تخير الصائد في جزاء الإتلاف بين أن يذبح مثله من النعم، كما ذكرنا ويتصدق به على فقراء الحرم خاصة، وبين أن يقوم ذلك المثل بالدراهم ويتصدق بما يسويها طعاماً عليهم وبين أن يصوم عن كل مد يوماً. دليل ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً﴾ المائدة ٩٥.
أما غير المثلي، فيتصدق بالقيمة التي يقررها العدلان الخبيران، أو يصوم عن كل مد من ذلك يوماً. يتبين لك مما ذكرنا: أن فدية ترك الواجب فدية مرتبة: الذبح أولاً، فإن عجز فالتصدق، فإن عجز فالصيام، وأن فدية ارتكاب محرم فدية محيرة. إن شاء ذبح، أو أطعم، أو صام. وذلك طبقاً للتفصيل الذي ذكرناه والله أعلم.
هذا ولابد من بيان أن الأضحية سنة للحاج كغيره. وأن وقتها من بعد الرمي إلى آخر أيام التشريق.
الدماء الواجبة في الحج وما يقوم مقامها:
الدماء الواجبة في الحج على هذا خمسة أقسام:
القسم الأول: الدم المرتب المقدر: وهذا يجب عند ترك واجب من واجبات الحج التي مر ذكرها. فإذا ترك واجباً مما ذكر وجب عليه أولاً ذبح شاة مجزئة في الأضحية، أو سُبُع بقرة أو سُبُع بدنة. فإن لم يجد شيئاً من ذلك وجب عليه أن يصوم بدلها عشرة أيام، ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله. ويدخل في هذا القسم دم التمتع ودم الفوات للوقوف، بعد التحلل لعمرة.
القسم الثاني: مخير مقدر: وهذا يجب عند فعل محظور كحلق
стр. 422
شعر وقلم ظفر وما شابه ذلك، فيجب على من فعل ذلك ذبح شاة أو صيام ثلاثة أيام أو ثلاثة آصع من طعام بر أو شعير يدفعها إلى ستة من مساكين الحرم، لكل مسكين نصف صاع. ويكفي في وجوب هذه الفدية إزالة ثلاث شعرات، أو قلم ثلاثة أظافر.
القسم الثالث: مخير معدل: وهذا ما يجب عند قطع نبت أو بقتل صيد، فمن فعل ذلك وجب في حقه إن كان للصيد مثل أو شبه صوري أن يذبح المثل في الحرم، أو يشتري لأهل الحرم حباً بقدر قيمته يوزعه عليهم، أو يصوم عن كل مد يوماً.
وإن لم يكن لذلك مثل فهو مخير بين الإطعام والصيام. إلا الحمام فيجب في الحمامة شاة.
القسم الرابع: مرتب معدل: وهو الدم الواجب بالإحصار، فمن منع من الحج بعد إحرامه وجب عليه أولاً أن يذبح شاة حيث أحصر، فإن لم يستطع فليطعم بقدر ثمن الدم يوزعه على الفقراء، فإن عجز عن الإطعام صام عن كل مد يوماً.
القسم الخامس: مرتب معدل أيضاً: وهذا يجب على المجامع خاصة، فمن جامع قبل الإحلال وجب أن يذبح بعيراً، فإن عجز وجب عليه أن يذبح بقرة، فإن عجز وجب عيه أن يذبح سبع شياه، فإن عجز عن ذلك أطعم بقيمة البعير أهل الحرم، فإن عجز عن الإطعام، صام عن كل مد يوماً.
هذا ولا يجزئ الذبح والإطعام إلا في الحرم، وأما الصيام فيصوم حيث شاء، هذا والمراد بالترتيب في هذه الدماء أنه لا يجوز أن ينتقل إلى الثاني إلا عند عجزه عن الأول، وهو ضد التخيير فهو مفوض إليه أن يفعل ما يختاره. ومعني التقدير أن الشرع قد قدر البدل المعدول إليه سواء أكان ترتيباً أم تخبيراً، ويقابله التعديل ومعناه
стр. 423
أنه أمر فيه بالتقويم والعدول إلى الغير بحسب القيمة، ولقد جمع الشيخ العمريطي شرف الدين يحي في منظومته "نظم الغاية والتقريب" الكلام عن تلك الدماء فقال:
وسائر الدماء في الإحرام ... محصورة في خمسة أقسام
فالأول المرتب المقدر ... بترك أمر واجب ويجبر
بذبح شاةٍ أولاً وصاما ... للعجز عنه عشرة أيام
ثلاثة في الحج في محله ... وسبعة إذا أتى لأهله
ثاني الدما مخيري مقدر ... بنحو حلق من أمور تخطرُ
فالشاة أو ثلاثة أيام ... يصومها أو آصع طعام
لستةٍ هم من مساكين الحرم ... لكل شخص نصف صاع منه تم
ثالثها مخير معدل ... يقطع نبت أو بصيد يقتل
فإن يكن للصيد مثل في النعم ... فليذبح المثل ابتداء في الحرم
أو يشتري لأهل ذلك الحرم ... حبا بقدر ما له من القيم
أو يعدل الأمداد منه صوما ... يصومه عن كل مد يوما
وخيروا في الصوم والإطعام في ... إتلاف صيد حيث مثله تفي
رابعها مرتب معدل ... فواجب بالحصر حيث يحصل
دم فإن لم يستطع فليطعم ... قوتا يرى بقدر قيمة الدم
وصام عند العجز عن إطعام ... ما يعدل الأمداد من أيام
خامسها يختص بالمجامع ... مرتب معدل كالرابع
لكن هنا البعير قبل معتبر ... وبعده للعجز رأس من بقر
وعند عجز عن سبع من غنم ... ثم الطعام يشترى عند العدم
بقيمة البعير حيثما وجد ... وعدله من الصيام إن فقد
ولم يجب كون الصيام في الحرم ... والهدي والإطعام فيه ملتزم
стр. 424
حجة رسول الله ﷺ -
هذا وقد أحببنا أن نضع لك في ختام بحث الحج حديث جابر ﵁ في حجة رسول الله ﷺ لنقف بذاكرتك بين يدي رسول الله ﷺ وصحبه الكرام وهم يؤدون هذه الفريضة عبر الزمان الطويل.
روى مسلم عن جابر بن عبدالله ﵄ أن رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحج، ثم أُذِّن في الناس في العاشرة: أن رسول الله ﷺ حاج، فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ ، ويعمل مثل عمله. فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحُليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ : كيف أصنع؟ قال: اغتسلي، استثفري (١) بثوبٍ وأحرمي، فصلى رسول الله ﷺ في المسجد ثم ركب القصواء (٢)، حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نظرت إلى مد بصري بين يديه من راكب وماشٍ وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله ﷺ بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به، فأهل (٣)
стр. 425
بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك.
وأهل الناس بهذا الذي يهلون به، فلم يرد رسول الله ﷺ عليهم شيئاً منه، ولزم رسول الله ﷺ تلبيته. قال جابر لسنا ننوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة، حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن، فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم، فقرأ:
﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فجعل المقام بينه وبين البيت، فكان يقرأ في الركعتين:
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ﴾ أبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا فرقي عليه حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحد الله وكبره، وقال: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده " ثم دعا بين ذلك قال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا، حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي، سعى حتى إذا صعدنا مشى حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طوافه على المروة فقال: " لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، وجعلها عمرة. فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل، وليجعلها عمرة " فقام سراقة بن مالك بن جعشم، فقال: يا رسول الله ألعامنا هذا أم لأبد، فشبك رسول الله ﷺ أصابعة واحدة في الأخرى وقال: " دخلت العمرة في الحج، مرتين، لا بل لابد أبد " وقدم علي من اليمن ببدن رسول الله ﷺ فوجد فاطمة ممن حل، ولبست ثياباً صبيغاً واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، فقالت: إن أبي أمرني بهذا. قال: فكان علي يقول بالعراق: ذهبت إلى رسول الله ﷺ متحرشا (١)
على فاطمة للذي صنعت مستفتياً لرسول الله ﷺ
стр. 426
فيما ذكرت عنه، فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها، فقال: " صدقت صدقت، ماذا قلت حين فرضت الحج؟ " قال: قلت: " اللهم إني أهل بما أهل به رسول الله ﷺ ": قال " فإن معي الهدي فلا تحل ".
قال فكان جماعة الهدي الذي قام به علي من اليمن، والذي أتي به النبي ﷺ مائة. قال فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي ﷺ ومن كان معه هَدْي، فلما كان يوم التروية (١) توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج، وركب رسول الله ﷺ فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلاً حتى طلع الشمس، وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة. فسار رسول الله ﷺ ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام (٢) كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس، أمر بالقصواء فرحلت له (٣)، فأتى بطن الوادي فخطب الناس وقال:
" إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دماءنا دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعاً في بني سعد فقتلته
стр. 427
هذيل، وربا الجاهلية موضوع (١)، وأول ربا أضع ربا عمي العباس بن عبدالمطلب، فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت، وأديت ونصحت، فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى الناس ينكتها (٢) إلى الناس، اللهم أشهد، اللهم أشهد ثلاث مرات، ثم أذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئاً، ثم ركب رسول الله ﷺ حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل حبل المشاة (٣) بين يديه، واستقبل القبلة، فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص، ولم وأردف أسامة خلفه، ودفع رسول الله ﷺ وقد شنق (٤) للقصواء الزمام،
حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله (٥) ويقول بيده اليمنى (٦) أيها الناس السكينة السكينة، كلما أتى حبلاً من الجبال أرخى لها قليلاً حتى تصعد، حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذن واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئاً، ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر، وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعاه وكبره.
стр. 428
وهلله ووحده، فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً، فدفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن عباس وكان رجلاً حسن الشعر أبيض وسيماً (١)، فلما دفع رسول الله ﷺ مرت به ظعن
يجرين (٢)، فطفق الفضل ينظر إليهن فوضع رسول الله ﷺ يده على وجه الفضل، فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر، فحول رسول الله ﷺ يده من الشق الآخر على وجه الفضل يصرف وجهه من الشق الآخر ينظر، حتى أتى بطن محسر. فحرك قليلاً ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاه منها، مثل حصى الخذف رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثاً وستين بيده (٣)، ثم أعطى علياً فنحر ما غبر (٤)، وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت فأكل من لحمها وشرب من مرقها. ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت (٥)، فصلى بمكة الظهر.
فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم فقال: انزعوا (٦) بني عبدالمطلب فلولا أن يغلبكم الناس (٧) على سقايتكم لنزعت، فناولوه دلواً فشرب منه.
стр. 429
زيارة مسجد رسول الله ﷺ وقبره الشريف
أهمية ذلك ودليله:
أما مسجد رسول الله ﷺ فقد دل على استحباب زيارته قوله ﷺ : " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى ".
وأما قبره ﷺ فقد دل على استحباب زيارته وعظم الأجر المنوط بها، إجماع الصحابة كلهم والتابعين من بعدهم على زيارة قبره ﷺ كما يدل على ذلك ما ثبت من استحباب زيارة القبور عامة بقوله ﷺ " كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها " وبفعله إذ كان يزور البقيع بين حين وأخر. ولا ريب أن الاستحباب يتضاعف إذا كان القبر قبر رسول الله ﷺ . كما يدل على ذلك قوله ﷺ لمعاذ، عندما أرسله إلى اليمن: " يا معاذ، عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمر بمسجدي هذا وقبري " رواه أحمد بسند صحيح. ومعلوم أن (لعلك) هنا بمعنى الطلب والرجاء.
آداب زيارة مسجد رسول الله ﷺ :
فإذا أدركت مدى أهمية زيارة مسجد الرسول ﷺ وقبره الشريف، فلتعلم أن على الحاج إذا فرغ من نسك حجه وعمرته،
стр. 430
كان عليه حين يتجه إلى مدينة رسول الله ﷺ لينال شرف زيارته وزيارة مسجده التزام الآداب التالية:
أولاً: يستحب أن يعقد العزم ـ لدى اتجاهه إلى المدينة المنورة ـ على زيارة النبي ﷺ وزيارة مسجده، حتى يكتب له أجرهما معاً. وأن يكثر في طريقه من الصلاة على رسول الله ﷺ .
ثانياً: يستحب أن يغتسل قبيل دخوله المدينة إن تيسر له ذلك، وإلا فليغتسل قبل دخوله المسجد، ويلبس أنظف ثيابه.
ثالثاً: إذا وصل إلى باب مسجده ﷺ فليقدم رجله اليمنى في الدخول قائلاً: " أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وبسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، بسم الله، والحمد لله، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وسلم. اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك " قال الإمام النووي: هذا الذكر والدعاء مستحب في كل مسجد، وقد وردت فيه أحاديث في الصحيح وغيره، ثم يدخل فيتجه إلى الروضة الكريمة، وهي ما بين المنبر والبيت، فيصلى تحية المسجد يجنب المنبر. إذ يظن أن يكون موقف رسول الله ﷺ .
رابعاً: إذا صلى التحية في الروضة، فليأت إلى القبر الكريم، فيستدبر القبلة ويستقبل جدار القبر، ويبعد عن رأس القبر نحو أربعة أذرع. ويقف ناظراً إلى أسفل ما يستقبله من جدار القبر، وقد أفرغ قلبه من علائق الدنيا واستحضر جلالة موقفه ومنزلة من هو في حضرته. ثم يسلم بصوت خفيض قائلاً:
السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا نبي الله، السلام عليك يا خيرة الله، السلام عليك يا خيرة رب العالمين، جزاك الله يا رسول الله عنا أفضل ما جزى نبياً وسولاً عن أمته. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أنك عبده ورسوله من خلقه،
стр. 431
وأشهد أنك قد بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وجاهدت في الله حق جهاده.
ثم ينحرف قليلاً نحو اليمين حيث قبر أبي بكر ﵁ فيقول: السلام عليك يا أبا بكر الصديق، ثم ينحرف إلى اليمين أيضا حيث قبر عمر بن الخطاب فيقول: السلام عليك يا عمر بن الخطاب.
ثم يعود إلى مكانه الأول، ويتجه إلى القبلة فيدعوا لنفسه وللمؤمنين بما يشاء، فإنها ساعة تُرجى فيها الاستجابة إن شاء الله.
خامساً: لا يجوز الطواف بقبر النبي ﷺ ، كما قال الإمام النووي، ويكره أن يلصق نفسه بجدار القبر، كما يكره التمسح به وتقبيله، كما هو شأن من الجهال، بل الأدب أن يبتعد عن القبر كما يبتعد عنه ﷺ في حضرته أثناء حياته.
سادساً: ينبغي له مدة إقامته في المدينة المنورة أن يصلي الصلوات كلها في مسجد رسول الله ﷺ ، وأن يخرج كل يوم إلى زيارة البقيع، وأن يزور قبور شهداء أحد، كما يستحب استحباباً مؤكداً أن يأتي مسجد قباء، وقد كان ﷺ يأتي مسجد قباء في كل يوم سبت ورد ذلك في الصحيحين وغيرهما.
стр. 432
حكم من أحصر
أو فاته الوقوف بعرفة
المحصر من منعه مانع دون الوصول إلى مكة والقيام بأعمال الحج فإذا أحرم شخص بالحج أو العمرة، ثم منعه عدو من الوصول إلى مكة أو حبس وسد عليه منافذ الطريق تحلل في مكانه.
والتحلل أن يذبح شاة في مكانه الذي أحصر فيه مع نية التحلل، ثم يحلق رأسه أو يقصر من شعره.
قال الله :
﴿َإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾.
وهذه الآية نزلت بالحديبية حين صد المشركون النبي ﷺ وأصحابه عن البيت، وكان معتمراً، فنحر ثم حلق، وقال لأصحابه: (قوموا فانحروا ثم احلقوا).
فإذا فقد الدم فلم يقدر على الذبح قومت الشاة وأخرج طعاماً بقيمتها، فإن عجز عن الطعام صام عن كل مد يوماً.
ويتحلل هذا في الحال ولا ينتظر إلى انتهاء الصيام.
ومن الموانع التي تحول دون إتمام الحج أو العمرة عدم إذن الزوج، فإذا أحرمت المرأة بالحج أو العمرة من غير إذن الزوج، سواء أكان نسكها فرضاً أو نفلاَ، فللزوج تحليلها، فإذا طلب منها ذلك.
стр. 433
وجب عليها الإحلال إذا كان زوجها حلالاً، لأن في استمرارها تفويتاً لحق الزوج، ويكون إحلالها كإحلال المحصر الآنف الذكر. وعلى هؤلاء الحج فيما بعد:
ومن فاته الوقوف بعرفة بعذر أو بغير عذر تحلل بطواف وسعي وحلق ويجب عليه دم، ويجب عليه أيضا القضاء فوراً في العام المقابل.
فلقد روى مالك في الموطأ بإسناد صحيح: أن هبَّار بن الأسود جاء يوم النحر وعمر بن الخطاب ينحر هديه، فقال: يا أمير المؤمنين أخطأنا العدد وكنا نظن أن هذا اليوم يوم عرفة. فقال له عمر ﵁: أذهب إلى مكة فطف بالبيت أنت ومن معك، واسعوا بين الصفا والمروة، وانحروا هديكم إن كان معكم، ثم احلقوا أو قصروا، ثم ارجعوا فإذا كان عام قابل فحجوا واهدوا، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع.
ملاحظة: للحاج أو المعتمر أن يشترط أنه إذا مرض أو وقع به نحو ذلك فقد حل، فإذا وقع به ما اشترط جاز له أن يتحلل.
روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: " دخل رسول الله ﷺ على ضباعة بنت الزبير، فقال لها: أردت الحج؟ فقالت: والله ما أجدني إلا وجعة، فقال: حجي واشترطي، وقولي اللهم محلي حيث حبستني".
والإحلال في هذه الحال يكون بالنية والحلق، ولا دم عليه إلا إذا كان قد شرط التحلل بالهدي.
من مات ولم يحج
إذا وجب على الإنسان الحج أو العمرة، ولكنه تراخى عن
стр. 434
أدائها فلم يؤدهما حتى مات، مات عاصياً، ووجب تكليف من يحج عنه أو يعتمر، وتدفع النفقة من رأس مال المتوفى، وتعد هذه من الديون، فلا تقسم التركة إلا بعد أداء الديون.
روى البخاري عن ابن عباس ﵄ " أن امرأة من جهينة جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: إن أمي نذرت أن تحج أفأحج عنها؟ قال: نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضية؟ قالت نعم، قال: اقضوا دين الله، فالله أحق بالوفاء" فشبه الحج بالدين الذي لا يسقط بالموت.
стр. 435
أحكام منثورة
يلزم المرأة أجرة المحرم إن كان لا يخرج معها إلا بأجرة، وكانت قادرة على دفعها، فإن لم تكن قادرة على ذلك خرجت عن حدود الاستطاعة فلا يجب عليها الحج.
القائد للأعمى كالمحرم للمرأة، فإن لم يجد قائداً إلا بأجرة وجب عليه دفعها.
العاجز عن الحج بنفسه ـ وهو المعضوب ـ يجب عليه استئجار من يحج عنه بأجرة المثل، فإن لم يجد من يحج عنه إلا بأكثر من أجرة المثل لم يلزمه.
إذا بذل ولده مالاً أو أجنبي ليدفعه أجرة لمن يحج عنه لم يلزمه قبوله.
لو تبرع هؤلاء أن يحجوا عنه بأنفسهم وجب عليه قبول ذلك والإذن لهم.
إذا وقف الحجاج يوم العاشر غلطاً بدل اليوم التاسع أجزأهم الوقوف ولم يجب عليهم القضاء لقوله ﵊: " يوم عرفة اليوم الذي يعرف فيه الناس ".
المرأة الحائض يجوز لها أن تسافر من غير طواف وداع، لما ورد
стр. 436
في الصحيحين عن ابن عباس: " أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه قد خفف عن المرأة الحائض ".
كما يحرم على الحاج الصيد يحرم عليه قطع نبات الحرم الذي لا يستنبت، وتجب فيه الفدية، ففي الشجرة الكبيرة بدنة، وفي الشجرة الصغيرة شاة، وفي النبات القيمة.
صيد المدينة حرام كصيد الحرم إلا أنه لا ضمان فيه.
إذا حج الصبي صح حجه ولكنه لا يقع عن حجة الإسلام، فإذا بلغ وجب عليه أن يحج حجة الإسلام إن كانت توجد فيه شروط الاستطاعة.
стр. 437
كيف تحج ؟
لقد تحدثنا فيما مضى عن الحج والعمرة وشروط وجوبهما، وعن أركانهما، وعن الواجبات فيهما، وعن مفسداتهما وعن حجة رسول الله ﷺ وعن أمور كثيرة تتعلق بالحج والعمرة.
والآن نريد أن تستعرض أفعال الحج بشكل متسلسل، كي يسهل على المرء المسلم أداء هذه الفريضة العظيمة.
يبدأ المسلم رحلة الحج بأن يؤدي ما عليه من واجبات، فإن كان عليه دين أداه إلى صاحبه، أو استأذن منه في السفر إلى الحج، وإن كان قد آذى مسلماً تحلل منه، وطلب منه المسامحة.
يختار في الحج الرفقة الصالحة، ولاسيما الفقهاء في الدين، فإن ذلك ضروري لأداء فريضة الحج على أكمل وجه.
يتعلم قبل سفره ما لا بد منه من أحكام الحج، وقد عد الإمام الغزالي هذا التعلم فرض عين على كل من أراد أداء هذه الفريضة ,.
إذا بدأ بالسفر إلى الحج جاز له أن يحرم من بيته، وجاز له أن يؤجل الإحرام إلى الميقات.
إذا أراد أن يحرم سواء أكان من بيته أم من الميقات يغتسل أولا، ً ثم يلبس ثياب الإحرام وهي إزار ورداء غير مخيطين ثم يصلي
стр. 438
ركعتين سنة الإحرام، ثم يتوجه إلى القبلة ويقول: لبيك اللهم بحج ناوياً ذلك بقلبه أيضاً، هذا إذا أراد الدخول في الحج، وإذا أراد الدخول في العمرة قال: لبيك الهم بعمرة، فإذا فعل ذلك صار محرماً بالنسك وحرم عليه الأشياء التي ذكرناها فيما مضى تحت عنوان محرمات الإحرام.
فإن فعل شيئاً من هذه المحرمات ترتب عليه الفدية التي ذكرناها فيما مضى، وأما الجماع منها فإنه مفسد للحج وموجب للفدية كما ذكرنا.
إذا كان سفره بالطائرة استحسن أن يبدأ بالإحرام عند قيام الطائرة، خشية أن تكون لسرعتها تتجاوز الميقات من غير إحرام، فيلزم الإنسان دم ذلك.
إذا أحرم بالنسك سن له أن يقول: اللهم أحرم لك شعري وبشري ولحمي ودمي، وسن له التلبية، وخاصة إذا صعد مرتفعاً أو هبط وادياً أو التقى برفقة، والتلبية أن يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.
والمرأة في ذلك كالرجل، إلا أنها لا يجب عليها خلع المخيط، ولا ترفع صوتها بالتلبية. ونذكر هنا أن المرأة يجب عليها كشف وجهها وكفيها، ويسن خضبهما بحناء كما مر.
إذا شارف المحرم دخول مكة سن له أن يغتسل لدخول مكة، والأفضل الاغتسال عند بئر ذي طوى كما مر.
أن يتجه فور وصوله مكة إلى البيت الحرام قاصداً طواف القدوم، إن كان قد نوى الحج، وإن كان معتمراً نوى بالطواف طواف العمرة، وعند مشاهدته الكعبة المشرفة يرفع يديه مكبراً وداعياً بهذا الدعاء: " اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتعظيماً وتكريماً ومهابة،
стр. 439
وزد من شرفه وعظمه ممن حجه أو اعتمره تشريفاً وتعظيماً وتكريماً وبراً، اللهم أنت السلام ومنك السلام، فحينا ربنا بالسلام ". ثم يدعوا بما شاء ويستحب أن يدخل المسجد من باب بني شيبة، لأن النبي ﷺ دخل منه.
ثم يتقدم إلى الكعبة المشرفة ويبتدئ بالطواف من عند الحجر الأسود ويستلمه بيده أو يقبله إن استطاع وهذا سنة، فإذا قبله وجب عليه أن يرفع رأسه ويرجع قليلاً حتى يخرج عن سمت بناء البيت، وإن لم يستطع أشار إليه من بعيد.
ثم يستمر بالطواف من عند الحجر الأسود جاعلاً الكعبة عن يساره، وكلما وصل إلى الحجر الأسود فقد أتم طوفة. وهكذا يفعل ذلك سبع مراتٍ، لأن الطواف سبعة أشواط.
ويجب في الطواف ستر العورة، والطهارة من الحدث والنجس، فلو أحدث في أثناء الطواف تطهر وبنى، ويجب أن يكون الطواف خارج البيت الحرام، فلو دخل من إحدى فتحتي حجر إسماعيل ـ وهو المحوط بجدار قصير ـ وخرج من الفتحة الأخرى لم تحسب له الطوفة، لأن الحجر من البيت الحرام.
ويسن في الطواف أن يقول في أول طوافه " بسم الله والله أكبر، اللهم إيماناً بك وتصديقاً بكتابك، ووفاء بعهدك، وإتباعا لسنة نبيك ﷺ وليقل قبالة باب الكعبة. " اللهم إن البيت بيتك، والحرم حرمك، والأمن أمنك، وهذا مقام العائذ بك من النار " وليقل بين الركنين اليمانيين: " ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " ثم يدعوا أثناء طوافه بما شاء.
ويسن أن يرمل في الأشواط الثلاثة الأول إن كان يعقب هذا الطواف سعي ـ والرمل الإسراع في المشي مع تقارب الخطو ـ ويمشي في
стр. 440
الأشواط الأربعة الباقية، وليقل في رمله: " اللهم اجعله حجاً مبروراً وذنباً مغفوراً وسعياً مشكوراً ".
ويسن أيضاً أن يضطبع في جميع طواف يعقبه سعي، والاضطباع هو أن يجعل وسط ردائه تحت منكبه الأيمن مع كشفه، ويجعل طرفيه على منكبه الأيسر.
والرمل والاضطباع خاص بالذكر، أما المرأة فلا ترمل ولا تضطبع.
ويسن في الطواف أن يكون قريباً من البيت الحرام بأن يجعل بينه وبين البيت ثلاث خطوات، إلا أن يتأذى بالقرب فالبعد أفضل.
أما المرأة فيسن لها أن تكون في حاشية المطاف إن كان ازدحام.
ويسن استلام الركن اليماني إن أمكن وإلا اكتفي بالإشارة من بعيد، ولم يرد في الركن اليماني سنة في تقبيله، لكن إذا قبله لم يكره.
هذا وأركان الكعبة أربعة: الركن الذي فيه الحجر الأسود ـ يليه حال الطواف الركن العراقي ـ ثم الشامي ـ ثم اليماني. ويطلق على هذا والركن الذي فيه الحجر اسم الركنين اليمانيين.
إذ انتهى من طوافه صلى خلف مقام إبراهيم ركعتين سنة الطواف، يقرأ في أولاهما:
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ويقرأ في الثانية ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ... ﴾
وبعد الانتهاء من الركعتين يأتي فيقبل الحجر الأسود أو يستلمه إن أمكن ذلك.
ثم يخرج من باب الصفا للسعي ويصعد على الصفا مبتدئاً بالسعي، فإذا ارتقى على الصفا قال: "الله أكبر الله أكبر الله اكبر ولله الحمد، الله أكبر على ما هدانا، والحمد لله على ما أولاناً، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحي ويميت بيده الخير
стр. 441
وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون " ثم يدعوا بما شاء من أمور الدين والدنيا.
ويسن أن يعيد الذكر والدعاء ثانياً وثالثاً.
ثم ينحدر من الصفا ويمشي حتى يأتي العلم الأخضر فيرمل حتى يصل إلى العلم الثاني فيمشي حتى يصل إلى المروة فهذا شوط.
ثم يعود من المروة إلى الصفا وهذا شوط ثانٍ، والفرض أن يسعى سبعة أشواط. والرمل في السعي سنة للرجل أما المرأة فلا يسن في حقها الرمل كالطواف.
ويسن أن يقول الساعي أثناء سعيه: " رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم، إنك أنت الأعز الأكرم ".
ومما مر علم أن الواجب الافتتاح بالصفا والاختتام بالمروة.
ومما يجدر ملاحظته أن السعي لا يكون إلا بعد طواف قدوم أو طواف ركن.
إذ انتهى من السعي فإن كان قد أحرم بالعمرة حلق شعره أو قصره، وقد انتهى من عمرته.
وإن كان قد أحرم بالحج لم يتحلل بل يبقى محرماً، ويمكث في مكة هكذا إلى يوم الثامن من ذي الحجة وهو يوم التروية.
إذا كان هذا اليوم ـ يوم التروية ـ أحرم بالحج إن لم يكن محرماً ـ ثم مضى الحجاج جميعهم إلى منى ليبيتوا في منى تلك الليلة. والخروج إلى منى يوم الثامن سنة لا يضر تركها بالحج.
إذا كان صباح يوم التاسع بعد طلوع الشمس توجه الحاج من منى إلى عرفات، والسنة أن لا يدخل الحاج عرفات إلا بعد زوال
стр. 442
الشمس، بل السنة أن يقيم بنمرة إلى ما بعد دخول وقت الظهر، ويصلي الظهر مع العصر مجموعة جمع تقديم.
ثم يدخل عرفه ويمكث فيها إلى غروب الشمس، وفي عرفات يذكر الحاج ربه ويدعوه بما يشاء، ويكثر من التهليل، والوقوف بعرفة ركن لابد منه كما مر.
وقد ورد أدعية كثيرة يدعى بها في ذلك اليوم العظيم الذي هو أعظم الأيام. منها: " اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي سمعي نوراً، وفي بصري نوراً، اللهم اشرح لي صدري ويسر لي أمري " ومنها: " ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت. فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم. اللهم انقلني من ذل المعصية إلى عز الطاعة. واكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك، ونور قلبي وقبري، واهدني وأعذني من الشر كله، واجمع لي الخير، اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى" ومنها: " اللهم إنك ترى مكاني، وتسمع كلامي، وتعلم سري وعلانيتي ولا يخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير المستغيث المستجير، الوجل المشفق، المقر المعترف بذنبه، أسألك مسألة المسكين، وابتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، من خشعت لك رقبته وذل لك جسده، وفاضت لك عينه، ورغم لك أنفه ".
إذا غربت الشمس قصدوا مزدلفة، ويكفي في الوقوف بعرفة حضور لحظة من زوال الشمس إلى فجر يوم العيد ففي أي وقت من ذلك وقف كفاه، ولكن الأفضل الجمع بين جزء من النهار وجزء من الليل.
إذا وصل الحاج إلى مزدلفة صلى فيها المغرب والعشاء مقصورة
стр. 443
مجموعة جمع تأخير، ويجب أن يبقى فيها إلى ما بعد منتصف الليل، فإن خرج منها قبل منتصف الليل وجب عليه دم. ويسن أن يلتقط من منى حصى الرمي، وهي حصى صغير، ثم يصلي الفجر، ثم يأتي حتى يقف عند المشعر الحرام ـ وهو جبل صغير آخر المزدلفة، ثم يدعو الله عنده، ويكون من جمله دعائه " اللهم كما أوقفتنا فيه وأريتنا إياه، فوفقنا لذكرك كما هديتنا، واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك وقولك الحق: ﴿َإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ والوقوف عند المشعر الحرام سنة.
ويسن أن يبقى واقفاً عند المشعر الحرام مستقبل القبلة إلى الإسفار ـ وهو طلوع الضوء من المشرق بمقدار ما تتعارف الوجوه ـ ثم يسيرون ليصلوا إلى منى بعد طلوع الشمس.
إذا وصل الحاج إلى منى وجب عليه أن يرمى جمرة العقبة، وهي الجمرة الكبرى التي في غرب منى عند فم الطريق إلى مكة.
ويسن أن يقف عند الرمي مستقبل الجمرة ومنى عن يمينه ومكة عن يساره، ويقطع التلبية عند الرمي.
ويسن أن يكبر مع كل حصاة، فيقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر والله اكبر ولله الحمد. ويسن أن يرمي بيده اليمنى رافعاً حتى يبدو بياض إبطيه، أما المرأة فلا ترفع يدها.
ويجب أن يصيب الحصى المرمى، فإن لم تصب حصاة المرمى لم تحسب.
إذا انتهى الحاج من الرمي ذبح هديه إن كان معه هدي,
стр. 444
والهدي ما يسوقه الحاج من النعم ليهديه لمكة وحرمها تقريباً إلى الله تعالى.
ثم يحلق شعره أو يقصر، والأفضل للرجل الحلق، وللمرأة التقصير، والحلق أو التقصير ركن من أركان الحج.
فإذا رمى وحلق فقد تحلل الأول، وحل له ما كان محرماً عليه من لبس ثياب وتطيب وما أشبه ذلك، ولم يبق محرماً عليه إلا النساء.
ثم بعد الحلق يأتي مكة ويطوف حول البيت سبع مرات طواف الإفاضة، وهذا الطواف ركن لا يتم الحج إلا به.
ثم يسعى إن لم يكن قد سعى الحج بعد طواف القدوم. فإذا رمى الحاج وحلق وطاف طواف الإفاضة فقد حل له جميع ما كان محرماً عليه للإحرام، حتى النساء وعقد الزواج.
ثم يرجع إلى منى ليبيت فيها، والمبيت بمنى واجب عليه دم إن تركه.
وبعد زوال الشمس عن وسط السماء أي عند دخول وقت الظهر، يدخل وقت الرمي، فيرمي الجمرة الأولى بسبع حصيات، ثم الجمرة الوسطى، ثم جمرة العقبة ويجب ترتيب الجمرات في الرمي.
ثم يبيت في منى الليلة الثانية، فإذا دخل وقت الظهر، دخل وقت الرمي، فيرمي الجمرة الأولى ثم الجمرة الثانية ثم جمرة العقبة.
فإذا انتهي من هذا الرمي رمي اليوم الثاني من أيام التشريق جاز له أن يتعجل وينزل إلى مكة وقد انتهت أعمال الحاج.
لكن يجب عليه في هذا الحال أن يغادر منى قبل غروب الشمس، فإن غربت وهو في منى وجب عليه أن يبيت الليلة الثالثة، فإذا كان وقت الظهر رمى ثم نزل إلى مكة.
стр. 445
إذا أراد الحاج الرجوع إلى أهله طاف بالبيت الحرام طواف الوداع، وهذا الطواف واجب، إن تركه كان عليه دم. إلا الحائض فإنها تنفر بلا طواف وداع فهو ساقط عنها، ويجب أن لا يتأخر عن السفر بعد طواف الوداع، فإن مكث في مكة بعده كان عليه أن يعيده.
ويسن شرب ماء زمزم وينوي عند شربه ما يريد من خير، ويسن استقبال القبلة عند شربه.
стр. 446
الفقه المنهجي
على مذهب الإمام الشافعي
رحمه الله تعالى
الجزء الثالث
الأيمان والنذور، الصيد والذبائح، العقيقة، الأطعمة والأشربة
اللباس والزينة، الكفارات
تأليف
الدكتور مصطفى الخن ... الدكتور مصطفى البغا
علي الشربجي
دار القلم
دمشق
стр. 447
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، حمداً يوافي نعمه، ويدفع نقمه، ويكافئ مزيده، سبحانك يا ربنا، لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد،
فهذا هو الجزء الثالث في سلسلة الفقه المنهجي، الذي وعدنا، بعون الله تعالى ـ أن نخرج أجزاءه تباعاً.
ولقد وضعنا في هذا الجزء أحكام الأيْمان والنذور، وأحكام الصيد والذبائح، وأحكام العقيقة، وما يحل وما يحرم من الأطعمة والأشربة، وأحكام اللباس والزينة، وختمناه بأحكام الكفارات. شاكرين الله على ما وفق به وأنعم.
هذا ولقد فاتنا أن ننبه في الأجزاء السابقة على أننا قد عزونا غالباً الأحاديث الواردة في هذا الفقه إلى مواضعها في مراجعها، وأشرنا إلى أرقامها في تلك المراجع إن كانت ذات أرقام، وإلا فإننا نشير إلى الجزء، والصفحة من تلك المراجع.
ولقد اعتمدنا في أحاديث البخاري على طبعة (الدكتور مصطفى البغا)، وفي أحاديث مسلم على طبعة (محمد فؤاد عبد الباقي)، وفي أحاديث الترمذي وأبي داود على طبعة (عزت عبيد الدعاس)، وفي أحاديث ابن ماجه على طبعة (محمد فواد عبد الباقي).
стр. 448
والله نسأل أن يجعل عملنا هذا خالصاً لوجهه الكريم، وأن يتقبله، ويجعله في عداد الأعمال النافعة المبرورة، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ..
السابع من محرم ١٤٠٤ هـ
المؤلفون
стр. 449
الأيمان والنذور
стр. 450
الأيمان
تعريف الأيْمان:
الأيْمان: جمع يمين، واليمين في اللغة: القوة.
ومنه قول الله : [لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ] (الحاقة: ٤٥) [أي: بالقوة].
وقول الشاعر:
إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين
[أي: بالقوة]
وتطلق اليمين على اليد اليمنى، وذلك لتوفر القوة فيها.
وتطلق اليمين أيضاً على الحَلِف بمعظم.
وسمى الحلف يميناً، لأن العرب كانوا إذا تحالفوا أخذ كل واحد منهم بيمين صاحبه.
وأما اليمين اصطلاحاً:
فهي توثيق كلام غير ثابت المضمون بذكر أحد أسماء الله ، أو ذكر صفة من صفاته، بصياغة مخصوصة.
فخرج بقيد ـ التوثيق ـ اليمين اللغو؛ وهي اليمين الدارجة على اللسان بدون قصد تحقيق أمر، ولا توثيقه:
стр. 451
وذلك كقول الرجل: لا والله، وبلى والله.
فلا يُعد هذا يميناً منعقدة شرعاً.
قال الله تعالى: [لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ] (المائدة: ٨٩). [ومعنى عقدتم: قصدتم].
قالت عائشة ﵂: نزلت في قوله: (لا والله، وبلى والله). رواه البخاري في [الأيمان والنذور ـ باب ـ لا يؤاخذكم الله .. ، رقم: ٦٢٨٦]. وروى أبو داود في [الأيمان والنذور ـ باب ـ لغو اليمين، رقم: ٣٢٥٤]، قال: قالت عائشة ﵂: إن رسول الله ﷺ قال: " هو كلامُ الرجل في بيته: كلا والله، وبلى والله" [الحديث صححه ابن حبان. انظر: موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان رقم ١١٨٧].
وخرج بقيد ـ غير ثابت المضمون ـ توثيق كلامٍ ثابت المضمون، لا محالة، كقول القائل: والله لأموتنَّ، أو والله إن الشمس طالعة، وهي طالعة فعلاً.
فهذه ليست يميناً شرعية، لتحققها في نفسها، ولأنه لا يتصور فيها الحِنْث: أي عدم الوفاء باليمين.
وتكون اليمين على الماضي، كقول القائل: والله ما فعلت كذا، أو والله لقد فعلته.
ويستدل لذلك بقول الله :
стр. 452
[يحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُواْ] (التوبة: ٧٤).
كما تكون اليمين على المستقبل، كقوله: والله لأفعلن.
ومنه قول النبي ﷺ : " والله لأغزون قريشاً". أخرجه أبو داود في [الأيمان والنذور ـ باب ـ الاستثناء في اليمين بعد السكوت، رقم: ٣٢٨٥].
حكم اليمين شرعاً:
يكره التلفظ باليمين في أعمّ الأحوال، ودليل هذا قول الله : [وَلاَ تَجْعَلُواْ اللهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ] (البقرة: ٢٢٤) [أي لا تكثروا الحلف بالله تعالى]. وسبب ذلك أنه ربما يعجز الحالف عن الوفاء به.
قال حرملة رحمه الله تعالى: سمعت الشافعي رحمه الله تعالى يقول: (ما حلفت بالله صادقاً، ولا كاذباً).
إلا أن أحكاماً أخرى قد تعرض لليمين، حسب الدوافع والنتائج، فتكون بناءً على ذلك:
١ - حراماً: وذلك إذا كانت على فعل حرام، أو ترك واجب، أو على شيء كاذب، لا أصل له.
٢ - واجبة: وذلك إذا كانت اليمين هي السبيل التي لا يوجد غيرها لإنصاف مظلوم، أو بيان حق: كما لو كان شخص مُدَّعى عليه، فطلب منه اليمين، وعلم أنه لو نكل [أي امتنع عن الحلف] حلف المدّعي كذباً، وظُلِم بذلك إنسان بريء.
٣ - مباحةً: وذلك إذا كانت على فعل طاعة، أو تجنّب معصية، أو إرشاد إلى حق، أو تحذير من باطل.
ومن هذا قول النبي ﷺ : " فواللهِ لا يَملُّ اللهُ حتى تَملوا". أخرجه البخاري في [الأيمان ـ باب ـ أحبّ الدين إلى الله أدومه، رقم: ٤٣] [ومعناه: لا يترك الله إثابتكم على العمل، إلا إذا انقطعتم عنه، بسبب إفراطكم فيه، ومللكم منه].
٤ - مندوبة: وذلك إذا كانت اليمين وسيلة للتأثير على السامعين، وسبباً في تصديقهم لموعظة، أو نصيحة.
التحذير من اتخاذ اليمين معتمداً في المكالمات والمعاملات:
إن أهم مظاهر سوء الأدب مع الله ، أن يجعل الإنسان من اسمه ، تكأة في مكالماته، ووسائل إقناعه، وتأثيراته على
стр. 453
الآخرين، غير مبال بقوله ، وهو يحذر من هذه العادة السيئة: [وَلاَ تَجْعَلُواْ اللهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] (البقرة: ٢٢٤).
ذلك لأن من شأن المؤمن أن يكون معظماً لله ، يفيض قلبه خشية منه، ومهابة له.
والتعظيم والخشية يتنافيان مع هذه الاستهانة باسم الله . ومن أخطر نتائج هذه العادة، أن صاحبها قد يستسيغ تعمّد الكذب في الحلف باسم الله ، وهي اليمين الغموس التي من شأنها أن تغمس صاحبها في النار، إن لم يتب منها، وتكون سبباً في محق البركة والخير، في كسبه وماله.
روى البخاري في [البيوع ـ باب ـ الربا، رقم ١٩٨١] ومسلم في [المساقاة ـ باب ـ النهي عن الحلف في البيع، رقم ١٦٠٦] عن أبي هريرة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " الحلفُ منفقة للسلعةِ مَمْحقةٌ للبركة".
وروى البخاري في [الأيمان والنذور ـ باب ـ اليمين الغموس، رقم: ٦٢٩٨] عن عبدالله بن عمرو ﵁، عن النبي ﷺ قال: " الكبائرُ: الإشراكُ باللهِ، وعقوقُ الوالدينِ، وقتلُ النفسِ، واليمينُ الغموسُ" [ا] التي تغمس صاحبها في النار، لتعمّد الكذب فيها].
شروط انعقاد اليمين:
يشترط لانعقاد اليمين تحقّق الأمور التالية:
١ - أن يكون الحالف بالغاً عاقلاً:
وذلك لرفع القلم والمؤاخذة عن غير البالغ العاقل، والدليل في ذلك ما رواه أبو داود [في الحدود ـ باب ـ في المجنون يسرق، أو يصيب حدّاً، رقم: ٤٤٠٣] وغيره، عن علي ﵁، عن النبي ﷺ قال: رُفعَ
стр. 454
القلمُ عن ثلاثة: عن النائمِ حتى يستيقظ، وعن الصبيِّ حتى يحتلمَ، وعن المجنون حتى يعقل ".
[يحتلم: يبلغ].
٢ - أن لا يكون اليمين لغواً:
وذلك كقولهم: بلى والله، ولا والله، ونحو ذلك مما يدرج على ألسنة الناس، بغير قصد، ويشيع في العُرْف ذلك.
وقد سبق دليل من الكتاب والسنّة عند الكلام عن تعريف اليمين اصطلاحاً.
٣ - أن يكون القَسَم بواحد مما يلي:
أ) ذات الله :
كقول الشخص: أقسم بذات الله تعالى، أو أقسم بالله .
ب) أحد أسمائه تعالى الخاصة به:
كقول القائل: أقسم بربّ العالمين، أو بمالك يوم الدين، أو أقسم بالرحمن.
ج) صفة من صفاته تعالى:
وذلك مثل قول الإنسان: أقسم بعزة الله، أو بعلمه، أو بإرادته، أو بقدرته.
والأصل في كل ما ذكر ما جاء في السنة الصحيحة على لسان رسول الله ﷺ .
روى البخاري [في الأيمان والنذور ـ باب ـ لا تحلفوا بآبائكم، رقم: ٦٢٧٠] ومسلم [في الأيمان ـ باب ـ النهي عن الحلف بغير الله تعالى، رقم: ١٦٤٦] عن عبدالله بن عمر ﵁، أن رسول الله ﷺ أدرك عمر بن الخطاب، وهو يسير في ركب، يحلف بأبيه، فقال " ألا إنَّ اللهَ
стр. 455
ينهاكم أن تَحلفوا بآبائِكم، من كان حالفاً فليحلفْ باللهِ، أو ليَصْمُتٍُ".
وروى البخاري [في الأيمان النذور ـ باب ـ كيف كان يمين النبي ﷺ رقم ٦٢٥٣] عن ابن عمر ﵁ قال: كانت يمين النبي ﷺ : " لا ومقلِّبِ القلوبِ ".
وثبت في أكثر من حديث عند البخاري وغيره، أنه ﷺ قال في حَلِفه: " والذي نفسي بيدِهِ"، " والذي نفسُ محمدٍ بيدِهِ". [البخاري، في كتاب الأيمان والنذور ـ باب ـ كيف كانت يمين النبي ﷺ ، رقم ٦٢٥٤، ٦٢٥٥].
فلو أن أحداً أقسم بغير ما ذكر لم ينعقد يمينه، لسببين:
أولهما: حديث رسول الله ﷺ السابق: " مَن كان حالفاً، فليحلفْ بالله، أو ليَصمتْ".
ثانيهما: فَقْدُ كمال العظمة في غير ما ذُكر، والمؤمن منهيّ عن تعظيم غير الله تعظيماً ذاتياً.
اليمين صريح وكناية:
ثم إن اليمين ينقسم إلى قسمين: صريح، وكناية.
١ - الصريح:
واليمين الصريح: هو كل ما أقسم فيه الشخص باسم من أسماء الله تعالى الخاصة به، كقول القائل: أُقسم بالله، أو أُقسم بربّ العالمين.
٢ - الكناية:
وهو أن يقسم بما ينصرف إليه عند الإطلاق، كقوله: أُقسم بالخالق، أو أُقسم بالرازق، أو الرب.
أو أن يُقسِم بما من شأنه أن يُستعمل في التعبير عن ذات الله تعالى وعن غيره، على حدٍّ سواء، كقول القائل: أقسم بالموجود، أو العالِم، أو الحي.
стр. 456
أو يقسم بصفة من صفات الله : كقدرة الله تعالى، وعلمه، وكلامه.
حكم كل من الصريح والكناية:
١ - حكم اليمين الصريح:
اليمين الصريح يتم انعقاده بمجرّد التلفّظ به، ولا يُقبل قول الحالف: لم أُرِد به اليمين، لأن هذه الألفاظ لا تحتمل غير اليمين.
فلو قال: قصدت بلفظ (الله) غير ذات الله ، لم يُقبل منه قوله، ولكن لابدّ فيه من إرادة اليمين المنعقدة.
فلو سبق هذا اللفظ إلى لسانه من غير أن يقصد اليمين، كان لغواً، كما سبق بيانه.
٢ - حكم اليمين الكناية:
أما اليمين الكناية، فحكمه أنه لا ينعقد إلا بالنيّة والقصد، فيقبل قول الحالف: لم أقصد اليمين.
فإن قال: أقسم بالخالق، أو الرازق، أو الرب، انعقد يمينه إلا إن أراد بهذه الألفاظ غير ذات الله ، فينصرف إلى المعنى الذي أراده، ولا ينعقد كلامه عندئذ يميناً، لأنه قد يستعمل هذا الكلام في غير الله تعالى مقَّيداّ.
قال الله : [وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً] (العنكبوت: ١٧). [أي تقولون كذباً، وتصنعون أصناماً بأيديكم، وتسمونها آلهة].
وقال عز من قائل: [فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ] (النساء: ٨).
وقال ﷻ : [ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ] (يوسف: ٥٠).
وإن قال: أقسم بالموجود، أو العالم، أو الحي، لم ينعقد كلامه يميناً بمثل هذه الألفاظ، إلا بشرط أن ينوي بها ذات الله ، لأنها
стр. 457
لما كانت تستعمل للدلالة على ذات الله تعالى، وعلى غيره على حدٍّ سواء لم يتعين يميناً إلا بالنية.
وإن قال: أقسم بقدرة الله تعالى، أو علمه، أو كلامه انعقد كلامه يميناً بشرط أن لا يقصد بالعلم: المعلوم، وبالقدرة، المقدور، وبالكلام: الحروف والأصوات.
فإن قصد ذلك لم ينعقد كلامه يميناً، لأن معلوم الله ومقدوره والحروف والأصوات، ليس شيء منها داخلاً في ذات الله ، أو إحدى صفاته.
البِرّ باليمين والحنث بها: معناهما وحكمهما:
١ - معنى البِرّ باليمين والحنث بها:
إذا أقسم الإنسان بالله ، أو بإحدى صفاته، وكان قَسَمه معقوداً: أي مستوفياً الشروط التي مرّ ذكرها، فلابدّ أن يَؤُول أمره بالنسبة لهذا القسم إلى البِرّ بيمينه، أو الحِنْث به.
فالبِرّ باليمين: هو أن يحقّق ما التزمه بيمينه، إن كان وعداً. وأن يكون صادقاً فيها إن كان إخباراً عن شيء ثابت.
والحنث فيه: أن لا يحقّق ما قد التزمه، إن كان وعداً والتزاماً. أو يكون كاذباً فيه إن كان إخباراً.
والحنث في الأصل: الذنب، وأطلق على ما ذكر، لأنه سبب له.
٢ - حكم البِرِّ باليمين والحنث فيها:
حكم البر باليمين: أنه يرفع عُهدة المسئولية عن صاحبها.
وأما حكم الحنث فيها: فهو ذو حالتين، لكل حالة منهما حكم خاص بها:
стр. 458
الحالة الأولى:
أن يكون الحنث باليمين عبارة عن عدم تحقيق المقسِم لما التزمه بيمينه؛ كأن أقسم بالله تعالى ليتصدقنّ على فقير في يوم كذا، فلم يتصدّق في اليوم المحدود. وحكم هذا الحنث: هو وجوب تكفير الحانث عن يمينه. وسيأتي بيان كفّارة اليمين بعد قليل، إن شاء الله تعالى.
الحالة الثانية:
أن يكون الحنث باليمين عبارة عن الكذب في إخباره، الذي أبى إلا أن يوثّقه باليمين، كأن يقول: والله إن هذا المتاع ملكي، وهو يعلم أنه ليس ملكه، ويسمى مثل هذا اليمين يميناً غموساً، كما سبق بيانه.
وحكم هذا الحنث استحقاق صاحبه العقاب الكبير من الله مع وجوب الكفارة، لأنه من اليمين المنعقدة.
والفرق بين الحالتين: أن صاحب الحالة الثانية أكثر استهتاراً باسم الله ، إذ هو يُقسِم بالله في الوقت الذي يعلم أنه يقسم بالله كذباً.
أما صاحب الحالة الأولى، فربما كان عازماً عند النطق باليمين على البِرّ باليمين، والعمل بموجبها، لكنه حالَ بينه وبين الوفاء بها حائل، أو أنه تنبّه بعد ذلك إلى شيء هو خير مما التزمه باليمين، فعمل بوصية النبي ﷺ : " مَنْ حلفَ على يمينٍ، فرأى غيرَها خيراً منها، فليأتِ الذي هو خيرٌ، وليكفِّرْ عن يمينه". أخرجه مسلم
[في الأيمان ـ باب ـ ندب مَن حلف يميناً فرأى غيرها .. ، رقم: ١٦٥٠].
كفّارة اليمين:
ومَنْ حنث في يمين غموس، أو غير غموس، وجبت عليه كفارة. وهو مخيَّر فيها أولاً بين ثلاثة أشياء:
١ - عِتق رقبة مؤمنة، والمراد بالرقبة: عبد أو أَمَة. وإنما يكون هذا حيث يوجد الرقيق.
стр. 459
٢ - إطعام عشرة مساكين، لكل مسكين مُدُّ حَبٍّ من غالب قوت بلده. والمدّ: مكيال معروف يتسع: ٦٠٠ غراماً تقريباً.
ويجب تمليك كل مسكين ما ذكر، فلا يكفي دعوتهم لتناول طعام غداء، أو عشاء، ونحو ذلك.
٣ - كِسْوَة عشرة مساكين مما يُعتاد لُبْسه، ويسمى في العُرْف كسوة: فالقميص، والسراويل، والجَوْرب، وغطاء الرأس على أي شكل كان، كله يسمى كسوة.
فإن عجز عن تحقيق شيء من هذه الأمور الثلاثة: بأن كان مُعْسِراً، وجب عليه صيام ثلاثة أيام، ولا يشترط فيها التتابع، بل يجوز له تفريقها.
دليل كفارة اليمين:
ودليل هذه الكفّارة قول الله : [لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ] (المائدة: ٨٩).
خاتمة في بعض أحكام اليمين:
١ - لو قال شخص: أقسمتُ بالله، أو أُقسِم بالله، لأفعلنّ كذا، فهو يمين، إن نوى اليمين، أو أطلق، لكثرة استعمال هذا اللفظ في الأيمان.
قال الله تبارك تعالى: [وَأَقْسَمُواْ بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ] (النحل:: ٣٨). وإن لم يقصد اليمين، بل قصد خبراً ماضياً، أو مستقبلاً، فليس بيمين، لاحتمال اللفظ ما نواه.
٢ - لو قال شخص لغيره: أُقسِم عليك بالله، أو أسألك بالله، لتفعلنّ كذا، فهو يمين إن أراد به يمين نفسه، لاشتهار ذلك شرعاً، ويسنّ عندئذ
стр. 460
للمخاطب إبرار الحالف، إن لم يكن في إبراره ارتكاب محرَّم، أو مكروه.
ودليل ذلك ما رواه البخاري في [الجنائز ـ باب ـ الأمر بإتباع الجنائز، رقم: ١١٨٢] عن البراء ﵁ قال: (أمرنا النبي ﷺ بسبع ... وعدّ منها: إبرار القسم).
أما إن أراد بقوله: أُقسم عليك بالله، أو أسألك بالله، أو أسألك بالله يمين المخاطب، أو لم يردّ يميناً، وإنما أراد التشفُّع إليه، فإنه لا يكون يميناً عندئذٍ، لأنه لم يقصد اليمين هو، ولم يحلف المخاطب أيضاً، ولذلك قالوا: يُكره السؤال بوجه الله .
ودليل ذلك قول النبي ﷺ : (لا يُسأل بوجه الله إلا الجنة). أخرجه أبو داود في [الزكاة ـ باب ـ كراهية المسألة بوجه الله تعالى، رقم: ١٦٧١].
٣ - مَن حلف على ترك واجب من الواجبات: كترك الصلاة والصيام مثلاً، أو حلف على فعل محرَّم: كالسرقة، أو القتل، فإنه قد عصى الله ، في الحالتين، ولزمه الحنث فيهما، لأن الإقامة على هذه الحالة معصية، كما تلزمه الكفارة أيضاً.
٤ - إذا حلف أن لا يفعل شيئاً: كبيع، وشراء، ونحو ذلك، فوكَّل غيره بفعله، فإنه لا يحنث بفعل وكيله، لأن العبرة بما يدل عليه اللفظ، فإنه حلف على فعل نفسه، فلا يحنث بفعل غيره، والفعل إنما ينسب إلى من باشره.
نعم إن أراد عند التلفّظ باليمين ما يشمل فعله المباشر، وفعل الوكيل عنه حنث.
٥ - إذا حلف أن لا يتزوج فلانة، فوكّل من يقبل له العقد عليها عوضاً عنه