Полный текст (120 стр.). Показаны 106–120 · переход к 111.
стр. 106
تخفروا الله فِي ذمَّته) وَأما الْمَعْقُول فَهُوَ أَن الْعلم بِهَذِهِ الْمسَائِل لَو كَانَ شرطا لصِحَّة الْإِيمَان لَكَانَ يجب أَن لَا يحكم النَّبِي ﷺ بِإِيمَان أحد إِلَّا بعد أَن يسْأَله عَنْهَا وَلما لم يكن كَذَلِك بل كَانَ يحكم بإيمَانهمْ من غير أَن يسألهم عَن هَذِه الْمسَائِل علمنَا أَن الْإِسْلَام لَا يتَوَقَّف عَلَيْهَا بل الْأَقْرَب أَن المجسمة كفار لأَنهم اعتقدوا أَن كل مَا لَا يكون متحيزا وَلَا فِي جِهَة فَلَيْسَ بموجود وَنحن نعتقد أَن كل متحيز فَهُوَ مُحدث وخالقه مَوْجُود لَيْسَ بمتحيز وَلَا فِي جِهَة فالمجسمة نفوا ذَات الشَّيْء الَّذِي هُوَ الْإِلَه فيلزمهم الْكفْر
стр. 107
الْبَاب الْعَاشِر فِي الْإِمَامَة وَفِيه مسَائِل
стр. 108
الْمَسْأَلَة الأولى نصب الإِمَام إِمَّا أَن يُقَال إِنَّه وَاجِب على الْعباد أَو على الله تَعَالَى أَو لَا يجب أصلا
أما الَّذين قَالُوا إِنَّه يجب نَصبه على الْعباد ففريقان
الأول الَّذين قَالُوا الْعقل لَا يدل على هَذَا الْوُجُوب وَإِنَّمَا الَّذِي يدل عَلَيْهِ السّمع وَهَذَا قَول أهل السّنة وَقَول أَكثر الْمُعْتَزلَة والزيدية
وَالثَّانِي الَّذين قَالُوا إِن الْعقل يدل على أَنه يجب علينا نصب الإِمَام وَهُوَ قَول الجاحظ وَأبي الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ
وَأما الَّذين قَالُوا إِنَّه يجب على الله تَعَالَى نصب الإِمَام فهم فريقان
الأول الشِّيعَة الَّذين قَالُوا إِنَّه يجب على الله تَعَالَى نصب الإِمَام ليعلمنا معرفَة الله وَمَعْرِفَة سَائِر المطالب
وَالثَّانِي قَول الاثنا عشرِيَّة الَّذين قَالُوا يجب على الله تَعَالَى نَصبه ليَكُون لطفا لنا فِي فعل الْوَاجِبَات الْعَقْلِيَّة وَفِي ترك القبائح الْعَقْلِيَّة وليكون أَيْضا حَافِظًا للشريعة ومبينا لَهَا
стр. 109
وَأما الَّذين قَالُوا لَا يجب فهم ثَلَاثَة طوائف
مِنْهُم من قَالَ إِنَّه يجب نَصبه فِي وَقت السَّلامَة أما فِي وَقت الْحَرْب وَالِاضْطِرَاب فَلَا يجب لِأَنَّهُ رُبمَا صَار نَصبه سَببا لزِيَادَة الشَّرّ
وَمِنْهُم من عكس الْأَمر
وَمِنْهُم من قَالَ لَا يجب فِي شَيْء من الْأَوْقَات
لنا أَن نصب الإِمَام يَقْتَضِي دفع ضَرَر لَا ينْدَفع إِلَّا بِهِ فَيكون وَاجِبا
وَبَيَان الأول أَن الْعلم الضَّرُورِيّ حَاصِل بِأَنَّهُ إِذا حصل فِي الْبَلَد رَئِيس قاهر ضَابِط فَإِن حَال الْبَلَد يكون أقرب إِلَى الصّلاح مِمَّا إِذا لم يُوجد هَذَا الرئيس
وَبَيَان الثَّانِي أَن دفع الضَّرَر عَن النَّفس لما كَانَ وَاجِبا فَمَا لَا ينْدَفع هَذَا الضَّرَر إِلَّا بِهِ وَجب أَن يكون وَاجِبا
فَإِن قَالُوا لَعَلَّ الْقَوْم يستنكفون عَن مُتَابعَة ذَلِك الرئيس فَيَزْدَاد ذَلِك الشَّرّ
قُلْنَا هَذَا وَإِن كَانَ مُحْتملا إِلَّا أَنه نَادِر وَالْغَالِب مَا ذَكرْنَاهُ وَالْغَالِب رَاجِح على النَّادِر
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة احْتج الشريف المرتضى بِعَين هَذَا الدَّلِيل فِي وجوب نصب الإِمَام على الله تَعَالَى فَقُلْنَا إِنَّه ضَعِيف
وَذَلِكَ لأنكم وَإِن ذكرْتُمْ اشتماله على هَذَا الْوَجْه من الْمَنْفَعَة فَإِنَّهُ لَا يبعد أَيْضا اشتماله على وَجه من وُجُوه الْقبْح وَبِهَذَا التَّقْدِير فَإِنَّهُ يقبح من الله تَعَالَى نَصبه
стр. 110
فَإِن قَالَ فَهَذَا أَيْضا وَارِد عَلَيْكُم
قُلْنَا الْفرق بَين الدَّلِيلَيْنِ أَنا لما أَوجَبْنَا نصب الإِمَام على أَنْفُسنَا كفى ظن كَونه مصلحَة فِي وجوب نَصبه علينا لِأَن الظَّن فِي حَقنا يقوم مقَام الْعلم فِي وجوب الْعَمَل فَإِذا علمنَا اشْتِمَال نصب الإِمَام على هَذَا الْوَجْه من الْمصلحَة وَلم نَعْرِف فِيهِ مفْسدَة حصل ظن كَونه مصلحَة فَيصير هَذَا الظَّن سَببا للْوُجُوب فِي حَقنا
أما أَنْتُم فتوجبون نصب الإِمَام على الله تَعَالَى فَمَا لم تُقِيمُوا الْبُرْهَان الْقَاطِع على خلوه عَن جَمِيع الْمَفَاسِد لَا يمكنكم إِيجَابه على الله تَعَالَى لِأَن الظَّن لَا يقوم مقَام الْعلم فِي حق الله فَظهر الْفرق وَالله أعلم
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة قَالَت الاثنا عشرِيَّة والشيعة وجوب الْعِصْمَة شَرط لصِحَّة الْإِمَامَة وَقَالَ الْبَاقُونَ لَيْسَ كَذَلِك
قُلْنَا أَن الدَّلِيل دلّ على صِحَة إِمَامَة أبي بكر ﵁ مَعَ أَنه مَا كَانَ وَاجِب الْعِصْمَة وَاحْتج الْمُخَالف بِأَن افتقار الرّعية إِلَى الإِمَام إِنَّمَا كَانَ لأجل أَن جَوَاز فعل الْقَبِيح عليم اقْتضى احتياجهم إِلَى الإِمَام فَلَو حصلت هَذِه الْجِهَة فِي حق الإِمَام لزم افتقاره إِلَى إِمَام آخر فَيلْزم إِمَّا الدّور وَإِمَّا التسلسل
وَالْجَوَاب أَن بَينا أَن دليلكم فِي وجوب نصب الإِمَام على الله تَعَالَى دَلِيل بَاطِل وَالله أعلم
стр. 111
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة أَجمعت الْأمة على أَنه يجوز إِثْبَات الْإِمَامَة بِالنَّصِّ وَهل يجوز بِالِاخْتِيَارِ أم لَا
قَالَ أهل السّنة والمعتزلة يجوز
وَقَالَت الاثنا عشرِيَّة لَا يجوز إِلَّا بِالنَّصِّ
وَقَالَ الزيدية يجوز بِالنَّصِّ وَيجوز أَيْضا بِسَبَب الدعْوَة وَالْخُرُوج مَعَ حُصُول الْأَهْلِيَّة
لنا أَن الدَّلِيل دلّ على إِمَامَة أبي بكر ﵁ وَمَا كَانَ لتِلْك الْإِمَامَة سَبَب إِلَّا الْبيعَة إِذْ لَو كَانَ مَنْصُوصا عَلَيْهِ لَكَانَ توقيفه الْأَمر على الْبيعَة خطأ عَظِيما يقْدَح فِي إِمَامَته وَذَلِكَ بَاطِل فَوَجَبَ كَون الطبيعة طَرِيقا صَحِيحا
احْتج الْمُخَالف بِأَنَّهُ يجب أَن يكون وَاجِب الْعِصْمَة وَلَا سَبِيل إِلَى مَعْرفَته إِلَّا بِالنَّصِّ
وَالْجَوَاب أَنا بَينا أَن وجوب الْعِصْمَة بَاطِل
الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة قَالَت الاثنا عشرِيَّة إِن النَّبِي ﷺ نَص على إِمَامَة عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ نصا جليا لَا يقبل التَّأْوِيل الْبَتَّةَ وَقَالَ الْبَاقُونَ لم يُوجد هَذَا النَّص
لنا وُجُوه الأول أَن النَّص على هَذِه الْخلَافَة وَاقعَة عَظِيمَة والوقائع الْعَظِيمَة يجب اشتهارها جدا فَلَو حصلت هَذِه الشُّهْرَة لعرفها الْمُخَالف والموافق وَحَيْثُ لم يصل خبر هَذَا النَّص إِلَى أحد من الْفُقَهَاء والمحدثين علمنَا أَنه مَوضِع شكّ
الثَّانِي لَو حصل هَذَا النَّص لَكَانَ إِمَّا أَن يُقَال إِن النَّبِي ﷺ أوصله
стр. 112
إِلَى أهل التَّوَاتُر أَو مَا أوصله إِلَيْهِم وَالْأول بَاطِل لِأَن طالبي الْإِمَامَة لأَنْفُسِهِمْ كَانُوا فِي غَايَة الْقلَّة أما الْبَاقُونَ فَمَا كَانُوا طَالِبين للْإِمَامَة لأَنْفُسِهِمْ وَكَانُوا فِي غَايَة التَّعْظِيم لرَسُول الله ﷺ وَكَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَن مُخَالفَته توجب الْعَذَاب الْأَلِيم
وَالْإِنْسَان لَا يلْتَزم الْعقَاب الْعَظِيم من غير غَرَض لَا سِيمَا وَقد حصلت هُنَاكَ أَسبَاب أخر توجب نصْرَة عَليّ ﵁
أَحدهَا أَن عليا كَانَ فِي غَايَة الشجَاعَة وَأَبُو بكر ﵁ كَانَ فِي غَايَة الضعْف هَذَا مَذْهَبهم
وَثَانِيها أَن اتِّبَاع عَليّ كَانُوا فِي غَايَة الْجَلالَة فَإِن فَاطِمَة وَالْحسن وَالْحُسَيْن وَالْعَبَّاس ﵃ كَانُوا مَعَه وَأَبُو سُفْيَان شيخ بني أُميَّة كَانَ فِي غَايَة البغض لأبي بكر ﵄ وَجَاء وَبَالغ فِي حمل عَليّ ﵁ على طلب الْإِمَامَة وَمن انتزاعها من يَد أبي بكر ﵁ وَالزُّبَيْر ﵁ مَعَ شجاعته سل السَّيْف على أبي بكر ﵄
وَثَالِثهَا أَن الْأَنْصَار ﵃ طلبُوا الْإِمَامَة لأَنْفُسِهِمْ فَمنهمْ أَبُو بكر فَلَو كَانَ هَذَا النَّص مَوْجُودا لقالوا لَهُ يَا أَبَا بكر إِنَّا أردنَا أَن نأخذها لأنفسنا بالظلم وَالْغَصْب فَكَمَا منعتنا عَنْهَا فَنحْن أَيْضا نَمْنَعك من هَذَا الْغَصْب وَالظُّلم ونرد الْحق إِلَى أَهله وَهُوَ عَليّ ﵁ فَإِن الْخصم مَتى وجد مثل هَذِه الْحجَّة الْقَاهِرَة امْتنع سكته عَنْهَا فَلَو كَانَ النَّص على عَليّ مَوْجُودا لامتنع فِي الْعرف سكُوت الْأَنْصَار عَن ذكره ولامتنع إعراضهم عَن نصْرَة عَليّ ﵁ فَثَبت أَن كل هَذِه الْأَسْبَاب مُوجبَة لقُوَّة أَمر عَليّ بِتَقْدِير أَن يكون النَّص مَوْجُودا فَلَمَّا لم يُوجد ذَلِك علمنَا أَنه لَا أصل لهَذَا النَّص
وَأما الْقسم الثَّانِي وَهُوَ أَن يُقَال إِنَّه ﷺ مَا أوصل ذَلِك النَّص إِلَى أهل التَّوَاتُر بل إِلَى الْآحَاد فَهُوَ بعيد لوجوه
стр. 113
الأول أَن قَول الْآحَاد لَا يكون حجَّة الْبَتَّةَ لَا سِيمَا وَعِنْدهم أَن خبر الْوَاحِد لَيْسَ بِحجَّة فِي العمليات
الثَّانِي أَن هَذَا يجْرِي مجْرى خِيَانَة الرَّسُول ﷺ فِي مثل هَذَا الْأَمر الْعَظِيم فَثَبت أَن قَوْلهم بَاطِل
وَالْحجّة الثَّالِثَة أَن عليا ﵁ ذكر جملَة النُّصُوص الْخفية وَلم ينْقل عَنهُ أَنه ذكر هَذَا النَّص الْجَلِيّ فِي محفل من المحافل وَلَو كَانَ مَوْجُودا لَكَانَ ذكره أولى من ذكر النُّصُوص الْخفية
وَاحْتَجُّوا بِأَن الشِّيعَة على كثرتهم وتفرقهم فِي الْمشرق وَالْمغْرب ينقلون هَذَا الْخَبَر
وَالْجَوَاب أَن من الْمَشْهُور أَن وَاضع هَذَا الْخَبَر هُوَ ابْن الراوندي ثمَّ إِن الشِّيعَة لشدَّة شغفهم بِهَذَا الْأَمر سعوا فِي تشهيره
الْمَسْأَلَة السَّادِسَة الإِمَام الْحق بعد رَسُول الله ﷺ أَبُو بكر ﵁
وَيدل عَلَيْهِ الْقُرْآن وَالْخَبَر وَالْإِجْمَاع
أما الْقُرْآن فآيات إِحْدَاهَا قَوْله تَعَالَى ﴿قل للمخلفين من الْأَعْرَاب ستدعون إِلَى قوم أولي بَأْس شَدِيد﴾ إِلَى آخر الْآيَة فَنَقُول هَذَا الدَّاعِي إِمَّا أَن يكون رَسُول الله ﷺ أَو أحد الثَّلَاثَة الَّذين جَاءُوا بعده وهم أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان ﵃ أَو يكون الدَّاعِي هُوَ عَليّ ﵁ أَو الَّذين جَاءُوا بعد عَليّ
لَا يجوز أَن يكون الدَّاعِي هُوَ النَّبِي ﷺ بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى سَيَقُولُ الْمُخَلفُونَ إِذا انطلقتم إِلَى مَغَانِم كَثِيرَة لتأخذوها ذرونا نتبعكم يُرِيدُونَ أَن يبدلوا كَلَام الله قل لن تتبعونا كذلكم قَالَ الله من قبل وَلَو كَانَ الدَّاعِي لَهُم الرَّسُول ﷺ ثمَّ إِنَّه مَنعهم عَن مُتَابَعَته لزم التَّنَاقُض وَهُوَ بَاطِل
стр. 114
وَلَا يجوز أَن يكون المُرَاد هُوَ عَليّ ﵁ لقَوْله تَعَالَى ﴿تقاتلونهم أَو يسلمُونَ﴾ دلّت هَذِه الْآيَة على أَن الْمَقْصُود من هَذِه الْمُقَاتلَة تَحْصِيل الْإِسْلَام وحروب عَليّ ﵁ مَا كَانَ الْمَقْصُود مِنْهَا تَحْصِيل الْإِسْلَام بِدَلِيل أَنا بَينا أَن الْإِسْلَام عبارَة عَن الْإِقْرَار الدَّال على الِاعْتِقَاد ظَاهرا وَقد كَانَ هَذَا حَاصِلا فيهم وَلَا يجوز أَن يكون المُرَاد من جَاءَ بعد عَليّ لأَنهم عندنَا على الْخَطَأ وَعند الشِّيعَة على الْكفْر وَلما بطلت الْأَقْسَام ثَبت أَن المُرَاد مِنْهُ أحد أُولَئِكَ الثَّلَاثَة أَعنِي أَبَا بكر وَعمر وَعُثْمَان ﵃ ثمَّ أَنه تَعَالَى أوجب طَاعَته حَيْثُ قَالَ ﴿فَإِن تطيعوا يُؤْتكُم الله أجرا حسنا وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا توليتم من قبل يعذبكم عذَابا أَلِيمًا﴾ وَإِذا وَجَبت طَاعَة وَاحِد من هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة وَجَبت طَاعَة الْكل لِأَنَّهُ لَا قَائِل بِالْفرقِ فَهَذِهِ آيَة تدل على وجوب إِمَامَة هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة
وَالْحجّة الثَّانِيَة من الْقُرْآن قَوْله تَعَالَى ﴿وعد الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَعمِلُوا الصَّالِحَات ليَستَخْلِفنهم فِي الأَرْض كَمَا اسْتخْلف الَّذين من قبلهم وليمكنن لَهُم دينهم الَّذِي ارتضى لَهُم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا﴾ وَجه الِاسْتِدْلَال قَوْله تَعَالَى ﴿وعد الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم﴾ هَذَا خطاب مشافهة لجَماعَة من الْحَاضِرين فِي زمن حَيَاة الرَّسُول ﷺ بإيصال الْخلَافَة إِلَيْهِم وَلَا يُمكن حمله على عَليّ وَالْحسن وَالْحُسَيْن ﵃ لأَنهم عِنْد الشِّيعَة مَا كَانُوا متمكنين من إِظْهَار دينهم وَمَا زَالَ الْخَوْف عَنْهُم بل كَانُوا أبدا فِي التقية وَالْخَوْف فَوَجَبَ حمل الْآيَة على أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي ﵃ لِأَنَّهُ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة كَانُوا عندنَا متمكنين من إِظْهَار دينهم وَكَانَ الْخَوْف عَنْهُم زائلا
الْحجَّة الثَّالِثَة قَوْله تَعَالَى ﴿وسيجنبها الأتقى الَّذِي يُؤْتِي مَاله يتزكى﴾ فَنَقُول هَذَا الأتقى يجب أَن يكون من أفضل الْخلق بعد الرَّسُول ﷺ لقَوْله تَعَالَى ﴿إِن أكْرمكُم عِنْد الله أَتْقَاكُم﴾ وأجمعت الْأمة على أَن الْأَفْضَل إِمَّا أَبُو بكر وَإِمَّا عَليّ ﵄ وَلَا يُمكن حمل هَذِه الْآيَة
стр. 115
على عَليّ أَنه تَعَالَى قَالَ فِي صفة هَذَا الأتقى ﴿وَمَا لأحد عِنْده من نعْمَة تجزى﴾ وَعلي ﵁ مَا كَانَ كَذَلِك لِأَن النَّبِي ﷺ رباه من أول صغره إِلَى آخر عمره وَتلك النِّعْمَة توجب المجازاة
أما أَبُو بكر ﵁ فقد كَانَ لرَسُول الله ﷺ فِي حَقه نعْمَة الْإِرْشَاد إِلَى الدّين إِلَّا أَن هَذِه النِّعْمَة لَا تجزي الْبَتَّةَ وَلما ثَبت أَن هَذَا الأتقى إِمَّا أَبُو بكر وَإِمَّا عَليّ وَثَبت أَنه لَا يُمكن حمله على عَليّ وَجب حمله على أبي بكر ﵄ ثمَّ أَنه تَعَالَى وَصفه بقوله ﴿إِلَّا ابْتِغَاء وَجه ربه الْأَعْلَى ولسوف يرضى﴾ وسوف لاستقبال فَهَذِهِ الْآيَة تدل على أَن أَبَا بكر أفضل الْخلق بعد رَسُول الله ﷺ فِي زمن رَسُول الله ﷺ وَيدل قَوْله ﴿ولسوف يرضى﴾ على أَنه تبقى تِلْكَ الصّفة بَاقِيَة فِي أبي بكر ﵁ إِلَى الزَّمَان الْمُسْتَقْبل وَلَو كَانَ مُبْطلًا فِي الْإِمَامَة لما كَانَ أفضل الْخلق وَلما دلّت الْآيَة على الْأَفْضَلِيَّة وَجب الْقطع بِصِحَّة إِمَامَته
وَأما الْأَخْبَار فكثيرة أَحدهَا قَوْله ﷺ (اقتدوا باللذين من بعدِي أبي بكر وَعمر) أوجب الِاقْتِدَاء بهما فِي الْفَتْوَى وَمن جملَة مَا أفتيا بِهِ كَونهمَا إمامين فَوَجَبَ الافتداء بهما فِي هَذِه الْفَتْوَى وَذَلِكَ يُوجب إمامتهما
وَثَانِيها قَوْله ﷺ (الْخلَافَة بعدِي ثَلَاثُونَ سنة ثمَّ تصير ملكا عَضُوضًا) وَذَلِكَ تنصيص على أَنهم كَانُوا فِي الْخُلَفَاء المحقين لَا من الْمُلُوك الظَّالِمين
وَثَالِثهَا قَوْله ﷺ فِي أبي بكر وَعمر ﵄ (هما سيدا كهول أهل الْجنَّة) وَلَو كَانَا غاضبين للْإِمَامَة لما كَانَ هَذَا الحكم لائقا بهما
وَكَذَلِكَ الْخَبَر الدَّال على بِشَارَة الْعشْرَة المبشرة يدل على صِحَة إِمَامَة الثَّلَاثَة
وَأما الْإِجْمَاع فَمن وُجُوه
أَحدهَا أَن النَّاس أَجمعُوا على أَن الإِمَام بعد رَسُول الله ﷺ إِمَّا أَبُو
стр. 116
بكر وَإِمَّا الْعَبَّاس وَإِمَّا عَليّ ﵃ ثمَّ رَأينَا أَن الْعَبَّاس وعليا مَا نازعا أَبَا بكر فِي الْإِمَامَة فَترك هَذِه الْمُنَازعَة إِمَّا أَن يكون لعجزهما عَن الْمُنَازعَة أَو مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهَا وَالْأول بَاطِل لما بَينا أَن أَسبَاب الْقُدْرَة كَانَت مجتمعة فِي عَليّ ﵁ ومفقودة فِي حق أبي بكر ﵁ فَثَبت أَنَّهُمَا تركا الْمُنَازعَة مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهَا فَإِن كَانَت الْإِمَامَة حَقًا لَهما كَانَ ترك الْمُنَازعَة مَعَ الْقُدْرَة خطأ عَظِيما وَذَلِكَ يُوجب الْقدح فِي إمامتهما وَإِن كَانَت الْإِمَامَة لَيست حَقًا لَهما وَجب أَن تكون حَقًا لأبي بكر ﵁ وَإِلَّا لبطل الْإِجْمَاع على أَن أحد هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة هُوَ الإِمَام
الثَّانِي لَو كَانَت الْإِمَامَة حَقًا لعَلي ﵁ بِسَبَب النَّص الْجَلِيّ مَعَ أَن الْأمة دفعوه عَنْهَا لكَانَتْ هَذِه الْأمة شَرّ أمة أخرجت للنَّاس لَكِن هَذَا اللَّازِم بَاطِل لقَوْله تَعَالَى ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس﴾ فَإِن قَالُوا قَوْله ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس﴾ يدل على أَنهم كَانُوا وَمَا بقوا على هَذِه الصّفة قُلْنَا نحمله على كَانَ التَّامَّة وَيدل عَلَيْهِ أَنه تَعَالَى قَالَ فِي عقبه ﴿تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون عَن الْمُنكر﴾ فَلَو كَانَ قَوْله ﴿كُنْتُم﴾ يُفِيد أَنهم كَانُوا كَذَلِك ثمَّ لم يبقوا عَلَيْهِ لَكَانَ قَوْله ﴿تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون عَن الْمُنكر﴾ مناقضا لَهُ وَلَو حملناه على كَانَ النَّاقِصَة كَانَ الْمَعْنى كُنْتُم كَذَلِك فِي علم الله أَو فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ
الثَّالِث ثَبت بالأحاديث الصَّحِيحَة أَنه ﷺ اسْتَخْلَفَهُ فِي مرض مَوته فِي الصَّلَاة
فَنَقُول حصلت تِلْكَ الْخلَافَة وَمَا عَزله عَنْهَا فَوَجَبَ بَقَاء تِلْكَ الْخلَافَة عَلَيْهِ وَإِذا ثَبت وجوب كَونه إِمَامًا فِي الصَّلَاة ثَبت وجوب كَونه إِمَامًا فِي سَائِر الْأَشْيَاء لِأَنَّهُ لَا قَائِل بِالْفرقِ
وَاحْتج الْمُخَالف بِوُجُوه أَحدهَا قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا وَلِيكُم الله وَرَسُوله وَالَّذين آمنُوا﴾ الْآيَة فَهَذِهِ الْآيَة تدل على إِمَامَة شخص بِعَيْنِه وَإِذا ثَبت
стр. 117
ذَلِك وَجب أَن يكون ذَلِك الإِمَام عليا ﵁
بَيَان الأول أَن الْوَلِيّ إِمَّا النَّاصِر وَإِمَّا الْمُتَصَرف وَيجب قصره عَلَيْهِمَا تقليلا للاشتراك وَالْمجَاز وَلَا يجوز حمله على النَّاصِر لِأَن النُّصْرَة عَامَّة لقَوْله تَعَالَى وَالْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات بَعضهم أَوْلِيَاء بعض وَالْولَايَة الْمَذْكُورَة فِي الْآيَة خَاصَّة بِبَعْض الْمُؤمنِينَ لِأَن كلمة ﴿إِنَّمَا﴾ تفِيد الْحصْر وَإِذا بَطل حمل الْوَلِيّ عَليّ النَّاصِر وَجب حمله على الْمُتَصَرف فِي جَمِيع الْأمة المخاطبين بقوله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا وَلِيكُم الله وَرَسُوله﴾ وَلَا معنى للْإِمَامَة إِلَّا التَّصَرُّف فِي جَمِيع الْأمة فَثَبت دلَالَة هَذِه الْآيَة على إِمَامَة شخص معِين وكل من قَالَ بهَا قَالَ إِنَّه عَليّ بن أبي طَالب ﵁ لِأَن أحدا من الْأمة لم يقل إِن هَذِه الْآيَة تدل على إِمَامَة أبي بكر وَالْعَبَّاس ﵄
الثَّانِي أَنه ﷺ قَالَ (أَلَسْت أولى بكم من أَنفسكُم قَالُوا نعم قَالَ فَمن كنت مَوْلَاهُ فعلى مَوْلَاهُ) وَجه الِاسْتِدْلَال أَنه صرح بِلَفْظَة أولى ثمَّ ذكر عقيبها الْمولى وَهُوَ لفظ يحْتَمل الْأَشْيَاء وَذكر الأولى يصلح تَفْسِيرا فَوَجَبَ حمله عَلَيْهِ دفعا للإجمال وَحِينَئِذٍ يصير تَقْدِيره من كنت أولى بِهِ فِي الحكم والقضية من نَفسه كَانَ عَليّ أولى بِهِ فِي ذَلِك وَلَا معنى للْإِمَام إِلَّا من يكون أولى من غَيره فِي قبُول حكمه وقضائه
الثَّالِث قَوْله ﷺ لعَلي ﵁ (أَنْت مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى) وَمن جملَة منَازِل هَارُون من مُوسَى كَونه بحث لَو بَقِي بعد مُوسَى كَانَ خَليفَة لَهُ فَوَجَبَ أَن يثبت لعَلي أَنه لَو بَقِي بعد مُحَمَّد ﷺ لَكَانَ خَليفَة لَهُ وَقد بَقِي بعده فَوَجَبَ أَن يكون خَليفَة لَهُ
وَالْجَوَاب عَن الْكل أَنه يجب حملهَا على أولويته فِي الْإِيمَان بِالدّينِ وعَلى علو منصبه وَلَا تحمل على الْإِمَامَة تَوْفِيقًا بَينهَا وَبَين الدَّلَائِل الَّتِي ذَكرنَاهَا ثمَّ
إِن قَوْلنَا أولى لوجوه
стр. 118
أَحدهَا أَنا بِهَذَا الطَّرِيق نصون الْأمة عَن الْكفْر وَالْفِسْق
وَالثَّانِي أَن الْأَخْبَار الْوَارِدَة فِي فضل أبي بكر وَعمر ﵄ بلغت مبلغ التَّوَاتُر وبالوجه الَّذِي ذَكرْنَاهُ يبْقى الْكل حَقًا صَحِيحا
وَالثَّالِث أَنه تَعَالَى نَص على تَعْظِيم الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار فِي الْقُرْآن وبالطريق الَّذِي ذَكرْنَاهُ يبْقى الْكل صَحِيحا حَقًا
الْمَسْأَلَة السَّابِعَة أفضل النَّاس بعد رَسُول الله ﷺ أَبُو بكر ﵁
وَقَالَت الشِّيعَة وَكثير من الْمُعْتَزلَة هُوَ عَليّ وَهَؤُلَاء جوزوا إِمَامَة الفضول مَعَ وجود الْفَاضِل وحجتهم أَن قيام عَليّ بِالْجِهَادِ كَانَ أَكثر من قيام أبي بكر فَوَجَبَ أَن يكون عَليّ أفضل مِنْهُ لقَوْله تَعَالَى ﴿وَفضل الله الْمُجَاهدين على القاعدين أجرا عَظِيما﴾ وَأجَاب أهل السّنة عَنهُ بِأَن الْجِهَاد على قسمَيْنِ جِهَاد بالدعوة إِلَى الدّين وَجِهَاد بِالسَّيْفِ وَمَعْلُوم أَن أَبَا بكر ﵁ جَاهد فِي الدّين فِي أول الْإِسْلَام بدعوة النَّاس إِلَى الدّين وَبِقَوْلِهِ أسلم عُثْمَان وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَسعد وَسَعِيد وَأَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح ﵃ أَجْمَعِينَ وَعلي ﵁ إِنَّمَا جَاهد بِالسَّيْفِ عِنْد قُوَّة الْإِسْلَام فَكَانَ الأول أولى
وَحجَّة الْقَائِلين بِفضل أبي بكر ﵁ قَوْله ﷺ (مَا طلعت الشَّمْس وَلَا غربت على أحد بعد النَّبِيين وَالْمُرْسلِينَ أفضل من أبي بكر)
الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة بعض النَّاس ذكرُوا أنواعا من المطاعن فِي الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة
والقانون الْمُعْتَبر فِي هَذَا الْبَاب أَن الدَّلَائِل الظَّاهِرَة دلّت على إمامتهم
стр. 119
وعَلى وجوب تعظيمهم وَأما تِلْكَ المطاعن فَهِيَ مُحْتَملَة والمحتمل لَا يُعَارض الْمَعْلُوم لَا سِيمَا وَقد تَأَكد ذَلِك بِأَن الله تَعَالَى أَكثر من الثَّنَاء على الصَّحَابَة ﵃
الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة الَّذِي يدل على إِمَامَة عَليّ كرم الله وَجهه اتِّفَاق أهل الْحل وَالْعقد على إِمَامَته وَأما أعداؤه ففريقان
أَحدهمَا عَسْكَر مُعَاوِيَة ﵁ طعنوا فِيهِ بِأَنَّهُ مَا أَقَامَ الْقصاص على قتلة عُثْمَان ﵁ وَهَذَا ظلم فادح فِي إِمَامَته
وَالْجَوَاب أَن شَرَائِط وجوب الْقصاص تخْتَلف باخْتلَاف الاجتهادات فَلَعَلَّهُ لم يؤد اجْتِهَاده إِلَى كَونهم موصوفين بالشرائط الْمُوجبَة للْقصَاص
الثَّانِي أَن الْخَوَارِج قَالُوا إِنَّك رضيت بالتحكم وَذَلِكَ يدل على كونك شاكا فِي إِمَامَة نَفسك ثمَّ إِنَّك مَعَ الشَّك أقدمت على تحمل الْإِمَامَة وَهَذَا فسق
وَالْجَوَاب أَنه إِنَّمَا رَضِي التَّحْكِيم لِأَنَّهُ رأى من قومه الفشل والضعف والإصرار على أَنه لَا بُد من التَّحْكِيم
الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة أطبق أهل الدّين على أَنه يجب تَعْظِيم طَلْحَة وَالزُّبَيْر وَعَائِشَة ﵃
وَأَنه يجب إمْسَاك اللِّسَان عَن الطعْن فيهم لِأَن عمومات الْقُرْآن وَالْأَخْبَار دَالَّة على وجوب تَعْظِيم الصَّحَابَة ﵃ وَالْأَخْبَار الْخَاصَّة
стр. 120
وَارِدَة فِي تَعْظِيم طَلْحَة وَالزُّبَيْر وَعَائِشَة ﵃ والواقعة الَّتِي وَقعت مُحْتَملَة لوجوه كَثِيرَة والمحتمل لَا يُعَارض الظَّاهِر وَنقل عَن عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ أَنه قَالَ تِلْكَ دِمَاء طهر الله مِنْهَا أَيْدِينَا فَلَا نلوث بهَا ألسنتنا
وَليكن هَهُنَا آخر علم الْكَلَام وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمد الله بنعمته تمّ الصَّالِحَات وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَى الله وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله
وَبعد فقد تمّ بعون الله كتاب معالم أصُول الدّين للْإِمَام الْكَبِير فَخر الدّين مُحَمَّد بن عمر الرَّازِيّ نَفَعَنِي الله بِهِ وَإِيَّاك
وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وعَلى آله وَأَصْحَابه وَمن ابتع هداه وَسَار على طَرِيقه إِلَى يَوْم الدّين