Полный текст (1 678 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
الأحجار التي كانوا يذبحون عليها لآلهتهم.
ما يستثنى من الميتة والدم:
لقد استثنى من ميتة الحيوان: السمك والجراد.
واستثنى من الدم: الكبد والطحال.
ودليل ذلك ما رواه أحمد [٢/ ٢٧] وغيره عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : " أحلت لنا ميتتان، ودمان، فأما الميتتان: فالحوت والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطحال".
خاتمة في بعض سُنن الذبح:
تسنّ عند الذبح مراعاة الأمور التالية:
١ - ذكر اسم الله عند الذبح ؛ بأن يقول الذابح: باسم الله.
ودليل ذلك قول الله ﵎: [فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ] (الأنعام: ١١٨).
وقول النبي ﷺ في الحديث السابق: " ما أنهر الدم، وذُكر اسم الله عليه فكلوا".
كما تسنّ التسمية عند إرسال السهم، أو بعث الجارحة إلى الصيد. فلو لم يذكر الذابح اسم الله عند الذبح، وكانت سائر شروط التذكية متوفرة، لم يضرّ ذلك شيئاً، لأن التسمية في الآية والحديث محمولة على الندب عند الشافعية.
٢ - قطع الوَدجَيْن عند الذبح: والودجان عرقان في صفحتَيْ العنق، محيطان بالحلقوم، يسمى كل منهما بالوريد، لأن ذلك أدعى لزهوق الروح.
٣ - أن يحد الذابح شفرته: لقول النبي ﷺ : " إن الله كتب الإحسانَ على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلةَ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبِحَ، وليحدَّ أحدُكم شفرتَه، فليُرحْ ذبيحته" رواه مسلم في [الصيد والذبائح ـ باب ـ
стр. 492
الأمر بإحسان الذبح والقتل وتحديد الشفرة، رقم: ١٩٥٥].
٤ - أن يُضجِع الدابّة لجنبها الأيسر ، ويترك رجلها اليمنى تتحرك بعد الذبح لتستريح يتحريكها، إلا الإِبل، فإن الأفضل أن تُنحر قائمة معقولة ركبتها اليسرى، ودليل ذلك قول الله [فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ]
(الحج: ٣٦).
قال ابن عباس ﵄: (قياماً على ثلاث) رواه الحاكم في [المستدرك، أول كتاب الذبائح: ٤/ ٢٣٣].
٥ - استقبال القبلة عند الذبح: لأن القبلة أشرف الجهات. وإذا استُقبِلت القبلة بالذبيحة، استقبلها الذابح أيضاً.
стр. 493
العَقيقَة
стр. 494
العَقيقَة
تعريف العقيقة:
العقيقة في اللغة: مشتقة من العَقِّ، وهو القطع، وتطلق في الأصل على الشعر الذي يكون على رأس المولود حين ولادته، سمي بذلك، لأنه يُحلق ويقطع.
والعقيقة شرعاً: ما يذبح للمولود عند حلق شعره، وسميت هذه الذبيحة بهذا الاسم، لأنها تقطع مذابحها وتشق، حين الحلق. ويستحبّ تسمية العقيقة نسيكة، أو ذبيحة.
ودليل ذلك ما رواه أبو داود في [الأضاحي، ـ باب ـ في العقيقة، رقم: ٢٨٤٢] أنه سئل رسول الله ﷺ عن العقيقة، فقال: " لا يحب الله العقوق" فكأنه كره الاسم، وقال: " من وُلد له ولد، فأحبَّ أن يَنسُك عنه فليَنْسُك".
حكم العقيقة:
العقيقة سُنّة مؤكدة، يطالب وليّ المولود الذي ينفق عليه.
ودليل استحبابها فعل الرسول ﷺ لها، وفعل الصحابة ﵃.
عن سليمان بن عامر الضَّبِّي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: " مع الغلام عقيقته، فأهريقوا عنه دماً، وأميطوا عنه الأذى". [أي أزيلوا عنه القذارة والنجاسة].
стр. 495
أخرجه البخاري في [العقيقة ـ باب ـ إماطة الأذى عن الصبي في العقيقة، رقم: ٥١٥٤].
وإنما لم يقل العلماء بوجوب العقيقة، لأنها إراقة دم بغير جناية، ولا نذر، فلم تجب كالأضحية.
ودلّ على عدم وجوبها أيضاً حديث أبي داود السابق" من وُلد له مولود فأحب أن ينسك عنه فلينسك".
وقت العقيقة:
يدخل وقت جواز ذبح العقيقة بانفصال جميع المولود من بطن أمه، فلو ذبحت قبل تمام خروجه، لا تحسب عقيقة، بل تكون لحماً، ليس له حكم سنّة العقيقة.
ويستمر وقت استحبابها إلى البلوغ، ثم بعد البلوغ يسقط الطلب عن نحو الأب، والأحسن عندئذٍ أن يعقَّ عن نفسه تداركاً لما فات.
لكن يسنّ أن يعقّ عن المولود في اليوم السابع من ولادته.
ودليل ذلك ما رواه أبو داود في [الأضاحي ـ باب ـ ما جاء في العقيقة، رقم: ١٥٢٢] وغيره عن سمرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : " الغلام مرتهن بعقيقته، يذبح عنه يوم السابع، ويسمى ويحلق رأسه".
ومعنى مرتهن بعقيقته: أي أن تنشئته تنشئة صالحة، وحفظه حفظاً كاملاً مرهون بالذبح عنه.
وقيل المعنى: لا يشفع بوالديه يوم القيامة إن لم يُعق عنه.
حكمة تشريع العقيقة:
في تشريع العقيقة أسرار بديعة، ومصالح جمّة، وفوائد كثيرة نذكر منها ما يلي:
стр. 496
١ - الاستبشار بنعمة الله ، حيث يَسّر الوضع، ورزق الوالدين الولد، والولد محبَّب للوالدين، فينبغي شكر واهبه، والمنعِم به.
قال الله : [وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ] (الزمر: ٧).
وقال [لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ] (إبراهيم: ٧).
وقال ﵎: [لْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا] (الكهف: ٤٦).
وقال عز من قائل: [زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ] (آل عمران: ١٤).
٢ - التلطف بإشاعة نسب الولد ونشره، إذ لابدّ من نشر ذلك وإشاعته، لئلا يقال فيه ما لا يحب، فكانت العقيقة أحسن وسيلة لذلك.
٣ - إنماء مُلْكة السخاء والكرم عند الإنسان، وعصيان داعية الشح الذي أحضرته النفوس.
قال الله تعالى: [وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ] (النساء: ١٢٨).
وقال ﷻ : [وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ] (الحشر: ٩).
٤ - تطيب قلوب الأهل والأقارب والأصدقاء والفقراء، وذلك بجمعهم على الطعام، وبالتقائهم حوله تكون المودّة والمحبة والألفة، والإسلام دين ألفة ومحبّة واجتماع.
ما يذبح عن الغلام والجارية:
تتحقق السنة في العقيقة بأن يذبح الوليّ شاة عن الغلام، وشاة عن الجارية.
ودليل ذلك ما رواه الترمذي في [الأضاحي ـ باب ـ ما جاء في العقيقة
стр. 497
بشاة، رقم: ١٥١٩] عن علي ﵁، قال: (عق رسول الله ﷺ عن الحسن بشاة).
ولكن الأفضل أن يذبح الوليّ عن الصبي شاتين، وعن البنت شاة.
ودليل ذلك ما رواه الترمذي في [الأضاحي ـ باب ـ ما جاء في العقيقة، رقم: ١٥١٣] وغيره عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ : (أمرهم: عن الغلام شاتان متكافئتان، وعن الجارية شاة).
[الغلام: الذكر.
الجارية: الأنثى.
متكافئتان: متساويتان].
تعدد العقيقة بتعدّد الأولاد:
هذا ولا يكفي في تحصيل سنة العقيقة أن يذبح شاة واحدة عن أكثر من مولود واحد.
بل السنة تعدادها بتعدد الأولاد، فللولد شاة وللولدين شاتان، وللثلاثة ثلاث شياه، وهكذا.
فلو ولد له توأمان كان عليه عقيقتان، ولا يكفي واحدة عنهما.
روي أبو داود في [الأضاحي ـ باب ـ في العقيقة، رقم: ٢٨٤١] عن ابن عباس ﵄ (أن رسول الله ﷺ عق عن الحسن والحسين كبشاً كبشاً).
وعند الحاكم في المستدرك [كتاب الذبائح ـ باب ـ عقّ النبي ﷺ عن الحسن والحسين، ٤/ ٢٣٧] أن النبي ﷺ عَقَّ عن الحسن والحسين عن كل واحد منهما، كبشين اثنين مثلين متكافئين.
شروط العقيقة:
ويشترط في العقيقة حتى تكون مجزئة، ما يشترط في الأضحية: من
стр. 498
حيث الجنس، والسن، والسلامة من العيوب التي تسبب نقصاً في اللحم، وذلك: لأن العقيقة ذبيحة مندوب إليها، فأشبهت الأضحية.
روى الترمذي وصحّحه في [الأضاحي ـ باب ـ ما لا يجوز في الأضاحي، رقم: ١٤٩٧] وأبو داود، واللفظ له، في [الضحايا ـ باب ـ ما يكره من الضحايا، رقم: ٢٨٠٢] عن البراء بن عازب ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: " أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين عرجها، والكسير التي لا تُنْقَى".
[لا تنقى: لا مخ لها، مأخوذة من النِّقْي، وهو المخي].
ويقاس على هذه العيوب الأربعة كل ما يشبهها في التسبّب في الهزال، وإنقاص اللحم.
انظر الأضحية في الجزء الأول [ص١٢٧].
ما تخالف به العقيقة الأُضحية:
إذا قلنا: إنه يشترط في العقيقة ما يشترط في الأُضحية، فليس يعني هذا أنها تشبهها من كل الوجوه، بل هناك أوجه اختلاف بينهما نجملها فيما يلي:
١ - يسن أن تطبخ العقيقة، كسائر الولائم، ويتصدق بها مطبوخة، ولا يتصدق بلحمها نيئاً، وهذا بخلاف الأضحية.
ويستحبّ أن تطبخ العقيقة بحلوى، تفاؤلاً بحلاوة أخلاق المولود. والأفضل أن يتصدق بلحمها ومرقها على المساكين، بالعبث بهما إليهم، كما يستحب أن يأكل منها ويهدي.
٢ - يستحبّ أن لا يكسر منها عظماً، ما أمكن ذلك، بل يقطع كل عظم من مفصله تفاؤلاً بسلامة أعضاء المولود.
٣ - يستحب أن يهدي القابِلة رِجْل العقيقة نِيْئة غير مطبوخة، لأن فاطمة
стр. 499
رضي الله عنها فعلت ذلك بأمر النبي ﷺ . رواه الحاكم.
تسمية المولود يوم سابعه وحلق شعره والتصدّق بوزنه ذهباً أو فضة:
يُسنّ تسمية المولود في اليوم السابع من ولادته، كما يسنّ أن يُختار له من الأسماء ما كان حسناً.
ودليل ذلك قول النبي ﷺ : " إنكم تُدْعَوْن يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم، فأحسنوا أسماءكم". أخرجه أبو داود في [كتاب الأدب ـ باب ـ في تغيير الأسماء، رقم: ٤٩٤٨].
وروى مسلم في [الأدب ـ باب ـ النهي عن التكنّى بأبي القاسم وبيان ما يستحبّ من الأسماء، رقم: ٢١٣٢] عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : " إن أحبَّ أسمائكم إلى الله عبدالله وعبد الرحمن".
كما يسنّ حلق رأس المولود، ذَكَراً كان أو أنثى، يوم سابعه بعد ذبح العقيقة، ويتصدق بزِنة شعره ذهباً أو فضة.
ودليل ذلك ما رواه الترمذي في [الأضاحي ـ باب ـ ما جاء في العقيقة بشاة، رقم: ١٥١٩] وغيره عن عليّ ﵁، قال: عقّ رسول الله ﷺ عن الحسن بشاة، وقال: " يا فاطمة، احلقي رأسه، وتصدقي بزنة شعره فضة".
قال: فوزنته، فكان وزنه درهماً، أو بعض درهم.
التأذين في أذن المولود:
ويُسنّ أن يُؤذَّن أذان الصلاة في أذن المولود اليمنى، حين يولد، وتُقام الصلاة في أذنه اليسرى، ليكون إعلامه بالتوحيد أول ما يقرع سمعه عند قدومه إلى الدنيا.
روى الترمذي في [الأضاحي ـ باب ـ الأذان في أذن المولود، رقم:
стр. 500
١٥١٤] وغيره عن عبيدالله بن أبي رافع عن أبيه قال: (رأيت رسول الله ﷺ
أَذَّن في أُذُن بن علي حين ولدته فاطمة بالصلاة).
تحنيك المولود:
ويستحبّ أن يُحَنَّك المولود بتمر، سواء كان ذكراً، أم أنثى.
والتحنيك: أن يُمضغ التمر، ويُدلك به حَنَك المولود، حتى ينزل إلى جوفه شيء منه، فإن لم يكن هناك تمر، حُنِّك بشيء حلو.
ويستدلّ لاستحباب هذا التحنيك بما رواه مسلم في [الأدب ـ باب ـ استحباب تحنيك المولود عند ولادته، رقم: ٢١٤٤] وغيره عن أنس بن مالك ﵁ قال: ذهبت بعبدالله بن أبي طلحة الأنصاري ﵁ إلى رسول الله ﷺ ، حين ولد، ورسول الله ﷺ في عباءة يهنأ بعيراً له، فقال: " هل معك تمر"؟ قلت: نعم. فناولته تمرات، فألقاهنّ في فيه، فلاكهنّ، ثم فَغَرَ فَاْ الصبي فمجَّه في فيه، فجعل الصبي يتلمَّظُه، فقال رسول الله ﷺ : " حِبُّ الأنصار التمر". وسماه عبدالله.
[يهنأ: يطليه بالقطران.
فلاكهن: مضغهن.
فغر فا الصبي: فتح فمه.
مجه: طرحه وألقاه في فمه.
يتلمظه: يحرك لسانه به ليبتلع ما فيه من الحلاوة.
حب الأنصار التمر: محبوب الأنصار التمر].
وروى مسلم أيضاً [في نفس الباب، رقم: ٢١٤٥] عن أبي موسى ﵁ قال: (ولد لي غلام، فأتيت به النبي ﷺ ، فسماه إبراهيم، وحنكه بتمر).
وروى مسلم في [نفس الباب أيضاً، رقم: ٢١٤٧] عن عائشة ﵂؛ (أن رسول الله ﷺ يؤتى بالصبيان، فيبرك عليهم ويحنكهم).
стр. 501
وبناء على ما ذكرنا، قال العلماء: يستحبّ حمل المولود بعد ولادته إلى أهل الصلاح والتقوى، لتحنيكهم، والدعاء لهم بالخير والبركة.
ختان الطفل:
الختان: مصدر ختن: أي قطع.
والختان: اسم لفعل الخاتن، ولموضع الختان.
وختان الذكر: قطع الجلدة التي تغطي الحشفة.
حكم الختان:
الختان واجب عند الشافعية على الذكور والإناث.
ثم إن الواجب في حقّ الذكر قطع الجلدة التي تغطي الحشفة.
وفي حقّ الإناث قطع أدنى جزء من الجلدة التي في أعلى الفرج.
وقيل: الختان واجب على الذكور، دون النساء.
دليل مشروعية الختان:
ويستدل على وجوب الختان بما رواه أبو هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: " الفطرة خمس، أو خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وقصّ الشارب"أخرجه البخاري في [اللباس ـ باب ـ تقليم الأظفار، رقم: ٥٥٥٢] ومسلم في [الطهارة ـ باب ـ خصال الفطرة، رقم: ٢٥٧].
[الفطرة: الخلقة المبتدأة، والمراد بها هنا: السنّة القديمة التي اختارها الأنبياء، واتفقت عليها الشرائع.
الاستحداد: حلق العانة، وهي الشعر الذي حول فرج الرجل والمرأة.
تقليم الأظفار: قطع رؤوسها المستطيلة عن أصلها].
стр. 502
وقت الختان:
الختان كما قلنا واجب، ولكن لا يشترط أن يكون في حال الصِّغَر، بل يجوز في الصغر، والكبر.
ولكن يسنّ لوليّ الطفل أن يختنه في اليوم السابع من ولادته، إن رأى الخاتن أن الطفل يطيق ذلك، ولم يكن مريضاً.
ولقد كان العرب قبل الإسلام يختتنون إتباعا لسنة أبيهم إبراهيم ﵇.
حكمة مشروعية الختان:
والحكمة من مشروعية الختان إنما هي المبالغة في الطهارة، والنظافة، ولا شك أن إزالة القُلْفة أضمن لذلك، وأعون عليه.
وفي نظافة الظاهر إشعار بالحقّ على نظافة الباطن.
قال الله : [إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ] (البقرة: ٢٢٢).
ولا شك أن التوبة إنما هي شعار لنظافة الباطن من الذنوب والعيوب.
التهنئة بالمولود:
ويستحبّ أن يهنئ الرجال الوالد، والنساء الوالدة بالمولود، يقولون له: بارك الله لك في الموهوب لك، وشكرت الواهب، وبلغ أشُدَّه، ورُزقت بِرَّه.
ويستحب للوالد أن يجيبهم بقوله: بارك الله لكم، وبارك عليكم، وأجزل ثوابكم.
وكذلك يقال للمرأة الوالدة، وتقول هي لهنّ، ما يقول الرجل للرجال. والله تعالى أعلم.
стр. 503
الأطعِمَة والأشربَة
стр. 504
الأطعِمَة والأشربَة
- ما يحلّ من الأطعمة وما يحرم -
تنطلق القاعدة الشرعية في معرفة ما يحلّ من الأطعمة، وما يحرم منها من قول الله : [قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ] (الأنعام: ١٤٥).
ومن قوله : [وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ] (الأعراف: ١٥٧).
ومن قوله ﷻ : [يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ] (المائدة: ٤).
والمراد بالطيبات: ما تستطيبه النفس السليمة وتشتهيه.
وانطلاقاً من هذه الآيات قام حكم الأطعمة حلاًّ وحرمة على المبادئ الثلاثة التالية:
المبدأ الأول:
كل حيوان استطابته العرب في حال الخصب والرفاهية، وفي عصر النبي ﷺ فهو حلال.
стр. 505
ويدخل في هذا الباب:
ا- كل حيوان لا يعيش إلا في البحر، وهو السمك بكل أنواعه، وأسمائه، فهو حلال، لأنه العرب استطابت كل ذلك، وجاء الشرع، مؤكِّداّ حلَّه وجواز أكله.
روى الترمذي في [أبواب الطهارة ـ باب ـ ما جاء في ماء البحر أنه طهور، رقم: ٦٩] وغيره عن أبي هريرة ﵁ يقول: سأل رجل رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إنّا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ من ماء البحر؟ فقال رسول الله ﷺ : " هو الطهور ماؤه الحلّ ميتته".
وقال الله في محكم كتابه العزيز: [أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ] (المائدة: ٩٦).
[فصيد البحر: هو مَصِيده.
وطعامه: أي مطعومه].
وفسّر جمهور العلماء طعام البحر بما طفا على وجه الماء من السمك بعد موته، ما لم يفسد.
ب - الأنعام: وهي الإبل، والبقر، والغنم، والمعز، والخيل، وبقر وحُمُر الوحش، والظباء والأرانب، وغيرها مما استطابه العرب، وقد جاء الشرع بحلِّها.
لكن يستثنى من عموم ما استطابته العرب ما ورد الشرع بتحريمه، فلا يباح أكله: كالبغال والحُمُر الأهلية.
روى البخاري في [كتاب الذبائح والصيد ـ باب ـ لحوم الحمر الإنسية، رقم: ٥٢٠٤] عن جابر بن عبدالله ﵄ قال (نهى النبي ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحُمُر، ورخص في لحوم الخيل).
стр. 506
وروى الترمذي في [كتاب الأطعمة ـ باب ـ ما جاء في أكل لحوم الخيل، رقم: ١٧٩٤] عن جابر بن عبدالله ﵁ قال: (أطعَمَنا رسولُ الله ﷺ لحوم الخيل، ونهانا عن لحوم الحُمُر).
والبغال ملحقة بالحمر في الحرمة للنهي عن أكلها في خبر أبي داود بإسناد على شرط مسلم، ولأنها متولِّدة بين حلال، وحرام، فهي متولِّدة بين الخيل، والحمير، فغُلِّب جانب الحرمة على جانب الحلّ.
وكل حيوان استخبثه العرب في عصر النبي ﷺ كالحشرات ونحوها، فهو حرام إلا ما ورد الشرع بإباحته خصوصاً: كاليربوع، والضَّبّ، والسمُّور، والقنفذ، والوبر، وابن عرس، وغيرها.
اليربوع: دابّة نحو الفأرة، لكن ذنبه أطول، وكذلك أُذُناه، ورجلاه أطول من يديه.
الضَّبّ: دابّة تشبه الجرذون، ولكنه أكبر منه قليلاً.
السمُّور: وهو حيوان يشبه السنور، وهو من ثعالب الترك.
الوَبْر: دابة أصغر من الهر كحلاء العين لا ذنب لها.
ابن عرس: دابّة رقيقة تعادي الفأر، وتدخل حجره وتخرجه.
وقد روى البخاري ما جاء في حلِّ الضب في [الصيد والذبائح ـ باب ـ الضبّ، رقم: ٥٢١٦] عن ابن عمر ﵄: قال النبي ﷺ : " الضبّ لست آكله ولا أُحرمه".
وإنما اعتبر عُرْف العرب في هذا التحليل والتحريم، لأنهم الذين خوطبوا بالشرع أولاً، وفيهم بعث النبي ﷺ ، ونزل القرآن الكريم.
المبدأ الثاني:
يحرّم من السباع كل ما له ناب قويّ يفترس به: كالكلب، والخنزير، والذئب، والدب، والهرّة، وابن آوى ـ وهو حيوان فوق الثعلب ودون
стр. 507
الكلب، طويل المخالب ـ والفيل، والسبع، والنمر، والفهد، والقرد، وأمثالها مما ناب قوي يفترس به.
فإن كان نابه ضعيفاً، لا يبلغ أن يفترس به، لم يحرّم أكله؛ كالضبع والثعلب.
روى الترمذي في [الأطعمة ـ باب ـ ما جاء في أكل الضبع، رقم: ١٧٩٢] وغيره عن ابن أبي عمّار، قال: قلت لجابر ﵁: (الضَّبُع صيد هي؟ قال: نعم. قال: قلت: آكله؟ قال: نعم. قال: قلت له: أقاله رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم).
ويحرّم من الطيور كل ما له مخلب؛ أي ظفر قوي يجرح به: كالنسر، والصقر، والباز، والشاهين، والعقاب.
ودليل ذلك ما رواه البخاري في [الذبائح والصيد ـ باب ـ أكل كل ذي ناب من السباع، رقم: ٥٢١٠] ومسلم في [الصيد والذبائح ـ باب ـ تحريم أكل كل ذي ناب، رقم: ١٩٣٢] عن أبي ثعلبة الخشني ﵁، أن رسول الله ﷺ : (نهى عن كل ذي ناب من السباع).
وروى مسلم في [الصيد والذبائح ـ باب ـ تحريم أكل كل ذي ناب، رقم: ١٩٣٤] وغيره عن ابن عباس ﵄ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن كل ذي ناب من السباع، وعن كل ذي مخلب من الطيور).
ولأن هذه الحيوانات من السباع، والطيور من شأنها أن تأكل الجيف، بسبب طبيعة الافتراس التي فيها، فتكون بسبب ذلك من الحيوانات المتخبثة.
المبدأ الثالث:
يحرّم كل حيوان ندب قتله: كحية، وعقرب، وغراب، وحدأة، وفأر، وكل ما ثبت ضرره.
стр. 508
فهذه الحيوانات ونحوها يحرم أكلها سواء استطابتها العرب، أم لا، لأنه ثبت ندب قتلها بالسنّة، على أن معظمها مما تعافه العرب.
عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: " خمس من الدواب كلهنّ فاسق، يقتلن في الحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور". أخرجه البخاري في [الإحصار وجزاء الصيد ـ باب ـ ما يقتل المحرم من الدواب، رقم: ١٧٣٢] ومسلم في [الحج ـ باب ـ ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب، رقم: ١١٩٨].
[فاسق: من الفسق، وهو الخروج، ووصفت هذه الدواب بذلك، لخروجها عن حكم غيرها بالإيذاء والإفساد، وعدم الانتفاع.
العقور: الجارح الذي يتعرض للناس، ويعضّهم].
حالة الضرورة:
يستثنى من عموم الحكم الذي اقتضته هذه المبادئ الثلاثة حال ضرورة تلبّست بإنسان، فيحلّ له إذا اضطر أن يأكل من الميتة المحرمة، ومن الحيوانات التي ثبتت حُرمة أكلها، يأكل ما يسدُّ رمقه، ويبقى عليه حياته، وذلك عملاً بقول الله : [وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً] (النساء: ٢٩).
وقوله : [فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ] (المائدة: ٣).
[المخمصة: الجوع الشديد.
متجانف لإثم: مائل إليه].
وبقوله جلّ وشأنه: [فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ] (البقرة: ١٧٣).
[غير باغ: غير طالب الأكل تشهياً.
стр. 509
ولا عاد: ولا معتد؛ أي متجاوز القدر المسموح به، وهو ما يسدّ الرمق، ويحفظ الحياة].
خاتمة في بعض ما يحلّ وما يحرم:
نذكر، ـ إتماماً للفائدة، وإضافة لما ذكرنا سابقاً ـ بعض ما يحرم أكله، وما يحلّ على سبيل التعداد فقط.
١ - ما يحرم:
ا- تحرّم الحشرات كلها؛ وهي صغار دواب الأرض، وصغار هوامّها: كالنمل والذباب، والخنافس، والحيات، والدود، والبقّ، والقمل، والصُّرصُر، والوزغ: وهو سامُّ أبرصَ، وغيرها.
وذوات الإبر والسموم: كالنحل، والزنبور، والعقرب، وغيرها. إلا ما استثنى من ذلك: كالجراد، والقنفذ، والضَّبّ، واليربوع. ويعفى عن دود الخلّ، والفاكهة إذا أكل معهما.
ب- يحرم من الطيور:
الببَّغا: وهو طائر أخضر، له قوة حكاية الأصوات، وقبول التلقين.
والطاووس: وهو طائر: يحبّ الزهو بنفسه، والخيلاء، والإعجاب بريشه.
والرَّخَمَة: وهي طائر يشبه النسر في الخلقة.
والبُغَاثة: طائر أبيض بطئ الطيران أصغر من الحدأة، له مخلب ضعيف.
والخُطَّاف: وهو طائر أسود الظهر، أبيض البطن يأوي إلى البيوت في الربيع.
стр. 510
والخُفَّاش، ويقال له الوطواط: وهو طائر صغير، لا ريش له، يشبه الفأرة، يطير بين المغرب والعشاء.
ج- كل متنجس لا يمكن تطهيره: وهو كل مائع وقعت فيه نجاسة: كخل، وزيت، ودبس، وغيرها.
د- ما يضرّ البدن: كالأحجار، والتراب، والزجاج، والسم، والأفيون وغيرها.
٢ - ما يحلّ:
ا- ويحلّ: النعامة، والبط، والإوَز، والدجاج، وغراب الزرع، والقطا، والحجل، والحمام ـ وهو كل ما عَبَّ وهَدَر ـ وما على شكل عصفور، وإن اختلف لونه ونوعه: كعندليب، وزرزور، وبلبل، وغيرها.
[معنى عَبَّ: شرب الماء من غير تنفس، بأن شرب جرعة بعد جرعة من غير مص.
وهدر: رجع الصوت].
ب- كل طاهر لا ضرر فيه، ولا هو مما تعافه الأنفس، وتستقذره: كالزهور، والثمار، والحبوب، والبيض، والجبن، وغيرها. أما ما تعافه الأنفس، وتستقذره فحرام، كالمخاط، والمِني وغيرهما.
ج- ألبان الحيوانات المأكولة اللحم، أما ألبان غير مأكول اللحم فحرام، إلا لبن الإنسان فطاهر، ويحلّ أكله، وشربه,
والله تعالى أعلم.
стр. 511
الأشربة المحرّمة والمخدرات
الأصل في الأشربة الحلّ:
الأشربة - مثلها مثلُ المأكولات والأطعمة - الأصل فيها الإِباحة والحلّ: لعموم قول الله : [هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً] (البقرة: ٢٩).
فكل ما نزل من السماء، أو نبع من الأرض، وكلما عُصر من ثمر، أو زهر، أو غير ذلك فهو حلال.
قال الله ﵎: [وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً] (الفرقان: ٤٨ - ٤٩).
لكن يستثنى من عموم ما ذكر، ما دلَّ الدليل على حرمته.
ما يحرم من الأشربة:
وإنما يحرم من الأشربة:
١ - ما كان منها ضاراً ، كالسم، وغيره، لأن ذلك يفسد الجسم، ويُتلفه.
والله يقول: [وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ] (البقرة: ١٩٥).
ويقول : [وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً] (النساء: ٢٩).
стр. 512
٢ - ما كان نجساً كالدم المسفوح، والبول، أو لبن ما لا يؤكل لحمه من الحيوانات، غير الإنسان، أو كان متنجساً كالمائع إذا وقعت فيه نجاسة، لما في ذلك من الضرر على الجسم، ولأنه مما تعافه الأنفس وتستقذره.
قال الله في ذكر المحرمات: [أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً] (الأنعام: ١٤٥).
وروى البخاري في [الوضوء ـ باب ـ ترك النبي ﷺ والناس الأعرابي حتى فرغ من بوله في المسجد، رقم: ٢١٦] ومسلم في [الطهارة ـ باب ـ وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت في المسجد وأن الأرض تطهر بالماء من غير حاجة إلى حفرها، رقم: ٤٨٤] عن أنس بن مالك ﵁، أن النبي ﷺ رأى أعرابياً يبول في المسجد، فقال: " دعوه حتى إذا فرغ دعا بماء فصبّه عليه".
وفي رواية مسلم: (أمر رسول الله بذَنوب فصب على بوله).
والأمر بصبّ الماء على بوله دليل نجاسته.
والذنوب: الدلو المملوءة ماء.
٣ - ما كان مُسكِراً ، سواء كان خمراً، وهو المتخذ من العنب، أو كان غير خمر، وهو المتخذ مما سوى ذلك.
وذلك لما ورد من نصوص ثابتة في تحريم كل مُسكِر.
دليل تحريم المُسكِر:
والأصل في تحريم المُسكِرات قول الله : [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] (المائدة: ٩٠).
فالتعبير بالاجتناب أبلغ في النهي والتحريم من التعبير بتحريم
стр. 513
الشرب، لأن تحريم الشرب، لا يتناول النهي عن التعامل به تحضيراً وشراءً وبيعاً. أما الأمر بالاجتناب، فهو تحذير من جميع وجوه التعامل به، بما في ذلك الشرب وغيره.
كل مُسكِر حرام:
والآية وإن كانت نصاً على الخمرة وحدها، وهي ما كانت متخذة من العنب، إلا أن سائر المُسكِرات الأخرى، داخلة في مضمون النص، وذلك لما يلي:
١ - لقول النبي ﷺ : " كلّ شراب أسكر فهو حرام". رواه البخاري في [الأشربة ـ باب ـ الخمر من العسل، وهو البتع، رقم: ٥٢٦٣] ومسلم في [الأشربة ـ باب ـ بيان أن كل مُسكِر خمر، رقم: ٢٠٠١].
٢ - ولقوله ﵊، شارحاً المعنى المراد بكلمة (الخمر) في الآية: "كل مُسكِر خمر، وكل خمر حرام". رواه مسلم في [الأشربة ـ باب ـ بيان أن كل مُسكِر خمر].
فاختلاف الأسماء لا يُخرِج المُسكِرات عن حكم الخمر، وهو التحريم.
٣ - لأن المعنى المسبِّب لتحريم الخمر، إنما هو وصف بالإسكار فيها، بإجماع المسلمين. فوجب أن يشترك معها في التحريم كل الأشربة المُسكِرة، أيّاً كان أصلها دون أيّ تفريق.
روى أبو داود في [الأشربة ـ باب ـ في الداذي، رقم: ٣٦٨٨] وابن ماجه في
[الفتن ـ باب ـ العقوبات رقم: ٤٠٢٠] عن أبي مالك الأشعري ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " ليشربَنَّ ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها".
[الداذي: حبّ يلقى في العصير فيشتدّ ويُسرع إسكاره].
стр. 514
تحديد معنى السكر:
المراد بالسُكْر: شدّة مُطْربة، تستر فاعليّة العقل، بنشوة تبعث على عدم الانضباط بمقتضيات الرشد واللياقة.
والمراد المُسكِر: ما ثبت أن جنسه يسبّب الإسكار، بقطع النظر عن الكمية المشروطة لذلك.
فكل ما ثبت أن شرب كمية منه يورث السُكْر، فلا يجوز تناول شيء منه مطلقاً، أي سواء كان القدر المتناوَل منه داخلاً في حدود الكمية المُسكِرة فعلاً، أو أقل منها. ولا عبرة أيضاً بالشارب، سواء سكر بذلك، أم لا.
ويعبّر الفقهاء عن هذا المعنى، بالقاعدة المشهورة: (ما أسكر كثيره فقليله حرام)؛ وهي نص حديث، رواه أبو داود في [الأشربة ـ باب ـ النهي عن المُسكِر، رقم: ٣٦٨١] والترمذي في [الأشربة ـ باب ـ ما أسكر كثيره فقليله حرام، رقم: ١٨٦٦] وابن ماجه في [الأشربة ـ باب ـ ما أسكر كثيره فقليله حرام، رقم: ٣٣٩٣] عن جابر ﵁.
وروى الترمذي في [الأشربة ـ باب ـ ما أسكر كثيره، فقليله حرام، رقم: ١٨٦٧] وأبو داود في [الأشربة ـ باب ـ النهي عن المُسكِر، رقم: ٣٦٨٧] عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : " كلّ مُسكِر حرام، ما أسكَر الفَرَق منه، فَمَلْءُ الكفّ منه حرام".
[والفرق: مكيال كان معروفاً لديهم يسع ستة عشر رِطْلاً].
نجاسة المُسكِر:
الخمر، وكل مائع مُسكِر، نجس في مذهب الشافعية.
ودليل ذلك قول الله : [إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ]
(المائدة: ٩٠).
стр. 515
[والرجس في اللغة: القذر والنجس].
الحكمة من تحريم المسكرات:
أنعم الله على الإنسان بنعم كثيرة، في مقدمتها: نعمة العقل التي ميّزه، بل شرّفه بها على سائر الحيوانات الأخرى، وإنما تستقيم حياة الإنسان في معناها الشخصي، وصورتها الاجتماعية بواسطة العقل، وتكامله وسلطانه.
والمُسكِرات ـ كما قد علمت ـ من شأنها أن تُؤدي بهذه النعمة، وتُفقِد الإنسان الكثير من فوائدها وثمراتها.
فإذا غابت ضوابط العقل، ظهرت من ورائه رعونة النفس، وساد طيش الشهوات والأهواء، فثارت الشحناء والبغضاء، وانتشرت أسباب العداوة بين المسلمين، وتقطعت روابط الأخوة والمحبة بينهم.
أضف إلى ذلك ما في الخمر من صدٍّ عن ذكر الله تعالى، وابتعاد عن أبواب رحمته، ومواطن فضله وإحسانه.
وإلى هذا وذاك يشير قول الله في كتابه العزيز: [إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ] (المائدة: ٩١).
وهذا ما أكده رسول الله ﷺ حين قال: " اجتنبوا الخمر، فإنها مفتاح كل شر". أخرجه الحاكم في المستدرك [كتاب الأشربة ـ باب ـ اجتنبوا الخمر، ٤/ ١٤٥].
وروى النسائي في [الأشربة ـ باب ـ ذكر الآثام المتولدة عن شرب الخمر، ٨/ ٣١٥] عن عثمان ﵁ موقوفاً: " اجتنبوا الخمر، فإنها أمّ الخبائث". أي أصل كل شر، ومنبع كل فساد.
فتلك هي بعض الحكم من تحريم وسائر أنواع المُسكِرات.
стр. 516
ما يترتب على شرب المُسكِر:
بعدما تبيّن لك المعنى المقصود بالمُسكِر، وعرفت حكم المُسكِرات على اختلافها، ودليل ذلك، والحكمة منه، فما هي الأحكام التي تترتب على شرب المسكر؟
يترتب على شرب المُسكِر حكمان اثنان:
أحدهما: قضائي، يتحقق أثره في دار الدنيا.
والثاني: دياني، لا يظهر أثره إلا يوم القيامة.
فأما الأول: وهو حكم شرب المُسكِر قضاء: فهو استحقاق الشارب للحدّ.
وأما الثاني: وهو حكمه ديانة: فهو الإثم الذي يستوجبه على ذلك. ولا نطيل في الحديث عن هذا الحكم الثاني، وهو الإثم، فإنه عائد إلى ما بين العبد وربّه ﷻ ، ولا يعود الأمر في ذلك إلى شيء من أقضية الدنيا وأحكامها، وإنما هو مرهون بقضاء أمر الله وحكمه. غير أنه من المتّفق عليه أن شرب المُسكِر عمداً من كبائر الإِثم، وعقوبته يوم القيامة عقوبة شديدة، ما لم يتدارك الله عبده بالمغفرة والصفح.
قال رسول الله ﷺ : " إن على الله عهداً لمن شرب المُسكِر أن يسقيه من طينة الخبال" قالوا يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: " عرق أهل النار، أو عصارة أهل النار" رواه مسلم عن جابر ﵁ في [كتاب الأشربة ـ باب ـ بيان أن كل مُسكِر خمر وأن كل خمر حرام، رقم: ٢٠٠٢].
حدّ شرب المُسكِر:
حدّ شرب المُسكِر، خمراً كان أو غيره، أربعون جلدة، بالشروط التي سنذكرها. ويجوز أن يزيد الإمام إذا رأى ذلك، إلى أن يبلغ به ثمانين جلدة، ويكون ما زاد على الأربعين تعزيراً.
стр. 517
ودليل ذلك ما رواه مسلم في [الحدود ـ باب ـ حدّ الخمر، رقم: ١٧٠٦] عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ ) كان يضرب في الخمر بالجريدة والنعال أربعين).
[والجريد: أغضان النخيل إذا جُرِّدت من الورق].
وروى مسلم أيضاً في [نفس الموضع الذي سبق] عن أنس ﵁: أن نبي الله ﷺ جلد في الخمر بالجريد والنعال أربعين، ثم جلد أبو بكر ﵁ أربعين، فلما كان عمر ﵁، ودنا الناس من الريف والقرى، قال: ما تَرَوْن في جلد الخمر؟ فقال عبدالرحمن بن عوف ﵁: أرى أن تجعلها كأخفّ الحدود، قال: فجلد عمر ثمانين.
ودل على أن الزيادة على الأربعين تعزيز، وليس بحدّ: ما رواه مسلم في
[الأشربة ـ باب ـ حدّ الخمر، رقم: ١٧٠٧] أن عثمان ﵁: (أمر بجلد الوليد بن عقبة بن أبي مُعَيْط، فجلده عبدالله بن جعفر ﵄، وعلي ﵁ يعدُّ، حتى إذا بلغ أربعين، فقال أمسك، ثم قال: جلد النبي ﷺ أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌّ سُنّة، وهذا أحبُّ إلي) أي الاكتفاء بالأربعين، لأنه الذي فعله رسول الله ﷺ ، وهو أحوط في باب العقوبة، من أن يزيد فيها عن القدر المستحق، فيكون ظلماً.
قال الفقهاء: فأما الأربعون الواردة عن النبي ﷺ ، فهي الحدُّ الأساسي، وأما خبر أن عمر ﵁ جلد ثمانين، فوجهه كما قال علي لعمر ﵄: (نرى أن تجلد ثمانين، فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذي وإذا هذي افترى). رواه مالك في [الموطأ، كتاب الأشربة ـ باب ـ الحدّ في الخمر].
[وحدّ افتراء ثمانون، ومثل هذا الحكم إنما يتم تعزيراً.
هذي: تكلم بما لا ينبغي.
стр. 518
افترى: كذب واتهم غيره بالزنى].
لذلك كان المذهب على أن الأفضل الاقتصار على الأربعين، إذ هو الوارد عن النبي ﷺ .
ولا يقام الحدّ على مَن شرب الخمر حال سكره، لأنه لا يحصل به عندئذ المزجر، وإنما ينتظر ليستفيق من سكره، فيحدُّ، ليحصل به الانزجار عن تعاطي المُسكِر مرة أخرى.
شروط ثبوت حدّ شرب المُسكِر:
لا يثبت الحدّ على المتهم بشرب المُسكِر إلا بأحد أمرين اثنين:
الأول: البينة الكاملة:
وهي شهادة رجلين عدلين، فلا يثبت الحد بشهادة رجل وامرأتين، ولا بعلم الحاكم.
بل لابد من شهادة رجلين اثنين عدلين.
ودليل ذلك ما جاء في حديث مسلم في جلد عثمان ﵁ للوليد بن عقبة: (فشهد عليه رجلان) [الأشربة ـ باب ـ حد الخمر، رقم: ١٧٠٧].
الثاني: الإقرار:
وذلك بأن يعترف أنه شرب مُسكِراً أو خمراً. والإقرار حجة تقوم مقام البينة.
هذا، ويكفي الإطلاق في كل من الإقرار والشهادة، أي فيكفي في إقراره أن يقول: شربت مسكراً.
ويكفي في الشهادة، أن يقول الشاهدان: إنه شرب مسكراً.
فلا يشترط أن يقول هو: شربته عالماً مختاراً، أو يقول الشاهدان شربه عالماً مختاراً.
стр. 519
إذ الأصل أنه لم يشربه إلا وهو عالم بكونه مسكراً، ومختاراً، فإن تبين أنه أُكره على شربه بتهديد أو جرت الخمر في حلقه، وتبين أنه لم يعلم أنها خمر، لم يجز حده.
ودليل ذلك عموم قوله ﷺ : " إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه" رواه ابن ماجه في [الطلاق ـ باب ـ طلاق المُكره، والناسي، رقم: ٢٠٤٥] عن ابن عباس ﵄.
ولا يدخل في حكم شيء من البيّنات، أو الإقرار: القيء، ولا الإستكناه؛ وهو شم رائحة المسكر من الفم، لاحتمال عذر، من نحو غلط، أو إكراه. وإذا وقع الاحتمال، لم يجز الحد.
لقول النبي ﷺ : " ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلّوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة".
أخرجه أبو داود في [الحدود ـ باب ـ ما جاء في درء الحدود، رقم: ١٤٢٤].
من يتولى تنفيذ الحدّ:
حد الشرب ـ كغيره من الحدود ـ إنما يتولى تنفيذه الحاكم.
فلو لم يعلم الحاكم بالأمر، أو لم يثبت عنده موجب الحد، لم يجُزْ لغيره من عامّة الناس أن يتولى عنه إقامة الحدّ، درءاً للفتنة.
ولا يكلف شارب الخمر، أو مستحق الحدّ، أياً كان أن يعرض نفسه للحدّ أمام القضاء. بل يكفيه أن يتوب توبة صادقة بينه وبين ربه .
روى البخاري في [المحاربين ـ باب ـ إذا أقرّ بالحدّ ولم يبين، رقم: ٦٤٣٧] ومسلم في [التوبة ـ باب ـ قوله إن الحسنات يذهبن السيئات،
стр. 520
رقم: ٢٧٦٤] عن أنس ﵁ قال: كنت عند النبي ﷺ ، فجاءه رجل، فقال: يا رسول الله، إني أصبت حداً، فأقمه عليّ، قال: ولم يسأل عنه، قال: وحضرت الصلاة، فصلى مع النبي ﷺ ، فلما قضى النبي ﷺ الصلاة، قام إليه الرجل، فقال: يا رسول الله، إني أصبت حداً فأقم فيَّ كتاب الله، قال: قال: " أليس قد صلّيت معنا"؟ قال: نعم، قال: " فإن الله قد غفر لك ذنبك، أو قال: حدَّك".
وفي حديث مشابه عند مسلم، [رقم: ٢٧٦٣] قال عمر ﵁ للرجل: (لقد سترك الله لو سترت نفسك)، قال ذلك على مسمع من النبي ﷺ ، ولم ينكره عليه.
فدل على أن هذا هو المطلوب في شرع الله ، أن يستر الإنسان على نفسه، ويتوب بينه وبين ربه ﵎.
стр. 521
المخدرات المختلفة
معنى التخدير:
الخَدَرُ: مأخوذ من الخِدْر، وهو السِّتر من بيت ونحوه.
والمراد بالتخدير هنا: الحالة التي تغشي العقل والفكر من الكسل والثقل والفتور، فكأنه يستتر بشيء.
والمخدرات: كل ما يسبب هذه الحالة للعقل: من بنج، وأفيون وحشيشة، ونحوها.
حكم المخدرات:
يحرّم تعاطي المخدرات على اختلافها، كيفما كان تعاطيها، لما فيها من الإضرار بالعقل والجسم، ولما تستلزم من الأمراض والنتائج الضارّة المختلفة، التي لم تعد خافية على أحد، فهي داخلة ـ من حيث التحريم ـ في حكم المُسكِرات التي مرّ ذكرها.
روى أبو داود في [الأشربة ـ باب ـ النهي عن المُسكِر، رقم: ٣٦٨٦ عن أم سلمة ﵂، قالت: (نهى رسول الله ﷺ عن كل مُسكِر، ومفتر) وأخرجه أحمد في المسند [٦/ ٣٠٩].
عقوبة تناول المخدرات:
إن عقوبة المخدرات الدنيوية لا تتجاوز التعزير.
وعقوبة التعزير مفوَّضة من حيث نوعها وشدتها، إلى ما يراه القضاء
стр. 522
الإسلامي العادل؛ من سجن أو ضرب، أو تقريع أو نحو ذلك، بشرط أن لا يبلغ به الضرب أدنى حدّ من الحدود الشرعية.
حالات استثنائية:
هناك حالات استثنائية تخرج من عموم حكم الخمر والمخدر، نذكرها فيما يلي:
الحالة الأولى: حالة الضرورة:
غصّ بلقمة طعام، وليس حوله ما يسيغها به إلا جرعة خمر، أو نحوها من المسكرات، جاز له أن يسيغ لقمته تلك، بجرعة الخمر، اتقاء الهلاك.
قال الله : [فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ] (الأنعام: ١٤٥).
الحالة الثانية: التداوي:
وصف الطبيب دواء للمريض، وكان ممزوجاً بمُسكِر مزجاً استهلك صفات المسكر، وخصائصه، وليس في الظاهر دواء آخر يقوم مقامه، جاز للمريض تناوله للضرورة، والحاجة لذلك.
أما المُسكِر الذي لم يستهلك في غيره من الأدوية، فلا يجوز تناوله للاستشفاء، وإن أشار به الطبيب، أو أمر بذلك.
وقد ثبت أن المُسكِر الصافي لا يمكن أن يكون الدواءَ الذي لا يقوم مقامه غيره لمرض ما.
بل إن الأضرار الكامنة فيه تزيد على ما قد يُظن فيه من فائدة وخير.
روى ابن ماجه في [الطب ـ باب ـ النهي أن يتداوى بالخمر، رقم: ٣٥٠٠] عن طارق بن سويد الحضرمي ﵁ قال: قلت يا رسول الله، إن بأرضنا أعناباً نعتصرها، فنشرب منها؟ قال: " لا " فراجعته،
стр. 523
قلت إنا نستشفي به للمريض؟ قال: " إن ذلك ليس بشفاء، ولكنه داء".
وأخرجه أيضاً أحمد في مسنده: [٤/ ٣١١، ٥/ ٢٩٣].
وروى البخاري تعليقاً عن ابن مسعود ﵁ قال: (إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم). [الأشربة ـ باب ـ شراب الحلوى والعسل].
الحالة الثالثة: العمليات الجراحية:
اضطر الطبيب إلى الاستعانة بمخدر من أجل إجراء عملية جراحية، ونحوها للمريض، بمعنى أن المريض لا يكاد يتحمّل ألم الجراحة بدون مخدر: (والآلام الشديدة تنزل منزلة الضرورة) فلا مانع في مثل هذه الحالة من الاستعانة بالمخدر سواء كان على كيفية حقنة، أو شرب، أو ابتلاع.
والله تعالى أعلم.
стр. 524
اللِّبَاسُ والزّينَة
стр. 525
اللِّبَاسُ والزّينَة
الأصل في أحكام اللباس والزينة الحلّ:
إن الأصل في أحكام اللباس والزينة، سواء كان في البدن، أو في الثياب، أو المكان، إنما هو الحلّ والإباحة.
وذلك عملاً بعموم الأدلة التي تحمل منَّة الله تعالى على عباده، فيما خلق لهم، وأنعم به عليهم، لينتفعوا به في حياتهم الدنيا، لباساً، وتزيناً واستعمالاً، وتنعماً.
قال الله ﵎: [هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً] (البقرة: ٢٩).
وقال : [وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا] (إبراهيم: ٣٤).
وقال الله : [قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ] (الأعراف: ٣٢).
وقال عزّ من قائل: [يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ] (الأعراف: ٢٦).
[يواري سوآتكم: يستر عوراتكم.
стр. 526
وريشاً: قال ابن عباس ﵄: كل ما ظهر من الثياب والمتاع مما يلبس ويفرش].
وقال ﷻ ، ممتناً على عباده بما خلق لهم: [وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ * وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَاناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ] (النحل: ٨٠ - ٨١).
[سكناً: بيوتاً تسكنون إليها.
يوم ظعنكم: يوم سيركم في أسفاركم.
أثاثاً: الأثاث متاع البيت من الفرش والأكسية.
أكناناً: جمع كِنّ: وهو ما يستكنّ فيه من شدة الحر والبرد: كالكهوف والأسراب.
سرابيل: جمع سربال، وهي القُمُص والثياب.
وسرابيل تقيكم بأسكم: هي الدروع تردّ عنكم سلاح عدوكم وتقيكم الجراح].
من هذه الأدلة وغيرها نعلم أن الأصل في كل ما كان من قبيل اللباس والزينة إنما هو الحلّ والإباحة، إلا ما استثنى من ذلك بنصوص خاصة.
ما استثنى من عموم الحل:
لقد استثنى من هذا العموم ما قامت الأدلة على تحريمه، ومنعت من استعماله.
وسنقتصر على بعض ما استثنى من عموم الحل، وأَخَذ حكماً آخر وهو الحرمة، والمنع.
стр. 527
١ - تحريم الذهب والفضة في غير البيع والشراء ونحوهما
لا يجوز استعمال الذهب والفضة في أي نوع من أنواع الاستعمال، ما عدا البيع والشراء، ونحوهما، فلا يجوز أن يتخذ منهما أواني للأكل والشرب، ولا أن يجعل منهما أدوات الكتابة، أو الاكتحال، أو تزيين البيوت، والمجالس، والمساجد، والحوانيت وغيرها، سواء كانت هذه الأشياء المستعملة من الذهب والفضة صغيرة أو كبيرة.
وكما يحرّم استعمال الذهب والفضة فيما ذكر، يحرم اتخاذهما أيضاً في ذلك، ولو من غير استعمال، لأن ما حرم استعماله حرم اتخاذه.
أدلة تحريم استعمال الذهب والفضة:
وأدلة هذا التحريم كثيرة في صحاح السنّة، منها:
ما رواه مسلم في [اللباس والزينة ـ باب ـ تحريم استعمال أواني الذهب، رقم: ٢٠٦٥] عن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " من شرب في إناء من ذهب أو فضة، فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم".
وروى مسلم في [اللباس والزينة ـ باب ـ تحريم استعمال إناء الذهب، رقم: ٢٠٦٧] عن حذيفة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صِحافها، فإنها لهم في الدنيا" أي للكفار.
حكم استعمال الأواني المضببة بالذهب والفضة:
يحرم استعمال ما ضبب من الأواني بالذهب مطلقاً، سواء كانت الضبة كبيرة، أم صغيرة. وسواء ضبب في موضع الاستعمال، أو غيره.
وأما التضبيب بالفضة، فإن كانت الضبة كبيرة لغير حاجة حرمت،
стр. 528
وإن كانت صغيرة، أو كبيرة لحاجة جازت، سواء كانت الضبة في موضع الاستعمال، أو في غيره.
ودليل هذا الجواز ما رواه البخاري في [الأشربة ـ باب ـ الشرب من قدح النبي ﷺ وآنيته] عن عاصم الأحول قال: رأيت قدح النبي ﷺ عند أنس بن مالك ﵁، وكان قد انصدع، فسلسله بفضة، قال: وهو قدح جيد عريض من نُضَار، قال: قال أنس ﵁: (لقد سقيت رسول الله ﷺ في هذا القدح أكثر من كذا وكذا).
[نضار: خشب جيد للآنية].
حكم استعمال الأواني المموَّهة بالذهب والفضة:
التمويه ـ وهو الطلي ـ بالذهب والفضة، إن كان قليلاً بحيث إذا عُرِض على النار لم يتحصّل منه شيء، حلّ وإن كان كثيراً، بحيث يتحصّل منه شيء إذا عرض على النار حرم، ولم يجُز عندئذٍ استعمال الإناء المموّه، ولا اتخاذه.
ويحرم تمويه وطلي سُقف البيوت، وجدرانها بالذهب والفضة، ولو كان ذلك قليلاً، لا يتحصّل منه شيء إذا عرض على النار.
حكم استعمال الأواني المتخذة من المعادن النفيسة:
يجوز استعمال الأواني المتخذة من المعادن النفيسة، غير النقدين - كالماس واللؤلؤ، والمرجان، والياقوت، والزمرد، والزجاج وغيرها - لعدم ورود نص بالنهي عنها، والأصل في هذه الأشياء الإباحة، ما لم يرد دليل التحريم، وليس ثمة من دليل. وقياسها على الذهب والفضة غير صحيح.
الحكمة من تحريم أواني الذهب والفضة:
قلنا سابقاً: إن من أعظم الحكم في هذا الموضوع، وأمثاله محض التعبّد والاختبار للناس. ومع هذا فقد يجد الباحث وراء ذلك حِكَماً أخرى نذكر منها:
стр. 529
أ- إن الله جعل النقدين أثماناً للناس، وربط بهما سهولة التعامل بينهم، فلم يُبِحْ لذلك تعطيلهما عن هذه الوظيفة، واتخاذهما أواني وتحفاً تجمد في المنازل والبيوت، وتضيّق أوجه التعامل بهما.
ب- ما في ذلك من جرح لشعور الفقراء، وكسر لقلوبهم، حين يرون الأغنياء -من دونهم- يتخذون الذهب والفضة حلياً وزينة، يفخرون بهما ويتكبرون، ويختالون بهما، ويزهون.
ج- منع الناس من الانكباب على هذه المعادن النفيسة، واتخاذها غاية يتنافسون في تكديسها، والتزين بها، ورصفها في بيوتهم، ومجالسهم وينسون أنها وسيلة وضعت في أيديهم، لقضاء حوائجهم، ومصالحهم الدنيوية.
د- معارضة الكفار، ومخالفتهم، فيما هو من شأنهم، فإن من شأن الكفار الإعراض عن الآخرة، والانكباب على الدنيا ونعيمها. وقد جاء في الحديث: " وإياكم والتنعم، وزِيَّ أهل الشرك" رواه مسلم في [اللباس والزينة - باب - تحريم استعمال إناء الذهب، رقم: ٢٠٦٩] عن عمر ﵁.
وقد ذكرنا حديث مسلم السابق: " ... فإنها لهم في الدنيا" أي للكفار.
ما يستثنى من هذا التحريم:
يستثنى من هذا التحريم أمور ثلاثة:
الأول:
اتخاذ النساء من الذهب والفضة حلياً للزينة، بالقدر المعتاد، من غير سرف ولا شطط. سواء كانت المرأة متزوجة، أم غير متزوجة، وسواء كانت صغيرة أم كبيرة، غنية أم فقيرة.
стр. 530
ودليل ذلك ما رواه الترمذي في أول [كتاب اللباس -باب - ما جاء في الحرير والذهب، رقم: ١٧٢٠] بسند حسن صحيح، عن أبي موسى الأشعري ﵁، أن رسول الله ﷺ ، قال: " حُرِّم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي، وأُحِلَّ لإناثهم".
وقد أجاز العلماء أيضاً إلباس الصبيان الصغار الحلي والحرير في الأعياد وغيرها، لأنه لا تكليف عليهم.
الثاني:
اتخاذ خاتم من فضة، فقد صحّ أن النبي ﷺ اتخذ خاتماً من فضة.
روى مسلم في [اللباس والزينة -باب- في خاتم الورق فصه حبشي، رقم: ٢٠٩٤] والترمذي في [اللباس -باب- ما جاء في خاتم الفضة، رقم: ١٧٣٩] عن أنس ﵁، قال: (كان خاتم رسول الله ﷺ من ورِق، وكان فصُّه حبشياً).
[ورق: فضة.
فصه حبشياً: حجراً من خرز في بياض وسواد، أو من عقيق معدنه من الحبشة، وقيل لونه حبشيّ].
وروى البخاري ومسلم عن أنس ﵁: (أن النبي ﷺ كان خاتمه من فضة، وكان فصه منه).
ورويا عنه أيضاً: (أن رسول الله ﷺ اتخذ خاتماً من فضة، ونقش فيه: محمد رسول الله، وقال: " إني اتخذت خاتماً من وَرِق، ونقشت فيه: محمد رسول الله، فلا ينقُشنَّ أحد على نقشه".
وعند البخاري: (وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر: محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر). البخاري في [اللباس- باب- قول النبي ﷺ لا ينقش على نقش خاتمه،
وباب- هل يجعل نقش الخاتم ثلاثة أسطر،
следующие страницы →