رواه مسلم: ٢٣٤]. "اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين" [رواه الترمذي: ٥٥]. "سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك". [رواه النسائي في أعمال اليوم والليلة، كما قال الإمام النووي في الأذكار]. مكروهات الوضوء: ويكره في الوضوء الأمور التالية: ١ـ الإسراف في الماء، والتقتير فيه: لأن ذلك خلاف السنة، ولعموم قوله تعالى: (ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) [سورة الأعراف: ٣١]. والإسراف هو التجاوز عن الاعتدال المعروف والمألوف. روى أبو داود (٩٦) أنه ﷺ قال: "إنه سيكون في

стр. 59

هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء". أي يفرطون فيهما، والإفراط في الدعاء: أن يسأل أشياء مخصوصة وبصفة معينة. ٢ـ تقديم اليد اليسرى على اليمنى، وتقديم الرجل اليسرى على اليمنى: لأن هذا على خلاف ما مر من فعله ﷺ . ٣ـ التنشيف بمنديل إلا لعذر، كبرد شديد أو حر يؤذي معه بقاء الماء على العضو، أو خوف نجاسة أو غبارها، روى البخاري (٢٥٦)، ومسلم (٣١٧): أنه ﷺ أتي بمنديل فلم يمسه. ٤ـ ضرب الوجه بالماء، لأن ذلك ينافي تكريمه. ٥ـ الزيادة على ثلاث يقيناً بالغسل أو في المسح، أو النقص عنها، قال رسول الله ﷺ بعدما توضأ ثلاثاً ثلاثاً: "هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا، أو نقص فقد أساء وظلم" [رواه أبو داود: ١٣٥]، وقال النووي في المجموع: إنه صحيح. معناه أن من اعتقد أن السنة أكثر من ثلاث أو أقل منها، فقد أساء وظلم، لأنه قد خالف السنة التي سنها النبي ﷺ . ٦ـ الاستعانة بمن يغسل له أعضاء من غير عذر، لأن فيه نوعاً من التكبر المنافي للعبودية. ٧ـ المبالغة في المضمضة والاستنشاق للصائم خشية أن يسبقه الماء إلى حلقه فيفسد صومه، قال رسول الله ﷺ : "وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً" [رواه أبو داود: ١٤٢]. وتقاس المضمضة على الاستنشاق من باب أولى.

стр. 60

نواقص الوضوء: وينتقص الوضوء بخمسة أشياء: ١ـ كل ما خرج من أحد السبيلين من بول أو غائط أو دم أو ريح: قال تعالى: (لو جاء أحد منكم الغائط) [النساء: ٤٢]. أي مكان قضاء الحاجة، وقد قضى حاجته من تبرز أو تبول. والغائط هو المكان المنخفض، وفي مثله تقضى الحاجة من تبرز أو تبول. والغائط هو المكان المنخفض، وفي مثله نقضى الحاجة غالباً وعادة. وروى البخاري (١٣٥) ومسلم (٢٢٥) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ولا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ". فقال رجل من أهل حضر موت ك ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال فساء أو ضراط. وقيس على ما ذكر كل خارج من القبل أو الدبر، ولو كان طاهراً. ٢ـ النوم غير المتمكن: والتمكن أن يكون جالساً ومقعدته ملتصقة بالأرض، وغير التمكن أن يكون هناك نجاف بين مقعدته والأرض، قال رسول الله ﷺ : "من نام فليتوضأ" [رواه أبو داود: ٢٠٣ وغيره]. وأما من نام على هيئة المتمكن فلا ينقض وضوؤه، لأنه يشعر بما يخرج منه، ودل على هذا ما رواه مسلم (٣٧٦) عن أنس ﵁ قال: أقيمت الصلاة والنبي ﷺ يناجى رجلاً، فلم يزل يناجيه حتى نام أصحابه، ثم جاء فصلى بهم. [يناجي: يتحدث معه على انفراد بحيث لا يسمعهما أحداً]. وعنه أيضاً قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون، ثم يصلون ولا يتوضأون [أنظر البخاري: ٥٤١، ٥٤٤، ٥٤٥].

стр. 61

وواضح أنهم ناموا جالسين على هيئة التمكن، لأنهم كانوا في المسجد ينتظرون الصلاة، وعلى أمل أن يقطع حديثه ﷺ فجأة ويصلي بهم. ٣ـ زوال العقل بسكر أو إعماء أو مرض، أو جنون: لأن الإنسان إذا انتابه شيء من ذلك كان هذا مظنة أن يخرج منه شيء من غير ان يشعر، وقياساً على النوم، لأنه أبلغ منه في معناه. ٤ـ لمس الرجل زوجته أو المرأة الأجنبية من غير حائل، فإنه ينتقض وضوؤه ووضوؤها. والأجنبية هي كل امرأة يحل له الزواج بها. قال تعالى في بيان موجبات الوضوء: (أو لامستم النساء) [النساء: ٤٢]. أي لمستم كما في قراءة متواترة. ٥ـ مس الفرج نفسه أو من غيره، قبلاً أو دبراً، بباطن الكف والأصابع من غير حائل. الأمور التي يشترط لها الوضوء: الأمور التي يجب الوضوء من أجلها هي: ١ـ الصلاة: قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) [سورة المائدة: ٦]. وقال رسول الله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" [رواه البخاري: ١٣٥، ومسلم: ٢٢٥]. وعند مسلم (٢٢٤): "ولا تقبل صلاة بغير طهور". ٢ـ الطواف حول الكعبة: لأن الطواف كالصلاة تجب فيه

стр. 62

الطهارة، قال رسول الله ﷺ : "الطواف حول البيت مثل الصلاة، إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه تلا يتكلمن إلا بخير". [رواه الترمذي: ٩٦٠، والحاكم: ١/ ٤٥٩، وصححه]. ٣ـ من المصحف وحمله: قال تعالى: (لا يمسه إلا المطهرين) [سورة الواقعة: ٧٩]. وقال رسول الله ﷺ : "لا يمس القرآن إلا طاهر" [رواه الدارقطني: ١/ ٤٥٩]. صور كاملة لوضوء النبي ﷺ - بفرائضه، وسننه المؤكدة، وبيان فضله، وفضل الصلاة بعده: روى البخاري في صحيحه (١٦٢) عن عثمان بن عفان ﵁: أنه دعا بوضوء فأفرغ على يديه من إنائه فغسلهما ثلاث مرات، ثم تمضمض واستنشق واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثاً ويديه إلى المرفقين ثلاثاً، [وفي رواية: ثم غسل يده اليمنى ثلاثاً، ثم غسل رجله اليسرى ثلاثاً]. ثم قال: رأيت النبي ﷺ يتوضأ نحو وضوئي هذا، وقال: "من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر الله له ما تقدم من ذنبه". [بوضوء: هو الماء الذي يتوضأ به. لا يحدث: أي بشيء من أمور الدنيا]. *****

стр. 63

المسَحُ عَلَى الخٌفَّين تعريفهما: الخُفّان: تثنية خف، وهما الحذاءان السائران للكعبين المصنوعان من جلد. والكعبان كما مر: هما العظمان الناتئان عند مفصل الساق. حكم المسح عليهما: ودليل جوازه فعل النبي ﷺ ، قال جرير بن عبدالله البجلي ﵁: "رأيت النبي ﷺ بال، ثم توضأ ومسح على خفيه". [رواه البخاري: ١٤٧٨، ومسلم: ٢٧٢]. شروط المسح عليهما: ويشترط لجواز المسح عليهما خمسة شروط: ١ـ أن يُلبسا بعد وضوء كامل: عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر، فأهويت لأنزع خفيه، فقال " دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين"، فمسح عليهما. [رواه البخاري: ٢٠٣، ومسلم: ٢٧٤].

стр. 64

٢ـ أن يكونا سائرين لجمع محل غسل الفرض من القدمين، لأنهما لا يسميان خفين إلا إذا كانا كذلك. ٣ـ أن يمنعا نفوذ الماء إلى القدمين من غير محل الخرز ـ أي الخياطة. ٤ـ أن يكونا قويين يمكن تتابع المشي عليهما يوماً وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليهما للمسافر. ٥ـ أن يكونا طاهرين، ولو كانا من جلد ميتة قد دبغ، لما مر من أن جلد الميتة يطهر بالدباغ. مدة المسح عليهما: مدة المسح علي الخفين: يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليهن للمسافر، روى مسلم (٢٧٦) وغيره، عن شريح بن هانئ قال: أتيت عائشة رضى الله عنها أسألها عن المسح على الخفين، فقالت: ائت علياً فإنه أعلم بهذا منّي، كان يسافر مع رسول الله ﷺ ، فسألته فقال: جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوماً وليلة للمقيم. هذا ومن بدأ المسح في الحضر ثم سافر مسح يوماً وليلة، ومن بدأ المسح بالسفر ثم أقام أتم مسح مقيم، لأن الأصل الإقامة، والمسح رخصة، فيؤخذ فيه بالأحوط. متى تبدأ المدة: وتبدأ مدة المسح من الحدث بعد لبس الخفين، فإذا توضأ الصبح، ولبس خفيه، ثم أحدث عند طلوع الشمس، فإن المدة تحسب من طلوع الشمس.

стр. 65

كيفية المسح عليهما: الفرض: مسح شيء ولو قل من أعلى الخف (١)، فلا يكفي المسح على أسفلهما. ويسن مسح أعلاه وأسفله خطوطاً، بأن يضع أصابع يده اليمني مفرقة على مقدمة رجله لأعلى، وأصابع يده اليسرى على مؤخرة قدمه من الأسفل، ثم يذهب باليمنى إلى الخلف وباليسرى إلى الأمام. مبطلات المسح: ويبطل المسح ثلاثة أمور: ١ـ خلع الخفين أو خلع أحدهما، أو انخلاعهما أو أحدهما. ٢ـ انقضاء مدة المسح: فإذا انقضت المدة وكان متوضئاً نزعهما وغسل رجليه هم أعادهما، وإن كان غير متوضئ توضأ، ثم لبسهما إن شاء. ٣ـ حدوث ما يوجب الغسل: فإذا لزمه غسل خلعهما وغسل رجليه، لأن المسح عليهما بدل غسل الرجلين في الوضوء، لا في الغسل. روى الترمذي (٩٦)، والنسائي (١/ ٨٣) ـ واللفظ له ـ عن صفوان بن عسال ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا مسافرين: أن نمسح على خفافنا، ولا ننزعها ثلاثة أيام، من غائط وبول ونوم، إلا من جنابة". وهي موجبات الغسل كما سيأتي. *****

стр. 66

الجبائر والعصائب الجبائر: جمع جبيرة، وهي رباط يوضع على العضو المكسور ليجبر. والعصائب: جمع عصابة، وهي رباط يوضع على الجرح ليحفظه من الأوساخ حتى يبرا. ولما كان الإسلام دين اليسر، راعى هذه النواحي، وشرع لها الأحكام التي تضمن التوفيق بين أداء العبادة والمحافظة على سلامة الإنسان. أحكام الجبائر والعصائب: المريض المصاب بجرح أو كسر، قد يحتاج إلى وضع رباط ودواء على الجرح أو الكسر، وقد لا يحتاج. فان احتاج إلى وضع رباط لزمه في هذه الحالة ثلاثة أمور: ١ـ أن يغسل الجزء السليم من العضو المصاب. ٢ـ أن يمسح على نفس الرباط أي الجبيرة، أو العصابة، كلها. ٣ـ أن يتيمم بدل غسل الجزء المريض عند وصوله إليه بالوضوء.

стр. 67

وإن لم يحتج إلى وضع رباط على العضو المكسور أو المجروح، وجب عليه أن يغسل الصحيح ويتيمم عن الجريح إذا كان لا يستطيع غسل موضع العلة. ويجب إعادة التيمم لصلاة كل فرض وإن لم يحدث، لأن يجب عليه غسل باقي الأعضاء، إلا إذا أحدث. دليل مشروعية المسح على الجبائر: دلّ على مشروعية المسح على الجبائر، ما رواه أبو داود (٣٣٦) عن جابر ﵁ قال: خرجنا في سفر، فأصاب رجلاً منا حجر فشجه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه: هل تجدون في رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة، وأنت تقدر على الماء، فاغتسل عمات، فلما قدمنا على النبي ﷺ أخبر بذلك، فقال: "قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر ـ أو يعصب ـ على جرحه خرقة، قم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده". [العي: التحير في الكلام، وقيل: هو ضد البيان]. مدة المسح على الجيرة والعصبة: ليس للمسح على الجبيرة أو العصابة مدة معينة، بل يظل يمسح عليها ما دام العذر موجوداً، فإذا زال العذرـ بأن اندمل الجرح، وانجبر الكسر ـ بطل المسح ووجب الغسل، فإذا كان متوضئاً، وبطل مسحه، وجب عليه إصابة العضو الممسوح وما بعده من أعضاء الوضوء، مسحاً أو علا حسب الواجب.

стр. 68

وحكم الجبائر واحد، سواء كانت الطهارة من حدث أصغر أو حدث أكبر، إلا أنه في الحدث الأكبر، إذا بطل المسح، وجب غسل موضع العصابة أو الجبيرة فقط، ولا يجب غسل سواها من البدن. ويجب على واضع الجبيرة القضاء في المواضع التالية: ١ـ إذا وضعها على غير طهر وتعذر نزعها. ٢ـ أو كانت في أعضاء التيمم: الوجه أو اليدين. ٣ـ إذا أخذت من الصحيح أكثر من قدر الاستمساك. *****

стр. 69

الغُسل وَأحْكامُه وَأنوَاعُه معناه: هو في اللغة: سيلان الماء على الشيء، أيا كان. وشرعاً: جريان الماء على البدن بنية مخصوصة. مشروعيته: الغسل مشروع، سواء كان للنظافة، أم لرفع الحدث، سواء كان شرطاً لعبادة أم لا. ودل على مشروعيته: الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب: فآيات، منها قوله تعالى: (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) [سورة البقرة: الآية ٢٢٢]. أي المتنزهين عن الحدث والأقدار المادية والمعنوية. وأمَّا السنة: فأحاديث، منها: ما رواه البخاري (٨٥)، ومسلم (٨٤٩) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوماً، يغسل فيه رأسه وجسده ". وعند مسلم: " حق الله ". والمراد بالحق هنا: أنه مما لا يليق بالمسلم تركه،

стр. 70

وحمله العلماء على غسل يوم الجمعة. وسيأتي مزيد من الأدلة في مواضعها من البحث إن شاء الله. وأما الإجماع: فلقد أجمع الأئمة المجتهدون على أن الغسل للنظافة مستحب، والغسل لصحة العبادة واجب، ولا يغرف ف هذا مخالف. حكمة مشروعيته: للغسل حكم كثيرة وفوائد متعددة، ومنها: ١ـ حصول الثواب: لان الغسل بالمعنى الشرعي عبادة، إذ فيه امتثال لأمر الشرع وعمل بحكمه، وفي هذا أجر عظيم، ولذا قال ﵊: " الطهور شطر الإيمان " [رواه مسلم: ٢٢٢]. أي نصفه أو جزء منه، وهو يشمل الوضوء والغسل. ٢ـ حصول النظافة: فإذا اغتسل المسلم تنظف جسمه مما أصابه من قذر، أو علق به من وسخ، أو أفرزه من عرق. وفي هذه النظافة وقاية من الجراثيم التي تسبب الأمراض، وتطييب الرائحة الجسم، مما يدعو لحصول الألفة والمحبة بين الناس. روى البخاري (٨٦١)، ومسلم (٨٤٧)، واللفظ له، عن عائشة ﵂ قالت: كان الناس أهل عمل، ولم يكن لهم كفاة، فكان يكون لهم تفل، فقيل لهم: " لو اغتسلتم يوم الجمعة ". وفي رواية لهما: فقال رسول الله ﷺ : " لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا ".

стр. 71

[كفاة: أي من يكفونهم العمل من خدم وأجراء. تقل: رائحة كريهة]. ٣ـ حصول النشاط: فإذا الجسم يكتسب بالاغتسال حيوية نشاطاً، ويذهب عنه الفتور والخمول والكسل، ولا سيما إذا كان بعد أسبابه الموجبة، كالجماع، على ما سيأتي. أقسام الغسل: والغسل قسمان: غسل مفروض، وغسل مندوب. أولاً ـ الغسل المفروض: وهو الذي لا تصح العبادة المفتقرة إلى طهر بدونه، إذا وحدت أسبابه. أسبابه: الجنابة والحيض والولادة والموت. (١) الجنابة معناها: الجنابة: في الأصل معناها البعد، قال تعالى: (فبصرب به عن جنب) [سورة القصص: الآية ١١]. أي: عن بعد. وتطلق الجنابة على المني المتدفق كما تطلق على الجماع. وعليه فالجنب هو: غير الطاهر، من إنزال أو جماع. وسمي بذلك لأنه بالجنابة بعد عن أداء الصلاة ما دام على هذه الحالة. والجنب لفظ يستوي فيه المذكر جنب، ويقال للمؤنث جنب، ويقال للجمع جنب.

стр. 72

أسبابها: وللجنابة سببان: الأول: نزول المني من الرجل أو المرأة بأي سبب من الأسباب: سواء كان نزوله بسبب احتلام، أو ملاعبة، أو فكر. عن أم سلمة ﵄ قالت: جاءت أم سليم إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة غسل إذا احتلمت؟ فقال رسول الله ﷺ : " نعم إذا رأت الماء " [رواه البخاري: ٢٧٨، ومسلم ٣١٣]. [احتلمت: رأت في نومها أنها تجامع]. وروى أبو داود (٢٣٦) وغيره عن عائشة ﵂ قالت سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاماً؟ فقال " يغتسل ". وعن الرجل يرى أن قد احتلم ولا يجد البلل؟ فقال: " لا غسل عليه ". فقالت أم سليم: المرأة ترى ذلك، أعليها غسل؟ قال " نعم " النساء شقائق الرجال ". أي نظائرهم في الخلق والطبع، فكأنهم شققن من الرجال. الثاني: الجماع ولو من غير نزول المني. روى البخاري (٢٧٨)، ومسلم (٣٤٨)، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: " إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها، فقد وجب عليه الغسل ". وفي رواية مسلم: " وإن لم ينزل ". [شعبها: جمع شعبة، وهي القطعة من الشيء، والمراد هنا فخذا المرأة وساقاها. جهدها: كدها بحركته].

стр. 73

وفي رواية عند مسلم (٣٤٩)، عن عائشة ﵂: " ومس الختان الختان فقد وجب الغسل " أي على الرجل والمرأة لا شتراكهما في السبب. والختان: موضع الختن، وهو عند الصبي: الجلدة التي تغطي رأس الذكر. والمراد بمماسة الختانين: تحاذيهما، وهو كناية عن الجماع. ما يحرم بها: ويحرم بالجنابة الأمور التالية: ١ـ الصلاة فرضاً، أو نفلاً، لقوله تعالى: (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا) [سورة النساء: الآية ٤٣]. فالمراد بالصلاة هنا مواضعها، لأن العبور لا يكون في الصلاة، وهو نهي للجنب عن الصلاة من باب أولى. وروى مسلم (٢٢٤) وغيره، عن ابن عمر ﵄ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا تقبل صلاة بغير طهور ". وهو يشمل طهارة المحدث والجنب، ويدل على حرمة الصلاة منهما. ٢ـ المكث في المسجد والجلوس فيه، أما المرور فقط من غير مكث ولا تردد فلا يحرم: قال تعالى: (ولا جنباً إلا عابري سبيل). أي لا تقربوا الصلاة موضع الصلاة ـ وهو المسجد ـ إذا كنتم جنباً إلا قرب مرور وعبور سبيل. وقال رسول الله ﷺ : " لا أجل المسجد لحائض، ولا لجنب ". [رواه أبو داود: ٢٣٢]، وهو محمول على المكث كما علمت من الآية، ولما سيأتي في الحيض.

стр. 74

٣ـ الطواف حول الكعبة فرضاً، أو نفلاً، لأن الطواف بمنزلة الصلاة، فيشترط له الطهارة كالصلاة، قال رسول الله ﷺ ك " الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله أحل لكم فيه الكلام، فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير " [رواه الحاكم: ١/ ٤٥٩، وقال: صحيح الإسناد]. ٤ـ قراءة القرآن: قال رسول الله ﷺ : " لا تقرا الحائض، ولا الجنب شيئا من القرآن ". [رواه الترمذي: ١٣١، وغيره]. ملاحظة: يجوز للجنب إمرار القرآن على قلبه من غير بلفظ به، كما يجوز له النظر في المصحف. ويجوز له قراءة أذكار القرآن بقصد الذكر، لا يقصد القراءة، وذلك كأن يقول: (ربنا أتنا في الدنيا حسنه وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) [سورة البقرة: الآية ٢٠١]. بقصد الدعاء. وكأن يقول إذا ركب دابة: (سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين) [الزخرف: ١٣]، بقصد الذكر لا بقصد القراءة. ٥ـ مس المصحف وحمله أو مس ورقه، أو جلده، أو حمله في كيس أو صندوق: قال تعالى: (لا يمسه إلا المطهرون) [الواقعة: ٧٩]. وقال ﷺ : " لا يمس القرآن إلا طاهر " [رواه الدارقطني: ١/ ١٢١، ومالك في الموطأ مرسلاً: ١/ ١٩٩]. ملاحظة: يجوز للجنب حمل المصحف إذا كان في أمتعة أو ثوب، ولم يقصد حمله بالذاب، بل كان حمله تبعاً لحمل الأمتعة من القرآن، لأن فاعل ذلك لا يسمى عرفاً حاملاً للقرآن.

стр. 75

(٢) الحيض معناه: حيض في اللغة: السيلان. يقال حاض الوادي إذا سال. وفي الشرع: دم جبلة ـ أي خلقة وطبيعة ـ تقتضيه الطباع السليمة يخرج من أقصى رحم المرأة بعد بلوغها على سبيل الصحة، في أوقات معلومة. دليله: ودليل أن الحيض يوجب الغسل: القرآن والسنة. أما القرآن: فقوله تعالى: (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فأعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله) [سورة البقرة: الآية ٢٢٢]. وأما السنة: فقوله ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش ﵄: " فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي " [رواه البخاري: ٢٢٦، ومسلم ٣٣٣]. سن البلوغ: يقصد بالبلوغ السن التي إذا بلغها الإنسان ـ ذكراً أو أنثى ـ أصبح أهلاً لتوجه الخطاب إليه بالتكليف الشرعية: من صلاة، وصوم، وحج، وغيرها. ويعرف البلوغ بأمور: الأول: الاحتلام بخروج المني، بالنسبة للذكر والأنثى.
следующие страницы →