[كفاة: أي من يكفونهم العمل من خدم وأجراء. تقل: رائحة كريهة].
٣ـ حصول النشاط:
فإذا الجسم يكتسب بالاغتسال حيوية نشاطاً، ويذهب عنه الفتور والخمول والكسل، ولا سيما إذا كان بعد أسبابه الموجبة، كالجماع، على ما سيأتي.
أقسام الغسل:
والغسل قسمان: غسل مفروض، وغسل مندوب.
أولاً ـ الغسل المفروض:
وهو الذي لا تصح العبادة المفتقرة إلى طهر بدونه، إذا وحدت أسبابه.
أسبابه: الجنابة والحيض والولادة والموت.
(١) الجنابة
معناها:
الجنابة: في الأصل معناها البعد، قال تعالى: (فبصرب به عن جنب) [سورة القصص: الآية ١١]. أي: عن بعد. وتطلق الجنابة على المني المتدفق كما تطلق على الجماع.
وعليه فالجنب هو: غير الطاهر، من إنزال أو جماع. وسمي بذلك لأنه بالجنابة بعد عن أداء الصلاة ما دام على هذه الحالة. والجنب لفظ يستوي فيه المذكر جنب، ويقال للمؤنث جنب، ويقال للجمع جنب.
стр. 72
أسبابها:
وللجنابة سببان:
الأول: نزول المني من الرجل أو المرأة بأي سبب من الأسباب: سواء كان نزوله بسبب احتلام، أو ملاعبة، أو فكر.
عن أم سلمة ﵄ قالت: جاءت أم سليم إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة غسل إذا احتلمت؟ فقال رسول الله ﷺ : " نعم إذا رأت الماء " [رواه البخاري: ٢٧٨، ومسلم ٣١٣].
[احتلمت: رأت في نومها أنها تجامع].
وروى أبو داود (٢٣٦) وغيره عن عائشة ﵂ قالت سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاماً؟ فقال " يغتسل ". وعن الرجل يرى أن قد احتلم ولا يجد البلل؟ فقال: " لا غسل عليه ". فقالت أم سليم: المرأة ترى ذلك، أعليها غسل؟ قال " نعم " النساء شقائق الرجال ". أي نظائرهم في الخلق والطبع، فكأنهم شققن من الرجال.
الثاني: الجماع ولو من غير نزول المني.
روى البخاري (٢٧٨)، ومسلم (٣٤٨)، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: " إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها، فقد وجب عليه الغسل ". وفي رواية مسلم: " وإن لم ينزل ".
[شعبها: جمع شعبة، وهي القطعة من الشيء، والمراد هنا فخذا المرأة وساقاها. جهدها: كدها بحركته].
стр. 73
وفي رواية عند مسلم (٣٤٩)، عن عائشة ﵂: " ومس الختان الختان فقد وجب الغسل " أي على الرجل والمرأة لا شتراكهما في السبب.
والختان: موضع الختن، وهو عند الصبي: الجلدة التي تغطي رأس الذكر. والمراد بمماسة الختانين: تحاذيهما، وهو كناية عن الجماع.
ما يحرم بها:
ويحرم بالجنابة الأمور التالية:
١ـ الصلاة فرضاً، أو نفلاً، لقوله تعالى: (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا) [سورة النساء: الآية ٤٣]. فالمراد بالصلاة هنا مواضعها، لأن العبور لا يكون في الصلاة، وهو نهي للجنب عن الصلاة من باب أولى.
وروى مسلم (٢٢٤) وغيره، عن ابن عمر ﵄ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا تقبل صلاة بغير طهور ". وهو يشمل طهارة المحدث والجنب، ويدل على حرمة الصلاة منهما.
٢ـ المكث في المسجد والجلوس فيه، أما المرور فقط من غير مكث ولا تردد فلا يحرم: قال تعالى: (ولا جنباً إلا عابري سبيل). أي لا تقربوا الصلاة موضع الصلاة ـ وهو المسجد ـ إذا كنتم جنباً إلا قرب مرور وعبور سبيل. وقال رسول الله ﷺ : " لا أجل المسجد لحائض، ولا لجنب ".
[رواه أبو داود: ٢٣٢]، وهو محمول على المكث كما علمت من الآية، ولما سيأتي في الحيض.
стр. 74
٣ـ الطواف حول الكعبة فرضاً، أو نفلاً، لأن الطواف بمنزلة الصلاة، فيشترط له الطهارة كالصلاة، قال رسول الله ﷺ ك " الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله أحل لكم فيه الكلام، فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير "
[رواه الحاكم: ١/ ٤٥٩، وقال: صحيح الإسناد].
٤ـ قراءة القرآن: قال رسول الله ﷺ : " لا تقرا الحائض، ولا الجنب شيئا من القرآن ". [رواه الترمذي: ١٣١، وغيره].
ملاحظة: يجوز للجنب إمرار القرآن على قلبه من غير بلفظ به، كما يجوز له النظر في المصحف. ويجوز له قراءة أذكار القرآن بقصد الذكر، لا يقصد القراءة، وذلك كأن يقول: (ربنا أتنا في الدنيا حسنه وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) [سورة البقرة: الآية ٢٠١]. بقصد الدعاء. وكأن يقول إذا ركب دابة: (سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين) [الزخرف: ١٣]، بقصد الذكر لا بقصد القراءة.
٥ـ مس المصحف وحمله أو مس ورقه، أو جلده، أو حمله في كيس أو صندوق: قال تعالى: (لا يمسه إلا المطهرون) [الواقعة: ٧٩].
وقال ﷺ : " لا يمس القرآن إلا طاهر " [رواه الدارقطني: ١/ ١٢١، ومالك في الموطأ مرسلاً: ١/ ١٩٩].
ملاحظة: يجوز للجنب حمل المصحف إذا كان في أمتعة أو ثوب، ولم يقصد حمله بالذاب، بل كان حمله تبعاً لحمل الأمتعة من القرآن، لأن فاعل ذلك لا يسمى عرفاً حاملاً للقرآن.
стр. 75
(٢) الحيض
معناه:
حيض في اللغة: السيلان. يقال حاض الوادي إذا سال.
وفي الشرع: دم جبلة ـ أي خلقة وطبيعة ـ تقتضيه الطباع السليمة يخرج من أقصى رحم المرأة بعد بلوغها على سبيل الصحة، في أوقات معلومة.
دليله:
ودليل أن الحيض يوجب الغسل: القرآن والسنة.
أما القرآن: فقوله تعالى: (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فأعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله) [سورة البقرة: الآية ٢٢٢].
وأما السنة: فقوله ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش ﵄: " فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي " [رواه البخاري: ٢٢٦، ومسلم ٣٣٣].
سن البلوغ:
يقصد بالبلوغ السن التي إذا بلغها الإنسان ـ ذكراً أو أنثى ـ أصبح أهلاً لتوجه الخطاب إليه بالتكليف الشرعية: من صلاة، وصوم، وحج، وغيرها.
ويعرف البلوغ بأمور:
الأول: الاحتلام بخروج المني، بالنسبة للذكر والأنثى.
стр. 76
الثاني: رؤية دم الحيض بالنسبة للأنثى. والوقت الذي يمكن أن يحصل فيه الاحتلام، أو الحيض، فيكون قد تحقق البلوغ، هو استكمال تسع سنين قمرية من العمر. ثم التأخر عن هذا الوقت أو عدم التأخر إنما يتبع طبيعة البلاد، وظروف الحياة.
الثالث: باستكمال الخامسة عشرة من العمر، بالسنين القمرية، إذا لم يحصل الاحتلام أو الحيض.
مدة الحيض:
وللحيض مدة دنيا، ومدى قصوى، ومدة غالبة:
فالمدة الدنيا ـ وهي أقل مدة الحيض ـ يوم وليلة.
والمدة القصوى ـ وهي أكثر مدة الحيض ـ خمسة عشر يوماً بلياليها.
والمدة الغالبة ـ ستة أيام أو سبعة.
وأقل طهر بين الحيضتين خمسة عشر يوماً، ولا حد لأكثر الطهر، فقد لا تحيض المرأة سنة أو سنتين أو سنين. وهذه التقادير مبناها الاستقراء، أي تتبع الحوادث ـ والوجود، وقد وجدت وقائع أثبتتها.
فإذا رأت المرأة دماً أقل من مدة الحيض ـ أي أقل من يوم وليلة ـ أو رأت الدم بعد مدة أكثر الحيض ـ أي أكثر من خمسة عشر يوماً بلياليها ـ، اعتبر هذا الدم دم استحاضة، لا دم حيض. وقد تميز دم الحيض عن دم الاستحاضة بلونه وشدته.
стр. 77
والاستحاضة:
دم علة ومرض يخرج من عرق من أدنى الرحم يقال له العاذل، وهذا الدم ينقض الوضوء، ولا يوجب الغسل، ولا يوجب ترك الصلاة ولا الصوم، فالمستحاضة تغسل الدم، وتربط على موضعه، وتتوضأ لكل فرض، وتصلي.
روى أبو داود (٢٦٨) وغيره عن فاطمة بنت أبي حبيش: أنها كانت تستحاض، فقال لها النبي ﷺ : " إذا كان دم الحيضة فإنه دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي، فإنما هو غرق".
[يعرف: يغرفه النساء عادة. عرق: أي ينزف. الآخر: الذي ليست صفته كذلك].
روى البخاري (٢٣٦) ومسلم (٣٣٣) عن عائشة ﵂ قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ وقالت: يا رسول الله، إني امرأة استحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ "لا، إنما ذلك عرق وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي".
ما يحرم بالحيض:
١ـ الصلاة: لأحاديث فاطمة بنت أبي حبيش ﵂ السابقة في الاستحاضة.
٢ـ قراءة القرآن ومس المصحف وحمله لما مر ايضأ فيما يحرم بالجنابة رقم (٤، ٥).
стр. 78
٣ - المكث في المسجد لا العبور فيه: لما مرَّ معك فيما يحرم بالجنابة رقم (٢). ومما يدل على أن مجرد العبور لا يحرم، بالإضافة لما سبق: ما رواه مسلم (٢٩٨) وغيره عن عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ : " نَاولِيني الْخُمْرَة مِنَ المَسْجدِ". فَقُلْتُ: إنَّي حَائِضٌ، فقال: " إنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ في يَدِكِ".
وعن النسائي (١/ ١٤٧) عن ميمونة ﵂ قالت: تَقُومُ إحْدانا بِالخُمْرَةِ إلى المَسْجدِ فَتَبْسُطُها وهِيَ حَائِضٌ.
[الخمرة: هي السجدة أو الحصير الذي يضعه المصلي ليصلي عليه أو يسجد].
٤ - الطواف: ودل على ذلك ما مَّر في الجنابة، رقم (٣).
وما رواه البخاري (٢٩٠)، ومسلم (١٢١١)، عن عائشة ﵂ قالت: خرجنا لا نُرى إلاَّ الحجَّ، فلمَّا كنَّا بسَرَفٍ حِضْتُ، فدخل علىَّ رسول الله ﷺ وأنا أبكي، قال: " مَا لَكِ أَنَفِسْتِ؟ " قُلْتُ: نعم، قال: " إنَّ هَذا أَمْرُ كَتَبَهُ اللهُ عَلى بَناتِ آدمَ، فاقضِي مَا يَقْضِي الحاجُّ، غير أن لا تطوفي بالبَيْتِ". وفي رواية " حتى تَطْهُري".
[لا نرى: لا نظن أنفسنا إلا محرمين بالحج. بسرف: مكان قرب مكة. أنفستِ: أحضتِ. فاقضي: افعلي ما يفعله الحاجُّ من المناسك].
ويحرم على الحائض زيادة على ذلك أمور أخرى وهي:
١ - عبور المسجد والمرور فيه إذا خافت تلويثه، لأن الدم نجس ويحرم تلويث المسجد بالنجاسة وغيرها من الأقذار، فإذا أمنت التلويث حلَّ لها المرور كما علمت.
стр. 79
٢ - الصوم: فلا يجوز للحائض أن تصوم فرضاً ولا نفلاً، ودليل ذلك ما رواه البخاري (٢٩٨)، ومسلم (٨٠)، عن أبي سعيد ﵁: أن رسول الله ﷺ قال في المرأة وقد سئل عن معنى نقصان دينها: " أَلَيْسَ إذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟ ".
وعلى ذلك الإجماع.
وتقضي الحائض ما فاتها من صوم الفرض بعد طهرها، ولا تقضي الصلاة، وإذا طهرت- أي انتهى حيضها - وجب عليها الصوم، ولو لم تغتسل.
روى البخاري (٣١٥)، ومسلم (٣٣٥) واللفظ له، عن معاذة قالت: سألت عائشة ﵂ فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: "كان يصيبنا ذلك مع رسول الله ﷺ ، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة". ولعل الحكمة في ذلك أن الصلاة تكثر فيشق قضاؤها بخلاف الصوم.
٣ - الوطء- أي الجماع - والاستمتاع والمباشرة بما بين السرة إلى الركبة: لقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾
[البقرة: ٢٢٢]. والمراد باعتزالهنَّ ترك الوطء.
وروى أبو داود (٢١٢) عن عبدالله بن سعد ﵁: أنه سأل النبي ﷺ : ما يحلُّ لي من امرأتي وهي حائضُ؟ قال: "لَكَ مَا فّوقَ الإِزَارِ". والإزار الثوب الذي يستر وسط الجسم وما دون، وهو ما بين السرة إلى الركبة غالباً.
стр. 80
(٣) الولادة
الولادة، وهي وضع الحمل:
قد تكون الولادة ولا يعقب خروج الولد دم، فحكمها حينئذ حكم الجنابة، لأن الولد منعقد من ماء المرأة وماء الرجل. ولا يختلف الحكم مهما اختلف الحمل الموضوع، أو طريقة وضعه. وإذا أعقب خروج الولد دم - وهو الغالب - سمى نفاساً، به أحكام إليك بيانها.
النَّفاس
معناه:
النفاس لغة: الولادة. وشرعاً: الدم الخارج عقب الولادة. وسمي نفاساً، لأنه يخرج عقب خروج النفس، ويقال للمرأة نُفَساء.
والدم الذي يخرج أثناء الطلق، أو مع خروج الولد، لا يعتبر دم نفاس، لتقدمه على خروج الولد، بل يعتبر دم فساد، وعلى ذلك تجب الصلاة أثناء الطلق ولو رأت الدم، وإذا لم تتمكن من الصلاة، وجب قضاؤها.
مدته:
وأقل مدة النفاس لحظة، وقد يمتد أياماً، وغالبه أربعون يوماً وأكثره ستون، فما زاد عليا فهو استحاضة والأصل في هذا الاستقراء، كما علمت في مدة الحيض.
ما يحرم بالنفاس:
أجمع العلماء على أن النفاس كالحيض في جميع أحكامه.
стр. 81
رؤية الدم حال الحمل:
إذا رأت الحامل دماً، وبلغت مدته أقل مدة الحيض - وهي يوم وليلة - ولم يتجاوز أكثر مدة الحيض - وهي خمسة عشر يوماً بلياليها- اعتبر هذا الدم حيضاً على الأظهر، فتدع الصلاة والصوم وكل ما يحرم على الحائض. أما إذا كان الدم الذي رأته أقل من مدة الحيض، أو أكثر من مدة أكثره، اعتبر الأقل والزائد دم استحاضة، وأخذ حكمه من حيث الصلاة وغيرها.
وقيل: الدم الذي تراه المرأة الحامل يعتبر دم استحاضة مطلقاً كيف كان، وليس دم حيض، لأن الحمل يسد مخرج الحيض، وهذا الغالب الأكثر، وحيض المرأة أثناء الحمل إن لم يكن ممتنعاً فهو نادر جداً.
مدة الحمل:
أقلُّها: وأقل مدة الحمل ستة أشهر أخذاً من الآيتين الكريمتين: قوله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ في عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]. أي فطامه عن الرضاع.
فإذا كانت مدة مجموع الحمل والرضاع ثلاثين شهراً، وكانت مدة الرضاع وحده عامين، كانت مدة الحمل ستة أشهر، وهي أقل مدته، فإذا جاءت المرأة بولد بعد الزواج بأقل من ستة أشهر وهو حي، لا يثبت نسبه لأبيه.
غالبها: وغالب مدة الحمل تسعة أشهر، أخذاً من واقع الحال فإن
стр. 82
عامة النساء يلدن بعد بدء الحمل بتسعة أشهر، أو يزيد على ذلك أياماً قليلة، أو ينقص.
أكثرها: وأكثر مدة الحمل عند الشافعي ﵀ أربع سنين، وهي مدة أن لم تكن ممتنعة فيهي نادرة للغاية، ولكنها تقع، وقد وقعت بالفعل، وعلى وقوعها بني الشافعي رحمه الله تعالى قوله.
(٤) الموت
إذا مات المسلم وجب على المسلمين تغسيله، وهو واجب كفائي، إذا قام به البعض من أقربائه أو غيرهم سقط الطلب عن الآخرين، وإذا لم يقم به أحد أثِمَ الجميع. وتجب نية الغسل على الغاسل. هذا في غير الشهيد، أما الشهيد فإنه لا يغسَّل، وسيأتي تفصيل أحكام الميت في بحر الجنائز.
ودليل وجوب غسل الميت ما رواه ابن عابس ﵄: أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال في المُحْرِمِ الَّذي وَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ: " اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ "
[رواه البخاري: ١٢٠٨، ومسلم: ١٢٠٦].
[وقصته: رمته وداست عنقه].
ثانياً - الغسل المندوب:
وبعبارة أخرى: الأغسال المسنونة، وهي التي تصح الصلاة بدونها، ولكن الشرع ندب إليها لاعتبارات كثيرة، وإليك بيانها:
١ - غسل الجمعة:
مشروعيته:
يُسنّ الغسل يوم الجمعة لمن يريد حضور الصلاة، وإن لم تجب
стр. 83
عليه الجمعة: كمسافرٍ أو امرأةٍ، أو صغير، وقيل: يسن الغسل لكل أحد، حضر الجمعة أم لا - انظر مشروعية الغسل ص٧٢ - ودليل ذلك، قوله ﷺ : "إذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْتي الجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ" (رواه البخاري: ٨٣٧، ومسلم: ٨٤٤، واللفظ له). والأمر هنا للندب، بدليل قوله ﷺ : "مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الجُمُعَةَ فَبِها ونِعْمَتْ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ". (رواه الترمذي: ٤٩٧).
وقته:
ووقت الغسل يوم الجمعة يدخل بأذان الفجر الصادق، وتقريبه من ذهابه إلى الجمعة أفضل، لأنه أبلغ في حصول المقصود من الغسل وهو تطيب رائحة جسمه، وإزالة العرق والرائحة الكريهة، لأن الإسلام إنما سنَّ غسل الجمعة من أجل اجتماع الناس، لئلا يتأذى بعضهم لرائحة كريهة، لذلك نهى النبي ﷺ عن أكل الثوم والبصل، لمن يريد حضور الصلوات في المساجد.
٢ - غسل العيدين:
مشروعيته:
ويسن الغسل يوم عيد الفطر، ويم عيد الأضحى، لمن أراد أن يحضر الصلاة ولمن لم يحضر، لأن يوم العيد يوم زينة، فسنَّ الغسل له.
ودليله: ما رواه مالك في الموطأ (١/ ١٧٧) أن عبدالله بن عمر ﵄ كانَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الفِطْرِ، قَبْلَ أَنْ يَغْدُو إلى المُصَلَّى.
وقيس بيوم الفطر يوم الأضحى.
ويَعْضُد عمل الصحابي هذا: قياس غسل العيدين على غسل الجمعة، لأن المعنى فيهما واحد، وهو التنظف لاجتماع الناس.
стр. 84
وروى ابن ماجه (١٣١٥) بسند فيه ضعف، عن ابن عباس ﵁ عنهما قال: كان رسول الله ﷺ يغتسل يوم الفطر، ويوم الأضحى ويقوي الحديث ما سبق من عمل الصحابي والقياس.
وقته:
ووقت غسل العيدين يبدأ ينصف الليل من ليلة العيد.
٣ـ غسل الكسوفين: كسوف الشمس، وخسوف القمر:
مشروعيته:
ويسن الغسل لصلاة كسوف الشمس، وخسوف القمر.
ودليل ذلك القياس على الجمعة لأنها في معناها من حيث مشروعية الجماعة فيها، واجتمع الناس لها.
وقته:
ويدخل وقت الغسل للكسوفين ببدء الكسوفين، وينتهي بانجلائهما.
٤ـ غسل الاستسقاء:
أي لصلاة الاستسقاء يسن الغسل قبل الخروج لصلاة الاستسقاء، قياساً على غسل الكسوفين.
٥ـ الغسل من غسل الميت:
ويسن لمن غسل ميتاً أن يغتسل.
ودليل ذلك قوله ﷺ : "من غسل ميتاً فليغتسل". [رواه أحمد وأصحاب السنن وحسنه الترمذي (٩٩٣)]. وصرفه عن الوجوب
стр. 85
قوله ﷺ : " وليس عليكم في غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه" [رواه الحاكم: ١/ ٣٨٦].
٦ـ الأغسال المتعلقة بالحج:
(أ) الغسل للإحرام بالحج أو العمرة:
ودليله ما رواه الترمذي (٨٣٠) عن زيد بن ثابت الأنصاري ﵁: أنه رأى النبي ﷺ "تجرد لإهلاله واغتسل".
[تجرد لإهلاله: أي نزع ثياب للإحرام، والإهلال: رفع الصوت بالتلبية عند الإحرام، ويطلق على الإحرام نفسه].
(ب) الغسل لدخول مكة: ودليله: أن ابن عمر ﵁ كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى حتى يصبح ويغتسل، ثم يدخل مكة نهاراً، وكان يذكر عن النبي ﷺ أنه فعله. (رواه البخاري: ١٤٧٨، ومسلم: ١٢٥٩، واللفظ له).
(ج) الغسل للوقوف بعرفة بعد الزوال:
والأفضل أن يكون بنمرة قرب عرفات.
ودليله: أن علياً ﵁ كان يغتسل يوم العيدين ويوم الجمعة، ويوم عرفة، وإذا أراد أن يحرم (١)
وروى مالك في الموطأ (١/ ٣٢٢) عن نافع: أن عبدالله بن عمر ﵁ كان يغتسل لإحرامه قبل أن يحرم، ولدخوله مكة، ولوقوفه عشية عرفة.
стр. 86
(د) الغسل لرمي الجمار في كل يوم من أيام التشريق الثلاثة بعد الزوال:
لآثار وردت في ذلك كله، ولأنها مواضع اجتماع الناس فأشبه الغسل لها غسل الجمعة.
والجمار: هي الواضع الني يرمى فيها الحصى بمنى، وتطلق أيضاً على الحصيات التي يرمى بهن.
(هـ) الغسل لدخول المدينة المنورة:
إن تيسر له ذلك، قياساً على استحبابه لدخول مكة، لأن كلاً منهما ببلد محرم، فإن لم يستطع اغتسل قبل دخول مكة، لأن كلاً منهما بلد محرم، فإن لم يستطع اغتسل قبل دخوله مسجد النبي ﷺ .
كيفيته:
للغسل كيفية واجبة، وكيفية مسنونة:
الكيفية الواجبة:
هي عبارة عن أمرين، يعبر عنهما في الفقه بفرائض الغسل:
الأول: النية عند البدء يغسل الجسم، لحديث: "إنما الإعمال بالنيات".
وكيفيتها: أن يقول بقلبه ـ وإذا تلفظ بلسانه كان أفضل ـ: نويت فرض الغسل أو نويت رفع الجنابة، أو استباحة الصلاة، أو استباحة مفتقر إلى غسل.
الثاني: غسل جميع ظاهر الجسم بالماء، بشرة وشعراً، مع إيصال الماء إلى باطن الشعر وأصوله.
روى البخاري (٢٥٣)، عن جابر ﵁، وقد سئل عن
стр. 87
الغسل، فقال: كان النبي ﷺ يأخذ ثلاثة أكف ويفضها على رأسه، ثم يفيض على سائر جسده.
[أكف: أي عرفات بكفيه، كما ورد في رواية عند مسلم (٣٢٩): "ثلاث حفنات". [والحفنة: ملء الكفين. يفيضها: يصبها. سائر: باقي].
وعند مسلم (٣٣٠) وغيره، عن على ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من ترك موضع شعره من جنابة لم يصيبها الماء فعل الله به كذا وكذا من النار". قال علي: فمن ثم عاديت شعري. وكان يجز شعره ﵁ أي يحلقه.
الكيفية المسنونة:
ويعبر عنها في الفقه بسنن الغسل، وهي:
١ـ يغسل يده خارج إناء الماء ثم يغسل بيساره فرجه على بدنه من قذر، ثم يدلكها بمنظف.
روى البخاري (٢٥٤)، ومسلم (٣١٧)، عن ابن عباس ﵁ قال: قالت ميمونة: وضعت للنبي ﷺ ماء للغسل فغسل يديه مرتين أو ثلاثاً ثم أفرغ على شماله، فغسل مذاكيره، ثم مسح يديه بالأرض.
стр. 88
٢ـ يتوضأ وضوءاً كاملاً، وأن أخر رجليه حتى نهاية الغسل فلا بأس.
٣ـ يخلل شعر رأسه بماء، ثم يغسل رأسه ثلاثاً.
٤ـ يغسل شقه الأيمن ثم الأيسر.
دل على هذه السنن ما رواه البخاري (٢٤٥)، ومسلم (٣١٦)، عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان إذا أغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه. وفي رواية عند مسلم: ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه. وعند البخاري (٢٤٦) عن ميمونة ﵂: وغسل فرجه وما أصابه من الأذى، ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها أصول شعره، ثم يصب على رأسه ثلاث غرف بيده ثم يفيض الماء على جلده كله.
ودل على استحباب البدء بالشق الأيمن ما رواه البخاري (١٦٦)، ومسلم (٢٦٨)، عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله. [ترجله: تسريح شعر رأسه. طهوره: وضوئه وغسله].
٥ـ يدلك جسمه ويولي ـ أي بتتابع ـ بين غسل الأعضاء، خروجاً من خلاف من أوجب ذلك وهم الملكية.
٦ـ يتعهد معاطفه بالغسل، وذلك بان يأخذ الماء فيغسل كل موضع من جسمه فيه انعطاف أو التواء، كالأذنين وطيات البطن وداخل السرة والإبط، وإن غلب على ظنه أن الماء لا يصل غليهما إلا بذلك كان واجباً.
٧ـ تثليث أعمال الغسل قياساً على الوضوء.
стр. 89
مكروهات الغسل:
١ـ الإسراف في الماء لما مر معك في مكروها الوضوء، ولأنه خلاف فعله ﷺ .
روى البخاري (١٩٨)، ومسلم (٣٢٥)، عن أنس ﵁ قال: كان النبي ﷺ يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، ويتوضأ بالمد.
وروى البخاري (٣٤٩)، ومسلم (٣٢٧)، عن جابر ﵁ وقد سئل عن الغسل فقال: يكفيك صاعاً، فقال رجل: ما يكفيني؟ فقال جابر كان نكفي من هو أوفي منك شعراً وخير منك.
[أوفي: أكثر، ويعني النبي ﷺ . والصاع: أربعة أمداد، والمد: يساوي مكعباً طول حرفه ٢، ٩سم].
٢ـ الاغتسال في الماء الراكد: لما رواه مسلم (٢٨٣)، وغيره، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب". فقالوا: يا أبا هريرة. كيف يفعل؟ قال: يتناوله تناولاً. أي يأخذه بيده، أو بإناء صغير. وينوي الاغتراف إن كان الماء قليلاً، حتى لا يصير مستعملاً بمباشرته بجزء من بدنه. أو يأخذ قليلاً من الماء من الوعاء قبل أن ينوي رفع الجنابة، ثم ينوي ويغسل به يده، ثم يتناول بها الماء.
والحكمة من هذا النهي: أن النفس تتقزز من الانتفاع بالماء المغتسل فيه بأي وجه، إلى جانب إضاعة الماء، بخروجه عن صلاحيته للتطهير، إن كان أقل من قلتين، لأنه يصبح مستعملاً بمجرد الاغتسال فيه، والناس في الغالب يحتاجون إلى الانتفاع بالماء الراكد، فلذلك نهي عن الاغتسال فيه.
***
стр. 90
التيَمّم
يسر الإسلام:
علمنا أن الوضوء شرط لصحة الصلاة، والطواف، ومس المصحف وحمله، والوضوء إنما يكون بالماء، إلا أن الإنسان قد يتعذر عليه استعمال الماء: إما لفقده، أو بعده، أو لمرض يمنع من استعماله، فمن يسر الإسلام وسماحته أنه شرع التيمم بالتراب الطاهر عوضاً عن الوضوء أو الغسل، حتى لا يحرم المسلم من بركة العبادة.
معنى التيمم:
والتيمم في اللغة: القصد، يقال: تيممت فلاناً أي قصدته.
والتيمم في الشرع: إيصال تراب طهور للوجه واليدين بنية، وعلى وجه مخصوص.
دليل مشروعيته الكتاب والسنة:
أما الكتاب فقوله تعالى: (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه). (سورة المائدة: ٦).
وأما السنة فقوله ﷺ : " وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً، وجعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء " [رواه مسلم: ٥٢٢].
стр. 91
أسباب التيمم
١ـ فقد الماء حساً: كأن كان في سفر ولم يجد ماء، أو فقده شرعاً: وذلك كأن كان معه ماء ولكنه يحتاج إليه لشربه، قال تعالى: (فلم تجدوا ماء فتيمموا). والمحتاج إليه لشربه ونحوه في حكم المفقود بالنسبة للطهارة.
٢ - بعد الماء عنه: فإذا كان بمكان لا ماء فيه، وبينه وبين الماء مسافة فوق نصف فرسخ - أي ما يساوي أكثر من كيلوين متر ونصف الكيلو متر (٢. ٥كم) - فإنه يتيمم ولا يجب عليه أن يسعى إلى الماء للمشقة.
٣ - تعذر استعمال الماء: إما حساً، وذلك كأن الماء قريباً منه لكنه كان بقربه عدو يخاف منه.
وإما شرعاً: وذلك كأن يُخاف من استعمال الماء حدوث مرض، أو زيادته، أو تأخر الشفاء. ففي هذه الحالات يتيمم ولا يجب عليه استعمال الماء لقوله ﷺ في الذي شجَّ رأسه ثم اغتسل فمات: "إنّما كانَ يَكْفِيهِ أّن يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِبَ على جُرْحه خرقة ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْها وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ".
[انظر دليل مشروعية المسح على الجبيرة].
٤ - البرد الشديد: الذي يخاف معه استعمال الماء، ولم يقدر على تسخينه، لأن عمرو بن العاص ﵁ تيمم عن جنابة لخوف الهلاك من البرد، وأقره النبي ﷺ . [رواه أبو داود، وصححه الحاكم وابن حبان]. لكنه يقضي الصلاة في هذه الحالة عند وجود الماء.
стр. 92
شرائط التيمم:
١ - العلم بدخول الوقت.
٢ - طلب الماء بعد دخول الوقت.
٣ - التراب الطهور الذي لا غبار ولا دقيق ولا جِصّ فيه.
٤ - أن يزيل النجاسة أولاً.
٥ - وأن يجتهد في القبلة قبله.
أركانه:
و أركان التيمم أربعة وهي:
١ - النية: ومحلها القلب كما علمت، فيقصد في قلبه فعل التيمم، ويسن أن يتلفظ بلسانه فيقول: نويت استباحة الصلاة، أو فرض الصلاة، أو نفلها، ونحو ذلك مما يقصد فعله، فإذا نوى استباحة الفرض جاز له فعل النوافل معه.
٢ - مسح وجهه ويديه إلى المرافقين بضربتين وذلك بأن يضرب بكفيه على التراب الطاهر الذي له غبار ويمسح بهما جميع وجهه.
ويضرب بيديه ثانية على التراب، ويمسح بهما يديه إلى المرفقين ويمسح بيده اليسرى يده اليمنى، وبيده اليمنى يده اليسرى.
روى الدارقطني (١/ ٢٥٦) عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "التيمُّم ضَرْبَتانِ: ضربةٌ للوجه وضربةٌ لليدين إلى المرفقين".
ويستوعب العضو بالمسح، فإذا كان في يده خاتم وجب نزعه في الضربة الثانية، حتى يصل التراب إلى موضعه.
стр. 93
٣ - الترتيب على هذا الشكل الذي ذكرنا: لأن التيمم بدل عن الوضوء، والترتيب ركن في الوضوء كما علمت، فهو ركن في بدله من بابٍ أولى.
سنن التيمم:
١ - يسن فيه ما يسن في الوضوء، من التسمية أوله، وأن يبدأ بأعلى الوجه، ويقدم اليد اليمنى بالمسح على اليسرى، كما علمت، وأن يمسح جزءاً من الرأس وجزءاً من العضد، وأن يوالي بين مسح الوجه واليدين، وأن يتشهد بعده ويدعو بالدعاء المأثور بعد الوضوء.
روى أبو داود (٣١٨) عن عمار بن ياسر ﵄: أنهم تمسحوا وهم مع رسول الله ﷺ بالصعيد لصلاة الفجر، فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى، فمسحوا بأيديهم كلها إلى المناكب والآباط من بطون أكفهم.
[المناكب: جمع منكب، وهو مجتمع العضد مع الكتف،
والآباط: جمع إبط، وهو ما تحت المنكب].
٢ - تفريق الأصابع عند الضرب على التراب، إثارة للغبار، واستيعاب الوجه بضربة واحدة، وكذلك اليدين.
٣ - تخفيف التراب، بنفض الكفين أو النفع فيهما، لما رواه البخاري من حديث عمار بن ياسر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال له: " إنَّما يَكْفيكَ أَنْ تصْنَعَ هَكَذَا" فضرب بكفيه ضربة على الأرض ثم نفضهما - وفي رواية أخرى: ونفخ فيهما - ثم مسح بهما.
стр. 94
التيمم بعد دخول الوقت:
من توفرت فيه أسباب التيمم ليس له أن يتيمم لصلاة الفريضة إلا بعد دخول وقتها، لقوله ﷺ : " فَأَيُّما رَجُلٍ مِنْ أُمتي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ فَلْيُصلِّ" [رواه البخاري: ٣٢٨] وعند أحمد (٢/ ٢٢٢): "أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت" أي تيممت وصليت. فقد دلت الروايتان على أن التيمم يكون عند إدراك الصلاة، ولا يكون إدراك الصلاة إلا بعد دخول وقتها.
التيمم لكل فريضة:
ولا يصلي بالتيمم إلا فرضاً واحداً، ويصلي ما شاء من السنن وكذلك صلاة الجنازة، فإذا أراد أن يصلي فرضاً آخر تيمم، وإن لم يحدث بعدد تيممه الأول، وسواء كانت الصلاة أداءً أم قضاءً.
روى البيهقي (١/ ٢٢١) بإسناد صحيح، عن ابن عمر ﵄ قال: " يتيمم لكل صلاة وإن لم يحدث ".
التيمم بدل الغسل فريضة:
يكون التيمم - عند توفر أسبابه - بدل الغسل لمن كان في حاجة إليه، كما يكون بدل الوضوء.
قال تعالى: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا وأن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءً فتيمموا﴾ [المائدة: ٦]
[الغائط: مكان قضاء الحاجة. لامستم: لمستم].
وروى البخاري (٣٤١)، ومسلم (٦٨٢)، عن عمران بن حصين ﵄ قال: كنَّا مع رسول الله ﷺ في سفر، فصلى بالناس،
стр. 95
فإذا هو برجل معتزل، فقال: "ما منعك أن تصلي"؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: "عليك بالصعيد فإنه يكفيك" والصعيد: ما صعد على وجه الأرض من التراب.
مبطلاته:
يبطل التيمم وينقضه أمور:
١ - كل ما يبطل الوضوء من النواقض التي ذكرت في الوضوء.
٢ - وجود الماء بعد فقده: لأن التيمم بدل الماء، فإذا وجد الأصل بطل البدل.
روى أبو داود (٣٣٢) وغيره، عن أبي ذر ﵁: أن رسول ﷺ قال: " إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير".
[فليمسه بشرته: فليتطهر به، وهذا يدل على بطلان تيممه بوجود الماء].
ولوجود الماء بعد انقضاء الصلاة فقد صحُت صلاته، وليس عليه قضاؤها.
وكذلك لو وجده بعد شروعه في الصلاة فإنه يتمها وهي صحيحة، ولو قطعها ليتوضأ ويصلي بالوضوء كان أفضل.
٣ - القدرة على استعمال الماء: كمن كان مريضاً فبريء.
٤ - الردة عن الإسلام والعياذ بالله تعالى: لأن التيمم للاستباحة وهي منتفية مع الردة، بخلاف الوضوء والغسل فإنهما رفع للحدث.
****
стр. 96
الصَّلاَة
معنى الصلاة:
تطلق كلمة الصلاة في اللغة العربية على الدعاء بخير. قال الله تعالى: ﴿وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم﴾ [التوبة: ١٠٣] أي ادع الله لهم بالمغفرة.
أما في اصطلاح الفقهاء: فتطلق كلمة الصلاة على أقوال وأفعال مخصوصة، تفتتح بالتكبير وتختتم بالتسليم. سميت صلاة لأنها تشتمل على الدعاء ولأنه الجزء الغالب فيها، إطلاقاً لاسم الجزء على الكل.
حكمتها:
للصلاة حِكمٌ وأسرار كثيرة تلخصها فيما يلي:
أولاً: أن ينتبه الإنسان إلى هويته الحقيقة، وعي أنه عبدٌ مملوك لله ، ثم أن يظل متذكراً لها، بحيث كلما أنسته مشاغل الدنيا وعلاقاته بالآخرين هذه الحقيقة جاءت الصلاة فذكرته من جديد بأنه عبد مملوك لله .
ثانياً: أن يستقر في نفس الإنسان أنه لا يوجد معين ومنعم حقيقي إلا الله وإن كان يرى في الدنيا وسائط وأسباباً كثيرة يبدو - في الظاهر- أنها هي التي تعين وتنعم، ولكن الحقيقة أن الله سخرها جميعاً
стр. 97
للإنسان. فكلما غفل الإنسان واسترسل مع الوسائط الدنيوية الظاهرة، جاءت الصلاة تذكرة بأن المسبب هو الله وحده المعين والمنعم، والضار والنافع، والمحيي والمميت.
ثالثاً: أن يتخذ الإنسان منها ساعة توبة يتوب فيها عما يكون قد اقترفه من الآثام، إذ الإنسان معرَّض، في ساعات يومه وليله، لكثير من المعاصي التي قد يشعر بها وقد لا يشعر، فتكون صلاته المتكررة بين الحين والآخر تطهيراً له من تلك المعاصي والأوزار. وقد أوضح رسول الله ﷺ ذلك في الحديث الذي رواه مسلم (٦٦٨)، عن جابر بن عبدالله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار غَمْر على باب أحدكم، يغتسل منه كل يوم خمس مرات" قال: قال الحسن: وما يبقى ذلك من الدرن؟.
[غمر: كثير المياه. الدرن: الوسخ، والمراد هنا الدرن المعنوي وهو الذنوب، ويدل على ذلك رواية أبي هريرة ﵁ عند مسلم أيضاً (٦٦٧): "فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا"]
رابعاً: أن تكون غذاءً مستمراً لعقيدة الإيمان بالله تعالى في قلبه.
فإن ملهيات الدنيا ووساوس الشيطان من شأنها أن تنسى الإنسان هذه العقيدة وإن كانت مغروسة في قلبه، فإذا استمر في نسيانه بسبب انصرافه إلى ضجيج الأهواء والشهوات والأصدقاء تحوَّل النسيان إلى جحود وإنكار، كالشجرة التي قطع عنها الماء تذبل حيناً من الزمن ثم يتحول الذبول إلى موت وتتحول الشجرة إلى حطب يابس. ولكن المسلم إذا ما ثابر على الصلاة، كانت غذاءً لإيمانه، ولم تعد الدنيا وملهياتها قادرة على إضعاف الإيمان في قلبه أو أمانته.
стр. 98
تاريخ مشروعيتها:
الصلاة من العبادات القديمة في مشروعيتها، فقد قال تعالى عن سيدنا إسماعيل ﵇: ﴿وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضياً﴾ [مريم: ٥٥]، فقد عرفتها الحنيفية التي بعث بها إبراهيم، وعرفها أتباع موسى ﵇، وقال تعالى على لسان عيسى ﵇: ﴿وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً﴾ [مريم: ٣١]
وعندما بعث نبينا محمد ﷺ كان يصلي ركعتين كل صباح ويصلي ركعتين كل مساء، قيل: وهما المقصودتان بقول الله تعالى خطاباً لنبيه ﷺ : ﴿وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار﴾ [المؤمن: ٥٥]
الصلوات المكتوبة:
وهي الصلوات المفروضة على كل مسلم مكلف وهي: الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء. شرعت هذه الصلوات ليلة أسريَ برسول الله ﷺ إلى بيت المقدس ثم عرج به إلى السماوات، فقد فرض الله على نبيه ﷺ وسائر المسلمين خمسين صلاة في اليوم والليلة، ثم خففها الله إلى خمس صلوات، فهي خمسٌ في الأداء والفعل وخمسون في الأجر.
جاء في حديث الإسراء والمعراج الذي رواه البخاري (٣٤٢)، ومسلم (١٦٣)، أن رسول الله ﷺ قال: "فرج عن سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل .. ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء ... ففرض الله
стр. 99
على أمتي خمسين صلاة ... فراجعته فقال: هي خمس وهي خمسون لا يبدل القول لدي".
والصحيح أن حادثة الإسراء كانت قبل هجرة النبي ﵊ إلى المدينة بثمانية عشر شهراً، وإذا فإن الصلوات الخمس المكتوبة نسخت الركعتين اللتين كانتا في الصباح والمساء.
دليل مشروعيتها:
ثبتت مشروعية الصلاة بآيات كثيرة من كتاب الله، وبأحاديث كثيرة من سنة رسول الله ﷺ .
فمن القرآن: قوله تعالى: ﴿فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون*وله الحمد في السموات والأرض وعشياً وحين تظهرون﴾ [الروم: ١٧و١٨]. قال ابن عباس ﵄: أراد بقوله: ﴿حين تمسون﴾: صلاة المغرب والعشاء، ﴿وحين تصبحون﴾: صلاة الصبح، ﴿وعشياً﴾: صلاة العصر، ﴿وحين تظهرون﴾ صلاة الظهر.
وقوله تعالى: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً﴾ [النساء: ١٠٣]. أي محتمة وموقتة بأوقات مخصوصة.
ومن السنة: حديث الإسراء السابق: وما رواه البخاري (١٣٣١)، ومسلم (١٩)، عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ بعث معاذاً ﵁ إلى اليمن فقال: "ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني محمداً رسول الله، فإن هم
стр. 100
أطاعوا لذلك فأعلمهم أن لله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة .. "
وقوله ﷺ للأعرابي الذي سأله عما يجب عليه من الصلاة: "خمس صلوات في اليوم والليلة" قال الأعرابي: هل علي غيرها؟ قال "لا إلا أن تطوع"" (رواه البخاري: ٤٦، ومسلم: ١١).
مكانتها في الدين:
الصلاة أفضل العبادات البدنية على الإطلاق، فقد جاء رجل يسأل النبي ﷺ عن أفضل الأعمال فقال له: "الصلاة" قال: ثم مه؟ قال: "ثم الصلاة" قال: ثم مه؟ قال: "الصلاة" قال: ثلاث مرات. (رواه ابن حبان: ٢٥٨).
وقد ثبت في الصحيحين أن الصلاتين يؤديهما المسلم أداء سليماً تكونان كفارة لما بينهما من الذنوب، فعند البخاري (٥٠٥)، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الصلوات الخمس يمحو الله بها الخطايا".
وعند مسلم (٢٣١)، عن عثمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من أتم الوضوء كما أمره الله تعالى فالصلوات المكتوبات كفارات لما بينهن".
كما أن التهاون في الصلاة تأخيراً أو تركاً، من شأنه أن يؤدي بصاحبه ـ إن هو استمر على ذلك ـ إلى الكفر. إذا الصلاة هي الغذاء الأول للإيمان كما قد علمت.
دوى الإمام أحمد (٦/ ٤٢١)، عن أم أيمن ﵂ أن
стр. 101
رسول الله ﷺ قال: "لا تتركي الصلاة متعمداً، فإنه من ترك الصلاة متعمداً فقد برئت منه ذمه الله ورسوله". وروي مثله عن معاذ ﵁ (٥/ ٢٣٨)
حكم تارك الصلاة:
تارك الصلاة إما أن يكون قد تركها كسلاً وتهاوناً، أو تركها جحوداً لها، أو استخفاً بها:
فأما من تركها جاحداً لوجوبها، أو مستهزئاً بها، فإنه يكفر بذلك ويرتد عن الإسلام، فيجب على الحاكم أن يأمره بالتوبة، فإن تاب وأقام الصلاة فذاك، وإلا قبل على أنه مرتد، ولا يجوز غسله ولا تكفينه ولا الصلاة عليه، كما لا يجوز دفنه في مقابر المسلمين، لأنه ليس منهم.
وأما إن تركها كسلاً، وهو يعتقد وجوبها، فإنه يكلف من قبل الحاكم بقضائها والتوبة عن معصية الترك. فإن لم ينهض إلى قضائها وجب قتله حداً، أي يعتبر قتله حداً من الحدود المشروعة لعصاة المسلمين، وعقوبة على تركه فريضة يقاتل عليها. ولكنه يعتبر مسلماً بعد قبله ويعامل في تجهيزه ودفنه وميراثه معاملة المسلمين لأنه منهم.
روى البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢)، عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله".
دليل الحديث على أن من أقر بالشهادتين بقاتل إن لم يقم الصلاة،
стр. 102
ولكنه لا يكفر، بدليل ما رواه أبو داود (١٤٢٠) وغيره، عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: سمعت ﷺ يقول: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد، فمن جاء بهن، لم يضع منهن، شئ استخفافاً بحقهن، كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأتي بهن فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء أدخله الجنة".
فقد دل على أن تارك الصلاة لا يكفر، لأنه لو كفر لم يدخل في قوله: "وإن شاء أدخله الجنة"، إذ الكافر لا يدخل الجنة قطعاً، فحمل على من تركها كسلاً، جمعاً بين الأدلة.
روى مسلم (٨٢) وغيره، عن جابر ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة". وهو محمول على الترك جحوداً وإنكاراً لفريضتها، أو استهزاء بها واستخفافاً بشأنها.
أوقات الصلوات المفروضة:
الصلوات الخمس، كل منها لها وقت معين، ذو بداية لا تصح إذا قدمت عليها، وذو نهاية لا يجوز تخيرها عنها.
قال لله تعالى: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا ًموقوتاً﴾ [النساء: ١٠٣].
أي كانت فريضة محددة بأوقات مخصوصة. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن جبريل ﵇ جاء إلى النبي ﷺ بعد أن فرضت الصلوات الخمس، يعرفه أوقاتها، ويضبط له وقت كل منها ابتداءً وانتهاءً.
[أنظر سنن أبي داود كتاب الصلاة، باب ما جاء في المواقيت رقم (٣٩٣)، والترمذي أول كتاب الصلاة رقم (١٤٩)].
стр. 103
كما بين رسول الله ﷺ ذلك للمسلمين بالقول والفعل.
والحديث الذي يجمع مواقيت الصلوات الخمس ما رواه (مسلم: ٦١٤) وغيره، عن أبي موسى الأِشعري ﵁، عن الني ﷺ : إنه أتاه سائل يسأله عن مواقيت الصلاة فلم يرد عليه شيئاً. وفي رواية أخرى قال: "اشهد معنى الصلاة. قال: فأقام الفجر حين أنشق الفجر، والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضاً، ثم أمره فأقام بالظهر حين زالت الشمس، والقائل يقول: قد انتصف النهار وهو كان أعلم منه، ثم أمره فأقام بالعصر والشمس مرتفعة ثم أمره فأقام بالمغرب حين وقعت الشمس، ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق.
ثم أخّر الفجر من الغد، حتى انصرف منها والقائل يقول: قد طلعت الشمس أو كادت، ثم أخر الظهر حتى كان قريباً من وقت العصر بالأمس، ثم أخر العصر حتى أنصرف منها والقائل يقول: قد أحمرت الشمس، ثم أخّر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق، ثم أخر العشاء حتى كان ثلث الليل الأول ثم أصبح، فدعا السائل فقال: "الوقت بين هاذين".
[انشق الفجر: طلع ضوءه. زالت: مالت عن وسط السماء. الشفق: الحمرة التي تظهر بعض غروب الشمس. سقوط الشفق: غيابه".
وهناك أحاديث بينت بعض ما أجمل فيه، أو زادت عليه، كما سترى في تفصيل وقت كل صلاة، واليك بيانها:
" الفجر":
يدخل وقته ظهور الفجر الصادق ويمتد إلى طلوع الشمس، قال
стр. 104
رسول الله ﷺ : " وقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس" (رواه مسلم: ٦١٢).
" الظهر":
يبدأ وقته بانحراف الشمس عن منتصف السماء نحو الغروب ـ ويسمونه الزوال ـ حيث يظهر للشاخص عندئذ ظل يسير يبدأ بالامتداد نحو جهة الشرق- ويسمونه ظل الزوال-. ويمتد وقته إلى أن يصير طوال ظل الشئ مثله، علاوة على ظل الزوال الذي كان علامة على أول وقت الظهر.
روى مسلم (٦١٢) أن رسول الله ﷺ قال: "وقت الظهر إذ زالت الشمس، وكان ظل الرجل كطوله، ما لم يحضر العصر".
" العصر":
يبدئ وقته بنهاية وقت الظهر ويستمر حتى تغرب الشمس، دل على ذلك قوله ﷺ : "ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر" (رواه البخاري: ٥٥٤، ومسلم ٦١٨).
ولكن الاختيار أن لا يؤخرها المصلي عن مصير ظل الشئ مثليه علاوة على ظل الزوال، لما مر معك في حديث المواقيت، ولقول ﷺ : "ووقت العصر ما لم تصفر الشمس" (رواه مسلم: ٦١٢). وهو محمول على الوقت المختار.
"المغرب":
يبتدئ وقته بغروب الشمس، ويمتد حتى يغيب الشفق الأحمر ولا يبقى له أثر في جهة الغرب.
стр. 105
والشفق الأحمر: وهو بقايا من آثار ضوء الشمس، يظهر في الأفق الشرقي عند وقت الغروب، ثم أن الظلام يطارده نحو الغروب شيئاَ فشيئاً.
فإذا أطبق الظلام وامتد إلى الأفق الغربي، وزوال أثر الشفق الأحمر، فذلك يعني انتهاء وقت المغرب ودخول وقت العشاء.
دل على ذلك حديث المواقيت، مع قول رسول الله ﷺ : "وقت المغرب ما لم يغب الشفق" (رواه مسلم ٦١٢).
"العشاء":
يدخل وقته بانتهاء وقت المغرب ويستمر إلى ظهور الفجر الصادق. والاختيار ألا تؤخر عن الثلث الأول من الليل.
والمقصود بالفجر الصادق ضياء ينتشر ممتداً مع الأفق الشرقي، وهو انعكاس لضوء الشمس تقبل من بعيد. ثم إن هذا الضياء يعلو نحو السماء شيئاً فشيئاً إلى أن يتكامل بطلوع الشمس. ودل على وقت العشاء ابتداءً وانتهاءً واختياراً: ما جاء في حديث المواقيت مع ما رواه مسلم (٦٨١) وغيره، عن أبي قتادة ﵁ إنه ﷺ قال: "أما أنه ليس في النوم تفريط، وإنما التفريط على من يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى".
فدل على أن وقت الصلاة لا يخرج إلا بدخول غيرها وخروج الصبح من هذا العموم.
هذه هي أوقات الصلاة الخمس، ولكن ينبغي أن لا يتعمد المسلم تأخيرها إلى أواخر أوقاتها، محتجاً باتساعها، إذ ربما تسبب عن ذلك
стр. 106
إخراجها عن وقتها، بل ربما تسبب عن هذا التهاون تركها، وإنما يسن تعجيل الصلوات لأول الوقت، وقد سأل النبي ﷺ عن أفضل الأعمال؟ فقال: "الصلاة على وقتها"، أي عند أول وقتها. " (رواه البخاري: ٥٠٤، ومسلم: ٨٥)
وأعلم أن من وقع بعض صلاته في الوقت، وبعضها خارجه: فإنه إن وقع ركعة في الوقت كانت الصلاة أداء، وإلا كانت قضاءً، ودليل ذلك ما روه (البخاري: ٥٥٤، ومسلم: ٦٠٨)، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ : "من أدرك أن الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر". وقوله ﷺ : "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" (رواه البخاري: ٥٥٥، ومسلم: ٦٠٧).
الأوقات التي تكره فيها الصلاة:
تكره الصلاة كراهة التحريم:
١ - عند الاستواء إلاّ يوم الجمعة، وبعد صلاة الصبح حتى ترتفع الشمس كرمح في النظر.
٢ - وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس.
ودليل ذلك ما رواه مسلم (٨٣١) عن عقبة بن عامر ﵁ قال: ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن، وأن نقبر موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب.
[بازغة: المراد أول ظهور قرصها. وقائم الظهيرة: أصله أن البعير
стр. 107
يكون باركاً فيقوم من شدة حر الأرض، فصار يكني به عند شدة الحر. تميل: عن وسط السماء. تضيف: تميل مصفرة وتقرب من الغروب].
وهذه الكراهة إلا لم يكن للصلاة سبب متقدم، أو تعمد الدفن فيها.
وأما إذا لم يتعمد فيها الدفن وجاء اتفاقاً، أو كان للصلاة سبب متقدم كسنة الوضوء وتحية المسجد وقضاء الفائتة، فأنه لا كراهة في ذلك.
ويدل على عدم الكراهة: ما رواه (البخاري: ٥٧٢، ومسلم: ٦٨٤)، عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ : من نسى صلاة فليصلِّ إذا ذكرها لا كفارة لها إلا إذا: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ [طه: ١٤].
فقوله: "إذا ذكرها": يدل على أن وقتها المشروع، والمطالب بصلاتها فيه، هو وقت الذكر، وقت يذكرها في أحد الأوقات المنهي عنها، فدل على استثناء ذلك من النهي.
وما رواه (البخاري: ١١٧٦، ومسلم: ٨٣٤)، وعن أم سلمة ﵂: إنه ﷺ : صلى ركعتين بعد العصر، فسألته عن ذلك فقال: "يا بنت أبي أمية، سألت عن الركعتين بعد العصر، وإنه آتاني ناس من عبد القيس، فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر، فهما هاتان".
وقيس على القضاء غيره مما له سبب متقدم من الصلوات.
ويستثنى من هذا النهي مطلقاً حرم مكة، لقوله ﷺ : " يا بني
стр. 108
عبد مناف لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أيَّة ساعة شاء من ليل أو نهار" (رواه الترمذي: ٨٦٨، وأبو داود: ١٨٩٤).
إعادة الصلاة المكتوبة وقضاءها:
أما الإعادة:
فهي أن يؤدي صلاة من الصلوات المكتوبة، ثم يرى فيها نقصاً أو خللً في الآداب أو المكملات، فيعيدها على وجه لا يكون فيها ذلك النقص أو الخلل.
وحكمها: الاستحباب. ومثال ذلك أن يكون قد صلى الظهر منفرداً، ثم يدرك من يؤدي هذه الصلاة جماعة، فيسن أن يعيدها معه. والفرض بالنسبة له هو الصلاة الأولى، وتقع الثانية نافلة.
روى الترمذي (٢١٩)، إنه ﷺ صلى الصبح فرأى رجلين لم يصليا معه فقال: " ما منعكم أن تصليا معنا؟ ) فقال: " يا رسول الله، إنا كنا قد صلينا في رحالنا. قال: " فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة، فصليا معهم، فإنها لكما نافلة".
[رحالنا: منازلنا ومساكننا].
أما إذا لم يكن في الأولى خلل أو نقص، ولم تكن الصلاة أتم من الأولى، فلا تسن الإعادة.
وأما القضاء:
فهو تدارك الصلاة بعد خروج وقتها، أو بعد أن لا يبقى من وقتها ما يسع ركعة فأكثر وإلا فهي أداء كما قدمنا سابقاً.
وقد اتفق جمهور العلماء من مختلف المذاهب على أن تارك
стр. 109
الصلاة يكلف بقضائها، سواء تركها نسياناً أم عمداً، مع الفارق التالي: وهو أن التارك لها بعذر كنسيان أو نوم لا يأثم، ولا يجب عليه المبادرة إلى قضائها فوراً، أما التارك لها بغير عذر- أي عمداً - فيجب عليه - مع حصول الإثم - المبادرة إلى قضائها في أول فرصة تسنح له.
ودليل وجوب القضاء للصلاة المتروكة قوله ﷺ : "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك" (رواه البخاري: ٥٧٢، ومسلم: ٦٨٤، وغيرهما).
فقوله: " لا كفارة لها إلا ذلك": يدل على أنه لا بد من قضاء الفرائض الفائتة، مهما كثر عددها أو بعد زمانها.
من تجب عليه الصلاة ؟
تجب الصلاة على كل مسلم ذكراً أو أنثى، بالغ عاقل طاهر.
فلا تجب على كافر، وجوب مطالبة بها في الدنيا، لعدم صحتها منه، لكن تجب عليه وجوب عقاب عليها في الآخرة، لتمكنه من فعلها بالإسلام، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿ما سلككم في سقر* قالوا لم نك من المصلين* ولم نك نطعم المسكين* وكنا نخوض مع الخائضين* وكنا نكذب بيوم الدين* حتى أتانا اليقين﴾ (المدثر: ٤٢ - ٤٧).
[سلككم: أدخلكم وحبسكم. سقر: جهنم، يقال: سقرته الشمس لوحت جلده وغيرت لونه. نخوض: نتكلم الباطل ونفعله. اليقين: الموت، أو الإطلاع على الحقيقة بيوم القيامة].
ولا تجب على صبي صغير لعدم تكليفه، ولا على مجنون لعدم
стр. 110
إدراكه، ولا على حائض أو نفساء لعدم صحتها منهما، لقيام المانع منها وهو الحدث فيهما.
وإذا أسلم الكافر فإنه لا يكلف قضاء ما فاته ترغيباً له في الدين، ولقوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ (الأنفال: ٣٨).
إلا المرتد فيلزمه قضاء ما فاته أيام ردته بعد إسلامه تغليظاً عليه.
ولا يجب قضاء ما فات الحائض والنفساء من الصلاة أيام الحيض والنفاس، أن في وجوب القضاء مشقة عليهما.
وكذلك لا يجب القضاء على المجنون والمغمى عليه إذا أفاقا من الجنون والإغماء، ودليل ذلك قوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يعقل" (رواه أبو داود: ٤٤٠٣، وغيره). [يحتلم: يبلغ].
فالحديث ورد في المجنون، وقيس عليه كل من زال عقله بسبب عذر فيه، وإنما وجب القضاء على النائم بالحديث الذي مر سابقاً: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها". هذا ويجب أن يؤمر الصبي بالصلاة بعد استكماله سن السابعة، ويضرب على تركها إذا بلغ عشر سنين تعويداً له على الصلاة.
قال رسول الله ﷺ : "مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين وإذا بلغ عشراً فاضربوه عليها" (رواه أبو داود: ٤٩٤، والترمذي: ٤٠٧، ولفظه: "علموا الصبي". وقال: حديث حسن صحيح).
*****