← Акыда

Акыда · id 6372

معالم أصول الدين

الفخر الرازي

Полный текст (120 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وَذَلِكَ معْجزَة قاهرة لِأَن ظُهُور مثل هَذَا الْكتاب على مثل ذَلِك الْإِنْسَان الْخَالِي عَن الْبَحْث والطلب والمطالعة والتعلم لَا يُمكن إِلَّا بإرشاد الله تَعَالَى ووحيه وإلهامه وَالْعلم بِهِ ضَرُورِيّ وَهَذَا هُوَ المُرَاد من قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن كُنْتُم فِي ريب مِمَّا نزلنَا على عَبدنَا فَأتوا بِسُورَة من مثله﴾ أَي من مثل مُحَمَّد فِي عدم الْقِرَاءَة والمطالعة وَعدم الاستفادة من الْعلمَاء وَهَذَا وَجه قوي وبرهان قَاطع الْوَجْه الثَّانِي وَهُوَ أَن مُحَمَّدًا ﷺ تحدى الْعَالمين بِالْقُرْآنِ فَهَذَا الْقُرْآن لَا يَخْلُو أَنه إِمَّا أَن يكون قد بلغ إِلَى حد الإعجاز أَو مَا كَانَ كَذَلِك فَإِن كَانَ بَالغا إِلَى حد الإعجاز فقد حصل الْمَقْصُود وَإِن قُلْنَا إِنَّه مَا كَانَ بَالغا إِلَى حد الإعجاز فَحِينَئِذٍ كَانَت معارضته مُمكنَة وَمَعَ الْقُدْرَة على الْمُعَارضَة وَحُصُول مَا يُوجب الرَّغْبَة فِي الْإِتْيَان بالمعارضة يكون ترك الْمُعَارضَة من خوارق الْعَادَات فَيكون معجزا فَثَبت ظُهُور المعجزة على مُحَمَّد ﷺ على كل وَاحِد من التَّقْدِيرَيْنِ الْوَجْه الثَّالِث أَنه نقل عَنهُ معجزات كَثِيرَة وكل وَاحِد مِنْهَا وَإِن كَانَ مرويا بطرِيق الْآحَاد إِلَّا أَنه لَا بُد وَأَن يكون بَعْضهَا يَصح لِأَن الْأَخْبَار إِذا كثرت فَإِنَّهُ يمْتَنع فِي الْعَادة أَن يكون كلهَا كذبا فَثَبت بِهَذَا الْوُجُوه الثَّلَاثَة أَنه ظَهرت المعجزة عَلَيْهِ وَأما الْمقَام الثَّانِي وَهُوَ أَن كل من كَانَ كَذَلِك كَانَ نَبيا فالدليل عَلَيْهِ أَن الْملك الْعَظِيم إِذا حضر فِي المحفل الْعَظِيم فَقَامَ وَاحِد وَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس أَنا رَسُول هَذَا الْملك إِلَيْكُم ثمَّ قَالَ أَيهَا الْملك إِن كنت صَادِقا فِي كَلَامي فَخَالف عادتك وقم عَن سريرك فَإِذا قَامَ ذَلِك الْملك عِنْد سَماع هَذَا الْكَلَام عرف الْحَاضِرُونَ بِالضَّرُورَةِ كَون ذَلِك الْمُدَّعِي صَادِقا فِي دَعْوَاهُ فَكَذَا هَهُنَا هَذَا تَمام الدَّلِيل وَفِي الْمَسْأَلَة طَرِيق آخر وَذَلِكَ أَنا فِي الطَّرِيق الأول نثبت نبوته بالمعجزات ثمَّ إِذا ثَبت نبوته استدللنا بثبوتها

стр. 72

على صِحَة أَقْوَاله وأفعاله وَأما فِي هَذَا الطَّرِيق فَإنَّا نبين أَن كل مَا أَتَى بِهِ من الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال فَهُوَ أَفعَال الْأَنْبِيَاء فَوَجَبَ أَن يكون هُوَ نَبيا صَادِقا حَقًا من عِنْد الله تَعَالَى وَتَقْرِير هَذَا الطَّرِيق أَن نقُول الْإِنْسَان إِمَّا أَن يكون نَاقِصا وَهُوَ أدنى الدَّرَجَات وهم الْعَوام وَإِمَّا أَن يكون كَامِلا فِي ذَاته وَلَا يقدر على تَكْمِيل غَيره وهم الْأَوْلِيَاء وهم فِي الدرجَة المتوسطة وَأما أَن يكون كَامِلا فِي ذَاته وَيقدر على تَكْمِيل غَيره وهم الْأَنْبِيَاء وهم فِي الدرجَة الْعَالِيَة ثمَّ إِن هَذَا الْكَمَال والتكميل إِمَّا أَن يعْتَبر فِي الْقُوَّة النظرية وَفِي الْقُوَّة العلمية وَرَئِيس الكمالات الْمُعْتَبرَة فِي الْقُوَّة النظرية معرفَة الله تَعَالَى وَرَئِيس الكمالات الْمُعْتَبرَة فِي الْقُوَّة العلمية طَاعَة الله تَعَالَى وكل من كَانَت درجاته فِي كمالات هَاتين المرتبتين أعلا كَانَت دَرَجَات ولَايَته أكمل وَمن كَانَت درجاته فِي تَكْمِيل الْغَيْر فِي هَاتين المرتبتين أعلا كَانَت دَرَجَات نبوته أكمل إِذا عرفت هَذَا فَنَقُول أَن عِنْد مقدم مُحَمَّد ﷺ كَانَ الْعَالم مملوءا من الْكفْر وَالْفِسْق أما الْيَهُود فَكَانُوا فِي الْمذَاهب الْبَاطِلَة فِي التَّشْبِيه وَفِي الافتراء على الْأَنْبِيَاء وَفِي تَحْرِيف التَّوْرَاة قد بلغُوا الْغَايَة وَأما النَّصَارَى فقد كَانُوا فِي القَوْل بالتثليث وَالْأَب وَالِابْن والحلول والاتحاد قد بلغُوا الْغَايَة وَأما الْمَجُوس فقد كَانُوا فِي القَوْل بِإِثْبَات إِلَهَيْنِ وَوُقُوع الْمُحَاربَة بَينهمَا وَفِي تَحْلِيل نِكَاح الْأُمَّهَات قد بلغُوا الْغَايَة وَأما الْعَرَب فقد كَانُوا فِي عبَادَة الْأَصْنَام وَفِي النهب والغارة قد بلغُوا الْغَايَة وَكَانَت الدُّنْيَا مَمْلُوءَة من هَذِه الأباطيل فَلَمَّا بعث الله مُحَمَّدًا ﷺ وَقَامَ يَدْعُو الْخلق إِلَى الدّين الْحق

стр. 73

انقلبت الدُّنْيَا من الْبَاطِل إِلَى الْحق وَمن الْكَذِب إِلَى الصدْق وَمن الظلمَة إِلَى النُّور وَبَطلَت هَذِه الكفريات وزالت هَذِه الجهالات فِي أَكثر بِلَاد الْعَالم وَفِي وسط المعمورة وَانْطَلَقت الألسن بتوحيد الله تَعَالَى واستنارت الْقُلُوب بِمَعْرِِفَة الله تَعَالَى وَرجع الْخلق من حب الدُّنْيَا إِلَى حب الْمولى بِقدر الْإِمْكَان وَإِذا كَانَ لَا معنى للنبوة إِلَّا تَكْمِيل الناقصين فِي الْقُوَّة النظرية وَفِي الْقُوَّة العملية ورأينا أَن مَا حصل من هَذَا الْأَثر بِسَبَب مقدم مُحَمَّد ﷺ أكمل وَأكْثر مِمَّا ظهر بِسَبَب مقدم مُوسَى وَعِيسَى عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام علمنَا أَنه كَانَ سيد الْأَنْبِيَاء وقدوة الأصفياء وَهَذِه الطَّرِيقَة عِنْدِي أفضل وأكمل من الطَّرِيقَة الأولى لِأَن هَذَا يجْرِي مجْرى برهَان اللَّهُمَّ لأَنا بحثنا عَن معنى النُّبُوَّة فَعلمنَا أَن مَعْنَاهَا أَنه شخص بلغ فِي الْكَمَال فِي الْقُوَّة النظرية وَفِي الْقُوَّة العملية إِلَى حَيْثُ يقدر على معالجة النَّاقِص فِي هَاتين القوتين وَعلمنَا أَن مُحَمَّدًا ﷺ كَانَ أكمل الْبشر فِي هَذَا الْمَعْنى فَوَجَبَ كَونه أفضل الْأَنْبِيَاء وَأما الطَّرِيق الأول فَإِنَّهُ يجْرِي مجْرى برهَان الْآن فَإنَّا نستدل بِحُصُول المعجزات على كَونه نَبيا وَهُوَ يجْرِي مجْرى الِاسْتِدْلَال بأثر من آثَار الشَّيْء على وجوده وَلَا شكّ أَن برهَان اللم أقوى من برهَان الْآن وَالله أعلم الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة المنكرون للنبوات طعنوا فِي المعجزات من ثَلَاثَة أوجه الأول قَالُوا لم قُلْتُمْ بِأَن هَذِه المعجزات فعل الله تَعَالَى وخلقه وَبَيَان هَذَا السُّؤَال من وُجُوه أَحدهَا أَن الْإِنْسَان إِمَّا أَن يكون عبارَة عَن النَّفس أَو عَن هَذَا الْبدن فَإِن كَانَ عبارَة عَن النَّفس فَلم لَا يجوز أَن يُقَال إِن نفس ذَلِك الرَّسُول كَانَت

стр. 74

مُخَالفَة لنفوس سَائِر الْخلق وَلأَجل خُصُوصِيَّة نَفسه قدر على الْإِتْيَان بِمَا لم يَأْتِ بِهِ غَيره وَإِن كَانَ عبارَة عَن الْبدن فَلم لَا يجوز أَن يُقَال إِنَّه اخْتصَّ بمزاج خَاص ولأجله قدر على الْإِتْيَان بِمَا لم يَأْتِ بِهِ غَيره الثَّانِي لَا شكّ أَن للأدوية آثارا عَجِيبَة فَلم لَا يجوز أَن يُقَال إِنَّه وجد دَوَاء وَقدر بواسطته على مَا لم يقدر عَلَيْهِ غَيره وَالثَّالِث أَن الْأَنْبِيَاء أقرُّوا بِثُبُوت الْجِنّ وَالشَّيَاطِين فَهَب أَنه لم يثبت بِالدَّلِيلِ وجودهم إِلَّا أَن احْتِمَال وجودهم قَائِم فَلم لَا يجوز أَن يُقَال إِن الْجِنّ وَالشَّيَاطِين هِيَ الَّتِي أَتَت بِهَذِهِ الْعَجَائِب والغرائب أَلَيْسَ إِن النَّاس يَقُولُونَ إِن الْجِنّ تدخل فِي بَاطِن بدن المصروع وتتكلم فَهُنَا لم لَا يجوز أَن يُقَال الذِّئْب إِنَّمَا تكلم بِهَذَا الطَّرِيق والناقة إِنَّمَا تَكَلَّمت مَعَ الرَّسُول بِهَذَا الطَّرِيق والجذع إِنَّمَا حن بِهَذَا الطَّرِيق وَكَذَا القَوْل فِي الْبَوَاقِي الرَّابِع أَلَيْسَ أَن المنجمين والصائبة اتَّفقُوا على أَن الأفلاك وَالْكَوَاكِب أَحيَاء ناطقة وهب أَنه لم يثبت ذَلِك بِالدَّلِيلِ إِلَّا أَن الِاحْتِمَال قَائِم فعلى هَذَا التَّقْدِير لم لَا يجوز أَن يُقَال الْفَاعِل لهَذِهِ المعجزات هُوَ الأفلاك وَالْكَوَاكِب الْخَامِس أَلَيْسَ أَن المنجمين أطبقوا على أَن لسهم السَّعَادَة أثرا فِي الْقُدْرَة على الْأَفْعَال العجيبة ولسهم الْغَيْب أثرا فِي الْقُدْرَة على الْإِخْبَار عَن الغيوب فعلى تَقْدِير أَن يكون الَّذِي قَالُوهُ حَقًا لم لَا يجوز أَن يُقَال إِنَّه اتّفق لَهُم فِي سهم السَّعَادَة وَفِي سهم الْغَيْب قُوَّة عَظِيمَة وَلأَجل تِلْكَ الْقُوَّة قدرُوا على إتْيَان بالأفعال الغريبة وبالأخبار عَن الغيوب السَّادِس أَلَيْسَ أَن المنجمين أطْلقُوا على أَن للقرانات فِي هَذِه الْأَبْوَاب آثارا عَظِيمَة فَلم لَا يجوز أَن تكون المعجزات من هَذِه الْأَبْوَاب

стр. 75

السَّابِع أَلَيْسَ أَن المنجمين أطبقوا على أَن للكواكب الثَّابِتَة آثارا عَظِيمَة بَالِغَة عَجِيبَة فِي السَّعَادَة والنحوسة فَلم لَا يجوز أَن تكون أَحْوَالهم من هَذِه الْأَبْوَاب الثَّامِن أَلَيْسَ أَن الفلاسفة أطبقوا على تَأْثِير الْعُقُول والنفوس فَلم لَا يجوز أَن يكون موجد هَذِه المعجزات هُوَ هَذِه الْعُقُول والنفوس التَّاسِع أَلَيْسَ أَن مُحَمَّدًا وَسَائِر الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام أقرُّوا بِأَن هَذَا الْقُرْآن وَسَائِر الْكتب إِنَّمَا وصلت إِلَيْهِم بِوَاسِطَة الْملك فَنَقُول قبل الدَّلِيل يلْزم أَن يكون ذَلِك الْملك غير مَعْصُوم بل يكون آتِيَا بِالْفِعْلِ الْقَبِيح إِلَّا أَنا بِشَهَادَة الْأَنْبِيَاء علمنَا كَون ذَلِك الْملك مَعْصُوما وعَلى هَذَا تتَوَقَّف صِحَة نبوة الْأَنْبِيَاء على عصمَة الْملك وتتوقف عصمَة الْملك على صِحَة نبوتهم وَذَلِكَ دور وَهُوَ بَاطِل والعاشر أَلَيْسَ أَن الْأَنْبِيَاء اتَّفقُوا على إِثْبَات روح مَوْصُوف بالخبث فِي غَايَة والشدة وَهُوَ إِبْلِيس فَلم لَا يجوز أَن يكون الَّذِي أَعَانَهُ على تِلْكَ الْأَعْمَال هُوَ إِبْلِيس وَلَا يُقَال إِن مُحَمَّدًا ﷺ دينه لعن إِبْلِيس فَكيف يُعينهُ إِبْلِيس لأَنا نقُول إِن المكار الْخَبيث قد يرضى بشتم نَفسه ليتوصل بِهِ إِلَى ترويج خبثه فَهَذِهِ احتمالات عشرَة فِي بَيَان أَنه لم يثبت بِالدَّلِيلِ أَن فَاعل المعجزات هُوَ الله تَعَالَى الْمقَام الثَّانِي إِن سلمنَا أَن فاعلها هُوَ الله تَعَالَى فَلم قُلْتُمْ إِنَّه تَعَالَى فعلهَا لأجل التَّصْدِيق وَتَقْرِيره وَهُوَ أَن النَّاس مذهبين أَحدهمَا أَن أَفعَال الله تَعَالَى وَأَحْكَامه غير معللة بِشَيْء من الْأَغْرَاض والدواعي وَالثَّانِي أَن أَفعاله مَوْقُوفَة على الدَّوَاعِي

стр. 76

أما الأول فَهُوَ قَول أهل السّنة فعلى هَذَا التَّقْدِير يمْتَنع أَن يُقَال إِنَّه تَعَالَى يفعل شَيْئا لأجل شَيْء فَكيف يُقَال مَعَ هَذَا الْمَذْهَب إِنَّه فعل المعجزات لأجل التَّصْدِيق وَأما الثَّانِي وَهُوَ قَول من يَقُول إِنَّه لَا بُد فِي أَفعَال الله تَعَالَى من الدَّوَاعِي فعلى هَذَا قَول كَيفَ عَرَفْتُمْ أَنه لَا دَاعِي لله تَعَالَى إِلَى خلق هَذِه المعجزات إِلَّا تَصْدِيق هَذَا الْمُدَّعِي وَبَيَانه من وُجُوه أَحدهَا أَن الْعَالم مُحدث فَهَذِهِ الْأُمُور الْمُعْتَادَة قد كَانَت فِي أول حدوثها غير مُعْتَادَة فَلَعَلَّهُ تَعَالَى فعل هَذِه المعجزات لتصير ابْتِدَاء عَادَة وَالثَّانِي لَعَلَّه بعد تكَرر عَادَة متطاولة لِأَن فلك العروج يتم دورته فِي كل سِتَّة وَثَلَاثِينَ ألف سنة مرّة وَاحِدَة على هَذَا فَتكون عَادَته أَنه يصل إِلَى النقطة الْمعينَة فِي كل سِتَّة وَثَلَاثِينَ ألف سنة مرّة وَاحِدَة فَهَذَا وَإِن كَانَ لَا يحصل إِلَّا فِي هَذِه الْمدَّة الطَّوِيلَة إِلَّا أَنه عَادَة وَالثَّالِث لَعَلَّه تَعَالَى خلق هَذَا المعجز معْجزَة لنَبِيّ آخر فِي طرف من أَطْرَاف الْعَالم أَو كَرَامَة لوَلِيّ أَو معْجزَة لملك من الْمَلَائِكَة فِي السَّمَوَات أَو معْجزَة أَو كَرَامَة لوَاحِد من الْخلق الساكنين فِي الْهَوَاء أَو فِي الْبحار وكل ذَلِك مُحْتَمل الرَّابِع لَعَلَّه تَعَالَى أظهر هَذِه المعجزة على هَذَا الْمُدَّعِي مَعَ كَونه كَاذِبًا حَتَّى تشتد الشُّبْهَة وتقوي البلية ثمَّ إِن الْمُكَلف إِن احْتَرز عَنهُ مَعَ قُوَّة الشُّبْهَة فَإِنَّهُ يسْتَحق الثَّوَاب الْعَظِيم وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي حسن إِنْزَال المتشابهات فَثَبت أَن على كل هَذِه التقديرات لَا تدل المعجزة على صدق الْمُدَّعِي ثمَّ إِنَّا نختم هَذَا الْفَصْل بسؤال آخر فَنَقُول الْفِعْل إِمَّا أَن يتَوَقَّف على الدَّاعِي أَو لَا يتَوَقَّف فَإِن كَانَ الأول فَحِينَئِذٍ يتَوَقَّف صُدُور الْفِعْل من

стр. 77

العَبْد على دَاعِيَة خلقهَا الله تَعَالَى فِيهِ وعَلى هَذَا التَّقْدِير فَيكون فعل الله تَعَالَى مُوجبا لفعل العَبْد وفاعل السَّبَب فَاعل الْمُسَبّب فأفعال الْعباد مخلوقة لله تَعَالَى ومرادة لَهُ وعَلى هَذَا التَّقْدِير يكون خَالق كل القبائح هُوَ الله تَعَالَى فَكيف يمْتَنع مِنْهُ خلق المعجزة على يَد الْكَاذِب وَإِن كَانَ الثَّانِي وَهُوَ أَن الْفِعْل لَا يتَوَقَّف على الدَّاعِي فَحِينَئِذٍ يَصح من الله تَعَالَى أَن يخلق هَذِه المعجزة لَا لغَرَض أصلا وَحِينَئِذٍ تخرج المعجزة عَن كَونهَا دَلِيلا على الصدْق الْمقَام الثَّالِث إِن سلمنَا أَن الله تَعَالَى فعلهَا لأجل تَصْدِيق الْمُدَّعِي فَلم قُلْتُمْ بِأَن كل من صدقه الله تَعَالَى فَهُوَ صَادِق وَهَذَا إِنَّمَا يتم إِذا ثَبت أَن الْكَذِب على الله تَعَالَى محَال فَإِذا نفيتم الْحسن والقبح فِي أَفعَال الله تَعَالَى فَكيف تعرفُون امْتنَاع الْكَذِب عَلَيْهِ تَعَالَى الله عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ علوا كَبِيرا وَاعْلَم أَن الْجَواب عَن الْمقَام الأول مَا بَينا فِي بَاب الصِّفَات أَنه لَا مُؤثر إِلَّا قدرَة الله تَعَالَى وَحِينَئِذٍ تبطل الِاحْتِمَالَات الْعشْرَة الْمَذْكُورَة والمعتزلة لما قَالُوا بِأَن العَبْد موجد فقد بَطل عَلَيْهِم هَذَا الطَّرِيق وَعَن الْمقَام الثَّانِي وَالثَّالِث أَنه قد يكون الشَّيْء جَائِزا فِي نَفسه مَعَ أَن الْعلم الضَّرُورِيّ يكون حَاصِلا بِأَنَّهُ لَا يَقع أَلا ترى أَن حُدُوث شخص فِي هَذِه الْحَالة مَعَ صفة الشيخوخة جَائِز مَعَ أَنا نقطع أَنه لم يُوجد وَإِذا رَأينَا إنْسَانا ثمَّ غبنا عَنهُ ثمَّ رَأَيْنَاهُ ثَانِيًا جَوَّزنَا أَن الله تَعَالَى أعدم الرجل الأول وأوجد ثَانِيًا مثله فِي الصُّورَة والخلقة وَمَعَ هَذَا التجويز نقطع أَنه لم يُوجد هَذَا الْمَعْنى فَكَذَلِك هَهُنَا مَا ذكرتموه من الِاحْتِمَالَات قَائِم إِلَّا أَنه تَعَالَى أودع فِي عقولنا علما ضَرُورِيًّا وَهُوَ أَنا مَتى اعتقدنا أَن هَذِه المعجزات خلقهَا الله تَعَالَى عقيب دَعْوَى هَذَا الْمُدَّعِي فَإنَّا نعلم بِالضَّرُورَةِ أَنه تَعَالَى إِنَّمَا خلقهَا ليدل على تَصْدِيق دَعْوَى ذَلِك الْقَائِل أَلا ترى أَن قوم مُوسَى لما

стр. 78

أَنْكَرُوا نبوته فَالله تَعَالَى ظلل الْجَبَل عَلَيْهِم فَكلما هموا بالمخالفة قرب الْجَبَل مِنْهُم وَصَارَ بِحَيْثُ يَقع عَلَيْهِم وَكلما هموا بِالطَّاعَةِ وَالْإِيمَان تبَاعد الْجَبَل عَنْهُم فَكل من أنصف علم أَن كل من رأى هَذِه الْحَالة علم بِالضَّرُورَةِ أَن ذَلِك يدل على التَّصْدِيق فَهَذَا هُوَ الْجَواب الْمُعْتَمد فِي هَذَا الْبَاب وَمَتى ضممت إِلَى هَذِه الطَّرِيقَة مَا قَرَّرْنَاهُ فِي الطَّرِيقَة الثَّانِيَة بلغ الْمَجْمُوع مبلغا كَافِيا فِي إِثْبَات الْمَطْلُوب الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة فِي أَن الْأَنْبِيَاء أفضل من الْأَوْلِيَاء وَيدل عَلَيْهِ النَّقْل وَالْعقل أما النَّقْل فقلوه ﷺ فِي أبي بكر ﵁ وَالله مَا طلعت الشَّمْس وَلَا غربت بعد النَّبِيين أفضل من أبي بكر فَهَذَا يدل على أَن أَبَا بكر ﵁ أفضل من كل من لَيْسَ بِنَبِي وَأَنه دون من كَانَ نَبيا وَهَذَا يَقْتَضِي أَن تكون الْأَنْبِيَاء أفضل وأرجح حَالا من غَيرهم وَأما الْعقل فَهُوَ أَن الْوَالِي هُوَ الْكَامِل فِي ذَاته فَقَط وَالنَّبِيّ هُوَ الَّذِي يكون كَامِلا ومكملا وَمَعْلُوم أَن الثَّانِي أفضل من الأول فَإِن ادّعى بعض الجهلة أَنِّي كملت طَائِفَة من الناقصين فَلْينْظر فِي أَن أَصْحَابه أَكثر عددا وفضيلة أم أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ فَإِن رأى قومه بِالنِّسْبَةِ إِلَى قوم مُحَمَّد ﷺ فِي الْعدَد والفضيلة كالقطرة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْبَحْر علم حِينَئِذٍ أَنه عدم بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة الْمُخْتَار عِنْدِي أَن الْملك أفضل من الْبشر وَيدل عَلَيْهِ وُجُوه أَحدهَا أَنه تَعَالَى لما أَرَادَ أَن يُقرر عِنْد الْخلق عَظمته اسْتدلَّ بِكَوْنِهِ إِلَهًا لِلسَّمَوَاتِ وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا فَقَالَ فِي سُورَة عَم رب السَّمَوَات

стр. 79

وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا الرَّحْمَن لَا يملكُونَ مِنْهُ خطابا) ثمَّ إِنَّه لما أَرَادَ الزِّيَادَة فِي تَقْرِير هَذَا الْمَعْنى قَالَ بعده ﴿يَوْم يقوم الرّوح وَالْمَلَائِكَة صفا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا من أذن لَهُ الرَّحْمَن وَقَالَ صَوَابا﴾ وَلَوْلَا أَن الْمَلَائِكَة أعظم الْمَخْلُوقَات دَرَجَة وَإِلَّا لما صَحَّ هَذَا التَّرْتِيب الثَّانِي أَنه تَعَالَى قَالَ ﴿والمؤمنون كل آمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله﴾ وَهَذَا هُوَ التَّرْتِيب الصَّحِيح لِأَن الْإِلَه هُوَ الْمَوْجُود الْأَشْرَف ويتلوه فِي دَرَجَته الْمَلَائِكَة ثمَّ إِن الْملك يَأْخُذ الْكتاب من الله تَعَالَى ويوصله إِلَى الرَّسُول وَهَذَا يَقْتَضِي أَن يكون التَّرْتِيب هَكَذَا الْإِلَه وَالْملك وَالْكتاب وَالرَّسُول وَهَذَا هُوَ التَّرْتِيب الْمَذْكُور فِي الْقُرْآن وَهُوَ يدل على شرف الْملك على الْبشر الثَّالِث أَن الْمَلَائِكَة جَوَاهِر مُقَدَّسَة عَن ظلمات الشَّهَوَات وكدورات الْغَضَب قطعا وطعامهم التَّسْبِيح وشرابهم التهليل وَالتَّقْدِيس وأنسهم بِذكر الله تَعَالَى وفرحهم بعبودية الله تَعَالَى فَكيف يُمكن مناسبتهم بالموصوف بالشهوة وَالْغَضَب الرَّابِع أَن الأفلاك تجْرِي مجْرى الْأَبدَان للْمَلَائكَة وَالْكَوَاكِب تجْرِي مجْرى الْقُلُوب وَنسبَة الْبدن إِلَى الْبدن وَالْقلب إِلَى الْقلب كنسبة الرّوح إِلَى الرّوح فِي الْإِشْرَاق والصفاء الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة فِي إِثْبَات وجوب عصمَة الْأَنْبِيَاء ﵈ فِي وَقت الرسَالَة وَيدل عَلَيْهِ وُجُوه أَحدهَا أَن كل من كَانَت نعْمَة الله تَعَالَى عَلَيْهِ أَكثر كَانَ صُدُور الذَّنب مِنْهُ أقبح وأفحش ونعمة الله تَعَالَى على الْأَنْبِيَاء أَكثر فَوَجَبَ أَن تكون ذنوبهم أقبح وأفحش من ذنُوب كل الْأمة وَأَن يستحقوا من الزّجر

стр. 80

والتوبيخ فَوق مَا يسْتَحقّهُ جَمِيع عصاة الْأمة وَهَذَا بَاطِل فَذَاك بَاطِل الثَّانِي أَنه لَو صدر الذَّنب مِنْهُ لَكَانَ فَاسِقًا وَلَو كَانَ فَاسِقًا لوَجَبَ أَن لَا تقبل شَهَادَته لقَوْله تَعَالَى ﴿إِن جَاءَكُم فَاسق بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ وَإِذا لم تقبل شَهَادَته فِي هَذِه الْأَشْيَاء الحقيرة فبأن لَا تقبل فِي إِثْبَات الْأَدْيَان الْبَاقِيَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة كَانَ أولى وَهَذَا بَاطِل فَذَاك بَاطِل الثَّالِث أَنه تَعَالَى قَالَ فِي حق مُحَمَّد ﷺ فَاتَّبعُوهُ لَعَلَّكُمْ تفلحون وَقَالَ تَعَالَى ﴿قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله﴾ فَلَو أَنِّي بالمعصية لوَجَبَ علينا بِحكم هَذِه النُّصُوص مُتَابَعَته فِي فعل ذَلِك الذَّنب وَهَذَا بَاطِل فَذَاك بَاطِل وَأما جَمِيع الْآيَات الْوَارِدَة فِي هَذَا الْبَاب فإمَّا أَن تحمل على ترك الْأَفْضَل أَو إِن ثَبت كَونه مَعْصِيّة لَا محَالة فَذَلِك إِنَّمَا وَقع قبل النُّبُوَّة الْمَسْأَلَة السَّادِسَة فِي أَن نَبينَا أفضل من سَائِر الْأَنْبِيَاء ﵈ وَيدل عَلَيْهِ النَّقْل وَالْعقل أما النَّقْل فَهُوَ أَنه تَعَالَى وصف الْأَنْبِيَاء بالأوصاف الحميدة ثمَّ قَالَ لمُحَمد ﷺ ﴿أُولَئِكَ الَّذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ أمره بِأَن يَقْتَدِي بهم بأسرهم فَيكون آتِيَا بِهِ وَإِلَّا يكون تَارِكًا لِلْأَمْرِ وتارك الْأَمر عَاص وَقد بَينا أَنه لَيْسَ كَذَلِك وَإِذا أَتَى بِجَمِيعِ مَا أَتَوا بِهِ من الْخِصَال الحميدة فقد اجْتمع فِيهِ مَا كَانَ مُتَفَرقًا فيهم فَيكون أفضل مِنْهُم وَأما الْعقل فَهُوَ أَن دَعوته بِالتَّوْحِيدِ وَالْعِبَادَة وصلت إِلَى أَكثر بِلَاد الْعَالم بِخِلَاف سَائِر الْأَنْبِيَاء ﵈ أما مُوسَى ﵊ فَكَانَت دَعوته مَقْصُورَة على بني إِسْرَائِيل وهم بِالنِّسْبَةِ إِلَى أمة مُحَمَّد ﷺ كالقطرة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْبَحْر

стр. 81

وَأما عِيسَى ﵊ فالدعوة الحقة الَّتِي جَاءَ بهَا مَا بقيت الْبَتَّةَ وَهَذَا الَّذِي يَقُوله هَؤُلَاءِ النَّصَارَى فَهُوَ الْجَهْل الْمَحْض وَالْكفْر الصّرْف وَالْكذب الصراح فَظهر أَن انْتِفَاع أهل الدُّنْيَا بدعوة مُحَمَّد ﷺ أكمل من انْتِفَاع سَائِر الْأُمَم بدعوة سَائِر الْأَنْبِيَاء ﵈ فَوَجَبَ أَن يكون مُحَمَّد ﷺ أفضل من سَائِر الْأَنْبِيَاء ﵈ الْمَسْأَلَة السَّابِعَة الْحق أَن مُحَمَّدًا ﷺ قبل نزُول الْوَحْي مَا كَانَ على شرع أحد من الْأَنْبِيَاء ﵈ وَذَلِكَ لِأَن الشَّرَائِع السَّابِقَة على شرع عِيسَى ﵊ صَارَت مَنْسُوخَة بشرع عِيسَى ﵊ وَأما شَرِيعَة عِيسَى ﵇ فقد صَارَت مُنْقَطِعَة بِسَبَب أَن الناقلين عِنْدهم النَّصَارَى وهم كفار بِسَبَب القَوْل بالتثليث فَلَا يكون نقلهم حجَّة وَأما الَّذين بقوا على شَرِيعَة عِيسَى ﵇ مَعَ الْبَرَاءَة من التَّثْلِيث فهم قَلِيلُونَ فَلَا يكون نقلهم حجَّة وَإِذا كَانَ كَذَلِك ثَبت أَن مُحَمَّدًا ﷺ مَا كَانَ قبل النُّبُوَّة على شَرِيعَة أحد الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة القَوْل بالمعراج حق أما من مَكَّة إِلَى الْبَيْت الْمُقَدّس فَلقَوْله تَعَالَى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا من الْمَسْجِد الْحَرَام إِلَى الْمَسْجِد الْأَقْصَى﴾ وَأما من الْمَسْجِد الْأَقْصَى إِلَى مَا فَوق السَّمَوَات فَلقَوْله تَعَالَى ﴿لتركبن طبقًا عَن طبق﴾ والْحَدِيث الْمَشْهُور أما استبعاد صعُود شخص من الْبشر إِلَى مَا فَوق السَّمَوَات فَهُوَ بعيد لوجوه شَتَّى

стр. 82

الأول أَنه كَمَا يبعد فِي الْعَادة صعُود الْجِسْم الثقيل إِلَى الْهَوَاء العالي فَكَذَلِك يبعد نزُول الْجِسْم الهوائي إِلَى الأَرْض فَلَو صَحَّ استبعاد صعُود مُحَمَّد ﷺ لصَحَّ استبعاد نزُول جِبْرِيل ﵇ وَذَلِكَ يُوجب إِنْكَار النُّبُوَّة وَالثَّانِي أَنه لما لم يبعد انْتِقَال إِبْلِيس فِي اللحظة الْوَاحِدَة من الْمشرق إِلَى الْمغرب وبالضد فيكف يستبعد ذَلِك من مُحَمَّد ﷺ الثَّالِث أَنه قد صَحَّ فِي الهندسة أَن الْفرس فِي حَال ركضه الشَّديد فِي الْوَقْت الَّذِي يرفع يَده إِلَى أَن يَضَعهَا يَتَحَرَّك الْفلك الْأَعْظَم ثَلَاثَة آلَاف فَرسَخ فَثَبت أَن الْحَرَكَة السريعة إِلَى هَذَا الْحَد مُمكنَة وَالله تَعَالَى قَادر على جَمِيع الممكنات فَكَانَت الشُّبْهَة زائلة الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة مُحَمَّد ﷺ مَبْعُوث إِلَى جَمِيع الْخلق أَن مُحَمَّدًا ﷺ مَبْعُوث إِلَى جَمِيع الْخلق وَقَالَ بعض الْيَهُود إِنَّه مَبْعُوث إِلَى الْعَرَب خَاصَّة وَالدَّلِيل على فَسَاد هَذَا القَوْل أَن هَؤُلَاءِ سلمُوا أَنه رَسُول صَادِق إِلَى الْعَرَب فَوَجَبَ أَن يكون كل مَا يَقُوله حَقًا وَثَبت بالتواتر أَنه كَانَ يَدعِي أَنه رَسُول الله إِلَى كل الْعَالم فَلَو كذبناه فِي ذَلِك لزم التَّنَاقُض وَالله أعلم الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة فِي الطَّرِيق إِلَى معرفَة شَرعه أَنه ﷺ بَقِي فِي الدُّنْيَا إِلَى أَن بلغ أَصْحَابه إِلَى حد التَّوَاتُر الَّذِي يكون قَوْلهم مُفِيدا للْعلم ثمَّ إِنَّهُم بأسرهم نقلوا إِلَى جَمِيع الْخلق أصُول شَرِيعَته فَصَارَت تِلْكَ الْأُصُول مَعْلُومَة وَأما التفاريع فَإِنَّهَا مَعْلُومَة بالطرق المنظمة كأخبار الْآحَاد والاجتهادات وَالله أعلم

стр. 83

الْبَاب الثَّامِن فِي النُّفُوس الناطقة وَفِيه مسَائِل

стр. 84

الْمَسْأَلَة الأولى الصَّحِيح أَن الْإِنْسَان لَيْسَ عبارَة عَن هَذِه الجثة المحسوسة وَيدل عَلَيْهِ وُجُوه أَحدهَا أَن الْإِنْسَان حَال مَا يكون شَدِيد الاهتمام بمهم من الْمُهِمَّات فَإِنَّهُ قد يَقُول قلت كَذَا وَفعلت كَذَا وَأمرت بِكَذَا وَهَذِه الضمائر دَالَّة على نَفسه الْمَخْصُوصَة فَهُوَ فِي هَذِه الْأَحْوَال عَالم بِذَاتِهِ الْمَخْصُوصَة وغافل عَن جَمِيع أَعْضَائِهِ الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة والمعلوم مُغَاير لغير الْمَعْلُوم الثَّانِي أَن جَمِيع أَعْضَائِهِ الظَّاهِرَة والباطنة آخذة فِي الذوبان والانحلال لِأَن البنية مركبة من الْأَعْضَاء الآلية وَهِي مركبة من الْأَعْضَاء البسيطة وَهِي حارة رطبَة والحرارة إِذا أثرت فِي الْجِسْم الرطب أصعدت عَنهُ الأبخرة الْعَظِيمَة فَلهَذَا السَّبَب يحْتَاج الْحَيَوَان إِلَى الْغذَاء ليقوم بدل الْأَجْزَاء المنحلة إِذا ثَبت هَذَا فَنَقُول الْأَجْزَاء والأعضاء كلهَا فِي التبدل وَالنَّفس الْمَخْصُوصَة الَّتِي لكل أحد وَاحِدَة بَاقِيَة من أول الْعُمر إِلَى آخِره وَالْبَاقِي غير مَا هُوَ غير الْبَاقِي فَالنَّفْس غير هَذِه البنية

стр. 85

الثَّالِث أَن الْإِنْسَان إِذا رأى لون شَيْء علم بضرورة الْعقل أَن طعمه كَذَا وَكَذَا وَالْقَاضِي على الشَّيْئَيْنِ لَا بُد وَأَن يحضرهُ الْمقْضِي عَلَيْهِمَا فههنا شَيْء وَاحِد وَهُوَ الْمدْرك لجَمِيع المحسوسات المدركة بالحواس الظَّاهِرَة وَأَيْضًا إِذا تخيلنا صُورَة ثمَّ رأيناها حكمنَا بِأَن هَذِه الصُّورَة المرئية صُورَة ذَلِك المخيل فَلَا بُد من شَيْء وَاحِد يكون مدْركا لهَذِهِ الصُّورَة المبصرة ولتلك الصُّورَة المتخيلة لَان القَاضِي على الشَّيْئَيْنِ لَا بُد وَأَن يحضرهُ الْمقْضِي عَلَيْهِمَا وَأَيْضًا إِذا تخيلنا صورا مَخْصُوصَة وأدركنا مَعَاني مَخْصُوصَة كالعداوة والصداقة فَإنَّا نركب بَين هَذِه الصُّور وَبَين هَذِه الْمعَانِي فَوَجَبَ حُصُول شَيْء وَاحِد يكون مدْركا للصور والمعاني حَتَّى يقدر على تركيب بَعْضهَا لبَعض وَإِلَّا لَكَانَ الْحَاكِم بِشَيْء على شَيْء غير مدرك لَهما وَهُوَ محَال وَأَيْضًا إِذا رَأينَا هَذَا الْإِنْسَان علمنَا أَنه إِنْسَان وَأَنه لَيْسَ بفرس فالحاكم على هَذَا الجزئي بذلك الْكُلِّي وَجب أَن يكون مدْركا لَهما فَثَبت بِهَذِهِ الْبَرَاهِين أَنه لَا بُد وَأَن يحصل فِي الْإِنْسَان شَيْء وَاحِد يكون هُوَ الْمدْرك لجَمِيع المدركات بِجَمِيعِ أَنْوَاع الإدراكات وَأَيْضًا إِن الْفِعْل الصَّادِر عَن الْإِنْسَان فعل اخْتِيَاري وَالْفِعْل الِاخْتِيَارِيّ عبارَة عَمَّا إِذا اعْتقد فِي شَيْء كَونه زَائِد النَّفْع فيتولد عَن ذَلِك الِاعْتِقَاد ميل فيضم ذَلِك الْميل إِلَى أصل الْقُدْرَة فيصبر مَجْمُوع ذَلِك الْميل مَعَ تِلْكَ الْقُدْرَة مُوجبا وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَهَذَا الْفَاعِل لَا بُد وَأَن يكون مدْركا إِذْ لَو لم يكن مدْركا لما كَانَ هَذَا الْفِعْل اختياريا فَثَبت أَنه حصل فِي الْإِنْسَان شَيْء وَاحِد هُوَ الْمدْرك لكل المدركات بِجَمِيعِ أَنْوَاع الإدراكات وَهُوَ الْفَاعِل لجَمِيع أَنْوَاع الْأَفْعَال وَهَذَا برهَان قَاطع وَإِذا ثَبت هَذَا فَنَقُول ظَاهر أَن مَجْمُوع الْبدن لَيْسَ مَوْصُوفا بِهَذِهِ الصّفة وكل عُضْو من أَعْضَاء الْبدن يشار إِلَيْهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ كَذَلِك فَثَبت أَن

стр. 86

الْإِنْسَان شَيْء آخر سوى هَذَا الْبدن وَسوى هَذِه الْأَعْضَاء الرَّابِع قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا بل أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ﴾ فَهَذَا النَّص يدل على أَن الْإِنْسَان بعد قَتله حَيّ والحس يدل على أَن هَذَا الْجَسَد بعد الْقَتْل ميت فَوَجَبَ أَن يكون الْإِنْسَان مغايرا لهَذَا الْجَسَد الْخَامِس مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ فِي بعض خطبه حَتَّى إِذا حمل الْمَيِّت على نعشه رَفْرَف روحه فَوق النعش وَيَقُول يَا أَهلِي وَيَا وَلَدي لَا تلعبن بكم الدُّنْيَا كَمَا لعبت بِي وَجه الدَّلِيل أَن هَذَا النَّص يدل على أَنه بَقِي جَوْهَر حَيّ نَاطِق بعد موت هَذَا الْبدن وَهَذَا يدل على أَن الْإِنْسَان غير هَذَا الْجَسَد الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة اتّفقت الفلاسفة على أَن النَّفس جَوْهَر لَيْسَ بجسم وَلَا بجسماني وَهَذَا عِنْدِي بَاطِل وَالدَّلِيل عَلَيْهِ وَهُوَ أَنه لَو كَانَ الْأَمر كَمَا قَالُوا لَكَانَ تصرفها فِي الْبدن لَيْسَ بِآلَة جسمانية لِأَن الْجَوْهَر الْمُجَرّد يمْتَنع أَن يكون لَهُ قرب وَبعد من الْأَجْسَام بل يكون تَأْثِيره فِي الْبدن تَأْثِيرا بمحض الاختراع من غير حُصُول شَيْء من الْآلَات والأدوات وَإِذا كَانَت النَّفس قادرة على تَحْرِيك بعض الْأَجْسَام من غير آلَة وَجب أَن تكون قادرة على تَحْرِيك جَمِيع الْأَجْسَام من غير آلَة لِأَن الْأَجْسَام بأسرها قَابِلَة للحركة وَالنَّفس قادرة على التحريك وَنسبَة ذَاتهَا إِلَى جَمِيع الْأَجْسَام على السوية فَوَجَبَ أَن تكون النَّفس قادرة على تَحْرِيك جَمِيع الْأَجْسَام من غير حَاجَة إِلَى شَيْء من الْآلَات والأدوات وَلما كَانَ هَذَا الثَّانِي بَاطِلا كَانَ الْمُقدم بَاطِلا أما إِذا قُلْنَا إِنَّه جَوْهَر جسماني نوراني شرِيف حَاصِل فِي دَاخل هَذَا الْبدن فَحِينَئِذٍ يُمكن أَن تكون أَفعاله بالآلات الجسدانية

стр. 87

وَاحْتج الرئيس أَبُو عَليّ على كَونهَا مُجَرّدَة بِوُجُوه الأول أَن ذَات الله تَعَالَى لَا تَنْقَسِم فالعلم بِهِ يمْتَنع أَن يكون منقسما فَلَو حل هَذَا الْعلم فِي الْجِسْم لانقسم وَذَلِكَ محَال الثَّانِي أَن الْعُلُوم الْكُلية صور مُجَرّدَة فإمَّا أَن يكون تجردها التجرد الْمَأْخُوذ عَنهُ وَهُوَ بَاطِل لِأَن الْمَأْخُوذ عَنهُ هُوَ الْأَشْخَاص الْجُزْئِيَّة أَو لتجرد الْآخِذ فَحِينَئِذٍ يكون الْآخِذ مُجَردا والأجسام والجسمانيات غير مُجَرّدَة وَالثَّالِث أَن الْقُوَّة الْعَقْلِيَّة تقوى على أَفعَال غير متناهية والقوى الجسمانية لَا تقوى عَلَيْهَا فالقوة الْعَقْلِيَّة لَيست جسمانية وَالْجَوَاب عَن الأول أَن قَوْله أَن مَا يكون صفة للمنقسم يجب أَن يكون منقسما ينْتَقض بالوحدة والنقطة وبالإضافات فَإِن الْأُبُوَّة لَا يُمكن إِنَّه يُقَال إِنَّه قَامَ بِنصْف بدن الْأَب نصفهَا وبثلثه ثلثهَا وَعَن الثَّانِي أَن النَّفس الموصوفة بذلك الْعلم الْكُلِّي نفس جزئية شخصية وَذَلِكَ الْعلم صَار مُقَارنًا لسَائِر الْأَعْرَاض الْحَالة فِي تِلْكَ النَّفس فَإِذا لم تصر هَذِه الْأَشْيَاء مَانِعَة من كَون تِلْكَ الصُّورَة كُلية بذلك لَا يصير كَون ذَلِك الْجَوْهَر جسمانيا مَانِعا من كَون تِلْكَ الصُّورَة كُلية وَعَن الثَّالِث أَن قَوْله الْقُوَّة الجسمانية لَا تقوى على أَفعَال غير متناهية قَول بَاطِل لِأَنَّهُ لَا وَقت يشار إِلَيْهِ إِلَّا وَالْقُوَّة الجسمانية مُمكنَة الْبَقَاء فِيهِ وَمَعَ بَقَائِهَا تكون مُمكنَة التَّأْثِير وَإِلَّا فقد انْتقل الشَّيْء من الْإِمْكَان الذاتي إِلَى الِامْتِنَاع الذاتي وَهُوَ محَال الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة قَالَ أَبُو عَليّ هَذِه النُّفُوس الناطقة حَادِثَة لِأَنَّهَا لَو كَانَت مَوْجُودَة قبل الْأَبدَان فَهِيَ فِي ذَلِك الْوَقْت إِمَّا أَن تكون وَاحِدَة أَو كَثِيرَة فَالْأول محَال لِأَنَّهَا لَو كَانَت وَاحِدَة فَإِذا تكثرت وَجب أَن

стр. 88

يعْدم ذَلِك الَّذِي كَانَ وَاحِدًا وتحدث هَذِه الْكَثْرَة وَالثَّانِي محَال لِأَن حُصُول الامتياز لَيْسَ بالماهية وَلَا بلوازمها لِأَن النُّفُوس الإنسانية متحدة بالنوع وَلَا بالعوارض أَيْضا لِأَن الِاخْتِلَاف بالعوارض إِنَّمَا يكون بِسَبَب الْموَاد ومواد النُّفُوس الْأَبدَان وَقبل الْأَبدَان لَيست الْأَبدَان مَوْجُودَة وَاعْلَم أَن هَذِه الْحجَّة مَبْنِيَّة على أَن النُّفُوس متحدة بالماهية وَلم يذكر فِي تَقْرِيره دَلِيلا وَأَيْضًا فَلم لَا يجوز أَن يُقَال هَذِه النُّفُوس قبل هَذِه الْأَبدَان كَانَت مُتَعَلقَة بأبدان أُخْرَى فَهَذَا الدَّلِيل لَا يَصح إِلَّا بعد إبِْطَال التناسخ وَدَلِيله فِي إبِْطَال التناسخ مَبْنِيّ على حُدُوث النَّفس فَيلْزم الدّور الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة قَالُوا التناسخ محَال لأَنا قد دللنا على أَن النَّفس حَادِثَة وَعلة حدوثها هُوَ الْعقل الفعال وَهُوَ قديم فَلَو لم يكن فيضان هَذِه النُّفُوس عَن الْعقل الفعال مَوْقُوفا على شَرط حَادث لوَجَبَ قدم هَذِه النُّفُوس لأجل قدم علتها وَلما كَانَ ذَلِك بَاطِلا علمنَا أَن فيضانها عَن تِلْكَ الْعلَّة الْقَدِيمَة مَوْقُوف على شَرط حَادث وَذَلِكَ الشَّرْط هُوَ حُدُوث الْأَبدَان فَإِذا حدث الْبدن وَجب أَن تحدث نفس مُتَعَلقَة بِهِ فَلَو تعلّقت نفس أُخْرَى بِهِ على سَبِيل التناسخ لزم تعلق النفسين بِالْبدنِ الْوَاحِد وَهُوَ محَال وَاعْلَم أَنه ظهر أَن دَلِيله فِي نفي التناسخ مَوْقُوف على إِثْبَات كَون النَّفس حَادِثَة فَلَو أثبتنا حُدُوث النُّفُوس بِالْبِنَاءِ على نفس التناسخ لزم الدّور وَأَنه محَال والأقوى فِي نفي التناسخ أَن يُقَال لَو كُنَّا موجودين قبل هَذَا الْبدن لوَجَبَ أَن نَعْرِف أحوالنا فِي تِلْكَ الْأَبدَان كَمَا أَن من مارس ولَايَة بَلْدَة سِنِين كَثِيرَة فَإِنَّهُ يمْتَنع أَن ينساها

стр. 89

الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة قَالُوا النُّفُوس بَاقِيَة بعد فنَاء الْأَبدَان لِأَنَّهَا لَو كَانَت قَابِلَة للعدم لَكَانَ لذَلِك الْقبُول مَحل وَمحله يمْتَنع أَن يكون هُوَ تِلْكَ النَّفس لِأَن الْقَابِل وَاجِب الْبَقَاء عِنْد وجود المقبول وجوهر النَّفس لَا يبْقى بعد فَسَادهَا فَوَجَبَ أَن يكون مَحل ذَلِك الْإِمْكَان جوهرا آخر فَتكون النَّفس مركبة من الهيولي وَالصُّورَة وَحِينَئِذٍ نقُول إِن هيولي النَّفس وَجب قِيَامهَا بذاتها قطعا للتسلسل فَوَجَبَ أَن لَا يَصح الْفساد عَلَيْهِ مَعَ أَنه جَوْهَر مُجَرّد فَيكون قَابلا للصورة الْعَقْلِيَّة وَلَيْسَت النَّفس إِلَّا هَذَا الْجَوْهَر فَيُقَال لَهُم لم لَا يجوز أَن يكون قبُول تِلْكَ الهيولي لتِلْك الصُّورَة الْعَقْلِيَّة كَانَ مَشْرُوطًا بِحُصُول تِلْكَ الصُّورَة فَعِنْدَ فنَاء تِلْكَ الصُّورَة لَا يبْقى ذَلِك الْقبُول الْمَسْأَلَة السَّادِسَة اعْلَم أَن طريقنا فِي بَقَاء النُّفُوس إطباق الْأَنْبِيَاء والأولياء والحكماء عَلَيْهِ ثمَّ إِن هَذَا الْمَعْنى يتَأَكَّد بالإقناعات الْعَقْلِيَّة فَالْأول أَن الْمُوَاظبَة على الْفِكر يُفِيد كَمَال النَّفس ونقصان الْبدن فَلَو كَانَت النَّفس تَمُوت بِمَوْت الْبدن لامتنع أَن يكون الْمُوجب لنُقْصَان الْبدن ولبطلانه سَببا لكَمَال النَّفس وَالثَّانِي أَن عدم النّوم يضعف الْبدن وَيُقَوِّي النَّفس وَهُوَ يدل على مَا قُلْنَاهُ وَالثَّالِث أَن عِنْد الْأَرْبَعين يزْدَاد كَمَال النَّفس ويقوى نُقْصَان الْبدن وَهُوَ يدل على مَا قُلْنَاهُ الرَّابِع أَن عِنْد الرياضات الشَّدِيدَة يحصل للنَّفس كمالات عَظِيمَة

стр. 90

وتلوح لَهَا الْأَنْوَار وتتكشف لَهَا المغيبات مَعَ أَنه يضعف الْبدن جدا وَكلما كَانَ ضعف الْبدن أكمل كَانَت قُوَّة النَّفس أكمل فَهَذِهِ الاعتبارات الْعَقْلِيَّة إِذا انضمت إِلَى أَقْوَال جُمْهُور الْأَنْبِيَاء والحكماء أفادت الْجَزْم بِبَقَاء النَّفس الْمَسْأَلَة السَّابِعَة قَالَ جالينوس النُّفُوس ثَلَاث الشهوانية ومحلها الكبد وَهِي أدنى الْمَرَاتِب والغضبية ومحلها الْقلب وَهِي أوسطها والناطقة ومحلها الدِّمَاغ وَهِي أشرفها وَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ النَّفس وَاحِدَة والشهوة وَالْغَضَب والإدراك صفاتها وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه مَا لم يعْتَقد كَونه لذيذا لَا يصير مشتهيا لَهُ وَمَا لم يعْتَقد كَونه مُؤْذِيًا فَإِنَّهُ لَا يغْضب عَلَيْهِ فَوَجَبَ أَن يكون الَّذِي يَشْتَهِي ويغضب هُوَ الَّذِي أدْرك الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة أَنه لَا يجب فِي كل مَا كَانَ محبوبا أَن يكون محبوبا لشَيْء آخر وَإِلَّا لدار أَو تسلسل بل لَا بُد وَأَن يَنْتَهِي إِلَى مَا يكون محبوبا لذاته فالاستقراء يدل على أَن معرفَة الْكَامِل من حَيْثُ هُوَ كَامِل يُوجب محبته إِذا عرفت هَذَا فَنَقُول جَوْهَر النَّفس إِذا عرف ذَات الله تَعَالَى وَصِفَاته وَكَيْفِيَّة صُدُور أَفعاله عَنهُ وأقسام حكمته فِي تخليق الْعَالم الْأَعْلَى والأسفل صَارَت تِلْكَ الْمعرفَة مُوجبَة للمحبة ثمَّ كَمَا أَن إِدْرَاك النَّفس أشرف الإدراكات وَذَات الله تَعَالَى أشرف المدركات وَجب أَن تكون الْمحبَّة أكمل أَنْوَاع الْمحبَّة والمحب إِذا وصل إِلَى المحبوب كَانَ مِقْدَار لذته بِمِقْدَار محبته وبمقدار وُصُوله إِلَى ذَلِك المحبوب فَهَذَا يَقْتَضِي أَن يكون النَّفس الناطقة إِذا عرفت الله تَعَالَى وتطهرت عَن الْميل إِلَى هَذِه الجسمانيات فَإِنَّهَا بعد الْمَوْت تصل إِلَى لذات عالية وسعادات كَامِلَة وَالله أعلم

стр. 91

الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة فِي مَرَاتِب النُّفُوس اعْلَم أَن النُّفُوس بِحَسب أَحْوَال قوتها النظرية على أَرْبَعَة أَقسَام فأشرفها النُّفُوس الموصوفة بالعلوم القدسية الإلهية وَثَانِيها الَّتِي حصلت لَهَا اعتقادات حقة فِي الإلهيات والمفارقات لَا بِسَبَب الْبُرْهَان اليقيني بل إِمَّا بالإقناعات وَإِمَّا بالتقليد والمرتبة الثَّالِثَة النُّفُوس الخالية عَن الاعتقادات الحقة والباطلة الْمرتبَة الرَّابِعَة النُّفُوس الموصوفة بالاعتقادات الْبَاطِلَة وَأما بِحَسب أَحْوَال قوتها العملية فَهِيَ على أَقسَام ثَلَاثَة أَحدهَا النُّفُوس الموصوفة بالأخلاق الفاضلة وَثَانِيها النُّفُوس الخالية عَن الْأَخْلَاق الفاضلة والأخلاق الردية وَثَالِثهَا النُّفُوس الموصوفة بالأخلاق الردية ورئيسها حب الجسمانيات فَإِن النُّفُوس بعد موت الْبدن يعظم شوقها إِلَى هَذِه الجسمانيات وَلَا يكون لَهَا قدرَة على الْفَوْز بهَا وَلَا يكون لَهَا إلْف لعالم المفارقات فَتبقى تِلْكَ النَّفس كمن نقل عَن مجاورة معشوقة إِلَى مَوضِع ظلماني شَدِيد الظلمَة نَعُوذ بِاللَّه مِنْهَا وَلما كَانَ لَا نِهَايَة لمراتب الْعُلُوم والأخلاق فِي كثرتها وقوتها وطهارتها عَن أضدادها فَكَذَلِك لَا نِهَايَة لأحوال النُّفُوس بعد الْمَوْت الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة الْحق عندنَا أَن النُّفُوس مُخْتَلفَة بِحَسب ماهيتها وجواهرها فَمِنْهَا نفوس نورانية علوِيَّة وَمِنْهَا كثيفة كدرة وَلَا يبعد أَيْضا أَن يُقَال فِي النُّفُوس الناطقة جنس تَحت أَنْوَاع وَتَحْت كل نوع أشخاص لَا يُخَالف بَعْضهَا بَعْضًا إِلَّا فِي الْعدَد وكل نوع مِنْهَا فَهُوَ كَالْوَلَدِ لروح من الْأَرْوَاح السماوية وَهَذَا هُوَ الَّذِي كَانَ يُسَمِّيه أَصْحَاب الطلسمات بالطباع التَّام وَذَلِكَ الْملك هُوَ الَّذِي يتَوَلَّى إصْلَاح أَحْوَال تِلْكَ النُّفُوس تَارَة بالإلهامات وَتارَة بطرِيق النفث فِي الروع ولنقتصر من مبَاحث النُّفُوس الناطقة على هَذَا الْقدر وَالله أعلم بِالصَّوَابِ

стр. 92

الْبَاب التَّاسِع فِي أَحْوَال الْقِيَامَة وَفِيه مسَائِل

стр. 93

الْمَسْأَلَة الأولى إِعَادَة الْمَعْدُوم عندنَا جَائِزَة خلافًا لجمهور الفلاسفة والكرامية وَطَائِفَة من الْمُعْتَزلَة قُلْنَا أَن تِلْكَ الماهيات كَانَت قَابِلَة للوجود وَذَلِكَ الْقبُول من لَوَازِم تِلْكَ الْمَاهِيّة فَوَجَبَ أَن يبْقى ذَلِك الْقبُول بِبَقَاء تِلْكَ الْمَاهِيّة فَإِن قَالُوا إِن ذَلِك الشَّخْص لما عدم امْتنع أَن يحكم عَلَيْهِ حَال عَدمه بِشَيْء من الْأَحْكَام فَامْتنعَ الحكم عَلَيْهِ بِهَذِهِ القابلية فَنَقُول إِن الحكم عَلَيْهِ بامتناع الحكم عَلَيْهِ حكم عَلَيْهِ بِهَذَا الِامْتِنَاع فَلَو لم يكن حَال عَدمه قَابلا لهَذَا الحكم لَكَانَ هَذَا الحكم بَاطِلا وَإِن كَانَ قَابلا للْحكم فَحِينَئِذٍ يسْقط هَذَا السُّؤَال الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة الْأَجْسَام قَابِلَة للعدم لأَنا قد دللنا على أَن الْعَالم مُحدث والمحدث مَا يَصح عَلَيْهِ الْعَدَم وَتلك الصِّحَّة من لَوَازِم الماهيات وَإِلَّا لزم التسلسل فِي صِحَة تِلْكَ الصِّحَّة فَوَجَبَ بَقَاء تِلْكَ الْمَاهِيّة فَثَبت أَنَّهَا قَابِلَة للعدم

стр. 94

الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة القَوْل بحشر الأجساد حق وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن عود ذَلِك الْبدن فِي نَفسه مُمكن وَالله تَعَالَى قَادر على كل الممكنات عَالم بِكُل المعلومات فَكَانَ القَوْل بالحشر مُمكنا فَهَذِهِ مُقَدمَات ثَلَاث الْمُقدمَة الأولى قَوْلنَا إِن عود ذَلِك الْبدن فِي نَفسه مُمكن وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن إِعَادَة الْمَعْدُوم إِمَّا أَن تكون مُمكنَة أَو لَا تكون مُمكنَة فَإِن كَانَت مُمكنَة فالمقصود حَاصِل وَإِن لم تكن مُمكنَة فَنَقُول الدَّلِيل الْعقلِيّ دلّ على أَن الْأَجْسَام تقبل الْعَدَم وَلم يدل على أَنَّهَا تعدم لَا محَالة فَلَمَّا ثَبت بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتر من دين الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام أَن القَوْل بحشر الأجساد حق وَثَبت أَن الْأَجْسَام لَو عدمت لامتنع إِعَادَتهَا كَانَ ذَلِك دَلِيلا قَاطعا على أَنه تَعَالَى لَا يعْدم الأجساد بل يبقيها بِأَعْيَانِهَا وَإِذا كَانَت بَاقِيَة بِأَعْيَانِهَا فَهِيَ قَابِلَة للحياة وَالْعقل وَالْقُدْرَة فَحِينَئِذٍ يَصح أَن عودة ذَلِك الْبدن بِعَيْنِه مُمكنَة وَأما الْمُقدمَة الثَّانِيَة وَهِي قَوْلنَا إِنَّه تَعَالَى قَادر على كل الممكنات فقد دللنا على صِحَّتهَا وَأما الْمُقدمَة الثَّالِثَة وَهِي قَوْلنَا إِن الله تَعَالَى عَالم بِجَمِيعِ الجزئيات فالفائدة فِيهَا أَن يكون الله تَعَالَى قَادِرًا على تَمْيِيز أَجزَاء بدن هَذَا الْإِنْسَان عَن أَجزَاء ذَلِك الْإِنْسَان الآخر فَإِذا ثبتَتْ هَذِه الْمُقدمَات الثَّلَاث فقد ثَبت أَن حشر الأجساد مُمكن وَإِذا ثَبت الْإِمْكَان فَنَقُول إِن الْأَنْبِيَاء ﵈ أخبروا عَن وُقُوعه والصادق إِذا أخبر عَن وُقُوع شَيْء مُمكن الْوُقُوع وَجب الْقطع بِصِحَّتِهِ فَوَجَبَ الْقطع بِصِحَّة الْحَشْر والنشر احْتَجُّوا على إِنْكَاره بِأَن قَالُوا إِذا قتل إِنْسَان واغتذى بِهِ إِنْسَان آخر

стр. 95

فَتلك الْأَجْزَاء إِن ردَّتْ إِلَى بدن هَذَا فقد ضَاعَ ذَلِك وَبِالْعَكْسِ وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فقد بَطل القَوْل بالحشر والنشر وَالْجَوَاب عَنهُ أما على قَوْلنَا إِن الْإِنْسَان جَوْهَر نوراني مشرق فِي دَاخل الْبدن فَكل الإشكالات زائلة وَأما على ظَاهر قَول الْمُتَكَلِّمين فَهُوَ أَن الْإِنْسَان فِيهِ أَجزَاء أَصْلِيَّة وأجزاء فضلية وَالْمُعْتَبر إِعَادَة الْأَجْزَاء الْأَصْلِيَّة لهَذَا الْإِنْسَان ثمَّ أَن الْأَجْزَاء الْأَصْلِيَّة فِي هَذَا الْإِنْسَان أَجزَاء فاضلة لغيره فَزَالَ هَذَا السُّؤَال وَالْمذهب الَّذِي اخترناه قريب من هَذَا الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة ثَوَاب الْقَبْر وعذابه حق لأَنا بَينا أَن الْإِنْسَان جَوْهَر لطيف نوراني سَاكن فِي هَذَا الْبدن فَبعد خراب هَذَا الْبدن إِن كَانَ كَامِلا فِي قُوَّة الْعلم وَالْعَمَل كَانَ فِي الْغِبْطَة والسعادة وَإِن كَانَ نَاقِصا فيهمَا كَانَ فِي الْبلَاء وَالْعَذَاب ثمَّ الْقُرْآن الْقَدِيم يدل عَلَيْهِ أما فِي حق السُّعَدَاء فَقَوله تَعَالَى ﴿وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا بل أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ فرحين بِمَا آتَاهُم الله من فَضله﴾ وَأما فِي حق الأشقياء فَقَوله تَعَالَى ﴿النَّار يعرضون عَلَيْهَا غدوا وعشيا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿أغرقوا فأدخلوا نَارا﴾ الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة الْجنَّة وَالنَّار مخلوقتان أما الْجنَّة فَلقَوْله تَعَالَى فِي صفتهَا ﴿أعدت لِلْمُتقين﴾ وَأما النَّار فَلقَوْله تَعَالَى فِي صفتهَا ﴿فَاتَّقُوا النَّار الَّتِي وقودها النَّاس وَالْحِجَارَة أعدت للْكَافِرِينَ﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَاتَّقوا النَّار الَّتِي أعدت للْكَافِرِينَ﴾

стр. 96

وَاحْتَجُّوا على أَنَّهَا غير مخلوقة بِأَنَّهَا لَو كَانَت مخلوقة الْآن وَجب أَن لَا يَنْقَطِع نعيمها لقَوْله تَعَالَى أكلهَا دَائِم وَيجب عدمهَا يَوْم الْقِيَامَة لقَوْله تَعَالَى كل شَيْء هَالك إِلَّا وَجهه قُلْنَا يحمل قَوْله تَعَالَى أكلهَا دَائِم على مَا يحصل بعد دُخُول الْمُكَلّفين الْجنَّة أَو يدْخل التَّخْصِيص فِي عُمُوم قَوْله كل شَيْء هَالك إِلَّا وَجهه الْمَسْأَلَة السَّادِسَة يجب الْإِيمَان بِأَن الله تَعَالَى يخرب السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنا بَينا أَن الْأَجْسَام كلهَا متماثلة فَكل مَا يَصح على بَعْضهَا يَصح على الْبَاقِي وَذَلِكَ يدل على أَن تخربها وتغيير صفاتها مُمكن وَالنَّص قد ورد بِهِ فَوَجَبَ الْإِقْرَار بِهِ الْمَسْأَلَة السَّابِعَة وزن الْأَعْمَال حق وَيكون المُرَاد مِنْهُ إِمَّا وزن صَحَائِف الْأَعْمَال أَو أَن الله تَعَالَى يظْهر الرجحان فِي كفة الْمِيزَان على وفْق مقادير أَعْمَالهم فِي الْخَيْر وَالشَّر وَكَذَلِكَ إنطاق الْجَوَارِح مُمكن لِأَن البنية لَيست شرطا لوُجُود الْحَيَاة وَالله تَعَالَى قَادر على كل الممكنات وَكَذَا القَوْل فِي الْحَوْض والصراط الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة ثَوَاب أهل الْجنَّة وَعَذَاب أهل النَّار دَائِم وَقَالَ أَبُو الْهُذيْل إِن ذَلِك يَنْتَهِي إِلَى سُكُون دَائِم يُوجب اللَّذَّة لأهل الْجنَّة والألم لأهل النَّار

стр. 97

وَقَالَ جُمْهُور الْمُعْتَزلَة والخوارج إِن الثَّوَاب وَالْعِقَاب يَنْقَطِع وَدَلِيلنَا أَن هَذَا الدَّوَام أَمر مُمكن وَإِلَّا فَيلْزم الِانْتِهَاء إِلَى وَقت ينْتَقل الشَّيْء من الْإِمْكَان الذاتي إِلَى الِامْتِنَاع الذاتي وَهُوَ محَال وَإِذا كَانَ الدَّوَام مُمكنا وَقد أخبر عَنهُ الصَّادِق وَجب الْإِقْرَار بِهِ احْتَجُّوا بِأَنَّهُ تَعَالَى إِن لم يعلم كمية عدد أنفاسهم كَانَ ذَلِك تجهيلا لله تَعَالَى وَإِن كَانَ عَالما بكمياتها كَانَت الْأَعْدَاد متناهية وَالْجَوَاب أَنه تَعَالَى يعلم كل شَيْء كَمَا هُوَ فِي نَفسه فَلَمَّا لم يكن لتِلْك الْحَوَادِث أعداد متناهية امْتنع أَن يعلم كَونهَا متناهية الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة الْعَمَل لَا يكون عِلّة لاسْتِحْقَاق الثَّوَاب خلافًا لمعتزلة الْبَصْرَة لنا وُجُوه الأول لَو وَجب على الله تَعَالَى إِعْطَاء الثَّوَاب فإمَّا أَن يقدر على التّرْك أَو لَا يقدر على التّرْك فَإِن قدر على التّرْك وَجب أَن يصير مُسْتَحقّا للذم مَوْصُوفا بِالنُّقْصَانِ وَهُوَ على الله تَعَالَى محَال وَإِن لم يقدر على التّرْك فَذَلِك قدح فِي كَونه فَاعِلا قَادِرًا مُخْتَارًا الثَّانِي أَن لله تَعَالَى على العَبْد نعما عَظِيمَة وَتلك النعم توجب الشُّكْر وَالطَّاعَة وَلما وَقعت هَذِه الطَّاعَات فِي مُقَابلَة النعم السابغة امْتنع كَونهَا مُوجبَة بعد ذَلِك للثَّواب لِأَن أَدَاء الْوَاجِب لَا يُوجب شَيْئا آخر الثَّالِث أَنا دللنا على أَن فعل العَبْد إِنَّمَا وَقع لِأَن مَجْمُوع الْقُدْرَة مَعَ الدَّاعِي يُوجِبهُ وَهُوَ فعل الله تَعَالَى وفاعل السَّبَب فَاعل للمسبب فَفعل العَبْد يكون فعلا لله تَعَالَى وَفعل الله تَعَالَى لَا يُوجب شَيْئا على الله تَعَالَى

стр. 98

الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة من النَّاس من قَالَ إِن الْوَعيد الْوَارِد فِي الْكتب الإلهية إِنَّمَا جَاءَ للتخويف فَأَما فعل الإيلام فَذَلِك لَا يُوجد وَاحْتج عَلَيْهِ بِوُجُوه الأول أَن ذَلِك الْعقَاب ضَرَر خَال عَن النَّفْع فَيكون قبيحا أما أَنه ضَرَر فَظَاهر وَأما أَنه خَال عَن النَّفْع فَلِأَن ذَلِك النَّفْع يمْتَنع عوده إِلَى الله تَعَالَى لكَونه تَعَالَى منزها عَن المضار وَالْمَنَافِع وَيمْتَنع عوده إِلَى ذَلِك العَبْد المذنب وَهُوَ مَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ وَيمْتَنع عوده إِلَى غَيره لِأَنَّهُ لَا نفع يُرِيد الله إيصاله إِلَى عبد إِلَّا وَهُوَ قَادر على فعله بِدُونِ إيصاله هَذَا الضَّرَر إِلَى هَذَا المعذب وَأَيْضًا فإيصال الضَّرَر إِلَى حَيَوَان لأجل أَن ينْتَفع بِهِ حَيَوَان آخر ظلم فَثَبت أَنه ضَرَر خَال عَن النَّفْع من كل الْوُجُوه وَهَذَا لَا يَلِيق بأرحم الرَّاحِمِينَ الثَّانِي أَن العَبْد يَقُول يَوْم الْقِيَامَة يَا إِلَه الْعَالمين هَذِه الْأَشْيَاء الَّتِي كلفتني بهَا وعصيتك فِيهَا إِن كَانَت خَالِيَة عَن الْحِكْمَة وَالْغَرَض كَانَ التعذيب على تَركهَا لَا يَلِيق بِالرَّحْمَةِ وَإِن كَانَت مُشْتَمِلَة على الْحِكْمَة وَالْغَرَض فَتلك الْحِكْمَة إِن عَادَتْ إِلَيْك فَأَنت مُحْتَاج إِلَى وَإِن كَانَ الْمَقْصُود من تكليفي بهَا عود مَنَافِعهَا إِلَيّ فَلَمَّا تركتهَا فَمَا قصرت إِلَّا فِي حق نَفسِي فَكيف يَلِيق بالحكيم أَن يعذب حَيَوَانا لأجل أَنه قصر فِي حق نَفسه وَيجْرِي هَذَا مجْرى من يَقُول لعَبْدِهِ حصل لنَفسك هَذَا الدانق لتنتفع بِهِ فَإِذا قصر فِيهِ أَخذه الْمولى وَقطع أعضاءه إربا إربا لأجل أَنه قصر فِي تحصل ذَلِك الدانق لنَفسِهِ وَهَذَا بِخِلَاف الْمولى إِذا أَمر عَبده فخالفه فَإِنَّهُ يحسن مِنْهُ عِقَابه وَذَلِكَ لِأَن الْمولى ينْتَفع بذلك الْفِعْل ويضره تَركه فَلَا جرم يحسن مِنْهُ أَن يُعَاقِبهُ على ذَلِك التّرْك وَأما فِي حق الله تَعَالَى فَهَذَا محَال قطعا فَظهر الْفرق وَالثَّالِث أَن جَمِيع أَفعَال العَبْد من مُوجبَات أَفعَال الله تَعَالَى فَكيف يحسن التعذيب مِنْهُ

стр. 99

الْمَسْأَلَة الْحَادِيَة عشرَة مِنْهُم من سلم حسن عَذَاب الْكفَّار إِلَّا أَنه قَالَ إِن الْمُسلمين لَا يُعَذبُونَ لقَوْله تَعَالَى ﴿إِن الخزي الْيَوْم وَالسوء على الْكَافرين﴾ وَلقَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا قد أُوحِي إِلَيْنَا أَن الْعَذَاب على من كذب وَتَوَلَّى﴾ وَلقَوْله تَعَالَى كلما ألقِي فِيهَا فَوْج سَأَلَهُمْ خزنتها ألم يأتكم نَذِير قَالُوا بلَى قد جَاءَنَا نَذِير فكذبنا وَقُلْنَا مَا نزل الله من شَيْء إِن أَنْتُم إِلَّا فِي ضلال كَبِير فدلت هَذِه الْآيَة على أَن كل فَوْج يدْخل النَّار يكون مُكَذبا بِاللَّه وبرسوله فَمن لم يكن كَذَلِك وَجب أَن لَا يدْخل النَّار الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة عشرَة الَّذين سلمُوا أَن الْفَاسِق من أهل الصَّلَاة يدْخل النَّار اخْتلفُوا فَقَالَ أهل السّنة إِن الله تَعَالَى يعْفُو عَن الْبَعْض وَالَّذين يدخلهم النَّار لَا بُد وَأَن يخرجهم مِنْهَا وَقَالَت الْمُعْتَزلَة عَذَاب الْفَاسِق مؤبد لنا وُجُوه الأول قَوْله تَعَالَى إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن شَاءَ وَجه الِاسْتِدْلَال بِهِ أَن تَقْدِير الْآيَة أَن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ تفضلا لِأَنَّهُ يغْفر على سَبِيل الْوُجُوب وَهُوَ مَا إِذا تَابَ عَن الشّرك وَإِذا ثَبت هَذَا وَجب أَن يكون قَوْله ﴿وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾ تفضلا حَتَّى يرجع النَّفْي وَالْإِثْبَات إِلَى شَيْء وَاحِد وَمَعْلُوم أَن غفران صَاحب الصَّغِيرَة وغفران صَاحب الْكَبِيرَة بعد التَّوْبَة وَاجِب عِنْد الْخصم فَلم يبْق إِلَّا حمل الْآيَة على غفران صَاحب الْكَبِيرَة قبل التَّوْبَة وَهُوَ الْمَطْلُوب وَالثَّانِي قَوْله تَعَالَى قل يَا عبَادي الَّذين أَسْرفُوا على أنفسهم لَا

стр. 100

تقنطوا من رَحْمَة الله إِن الله يغْفر الذُّنُوب جَمِيعًا) وَجه الِاسْتِدْلَال أَن قَوْله تَعَالَى يَا عبَادي يَقْتَضِي تَخْصِيص هَذَا الْخطاب بِأَهْل الْإِيمَان فَإِن عَادَة الْقُرْآن جَارِيَة بتخصيص لفظ الْعباد بِالْمُؤْمِنِينَ وَقَوله ﴿يغْفر الذُّنُوب جَمِيعًا﴾ يُفِيد الْقطع بِوُجُود هَذَا الغفران وَعِنْدنَا أَن كل ذَلِك مَحْمُول على الْقطع بِأَن الله تَعَالَى يخرج جَمِيع أهل الْإِيمَان من النَّار الثَّالِث قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن رَبك لذُو مغْفرَة للنَّاس على ظلمهم﴾ أَي حَال ظلمهم وَذَلِكَ يدل على حُصُول الغفران قبل التَّوْبَة الرَّابِع هُوَ أَن الْمُؤمن يسْتَحق بإيمانه وَسَائِر طاعاته الثَّوَاب وَيسْتَحق بِفِسْقِهِ الْعقَاب على قَول الْخصم وَالْقَوْل بِزَوَال اسْتِحْقَاق الثَّوَاب بَاطِل لِأَنَّهُ إِمَّا أَن يحصل على سَبِيل الموازنة أَو لَا على هَذَا الْوَجْه وَالْأول بَاطِل لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَن يُؤثر كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي عدم الآخر فَذَلِك التَّأْثِير إِمَّا أَن يَقع مَعًا أَو على التَّعَاقُب وَالْأول بَاطِل لِأَن الْمُؤثر فِي عدم كل وَاحِد مِنْهُمَا وجود الآخر وَالْعلَّة حَاصِلَة مَعَ الْمَعْلُول فَلَو حصل العدمان مَعًا لحصل الوجدان مَعًا مَعَ ذَيْنك العدمين وَذَلِكَ يُوجب الْجمع بَين النقيضين وَهُوَ محَال وَالثَّانِي وَهُوَ حُصُول هَذَا التَّأْثِير على سَبِيل التَّعَاقُب وَهُوَ محَال أَيْضا لِأَن المغلوب لَا يعود غَالِبا الْبَتَّةَ وَأما القَوْل بِأَنَّهُ الإحباط لَا مَعَ الموازنة فَهَذَا يَقْتَضِي أَن لَا ينْتَفع ذَلِك الْمُؤمن بإيمانه وَلَا بِطَاعَتِهِ الْبَتَّةَ لَا فِي جلب نفع وَلَا فِي دفع ضَرَر وَإنَّهُ ظلم فَثَبت بِمَا ذكرنَا أَن اسْتِحْقَاق الثَّوَاب بَاقٍ مَعَ اسْتِحْقَاق الْعقَاب وَإِذا ثَبت هَذَا وَجب حصولهما فإمَّا أَن يدْخل الْجنَّة مُدَّة ثمَّ ينْتَقل إِلَى النَّار وَهُوَ بَاطِل بالِاتِّفَاقِ وَإِمَّا أَن يدْخل النَّار مُدَّة ثمَّ ينْتَقل إِلَى الْجنَّة وَهُوَ الْحق وَاحْتج الْخصم بعمومات الْوَعيد وَهِي مُعَارضَة بعمومات الْوَعْد وَالتَّرْجِيح لهَذَا الْجَانِب لِأَن المساهلة فِي الْوَعيد كرم وَفِي الْوَعْد لؤم وَاحْتج أَيْضا بقوله تَعَالَى إِن الْأَبْرَار لفي نعيم وَإِن الْفجار لفي

стр. 101

جحيم يصلونها يَوْم الدّين وَمَا هم عَنْهَا بغائبين) وَالْجَوَاب يجب حمل لفظ الْفجار على الْكَامِل فِي الْفُجُور وَهُوَ الْكَافِر تَوْفِيقًا بَين هَذِه الْآيَة وَبَين مَا ذكرنَا من الدَّلَائِل الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة عشرَة القَوْل بشفاعة الرَّسُول ﷺ فِي حق فساق الْأمة حق خلافًا للمعتزلة لنا قَوْله تَعَالَى فِي صفة الْكفَّار ﴿فَمَا تنفعهم شَفَاعَة الشافعين﴾ وتخصيصهم بِهَذِهِ الْحَال يدل على أَن حَال الْمُؤمن بِخِلَافِهِ وَأَيْضًا قَالَ تَعَالَى ﴿واستغفر لذنبك وَلِلْمُؤْمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات﴾ أَمر الله تَعَالَى نبيه ﷺ أَن يسْتَغْفر للمذنب مِنْهُم فَإِذا أَتَى بِهَذَا الاسْتِغْفَار فَالظَّاهِر أَنه يجب أَن يشرفه الله تَعَالَى بالإجابة إِلَيْهِ وَإِذا أَرَادَ ذَلِك وَجب أَن يحصل ذَلِك المُرَاد لقَوْله تَعَالَى ﴿ولسوف يعطيك رَبك فترضى﴾ وَأَيْضًا قَوْله ﷺ (أَعدَدْت شَفَاعَتِي لأهل الْكَبَائِر من أمتِي) وَاعْلَم أَن دَلَائِل الْمُعْتَزلَة فِي نفي الشَّفَاعَة يجب أَن تكون عَامَّة فِي حق الْأَشْخَاص وَفِي حق الْأَوْقَات وَإِلَّا فَلَا يفيدهم مقصودهم ودلائلنا فِي إِثْبَات الشَّفَاعَة مَخْصُوصَة فِي الْأَشْخَاص وَفِي الْأَوْقَات فَإنَّا لَا نثبت الشَّفَاعَة فِي حق الْكل فَثَبت أَن دلائلنا خَاصَّة ودلائلهم عَامَّة وَالْخَاص مقدم على الْعَام الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة عشرَة الْإِيمَان عبارَة عَن الِاعْتِقَاد وَالْقَوْل سَبَب لظُهُوره والأعمال خَارِجَة عَن مُسَمّى الْإِيمَان وَالدَّلِيل عَلَيْهِ وُجُوه الأول أَنه تَعَالَى جعل مَحل الْإِيمَان هُوَ الْقلب لقَوْله تَعَالَى ﴿إِلَّا من أكره وَقَلبه مطمئن بِالْإِيمَان﴾ وَقَالَ تَعَالَى وَلما يدْخل الْإِيمَان فِي

стр. 102

قُلُوبكُمْ) وَقَالَ تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ كتب فِي قُلُوبهم الْإِيمَان﴾ وَمَعْلُوم أَن الْقلب مَحل الِاعْتِقَاد الثَّانِي أَنه كلما ذكر الْإِيمَان عطف الْأَعْمَال الصَّالِحَة عَلَيْهِ والعطف يُوجب التغاير ظَاهرا الثَّالِث أَنه أثبت الْإِيمَان مَعَ الْكَبَائِر فَقَالَ تَعَالَى ﴿الَّذين آمنُوا وَلم يلبسوا إِيمَانهم بظُلْم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كتب عَلَيْكُم الْقصاص فِي الْقَتْلَى﴾ الْآيَة فَسُمي قَاتل النَّفس عمدا عُدْوانًا بِالْمُؤمنِ وَقَالَ تَعَالَى وَإِن طَائِفَتَانِ من الْمُؤمنِينَ اقْتَتَلُوا فأصلحوا بَينهمَا فَإِن بَغت إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى فَقَاتلُوا الَّتِي تبغي حَتَّى تفيء إِلَى أَمر الله فَسُمي الْبَاغِي مُؤمنا وَاحْتج الْمُخَالف بِأَن قَالَ الْأَعْمَال مُسَمَّاة بِالدّينِ لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أمروا إِلَّا ليعبدوا الله مُخلصين لَهُ الدّين حنفَاء ويقيموا الصَّلَاة ويؤتوا الزَّكَاة وَذَلِكَ دين الْقيمَة﴾ وَقَوله ذَلِك عَائِد إِلَى كل مَا تقدم ذكره فَوَجَبَ أَن تكون كلهَا مُسَمّى بِالدّينِ وَالدّين هُوَ الْإِسْلَام لقَوْله تَعَالَى ﴿إِن الدّين عِنْد الله الْإِسْلَام﴾ وَالْإِسْلَام عين الْإِيمَان لِأَن الْإِيمَان لَو كَانَ غير الْإِسْلَام لما كَانَ مَقْبُولًا لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ﴾ وبالإجماع الْإِيمَان مَقْبُول فَثَبت أَن الْأَعْمَال دين وَالدّين الْإِسْلَام وَالْإِسْلَام هُوَ الْإِيمَان فَوَجَبَ كَون الْأَعْمَال دَاخِلَة تَحت اسْم الْإِيمَان وَالْجَوَاب يجب التَّوْفِيق بَين هَذِه الدَّلَائِل بِقدر الْإِمْكَان فَنَقُول الْإِيمَان لَهُ أصل وَله ثَمَرَات وَالْأَصْل هُوَ الِاعْتِقَاد وَأما هَذِه الْأَعْمَال فقد يُطلق لفظ الْإِيمَان عَلَيْهَا كَمَا يُطلق اسْم أصل الشَّيْء على ثمراته

стр. 103

الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة عشرَة الْقَائِلُونَ بِأَن الْأَعْمَال دَاخِلَة تَحت اسْم الْإِيمَان اخْتلفُوا فَقَالَ الشَّافِعِي ﵁ الْفَاسِق لَا يخرج عَن الْإِيمَان وَهَذَا فِي غَايَة الصعوبة لِأَنَّهُ لَو كَانَ الْإِيمَان اسْما لمجموع أُمُور فَعِنْدَ فَوَات بَعْضهَا فقد فَاتَ ذَلِك الْمَجْمُوع فَوَجَبَ أَن لَا يبْقى الْإِيمَان فَأَما الْمُعْتَزلَة والخوارج فقد طردوا الْقيَاس وَقَالُوا الْفَاسِق يخرج عَن الْإِيمَان ثمَّ اخْتلف الْقَائِلُونَ بِهَذَا فَقَالَت الْمُعْتَزلَة إِنَّه يخرج عَن الْإِيمَان وَلَا يدْخل فِي الْكفْر وَهُوَ منزلَة بَين المنزلتين وَقَالَت الْخَوَارِج إِنَّه يدْخل فِي الْكفْر وَاحْتَجُّوا بقوله تَعَالَى ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ﴾ وَهُوَ فِي غَايَة الْبعد الْمَسْأَلَة السَّادِسَة عشرَة كَانَ عبد الله بن مَسْعُود ﵁ يَقُول أَنا مُؤمن إِن شَاءَ الله وَتَبعهُ جمع من عُظَمَاء الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ ﵃ وَهُوَ قَول الشَّافِعِي ﵁ وَأنْكرهُ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه رَحِمهم الله تَعَالَى قَالَت الشَّافِعِيَّة لنا وُجُوه الأول أَنا لَا نحمل هَذَا على الشَّك فِي الْإِيمَان بل على التَّبَرُّك كَقَوْل الله تَعَالَى ﴿لتدخلن الْمَسْجِد الْحَرَام إِن شَاءَ الله آمِنين﴾ وَلَيْسَ المُرَاد مِنْهُ الشَّك لِأَنَّهُ على الله تَعَالَى محَال بل لأجل التَّبَرُّك والتعظيم وَالثَّانِي أَن يحمل على الشَّك لَكِن لَا فِي الْحَال بل فِي الْعَاقِبَة لِأَن الْإِيمَان المنتفع بِهِ هُوَ الْبَاقِي عِنْد الْمَوْت وكل أحد يشك فِي ذَلِك فنسأل الله تَعَالَى إبقاءنا على تِلْكَ الْحَالة وَالثَّالِث أَن الْإِيمَان لما كَانَ عِنْد الشَّافِعِي هُوَ مَجْمُوع الْأُمُور الثَّلَاثَة

стр. 104

وَهِي القَوْل وَالْعَمَل والاعتقاد وَكَانَ حُصُول الشَّك فِي الْعَمَل يَقْتَضِي حُصُول الشَّك فِي أحد أَجزَاء هَذِه الْمَاهِيّة فَيصح الشَّك فِي حُصُول الْإِيمَان وَأما عِنْد أبي حنيفَة ﵁ فَلَمَّا كَانَ الْإِيمَان عبارَة عَن الِاعْتِقَاد الْمُجَرّد لم يكن الشَّك فِي الْعَمَل مُوجبا لوُقُوع الشَّك فِي الْإِيمَان فَظهر أَنه لَيْسَ بَين الْإِمَامَيْنِ ﵄ مُخَالفَة فِي الْمَعْنى الْمَسْأَلَة السَّابِعَة عشرَة اعْلَم أَن الْإِنْسَان إِذا صدر مِنْهُ فعل أَو ترك فَإِنَّهُ يحصل أَولا فِي قلبه اعْتِقَاد أَنه نَافِع أَو ضار ثمَّ يتَوَلَّد من اعْتِقَاد كَونه نَافِعًا ميل إِلَى التَّحْصِيل وَمن اعْتِقَاد كَونه ضارا ميل إِلَى التّرْك ثمَّ تصير الْقُدْرَة مَعَ ذَلِك الْميل مُوجبَة إِمَّا للْفِعْل أَو للترك إِذا ثَبت ذَلِك فالتوبة كَذَلِك فَإِن الرجل إِذا اعْتقد أَن فعل الْمعْصِيَة يُوجب الضَّرَر الْعَظِيم ترَتّب على حُصُول هَذَا الِاعْتِقَاد نفرة عَنهُ ثمَّ إِن تِلْكَ النفرة مُقْتَضى ثَلَاثَة أُمُور فأولها النَّدَم بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا صدر عَنهُ فِي الْمَاضِي الثَّانِي تَركه بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحَال الثَّالِث الْعَزْم على التّرْك بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُسْتَقْبل فَهَذَا هُوَ الْكَلَام فِي حَقِيقَة التَّوْبَة الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة عشرَة التَّوْبَة وَاجِبَة على العَبْد لقَوْله تَعَالَى ﴿تُوبُوا إِلَى الله تَوْبَة نصُوحًا﴾ وَهِي مَقْبُولَة قطعا لقَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي يقبل التَّوْبَة عَن عباده﴾

стр. 105

وَقَالَت الْمُعْتَزلَة يجب قبُولهَا على الله تَعَالَى عقلا وَقَالَ أهل السّنة لَا يجب على الله شَيْء الْبَتَّةَ وَقَالَت الفلاسفة الْمعْصِيَة إِنَّمَا توجب الْعَذَاب من حَيْثُ إِن حب الجسمانيات إِذا بَقِي فِي النَّفس بعد مُفَارقَة الْبدن وَلَا يُمكنهَا الْوُصُول إِلَى المحبوب فَحِينَئِذٍ يعظم الْبلَاء فالتوبة عبارَة عَن اطلَاع النَّفس على قبح هَذِه الجسمانيات وَإِذا حصل هَذَا الِاعْتِقَاد زَالَ الْحبّ وحصلت النفرة فَبعد الْمَوْت لَا يحصل الْعَذَاب بِسَبَب الْعَجز عَن الْوُصُول إِلَيْهَا الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة عشرَة قَالَ الْأَكْثَرُونَ التَّوْبَة عَن بعض الْمعاصِي مَعَ الْإِصْرَار على الْبَعْض صَحِيحَة وَقَالَ أَبُو هِشَام إِنَّهَا لَا تصح حجَّة الْأَوَّلين أَن الْيَهُودِيّ إِذا غضب حَبَّة ثمَّ تَابَ عَن الْيَهُودِيَّة مَعَ الْإِصْرَار على غصب تِلْكَ الْحبَّة أَجمعُوا على أَن تِلْكَ التَّوْبَة صَحِيحَة وَحجَّة أبي هِشَام أَنه لَو تَابَ عَن ذَلِك الْقَبِيح لمُجَرّد قبحه وَجب أَن يَتُوب عَن جَمِيع القبائح وَإِن تَابَ عَنهُ لَا لمُجَرّد قبحه بل لغَرَض آخر لم تصح تَوْبَته وَالْجَوَاب لم لَا يجوز أَن يَتُوب عَن ذَلِك الْقَبِيح لكَونه ذَلِك الْقَبِيح كَمَا أَن الْإِنْسَان قد يَشْتَهِي طَعَاما لَا لعُمُوم كَونه طَعَاما بل لكَونه ذَلِك الطَّعَام وَالله أعلم الْمَسْأَلَة الْعشْرُونَ الْمُخْتَار عندنَا أَنه لَا يكفر أحد من أهل الْقبْلَة إِلَّا بِدَلِيل مُنْفَصِل وَيدل عَلَيْهِ النَّص والمعقول أما النَّص فَقَوله ﷺ (من صلى صَلَاتنَا وَأكل ذبيحتنا واستقبل قبلتنا فَذَلِك الْمُسلم الَّذِي لَهُ ذمَّة الله وَذمَّة رَسُوله فَلَا

стр. 106

تخفروا الله فِي ذمَّته) وَأما الْمَعْقُول فَهُوَ أَن الْعلم بِهَذِهِ الْمسَائِل لَو كَانَ شرطا لصِحَّة الْإِيمَان لَكَانَ يجب أَن لَا يحكم النَّبِي ﷺ بِإِيمَان أحد إِلَّا بعد أَن يسْأَله عَنْهَا وَلما لم يكن كَذَلِك بل كَانَ يحكم بإيمَانهمْ من غير أَن يسألهم عَن هَذِه الْمسَائِل علمنَا أَن الْإِسْلَام لَا يتَوَقَّف عَلَيْهَا بل الْأَقْرَب أَن المجسمة كفار لأَنهم اعتقدوا أَن كل مَا لَا يكون متحيزا وَلَا فِي جِهَة فَلَيْسَ بموجود وَنحن نعتقد أَن كل متحيز فَهُوَ مُحدث وخالقه مَوْجُود لَيْسَ بمتحيز وَلَا فِي جِهَة فالمجسمة نفوا ذَات الشَّيْء الَّذِي هُوَ الْإِلَه فيلزمهم الْكفْر

стр. 107

الْبَاب الْعَاشِر فِي الْإِمَامَة وَفِيه مسَائِل

стр. 108

الْمَسْأَلَة الأولى نصب الإِمَام إِمَّا أَن يُقَال إِنَّه وَاجِب على الْعباد أَو على الله تَعَالَى أَو لَا يجب أصلا أما الَّذين قَالُوا إِنَّه يجب نَصبه على الْعباد ففريقان الأول الَّذين قَالُوا الْعقل لَا يدل على هَذَا الْوُجُوب وَإِنَّمَا الَّذِي يدل عَلَيْهِ السّمع وَهَذَا قَول أهل السّنة وَقَول أَكثر الْمُعْتَزلَة والزيدية وَالثَّانِي الَّذين قَالُوا إِن الْعقل يدل على أَنه يجب علينا نصب الإِمَام وَهُوَ قَول الجاحظ وَأبي الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ وَأما الَّذين قَالُوا إِنَّه يجب على الله تَعَالَى نصب الإِمَام فهم فريقان الأول الشِّيعَة الَّذين قَالُوا إِنَّه يجب على الله تَعَالَى نصب الإِمَام ليعلمنا معرفَة الله وَمَعْرِفَة سَائِر المطالب وَالثَّانِي قَول الاثنا عشرِيَّة الَّذين قَالُوا يجب على الله تَعَالَى نَصبه ليَكُون لطفا لنا فِي فعل الْوَاجِبَات الْعَقْلِيَّة وَفِي ترك القبائح الْعَقْلِيَّة وليكون أَيْضا حَافِظًا للشريعة ومبينا لَهَا

стр. 109

وَأما الَّذين قَالُوا لَا يجب فهم ثَلَاثَة طوائف مِنْهُم من قَالَ إِنَّه يجب نَصبه فِي وَقت السَّلامَة أما فِي وَقت الْحَرْب وَالِاضْطِرَاب فَلَا يجب لِأَنَّهُ رُبمَا صَار نَصبه سَببا لزِيَادَة الشَّرّ وَمِنْهُم من عكس الْأَمر وَمِنْهُم من قَالَ لَا يجب فِي شَيْء من الْأَوْقَات لنا أَن نصب الإِمَام يَقْتَضِي دفع ضَرَر لَا ينْدَفع إِلَّا بِهِ فَيكون وَاجِبا وَبَيَان الأول أَن الْعلم الضَّرُورِيّ حَاصِل بِأَنَّهُ إِذا حصل فِي الْبَلَد رَئِيس قاهر ضَابِط فَإِن حَال الْبَلَد يكون أقرب إِلَى الصّلاح مِمَّا إِذا لم يُوجد هَذَا الرئيس وَبَيَان الثَّانِي أَن دفع الضَّرَر عَن النَّفس لما كَانَ وَاجِبا فَمَا لَا ينْدَفع هَذَا الضَّرَر إِلَّا بِهِ وَجب أَن يكون وَاجِبا فَإِن قَالُوا لَعَلَّ الْقَوْم يستنكفون عَن مُتَابعَة ذَلِك الرئيس فَيَزْدَاد ذَلِك الشَّرّ قُلْنَا هَذَا وَإِن كَانَ مُحْتملا إِلَّا أَنه نَادِر وَالْغَالِب مَا ذَكرْنَاهُ وَالْغَالِب رَاجِح على النَّادِر الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة احْتج الشريف المرتضى بِعَين هَذَا الدَّلِيل فِي وجوب نصب الإِمَام على الله تَعَالَى فَقُلْنَا إِنَّه ضَعِيف وَذَلِكَ لأنكم وَإِن ذكرْتُمْ اشتماله على هَذَا الْوَجْه من الْمَنْفَعَة فَإِنَّهُ لَا يبعد أَيْضا اشتماله على وَجه من وُجُوه الْقبْح وَبِهَذَا التَّقْدِير فَإِنَّهُ يقبح من الله تَعَالَى نَصبه

стр. 110

فَإِن قَالَ فَهَذَا أَيْضا وَارِد عَلَيْكُم قُلْنَا الْفرق بَين الدَّلِيلَيْنِ أَنا لما أَوجَبْنَا نصب الإِمَام على أَنْفُسنَا كفى ظن كَونه مصلحَة فِي وجوب نَصبه علينا لِأَن الظَّن فِي حَقنا يقوم مقَام الْعلم فِي وجوب الْعَمَل فَإِذا علمنَا اشْتِمَال نصب الإِمَام على هَذَا الْوَجْه من الْمصلحَة وَلم نَعْرِف فِيهِ مفْسدَة حصل ظن كَونه مصلحَة فَيصير هَذَا الظَّن سَببا للْوُجُوب فِي حَقنا أما أَنْتُم فتوجبون نصب الإِمَام على الله تَعَالَى فَمَا لم تُقِيمُوا الْبُرْهَان الْقَاطِع على خلوه عَن جَمِيع الْمَفَاسِد لَا يمكنكم إِيجَابه على الله تَعَالَى لِأَن الظَّن لَا يقوم مقَام الْعلم فِي حق الله فَظهر الْفرق وَالله أعلم الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة قَالَت الاثنا عشرِيَّة والشيعة وجوب الْعِصْمَة شَرط لصِحَّة الْإِمَامَة وَقَالَ الْبَاقُونَ لَيْسَ كَذَلِك قُلْنَا أَن الدَّلِيل دلّ على صِحَة إِمَامَة أبي بكر ﵁ مَعَ أَنه مَا كَانَ وَاجِب الْعِصْمَة وَاحْتج الْمُخَالف بِأَن افتقار الرّعية إِلَى الإِمَام إِنَّمَا كَانَ لأجل أَن جَوَاز فعل الْقَبِيح عليم اقْتضى احتياجهم إِلَى الإِمَام فَلَو حصلت هَذِه الْجِهَة فِي حق الإِمَام لزم افتقاره إِلَى إِمَام آخر فَيلْزم إِمَّا الدّور وَإِمَّا التسلسل وَالْجَوَاب أَن بَينا أَن دليلكم فِي وجوب نصب الإِمَام على الله تَعَالَى دَلِيل بَاطِل وَالله أعلم
следующие страницы →