Полный текст (1 678 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
أو يقسم بصفة من صفات الله : كقدرة الله تعالى، وعلمه، وكلامه.
حكم كل من الصريح والكناية:
١ - حكم اليمين الصريح:
اليمين الصريح يتم انعقاده بمجرّد التلفّظ به، ولا يُقبل قول الحالف: لم أُرِد به اليمين، لأن هذه الألفاظ لا تحتمل غير اليمين.
فلو قال: قصدت بلفظ (الله) غير ذات الله ، لم يُقبل منه قوله، ولكن لابدّ فيه من إرادة اليمين المنعقدة.
فلو سبق هذا اللفظ إلى لسانه من غير أن يقصد اليمين، كان لغواً، كما سبق بيانه.
٢ - حكم اليمين الكناية:
أما اليمين الكناية، فحكمه أنه لا ينعقد إلا بالنيّة والقصد، فيقبل قول الحالف: لم أقصد اليمين.
فإن قال: أقسم بالخالق، أو الرازق، أو الرب، انعقد يمينه إلا إن أراد بهذه الألفاظ غير ذات الله ، فينصرف إلى المعنى الذي أراده، ولا ينعقد كلامه عندئذ يميناً، لأنه قد يستعمل هذا الكلام في غير الله تعالى مقَّيداّ.
قال الله : [وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً] (العنكبوت: ١٧). [أي تقولون كذباً، وتصنعون أصناماً بأيديكم، وتسمونها آلهة].
وقال عز من قائل: [فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ] (النساء: ٨).
وقال ﷻ : [ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ] (يوسف: ٥٠).
وإن قال: أقسم بالموجود، أو العالم، أو الحي، لم ينعقد كلامه يميناً بمثل هذه الألفاظ، إلا بشرط أن ينوي بها ذات الله ، لأنها
стр. 457
لما كانت تستعمل للدلالة على ذات الله تعالى، وعلى غيره على حدٍّ سواء لم يتعين يميناً إلا بالنية.
وإن قال: أقسم بقدرة الله تعالى، أو علمه، أو كلامه انعقد كلامه يميناً بشرط أن لا يقصد بالعلم: المعلوم، وبالقدرة، المقدور، وبالكلام: الحروف والأصوات.
فإن قصد ذلك لم ينعقد كلامه يميناً، لأن معلوم الله ومقدوره والحروف والأصوات، ليس شيء منها داخلاً في ذات الله ، أو إحدى صفاته.
البِرّ باليمين والحنث بها: معناهما وحكمهما:
١ - معنى البِرّ باليمين والحنث بها:
إذا أقسم الإنسان بالله ، أو بإحدى صفاته، وكان قَسَمه معقوداً: أي مستوفياً الشروط التي مرّ ذكرها، فلابدّ أن يَؤُول أمره بالنسبة لهذا القسم إلى البِرّ بيمينه، أو الحِنْث به.
فالبِرّ باليمين: هو أن يحقّق ما التزمه بيمينه، إن كان وعداً. وأن يكون صادقاً فيها إن كان إخباراً عن شيء ثابت.
والحنث فيه: أن لا يحقّق ما قد التزمه، إن كان وعداً والتزاماً. أو يكون كاذباً فيه إن كان إخباراً.
والحنث في الأصل: الذنب، وأطلق على ما ذكر، لأنه سبب له.
٢ - حكم البِرِّ باليمين والحنث فيها:
حكم البر باليمين: أنه يرفع عُهدة المسئولية عن صاحبها.
وأما حكم الحنث فيها: فهو ذو حالتين، لكل حالة منهما حكم خاص بها:
стр. 458
الحالة الأولى:
أن يكون الحنث باليمين عبارة عن عدم تحقيق المقسِم لما التزمه بيمينه؛ كأن أقسم بالله تعالى ليتصدقنّ على فقير في يوم كذا، فلم يتصدّق في اليوم المحدود. وحكم هذا الحنث: هو وجوب تكفير الحانث عن يمينه. وسيأتي بيان كفّارة اليمين بعد قليل، إن شاء الله تعالى.
الحالة الثانية:
أن يكون الحنث باليمين عبارة عن الكذب في إخباره، الذي أبى إلا أن يوثّقه باليمين، كأن يقول: والله إن هذا المتاع ملكي، وهو يعلم أنه ليس ملكه، ويسمى مثل هذا اليمين يميناً غموساً، كما سبق بيانه.
وحكم هذا الحنث استحقاق صاحبه العقاب الكبير من الله مع وجوب الكفارة، لأنه من اليمين المنعقدة.
والفرق بين الحالتين: أن صاحب الحالة الثانية أكثر استهتاراً باسم الله ، إذ هو يُقسِم بالله في الوقت الذي يعلم أنه يقسم بالله كذباً.
أما صاحب الحالة الأولى، فربما كان عازماً عند النطق باليمين على البِرّ باليمين، والعمل بموجبها، لكنه حالَ بينه وبين الوفاء بها حائل، أو أنه تنبّه بعد ذلك إلى شيء هو خير مما التزمه باليمين، فعمل بوصية النبي ﷺ : " مَنْ حلفَ على يمينٍ، فرأى غيرَها خيراً منها، فليأتِ الذي هو خيرٌ، وليكفِّرْ عن يمينه". أخرجه مسلم
[في الأيمان ـ باب ـ ندب مَن حلف يميناً فرأى غيرها .. ، رقم: ١٦٥٠].
كفّارة اليمين:
ومَنْ حنث في يمين غموس، أو غير غموس، وجبت عليه كفارة. وهو مخيَّر فيها أولاً بين ثلاثة أشياء:
١ - عِتق رقبة مؤمنة، والمراد بالرقبة: عبد أو أَمَة. وإنما يكون هذا حيث يوجد الرقيق.
стр. 459
٢ - إطعام عشرة مساكين، لكل مسكين مُدُّ حَبٍّ من غالب قوت بلده. والمدّ: مكيال معروف يتسع: ٦٠٠ غراماً تقريباً.
ويجب تمليك كل مسكين ما ذكر، فلا يكفي دعوتهم لتناول طعام غداء، أو عشاء، ونحو ذلك.
٣ - كِسْوَة عشرة مساكين مما يُعتاد لُبْسه، ويسمى في العُرْف كسوة: فالقميص، والسراويل، والجَوْرب، وغطاء الرأس على أي شكل كان، كله يسمى كسوة.
فإن عجز عن تحقيق شيء من هذه الأمور الثلاثة: بأن كان مُعْسِراً، وجب عليه صيام ثلاثة أيام، ولا يشترط فيها التتابع، بل يجوز له تفريقها.
دليل كفارة اليمين:
ودليل هذه الكفّارة قول الله : [لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ] (المائدة: ٨٩).
خاتمة في بعض أحكام اليمين:
١ - لو قال شخص: أقسمتُ بالله، أو أُقسِم بالله، لأفعلنّ كذا، فهو يمين، إن نوى اليمين، أو أطلق، لكثرة استعمال هذا اللفظ في الأيمان.
قال الله تبارك تعالى: [وَأَقْسَمُواْ بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ] (النحل:: ٣٨). وإن لم يقصد اليمين، بل قصد خبراً ماضياً، أو مستقبلاً، فليس بيمين، لاحتمال اللفظ ما نواه.
٢ - لو قال شخص لغيره: أُقسِم عليك بالله، أو أسألك بالله، لتفعلنّ كذا، فهو يمين إن أراد به يمين نفسه، لاشتهار ذلك شرعاً، ويسنّ عندئذ
стр. 460
للمخاطب إبرار الحالف، إن لم يكن في إبراره ارتكاب محرَّم، أو مكروه.
ودليل ذلك ما رواه البخاري في [الجنائز ـ باب ـ الأمر بإتباع الجنائز، رقم: ١١٨٢] عن البراء ﵁ قال: (أمرنا النبي ﷺ بسبع ... وعدّ منها: إبرار القسم).
أما إن أراد بقوله: أُقسم عليك بالله، أو أسألك بالله، أو أسألك بالله يمين المخاطب، أو لم يردّ يميناً، وإنما أراد التشفُّع إليه، فإنه لا يكون يميناً عندئذٍ، لأنه لم يقصد اليمين هو، ولم يحلف المخاطب أيضاً، ولذلك قالوا: يُكره السؤال بوجه الله .
ودليل ذلك قول النبي ﷺ : (لا يُسأل بوجه الله إلا الجنة). أخرجه أبو داود في [الزكاة ـ باب ـ كراهية المسألة بوجه الله تعالى، رقم: ١٦٧١].
٣ - مَن حلف على ترك واجب من الواجبات: كترك الصلاة والصيام مثلاً، أو حلف على فعل محرَّم: كالسرقة، أو القتل، فإنه قد عصى الله ، في الحالتين، ولزمه الحنث فيهما، لأن الإقامة على هذه الحالة معصية، كما تلزمه الكفارة أيضاً.
٤ - إذا حلف أن لا يفعل شيئاً: كبيع، وشراء، ونحو ذلك، فوكَّل غيره بفعله، فإنه لا يحنث بفعل وكيله، لأن العبرة بما يدل عليه اللفظ، فإنه حلف على فعل نفسه، فلا يحنث بفعل غيره، والفعل إنما ينسب إلى من باشره.
نعم إن أراد عند التلفّظ باليمين ما يشمل فعله المباشر، وفعل الوكيل عنه حنث.
٥ - إذا حلف أن لا يتزوج فلانة، فوكّل من يقبل له العقد عليها عوضاً عنه
стр. 461
حنث، لأن الزواج لا يطلق على العقد وحده، بل يطلق عليه وعلى نتائجه، وهو الوطء، والحالف وإن لم يكن مباشراً للعقد، فهو مباشر لنتائجه.
٦ - مَن حلف على ترك أمرين، ففعل أحدهما لم يحنث، كأن قال: والله لا ألبس هذين الثوبين، أو لا أُكلّم هذين الرجلين، فلبس أحد الثوبين، أو كلّم أحد الرجلين، فإنه لم يحنث بذلك، لأن يمينه واحدة على مجموع الأمرين.
أما لو قال: والله لا ألبس هذا الثوب، ولا هذا، أو لا أُكلّم هذا الرجل، ولا هذا، فإنه يحنث بلبس أحد الثوبين، أو تكليم أحد الرجلين، لأن إعادة حرف النفي جعلت كلاً منهما مقصوداً باليمين على انفراد.
٧ - مَن حلف على فعل أمرين اثنين، كأن قال: والله لآكلنّ هذين الرغيفين، أو لأُكلمنّ هذين الشخصين لم يبِرّ بقسَمَه بفعل أحدهما، بل لابدّ لكي يبرّ بقسمه، وينجو من الحنث من أكل الرغيفين، ومكالمة كِلا الشخصين، والله أعلم.
стр. 462
النُّذُور
تعريف النذور:
النذور: جمع نذر، والنذر في اللغة: الوعد بخير أو شر.
وشرعاً: الوعد بخير خاصة.
والنذر في اصطلاح الفقهاء: التزام قُرْبة غير واجبة في الشرع، مطلقاً، أو معلقاً على شيء.
أدلة تشريع النذر:
يدلّ على مشروعية النذر، ولزوم الوفاء به:
القرآن والسُنّة.
أما القرآن، فقول الله في صفات الأبرار: [يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً] (الدهر: ٧).
وقوله ﵎: [وليوفوا نذورهم] (الحج: ٢٩).
وأما السُنّة فقوله ﷺ ، فيما رواه البخاري في [الأيمان والنذور ـ باب ـ النذر في الطاعة، رقم: ٦٣١٨] عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ : " من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يَعْصِيه".
وقوله ﷺ في الذين لا يوفّون بنذورهم: " إن بعدَكم قوماً يخونون ولا
стр. 463
يُؤتمنون، ويَشهدون ولا يُستشهدون، ويَنذُرون ولا يَفُون، ويظهر فيهم السِّمنُ". رواه البخاري في [الشهادات ـ باب ـ لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد، رقم: ٢٥٠٨] ومسلم في [فضائل الصحابة ـ باب ـ فضل الصحابة ثم الذين يلونهم، رقم: ٢٥٣٥] عن عمران بن حصين ﵄.
[يظهر فيهم السمن: أي بسبب كثرة المآكل مع الخلود إلى الراحة، وترك الجهاد، وقيل: هو كناية عن التفاخر بمتاع الدنيا].
حكم النذر:
إن النذر مشروع، وهو من نوع القربات، ولذلك قال الفقهاء: إنه لا يصحّ من الكافر.
إلا أن الأفضل أن يباشر الإنسان القربة التي يريدها بدون أن يلزم نفسه بها، ويجعلها عليه نذراً.
فالصدقة التي يتقرّب بها الإنسان إلى الله تعالى اختياراً، أفضل من الصدقة التي يلتزمها نذراً.
ودليل ذلك ما رواه البخاري في [القدر ـ باب ـ إلقاء العبد النذر إلى القدر، رقم: ٦٢٣٤] ومسلم في [النذر ـ باب ـ النهي عن النذر، وأنه لا يردّ شيئاً، رقم ١٦٣٩] أنه ﷺ نهى عن النذر، وقال: " إنه لا يردُّ شيئاً، وإنما يُستخرج به من النخيل ".
أي إن النذور المعلّقة لا تغيِّر من قضاء الله شيئاً، وهو ليس إلا وسيلة يلزم بها البخيل نفسه بالإنفاق والصدقة، لعلمه أنها لو لم تصبح واجبة عليه بالنذر والالتزام، فإنه لن يستطيع أن يتغلب على نفسه في إخراجها.
أنواع النذر:
ينقسم النذر إلى ثلاثة أنواع:
стр. 464
النوع الأول: نذر اللَّجاج:
وهو ما يقع حال الخصومة، بسائق من الغضب، كأن يقول أثناء خصومته: إن كلمتُ فلاناً، فلله عَلَيَّ صيام شهر.
النوع الثاني: نذر المجازاة: أي المكافأة:
وهو أن يعلّق التزامه بقربةٍ ما على حصول غرض للناذر، دون أن يكون مدفوعاً إلى ذلك بخصومة، أو لجاج، وذلك كأن يقول: إن شفي الله مريضي، فلله عليّ أن أتصدق بشاة.
النوع الثالث: النذر المطلق:
وهو أن يلتزم قربةً ما لله تعالى دون تعليق على حصول غرض له، ودون دافع خصومة، أو غضب، كأن يقول: لله عليّ صيام يوم الخميس.
ويسمى كلٍّ من النوعين: الثاني والثالث، نذر التبرّر، وسمي بذلك، لأن الناذر طلب به البِرّ، والتقرّب إلى الله تعالى.
أحكام كل نوع من أنواع النذر:
أما النوع الأول: وهو نذر اللجاج، فحكمه أن المعلّق عليه إذا وقع وجب على الناذر إنجاز ما التزمه، أو إخراج كفّارة يمين، يختار واحداً منهما، لأن هذا النوع يشبه النذر من جانب كونه التزاماً، ويشبه اليمين من جانب كونه وسيلة امتناع عن أمر.
ودليل ذلك ما رواه مسلم في [النذر ـ باب ـ كفارة النذر، رقم ١٦٤٥] عن عقبة بن عامر ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: " كفارةُ النذرِ كفارةُ اليمينِ ".
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: حمله جمهور أصحابنا على نذر اللجاج.
أما النوع الثاني: وهو نذر المجازاة، فحكمه أن المعلق عليه إذا وقع؛ كأن شفى الله مريضه، أو قَدِم غائبه، وجَبَ على الناذر إنجاز ما قد
стр. 465
التزمه، لا يغنيه عن ذلك شيء.
ودليل ذلك قول الله : [وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ] (النحل: ٩١). وقول النبي ﷺ : " من نذر أن يطيع الله فليُطِعه". رواه البخاري في [الأيمان والنذور ـ باب ـ النذر في الطاعة، رقم ٦٣١٨] عن عائشة ﵂.
وأما النوع الثالث: وهو النذر المطلق، وهو القسم الثاني من نذر التبرّر، فحكمه أنه يجب على الناذر تحقيق ما التزمه مطلقاً، أي دون أيّ تعليق على شيء.
ودليل ذلك عموم الأدلة المتقدمة، إلا أن له أن يتأخَّر في الوفاء به ما لم يصل إلى زمن يغلب فيه على ظنه أنه لن يتمكن من الوفاء.
وليس له أن يستبدل به كفّارة يمين، لأن معنى اليمين مفقودة في هذا النوع من النذور.
شروط النذر:
للنذر شروط من حيث هو نذر: أي بقطع النظر عن أنواعه الثلاثة.
وتتلخص هذه الشروط فيما يلي:
أولاً: من حيث الناذر: ويشترط فيه ثلاثة شروط:
١ - الإسلام:
فلا يصحّ النذر من كافر، لأن الكافر ليس أهلاً لاكتساب القربات، إذ لا تصح منه ما دام كافراً.
٢ - التكليف:
فلا يصح النذر من الصبي والمجنون، لأن كلاً منهما ليس أهلاً للالتزام، فمهما ألزم كل واحد منهما نفسه بقربة، أو أوجبها على نفسه،
стр. 466
فإنها لا تصبح بذلك واجبة عليه، لأنه ليس أهلاً لذلك، لكونه غير مكلف شرعاً.
٣ - الاختيار:
فلا يصحّ النذر من المُكرَه، لقوله ﷺ : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه " رواه ابن ماجه في [الطلاق ـ باب ـ طلاق المكره والناسي، رقم ٢٠٤٥] وصحّحه ابن حبّان والحاكم، عن ابن عباس ﵁.
أي وضع عنهم حكم ذلك، وما ينتج عنه.
ثانياً: من حيث المنذور: ويشترط فيه الشرطان التاليان:
١ - أن يكون المنذور قربه:
فلا نذر في المباحات، وهي الأمور التي لا يترتب على فعلها أو تركها ثواب أو عقاب، فلو نذر فعل مُباح، أو تركه: كأكل، ونوم لم يلزمه الفعل، ولا الترك، وليس عليه شيء.
ودليل ذلك ما رواه البخاري في [الأيمان والنذور ـ باب ـ النذر فيما لا يملك وفي معصية، رقم: ٦٣٢٦] عن ابن عباس ﵄ قال: بينما النبي ﷺ يخطب، إذ هو برجل قائم، فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم، فقال النبي ﷺ : " مره فليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتمّ صومه".
وإنما أمره بإتمام الصوم، لأن الصوم طاعة، ويلزمه الوفاء بها إذا نذرها.
وكذلك لا نذر في المحرمات: كالقتل، والزنى ...
ولا في المكروهات: كأن نذر أن يترك السُنن الرواتب مثلاً، لأن فعل
стр. 467
المحرم، أو المكروه ليس مما يبتغي به وجه الله .
قال رسول الله ﷺ : " لا نذر في معصية الله ". رواه مسلم في [النذر ـ باب ـ لا وفاء لنذر في معصية الله، رقم: ١٦٤١] وقد سبق ما رواه البخاري في [الأيمان والنذور ـ باب ـ النذر في الطاعة، رقم: ٦٣١٨] عن عائشة ﵂: " ... ومن نذر أن يَعصِيَه، فلا يعصِهْ".
وقال ﵊: " لا نذر إلا فيما ابُتغِيَ به وجه الله ". رواه أبو داود في [الأيمان والنذور ـ باب ـ اليمين في قطيعة الرحم، رقم: ٣٢٧٣].
٢ - أن لا يكون المنذور من الواجبات العينية ابتداءاً:
فلو نذر أن يصلي صلاة الظهر، أو أن يُخرج زكاة ماله، كان ذلك النذر باطلاً، إذ ليس له من أثر جديد على المنذور، لكونه واجباً في حق الناذر ابتداءاً دون حاجة إلى النذر، فلا معنى لإيجابه.
وخرج بالواجبات العينية الواجبات الكفائية، فيجوز النذر بها، كما لو نذر الصلاة على جنازة، أو تعَلُّمَ علمٍ مما يجب على المسلمين تعلّمه على سبيل الكفاية كالطب، والصناعات.
ذلك لأن النذر يُخرِج هذا المنذور من مستوى الفرض الكفائي، إلى الفرض العيني، في حق الناذر.
الآثار المترتبة على النذر الصحيح:
إذا صحّ النذر: بأن توفرت فيه الشرائط التي ذكرناها، وجب على الناذر تحقيق ما التزم به، عند حصول الشيء المعلّق به في النذر المعلّق، ومطلقاً، في النذر الناجز، أي المطلق.
ويجب عليه من ذلك ما يقع عليه الاسم شرعاً، سواء كان المنذور صلاة، أو صياماً، أو صدقة، أو غير ذلك.
стр. 468
فلو نذر صلاة، ولم يقيدها بكيفية، أو عدد وجب عليه ركعتان من قيام إذا كان قادراً على القيام، وذلك حملاً على أقل واجب الشرع.
أما لو نذر عدداً من الركعات، أو نذر الصلاة من قعود وجب عليه التزام القدر الذي حدّده، والكيفية التي حدّدها، لكن لو صلاها من قيام كان أفضل.
ولو نذر صوماً مطلقاً، فأقل ما يقع عليه الاسم من ذلك صوم يوم واحد.
أما إن نذر صوم أيام دون تحديد لعدد هذه الأيام، فأقل ما يجب عليه الصوم ثلاثة أيام، لأنها أقل الجمع.
ولو نذر صدقة، وجب عليه أن يتصدق بأقل مُتَمَوِّل من ممتلكاته، على مَن هو أهل للزكاة، كالفقراء، والمساكين.
أما إن قيّد القربة التي التزمها بحال معينة، أو زمن معين، أو عدد معين، فالأصل عندئذٍ وجوب ما قد التزمه، على الكيفية والحال التي نصّ عليها.
فإن نذر التصدّق على أهل بلد معينة، وجب عليه التصدّق عليهم بأعيانهم، ولم يَجُزْ له صرف صدقته إلى أهل بلدة أخرى.
أو نذر الاعتكاف في مسجد معين، فإن كان أحد المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، وجب عليه الاعتكاف في المسجد الذي عيّنه منها، وذلك لفضيلة هذه المساجد على غيرها.
ودليل فضيلتها على غيرها قول النبي ﷺ " لا تُشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول ﷺ ، ومسجد الأقصى ". أخرجه البخاري في
[أبواب التطوّع ـ باب ـ فضل الصلاة في مسجد مكة
стр. 469
والمدينة، رقم ١١٣٢] ومسلم في [الحج ـ باب ـ فضل الصلاة بمسجد مكة والمدينة، رقم: ١٣٩٤].
وإن عيّن في نذره مسجداً غير هذه المساجد الثلاثة، وجب عليه أن يعتكف في أيّ المساجد شاء، لأن أجر الاعتكاف لا يختلف بين بلدة وأخرى، أو مسجد وآخر.
وإن نذر حجاً، أو عمرة، لزمه أن يفعل ذلك بنفسه، إن كان قادراً على ذلك بنفسه، فإن كان عاجزاً عن الحج أو العمرة بنفسه استناب من يحج عنه، أو يعتمر، ولو بأجرة، كما يجب عليه ذلك في حجة الفريضة إذا عجز عن أدائها بنفسه، استناب من يحج عنه.
ويندب تعجيله بالوفاء بما نذره، في أول فرصة تسنح له، مبادرة إلى براءة ذمته.
فإن تمكن من الحج أو العمرة فأخّر أداءها فمات حُجَّ عنه أو اعتمر من ماله، لتقصيره بعد حصول التمكّن.
أما إذا مات قبل التمكّن من الحج أو العمرة فلا شيء عليه، لعدم تقصيره حينئذٍ.
وإن نذر أن يحج، أو يعتمر ماشياً لزمه المشي إن كان قادراً على المشي، لأنه التزم جعل المشي وصفاً للعبادة، فهو كما لو نذر أن يصوم متتابعاً.
أما إذا لم يكن قادراً على المشي، فإنه لا يلزمه المشي، بل يجوز له الركوب، لعجزه عن المشي.
عن عقبة بن عامر ﵁ قال: نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله، وأمرتني أن أستفتي لها النبي ﷺ ، فاستفتيته، فقال عليه الصلاة
стр. 470
والسلام: " لتمشِ، ولتركبْ".
أخرجه البخاري في [الإحصار، وجزاء الصيد ـ باب ـ من نذر المشي إلى الكعبة، رقم: ١٧٦٧] ومسلم في [النذر ـباب ـ من نذر أن يمشي إلى الكعبة، رقم: ١٦٤٤].
ولو نذر أن يهدي شيئاً من نَعَم: وهي الإبل والبقر والغنم والمَعِز، أو مالٍ إلى مكة لزمه حمله إليه، ولزمه التصدّق به على مَن بها من الفقراء والمساكين، سواء أكانوا من أهلها، أم من الوافدين إليها.
ولو نذر أن يذبح شاة في بلد غير مكة ويفرقها فيها، لزمه الذبح في تلك البلد، وتفريق لحمها على مساكينها، ما دام قد نوى الذبح والتفرقة فيها، لأن الذبح وسيلة إلى التفرقة المقصودة، فلما جعل مكان الذبح مكان التفرقة، اقتضى تعيين الذبح فيها تبعاً لتفريق لحمها فيها.
ولو نذر شمعاً، لتوقد في المشاهد التي بُنيت على قبور الصالحين والأولياء، فإن قصد الناذر بذلك التنوير على من يسكن هناك من الناس، أو يتردد إليها صحّ نَذْره، ولزمه ذلك، وإن قصد به الإيقاد على القبر، ولو مع قصد التنوير على الناس، فلا يصح نذره.
وإن قصد به تعظيم البقعة، أو القبر، أو التقرّب إلى مَن دُفن فيها، أو نسبت إليه، فهذا نذر باطل غير منعقد.
النذر المطلق لا يتحدد بوقت:
إذا كان النذر مطلقاً عن تحديد الزمان، فإن وجوبه يكون من نوع الواجب الموسّع، أي فللناذر أن يتأخر في الوفاء بنذره ما دامت الفرصة سانحة له، ولم يغلب على ظنه أن التراخي سيحول دون قدرته على الوفاء بالنذر.
إلا أن يسنّ تعجيل الوفاء بالنذر، وإن كانت الفرصة لا تزال سانحة ومتّسعة، وذلك مسارعة إلى براءة ذمته من النذر. أما إذا كان النذر مقيداً
стр. 471
بزمن مخصوص، وجب التقيد بذلك الزمن، فإن أخّر الوفاء به عن ذلك الزمن بدون عذر أثم، ووجب عليه القضاء، وإن أخّر لعذر، لم يأثم، ووجب عليه القضاء أيضاً في أيّ فرصة ممكنة.
والله تعالى اعلم.
стр. 472
الصَّيْد وَالذّبَائِح
стр. 473
الصَّيْد
تعريف الصيد:
الصيد في الأصل: مصدر صاد يصيد صيداً: أي قنصه، وأخذه خِلْسة، وبحيلة، سواء أكان مأكولاً، أم غير مأكول.
ثم أريد به اسم المفعول، أي المصيد.
قال الله ﵎: [لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ] (المائدة: ٩٥). [أي: المصيد].
والصيد في اصطلاح الفقهاء خاص بما كان مأكولاً.
مشروعية الصيد:
الصيد مشروع، والأصل الدّال على مشروعيته، قول الله : [ُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ] (المائدة: ١).
وقوله : [وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ] (المائدة: ٢).
فإن الآية الأولى حصرت المنع من الصيد في حالة الإحرام، والآية الثانية صرّحت بإباحة الصيد بعد التحلّل من الإحرام.
وقوله ﵎: [يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ].
(المائدة: ٤).
стр. 474
[مكلبين: معلمين لها الصيد، وسمي التعليم هنا تكليباً، لأنه أكثر ما يكون في الكلاب].
الحكمة من مشروعية الصيد:
اعلم أن الوسائل التي حدّدها الشارع لحل أكل الحيوانات، من تذكية: أي ذبح، وصيد ونحوهما داخلة في قسم التعبدات المحضة، وليست قائمة على شيء من العلل والمصالح التي تقوم على أمثالها أحكام المعاملات. غير أن للباحث أن يستجلي بعض الحِكَم من حلِّ أكل بعض الحيوانات دون بعضها الآخر، ومن مشروعية الصيد إلى جانب مشروعية التذكية بالذبح، فإن كثيراً من العبادات يمكن للباحث الوقوف على بعض أسرارها وحكمها.
وحكمة مشروعية الصيد تشبه الحكمة من مشروعية ذكاة الضرورة، أي التذكية الاضطرارية، التي سنتحدث عنها فيما بعد.
إذ لمّا كان في الحيوانات التي استطابتها العرب، وأقرّت الشريعة الإسلامية أكلها، ما هو وحشي، وغير أليف، يصعب إخضاعه للتذكية العادية يسّر الله على الناس سبيل الحصول على هذه الحيوانات عن طريق القنص والصيد، وأقام ذلك مقام التذكية الأصلية، إن لم يتمكن الصائد منها.
وفي ذلك من التيسير على الناس ما لا يخفى ألطافه وفوائده على أي متأمِّل وباحث.
ما يحلّ من الصيد وما لا يحلّ:
الأصل حلّ الصيد بأنواعه، مهما كان نوع الحيوانات المُصادة، ودليل ذلك عموم ما يدل عليه قول الله تعالى: [وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ] (المائدة: ٢).
إلا أنه يستثنى من عموم ذلك ما يلي:
стр. 475
١ - صيد الحيوانات التي لا يحلّ أكلها، ولا يجوز قتلها، مما لا يعدّ ضارّاً، ولا مؤذياً، إذا كانت وسيلة الصيد من شأنها أن تؤذي الحيوان، أو تعطبه، أو تقتله.
فإن كانت وسيلة الصيد غير مؤذية: كشباك ونحوه، لم يحرم.
٢ - كل صيد يُبتغي منه مجرد العبث إذا كان بقتل، أو إعطاب، سواء كان الحيوان مما يحلّ أكله، أو مما يحرّم: كمن خرج لصيد الطيور لا يريد من ذلك إلا التسلية والعبث، وليس له في الأكل منها أيّ غرض، أو قصد.
٣ - صيد الحيوانات البرية المأكولة بالنسبة للمُحِرم، سواء كان ذلك بالقتل، أو الإعطاب، أو بمجرد وضع اليد عليه.
ودليل ذلك قول الله : [لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ] (المائدة: ٩٥). كما يحرّم أيضاً الصيد في الحرم، ولو كان الصائد غير مُحِرم.
ودليل ذلك ما رواه البخاري في [كتاب الحج ـ باب ـ فضل الحرم، رقم: ١٥١٠] وغيره عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: " إن هذا البلد حرمه الله، لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها".
[هذا البلد: مكة المكرمة.
حرمه الله: جعله الله حراماً، يحرم فيه ما ذكر في الحديث، وجعل له أيضاً حرمة وتعظيماً.
لا يعضد: لا يقطع ويكسر.
لا ينفر صيده: لا يزعج من مكانه، ولا يحل صيده.
لا يلتقط: لا يأخذ.
стр. 476
لقطته: ما سقط فيه.
عرفها: نادى عليها، حتى يجيء صاحبها، ولا يأخذها ليتملكها].
أما صيد ما لا يؤكل لحمه، فلا إثم فيه على المُحرِم إذا كان مؤذياً، أو لم يكن مؤذياً، وكان صيده مجرد وضع اليد عليه.
والمقصود بحُرمة صيد الحيوان في هذه الحالات الثلاث المذكورة استلزامه الإثم، بقطع النظر عن أثر ذلك في تحريم أكله، إذ ليس بينهما أي تلازم.
الوسيلة المشروعة في الاصطياد:
ويقصد بالوسيلة المشروعة في الاصطياد، ما يترتب على اصطياد الحيوان بها جواز أكله، وبالوسيلة غير المشروعة ما لا يترتب على الاصطياد بها جواز ذلك.
ووسيلة الاصطياد المشروعة تكون بواحدة من السببين التاليين:
الأول: كل ما يجرح من محدَّد:
سواء كان حديداً، أو رصاصاً، أو قصباً، أو زجاجاً، أو غير ذلك مما يجرح الحيوان.
ودليل ذلك ما رواه رافع بن خديج ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : " ما أنهر الدَّمَ، وذكر اسم الله عليه فكُلُوه". أخرجه البخاري في [الشركة ـ باب ـ قسمة الغنم، رقم: ٢٣٥٦] ومسلم في [الأضاحي ـ باب ـ جواز الذبح بكل ما انهر الدم، رقم: ١٩٦٨]. [ومعنى أنهر الدم: أي أساله].
فلو كان ما يُصاد به شيئاً لا حدّ له، وإنما يقتل بضغطه، وأو بثقلة: كحجر لا حدّ فيه، أو كان شيئاً يقتل بالحرق، ومات الحيوان بسببه لم يجز أكله.
стр. 477
أما إذا لم يمت الحيوان به: كأن أصاب منه جناحاً، أو قدماً، ثم أدركه الصائد حياً، فذكاه الذكاة المشروعة، التي سنتحدث عنها، أو رماه بشيء يقتل بحدِّه: كسكّين وسهم، ونحوهما، فإنه يجوز أكله.
الثاني: إرسال جارحة من سباع البهائم أو جوارح الطير:
فلو أرسل جارحة من سباع البهائم، أو أرسل جارحة من جوارح الطير على الحيوان الذي يُراد اصطياده ـ بالشروط التي سنذكرها ـ فجرحته، ومات بجرحه جاز وحلّ أكله.
ومثال سباع البهائم: الكلب، والفهد، والنمر، ونحوها.
ومثال جوارح الطير: الصقر، والباز، والشاهين، ونحوها.
شروط الاصطياد بسباع البهائم وجوارح الطير:
وإنما تعتبر الاستعانة بسباع البهائم، وجوارح الطير وسيلة مشروعة للاصطياد، إذا تحققت فيها الشروط الأربعة التالية:
الشرط الأول:
أن تندفع إلى الحيوان الذي يُراد صيده إذا أرسلت إليه، بحيث تتجه إليه، ولا تقصد شيئاً غيره.
فلو هاجت واندفعت، ثم تحوّلت عن الحيوان الذي أرسلت نحوه إلى شيء آخر، اتجهت إليه بدافع من الغزيرة، لم يحلّ صيدها لذلك الحيوان الذي لم ترسل إليه إلا بالتذكية.
الشرط الثاني:
أن تنزجر إذا زجرت: أي تتوقف إذا استوقفها صاحبها في أيّ مرحلة من مراحل عَدْوِها، واتجاها نحو الصيد.
الشرط الثالث:
أن لا تأكل شيئاً من الصيد إذا قتلته قبل أن تصل به إلى صاحبها الذي أرسلها.
стр. 478
فأما إذا أكلت منه بعد أن وضعته بين يديه، وانصرفت عنه، فلا بأس بذلك.
الشرط الرابع:
أن يتكرّر ذلك منها: (أي هذه الشروط الثلاثة) مرّتين فأكثر، بحيث يغلب على الظن تعوّدها، وتعلمها ذلك.
والعبرة في كونها قد اعتادت ذلك، وتعلمته بظن أهل الخبرة في الصيد والجوارح.
والأصل في اعتبار هذه الشروط لحلّ الصيد بهذه الجوارح هو قول الله : [قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ... ] (المائدة: ٤).
[مكلبين: من التكليب، وهو تأديب الحيوان وترويضه، وذلك بأن يسترسل إذا أغري بالصيد وسلّط عليه].
وقال الشافعي رحمه الله تعالى في بيان معنى " مكلبين": (إذا أمرت الكلب فأتمر، وإذا نهيته فانتهى، فهو كلب مكلّب).
ومعنى: " أمسكن عليكم" أي أمسكنه من أجلكم، وإنما يتحقق ذلك بالمحافظة على الصيد وعدم الأكل منه.
ومفهوم المخالفة يقتضي أنه إذا لم يمسك على صاحبه، بأن أكل منه، فإنه لا يحلّ، ولا يعتبر الاصطياد به عندئذٍ شرعياً.
ويدل على هذا من السنّة ما رواه عديّ بن حاتم ﵁، عن النبي ﷺ قال: " إذا أرسلت كلبك المعلّم، وسمَّيت، فأمسكَ وقتلَ فكُلْ، وإن أكلَ فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه".
أخرجه البخاري في [الذبائح والصيد ـ باب ـ الصيد إذا غاب عنه يومين أو ثلاثة، رقم: ٥١٦٧] ومسلم في [الصيد والذبائح ـ باب ـ الصيد
стр. 479
بالكلاب المعلمة، رقم: ١٩٢٩].
متى ينزل الصيد وحده منزلة التذكية ومتى لا ينزل ؟
إذا كانت وسيلة الصيد مشروعة، ووافية بالشروط التي ذكرناها، وصاد بها الصائد:
فإما أن يستطيع الصائد إدراك ما اصطاده، وفيه حياة مستقرة، أو لا.
فأما في الحالة الأولى:
وهي ما إذا كان في الحيوان المصيد حياة مستقرة، فإن الصيد لا ينزل منزلة التذكية، بل لابدّ من تذكيته بذبح شرعي، على النحو الذي سنذكره فيما بعد.
فإن أهمل الصائد ذلك، وترك الصيد فلم يذبحه حتى مات، كان نجساً ولم يَجُزْ أكله.
وأما في الحالة الثانية:
وهي ما إذا لم يتمكن الصائد من إدراك الصيد حيّاً، وذلك بأن أسرع محاوِلاً اللِّحاق به، فمات قبل أن يصل إليه، فإن موته بمجرد الصيد في هذه الحالة ينزل منزلة تذكيته، ويجوز أكله، وتسمى تذكية ضرورة.
ودليل هذه الحالة الثانية ما رواه البخاري في [الذبائح والصيد ـ باب ـ ما ندّ من البهائم فهو بمنزلة الوحش، رقم: ٥١٩٠] ومسلم في [الأضاحي ـ باب ـ جواز الذبح بكل ما أنهر الدم، رقم: ١٩٦٨] عن رافع بن خديج ﵁، قال: أصبنا نهب إبل وغنم ـ وفي رواية، وفي القوم خيل يسير ـ فندّ منها بعير، فرماه رجل بسهم فحبسه ـ أي مات ـ فقال رسول الله ﷺ : " إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش، فما فعل منها هكذا، فافعلوا به مثل ذلك ".
[النهب: الغنيمة، وكانت هذه الغنيمة إبلاً وغنماً.
стр. 480
ندّ: نفر، وذهب شارداً.
أوابد: جمع آبدة، وهي الحيوانات التي تأبّدت، أي نفرت وتوحشت].
وروى البخاري في [الذبائح والصيد ـ باب ـ ما جاء في التصيد، رقم ٥١٧٠] ومسلم في [الصيد والذبائح ـ باب ـ الصيد بالكلاب المعلّمة، رقم: ١٩٣٠] عن أبي ثعلبة الخُشَني ﵁، أن النبي ﷺ قال له، لمّا قال: إني أصيد بكلبي المعلّم، وغيره: " ما صدت بكلبك المعلّم، فاذكر اسم الله عليه، ثم كُلْ، وما صدت بكلبك الذي ليس معلماً، فأدركت ذكاته فكُل".
ويلاحظ أن هذا الحديث الثاني قد دلّ على حكم كلاً الحالتين.
стр. 481
الذّبَائِح
تعريف الذبائح:
الذبائح: جمع ذبيحة، بمعنى: مذبوحة.
والمقصود به: الحيوان الذي تمت تذكيته على وجه شرعي، بالشروط التي سنذكرها، وكان مما يجوز أكله.
الفرق بين الذبح والتذكية:
التذكية: هي ذبح الحيوان في حلقه، أو في لَبَّته، إن كان مقدوراً عليه، أو بأيّ عقر مُذهِق للروح، إن لم يكن مقدوراً عليه، كصيد.
أما الذبح: فهو قطع ما يسبب الموت من العنق، سواء توفرت فيه الشروط الشرعية التي سنتحدث عنها، أم لا.
إذاً فالذبح نوع من أنواع التذكية، غير مقيَّد بكونه شرعياً صحيحاً.
والتذكية: تشمل الذبح وغيره، مما تتوفر فيه الشروط الشرعية التي لابدّ منها لحلِّ أكل الحيوان المذكّي.
الحكمة من اشتراط التذكية:
عرفت أن تذكية الحيوان لحلِّ أكله تقوم على معنى تعبّدي، كما أوضحنا ذلك في حكمة مشروعية الصيد.
إلا أن هناك حِكَماً زيادة على المعنى التعبدي، تتعلق باشتراط التذكية نذكر منها ما يلي:
стр. 482
١ - جاءت الشرائع والمِلل كلها بتحريم الميتة من الحيوانات، والحكم بنجاستها، ولابدّ من تفريق بين الحيوان الميت الذي تنجس بالموت، وغيره، فكانت التذكية في حكم الشرع هي الفارق الأساسي بينهما.
٢ - قضت الشريعة الإسلامية بنجاسة الدم، ووجوب اجتنابه، لما فيه من أضرار، والذبح تطهير للحيوان من الدم ـ كما ستعلم ـ والموت للحيوان بالخنق ونحوه تضميخ للحيوان بالدم.
أنواع التذكية:
والتذكية تنقسم إلى ثلاثة أنواع:
الذبح، والنحر، والعقر.
١ - أما الذبح: فهو قطع الحلق من الحيوان، بالشروط التي سنذكرها فيما بعد. [والحلق: أعلى العنق].
والذبح: هو تذكية سائر الحيوانات التي يتمكن الإنسان من تذكيتها؛ بأن كان قادراً عليها.
٢ - وأما النحر: فهو قطع لبَّة الحيوان، وهي أسفل العنق.
والنحر: هو التذكية المسنونة بالنسبة للإبل.
قال الله : [فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ] (الكوثر: ٢).
قال الفقهاء: والمعنى الملاحظ في ذلك أن النحر بالنسبة للإبل أسرع لخروج الروح، لطول أعناقها.
وهذان النوعان (الذبح، والنحر) يقوم أحدهما مقام الآخر بالنسبة لأصل التذكية.
ودليل ذلك قول النبي ﷺ : " ألا إن الذكاة في الحلق واللبّة". رواه الدارقطني [٤/ ٢٨٣] والبخاري تعليقاً في [الذبائح والصيد ـ باب ـ
стр. 483
النحر والذبائح] عن ابن عباس ﵄.
إلا أن المسنون نحر الإبل، وذبح سائر الحيوانات الأخرى: كالبقر والغنم، وغيرهما.
٢ - وأما العقر: ـ وهو ما يسمى بذكاة الضرورة ـ فهو جرح الحيوان، أي جرح مُزهِق للروح، في أيّ جهة من جسمه.
والعقر: تذكية الحيوان المأكول إذا ندّ، ولم يتمكن صاحبه من القدرة عليه، كما أنه تذكية الحيوان الذي يُراد اصطياده، كما أوضحنا ذلك فيما مضى.
ودليل ذلك: قول النبي ﷺ في بعير ندّ، فضربه رجل بسهم فحبسه: " إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش، فإذا غلبكم منها شيء فاصنعوا به هكذا". رواه البخاري في [الذبائح والصيد ـ باب ـ ما ندّ من البهائم فهو بمنزلة الوحش، رقم: ٥١٩٠] ومسلم في [الأضاحي ـ باب ـ جواز الذبح بكل ما أنهر الدم، رقم: ١٩٦٨] عن رافع بن خديج ﵁.
شروط صحة الذبح:
ونقصد بهذه الشروط: الأمور التي لابدّ من توفرها، ليسمى الذبح تذكية، وليكون الحيوان المذبوح مذكَّى.
وهذه الأمور بجملتها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
أ- شروط تتعلق بالذابح.
ب- شروط تتعلق بالمذبوح.
ج- شروط تتعلق بآلة الذبح.
أ) الشروط المتعلقة بالذابح:
والشروط التي تتعلق بالذابح نلخصها فيما يلي:
стр. 484
الشرط الأول: أن يكون الذابح مسلماً أو كتابياً:
والكتابي يُقصد به اليهودي والنصراني.
فإن كان الذابح غير مسلم، وغير كتابي، وذلك بأن كان مرتداً، أو وثنياً أو ملحداً، أو مجوسياً، لم تحلّ ذبيحته.
أما دليل حلّ ذبيحة المسلم، فقول الله : [إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ] (المائدة: ٣).
وهو خطاب للمسلمين.
وأما دليل حلّ ذبيحة الكتابي، فقول الله ﵎: [وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ] (المائدة: ٥).
والمراد بالطعام هنا الذبائح.
أما دليل عدم حلّ ذبيحة الكفار من غير الكتابيين، فما رُوي أنه ﷺ : كتب إلى مجوس هَجَر يعرض عليهم الإسلام، فمن أسلم قُبل منه، ومن أبي ضُربت عليه الجزية، على أن لا تؤكل لهم ذبيحة، ولا تنكح لهم امرأة".
رواه البيهقي [٩/ ٢٨٥] وقال: هذا مُرسل، وإجماع أكثر الأمة عليه يؤكده.
[مرسل: الحديث المرسل: هو الذي يرفعه التابعي إلى النبي ﷺ دون أن يذكر اسم الصحابي الذي روى عنه الحديث].
فإذا كان هذا هو الحكم بالنسبة للمجوس، فإن المرتدين والوثنيين والملحدين أَوْلى بذلك منهم، لأنهم أوغل في الكفر.
الشرط الثاني: أن لا يكون الكتابي ممّن أصبح هو، أو واحد من آبائه، كتابياً بعد التحريف أو النسخ.
стр. 485
فالملحد إذا تنصّر اليوم لا تحل ذبيحته. وكذلك النصراني، أو اليهودي الذي عرف أن أجداده الأقدمين كانوا وثنيين مثلاً، ثم تنصروا بعد التحريف، أو بعد بعثة النبي ﷺ ، لا تحلّ ذبيحته.
ودليل ذلك ما رواه شهر بن حوشب، أنه ﷺ : " نهى عن ذبح نصارى العرب" وهم: بهراء، وتنوخ، وتغلب.
وعلّة النهي أنهم إنما دخلوا النصرانية بعد التحريف الذي طرأ عليها.
الشرط الثالث: أن لا يذبح لغير الله ، أو على غير اسمه.
فلو ذبح لصنم، أو مسلم، أو نبي، لم تحلّ الذبيحة.
ودليل ذلك قول الله ﵎ في معرض ذكر ما حرم أكله: [وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ] (المائدة: ٣).
أي ما ذبح لغير الله تعالى، أو ذُكِر عند ذبحه غير اسم الله تعالى.
فإذا توفّرت هذه الشروط الثلاثة في الذابح حلّت ذبيحته، من غير فرق بين أن يكون رجلاً أو امرأة، كبيراً أو صغيراً، بل لا فرق بين المميِّز وغيره، والسكران والمجنون، وغيرهما، ما دامت طاقة الذبح موجودة وما دام القصد متوفراً في الذابح، ولو في الجملة.
ب) الشروط المتعلقة بالمذبوح:
وهنا أيضاً شروط نُ جملها فيما يلي:
الشرط الأول: أن يدرك الذابح الحيوان قبل الذبح، وفيه حياة مستقرة, والمقصود بالحياة المستقرة: أن لا ينتهي الحيوان بسبب مرض، أو جرح، أو نحوهما إلى سياق الموت، بحيث تصبح حركته اضطرابا كاضطراب المذبوح.
فإن كان الحيوان قبل الذبح قد فقد الحياة المستقرة، فإن ذبحه
стр. 486
عندئذٍ لا يعتبر تذكية، ولا يحلّ الذبيحة، إلا إذا ذُكِي قبل ذلك ذكاة الضرورة التي تحدّثنا عنها.
ولا يعتبر سيلان الدم من عروقه بعد ذبحه دليل وجود الحياة المستقرة.
الشرط الثاني: قطع كلِّ من الحلقوم، والمريء.
والحلقوم: هو مجرى النَّفَس.
والمريء: هو مجرى الطعام.
فلو بقى شيء من أحدهما، ولو يسيراً لم تحلّ الذبيحة.
ودليل ذلك ما رواه البخاري في [الشركة ـ باب ـ قسمة الغنم، رقم: ٢٣٥٦] ومسلم في [الأضاحي ـ باب ـ جواز الذبح بكل ما أنهر الدم، رقم: ١٩٦٨] عن رافع بن خديج ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : " ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه، فكُلُوه، ليس السنّ والظفر".
فقد شرط في الذبح ما ينهر الدم، وإنما يكون ذلك بقطع كلٍّ من الحلقوم والمريء، فإن الحياة تفقد بقطعهما، وتوجد بسلامتهما غالباً.
الشرط الثالث: الإسراع بالقطع، وبدفعة واحدة، بحيث لو تأنّى، فبلغ الحيوان حركة المذبوح قبل قطع جميع الحلقوم والمريء، بطلت التذكية، ولم تحمل الذبيحة.
وتعرف الحياة المستقرة في الذبيحة بشدة الحركة بعد الذبح.
فلو تأنى بالذبح، وأبطأ في محاولة القطع، فلما انتهى من الذبح، لم يجد حركة في الحيوان، كان ذلك دليلاً على أنه قد فقد الحياة المستقرة قبل تمام الذبح، وبذلك يتبين أن الذبيحة لم تُذَكّ، ولا يحل أكلها.
ج) الشروط المتعلقة بآلة الذبح:
وهذه الآلة لها شروط نجملها في الشرطين التاليين:
стр. 487
الشرط الأول: أن تكون الآلة مما يجرح بحدِّه، من حديد ونحاس ورصاص، وقصب وزجاج، وحجر، وغير ذلك.
فلا تتم التذكية بما يقتل رضخاً بثقله، كحجر غير محدَّد.
ودليل ذلك حديث البخاري ومسلم السابق: " ما أنهر الدم وذكر عليه اسم الله عليه فكُلُوه".
وإنما ينهر الدم ـ أي يسيله بشدة ـ ما يجرح بحدِّه، أما ما يقتل رضخاً بثقله، فليس من شأنه أن ينهر الدم.
الشرط الثاني: أن تكون آلة الذبح سنّاً، ولا ظفراً.
فلا تحلّ الذبيحة التي ذبحت بأحدهما، ولو كان جارحاً، بما له من حدّ، واستنزف الدم كله.
وذلك لأن الذبح بأحدهما مستثنى بنص الحديث من عموم ما يجوز الذبح به، وهو قول النبي ﷺ في آخر حديث رافع بن خديج ﵁، عند الشيخين، السابق ذكره: " ... ليس السن والظفر".
ويدخل في حكم السن والظفر سائر أنواع العظام، سواء كانت من آدمي، أو غيره.
أما الحكمة من هذا الاستثناء، فهي كما قال بعض العلماء: التعبّد المحض. وقد عرفت أن أحكام الذبائح قائمة في جملتها على التعبّد، وليست قائمة على شيء من العلل والمصالح، التي تُدار عليها الأحكام المصلحية.
فالأفضل في معرفة سبب الاستثناء الوقوف عند هذا القول. والله أعلم.
стр. 488
ملاحظات
الأولى:
ذكاة الجنين بذكاة أمِّه، إلا أن يوجد حيّاً فيذكّى: أي يعتبر ذبح أمه ذبحاً له، إذا خرج من بطنها ميتاً بعد ذبحها.
أما إن خرج حيّاً، فلابدّ حينئذٍ من ذكاته.
ودليل ذلك ما رواه أبو داود في [الأضاحي ـ باب ـ ما جاء في ذكاة الجنين، رقم: ٢٨٢٧] عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: سألنا رسول الله ﷺ عن الجنين، فقال: " كُلُوه إن شئتم، فإن ذكاته ذكاة أمه".
الثانية:
ما قطع من الحيوان حال حياته، فإن له حكم ميتة ذلك الحيوان، إلا الشعور المُنتفع بها في مفارش والملابس، وغيرهما، وسيأتي بيانها. أي إن للجزء المنقطع من الحيوان حكم ميتة ذلك الحيوان، من حيث حلِّ الأكل وعدمه، ومن حيث الطهارة والنجاسة.
فما قطع من السمك حال حياته، فإنه يؤكل، وذلك لحلّ ميتة السمك.
وما قطع من شاة حال حياتها، فإنه لا يؤكل لنجاسة ميتتها.
وما قطع من إنسان حال حياته، فهو طاهر، لطهارة الإنسان حال موته.
стр. 489
وما قطع من دابّة حال حياتها، فهو نجس، لنجاسة ميتتها.
ودليل ذلك ما رواه الحاكم وصحّحه، عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسول الله ﷺ سئل عن جِباب أسنمة الإبل، وأَلْيَات الغنم، فقال: " ما قطع من حيّ فهو ميت" [المستدرك: كتاب الذبائح ـ باب ـ ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت: ٤/ ٢٣٩].
جباب: مصدر جَبَّ يُجبّ، إذا قطع.
وروى أبو داود في [الصيد ـ باب ـ في صيد قطع منه قطعة، رقم: ٢٨٥٨] والترمذي في [الصيد ـ باب ـ ما قطع من الحي فهو ميت، رقم: ١٤٨٠] واللفظ له وحسّنه، عن أبي واقد الليثي ﵁ قال: قدم النبي ﷺ المدينة، وهم يجبّون أسنمة الإِبل، ويقطعون أليات الغنم، فقال: " ما قُطع من البهيمة وهي حيَّةٌ، فهي ميتة" ورواه الحاكم وصحّحه [٤/ ٢٣٩].
ما يستثنى من ذلك:
إلا أنه استثنى من حكم ما ذُكر سابقاً الأصواف، والأشعار والأوبار ضمن الشروط التالية:
الشرط الأول: أن تكون من حيوان مأكول اللحم شرعاً.
الشرط الثاني: أن تقص منه حال حياته، أو بعد ذبحه ذبحاً شرعياً.
الشرط الثالث: أن لا تنفصل من الحيوان الحيّ على العضو انفصل منه.
أما شعر الحيوان الميت غير الآدمي فهو نجس، ولا يطهر، لأنه لا يُدبغ. والأصل في طهارة ما ذكر قول الله : [وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ] (النحل: ٨٠).
стр. 490
[يوم ظعنكم: يوم سيركم في أسفاركم.
أثاثاً: الأثاث متاع البيت من الفرش والأكسية].
فلقد دلّت الآية على جواز استعمال الأصواف والأوبار والأشعار، وذلك دليل طهارتها.
والحق فيما ذكر ما يقوم مقام الشعر من كل حيوان مأكول اللحم: كالريش ونحوه، بالشروط السابق ذكرها.
الثالثة:
يحرم أكل الميتة كيفما كان موتها، والميتة: هي ما أزهقت روحه بغير ذكاة شرعية، سواء ماتت حتف أنفها، أو ماتت بفعل غيرها: كضرب، وخنق، وغرق، وغير ذلك.
كما يحرم أكل الدم المسفوح من أيّ حيوان كان.
ودليل ذلك، قول الله تبارك تعالى: [حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ] (المائدة: ٣).
[المنخنقة: التي ماتت خنقاً بحبل ونحوه.
الموقوذة: التي ماتت بضرب بعصاً أو حجر، أو نحوهما.
المتردية: التي ماتت بالسقوط من مكان عالٍ.
النطيحة: التي ماتت بالنطح من غيرها من الدواب.
ما أكل السبع: التي ماتت بافتراس حيوان لها.
إلا ما ذكيتم: إلا ما أدركتموه حياً مما ذُكر فذكيتموه، فإنه يحلّ ويؤكل].
دلت الآية على حرمة أكل كلٍّ من الدم، والميتة، وما ذكر معهما من أكل لحم الخنزير، وما أُهِلّ لغير الله به، وما ذبح على النصب: أي
стр. 491
الأحجار التي كانوا يذبحون عليها لآلهتهم.
ما يستثنى من الميتة والدم:
لقد استثنى من ميتة الحيوان: السمك والجراد.
واستثنى من الدم: الكبد والطحال.
ودليل ذلك ما رواه أحمد [٢/ ٢٧] وغيره عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : " أحلت لنا ميتتان، ودمان، فأما الميتتان: فالحوت والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطحال".
خاتمة في بعض سُنن الذبح:
تسنّ عند الذبح مراعاة الأمور التالية:
١ - ذكر اسم الله عند الذبح ؛ بأن يقول الذابح: باسم الله.
ودليل ذلك قول الله ﵎: [فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ] (الأنعام: ١١٨).
وقول النبي ﷺ في الحديث السابق: " ما أنهر الدم، وذُكر اسم الله عليه فكلوا".
كما تسنّ التسمية عند إرسال السهم، أو بعث الجارحة إلى الصيد. فلو لم يذكر الذابح اسم الله عند الذبح، وكانت سائر شروط التذكية متوفرة، لم يضرّ ذلك شيئاً، لأن التسمية في الآية والحديث محمولة على الندب عند الشافعية.
٢ - قطع الوَدجَيْن عند الذبح: والودجان عرقان في صفحتَيْ العنق، محيطان بالحلقوم، يسمى كل منهما بالوريد، لأن ذلك أدعى لزهوق الروح.
٣ - أن يحد الذابح شفرته: لقول النبي ﷺ : " إن الله كتب الإحسانَ على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلةَ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبِحَ، وليحدَّ أحدُكم شفرتَه، فليُرحْ ذبيحته" رواه مسلم في [الصيد والذبائح ـ باب ـ
стр. 492
الأمر بإحسان الذبح والقتل وتحديد الشفرة، رقم: ١٩٥٥].
٤ - أن يُضجِع الدابّة لجنبها الأيسر ، ويترك رجلها اليمنى تتحرك بعد الذبح لتستريح يتحريكها، إلا الإِبل، فإن الأفضل أن تُنحر قائمة معقولة ركبتها اليسرى، ودليل ذلك قول الله [فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ]
(الحج: ٣٦).
قال ابن عباس ﵄: (قياماً على ثلاث) رواه الحاكم في [المستدرك، أول كتاب الذبائح: ٤/ ٢٣٣].
٥ - استقبال القبلة عند الذبح: لأن القبلة أشرف الجهات. وإذا استُقبِلت القبلة بالذبيحة، استقبلها الذابح أيضاً.
стр. 493
العَقيقَة
стр. 494
العَقيقَة
تعريف العقيقة:
العقيقة في اللغة: مشتقة من العَقِّ، وهو القطع، وتطلق في الأصل على الشعر الذي يكون على رأس المولود حين ولادته، سمي بذلك، لأنه يُحلق ويقطع.
والعقيقة شرعاً: ما يذبح للمولود عند حلق شعره، وسميت هذه الذبيحة بهذا الاسم، لأنها تقطع مذابحها وتشق، حين الحلق. ويستحبّ تسمية العقيقة نسيكة، أو ذبيحة.
ودليل ذلك ما رواه أبو داود في [الأضاحي، ـ باب ـ في العقيقة، رقم: ٢٨٤٢] أنه سئل رسول الله ﷺ عن العقيقة، فقال: " لا يحب الله العقوق" فكأنه كره الاسم، وقال: " من وُلد له ولد، فأحبَّ أن يَنسُك عنه فليَنْسُك".
حكم العقيقة:
العقيقة سُنّة مؤكدة، يطالب وليّ المولود الذي ينفق عليه.
ودليل استحبابها فعل الرسول ﷺ لها، وفعل الصحابة ﵃.
عن سليمان بن عامر الضَّبِّي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: " مع الغلام عقيقته، فأهريقوا عنه دماً، وأميطوا عنه الأذى". [أي أزيلوا عنه القذارة والنجاسة].
стр. 495
أخرجه البخاري في [العقيقة ـ باب ـ إماطة الأذى عن الصبي في العقيقة، رقم: ٥١٥٤].
وإنما لم يقل العلماء بوجوب العقيقة، لأنها إراقة دم بغير جناية، ولا نذر، فلم تجب كالأضحية.
ودلّ على عدم وجوبها أيضاً حديث أبي داود السابق" من وُلد له مولود فأحب أن ينسك عنه فلينسك".
وقت العقيقة:
يدخل وقت جواز ذبح العقيقة بانفصال جميع المولود من بطن أمه، فلو ذبحت قبل تمام خروجه، لا تحسب عقيقة، بل تكون لحماً، ليس له حكم سنّة العقيقة.
ويستمر وقت استحبابها إلى البلوغ، ثم بعد البلوغ يسقط الطلب عن نحو الأب، والأحسن عندئذٍ أن يعقَّ عن نفسه تداركاً لما فات.
لكن يسنّ أن يعقّ عن المولود في اليوم السابع من ولادته.
ودليل ذلك ما رواه أبو داود في [الأضاحي ـ باب ـ ما جاء في العقيقة، رقم: ١٥٢٢] وغيره عن سمرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : " الغلام مرتهن بعقيقته، يذبح عنه يوم السابع، ويسمى ويحلق رأسه".
ومعنى مرتهن بعقيقته: أي أن تنشئته تنشئة صالحة، وحفظه حفظاً كاملاً مرهون بالذبح عنه.
وقيل المعنى: لا يشفع بوالديه يوم القيامة إن لم يُعق عنه.
حكمة تشريع العقيقة:
في تشريع العقيقة أسرار بديعة، ومصالح جمّة، وفوائد كثيرة نذكر منها ما يلي:
следующие страницы →