← Фикх шафии

Фикх шафии · id 6369

الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 678 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

الرعاية، وتشريع من الحقوق الملزمة، والكرامة اللائقة، من أن يقعوا في الزنى. ب ـ وشرعه أيضاً ليحمي المرأة من أن يلهث وراءها أصحاب الشهوات، لا بعقد يضمن ويحمي أبناءها، وإنما عن طريق المسافحة والمخادنة، مما يجعل تلك المرأة عُرضة للطرد والحرمان من كل حق، ويجعل أولادها محرومين من حقوق النسب، وعطف الأبوة. فلأن تكون زوجة ثانية محفوظة الحقوق والكرامة خير لها ألف مرة من أن تظل أيِّما، أو تعيش خدينة أو عشيقة، مما يعرضها في النتيجة للبؤس والشقاء، وحماية المجتمع من الانحلال والفساد، والفوضى الخلقية. مبررات تعدد الزواج: وهناك مبررات تجعل تشريع تعدّد الزواج أمراً بادي الحكمة، واضح الفائدة، وسنضرب لذلك بعض الأمثلة: ١ـ رجل عنده نهم في النساء، وعنده امرأة عزوف عن الرجال، إما فطرة، أو لمرض. فهل الأفضل أن يزني هذا الرجل، فيضيع الدين والمال والصحة؟ أو يبقى منطوياً على حاجته، معذباً نفسه، أو أن يتزوج امرأة أخرى، بشرط القدرة على الإعالة والعدالة، وعدم الظلم في المعاملة؟ ولا شك أن الحل الثالث هو الأفضل لهذا الرجل، وأنفع للمجتمع وأطهر. ٢ـ اندلعت نار الحروب ـ والحروب أصبحت اليوم سنّة الحياة ـ فأبادت

стр. 597

الكثير من الرجال، أو شوّهتهم، وأصبح عدد النساء وافراً يزيد على عدد الرجال كثيراً. فهل من الخير للنساء أن يقتصر كل رجل على زوجة واحدة، وتبقى كثرة كاثرة من النساء محرومة من عطف الرجل المُعيل، ومحرومة من إنجاب الولد الذي لا تجد غيره معيناً ومعيلاً عند كبرها، مما قد يضطرها ـ إرواء لحاجتها ـ إلى ارتكاب الإثم والفواحش؟. أم الأفضل أن نبيح للرجل أن يضمّ إليه أكثر من زوجة في ظل رعاية شرعية كاملة؟. إننا لا نظلم المنطق والحق في شيء إذا قلنا: إن التعدد في مثل هذه الظروف يعتبر عملاً إنسانياً تفرضه المروءة والغيرة. ولا نخالف الواقع إذا قلنا: إن زواج الرسول ﷺ بأكثر من واحدة من نسائه كان معظمه من هذا النوع الإنساني الشريف. لقد هاجر بعضهنّ وحيدة، وتركت أهلها، أو مات عنها زوجها شهيداً، وتركها أرملة من غير مُعيل، فخفّ رسول الله ﷺ إلى نجدتها، وضمّها إلى بيته، فكان لها خير مُعيل، وكان لها شرف أمومة المؤمنين، وفضيلة الاقتران بسيد المرسلين عليه أفضل الصلاة والتسليم. ولما حرمت أوربه المسيحية التعدّد، فماذا جنت غير الخيانات الزوجية، أو العذاب النفسي، أو الحرمان لكثير من الزواج؟ ٣ـ إنسان متزوج من امرأة تحبه ويحبها، لكنها عقيم لا تنجب، وهو يتوق إلى الولد، ويحنّ إليه. فهل من الأفضل أن نحرم هذا الإنسان الزواج من ثانية، وندعه مظلوم الفؤاد محروم الولد؟ أم نأمره بأن يطلق زوجته التي يحبها، أم نبيح له الزواج بامرأة أخرى، مع حماية الأولى من الظلم؟

стр. 598

إن هذا الحل هو الأفضل من كل ما سبق، فقد راعى مصالح الرجل والمرأة على السواء. ٤ـ إن الشعوب التي حرمّت تعدد الزوجات وقعت بما هو أشدّ خطراً، وأكثر ضرراً من ضرر التعدّد المزعوم. لقد كثر فيهم الفساد، وانتشرت فيهم الخيانات الزوجية، والمخادنات السريّة، مما يجعل عُقلاءهم يصرخون مُطالبين بتشريع يحل التعدّد، ويقضي على تلك المفاسد المدمرة لحياتهم الاجتماعية. تنبيه: إن إساءة استعمال بعض الجَهَلة لحق التعدّد لا يغضّ من حكمة الإسلام، ولا يحمِّله تبعة رعونة وسفاهة أولئك الجاهلين، وسوء تصرفهم. فالإسلام، ما أباح التعدّد ليكون سلاحاً للجرح، أو الذبح، أو سوء المعاملة، وإنما شرعة تلبية للحاجة، ووقاية للمجتمع، ورعاية للأفراد، وقضاء على الرزيلة. لكن تلك المبررات، وبتلك الشروط الشرعية أباح الإسلام التعدّد، ولم يوجبه، وأحاطه بسياج من الضمانات الأخلاقية الحقوقية. فالإسلام أشبه (بصيدلية) وَعَت جميع الأدوية التي تفي بحاجة الناس جميعهم، يأخذ كل فرد الدواء الذي يتفق وحاجته ومرضه، ليس معقولاً أن نقلِّل من أهمية هذه (الصيدلية) أو نقلِّص من موادها بحيث لا تفي بالحاجة العامة لجميع الأفراد، أو نُبيح جميع ما فيها لكل فرد، ولو بغير حاجة. هذا وإذا كان أعداد الإسلام لا يعجبهم هذا التشريع، لأنه لا يتفق وأمزجتهم المنحرفة، وأذواقهم الفاسدة، وشهواتهم الرخيصة، فليموتوا بغيظهم، والله من ورائهم محيط.

стр. 599

مقدمات الزواج تمهيد: إن سعادة الأسرة، ونجابة الأولاد، واستمرار الحياة الزوجية تتوقف على حسن اختيار كل من الزوجين للآخر، اختياراً واعياً، غير متأثر بعاطفة هوجاء، أو مصلحة مؤقتة، وإنما يكون قائما على أساس يبقى، ويقوى مع مرور الزمن؛ ولما كان عقد الزواج عقداً خطير الأثر، طويل الأمد، كثير التكاليف، كان لابدّ قبل إجراء هذا العقد من خطوات تتخذ من قِبَل كل من الخاطب والمخطوبة، حتى إذا أقدما على عقد الزواج كانا قد أقدما عليه، وقد اطمأن كل منهما إلى الصفات والمؤهلات التي تحقق أغراضه، وتطمئن نفسه إلى مستقبل ارتباطه مع زوجه. وهذه الخطوات هي: أولاً: البحث عن الصفات التي تطلب في كل من الزوجين. ثانيا: رؤية المخطوبة والنظر إليها. ثالثاً: الخطبة. أولاً: البحث عن الصفات التي ينبغي أن تطلب في كل من الزوجين: لقد أرشد الإسلام إلى عدة من الصفات تكون في المخطوبة، كما تكون في الخاطب، وحث على تلمسها، والبحث عنه، وهذه الصفات هي:

стр. 600

١ـ الدين الصحيح والخلق القويم: يُطلب في الزوج يُختار أن يكون ديناً، ذا خلق حسن، كما يطلب في الزوجة أن تكون دينة، وذات خلق حسن، وإلى ذلك أرشد النبي الأعظم ﵊ حين قال: " إذا خطب إليكم من ترْضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض " (رواه الترمذي في النكاح، باب: ما جاء إذا جاءكم مَن ترضون دينه فزوِّجوه، رقم: ١٠٨٤) وقال ﷺ : " تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تَرِبَتْ يداك ". رواه البخاري (النكاح، باب: الأكفاء في الدين، رقم: ٤٨٠٢) ومسلم (الرضاع، باب: استحباب نكاح ذات الدين رقم: ١٤٦٦) [تربت يداك: افتقرت، وهذه كلمة جارية على ألسنة العرب لا يريدون بها الدعاء على المخاطب، ولكن يريدون بها الحثّ والتحريض، والمراد بالدين والأخلاق: فعل الطاعات، والأعمال الصالحات، والعفّة عن المحرمات، والقيام بحقوق الزوجية]. ٢ـ الحكمة من تفصيل ذات الدين والخلق: إن الحكمة من ذلك هي أن الدين يقوى على مرور الزمن، والخلق يستقيم مع توالي الأيام وتجارب الحياة. فإذا اختار كلِّ من الزوجين الآخر لدينه وخلقه، كان ذلك أضمن لاستمرار الحب، ودوام المودّة. ولا يُفهم مما ذكرنا أن على الإنسان أن يعزف عن الحَسَب والجمال، وإنما يجب أن يفهم أنّ هذه الصفات إذا انفردت في المخطوبة، كان الدين أفضلها، وإذا اجتمعت كانت نوراً على نور.

стр. 601

٣ـ النسب في كل من الزوجين: ومعنى النسب: طيب الأصل، وكرم المنبت، ودليل ذلك ما جاء في حديث الصحيحين السابق تنكح المرأة لأربع، وذكر منها: (ولحسبها). كذلك يسنّ في الزوج أن يكون ذا حسب، وأصل طيب، لأن ذلك أعون على استدامة الحياة الزوجية، وأقرب إلى طيب العشرة، لأن صاحب الأصل الطيب لا يصدر عنه إلا العِشْرة الكريمة، إذا أحبّ أكرم، وإذا أبغض لا يظلم. ٤ـ أن لا يكون بين الزوجين قرابة قريبة: وقد نصّ الشافعي رحمة الله تعالى على أنه لا يتزوج الرجل من عشيرتيه: أي الأقربين. وقد علل الزنجاني ذلك بقوله: إن من مقاصد النكاح اتصال القبائل، لأجل التعاضد والمعاونة، وهذا حاصل في القرابة القريبة من غير زواج. وقد روى: (لا تنكحوا القرابة القريبة، فإن الولد يُخلق ضاوياً) أي نحيفاً، وذلك لضعف الشهوة بين القرابة. ذكر هذا الشربيني في شرحه لمنهاج النووي. لكن ذكر ابن الصلاح أنه لم يجد لهذا الحديث أصلاً معتمداّ، وقد ذكره ابن الأثير في كتابه [النهاية في غريب الحديث والأثر]. ولا يطعن في هذا الحكم أن النبي ﷺ قد زوّج فاطمة من على ﵄، لأنه فعل ذلك لبيان الجواز، أو لأنه ليس بينهما قرابة قريبة جداً، ففاطمة هي بنت ابن عم علي، فهي بعيده عنه بالجملة. ٥ـ الكفاءة: ويقصد بالكفاءة: مساواة حال الرجل لحال المرأة اليوم في عدة وجوه: أـ الدين والصلاح، فليس الفاسق كفؤاً لعفيفة صالحة، قال تعالى:

стр. 602

﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لَّا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨]. ب ـ الحرفة، فصاحب حرفه دنيئة، ككنّاس وحجّام وراع وقيِّم حمام، ليس كفؤا لبت عالم وقاض وتاجر. ج ـ السلامة من العيوب المثبتة للخيار في فسخ النكاح، فمَن به جنون أو برص ليس كفؤاً للسليمة منها. والكفاءة في الزواج من حق الزوجة وأوليائها، وهي وإن لم تكن شرطاً في صحة النكاح، لكن مطلوبة ومقررة دفعاً للعار عن الزوجة وأوليائهما، وضماناً لاستقامة الحياة بين الزوجين، وذلك لأن أسلوب حياتهما، ونوع معيشتهما يكونان متقاربين، ومألوفين لهما، فلا يضطر أحدهما لتغيير مألوفة. فللزوجة وأوليائها إسقاط حق الكفاءة، فلو زوَّجها وليها غير كفء برضاها صحّ الزواج، لأن الكفاءة حقها وحق الأولياء، فإن رضوا بإسقاطها، فلا اعتراض عليهم. ويشير إلى مراعاة الكفاءة، قول النبي ﷺ : " تخيروا لنطفكم وانكحوا الأكفاءَ وانكحوا إليهم ". رواه الحاكم (النكاح، باب: تخيروا لنطفكم .. ، رقم: ٢/ ١٦٣) وصححه. ٦ - البكارة: والبكر: هي التي لم يسبق لها أن تزوجت، وقد بيّن النبي ﷺ سبب اختيار الزوجة البكر، حين قال: " عليكم بالأبكارَ، فإنهنّ أعْذَُبُ أفواهاً، وأنتقُ أرحاماً، وأرضى باليسير ". رواه ابن ماجه في (النكاح، باب: تزوج الأبكار، رقم: ١٨٦٠). [أعذب أفواهاً: ألين كلاماً، فهو كناية عن حُسن كلامها وقلّه بذائها

стр. 603

وفحشها مع زوجها، لبقاء حيائها، لأنها لم تُخالط زوجاً قبله. أنتق أرحاماً: أكثر أولاداً]. وروى البخاري ومسلم واللفظ له: عن جابر ﵁ قال: تزوجت امرأة في عهد رسول الله ﷺ فقلت النبي ﷺ فقال: " يا جابر، تزوجت؟ قلت: نعم. قال: بكر أم ثِّيب؟ قلت: ثِّيب. قال: فهلاِّ بكراً تلاعبها؟ قلتْ: يا رسول الله: إن لي أخوات، فخشيت أن تدخل بيني وبينهنّ. قال فذاك إذاً، إن المرأة تنكح على دينها ومالها وجمالها، فعليك بذات الدين تربت يداك ". (البخاري: النكاح، باب: تزويج الثيِّبات. ومسلم: الرضاع، باب: استحباب نكاح ذات نكاح ذات اليدين). وكذلك يستحبّ أن يكون الزوج بكراً، لم يسبق له أن تزوج، لأن النفوس جُبِلت على الاستئناس بأول مألوف. الولود: وتُعرف البكر الولود بأقاربها، كأختها، وعمتها، وخالتها , ويُعرف الرجل الولود أيضاً بأقربائه. قال رسول الله ﷺ " تزوجوا الولود الودود فإني مُكاثر بكم الأمم يوم القيامة ". رواه أحمد، وابن حبّان، والحاكم، وصحّح إسناده. (المستدرك: النكاح، باب، تزوّجوا الودود الولود: ٢/ ١٦٢) ثانياً: رؤية المخطوبة والنظر إليها: ومن الأمور المستحبّة التي رغّب فيها الإسلام أن ينظر الخاطب إلى المخطوبة قبل الخطبة، إذا قصد نكاحها، ورجا رجاء طاهراً أن يجاب إلى طلبه، وإن لم تأذن له، أو لم تعلم بنظره، اكتفاء بإذن الشرع له، ولئلا تتزين له، فيفوت غرضه.

стр. 604

وله تكرير النظر ثانياً وثالثاً إن احتاج إليه، ليتبين هيئتها، فلا يندم بعد النكاح، إذ لا يحصل الغرض غالباً بأول نظرة. روى الأمام الترمذي وحسّنه (النكاح، باب: ما جاء في النظر إلى المخطوبة، رقم: ١٠٨٧)، وابن ماجه (النكاح، باب: النظر إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها، رق: ١٨٦٥) وغيرهما: أن النبي ﷺ قال للمغيرة بن شعبة ﵁ وقد خطب امرأة ـ أي عزم على خطبتها ـ: " انظر إليها فإنه أحرى أنْ يؤدَمَ بينكما ". ومعنى يؤدم بينكما: أن تدوم المودّة والألفة بينكما. وروى البخاري (النكاح، باب: النظر إلى المرأة قبل التزويج، رقم: ٤٨٣٣)، ومسلم (النكاح، باب: الصداق وجواز كونه تعليم قرآن .. ، رقم: ١٥٢٤) عن سهل بن سعد ﵁: أن امرأة جاءت رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، جئت لأهبَ لك نفسي، فصعَّد النظر إليها وصَّوبه، ثم طأطأ رأسه. [لأهب لك: أجعل أمري لك: تتزوجني بدون مهر، أو تزوِّجني لمن ترى. فصعد النظر إليها وصوبه: نظر إلى أعلاها وأسفلها وتأملها. طأطأ رأسه: خفض رأسه، ولم يُعد النظر إليها]. وروى مسلم (النكاح، باب: ندب النظر إلى وجه المرأة وكفّيها لمن يريد تزوجها، رقم: ١٤٣٤) عن أبي هريرة ﵁ قال: كنت عند النبي ﷺ فأتاه رجل، فأخبره أن تزوج امرأة من الأنصار فقال له رسول الله ﷺ : " أنظرتَ إليها؟ " قال: لا. قال: " فاذهب فانظر إليها، فإنَّ في أعين الأنصار شيئاً " أي يختلفن عن أعين غيرهنّ ربما لا يعجبك. وعن أبي حُميد الساعدي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا خطب أحدكم امرأة فلا جُناح عليه أن ينظر منها، إذا كان إنما ينظر إليها لخطبته، وإن كانت لا تعلم ".

стр. 605

رواه أحمد (٥/ ٤٢٤) هذا ويحق لها أيضاً أن تراه، إذا أرادت الزواج منه، لتتبين هيئته، ولا تندم بعد النكاح، فإنها يعجبها منه ما يعجبه منها. حدود النظر: ولا يجوز للخاطب أن ينظر من المخطوبة إلاّ وجهها وكفّيها ظهراً وبطناً، لأنها مواضع ما يظهر من الزينة المُشار إليها، في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] والحكمة من الاقتصار على الوجه والكفّين، أن الوجه يستدل به على الجمال، واليدين يستدل بهما على خصب البدن ولينه. وإن لم يتيسر له أن ينظر إليها، أرسل امرأة تتأملها، وتصفها له. لأنه ﷺ بعث أم سليم إلى امرأة، وقال: " انظري عرقوبيها، وشمي عوارضها ". رواه الحاكم (في النكاح: ٢/ ١٦٦) وصححه. [العرقرب: عصب غليظ فوق عقب الإنسان. وشمّي عوارضها: أي رائحة جسمها " ويؤخذ من الحديث أن للمبعوث أن يصف للباعث زائداً على ما ينظره بنفسه، فيستفيد بالبعث ما لا يستفيده بنظره. حكم نظر الأجنبي إلى المرأة: ويحرم نظر رجل بالغ عاقل مختار ـ ولو شيخاً، أو عاجزاً، وكذلك المراهق وهو مَن قارب البلوغ ـ إلى أيّ جزء من جسم المرأة أجنبية كبيرة. والكبيرة هي من بلغت حدّاً تشتهى فيه، ولو كانت غير بالغة، ولو كان ذلك الجزء الوجه والكفّين، ولو لم تكن هناك فتنة على الصحيح في المذهب. وكذلك يحرم على المرأة أن تنظر إلى الرجل لغير حاجة. قال الله

стр. 606

تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴿٣٠﴾ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: ٣ - ٣١]. وروي عن أم سلمة ﵂ قالت: كنت عند ميمونة ﵂ عند رسول الله ﷺ ـ إذ أقبل ابن أمّ مكتوم ﵁ فقال النبي ﷺ : " احتجبا منه، فقلت: يا رسول الله: أليس هو أعمى لا يبصر ولا يعرفنا؟ فقال: رسول الله ﷺ أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه " رواه الترمذي (الأب، باب: ما جاء في احتجاب النساء من الرجال، رقم: ٢٧٧٩) وقال: حديث حسن صحيح. هذا، وحيث حرّم النظر فيما ذكر حرّم المسّ، لأنه أبلغ منه في التلذذ وإثارة الشهوة. أما النظر إلى الصغيرة التي لا تُشتهى، والصغير الذي هو دون المراهقة، فإنه لا يحرم النظر إلا إلى الفرج منهما. لأن النظر إليهما ليس في مظنة شهوة، فلا يحرم ذلك. النظر إلى المحارم: ويجوز نظر الرجل إلى محارمه من النساء إلا ما بين السرّة والركبة. وكذلك المرأة تنظر إلى محارمها من الرجال ما عدا ما بين السرّة إلى الركبة. متى يباح النظر إلى الأجنبية؟ واعلم أن ما تقدم من حُرمة النظر إلى المرأة الأجنبية، والمسّ لهما، إنما هو حيث لا تدعوا الحاجة إليهما، وأما إذا دعت الحاجة إلى النظر، أو المسّ، فإن ذلك يُباح، وليس فيه حرج. والحاجة تظهر في الأمور الآتية:

стр. 607

١ـ عند المداواة، لأن في التحريم حرجاً، والإسلام دين اليُسْر ورفع الحرج. قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحرج: ٧٨]. فيُنظر إلى المواضع التي يحتاج إليها. روى مسلم (السلام، باب: لكل داء ودواء واستحباب التداوي، رقم: ٢٢٠٦) عن جابر ﵁: (أن أم سلمة ﵄ استأذنت رسول الله ﷺ في الحجامة، فأمر النبي ﷺ أبا طيبة أن يحجمها). فللرجل مداواة المرأة إذا كانت الضرورة تتطلب ذلك، ولم توجد امرأة تعالجها، وكذلك للمرأة مداواة الرجل إذا لم يوجد رجل يعالجه، ودعت الضرورة إلى ذلك، لكن لا يعالج الرجل المرأة إلا بحضرة مَحرَم، أو زوج، أ, امرأة ثقة. وإذا وجد الطبيب المسلم، لا يعدل إلى غيره. ٢ـ عند المعاملة من بيع وشراء، إذا كانت هناك حاجة لمعرفة تلك المرأة، ولم تعرف دون النظر إليها. ٣ـ عند الشهادة تحملاً وأداء، لأن الحاجة تدعوا إلى النظر إلى المشهود عليه، أو المشهود له ٤ـ عند التعليم: وذلك فيما ذكر، فإنما يُباح بقدر الحاجة فقط، لأن النظر إنما أبيح للضرورة أو الحاجة، والضرورة والحاجة تقدر بقدّر ما يرفع الحرج ويحقق الغرض. ثالثاً: الخطبة: فإذا تمّ الوثوق من الصفات الحسنة، وتحقق بالرؤية والنظر الرضا والرغبة، جاء دور الخطبة.

стр. 608

والخطبة ـ بكسر الخاء ـ هي التماس الخاطب النكاح من جهة المخطوبة. متى تحل الخطبة، ومتى تحرم: ١ـ تحل الخطبة تصريحاً وتعرضاً، إذا كانت المخطوبة خليَّة من نكاح، وعدة، ومن كل موانع النكاح التي مر ذكرها في المحرمات. ٢ـ تحل الخطبة تعريضاً فقط لا تصريحاً، إذ كانت المرأة معتدّة من وفاة، أو طلاق بائن. قال الله تعالى: ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة " ٢٣٥] [لا جُناح: لا إثم ولا حرج. أكننتم: أخفيتم. لا تواعدوهنّ سرّاً: لا تعدوهن بالنكاح خفية. قولاً معروفاً: موافقاً للشرع، وهو التعريض. ولا تعزموا عقدة النكاح: لا تحققوا العزم على عقد الزواج. حتى يبلغ الكتاب أجَلَه: حتى تنقضي العدّة، وهي المدة التي فرضها الله على المعتدّة في كتابه أن لا تتزوج خلالها]. ٣ـ وتحرم الخطبة تعريضاً وتصريحاً فيما عدا ما ذكر، في الفقرة الأولى والثانية. فتحرم خطبة امرأة ما تزال على عصمة زوجها. كما تحرم خطبة كل امرأة ذكرت في محرمات النكاح، سواء كانت محرمة مؤبدة أم محرمة مؤقتة. وتحرم خطبة المرأة المعتدّة من طلاق رجعي، سواء كان ذلك بالتعريض أم بالتصريح، لأنها زوجة، أو في معنى الزوجة، لأن لزوجها الحق في مراجعتها، قال تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحاً ً﴾ [البقرة: ٢٢٨].

стр. 609

معنى التصريح بالخطبة: والتصريح في الخطبة معناه: كل لفظ يقطع بالرغبة في النكاح: كأُريد أن أنكحك، أو: إذا انقضت عدتك تزوجتك. معنى التعريض بالخطبة: والتعريض بالخطبة معناه: أن يستعمل لفظاً يحتمل الرغبة في النكاح، وعدمها، كأن يقول للمعتدّة: أنت جميلة، أو: ربّ راغب فيك، مَن يجد مثلك، أو نحو ذلك. الخطبة على الخطبة: وتحرم خطبة إنسان على خطبة أخيه، إذا كان قد صرح له بالإجابة، إلا بإذنه. فإن لم يجب ولم يرد لم تحرم الخطبة. وهذه الحرمة حرمة توجب الإثم، ولا توجب بطلان العقد، فيما إذا خطب على خطبة أخيه، وعقد عقد الزواج. ودليل هذا التحريم: قول النبي ﷺ : " لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله، أو يأذن له الخاطب ". رواه البخاري (النكاح، باب: لا يخطب على خطبة أخيه .. ... ، رقم: ٤٨٤٨)، ومسلم (النكاح، باب: تحريم الخطبة على خطبة أخيه .. ، رقم: ١٤١٢) عن ابن عمر ﵁ حكم الاستشارة في خاطب أو مخطوبة: مَن استُشير في خاطب أو مخطوبة وجب عليه أن يذكر من العيوب والمساوئ ما يعرف بصدق، ليحذر، وذلك بذلاً للنصيحة، ولا يعدّ ذلك من الغيبة المحرّمة. هذا إذا احتيج إلى ذكر العيوب، أما إذا اندفع بدون ذكر ذلك، كقوله مثلاُ: هذا لا يصلح لك، أو هذه لا تصلح لك، وجب الاقتصار على ذلك. دليل هذا الحكم حديث فاطمة بنت قيس رضي الله

стр. 610

عنهما عند مسلم (الطلاق، باب: المطلّقة ثلاثاً لا نفقة لها، رقم: ١٤٨٠)، والترمذي (النكاح، بباب: ما جاء في أن الرجل لا يخطب على خطبة أخيه، رقم: ١١٣٥) أنها قالت للنبي ﷺ : إن معاوية بن أبي سفيان، وأبا جهم خطباني، فقال رسول الله ﷺ : " أما أبو جهم فلا يَضَعُ عصاه عن عاتقه، وأما معاويةُ فصعلوكّ لا مال له، انكحي أسامة بن زيد، فكرهته، ثم قال: انكحي أسامة، فنكحته، فجل الله فيه خيراً، واغتبطتْ ". عرض الوليّ موليته على ذوي الصلاح والتقوى: ويسن لولي المرأة التي يرغب في تزويجها أن يعرض زواجها على أهل الصلاح والتقوى، تأسياً بما فعل شعيب ﵊ مع موسى ﷺ حين عرض بنته عليه، لما عُرِف من أمانته وعفافه. قال تعالى حاكياً قصتهما: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴿٢٦﴾ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴿٢٧﴾ قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٦ ـ ٢٨] .. وتأسياً أيضاً بما فعل عمر بن الخطاب ﵁ عندما عرض ابنته حفصة ﵂ على عثمان، ثم على أبي بكر، وتزوجها النبي ﷺ . (البخاري: النكاح، باب: عرض الإنسان ابنته أو أُخته على أهل الخير). سنن الخطبة: ويستحبّ للخاطب، أو وكيله، تقديم خُطبة ـ بضم الخاء ـ قبل الخطبة ـ بكسر الخاء ـ وقبل العقد، يبدؤها بحمد الله والصلاة والسلام على النبي ﷺ لحديث: " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أبتر ".

стр. 611

(ابن ماجه: النكاح، باب: خطبة النكاح، رقم: ١٨٤٩). ثم يوصي بتقوى الله ، ثم يظهر رغبته، فيقول: جئتكم خاطباً كريمتكم. ويستحب أيضا لوليّ المخطوبة أن يخطب، ويقول: بعد حمد الله والصلاة والسلام على النبي وآله والوصية بقوى الله : ليس بمرغوب عنك. والخُطبة قبل العقد آكد من الخُطبة قبل الخِطبة، لورود ذلك عن السلف الصالح ﵁. وقد تبرك الأئمة ﵃ بما روي عن ابن مسعود ﵁ موقوفاً ومرفوعاً قال: إذا أراد أحدكم أن يخطب لحاجة من نكاح وغيره، فليقل: (إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلّ له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء: ١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ﴿٧٠﴾ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب: ٧٠ـ ٧١] (انظر شرح الشربيني على المنهاج: كتاب النكاح: ٣/ ١٣٨). حكم الخلوة بالمخطوبة والاختلاط بها قبل العقد: لقد شاع وانتشر في بعض الأوساط المسلمة، البعيدة عن روح الإسلام في الزواج، أن الخاطب بمجرد أن يعلن خطبته يبدأ بالاختلاط

стр. 612

بخطيبته، والخلوة بها، مدعياً أنه يفعل ذلك ليتعرف أخلاقها وطباعها، وهو مقتنع في قرارة نفسه أنه لن يستطيع أن يكشف من حقيقة أخلاقها شيئاً، لأنه كان يفكر هو بأن أمامها ـ تصنعاً ـ بأنه فارس أحلامها المنشود في كرمه، وتسامحه، وكياسته، فإنها هي أيضاً تتصنع له أكثر مما يتصنع لها، وتحاول أن تفهمه أنها هي الفتاة التي رسمها في خيالها رقة وأنوثة، وذوقاً، وأدباً وأخلاقاً وسلوكاً. إن اختلاط الخاطب بالمخطوبة وخلوته بها قبل عقد الزواج أمر حرام لا يقره شرع الله ، ولا يرضى به. قال رسول الله ﷺ ولا يخلون رجل بامرأة إلا ومعهما ذو محرم ". رواه البخاري (النكاح، باب: لا يخلون رجل بامرأة ... ، رقم: ٤٩٣٥) ومسلم (الحج، باب: فرض الحج والعمرة مرة في العمر، رقم: ١٣١٤). عن ابن عباس ﵄. والخطيبة قبل العقد تعتبر امرأة أجنبية. إن الفتاة العاقلة هي التي تمتنع عن الظهور أما خطيبها بعد أن رآها رؤية الخطبة حتى يتم العقد، لأن من الواجب عليها أن تفكر في مستقبلها، وتحسب الحساب للعواقب التي يمكن أن تواجهها، وتفكر بأن هذا الخاطب إذا فسخ خطبته لها فلن يتقدم شاب آخر لخطبتها، وهو يعلم علاقتها بخطيبها السابق. أما إذا تم العقد، فقد حلّت الخلوة والخلطة لأنها أصبحت زوجة له، يرى منها وترى منه ما بدا لهما، من غير إثم ولا حرج.

стр. 613

أركان عقد النكاح والتعريف بكل ركن، وبيان شروطه للنكاح أركان خمسة: وهي: صيغة، وزوجة، وزوج، ووليّ، وشاهدان. الركن الأول: الصيغة: والصيغة: هي الإيجاب من وليّ الزوجة، كقوله: زوجتك، أو: أنكحتك ابنتي. والقبول من الزوج كقوله: تزوجت، أو نكحت ابنتك، ويصحّ تقدّم لفظ الزوج على لفظ الوليّ، لأن التقدم والتأخر سواء في إفادة المقصود. الحكمة من تشريع الصيغة: والحكمة: هي أنه لما كان عقد الزواج من العقود التي لا بدّ فيها من رضا العاقدين، والرضا أمر خفي لا يُطلع عليه، اعتبر الشرع الصيغة ـ وهي الإيجاب والقبول ـ دليلاً ظاهراً على الرضا في نفس كل من العاقدين. شروط الصيغة: ويشترط في الصيغة الشروط التالية: ١ـ أن تكون بلفظ التزويج، أو الإنكاح: وما يشتق منهما؛ كزوّجتك وأنكحتك، وقبلت تزويجا، أو قبلت نكاحها.

стр. 614

وإنما اشترط لفظ التزويج الإيجابي، وما اشتق منهما، لأنهما اللفظان الموضوعان في اللغة والشرع، للدلالة على عقد الزواج، وهما المستعملان في نصوص القرآن والسنة. ففي القرآن قال تعالى: ﴿فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ ... .. ... ﴾ [الأحزاب: ٣٧] [وطراً: حاجة، ولم تبق له رغبة فيها. أدعيائهم: الذين ادّعوا أنهم أبناؤهم وهم ليسوا كذلك]. وفي السنّة قال رسول الله ﷺ : " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ... . ". (انظر دليل مشروعية النكاح). ٢ـ التصريح بلفظ الزواج، أو النكاح في الإيجاب وفي القبول: فلو قال الوليّ: زوجتك ابني، فقال الزوج: قبلت، لم ينعقد النكاح. ولو قال الزوج: زوِّجني ابنتك، فقال الوليّ: قبلت، لم ينعقد النكاح أيضاَ، لأنهما لم يصرحاً بلفظ الزواج، أو النكاح. عقد النكاح بغير العربية: ويصحّ عقد النكاح باللغات العجمية، وهي مساعد اللغة العربية. فلو وجد الإيجاب والقبول بلغة عجمية صح عقد النكاح، ولو كان الزواج ووليّ الزوجة يعرفان اللغة العربية، اعتباراً بالمعنى، لأن لفظ الزواج أو النكاح لا يتعلق بهما إعجاز، فاكتفي بترجمتهما. عقد النكاح بألفاظ الكناية: لا يصحّ عقد الزواج بألفاظ الكناية بأيّ لغة كانت. وألفاظ الكناية: هي التي تحتمل الزواج وغيره: كأحللتك ابنتي، أو

стр. 615

وهبتها لك، لأن ألفاظ الكناية تحتاج إلى النّية، والنّية محلّها القلب. وعقد النكاح يشترط فيه الشهود، والشهود لا يطّلعون على ما في القلوب، حتى يشهدوا: إن كان العاقدان قد نويا النكاح، أو غيره. عقد النكاح بالكتابة: وكذلك لا ينعقد النكاح بالكتابة، سواء كان المتعاقدان حاضرين أو غائبين. فلو كتب وليّ الزوجة إلى غائب، أو حاضر: زوجّتك ابنتي، فوصل الكتاب إلى الزوج، فقرأه، وقال: قبلت زواج ابنتك، لم يصحّ العقد، لأن الكتابة من الكناية، والنكاح لا ينعقد بالكناية. إشارة الأخرس المفهمة: أما إشارة الأخرس المفهمة، وهي التي لا يختص بفهم المراد منها الفطنون الأذكياء، فإنها ينعقد بها عقد النكاح لأنها تنزل منزلة اللفظ الصريح. أما إذا كانت إشارته خفية، لا يفهمها إلا الأذكياء الفطنون، فلا ينعقد بها الزواج، لأنها عندئذ تنزل منزلة الكناية، والكناية لا ينعقد بها الزواج. ٣ـ اتصال الإيجاب بالقبول: ومن شروط الصيغة أيضا أن يتصل الإيجاب من الولي بالقبول من الزوج، فلو قال ولي الزوجة: زوّجتك ابنتي، فسكت الزوج مدة طويلة، ثم قال: قبلت زواجها، لم يصح العقد، لوجود الفاصل الطويل بين الإيجاب والقبول، مما يجعل أمر رجوع الوليّ في هذه المدة عن الزواج أمراً محتملاً، أما السكوت اليسير: كتنفس، وعطاس، فإنه لا يضرّ في صحة العقد. ٤ـ بقاء أهلية العاقدين إلى أن يتم القبول: فلو قال وليّ الزوجة: زوّجتك ابنتي ولكن قبل أن يصدر القبول من

стр. 616

الزوج جنّ الولي، أو أغمي عليه، فقبل الزوج، لم يصح النكاح. وكذلك لو قال الزوج: زوِّجني ابنتك، ثم أغمي عليه قبل أن يقول وليّ الزوجة: زوّجتك، بطل الإيجاب، ولم يصحّ العقد ولو وجد القبول، لفقدان أهليّة أحد العاقدين قبل تمام العقد. ٥ـ أن تكون الصيغة منجزة: فلا تصح إضافة عقد الزواج إلى المستقبل، ولا تعليقه على شروط. فلو قال ولي الزوجة: إذا جاء رمضان فقد زوّجتك ابنتي، فقال الزوج: تزوجتها، لم يصح العقد. ولو قال وليّ الزوجة: إن كانت ابنتي قد نجحت في الامتحان فقد زوّجتك إياها، فقال الزوج: قبلت زواجها، لم يصح الزواج أيضاً، لأن عقد الزواج يجب أن يكون منجزاً، تترتب عليه آثاره من حين إنشائه، فإضافته إلى المستقبل، أو تعليقه على شروط يقتضي تأخير أحكام العقد إلى المستقبل، أو إلى وجود الشرط، وهذا يُنافي مقتضى العقد. ٦ـ أن تكون الصيغة مطلقة: فلا يصحّ توقيت النكاح بمدة معلومة: كشهر، أو سنة، أو مجهولة: كقدوم غائب، فلو قال وليّ الزوجة: زوّجتك ابنتي شهراً، أو سنة، أو إلى قدوم فلان، فقال الزوج: قبلت زواجها، لم ينعقد الزواج في هذه الصور، لأن هذا من نكاح المتعة المحرّمة. روى مسلم (النكاح، باب: نكاح المتعة وبيان أنه أُبيح ثم نسخ ... .، رقم: ١٤٠٦) وغيره عن سَبْرَة الجهني ﵁ أنه كان مع رسول الله ﷺ فقال: " يا أيّها الناس، إني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرّم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهنّ شيء فليخلِّ سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهنّ شيئاً ".

стр. 617

نكاح الشغار: لا يصحّ نكاح الشغار، وهو: أن يقول وليّ الزوجة لرجل: زوّجتك ابنتي على أن تُزوِّجني ابنتك، ويضع كل واحدة منهما صداق للأُخرى. فيقول الآخر: تزوجت ابنتك، وزوجتك ابنتي على ما ذكرت. وسبب بطلان هذا الزواج هو تعليق زواج كلِّ من الزوجين على الأخرى، والتعليق مفسد للعقد كما سبق. وأيضاً، فإن النبي ﷺ نهى عن نكاح الشغار. روى البخاري (النكاح، باب: الشغار، رقم: ٤٨٢٢) ومسلم (النكاح، باب: تحريم نكاح الشغار وبطلانه، رقم: ١٤١٥) وغيرهما عن ابن عمر ﵁: (أن رسول الله ﷺ نهي عن الشِّغار، والشغار: أن يزوّج الرجل ابنته على أن يزوجه ابنته، وليس بينهما صداق. وسمي هذا الزواج شغاراً أخذاً من قولهم: شغر البلد من السلطان: إذا خلا عنه. وهذا الزواج قد خلا هو أيضاً من المهر، فأشبه البلد الشاغر من السلطان. الركن الثاني: الزوجة: ويشترط في الزوجة ليصحّ نكاحها الشروط التالية: ١ـ خلوّها من موانع النكاح التي مر ذكرها في محرمات النكاح والخطبة. ٢ـ أن تكون الزوجة معينة، فلو قال وليّ الزوجة لرجل: زوّجتك إحدى بناتي، لم يصحّ العقد، لعدم تعيين البنت التي يزوجها. ٣ـ أن لا تكون الزوجة مُحْرِمَةً بحج أو عمرة. روى مسلم (النكاح، باب: تحريم نكاح المحرم وكراهة خطبته، رقم: ١٤٠٩) وغيره عن عثمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 618

" لا يُنكَح المحرم، ولا يُنكَح، ولا يَخْطب " أي لا يتزوج المحرم، ومثله المحرَمَة، ولا يزوّجه غيره امرأة محرمة، أو غير محرمة، سواء كان بولاية، أو وكالة، ولا يطلب امرأة للتزويج. الركن الرابع: الزوج: ويشترط فيه الشروط التالية: ١ـ أن يكون ممّن يحل للزوجة التزوّج به، وذلك بأن لا يكون من المحرمين عليها. ٢ـ أن يكون الزوج معيناً، فلو قال الوليّ: زوّجت ابنتي إلى أحدكما، لم يصحّ الزواج، لعدم تعيين الزوج. ٣ـ أن يكون الزوج حلالاً، أي ليس محرماً بحج أو عمرة، للحديث السابق " لا يَنْكِح المحرم، ولا يُنكَح، ولا يخطب ". الركن الرابع: الوالي: معنى الولاية: الولاية في اللغة: تأتي بمعنى المحبة والنصرة. وعليه قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦]. والولاية في الشرع: هي تنفيذ القول على الغير، والإشراف على شؤونه. والمراد بالغير: القاصر والمجنون، والبالغة في ولاية الاختبار. ويعرّفها بعضهم: بأنها تنفيذ القول على الغير، شاء أو أبى، فتشمل على هذا ولاية الإجبار. ويسمى مَن أعطته الشريعة حق الولاية: ولياً. قال الله تعالى: ﴿فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ

стр. 619

يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. حكمة مشروعية الولاية: والحكمة من مشروعية الولاية على الصغار والقاصرين إنما هي رعاية مصالحهم، حتى لا تضيع هدراً، وحفظ حقوقهم، وتدبير شؤونهم. وجود الولي واجب في عقد الزواج: لابد في تزويج المرأة بالغة كانت أو صغيرة، ثيّباً كانت أو بكراً، من وليّ يلي عقد زواجها. فلا يجوز لامرأة تُزوَّج نفسها، ولا أن تزوَّج غيرها، بإذن أو بغير إذن سواء صدر منها الإيجاب، أو القبول. ودليل ذلك ما رواه الدارقطني (في النكاح ٣/ ٢٢٧) عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: " لا تزوَّج المرأةُ المرأة، ولا تزوَّج نفسها " وكنا نقول: التي تزوِّج نفسها هي الفاجرة. وفي رواية: هي الزانية. الحكمة من اشتراط الولي في زواج المرأة: والحكمة من اشتراط الوليّ أنه لا يليق بمحاسن العادات دخول المرأة في مباشرة عقد الزواج، وذلك لما يجب أن تكون عليه من الحياء. ٥ـ دليل وجوب الوليّ في عقد زواج المرأة: واستُدل على وجوب الوليّ في عقد زواج المرأة بالقرآن الكريم، والسنّة النبوية: أما القرآن الكريم: فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ... . ﴾ [البقرة: ٢٣٢. قال الشافعي رحمة الله تعالى: هذه الآية أصرح دليل على اعتبار الوليّ، إذ لو لم يكن معتبراً لما كان لعضله معنى.

стр. 620

والعضل: منع المرأة من الزواج. وأما السنّة: فما رواه ابن حبّان: أن النبي ﷺ قال: " لا نكاحَ إلا بَوِلّي وشاهدَيْ عدْل، وما كان من نكاح على غير ذلك فهو باطل ". (موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان: النكاح، باب: ما جاء في الوليّ والشهود). وروى أبو داود (النكاح، باب: في الوليّ، رقم: ٢٠٨٥)، والترمذي (النكاح، باب: لا نكاح إلا بوليّ، رقم: ١١٠١) عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: " لا نِكَاح إلا بوَليّ ". ٦ـ حكم الزواج بغير وليّ وما يترتب عليه: فإذا زوجت المرأة نفسها من غير وليّ اعتبر زواجها باطلاً، ثم إن أعقب هذا الزواج دخول وجب التفريق بينهما، لبطلان العقد، ووجب للمرأة مهر المثل، سواء سمي لها في العقد مهر، أم لم يُسَمّ. ودليل ذلك: قول النبي ﷺ : " أيُّما امرأُة نكحت بغير إذْن وليِّها فنكاحُها باطلّ ـ ثلاثاً ـ فإن دخل بها فلها المهر بما استحلّ من فرجها، فإن تشاجروا، فالسلطانُ وليّ من لا وليَّ له). رواه أبو داود (النكاح، باب: في والولي، رقم: ٢٠٨٣) وابن ماجه (النكاح، باب: لا نكاح إلا بوليّ، رقم (١٨٨١)، والترمذي (النكاح، باب: إلا بوليّ، رقم: ١١٠٢) عن عائشة ﵂. ولا يجب على الواطئ في هذا النكاح الباطل ـ الذي تمّ بغير وليّ. حدّ الزنى، لشبهة اختلاف العلماء في صحة النكاح بغير وليّ. والحدود تدرأ بالشبهات، لكن فيه التعزيز. والتعزيز عقوبة دون الحدّ يقدّرها القاضي بما يراه رادعاً ومؤدباً. ٧ـ الأولياء في الزواج حسب ترتيبهم: والأولياء في الزواج هي على الترتيب الآتي:

стр. 621

الأب. ثم الجد أبو الأب. ثم الأخ الشقيق. ثم الأخ من الأب. ثم ابن الأخ الشقيق. ثم ابن الأخ من الأب. ثم العم الشقيق. ثم العم من الأب. ثم ابن العم الشقيق. ثم ابن العم من الأب. وهكذا سائر العصبات، فإن عُدمت العصبات فالقاضي، لما سبق من قوله ﷺ : " فالسلطان وليّ من لا وليّ له ". ٨ـ ولاية الابن في الزواج: هذا ولا ولاية للابن، ولا لابن الابن في الزواج، فلا يزوج ابن أمه بولاية البنوة، لأنها لا مشاركة بينه وبينها في النسب، إذ انتسابها إلى أبيها، وانتساب الابن إلى أبيه. إلا أن يكون من أبناء العمومة لأُمه، فإن كان ابن ابن عمّها، ولم يوجد وليّ أقرب منها جاز له أن يزوِّجها. ٩ـ شروط الولي: ويشترط في الوليّ، أبا كان أو غيره، الشروط التالية: أـ الإسلام: فلا يزوّج الكافر المسلمة، لأنه لا ولاية لكافر على مسلم. قال الله تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٤٠١]. ولأن ولاية الزوج مبنية على التعصب في الإرث، ولا توارث بين مسلم وكافر.

стр. 622

ويزوج كافر كافرة، ولو اختلف اعتقادها، فيزوج اليهودي نصرانية، والنصراني يهودية، لأن الكفر كله ملة واحدة. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣]. ب ـ العدالة: والمقصود بالعدالة: عدم ارتكاب الكبائر من الذنوب، وعدم الإصرار على الصغائر، وعدم فعل ما يخلّ بالمروءة: كالبول في الطرقات، والمشي حافيا، وغير ذلك. فلا يُزوّج الفاسق مؤمنة، بل ينتقل حق تزويجها إلى الوليّ الذي يليه، إن كان عدلاً. قال رسول الله ﷺ : " لا نكاحَ إلا بوَليّ مُرْشِد " رواه الشافعي في مسنده بسند صحيح. وقال الشافعي رحمه الله تعالى: المراد بالمرشد في الحديث: العدل. ولأن الفسق نقص يقدح في الشهادة، فيمنع الولاية في الزواج. وفي قول: لا تشترط العدالة في الزواج، لأن الولاية في الزواج مبنية على التعصب، والعصبة تحمله وفرة الشفقة على تحرّي مصلحة موليته، وهذه الشفقة لا تختلف بين العدل وغيره. ولأن اشتراط العدالة قد يؤدي إلى حرج كبير لقلّة العدول، ولاسيما في هذه الأيام، ولم يعرف أن الفسقة كانوا يُمنعون من تزويج بناتهم في أيّ عصر من العصور. ج ـ البلوغ: فلا ولاية لصبي على غيره من الزواج، لأنه لا ولاية له على نفسه، فلا ولاية له على غيره من باب أولى.

стр. 623

د ـ العقل: فلا ولاية لمجنون، لأنه لا ولاية له على نفسه، فأولى أن لا يكون له ولاية على غيره هـ ـ السلامة من الآفاق المُخلّة بالنظر: فلا ولاية لمختلِّ النظر بسبب هرم، أو خبل، لعجز هؤلاء عن اختيار الأكفّاء، فإن كان مريضاً يغمى عليه انتظرت إفاقته، لأن الإغماء قريب الزوال كالنوم. وـ أن لا يكون محجوراً عليه بسفه: والمحجور عليه بسفه: هو الذي يبذر ماله، لأن السفيه لا ولاية له على نفسه، فأولى أن لا يكون له ولاية على غيره. زـ أن يكون حلالاً: فلا يزوّج المُحْرمُ بحج أو عمرة غيره، وهو محرم، لما سبق من قوله ﷺ : " لا ينكح المحرم ولا ينكح ". رواه مسلم (النكاح، باب: تحريم نكاح المحرم وكراهة خطبته، رقم: ١٤٠٩). تنبيه: إذا فقدت هذه الشروط التي ذكرت في وليّ قريب من الأولياء، انتقل حق الولاية إلى الوليّ الذي يليه، ممّن توفرت فيه شروط الولاية كاملة، إلا المُحرم، فإنه لا تنتقل الولاية عنه إلى الأبعد منه، لأن الإحرام لا يسلب الولاية، لبقاء الرشد والنظر، وإنما يمنع النكاح، ولكن ينتقل حق التزويج إلى السلطان عند إحرام الوليّ القريب. ١٠ـ أقسام الولاية: تنقسم الولاية في الزواج إلى قسمين: الأول: ولاية إجبار. والثاني: ولاية اختيار.

стр. 624

ولاية الأَجبار: وولاية الإجبار ثابتة للأب، والجد أبي فقط، ولا ولاية إجبار لغيرهما. وولاية الإجبار إنما تكون في تزويج البنت البكر، صغيرة كانت أو كبيرة، عاقلة أو مجنونة. فلأبيها ـ وكذلك لجدها أبي أبيها ـ أن يزوِّجها بغير إذنها ورضاها، لأنه أدرى بمصلحتها، ولوفرة شفقته عليها لا يختار لها إلا ما فيه مصلحة لها. واحتجّوا لهذا بقوله ﷺ : " الأيّم أحقّ بنفسها من وليِّها ... " وسيأتي بعد قليل ـ فإنه يدل بمفهومه أن البكر وليّها أحق بها من نفسها، لأن الأيم هي الثيب، وهي غير البكر. لكن شرطوا لصحة هذا الإجبار ثلاثة شروط: أـ أن لا يكون بينه وبينها عداوة ظاهرة. ب ـ أن يكون الزوج كفؤاً. ج ـ أن يكون الزوج موسراً بمعجل المهر. الترغيب في استئذان البكر في الزواج: إذا قلنا إن ولاية الأب ـ ومثله أبو الأب ـ هي ولاية إجبار، فليس معنى ذلك أن الأفضل أن يجبرها على الزواج، ويمهل رأيها، بل الأفضل والمستحب أن يستأذنها في تزويجها، تقديراً لها، وتطبيقاً لقلبها. ودليل ذلك قول النبي ﷺ : " لا تٌُنْكحٌ الأيم حتى تستأمر، ولا تنكحُ البكرُ حتى تستأذنُ، قالوا: يا رسول الله، وكيف إذنُها؟ قال: أن تسكُت ". رواه مسلم (النكاح، باب: استئذان الثّيب في النكاح بالنطق والبكر بالسكوت، رقم: ١٤١٩) والترمذي (النكاح، باب: ما جاء في استئذان البكر والثيب، رقم: ٢١٠٧) وروى مسلم (النكاح، باب استئذان الثّيب

стр. 625

في النكاح بالنطق والبكر بالسكوت، رقم: ١٤٢١) عن ابن عباس ﵁: أنّ النبي ﷺ قال: " الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكرُ تستأذنُ في نفسها، وإذنُها صُماتُها ". ورواه الترمذي أيضاً (النكاح، باب: ما جاء في استئذان البكر والثيّب، رقم: ١١٠٨). [والأيّم في الحديثين: هي الثيّب]. والحديثان محمولان على الندب في حق البكر. ولاية الاختيار: ولاية الاختيار: فهي ثابتة لكل الأولياء الذين ذكرناهم، وعلى الترتيب الذي قدّمناه. وولاية الاختيار إنما تكون في تزويج المرأة الثيب، فلا يصح تزويجها من قبل أي من أوليائها ـ ولو كان أباً ـ إلا بإذنها ورضاها. ودليل ذلك حديث مسلم والترمذي السابق: (لا تنكح الأيم حتى تستأمر). وحديث مسلم والترمذي أيضاً: (الأيم أحق بنفسها من وليها). والثيِّب: هي التي زالت بكارتها بوطء حلال أو حرام، ولا بمرض أو سقطة، أو غير ذلك. الحكمة من استئمار الثِّيب: والحكمة من استئمار الثيب، وعدم تزويجها إلا برضاها هي أنها عرفت مقصود النكاح، فلا يجبر عليه، ولأنها لممارستها الزواج لا تستحي من التصريح به، بخلاف البكر فإنها تستحي من التصريح به. تزويج الثيب الصغيرة: الثَّيب الصغيرة التي هي دون البلوغ، لا يجوز لأبيها، ولا لأي ولي من

стр. 626

أوليائها تزويجها حتى تبلغ، لأن إذن الصغيرة غير معتبر، فامتنع تزويجها حتى تبلغ، فيكون إذنها معتبراً. عضل الولّي: العضل: منع المرأة من الزواج. فإذا طلبت امرأة بالغة عاقلة الزواج من كفء، وجب علي وليِّها أن يزوجها، فإذا امتنع الولي ـ ولو أبا ـ من تزويجها، زوّجها السلطان، لأن تزويجها حق على أوليائها إذا طلبها الكفؤ، فإذا امتنعوا من وفاته لها، وفّاه الحاكم. ودليل ... ذلك: ما رواه أبو داود (النكاح، باب: في الولي، رقم ٢٠٣٨)، والترمذي (النكاح، باب: ما جاء لا نكاح إلا بولي، رقم ١١٠٢) أن النبي ﷺ قال: " السلطان ولي من لا ولي له ". لكن إذا عيّنت هو كفؤاً، وعّين الولي كفؤاً غيره، كان له أن يمنعها من الكفء الذي عيّنته، ويزوجها من الكفء الذي عيّنه، إذا كانت بكراً، لأنه أكمل نظراً منها. غيبة الولّي: إذا تعدد الأولياء، وغاب الوليّ الأقرب، فإن كان مكان غيبته بعيداً ـ مرحلتين فأكثر، والمرحلتان مسيرة يوم وليلة ـ فإنه لا ينتقل حق الولاية إلى الولي الأبعد منه، وإنما يزوجها سلطان بلده، لأن الغائب وليّ، والتزويج حق له، فإن تعذر استيفاء حق الزوجة منه لغيبته، ناب عنه الحاكم. أما إذا كان مكان غيبته قريباً ـ أي أقل من مرحلتين ـ فلا يزوج السلطان إلا بإذنه، لقصر المسافة، وإمكان مراجعته، فإما أن يحضر، أو يوكِّل، كما لو كان مقيماً. اجتماع أولياء في درجة واحدة. إذا اجتمع أولياء المرأة وكانوا في درجة واحدة من النسب، كإخوة

стр. 627

أشقاء أو لأب، استحب أن يزوِّجها أفقههم بباب النكاح، لأنه أعلم بشرائطه. وبعده يزوجها أورعهم، لأنه أشق وأحرص على طلب الأغبط لها. ثم أسنّهم لزيادة تجربته. ويزوَّجها كل واحد من هؤلاء برضا الآخرين، لتجتمع الآراء، ولا بتشوش بعضهم باستئثار بعض بالعقد. فإن اختلف الأولياء، وقال كل واحد منهم أنا أزوِّج، أقرع بينهم وجوباً قطعاً للنزاع، فمن خرجت قرعته زوَّجها. فلو زوجها المفضول، أو غير مَن خرجت قرعته، وكانت قد أذنت لكل منهم أن يزوجها، صح تزويجه لها للإذن فيه، أما لو كانت أذنت لواحد منهم، فزوّجها غيره، فإنه لا يصحّ لعدم إذنها ورضاها. فقدان الأولياء: إذا انعدم الأولياء انتقلت الولاية إلى القاضي، لأنه منصوب لتحقيق مصالح المسلمين. وفي تزويج مَن لا ولي لها مصلحة يجب تحقيقها، وقد تقدم قول النبي ﷺ : " السلطان ولي من لا ولي له ". رواه الترمذي (النكاح، باب: ما جاء لا نكاح إلا بولي، رقم: ١١٠٢). الوكالة في الزواج: يصحّ للوليّ المجبرـ وهو الأب والجد أبو الأب ـ في تزويج البكر، التوكيل في تزويجها بغير إذنها. ولا يشترط في صحة هذه الوكالة أن يعين الولي للوكيل الزوج، لأن الولي يملك التعيين في التوكيل، فيملك الإطلاق به، وإذا أطلق الولي الوكالة، وجب على الوكيل أن يحتاط لمصلحة الزوجة، فلا يزوِّجها من غير

стр. 628

كفء، لأن التوكل عند الإطلاق يحمل على الكفء. أما غير المجبر من الأولياء ـ وهو غير الأب والجد أبي الأب ـ فلا يجوز له التوكيل في التزويج إلا بإذن المرأة، لأنه لا يملك تزويجها بغير إذنها، فأولى أن لا يملك أن يوكل من يزوّجها بغير إذنها. الركن الخامس: الشاهدان: تمهيد: إن عقد الزواج، وإن كان كغيره من العقود التي يشترط فيها الرضا والإيجاب والقبول، لكن الإسلام أحاط هذا العقد بهالة من التعظيم والتفخيم، وطبعه بطابع ديني، وصبغه صبغة تعبدية، فجعل الإقدام عليه طاعة لله ، وقربة من القربات التي يثاب عليها. ولما كان لعقد النكاح نتائج خطيرة تترتب عليه ـ من حل المعاشرة بين الزوجين، ووجوب المهر والنفقة، وثبوت نسب الأولاد، واستحقاق الإرث، ووجوب المتابعة، ولزوم الطاعة، وكانت هذه النتائج عرضة للجحود والكنود من كل من الزوجين ـ احتاط الدين لها، وأوجب حضور شاهدين ـ على الأقل ـ يشهدان عقد الزواج، وشرط فيهما شروطاً تجعلهما مكان الثقة والاطمئنان لإثبات تلك النتائج، إذا ما دعت الحاجة إلى شهادتهما، فيما إذا دبّ شقاق بين الزوجين، أو تنكر منهما أحد لحقوق هذا العقد ونتائجه. دليل وجوب الشاهدين في عقد النكاح: والدليل على وجوب شاهدين في عقد النكاح قوله ﷺ : " لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل، وما كان غير ذلك فهو باطل ". رواه ابن حبان في صحيحه. انظر موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (النكاح، باب: ما جاء في الولي والشهود، رقم: ١٢٤٧). شروط الشاهدين: يشترط في الشاهدين الشروط التالية:

стр. 629

أـ الإسلام: فلا يصح عقد النساء بشهادة غير المسلمين، لأن لعقد الزواج اعتباراً دينياً، فلابدّ أن يشهده من يدين بدين الإسلام، ولأن غير المسلم لا يوفّق بشهادته على المسلمين. أضف إلى ذلك أن الشهادة ولاية، فلا تقبل شهادة غير المسلم على المسلم، لأنه لا ولاية له عليه. قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] وقال تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٤١]. ب ـ الذكورة: فلا ينعقد عقد الزواج بشهادة النساء، ولا برجل وامرأتين. قال الزهري ﵀: (مضت السنّة عن الرسول ﷺ : أنه لا تجوز شهادة النساء في الحدود، والنكاح والطلاق) والزهري تابعي، ومثل هذا القول من التابعي في حكم الحديث المرفوع إلى رسول الله ﷺ على ما قرره العلماء. ج ـ العقل والبلوغ: فلا ينعقد عقد الزواج بحضور المجانين والصبيان فحسب، لأن عقد الزواج له مكانته الخطيرة، فالاقتصار على حضور المجانين والصبيان استخفاف به. د ـ العدالة ولو ظاهراً: يجب أن يكون الشاهدان عدلين، ولو من حيث الظاهر، أي بأن يكونا مستوري الحال، غير ظاهري الفسق. فلا ينعقد الزواج بشهادة الفاسقين المُجاهرين بفسقهم لعدم الوثوق بشهادتهم. هـ ـ السمع: فلا ينعقد الزواج بشهادة أصمّين، أو نائمين، لأن الغرض من الشهادة

стр. 630

لا يتحقق بأمثالها، ولأن المشهود عليه قول، فلابدّ من سماعه. وـ البصر: فلا ينعقد بشهادة العميان، لأن الأقوال لا تثبت إلا بالمعاينة والسماع. الإشهاد على رضا الزوجة: يستحبّ الإشهاد على رضا الزوجة بعقد النكاح، وذلك بأن يسمع شاهدان ـ الشروط المذكورة في شروط الشاهدين ـ إذنَ المرأة ورضاها: بأن تقول: رضيت بهذا العقد، أو أذنت فيه، وذلك احتياطاً، ليؤمن إنكارها بعد ذلك. إعفاف الأب أو الجد: يجب على الولد، سواء كان ذكراً أم أنثى، مسلماً أم كافراً، إعفاف الأب، ومثله الجد، سواء كان من جهة الأب، أو من جهة الأم، وسواء كان مسلماً أم كافراً: وذلك بأن يعطيه مهر امرأة حرّة، أو يقول له: تزوج وأنا أُعطيك المهر. لكن يشترط لوجوب ذلك على الولد ثلاثة شروط: أـ أن يكون الولد موسراً بالمهر. ب ـ أن يكون الأب ـ ومثله الجد ـ معسراً بالمهر. ج ـ أن يكون الأب، أو الجد محتاجاً إلى الزواج، وذلك بأن كانت نفسه تتوق إليه. ووجهه: أن هذا الإعفاف للأب ـ أو الجد ـ من وجوه حاجاته المهمة: كالنفقة والكسوة. ولئلا يعرّضه للزنى المفضي إلى الهلاك، وذلك لا يليق بحرمة الأبوة، وليس هو من وجوه المصاحبة بالمعروف، المأمور بها بقوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان: ١٥].

стр. 631

أنكحة الكفار: نكاح الكفار فيما بينهم صحيح، ودليل ذلك حديث غيلان وغيره، ممّن أسلم وعنده أكثر من أربعة نسوة، فإن النبي ﷺ أمره أن يمسك أربعاً ويفارق سائرهنّ. فلم يسأله ﷺ عن شرائط نكاحهنّ، فلا يجب البحث عن ذلك. ولو ترافعوا إلينا لم نبطل أنكحتهم، ولو أسلموا أقررنا نكاحهم. إسلام الكفّار بعد زواجهم: إذا كان الرجل كافراً، وكان عنده امرأة كافرة، فأسلما معاً، دام نكاحهما. وذلك لأن الفرقة إنما تقع باختلاف الدين، ولم يختلف دينهما في الكفر ولا في الإسلام. روى الترمذي (النكاح، باب: ما جاء في الزوجين المشركين يسلم أحدهما، رقم: ١١٤٤)، وأبو داود (الطلاق، باب: إذا أسلم أحد الزوجين، رقم: ٢٢٨٣) عن ابن عباس ﵄: أن رجلاً جاء مسلماً على عهد النبي ﷺ ، ثم جاءت امرأته مسلمة، فقال: يا رسول الله، إنها كانت أسلمت معي فرُدَّها عليّ، فردها عليه. أما إذا أسلم هو، وأصرّت هي على الكفر: فإن كانت الزوجة كتابية دام نكاحه لها، لجواز نكاح المسلم الكتابية. وإن كانت وثنية، أو ملحدة، ولم تسلم أثناء عدّتها، تنجزت الفرقة بينهما من حين إسلام زوجها. أما إذا أسلمت في العدّة، فإنه يبقى النكاح بينهما. ولو أسلمت المرأة، وأصرّ الزوج على الكفر، فإنه يفرّق بينهما من حين إسلامها، إلا أن يسلم، وهي ما تزال في العدّة، فإنها ترُدّ إليه بنفس النكاح السابق.

стр. 632

أما إن عاد وأسلم بعد انقضاء عدّتها، فإنها لا ترجع إليه إلا بعقد جديد. روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله ﷺ ردّ بنته زينب على أبي العاص بن الربيع بمهر جديد ونكاح جديد. أخرجه الترمذي (النكاح، باب: ما جاء في الزوجين المشركين يسلم أحدهما، رقم: ١١٤٢). قال الترمذي: هذا حديث في إسناده مقال، والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم: أن المرأة إذا أسلمت قبل زوجها ثم أسلم ز وجها وهي في العدّة، أن زوجها أحقّ بها ما كانت في العدّة.

стр. 633

الصَّدَاق أحكامه ـ المغالاة في المهور تعريف الصداق: الصداق هو المال الذي وجب على الزوج دفعه لزوجته بسبب عقد النكاح. وسمي صداقاً، لإشعاره بصدق رغبة باذله في النكاح. أحكام الصداق: للصداق عدة أحكام نذكرها فيما يلي: أـ حكمه: الصداق واجب على الزوج بمجرد تمام عقد الزواج، سواء سمي في العقد بمقدار معين من المال: كألف ليرة سورية مثلاُ، أو لم يسمِّ، حتى لو اتفق على نفيه، أو عدم تسميته، فالاتفاق باطل، والمهر لازم. ب ـ دليل وجوبه: ودليل وجوب الصداق القرآن، والسنّة، والإجماع. أما القرآن: فقوله تعالى: ﴿وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] أي عطية، والمخاطب بذلك هم الأزواج. وقوله : ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤] أي مهورهن. وقال تعالى: ﴿لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦] أي تعينوا لهن مهراً.

стр. 634

وأما السنّة: فما رواه البخاري (فضائل القرآن، باب: خيركم مَن تعلم القرآن وعلمه، رقم: ٤٧٤١)، ومسلم (النكاح، باب: الصداق وجواز كونه تعليم قرآن وخاتم حديد وغير ذلك من قليل وكثير واستحباب كونه خمسمائة درهم لمن لا يجحف به، رقم: ١٤٢٥) عن سهل بن سعد ﵁ قالت: " ما لي في النساء من حاجة " فقال رجل: زوِّجنيها، قال: " أعطها ثوباً " قال: لا أجدْ. قال: " أعطها ولو خاتماً من حديد "، فاعْتَلَّ له. فقال: " ما معك من القرآن؟ " قال: كذا وكذا. قال: " فقد زوَّجتُكَها بما معك من القرآن. " [وهبت نفسها: جعلت له أمرها. فاعتلّ له: تعلل أنه لا يجده]. وأما الإجماع: فقد اتفقت كلمة العلماء على وجوبه من غير نكير من أحد. ج ـ حكمة تشريع الصداق: والحكمة من تشريع المهر إنما هي إظهار صدق رغبة الزوج في معاشرة زوجته معاشرة شريفة، وبناءً على حياة زوجية كريمة. كما أنه فيه تمكين للمرأة من أن تتهيأ للزواج بما تحتاجه من لباس، ونفقات. وإنما جعل الإسلام الصداق على الزوج، رغبة منه في صيانة المرأة، من أن تمتهن كرامتها في سبيل جمع المال، الذي تقدمه مهراً للرجل. د ـ تسمية الصداق في العقد: يسنّ تسمية المهر ـ أي تحديد مقداره ـ في عقد الزواج، لأن النبي ﷺ لم يُخلِ نكاحاً من تسمية المهر فيه، ولأن في تسميه دفعاً للخصومة بين الزوجين. وإنما لم يحملوا فعله ﷺ على الوجوب، للاجتماع على جواز إخلاء

стр. 635

عقد الزواج من تسمية المهر، وإن كان مع الكراهة، لمخالفة فعل النبي ﷺ . هـ ـ ملكية المهر: والمهر ملك الزوجة وحدها، لا حق لأحد فيه من أوليائها، وإن كان لهم حق قبضه، لكنهم يقبضونه لحسابهم وملكها. قال الله تعالى: ﴿فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً﴾ [النساء: ٢٠] وقال : ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً﴾ [النساء: ٤]. وـ حدّ المهر: لا حدّ لأقل المهر، ولا لأكثره، فكلّ ما صحّ عليه اسم المال، أو كان مقابلاً بمال، جاز أن يكون مهراً، قليلاً كان أو كثيراً، عيناً أو ديناً، أو منفعة: كسجادة، أو ألف ليرة، أو سكنى دار، أو تعليم حرفة. ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم ... ﴾ [النساء: ٢٤]. فإنه أطلق المال، ولم يقدره بحدّ معين. وقال ﷺ : " أعطها ولو خاتماً من حَديد ". رواه البخاري (فضائل القرآن، باب: خيركم مَن تعلم القرآن وعلمه، رقم: ٤٧٤١)، ومسلم (النكاح، باب: الصداق وجواز كونه تعليم قرآن وخاتم حديد وغير ذلك من قليل وكثير واستحباب كونه خمسمائة درهم لمن لا يجحف به، رقم: ١٤٢٥)، وروى الترمذي (النكاح، باب: ما جاء في مهور النساء، رقم: ١١٣) عن عامر بن ربيعة ﵁: " أرضيت من نفسك ومالك بنعلين "؟ قالت: نعم، فأجازه. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاًً﴾ [النساء: ٢٠]. فقد
следующие страницы →