Полный текст (1 678 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
أنكحة الكفار:
نكاح الكفار فيما بينهم صحيح، ودليل ذلك حديث غيلان وغيره، ممّن أسلم وعنده أكثر من أربعة نسوة، فإن النبي ﷺ أمره أن يمسك أربعاً ويفارق سائرهنّ.
فلم يسأله ﷺ عن شرائط نكاحهنّ، فلا يجب البحث عن ذلك.
ولو ترافعوا إلينا لم نبطل أنكحتهم، ولو أسلموا أقررنا نكاحهم.
إسلام الكفّار بعد زواجهم:
إذا كان الرجل كافراً، وكان عنده امرأة كافرة، فأسلما معاً، دام نكاحهما. وذلك لأن الفرقة إنما تقع باختلاف الدين، ولم يختلف دينهما في الكفر ولا في الإسلام.
روى الترمذي (النكاح، باب: ما جاء في الزوجين المشركين يسلم أحدهما، رقم: ١١٤٤)، وأبو داود (الطلاق، باب: إذا أسلم أحد الزوجين، رقم: ٢٢٨٣) عن ابن عباس ﵄: أن رجلاً جاء مسلماً على عهد النبي ﷺ ، ثم جاءت امرأته مسلمة، فقال: يا رسول الله، إنها كانت أسلمت معي فرُدَّها عليّ، فردها عليه.
أما إذا أسلم هو، وأصرّت هي على الكفر:
فإن كانت الزوجة كتابية دام نكاحه لها، لجواز نكاح المسلم الكتابية.
وإن كانت وثنية، أو ملحدة، ولم تسلم أثناء عدّتها، تنجزت الفرقة بينهما من حين إسلام زوجها.
أما إذا أسلمت في العدّة، فإنه يبقى النكاح بينهما.
ولو أسلمت المرأة، وأصرّ الزوج على الكفر، فإنه يفرّق بينهما من حين إسلامها، إلا أن يسلم، وهي ما تزال في العدّة، فإنها ترُدّ إليه بنفس النكاح السابق.
стр. 632
أما إن عاد وأسلم بعد انقضاء عدّتها، فإنها لا ترجع إليه إلا بعقد جديد.
روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله ﷺ ردّ بنته زينب على أبي العاص بن الربيع بمهر جديد ونكاح جديد.
أخرجه الترمذي (النكاح، باب: ما جاء في الزوجين المشركين يسلم أحدهما، رقم: ١١٤٢).
قال الترمذي: هذا حديث في إسناده مقال، والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم: أن المرأة إذا أسلمت قبل زوجها ثم أسلم ز وجها وهي في العدّة، أن زوجها أحقّ بها ما كانت في العدّة.
стр. 633
الصَّدَاق
أحكامه ـ المغالاة في المهور
تعريف الصداق:
الصداق هو المال الذي وجب على الزوج دفعه لزوجته بسبب عقد النكاح.
وسمي صداقاً، لإشعاره بصدق رغبة باذله في النكاح.
أحكام الصداق:
للصداق عدة أحكام نذكرها فيما يلي:
أـ حكمه:
الصداق واجب على الزوج بمجرد تمام عقد الزواج، سواء سمي في العقد بمقدار معين من المال: كألف ليرة سورية مثلاُ، أو لم يسمِّ، حتى لو اتفق على نفيه، أو عدم تسميته، فالاتفاق باطل، والمهر لازم.
ب ـ دليل وجوبه:
ودليل وجوب الصداق القرآن، والسنّة، والإجماع.
أما القرآن: فقوله تعالى: ﴿وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] أي عطية، والمخاطب بذلك هم الأزواج. وقوله : ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤] أي مهورهن. وقال تعالى: ﴿لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦] أي تعينوا لهن مهراً.
стр. 634
وأما السنّة: فما رواه البخاري (فضائل القرآن، باب: خيركم مَن تعلم القرآن وعلمه، رقم: ٤٧٤١)، ومسلم (النكاح، باب: الصداق وجواز كونه تعليم قرآن وخاتم حديد وغير ذلك من قليل وكثير واستحباب كونه خمسمائة درهم لمن لا يجحف به، رقم: ١٤٢٥) عن سهل بن سعد ﵁ قالت: " ما لي في النساء من حاجة " فقال رجل: زوِّجنيها، قال: " أعطها ثوباً " قال: لا أجدْ. قال: " أعطها ولو خاتماً من حديد "، فاعْتَلَّ له. فقال: " ما معك من القرآن؟ " قال: كذا وكذا. قال: " فقد زوَّجتُكَها بما معك من القرآن. "
[وهبت نفسها: جعلت له أمرها. فاعتلّ له: تعلل أنه لا يجده].
وأما الإجماع: فقد اتفقت كلمة العلماء على وجوبه من غير نكير من أحد.
ج ـ حكمة تشريع الصداق:
والحكمة من تشريع المهر إنما هي إظهار صدق رغبة الزوج في معاشرة زوجته معاشرة شريفة، وبناءً على حياة زوجية كريمة.
كما أنه فيه تمكين للمرأة من أن تتهيأ للزواج بما تحتاجه من لباس، ونفقات.
وإنما جعل الإسلام الصداق على الزوج، رغبة منه في صيانة المرأة، من أن تمتهن كرامتها في سبيل جمع المال، الذي تقدمه مهراً للرجل.
د ـ تسمية الصداق في العقد:
يسنّ تسمية المهر ـ أي تحديد مقداره ـ في عقد الزواج، لأن النبي ﷺ لم يُخلِ نكاحاً من تسمية المهر فيه، ولأن في تسميه دفعاً للخصومة بين الزوجين.
وإنما لم يحملوا فعله ﷺ على الوجوب، للاجتماع على جواز إخلاء
стр. 635
عقد الزواج من تسمية المهر، وإن كان مع الكراهة، لمخالفة فعل النبي ﷺ .
هـ ـ ملكية المهر:
والمهر ملك الزوجة وحدها، لا حق لأحد فيه من أوليائها، وإن كان لهم حق قبضه، لكنهم يقبضونه لحسابهم وملكها. قال الله تعالى: ﴿فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً﴾ [النساء: ٢٠] وقال : ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً﴾ [النساء: ٤].
وـ حدّ المهر:
لا حدّ لأقل المهر، ولا لأكثره، فكلّ ما صحّ عليه اسم المال، أو كان مقابلاً بمال، جاز أن يكون مهراً، قليلاً كان أو كثيراً، عيناً أو ديناً، أو منفعة: كسجادة، أو ألف ليرة، أو سكنى دار، أو تعليم حرفة.
ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم ... ﴾ [النساء: ٢٤].
فإنه أطلق المال، ولم يقدره بحدّ معين.
وقال ﷺ : " أعطها ولو خاتماً من حَديد ".
رواه البخاري (فضائل القرآن، باب: خيركم مَن تعلم القرآن وعلمه، رقم: ٤٧٤١)، ومسلم (النكاح، باب: الصداق وجواز كونه تعليم قرآن وخاتم حديد وغير ذلك من قليل وكثير واستحباب كونه خمسمائة درهم لمن لا يجحف به، رقم: ١٤٢٥)، وروى الترمذي
(النكاح، باب: ما جاء في مهور النساء، رقم: ١١٣) عن عامر بن ربيعة ﵁: " أرضيت من نفسك ومالك بنعلين "؟ قالت: نعم، فأجازه. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاًً﴾ [النساء: ٢٠]. فقد
стр. 636
أباح أن يقدم الزوج لزوجته قنطاراً. والقنطار: المال الكثير فدلّ على أنه لا حدّ للمهر في الكثرة.
لكن يستحب أن لا يقل المهر عن عشرة دراهم، خروجاً من خلاف من أوجب ذلك، وهم الحنفية.
وكذلك يستحب أن لا يزيد عن خمسمائة درهم، لأنه الوارد في مهور بناته وزوجاته، ﵊.
روى أحمد وأصحاب السنن ـ وصححه الترمذي (النكاح، باب: ما جاء في مهور النساء، رقم: ١١١٤) ـ عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: (لا تغلوا صدق النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا، أو تقوى في الآخرة، لكان أولاكم بها رسول الله ﷺ ، ما أصدق رسول الله ﷺ امرأة من نسائه، ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من ثني عشرة أوقية).
والأوقية: أربعون درهماً، فيكون مجموع المهر: أربعمائة وثمانين درهماً. وهذا المقدار يساوي نصابين ونصف للزكاة تقريباً كما هو معلوم في نصاب الزكاة الذي تجب فيه الزكاة من الفضة، وذلك يختلف حسب نقد البلد وتقويم هذا المقدار من الفضة.
ز ـ تعجيل المهر وتأجيله:
لا يشترط تعجيل المهر، بل يصحّ تعجيله كله قبل الدخول، ويصحّ تأجيله كله، أو تأجيل بعضه إلى ما بعد الدخول، ولكن يشترط أن يكون الأجل محدداً، وذلك لأن المهر ملْك الزوجة، فلها الحق في تعجيل وتأجيل ما شاءت منه.
وإذا كان المهر معجّلاً، كان للزوجة الحق في حبس نفسها عن زوجها حتى تقبض معجّل مهرها.
أما إذا كان المهر مؤجلاً، فلا حق لها في حبس نفسها عن زوجها، لأنها رضيت بالتأجيل، فسقط حقها في حبس نفسها.
стр. 637
ح ـ استقرار المهر، أو نصفه، وسقوطه:
تبين مما ذكرنا سابقاً أن المهر يجب للزوجة على لزوج بالعقد الصحيح.
وسنذكر الآن الحالات التي يستقر بها المهر على الزوج كله، أو نصفه، والحالات التي يسقط فيها المهر:
١ـ استقرار كل المهر:
ويستقر المهر كله في حالتين:
الأولى: فيما دخل الزوج بزوجته، سواء كان ذلك الدخول في حال حل: كما إذا كانت المرأة طاهرة من حيض، أو كان في حال حُرمه: كما إذا كانت حائضاً. فإذا دخل بها لزمه المهر كله، لأنه استوفى المعقود عليه وهو الاستمتاع، فلزمه العَوَض.
دلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾
[النساء: ٢٤] والمراد بالاستمتاع هنا الدخول والتلذّذ بالجماع، والمراد بالأجور المهور، وسمي المهر أجراً لأنه استحقّ بمقابل المنفعة، وهي ما ذكر من التلذّذ والاستمتاع.
وروى مالك في الموطأ (النكاح، باب: ما جاء في الصداق والحياء: ٢/ ٥٢٦) عن عمر ﵁: (أيُّما رجل تزوج امرأة ... . فمسَّها فلها صداقها كاملاً). فمسّها أي دخل بها ووطئها.
الثانية: موت أحد الزوجين، سواء حصل الموت قبل الدخول، أو بعده.
ودليل ذلك إجماع الصحابة ﵃.
٢ـاستقرار نصف المهر:
ويستقر على الزوج نصف مهر زوجته في حالة واحدة، وهي:
стр. 638
ما إذا طلقها بعد عقد صحيح، سمي المهر فيه تسمية صحيحة، وكان هذا الطلاق قبل أن يدخل بها.
ودليل هذا الحكم قول الله : ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧].
ومعنى من قبل أن تمسُّوهن: أي من قبل أن تدخلوا بهنّ. ومعنى فرضتم: أي سمّيتم لهن مهراً.
٣ـ سقوط المهر كله:
ويسقط المهر كله عن الزوج إذا فارقت الزوجة زوجها قبل الدخول بها، وكان هذا الفراق ناشئاً بسبب منها، كما إذا أسلمت، فانفسخ النكاح، أو ارتدّت، أو فسخت النكاح لعيب في الزوج، أو فسخ الزوج النكاح لعيب فيه، فإنه يسقط المهر في هذه الحالات كلها، لأنها هي السبب في هذه الفرقة، وهي المختارة لها، فكأنها أتلفت المعوّض قبل التسليم، فسقط العوَض.
والمعرض: هنا: هو تمكينها زوجها من نفسها. والعوض: هو المهر.
ط ـ مهر المثل:
تعريف مهر المثل:
ومهر المثل: هو المال الذي يطلب في الزواج لمثل الزوجة عادة.
تقديره:
ويقدّر مهر المثل بالنظر لأقرباء المرأة بالنسب من جهة أبيها.
فيراعي في المرأة المطلوب مهر مثلها أقرب مَن تنتسب إليه من نساء العصبة.
وأقربهنّ: أخت لأبوين، ثم لأب، ثم بنات أخ، ثم عمّات.
كما يراعى كونهنّ مساويات لها في الصفات التي سيأتي ذكرها.
стр. 639
فإن فقدَ نساء العصبة، أو لم ينكحن، اعتبر مهر الأقرب فالأقرب من أرحامها، وهنّ أقرباؤها من جهة أمها، كأم، وجدّة، وخالة، وبنات أخوات، لأنهنّ أولى من الأجنبيات.
فإن فقدت القريبات من جهة الأم أعتبر مثلها من الأجنبيات في بلدها، ممّن يساويها في الصفات الآتية.
الصفات المعتبرة في تقدير مهر المثل:
ثم يعتبر في تقدير مهر المثل مع النسب المساواة في الصفات التالية:
السن، والعقل، والجمال، واليسار، والعفّة، والدين، والتقوى، والعلم، والبكارة، والثيوبة، وكل ما اختلف به غرض صحيح، لأن المهور تختلف باختلاف هذه الصفات.
دليل مشروعية مهر المثل:
ويستدل لثبوت مهر المثل وتقريره: بما رواه أبو داود (النكاح، باب: فيمن تزوج ولم يسمِّ صداقاً حتى مات، رقم: ٢١١٤)، والترمذي (النكاح، باب: ما جاء في الرجل يتزوج المرأة فيموت عنه قبل أن يفرض لها، رقم: ١١٤٥) بسند حسن صحيح، وغيرهما: عن عبدالله بن مسعود ﵁ أنه سئل عن رجل تزوج امرأة، ولم يفرض لها مثل صداقاً ولم نسائها، ولا وَكْسَ، ولا شَطَطَ، وعليها العدَّةُ، ولها الميراثُ، فقام معقل بن منّا، مثل الذي قضيتَ، ففرح بها ابن مسعود ﵁.
موجبات مهر المثل:
ويجب مهر المثل للأسباب التالية:
أـ إذا كان عقد النكاح فاسداً، وذلك كأن فَقَدَ العقد شرطاً من شروط صحته، كأن تزوجت من غير شهود، أو من غير وليّ. ثم تبع ذلك
стр. 640
العقد الفاسد دخول بالزوجة. فإنه يجب لها مهر المثل، لفساد العقد والمسمى، مع وجوب التفريق بينهما.
ويقدّر مهر المثل وقت الدخول بها، لا وقت العقد عليها، لأن العقد الفاسد لا اعتبار له
ب ـ إذا فسخ المهر بسبب الخلاف بين الزوجين في تسميته، أو مقداره. فإذا اختلف الزوج والزوجة في تسمية المهر، فقالت الزوجة: سمّيت لي مهراً في العقد، وقال الزوج: لم أسَم مهراً، حلفت الزوجة على ما تدّعي، وحلف الزوج على ما يدّعي، ثم يفسخ المهر، ويجب مهر المثل.
كذلك إذا اختلفا في مقدار المهر، فقالت الزوجة: إن ألفان، وقال الزوج: إنه ألف، فإنهما يتحالفان، ويفسخ المهر، ويجب مهر المثل.
ج ـ إذا سمي المهر تسمية فاسدة:
ويكون فساد في مسائل نذكر منها ما يلي:
المسألة الأولى: أن يكون المهر المسمى غير مال شرعاً: كخمر، وخنزير، وآلة لهو، ونحو ذلك مما لا يُعدّ مالاً في عُرف الشرع، لأن الشرع أوجب أن يكون المهر مالاً، أو مقابلاً بمال، وهذه ليست مالاً شرعاً.
المسألة الثانية: أن يكون المال الذي سمّاه مهراً غير مملوك له: كأن أصدقها سجادة مغصوبة
المسألة الثالثة: أن ينكح امرأتين أو أكثر بمهر واحد، فإن النكاح صحيح، والمهر فاسد، ويجب مهر المثل لكل واحدة، للجهل بما يخصّ كل واحدة من المهر عند العقد.
стр. 641
المسألة الرابعة: أن يزوّج الوليّ صغيراً بأكثر من مهر المثل من مال الصبي، أو أن يزوّج صغيرة، أو بكراً كبيرة بغير إذنها بأقل من مهل المثل، فإن المهر يفسد في ذلك، ويجب مهر المثل، لأن الوليّ مأمور بفعل ما فيه المصلحة لهما، والمصلحة منتقية هنا.
المسألة الخامسة: المفّوضة: وهي أن تقول امرأة رشيدة ـ بكراً كانت أو ثيباً ـ لوليّها: زوِّجني بلا مهر، فزوجها وليها ونفي المهر، أو زوجها وسكت عن المهر، فإنه يجب لها مهر المثل، ولكن لا بنفس العقد، وإنما بالدخول بها، لأن الدخول بها لا يُباح بالإباحة، لما فيه من حق الله ، ويعتبر مهر المثل عند العقد، لا عند الدخول.
ولها أن تطالب الزوج أن يفرض لها مهراً قبل الدخول، وأن تحبس نفسها عنه حتى يفرض لها مهر مثلها.
المسألة السادسة: أن يشترط في عقد الزواج أن يكون جزء من المهر لغير الزوجة: كأبيها، أو أخيها، فإن النكاح صحيح، والمهر فاسد، ويجب لها مهر المثل.
تنبيه:
الشروط في عقد النكاح على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يكون الشرط موافقاً لمقتضى النكاح: كأن شرطت عليه أن ينفق عليها، وأن يقسم لها.
فهذا الشرط لغو، وعقد النكاح والمهر المسمى صحيحان.
القسم الثاني: أن يكون الشرط مخالفاً لمقتضى النكاح، لكنه غير مُخلّ بمقصود النكاح الأصلي وهو الوطء، كأن تشترط عليه في عقد الزواج أن لا يتزوج عليها، أو يشترط عليها أن لا ينفق عليها.
فإن عقد النكاح صحيح لعدم الإخلال بمقصوده الأصلي، والشرط
стр. 642
فاسد، سواء كان له، أو لها. لقوله ﷺ : " كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل.
رواه البخاري (المساجد، باب: ذكر البيع والشراء على المنبر في المسجد، رقم: ٤٤٤).
ويفسد المهر أيضاً تبعاً لفساد الشرط، لأن الرضا بالمهر قد علِّق على شرط، فلما فسد الشرط فسد المهر، لانتقاء الرضا بالمهر بغير ما شُرط فيه.
القسم الثالث: أن يكون الشرط مخلاً بمقصود النكاح الأصلي، وهو الوطء: كأن شرطت عليه في العقد أن لا يطأها، أو أن يطلقها بعد النكاح.
فالنكاح باطل، لأن هذا الشرط ينافي مقصود النكاح، فيبطله.
стр. 643
المتعة
تعريف المتعة:
المتعة ـ بضم الميم ـ مشتقة من المتاع، وهو ما يستمتع به وينتفع به.
والمراد بها هنا: مال يجب على الزوج دفعه لامرأته المُفارِقة له بطلاق، أو فراق.
لمن تجب المتعة:
المتعة واجبة للمرأة في الحالات التالية:
أـ إذا طُلٌَّقت بعد الدخول بها.
ب ـ إذا طُلَّقت قبل الدخول بها، ولم يكن سمّي لها مهر في عقد الزواج.
ج ـ إذا حكم بفراقها لزوجها، وكان الفراق بسبب منه، كردّته، ولعانه، وكان هذا الفراق قد وقع بعد الدخول ولكن بشرط أن لا يكون قد سمي لها مهر في عقد الزواج.
أما المرأة المطلّقة قبل الدخول، وقد سمي لها مهر في عقد الزواج، فلا متعة لها، لأنها قد نالت نصف المهر، وهي لم تبذل لزوجها شيئاً بعد.
دليل وجوب المتعة:
أما دليل المتعة ذكرنا فهو قوله : ﴿لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن
стр. 644
طَلَّقْتُمُ النِّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] وقال تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾
[البقرة: ٢٤١].
مقدار المتعة:
عند تقدر المتعة إما أن يتفق الزوجان على مقدارها، وإما أن يختلفاً:
فإن اتفقنا على مقدار معين من المال ـ قل ذلك المال أو كثر ـ كان ذلك لها، وصحّت المتعة على ما اتفقنا عليه.
وإن اختلفا في تقديرها، فإن القاضي هو الذي يتولى تقديرها، معتبراً حالهما: من يسار الزوج وإعساره، ونسب الزوجة وصفاتها. قال الله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦] وقال : ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١]
لكن يستحبّ في المتعة أن لا تنقص علن ثلاثين درهماً، أو ما قيمته ذلك، وأن لا تلغ نصف مهر المثل.
الحكمة من تشريع المتعة:
والحكمة من تشريع المتعة تطييب قلب المرأة المطلقة، عند مفارقتها بيت الزوجية، والتخفيف من استيحاشها بسبب ما يلحقها من مفارقة زوجها، وكسر حدّة الألم والكراهية التي قد يسببهما هذا الفراق.
ثانياً ـ المغالاة في المهور
يجعل كثير من الناس المهر كثمن للمرأة، ويظن أن المغالاة فيه إشعار برفعة أُسرتها، وعظيم منزلتها، فذلك يشتطّون في مقدار المهر، ويغالون في تكبيره وتكثيره إظهاراً منهم لقيمة المخطوبة، وتعزيزاً لمكانة
стр. 645
أسرتها، ومفاخرة على أمثالها في تجهيزها، وأثاث بيتها.
لقد غاب عن خاطر هؤلاء أن المهر لا يعني شيئاً من هذا أبداً. وإنما هو رمز لصدق الرغبة في الزواج، وعطِيّة لتكريم المرأة والتودّد إليها في بناء الحياة الزوجية الكريمة.
كما غاب عن خاطرهم المفاسد الاجتماعية التي تنجم عن هذا الشَطط الممقوت، والضرر الذي يصيب المجتمع، والرجل والمرأة نفسها، كنتيجة لهذا الغلو البشع.
وغاب عن خاطرهم أيضاً: أنهم يخالفون سنّة النبي ﷺ يسلكون غير طريق البَركَة التي يسببّها يُسْر المهر وبساطته.
ـ أما المفاسد الاجتماعية التي تنجم عن المغالاة في المهور فكثيرة نذكر بعضاً منها:
إن المغالاة في المهور تصرف الشباب عن الزواج، ولاسيما الفقراء منهم، وتحول بينهم وبين الزواج، مما يجعلهم يسيرون في طريق الشيطان، ويلجؤون إلى الفاحشة، ويبحثون عن الرذيلة، فيتبدل الصلاح فساداً، والطمأنينة ثورة، فتتلوّث الأغراض، وتختلط الأنساب، وتكثر الأمراض.
ولو كان للشباب أزواج يعففنهم لحفظوا أخلاقهم، وحصّنوا دينهم، وضمنوا لمجتمعهم السلامة من الإثم والفجور.
ـ وأما المفاسد التي تصيب المرأة نفسها كنتيجة للمغالاة فيكفي أن نذكر منها:
إن كثيراً من النساء سوف يبقين عوانس محرومات من أخص ما تتطلبه فطرتهنّ، وتهفوا نحوه نفوسهنّ، وسيظللن يشعر بفراغ مؤرق يقض مضاجعهنّ، ويشتقن إلى البيت الذي يقضي على وساوسهنّ، ويُشعرهنّ
стр. 646
بنعمة الهدوء والاستقرار، فلا يجدنه، ولا يظفرن به، لان آباءهن طلبوا مهوراً أعجز الكثير من خّطابهنّ.
هذا إذا لم يخرجن إلى الطرقات يعرضن فتنتهنّ، ويفسدن مجتمعهنّ.
أما إذا خرجن ـ كما هو الغالب على هؤلاء العوانس ـ فالضرر عليهنّ أبلغ، والكارثة أعمّ وأفدح.
ـ أما مخالفة السنّة النبوية، فلنستمع إلى ما يقوله النبي ﷺ في المهر:
روى أحمد (٦/ ٨٢) عن السيدة عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " إن أعظم النكاح بركة أيسره مَؤونةً ".
وروى عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ " خيرُ النكاح أيسَرُه " رواه أبو داود (النكاح، باب: في التزويج على العمل يعمل، رقم: ٢١١٧) والحاكم وصححه.
فلا بركة إذاً ولا خير إذا أصبح المهر تجارة يطلب من ورائها الثراء، ووسيلة للمكاثرة والمفاخرة بين الأقران.
وروى البخاري (النكاح، باب: كيف يدعى للمتزوج، رقم: ٤٨٦٠) ومسلم (النكاح، باب: الصداق وجواز كونه تعليم قرآن وخاتم حديد وغير ذلك من قليل وكثير واستحباب كونه خمسمائة درهم لمن لا يجحف به، رقم: ١٤٢٧) عن أنس بن مالك ﵁ أثر صُفوة، فقال: " ما هذا "؟ قال: تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب، قال: " بارك الله لك، أولِمْ ولو بشاة ".
[أثر صفوة: أي صبغ على ثوبه. نواة: بزرة التمر].
стр. 647
لقد دعا له بالبركة كثرة الخير ـ والبركة كثرة الخير - في هذا الزواج وما كان المهر فيه إلا وزن نواة من التمر.
فما هو نصيب هؤلاء المُغالين من هذه البركة؟
وعن أبي العوجاء قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: لا تغلو صُدُقَ النساء، فإنها لو كانت مكرُمة في الدنيا، أو تقوى في الآخرة، لكان أولاكم بها النبي ﷺ ما أصدق رسول الله ﷺ امرأة من نسائه، ولا أصْدِقت امرأة من بناته، أكثر من ثنتي عشرة أُوقية.
رواه الخمسة، وصححه الترمذي (النكاح، باب: ما جاء في مهور النساء، رقم: ١١١٤).
والخلاصة: أن المغالاة في المهور مكروهة شرعاً، وأن اليُسْر في المهور مندوب، ومن أسباب البركة والخير للرجال والنساء، والمجتمع.
стр. 648
عقد الزواج وما يترتب عليه
معنى الزواج:
الزواج في اللغة: هو الاقتران، والاختلاط. يقال: زوج فلان إبله: أي قرن بعضها ببعض. ويقال: زوجه النوم: أي خالطه. ومنه قول الله : ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصدقات: ٢٢] أي قرناءهم.
والزواج في الشرع: عقد يتضمن إباحة استمتاع كلِّ من الزوجين بالآخر على وجه مشروع.
أنواع الزواج:
الزواج نوعان: زواج باطل، وزواج صحيح.
أما الزواج الباطل: فهو الذي فقدَ ركناً من أركانه، أو شرطاً من شروط صحته.
وهذا الزواج لا حكم له إلا الحرمة، ولا يترتب عليه أيّ أثر من آثار الزواج، اللَّهمّ إلا مهر المثل في بعض صور البُطلان.
كما إذا تزوج من غير وليِّ للزوجة، ودخل بها.
قال رسول الله ﷺ : " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليِّها فنكاحُها باطل ـ ثلاثاً ـ فإن دخل بها فهلا مهر المثل بما اسحل من فرجها ".
стр. 649
رواه الترمذي (النكاح، باب: ما جاء لا نكاح إلى بولي، رقم ١١٠٢)
وأما الزواج الصحيح: فهو الذي استوفى أركانه، وشروط صحته، وهذا الزواج هو الذي تترتب عليه آثاره الآتي ذكرها.
أحكام عقد الزواج:
لعقد الزواج أحكام كثيرة، وقد مرّت عند بحثنا عن النكاح وأركانه، فلتُراجع هناك.
ما يترتب على عقد الزواج الصحيح من حقوق وواجبات:
إذا وقع عقد الزواج صحيحاً تترتب عليه كثر من الحقوق والواجبات المتقابلة بين الزوجين.
وهذه الحقوق والواجبات لكل واحد منها بحث خاص به يُذكر في مكانه.
ولكنّا نكتفي هنا أن نعدُّها مع ذكر الدليل لكل واحد منها، ونُحيل تفاصيلها إلى مواضعها الخاصة بها.
وهذه الحقوق والواجبات هي:
أـ حلّ استمتاع كلِّ من الزوجين بالآخر على الوجه المشروع، قال الله تعالى:
﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣].
ب ـ وجوب متابعة المرأة لزوجها، وطاعتها له، وتمكينها له من نفسها، ومحافظتها على بيته.
روى مسلم (النكاح، باب: تحريم امتناعها من فراش زوجها، رقم ١٤٣٦)، والبخاري (النكاح باب: إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها، رقم: ٤٨٧٩) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ -
стр. 650
قال: " إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح).
وفي رواية أخرى: (إذا دعا الرجل امرأتَه إلى فراشه، فلم تأته، فبات غضبان عليها، لعنتها الملائكةُ حتى تُصبِح).
وقال ﷺ في خطبة حجة الوداع: " ولكم عليهنّ ألا يوطئن فُرُشكم أحداً تكرهونه ".
رواه مسلم من حديث طويل (الحج، باب: حجة النبي ﷺ رقم: ١٢١٨) وغيره.
ج ـ المهر، وهو حق للزوجة على زوجها. قال الله تعالى: ﴿وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾
[النساء: ٤].
د ـ النفقة، وقد أجمع المسلمون على أن نفقة الزوجة واجبة على زوجها. قال الله عز جل:
﴿وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٣]. وقال تعالى:
﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنّ َ﴾ [الطلاق: ٦]
وقال رسول الله ﷺ في خطبة حجة الوداع: " ولهنّ عليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف ". رواه مسلم ١٢١٨) وغيره والنفقة تشمل الطعام والشراب، والكسوة والمسكن، وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى:
هـ ـ القسم بين الزوجات، إن كان للزوج أكثر من زوجة واحدة، كما سيأتي.
قال رسول الله ﷺ : " إذا كان الرجل امرأتان، فلم يعدل بينهما، جاء يوم القيامة وشقه ساقط ".
رواه الترمذي (النكاح، باب: ما جاء في التسوية بين الضرائر،
стр. 651
رقم: ١١٤١)، وابن ماجه (النكاح، باب: القسمة بين النساء، رقم: ١٩٦٩)، وأبو داود (النكاح، باب: في القسم بين النساء، رقم: ٢١٢٣)، عن أبي هريرة ﵁.
وروى الترمذي (النكاح، باب: ما جاء في التسوية بين الضرائر، رقم: ١١٤٠) وأبو داود (النكاح، باب: في القسم بين النساء، رقم: ٢١٣٤) وغيرهما: عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان يقسم بين نسائه، فيعدل، ويقول: " اللهمّ هذه قسمتي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك ".
[هذه قسمتي: أي في المبيت والنفقة. فلا تلمني فيما تملك ولا أملك: أي في الحب والمودّة].
وـ النسب، ويثبت بالزواج بعد الدخول تسب الأولاد إلى أبيهم، إذا جاءت بهم الزوجة ضمن مدة الحمل المعروفة: وأقلها ستة أشهر، وأكثرها أربع سنين. كما مرّ. فولد كل زوجة في زواج صحيح ينسب إلى زوجها. قال رسول الله ﷺ : " الولد للفراش، وللعاهر الحجر"
رواه مسلم (الرضاع، باب: الولد للفراش وتوقي الشبهات، رقم: ١٤٥٧).
[والمراد بالفراش: حالة قيام الزوجية. وللعاهر الحجر: أي الزاني له الخيبة، ولا حقّ له في الولد].
ز ـ التوارث بين الزوجين بشروطه المعروفة في باب الإرث، قال الله تعالى:
﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢].
стр. 652
سنن عقد النكاح:
ولعقد الزواج سنن يستحبّ الإتيان بها تعظيماً لهذا العقد، وإظهاراً له.
ومن هذه السنن ما يلي:
أـ الخطبة قُبيل عقد الزواج، وهذه الخطبة مستحبة من قبل الزوج أو نائبه، وذلك لما روي عن عبدالله بن مسعود ﵁ موقوفاً ومرفوعاً قال: (إذا أراد أحدُكم أن يخطُب لحاجة من نكاح وغيره فليقل ... ) إلى آخر الحديث، وقد مرّ في بحث الخطبة، فارجع إليه هناك
ب ـ الدعاء للزوجين، ويسنّ الدعاء للزوجين عند الزواج، وذلك لما روى أبو هريرة ﵁: أن النبي ﷺ كان إذا رفَّأ إنساناً إذا تزوج قال: " بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في الخير ".
رواه الترمذي (النكاح، باب: ما جاء فيما يُقال للمتزوج، رقم: ١٠٩١) وأبو داود
(النكاح، باب: ما يُقال للمتزوج، رقم: ٢١٣٠) وابن ماجه (النكاح، باب: تهنئة النكاح، رقم: ١٩٠٥).
[ومعنى رفَّأ: دعا له بالرَّفاء، أي الالتئام وجمع الشمل].
ج ـ إعلان عقد الزواج، وإظهار الفرح فيه بضرب الدف، ويستحب إعلان عقد الزواج، واجتماع الناس عليه، ويكره إسراره.
كما يستحب إظهار الفرح، وضرب الدف، والغناء الطيب الذي يتضمن المعنى الحسن الكريم.
روى ابن ماجه (النكاح، باب: إعلان النكاح، رقم: ١٨٩٥) عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " أعلنوا هذا
стр. 653
النكاح، واضربوا عليه بالغُربال " أي الدف.
وروى الترمذي (النكاح، باب: ما جاء في إعلان النكاح، رقم: ١٠٨٨) وغيره: أن النبي ﷺ قال: " فصل ما بين الحرام والحلال الدفّ والصوت ".
وقال ﷺ : " أعلنوا هذا النكاح، واجعلوه في المساجد واضربوا عليه بالدفوف ".
رواه الترمذي (الموضع السابق، رقم: ١٠٨٩).
وكذلك يسنّ الفرح، وإظهار البهجة، واللهو الشريف البريء.
روى البخاري (النكاح، باب: النسوة اللاتي يهدين المرأة إلى زوجها، رقم: ٤٨٦٧) عن عائشة ﵄: أنها زَفَّت امرأة إلى رجل من الأنصار، فقال النبي ﷺ : " يا عائشة، ما كان معكم من لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو ".
أما الغناء الذي فيه مجون، وفجور وشرور، ووصف للمحاسن والفاتن، وإثارة للشهوات والغرائز، فإنه حرام بلا شك، في الأعراس وغيرها.
د ـ الدعاء عند الدخول على الزوجة، ويستحب عند الدخول على الزوجة، والعزم على جماعها، بأن يقول: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا.
روى البخاري (الوضوء، باب: التسمية على كل حال وعند الوقاع، رقم: ١٤١) مسلم (النكاح، باب: ما يستحب أن يقول عند الجماع، رقم: ١٤٣٤) عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " لو أن أحدهم إذا أراد أنْ يأتيَ أهلَه قال: بسم الله، اللَّهم جنِّبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يُقَدَّر بينهما ولد في ذلك لم يضرهّ شيطان أبداً ".
стр. 654
هـ ـ الوليمة ، وهي مسنونة، وسنتحدّث عنها بشيء من التفصيل.
معنى الوليمة: الوليمة مشتقة من الوَلْم، وهو الاجتماع، وسمِّيت بذلك لأن الزوجين يجتمعان فيها.
قال في القاموس: الوليمة طعام العرس، أو كل طعام صنع لدعوة وغيرها، وأولم: صنع الوليمة.
حكم الوليمة: الوليمة للعرس سنّة مؤكدة، لثبوتها عن النبي ﷺ قولاً وفعلاً.
فقد روى البخاري (النكاح، باب: من أولم بأقل من شاة، رقم: ٤٨٧٧) أن النبي ﷺ أولم على بعض نسائه بمدين من شعير.
وروى الترمذي (النكاح، باب: ما جاء في الوليمة، رقم: ١٠٩٥) أن النبي ﷺ أولَمَ على صفية بنت حُيي ﵂ بسويق وتمر. رواه داود (الأطعمة، باب: في استحباب الوليمة عند النكاح، رقم: ٣٧٤٤)، وابن ماجه (النكاح، باب: الوليمة، رقم: ١٩٠٩).
وروى مسلم (النكاح، باب: زواج زينب .. وإثبات وليمة العرس، رقم: ١٤٢٨) أن النبي ﷺ أولم على زينب ﵂ بخبز ولحم. وأنه ﷺ قال لعبد الرحمن بن عوف ﵁: " أولم ولو بشاة "، رواه البخاري (النكاح، باب: الوليمة ولو بشاة، رقم: ٤٨٧٢)، ومسلم (النكاح، باب: الصداق وجواز كونه تصليح قرآن ... ، رقم ١٤٧٢).
وقد حمل العلماء فعله ﷺ وقوله على الندب.
مقدار الوليمة: وأقل الوليمة للموسر شاة، ولا حدّ لأكثرها، ولغيره ما قدر عليه من الطعام.
стр. 655
وقت الوليمة: ووقت وليمة العرس موسّع من حين العقد إلى ما بعد الدخول، وإن كان الأفضل فعلها بعد الدخول، لأن النبي ﷺ لم يوِلْم على نسائه إلا بعد الدخول، فقد جاء في أحاديث زواجه ﷺ : أصبح النبي ﷺ بها عروساً، فدعا القوم .. وهكذا.
انظر البخاري (النكاح، باب: الوليمة حق)، ومسلم (النكاح، باب: فضيلة إعتاقه أمة ثم يتزوجها).
حكمة تشريع الوليمة: وحكمة تشريع وليمة العرس شكر الله على ما وُفِّق به من الزواج. واجتماع الناس عليه، حيث إن هذا الاجتماع يدعو إلى التحابب والتآلف. وإظهار الزواج من السرّية إلى العلنية، ليظهر الفرق بين النكاح المشروع، والسفاح الممنوع.
حكم إجابة الدعوة إلى وليمة العرس: وإجابة دعوة وليمة العرس فرض عين على مَن دعي إليها.
ودليل ذلك ما رواه البخاري (النكاح، باب: حق إجابة الوليمة والدعوة ... .. ، رقم: ٤٨٧٨) ومسلم (النكاح، باب: الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة، رقم: ١٤٢٩) عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا دُعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها ".
وفي رواية عند مسلم (النكاح، باب: الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة، رقم: ١٤٣٢) عن أبي هريرة ﵁ (ومَن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله).
شروط وجوب إجابة دعوة وليمة العرس: لقد شرط العلماء لوجوب إجابة دعوة وليمة العرس شروطاً منها:
أـ أن لا يخصّ صاحب الدعوة بها الأغنياء وحدهم، فإذا خصّهم لا تجِب إجابتها.
стр. 656
روى مسلم (النكاح، باب: الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة، رقم: ١٤٣٢) عن أبي هريرة ﵁ أنه كان يقول: (بئس الطعام طعام الوليمة، يُدعى إليه الأغنياء، ويُترك المساكين، فمَن لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله).
ومعنى الحديث الإخبار بما يقع من الناس بعده ﷺ من مراعاة الأغنياء في الولائم، وتخصيصهم بالدعوة، وإيثارهم بطيب الطعام مما هو غالب في الولائم اليوم.
ب ـ أن يكون الداعي مسلماً، والمدعو مسلماً، فإن كان غير ذلك فلا تجب إجابة الدعوة إليها
ج ـ أن يدعوه في اليوم الأول، إذا أولم في أكثر من يوم، فإذا دعاه في اليوم الثاني استحبت الإجابة، وفي اليوم الثالث تُكره إجابتها.
روى الترمذي (النكاح، باب: ما جاء في الوليمة، رقم: ١٠٧٩) عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ " طعام أول يوم حق، وطعام يوم الثاني سنة، وطعام يوم الثالث سُمعة، ومن سمَّع سمَّع الله به " أي تفاخر وليسمع الناس به.
وروى أحمد (٥/ ٢٨) وغيره: أن رسول الله ﷺ قال: " الوليمة في اليوم الأول حق، وفي الثاني معروف، وفي الثالث رياء وسُمعة ".
د ـ أن يدعوا للتودّد والتقرّب، فإن دعاه لخوف منه، أو طمع في جاهه لا تجب إجابتها.
هـ ـ أن لا يكون الداعي ظالماً أو شريراً، أو صاحب مال حرام، فإن كان كذلك لا تَجِب إجابتها.
стр. 657
وـ أن لا يكون هناك منكر: كخمر، واختلاط بين الرجال والنساء، أو صور إنسان، أو حيوان معلقة على الجدران.
قال رسول الله ﷺ : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعدن على مائدة يُدار عليها الخمر " أخرجه الحاكم وصححه.
(المستدرك: الأدب، باب: لا تجلسوا على مائدة يُدار عليها الخمر: ٤/ ٢٨٨).
فإن كان يزول المنكر بحضوره، وجب حضوره، وإجابة الدعوة، وإزالة المنكر.
الأكل من طعام الوليمة: لا يجب على مُجيب دعوة الوليمة أن يأكل منها، بل الواجب عليه أن يحضر، ثم إن شاء أكل، وإن شاء ترك.
روى مسلم (النكاح، باب: الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة، رقم: ١٤٣٠) عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ " إذا دُعي أحدكم إلى طعام فلُيجب، فإن شاء طَعِم، وإن شاء ترك
وقيل: يجب أن يأكل إلا إذا كان صائماً.
ودليل ذلك، ما رواه مسلم (الموضع السابق، رقم: ١٤٣١) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا دُعي أحدكم فليُجب، فإن كان صائماَ فليُصل، وإن كان مفطراً فليطعم ".
ومعنى (فلْيُصل) فلْيَدْع لأهل الطعام بالمغفرة والبركة. والصلاة في اللغة: الدعاء. قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] أي ادع لهم.
ويستحّب لمُجيب الدعوة أن يأكل مما قُدِّم له، ولا يتصرف فيه إلا بالأكل.
стр. 658
وله أن يأخذ منه إن علم رضا صاحب الدعوة.
ويحل نَثْر سكر وغيره: كجوز ولوز ودنانير ودراهم على المرأة في النكاح، ويحلّ التقاطه، وتركه أولى.
стр. 659
القسم بين الزوجات وما يتعلق بذلك
تعريف القسم:
القسم ـ في اللغة ـ مصدر قسم يقسم، والقسْم بكسر القاف: النصيب.
والقَسْم اصطلاحاً: أن مَن كان له أكثر من زوجه، وبات عند واحدة منهنّ لزمه المبيت عند باقيهنّ.
حكم القسم بين الزوجات:
القسم ابتداء بين الزوجات مندوب، وليس بواجب، فمن كان له نسوة استحبّ أن يقسم لهنّ، ويبيت عندهنّ، ولا يطلهنّ، وإنما لم يجب ذلك عليه، لأن المبيت حقه، فجاز له تركه. أما إذا بات عند واحدة منهنّ بقرعة، أو غيرها، لزمه المبيت عند الباقيات، وأصبح القسم لهّن واجباً تحقيقاً للعدل بينهنّ.
دليل وجوب العدل في القسم وغيره:
ودليل وجوب العدل في القَسْم وغيره بين النساء: القرآن والسنّة.
أما القرآن: فقول الله : ﴿َإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾
[النساء: ٣] أي إن خفتم أن لا تعدلوا في القَسْم والإنفاق فاقتصروا على تزوّجكم واحدة.
فلقد أشعرت الآية بوجوب العدل في القَسْم بينهنّ.
стр. 660
وأما السنة: فما رواه أبو داود (٢١٣٣) والترمذي (١١٤١) وغيرهما عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: (مَن كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما ـ وعند الترمذي: فلم يعدل بينهما ـ جاء يوم القيامة وشقّه مائل ـ وعند الترمذي: وشقّه ساقط). وهذه عقوبة لا تكون إلا على ترك واجب.
وروى أبو داود (٢١٣٤)، والترمذي (١١٤٠) عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقسم فيعدل، ويقول: (اللِّهمّ هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك).
أبو داود (النكاح، باب: في القَسْم بين النساء)، والترمذي (النكاح، باب: ما جاء في التسوية بين الضرائر).
من يستحق القَسْم:
ويختص بالقَسْم الزوجات، ولو كانت إحداهنَ مريضة، أو حائضاً أو نفساء، ما دمن من طائعات لزوجهنّ.
أما إذا كانت المرأة ناشزاً فلا تستحق القَسْم، لإسقاطها حقها بنشوزها، وسيأتي بيان النشوز وحكمه.
كيفية القَسْم بين الزوجات:
ويجوز للزوج أن يجعل لكل زوجة ليلة ويوماً قبلها، أو بعدها.
والأصل الليل، والنهار تبع له، إلا إذا كان الزوج يعمل ليلاً: كحارس، فإن الأصل النهار، والليل تبع له.
ثم إذا كان الزوج يبيت في بيت وحده جاز له أن يدعوهنّ إليه، كل واحدة في ليلتها ويومها.
والأفضل أن يدور عليهنّ في بيوتهنّ.
стр. 661
وإن كان يبيت عند واحدة منهنّ، وجب عليه أن يدور عليهنّ في بيوتهنّ، كل واحدة في ليلتها ويومها.
ويحرم عليه أن يبيت عند واحدة منهنّ، ثم يدعوا الباقيات إليه، لأن إتيان بيت الضرائر شاق على النفس.
كما يحرم عليه أن يجمعهنّ في مسكن واحد بغير رضاهنّ، لما يسبّبه ذلك من التباغض بينهنّ.
ويجوز أن يجعل مدة القَسْم يومين، أو ثلاثة أيام.
ويحرم أكثر من ذلك، لما في طول المدة من الوحشة عليهنّ، وتجب القرعة للبدء بالمبيت عند واحدة منهن، تجنباً لترجيح إحداهنّ على الأخرى، ثم يقرع بين الباقيات.
ويجوز أن يدخل نهاراً على غير مَن لها النوبة إذا كان دخوله لحاجة، وينبغي ألاّ يطول مكثه.
روى أبو داود (النكاح، باب: في القَسْم بين النساء، رقم: ك ٢١٣٥)، والحاكم
(النكاح، باب: التشديد في العدل بين النساء رقم: ٢/ ١٨٦) وقال صحيح الإسناد: عن عائشة ﵂ قالت: وكان ـ أي رسول الله ﷺ قال يوم إلا وهو يطوف علينا جميعاً، فيدنوا من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ إلى التي هو يومها، فيبيت عندها.
ولا يجوز أن يدخل ليلاً إلى غير مَن لها النوبة إلا لضرورة: كمرض مخوف، أو حريق، أو نحو ذلك.
وتختصّ بكر جديدة بسبع ليال متواليات وجوباً.
كما تختص ثيِّب جديدة بثلاث ليال متواليات وجوباً أيضاً.
روى البخاري (النكاح، باب: إذا تزوج الثِّيب على البكر، رقم: ٤٩١٦) ومسلم
(الرضاع، باب: قدر ما تستحقه البكر والثِّيب من إقامة
стр. 662
الزوج ... ، رقم: ١٤٦١) عن أنس ﵁ قال: من السنّة إذا تزوج البكر على الثِّيب أقام عندها سبعاً ثم قسم، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثاً ثم قسم. قال: أبو قلابة ـ أحد رواة الحديث ـ لو شئت لقلت: إن أنساً رضي الله رفعه إلى النبي ﷺ .
وروى مسلم (الموضع السابق، رقم: ١٤٦٠) عن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " للبكر سبع، وللثيِّب ثلاث ".
ولو وهبت إحداهنّ ليلتها لضرّتها بات عند الموهوب لها ليلتيهما، كل ليلة في وقتها الذي كان لها، فإن كانت متتابعين تابع بينهما، وإن كانتا متفرقين، فرق بينهما فعل رسول الله ﷺ لما وهبت سَوْدة بنت زمعة نوبتها لعائشة ﵄.
روى البخاري (النكاح، باب: المرأة الثيِّب تَهب يومها من زوجها لضرّتها، رقم: ٤٩٤١) ومسلم (الرضاع، باب: جواز هبتها نوبتها لضرتها، رقم: ١٤٦٣) - واللفظ لمسلم - عن عائشة ﵂ قالت: ما رأيت امرأة أحبَّ إلىَّ أن أكون في مسْلاخِها من سودة بنت زمعة من امرأة فيها حدة، قالت: فلما كبرت جعلت يومها من رسول الله ﷺ لعائشة، قالت: يا رسول الله: قد جعلت يومي منك لعائشة، فكان رسول الله ﷺ ، يقسم لعائشة يومين: يومها، ويوم سودة.
[مسلاخها: المسلاخ: هو الجلد، ومعناه أن أكون أن هي. فيها حدّة: أي شدة ولم ترد عائشة بذلك عيب سودة، بل وضفتها بقوة النفس، وجودة القريحة، وهي الحدّة].
وإذا أراد سفراً أقرع بين نسائه، واستصحب معه من خرجت قرعتها، لأنه ﷺ كان يفعل ذلك.
روى البخاري (المغازي، باب: حديث الإفك، رقم: ٣٩١٠)،
стр. 663
ومسلم (التوبة، باب: في حديث الإفك وقبول توبة القاذف، رقم: ٢٧٧٠) عن عائشة ﵄ أنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد السفر أقرع بين نسائه، فأتيتهنّ خرج سهمها خرج بها.
стр. 664
النشوز
تعريف النشوز:
النشوز: العصيان، وهو مأخوذ من النِّشْز، بسكون الشين، وفتحها.
ونشوز المرأة: عصيانها زوجها، وتعاليها عمّا أوجب الله عليها من طاعته.
قال ابن فارس: نشزت المرأة: استعصت على بعلها. قال تعالى:
﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ .. ﴾ [النساء: ٣٣]. أي تخافون عصيانهنّ.
حكم النشوز:
ونشوز المرأة حرام، وهو كبيرة من الكبائر.
قال رسول الله ﷺ : " إذا دعا الرجل امرأتَه إلى فراشه، فلم تأتِه، فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبحَ " رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁.
وفي رواية لمسلم: " والذي نفسي بيده ما من رجلٍ يدعو امرأته إلى فراشها، فتأبى عليه، إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى عنها ".
رواه البخاري (النكاح، باب: إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها)، ومسلم
(النكاح، باب: تحريم امتناعها عن فراش زوجها).
стр. 665
وقال رسول الله ﷺ : " والذي نفسي بيده لا تؤدي المرأة حق ربّها حتى تؤديَ حقّ زوجِها ".
رواه أحمد (٤/ ٣٨١)، وابن ماجه (النكاح، باب: حق الزواج على المرأة، رقم: ١٨٥٣).
بم يكون النشوز:
ويكون نشوز المرأة بخروجها عن طاعة زوجها، وعصيانها له، وذلك كأن خرجت من بيته بغير عذر من غير إذنه، أو سافرت بغير إذنه ورضاه، أو لم تفتح له الباب ليدخل، أو لم تمكِّنه من نفسها بلا عذر: كمرض، أو دعاها فاشتغلت بحاجاتها، وغير ذلك.
معالجة النشوز:
إذا ظهرت من المرأة علامات النشوز: كأن وجد منها زوجها إعراضاً وعبوساً، بعد لُطف وطلاقة وجه، أو سمع منها كلاماً خشناً على خلاف عادتها استحب له أن يعظها بكتاب الله ، ويذكِّرها بما أوجب الله عليها. ويحذرها غضب الله وعقوبته. ويستحبّ أن يقول لها: إن الرسول ﷺ قال: " أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة
رواه الترمذي (الرضاع، باب: ما جاء في حق الزواج على المرأة، رقم: ١١٦١)، وابن ماجه (النكاح، باب: حق الزوج على المرأة، رقم: ١٨٥٤).
ويقول لها: قال رسول الله ﷺ : " إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تُصبِح ".
رواه البخاري (النكاح، باب: إذا باتت المرأة مُهاجرة فراش زوجها)،
стр. 666
ومسلم
(النكاح، باب: تحريم امتناعها من فراش زوجها). فإن استقامت فبها ونعمت.
وإن تحقّق نشوزها، وأصرّت على إعراضها، هجرها في المضجع، لأن في الهجر أثراً ظاهراً في تأديبها.
والمراد بالهجر: أن يهجر فراشها، فلا يضاجعها فيه. فإن صَلُحت فذاك، وإن تكرر نشوزها، وأصرّت على عصيانها، كان له أن يضربها ضرب تأديب غير مبرح، لا يجرح لحماً، ويكسر عظماً، ولا يضرب وجهاً ولا موضع مهلكة.
وهذا الضرب إنما يُصار إليه إذا رجا صلاحها به، وغلب على ظنه أن تعود إلى رشدها.
فإن علم أن الضرب لا يصلحها، بل يزيد في نفرتها، فإنه ينبغي ألا يضربها.
ودليل هذه الأحكام التي ذكرناها قول الله :
﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً﴾ [النساء: ٣٤].
فإن استحكم الخلاف بينهما، وتعذرت إزالته بواسطة الزوجين، ورُفعَ الأمر إلى الحاكم، وجب عليه أن يوسّط للإصلاح بينهما حكمين مسلمين عدلين عارفين بطرق الإصلاح.
ويندب أن يكون أحدهما من أهل الزوج، والآخر من أهل الزوجة.
وهذان الحَكَمان وكيلان للزوجين، فيشترط رضا كل من الزوجين بوكيله. فيشرع الحَكََمان في الصلح بين الزوجين، ويبذلان وسعهما للوصول إليه، فإن أفلحا فبها ونعمت، وإن أخفقا، وكّل الزوج حكمه بطلاقها، وقبول عوَضَ الخلع منها.
стр. 667
ووكّلت هي أيضاً حَكَمها ببذل العوَض، إن كانت رشيدة، وقبول الطلاق به.
ويفرّق الحكمان بينهما إن رأياه صواباً.
وإذا اختلف الحَكَمان، ولم يتوصلا إلى رأي واحد، بعث القاضي حَكَمين غيرهما حتى تجتمعا على شيء واحد. فإن لم يرضَ الزوجان ببعث الحكمين، ولم يتفقا على شيء أدّب القاضي الظالم منهما، واستوفى للمظلوم حقه، وعمل بشهادة الحكمين , قال الله تعالى:
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً﴾ [النساء: ٣٤].
نشوز المرأة:
وإذا كان الإجحاف والإعراض من قَبل الزوج: وذلك كأن منعها حقها في القسم، أو النفقة، أو أغلظ عليها بالقول، أو الفعل، وعظته وذكّرته بحقها عليه، بمثل قول الله
﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾
[النساء: ١٩].
وذكّرته بقول النبي ﷺ " خيرُكم خيركم لأهله وأنا خيرُكم لأهلي ".
رواه الترمذي (المناقب، باب: في فضل أزواج النبي ﷺ ، رقم: ٣٨٢٩) عن عائشة ﵄.
وقوله ﷺ : " استوصوا بالنساء خيراً ".
رواه البخاري (النكاح، باب: الوصاة بالنساء، رقم: ٤٨٩٠، ومسلم (الرضاع، باب: الوصية بالنساء، رقم ١٤٦٨) عن أبي هريرة ﵁.
وحذّرته من عواقب ظلمها، فإن صلح فذاك، وإن لم يصلح رفعت أمرها إلى القاضي ليستخلص لها حقها لأنه منصوب لردّ الحقوق إلى أصحابها، ولأنها لا يمكنها أن تأخذ حقها بنفسها.
стр. 668
ويجب على القاضي أن يلزمه بالقسم لها، وأداء حقوقها، وكفّ الظلم عنها.
فإن ساء خلقه، وآذاها بضربها، أو بسبها بغير سبب نهاه القاضي عن ذلك، فإن عاد إليه، وطلبت الزوجة من القاضي تعزيره، عزره بما يراه سبيلاً إلى إصلاحه.
فإن اشتد الخلاف أرسل حكمين كما سبق ليصلحا بينهما، أو يفرقا بينهما بطلقة إن عسر الإصلاح. قال الله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٧].
стр. 669
العيوب التي يترتب عليها فسخ النكاح
والآثار المترتبة على ذلك
أولاً: العيوب:
العيوب التي يثبت فيها فسخ الزواج قسمان:
القسم الأول: عيوب تمنع من الدخول: كالجب، والعنّة في الزواج. والقرن، والرتق في الزوجة.
والجب: قطع عضو التناسل عند الرجل. والعنّة: العجز عن الوطء في القُبُل خاصة، لعدم انتشار الذكر. والقرن: انسداد محل الجماع لدى المرأة بعظم. والرتق: انسداد محل الجماع لدى المرأة بلحم.
القسم الثاني: عيوب لا تمنع الدخول، ولكنها أمراض مُنفرة، أو ضارّه، بحيث لا يمكن لا مقام معها إلا بضرر: كالجذام، والبرص، والجنون.
والجذام: علّة يحمرّ منها العضو، ثم يسودّ، ثم ينقطع ويتناثر.
والبرص: بياض شديد يبقع الجلد، ويذهب بدمويته.
أقسام هذه العيوب بالنسبة للزوجين:
هذه العيوب بالنسبة للزوجين على ثلاثة أقسام:
١ـ قسم مشترك بين الزوجين: وهو الجذام، والبرص، والجنون.
٢ـ قسم خاص في الزوجة: كالرتق والقرن.
стр. 670
٣ـ قسم خاص في الزواج: كالجبّ والعنّة.
العيوب المشتركة:
إذا وجد أحد الزوجين في الآخر جنوناً، أو جذاماً، أو برصاً، ثبت له الخيار في فسخ الزواج. سواء كان هو الآخر مصاباً به، أو لم يكن، لأن الإنسان يعاف من غيره ما لا يعاف من نفسه.
دليل ثبوت الخيار بهذه العيوب:
ودليل ثبوت الخيار بهذه العيوب ما رواه والبيهقي (٧/ ٢١٤) من رواية ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ تزوج امرأة من غفار، فلما أُدخلت عليه رأى بكشحها بياضاً، فقال: (البسي ثيابك، والحقي بأهلك). وقال لأهلها: (دلستم علي).
[الكشح: الجنب. والمراد بالبياض: البرص. دلستم: أخفيتم العيب].
وروى الشافعي ﵀ عن عمر بن الخطاب ﵁: أنه فرّق بين الزوجين للجذام، والبرص، والجنون.
ومثل هذا لا يكون إلا عن توقيف عن رسول الله ﷺ وقد ثبت في الحديث الصحيح: " فِرّ من المجذوم كما تفرّ من الأسد ".
البخاري (الطب، باب: الجذام، رقم: ٥٣٨٠).
قال الشافعي رحمة الله تعالى في كتابه الأم: وأما الجذام والبرص، فإن كلا منهما يُعدي الزوج، ولا تكاد النفس أحد تطيب أن تجامع من هو فيه.
العيوب في الزوجة:
إذا وجد الزوج زوجته رتقاء، أو قرناء، ثبت له فسخ الزواج، لأن هذه العلة مانعة من مقصود الزواج، وهو الدخول بالزوجة.
следующие страницы →