← Акыда

Акыда · id 6372

معالم أصول الدين

الفخر الرازي

Полный текст (120 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

بَاطِل لِأَن الْأَثر التَّام يكون وَاجِب الْوُقُوع وَمَا يجب وُقُوعه اسْتغنى عَن غَيره فكونه مَعَ هَذَا يُغْنِيه عَن ذَلِك وَكَونه مَعَ ذَلِك يُغْنِيه عَن هَذَا فَيلْزم انْقِطَاعه عَنْهُمَا مَعًا حَال استناده إِلَيْهِمَا مَعًا وَهُوَ محَال وَالثَّانِي أَيْضا بَاطِل لِأَن امْتنَاع وُقُوعه بِأَحَدِهِمَا مُعَلل بِوُقُوعِهِ بِالثَّانِي وبالضد فَلَو امْتنع وُقُوعه بهما مَعًا لزم وُقُوعه بهما مَعًا وَهُوَ محَال وَالثَّالِث أَيْضا بَاطِل لِأَنَّهُ لما كَانَ كل وَاحِد مِنْهُمَا سَببا مُسْتقِلّا لم يكن وُقُوعه أَحدهمَا بِأولى من وُقُوعه بِالْآخرِ وَلَا يُمكن أَن يُقَال إِن أَحدهمَا أقوى لِأَنَّهُ لَو صَحَّ هَذَا لَكَانَ الْوُقُوع بقدرة الله تَعَالَى أولى لِأَنَّهَا أقوى وَأَيْضًا فالفعل الْوَاحِد لَا يقبل الْقِسْمَة والبعضية فالتأثير فِيهِ لَا يقبل التَّفَاوُت أَيْضا فَامْتنعَ أَن يُقَال إِن أَحدهمَا أقوى الْمَسْأَلَة السَّابِعَة صانع الْعَالم حَيّ لأَنا قد دللنا على أَنه قَادر عَالم وَلَا معنى للحي إِلَّا الَّذِي يَصح أَن يقدر وَيعلم وَهَذِه الصِّحَّة مَعْنَاهَا نفي الِامْتِنَاع وَمَعْلُوم أَن الِامْتِنَاع صفة عدمية فنفيها يكون نفيا للنَّفْي فَيكون ثبوتا فكونه تَعَالَى حَيا صفة ثَابِتَة الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة أَنه تَعَالَى مُرِيد لأَنا رَأينَا الْحَوَادِث يحدث كل وَاحِد مِنْهَا فِي وَقت خَاص مَعَ جَوَاز حُدُوثه قبله أَو بعده فاختصاصه بذلك الْوَقْت الْمعِين لَا بُد لَهُ من مُخَصص وَذَلِكَ الْمُخَصّص لَيْسَ هُوَ الْقُدْرَة لِأَن الْقُدْرَة تأثيرها فِي الإيجاد وَهَذَا لَا يخْتَلف باخْتلَاف الْأَوْقَات وَلَا الْعلم لِأَن الْعلم يتبع الْمَعْلُوم وَهَذِه الصّفة

стр. 37

مستتبعة وَظَاهر أَن الْحَيَاة والسمع وَالْبَصَر وَالْكَلَام لَا يصلح لذَلِك فَلَا بُد من صفة أُخْرَى وَهِي الْإِرَادَة فَإِن قَالُوا كَمَا أَن الْقُدْرَة صَالِحَة للإيجاد فِي كل الْأَوْقَات فَكَذَلِك الْإِرَادَة صَالِحَة للتخصيص فِي كل الْأَوْقَات فَإِن افْتَقَرت الْقُدْرَة إِلَى مُخَصص زَائِد فلتفتقر الْإِرَادَة إِلَى مُخَصص زَائِد فَنَقُول الْمَفْهُوم من كَونه مُخَصّصا مُغَاير للمفهوم من كَونه مؤثرا فَوَجَبَ التغاير بَين الْقُدْرَة والإرادة الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة أَنا إِذا علمنَا شَيْئا ثمَّ أبصرناه وجدنَا بَين الْحَالَتَيْنِ تَفْرِقَة بديهة وَذَلِكَ يدل على أَن الإبصار وَالسَّمَاع مغايران للْعلم وَقَالَ قوم إِنَّه لَا معنى للرؤية إِلَّا تأثر الحدقة بِسَبَب ارتسام صُورَة المبصر فِيهَا وَلَا معنى للسمع إِلَّا تأثر الصماخ بِسَبَب وُصُول تموج الْهَوَاء إِلَيْهِ وَهَذَا بَاطِل لوجوه أما الأول فلأنا نرى نصف كرة الْعَالم على غَايَة عظمها وانطباع الْعَظِيم فِي الصَّغِير محَال ولأنا نرى الأطوال وَالْعرُوض وارتسام هَذِه الأبعاد فِي نقطة النَّاظر محَال وَأما الثَّانِي فلأنا إِذا سمعنَا صَوتا علمنَا جِهَته وَذَلِكَ يدل على أَنا أدركنا الصَّوْت فِي الْخَارِج ولأنا نسْمع كَلَام الْإِنْسَان من وَرَاء الْجِدَار وَلَو كُنَّا لَا نسْمع الْكَلَام إِلَّا عِنْد وُصُوله إِلَيْنَا وَجب أَن لَا نسْمع الْحُرُوف من وَرَاء الْجِدَار لِأَن ذَلِك التموج لما وصل إِلَى الْجِدَار لم يبْق على شكله الأول فَيثبت بِمَا ذكرنَا أَن الإبصار وَالسَّمَاع نَوْعَانِ من الْإِدْرَاك مغايران للْعلم وَإِذا ثَبت هَذَا فَنَقُول الدَّلَائِل السمعية دَالَّة على كَونه تَعَالَى

стр. 38

سميعا بَصيرًا وَالْعقل أَيْضا يُقَوي ذَلِك لما أَن هذَيْن النَّوْعَيْنِ من الْإِدْرَاك من صِفَات الْكَمَال وَيجب وصف الله تَعَالَى بِكُل الكمالات فَوَجَبَ علينا إِثْبَات هَذِه الصِّفَات إِلَّا أَن نذْكر الْخصم دَلِيلا عقليا يمْنَع من إِجْرَاء هَذِه الْآيَات وَالْأَخْبَار على ظواهرها وَلَكِن ذَلِك مُعَارضَة فَمن ادَّعَاهَا فَعَلَيهِ الْبَيَان الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة أجمع الْأَنْبِيَاء وَالرسل عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام على كَونه تَعَالَى متكلما وَإِثْبَات نبوة الْأَنْبِيَاء لَا تتَوَقَّف على الْعلم بِكَوْنِهِ تَعَالَى متكلما وَحِينَئِذٍ يتم هَذَا الدَّلِيل وَلِأَن كَونه تَعَالَى آمرا وناهيا من صِفَات الْجلَال ونعوت الْكَمَال وَالْعقل يقْضِي إثْبَاته لله تَعَالَى الْمَسْأَلَة الْحَادِيَة عشرَة فِي إِثْبَات أَنه تَعَالَى عَالم وَله علم أهم الْمُهِمَّات فِي هَذِه الْمَسْأَلَة تعْيين مَحل الْبَحْث فَنَقُول إِنَّه من علم شَيْئا فَإِنَّهُ يحصل بَين الْعَالم وَبَين الْمَعْلُوم نِسْبَة مَخْصُوصَة وَتلك النِّسْبَة هِيَ الْمُسَمَّاة بالشعور وَالْعلم والإدراك فَنحْن ندعي أَن هَذِه النِّسْبَة أَمر زَائِد على الذَّات وَمِنْهُم من قَالَ إِن الْعلم صفة حَقِيقِيَّة تَقْتَضِي هَذِه النِّسْبَة وَمِنْهُم من قَالَ الْعلم صفة حَقِيقِيَّة توجب حَالَة أُخْرَى وَهِي العالمية ثمَّ إِن هَذِه العالمية توجب تِلْكَ النِّسْبَة الْخَاصَّة والمتكلمون يسمون هَذِه النِّسْبَة بالتعلق وَأما نَحن فَلَا ندعي إِلَّا ثُبُوت هَذِه النِّسْبَة وَالَّذِي يدل على كَون هَذِه النِّسْبَة زَائِدَة على الذَّات وُجُوه الأول أَنا بعد الْعلم بِذَات نحتاج إِلَى دَلِيل مُنْفَصِل فِي إِثْبَات كَونه قَادِرًا عَالما والمعلوم مُغَاير لما هُوَ غير الْمَعْلُوم

стр. 39

الثَّانِي أَن الْعلم نِسْبَة مَخْصُوصَة وَالْقُدْرَة نِسْبَة أُخْرَى مَخْصُوصَة وَأما الذَّات فَهُوَ مَوْجُود قَائِم بِالنَّفسِ لَيْسَ من قبيل النّسَب والإضافات فَوَجَبَ التغاير الثَّالِث أَنه لَو كَانَ للْعلم نفس الْقُدْرَة لَكَانَ كل مَا كَانَ مَعْلُوما كَانَ مَقْدُورًا وَهُوَ بَاطِل لِأَن الْوَاجِب والممتنع معلومان وَغير مقدورين الرَّابِع أَنا إِذا قُلْنَا الذَّات ثمَّ قُلْنَا الذَّات عَالِمَة فَإنَّا ندرك بِالضَّرُورَةِ التَّفْرِقَة بَين ذَلِك التَّصَوُّر وَبَين ذَلِك التَّصْدِيق وَذَلِكَ يُوجب التغاير احْتَجُّوا بِأَن لَو كَانَ لله تَعَالَى علم لَكَانَ علمه مُتَعَلقا بِعَين مَا يتَعَلَّق بِهِ علمنَا فَوَجَبَ تماثل العلمين فَيلْزم إِمَّا قدمهما مَعًا أَو حدوثهما مَعًا قُلْنَا ينْتَقض بالوجود فَإِنَّهُ من حَيْثُ إِنَّه وجود مَفْهُوم وَاحِد ثمَّ إِن وجود الله تَعَالَى قديم ووجودنا حَادث وَقَالَت الفلاسفة لَو جعلت لَهُ صفة لكَانَتْ تِلْكَ الصّفة مفتقرة إِلَى تِلْكَ الذَّات فَتكون مُمكنَة وَلَا بُد لَهَا من مُؤثر وَذَلِكَ الْمُؤثر هُوَ تِلْكَ الذَّات والقابل أَيْضا هُوَ تِلْكَ الذَّات فالشيء الْوَاحِد يكون قَابلا وفاعلا مَعًا وَهُوَ محَال وَالْجَوَاب أَن هَذَا يشكل بلوازم الماهيات مثل فردية الثَّلَاثَة وزوجية الْأَرْبَعَة فَإِن فاعلها وقابلها لَيْسَ إِلَّا تِلْكَ الماهيات الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة عشرَة هَذِه النِّسْبَة الْمَخْصُوصَة والإضافات الْمَخْصُوصَة الْمُسَمَّاة بِالْقُدْرَةِ وبالعلم لَا شكّ أَنَّهَا أُمُور غير قَائِمَة بأنفسها بل مَا لم تُوجد ذَات قَائِمَة بِنَفسِهَا تكون هَذِه المفهومات صِفَات لَهَا فَإِنَّهُ يمْتَنع وجودهَا إِذا ثَبت هَذَا فَنَقُول إِنَّهَا مفتقرة إِلَى الْغَيْر فَتكون مُمكنَة لذواتها فَلَا

стр. 40

بُد لَهَا من مُؤثر وَلَا مُؤثر إِلَّا ذَات الله تَعَالَى فَتكون تِلْكَ الذَّات الْمَخْصُوصَة مُوجبَة لهَذِهِ النّسَب والإضافات ثمَّ لَا يمْتَنع فِي الْعقل أَن تكون تِلْكَ الذَّات مُوجبَة لَهَا ابْتِدَاء وَلَا مُمْتَنع أَن تكون تِلْكَ الذَّات مُوجبَة لصفات أُخْرَى حَقِيقِيَّة أَو إضافية ثمَّ إِن تِلْكَ الصِّفَات توجب هَذِه النّسَب والإضافات وعقول الْبشر قَاصِرَة عَن الْوُصُول إِلَى هَذِه المضايق الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة عشرَة قَالَت الْمُعْتَزلَة إِن الله تَعَالَى مُرِيد بِإِرَادَة حَادِثَة لَا فِي مَحل وَهَذَا عندنَا بَاطِل لوجوه الأول أَن تِلْكَ الْإِرَادَة لَو كَانَت حَادِثَة لما أمكن إحداثها إِلَّا بِإِرَادَة أُخْرَى وَلزِمَ التسلسل وَهُوَ محَال الثَّانِي أَن تِلْكَ الْإِرَادَة إِذا وجدت لَا فِي مَحل وَذَات الله تَعَالَى قَابِلَة للصفة المريدية وَسَائِر الْأَحْيَاء يقبلُونَ هَذِه المريدية فَلم تكن تِلْكَ الْإِرَادَة بِإِيجَاب المريدية لله تَعَالَى أولى من إِيجَاب المريدية لغير الله تَعَالَى وَعند هَذَا يلْزم توَافق جَمِيع الْأَحْيَاء فِي صفة المريدية وَهُوَ محَال وَلَيْسَ لَهُم أَن يَقُولُوا إِن اختصاصها بِاللَّه أولى لِأَنَّهُ تَعَالَى لَا فِي مَحل وَهَذِه الْإِرَادَة أَيْضا لَا فِي مَحل فَهَذِهِ الْمُنَاسبَة هُنَاكَ أتم لأَنا نقُول كَونه تَعَالَى لَا فِي مَحل قيد عدمي فَلَا يصلح للتأثير فِي هَذَا التَّرْجِيح الثَّالِث أَن تِلْكَ الْإِرَادَة لما أوجبت المريدية لله تَعَالَى فقد حدث لله تَعَالَى صفة المريدية لَكنا قد دللنا على أَن حُدُوث الصّفة فِي ذَات الله تَعَالَى محَال

стр. 41

الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة عشرَة قَالَ قوم من فُقَهَاء مَا وَرَاء النَّهر أَن صفة التخليق مُغَايرَة لصفة الْقُدْرَة وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ لَيْسَ كَذَلِك لنا وُجُوه الأول أَن صفة الْقُدْرَة صفة مُؤثرَة على سَبِيل الصِّحَّة وَصفَة التخليق إِن كَانَت مُؤثرَة على سَبِيل الصِّحَّة أَيْضا كَانَت هَذِه الصّفة غير صفة الْقُدْرَة وَإِن كَانَت مُؤثرَة على سَبِيل الْوُجُوب لزم كَونه تَعَالَى مؤثرا بِالْإِيجَابِ لَا بِالِاخْتِيَارِ وَذَلِكَ بَاطِل وَأَيْضًا فَهُوَ لكَونه مَوْصُوفا بِالْقُدْرَةِ يلْزم أَن يكون تَأْثِيره على سَبِيل الصِّحَّة ولكونه مَوْصُوفا بِهَذِهِ الصّفة يلْزم أَن يكون تَأْثِيره على سَبِيل الْوُجُوب فَيلْزم أَن يكون الْمُؤثر الْوَاحِد مؤثرا على سَبِيل الصِّحَّة وعَلى سَبِيل الْوُجُوب مَعًا وَهُوَ محَال وَأَيْضًا إِن كَانَت الْقُدْرَة صَالِحَة للتأثير لم يمْتَنع وُقُوع الْمَخْلُوقَات بِالْقُدْرَةِ وَحِينَئِذٍ لَا يُمكن الِاسْتِدْلَال بحدوث الْمَخْلُوقَات على هَذِه الصّفة وَإِن لم تكن الْقُدْرَة صَالِحَة للتأثير وَجب أَن لَا تكون الْقُدْرَة قدرَة وَهُوَ محَال وَأَيْضًا فَهَذَا التخليق إِن كَانَ قَدِيما لزم من قدمه قدم الْمَخْلُوق وَإِن كَانَ مُحدثا افْتقر إِلَى خلق آخر وَلزِمَ التسلسل وَاحْتج الْقَائِلُونَ بِإِثْبَات هَذِه الصّفة بِأَن قَالُوا نعلم أَنه تَعَالَى قَادر على خلق الشموس والأقمار الْكَثِيرَة فِي هَذَا الْعَالم لكنه مَا خلقهَا فَصدق هَذَا النَّفْي وَالْإِثْبَات يدل على الْفرق بَين كَونه تَعَالَى قَادِرًا وَبَين كَونه خَالِقًا ثمَّ نقُول هَذَا الْخلق إِمَّا أَن يكون عين الْمَخْلُوق وَإِمَّا أَن يكون صفة قَائِمَة بِذَات الله تَعَالَى تَقْتَضِي وجود هَذَا الْمَخْلُوق وَالْأول بَاطِل لِأَن الْعقل يَقُول إِنَّمَا وجد هَذَا الْمَخْلُوق لِأَن الله تَعَالَى خلقه فيعلل وجود الْمَخْلُوق بتخليق الله تَعَالَى إِيَّاه فَلَو كَانَ هَذَا التخليق عين وجود ذَلِك الْمَخْلُوق لَكَانَ

стр. 42

قَوْلنَا إِنَّمَا وجد ذَلِك الْمَخْلُوق بِإِذن الله تَعَالَى خلقه جَارِيا مجْرى قَوْلنَا إِنَّمَا وجد ذَلِك الْمَخْلُوق لنَفسِهِ وَمَعْلُوم أَنه بَاطِل لِأَنَّهُ لَو وجد لنَفسِهِ لامتنع وجوده بإيجاد الله تَعَالَى وَذَلِكَ يُوجب نفي الصَّانِع وَلِأَنَّهُ كَونه تَعَالَى خَالِقًا صفة لَهُ والمخلوق لَيْسَ صفة وَذَلِكَ يُوجب التغاير وَلما بَطل هَذَا الْقسم ثَبت أَن كَونه تَعَالَى خَالِقًا لذَلِك الْمَخْلُوق مغايرا لذَلِك الْمَخْلُوق وَهَذِه الأبحاث عميقة الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة عشرَة الْكَلَام صفة مُغَايرَة لهَذِهِ الْحُرُوف والأصوات وَالدَّلِيل عَلَيْهِ هُوَ أَن الْأَلْفَاظ الدَّالَّة على الْأَمر مُخْتَلفَة بِحَسب اخْتِلَاف اللُّغَات وَحَقِيقَة الْأَمر مَاهِيَّة وَاحِدَة فَوَجَبَ التغاير وَأَيْضًا اللَّفْظ الَّذِي يُفِيد الْأَمر إِنَّمَا يفِيدهُ لأجل الْوَضع والاصطلاح وَكَون الْأَمر أمرا مَاهِيَّة ذاتية لَا يُمكن تغيرها بِحَسب تغير الأوضاع فَوَجَبَ التغاير فَثَبت أَن الْأَمر مَاهِيَّة قَائِمَة بِالنَّفْيِ يعبر عَنْهَا بالعبارات الْمُخْتَلفَة إِذا ثَبت هَذَا فَنَقُول تِلْكَ الْمَاهِيّة لَيست عبارَة عَن إِرَادَة الْمَأْمُور بِهِ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَمر الْكَافِر بِالْإِيمَان وسنقيم الْبَرَاهِين اليقينية على أَنه تَعَالَى يمْتَنع أَن يُرِيد الْإِيمَان من الْكَافِر فَوَجَدنَا هَهُنَا ثُبُوت الْأَمر بِدُونِ الْإِرَادَة فَوَجَبَ التغاير فَثَبت أَن الْأَمر وَالنَّهْي مَعَاني حَقِيقِيَّة قَائِمَة بنفوس الْمُتَكَلِّمين ويعبر عَنْهَا بِأَلْفَاظ مُخْتَلفَة الْمَسْأَلَة السَّادِسَة عشرَة كَلَام الله تَعَالَى قديم وَيدل عَلَيْهِ الْمَنْقُول والمعقول أما الْمَنْقُول فَقَوله تَعَالَى ﴿لله الْأَمر من قبل وَمن بعد﴾ فَأثْبت الْأَمر لله من قبل جَمِيع الْأَشْيَاء فَلَو كَانَ أَمر الله مخلوقا لزم حُصُول الْأَمر من قبل نَفسه وَهُوَ محَال

стр. 43

وَالثَّانِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر﴾ ميز بَين الْخلق وَبَين الْأَمر فَوَجَبَ أَن لَا يكون الْأَمر دَاخِلا فِي الْخلق وَالثَّالِث مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه كَانَ يَقُول (أعوذ بِكَلِمَات الله بالتمام) والمحدث لَا يكون تَاما وَالرَّابِع أَن الْكَلَام من صِفَات الْكَمَال فَلَو كَانَ مُحدثا لكَانَتْ خَالِيَة عَن صِفَات الْكَمَال قبل حُدُوثه والخالي عَن الْكَمَال نَاقص وَذَلِكَ على الله محَال وَالْخَامِس أَنا بَينا أَن كَونه تَعَالَى آمرا وناهيا من صِفَات الْكَمَال وَلَا يُمكن أَن يكون ذَلِك عين هَذِه الْعبارَات بل لَا بُد وَأَن تكون صِفَات تدل عَلَيْهَا هَذِه الْعبارَات فَلَو كَانَت تِلْكَ الصِّفَات حَادِثَة لزم أَن تكون ذَاته محالا للحوادث وَهُوَ محَال السَّادِس أَن الْكَلَام لَو كَانَ حَادِثا لَكَانَ إِمَّا أَن يقوم بِذَات الله أَو بِغَيْرِهِ أَو لَا يقوم بِمحل فَلَو قَامَ بِذَات الله تَعَالَى لزم كَونه محلا للحوادث وَهُوَ محَال وَإِن قَامَ بِغَيْرِهِ فَهُوَ أَيْضا محَال لِأَنَّهُ لَو جَازَ أَن يكون متكلما بِكَلَام قَائِم بِغَيْرِهِ لجَاز أَن يكون متحركا بحركة قَائِمَة بِغَيْرِهِ وساكنا بِسُكُون قَائِم بِغَيْرِهِ وَهُوَ محَال وَإِن وجد ذَلِك الْكَلَام لَا فِي مَحل فَهُوَ بَاطِل بالِاتِّفَاقِ وَاحْتَجُّوا على أَن كَلَامه مَخْلُوق بِوُجُوه أَحدهَا أَن حُصُول الْأَمر وَالنَّهْي من غير حُضُور الْمَأْمُور والمنهي عَبث وجنون وَهُوَ على الله محَال الثَّانِي أَنه تَعَالَى إِذا أَمر زيدا بِالصَّلَاةِ فَإِذا أَدَّاهَا لم يبْق ذَلِك الْأَمر وَمَا ثَبت عَدمه امْتنع قدمه الثَّالِث أَن النّسخ فِي الْأَوَامِر والنواهي جَائِز وَمَا ثَبت زَوَاله امْتنع قدمه

стр. 44

الرَّابِع أَن قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا أرسلنَا نوحًا﴾ وَإِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة الْقدر أَخْبَار عَن الْمَاضِي وَهَذَا إِنَّمَا يَصح أَن لَو كَانَ الْمخبر عَنهُ سَابِقًا على الْخَبَر فَلَو كَانَ الْخَبَر مَوْجُودا فِي الْأَزَل لَكَانَ الأزلي مَسْبُوقا بِغَيْرِهِ وَهُوَ محَال وَالْجَوَاب أَن كل مَا ذكرْتُمْ فِي الْأَمر وَالنَّهْي معَارض بِالْعلمِ فَإِن الله تَعَالَى لَو كَانَ عَالما فِي الْأَزَل بِأَن الْعَالم مَوْجُود لَكَانَ ذَلِك جهلا وَلَو كَانَ عَالما بِأَنَّهُ سيحدث فَإِذا أوجده وَجب أَن يَزُول الْعلم الأول فَحِينَئِذٍ يلْزم عدم الْقَدِيم وَبِالْجُمْلَةِ فَجَمِيع مَا ذَكرُوهُ من الشُّبُهَات معَارض بِالْعلمِ الْمَسْأَلَة السَّابِعَة عشرَة قَالَت الْحَنَابِلَة كَلَام الله تَعَالَى لَيْسَ إِلَّا الْحُرُوف والأصوات وَهِي قديمَة أزلية وأطبق الْعُقَلَاء على أَن الَّذِي قَالُوهُ جحد للضروريات ثمَّ الَّذِي يدل على بُطْلَانه وَجْهَان الْوَجْه الأول أَنه إِمَّا أَن يُقَال إِنَّه تكلم بِهَذِهِ الْحُرُوف دفْعَة وَاحِدَة أَو على التَّعَاقُب فَإِن كَانَ الأول لم يحصل مِنْهَا هَذِه الْكَلِمَات الَّتِي نسمعها لِأَن الَّتِي نسمعها حُرُوف متعاقبة فَحِينَئِذٍ لَا يكون هَذَا الْقُرْآن المسموع قَدِيما وَإِن كَانَ الثَّانِي فَالْأول لما انْقَضى كَانَ مُحدثا لِأَن مَا ثَبت عَدمه امْتنع قدمه وَالثَّانِي لما حصل بعد عَدمه كَانَ حَادِثا وَالْوَجْه الثَّانِي أَن هَذِه الْحُرُوف والأصوات قَائِمَة بألسنتنا وحلوقنا فَلَو كَانَت هَذِه الْحُرُوف والأصوات نفس صفة الله تَعَالَى لزم أَن تكون صفة الله وكلمته حَالَة فِي ذَات كل أحد من النَّاس ثمَّ أَن النَّصَارَى لما أثبتوا

стр. 45

حُلُول كلمة الله تَعَالَى فِي عِيسَى ﵇ وَحده كفرهم جُمْهُور الْمُسلمين فَالَّذِي يثبت هَذَا الْحُلُول فِي حق كل أحد من النَّاس يكون كفره أغْلظ من كفر النَّصَارَى بِكَثِير وَاحْتَجُّوا على قَوْلهم بِأَن كَلَام الله تَعَالَى مسموع بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن أحد من الْمُشْركين استجارك فَأَجره حَتَّى يسمع كَلَام الله﴾ وَهَذَا يدل على أَن كَلَام الله مسموع فَلَمَّا دلّ الدَّلِيل على أَن كَلَام الله قديم وَجب أَن تكون هَذِه الْحُرُوف المسموعة قديمَة وَالْجَوَاب أَن المسموع هُوَ هَذِه الْحُرُوف المتعاقبة وَكَونهَا متعاقبة يَقْتَضِي أَنَّهَا حدثت بعد انْقِضَاء غَيرهَا وَمَتى كَانَ الْأَمر كَذَلِك كَانَ الْعلم الضَّرُورِيّ حَاصِلا بامتناع كَونهَا قديمَة الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة عشرَة قَالَ الْأَكْثَرُونَ من أهل السّنة كَلَام الله تَعَالَى وَاحِد والمعتزلة أظهرُوا التَّعَجُّب مِنْهُ وَقَالُوا الْأَمر وَالنَّهْي وَالْخَبَر والاستخبار حقائق مُخْتَلفَة فَالْقَوْل بِأَن الْكَلَام من الْوَاحِد مَعَ كَونه وَاحِدًا أَمر وَنهي وَخبر واستخبار يَقْتَضِي كَون الْحَقَائِق الْكَثِيرَة حَقِيقَة وَاحِدَة وَذَلِكَ بَاطِل بالبديهة وَأعلم أَن عندنَا الْأَمر عبارَة عَن الْإِعْلَام بحلول الْعقَاب وَكَذَلِكَ النَّهْي وَأما الِاسْتِفْهَام فَإِنَّهُ أَيْضا إِعْلَام مَخْصُوص فَيرجع حَاصِل جَمِيع الْأَقْسَام إِلَى الْإِخْبَار وكما لَا يمْتَنع أَن يكون الْعلم الْوَاحِد علما بالأشياء الْكَثِيرَة فَكَذَلِك لَا يمْتَنع أَن يكون الْخَبَر الْوَاحِد خَبرا عَن الْأَشْيَاء الْكَثِيرَة الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة عشرَة أَنه تَعَالَى بَاقٍ لذاته خلافًا للأشعري لنا أَنه وَاجِب الْوُجُود لذاته وَالْوَاجِب لذاته يمْتَنع أَن يكون وَاجِبا لغيره فَيمْتَنع كَونه بَاقِيا بِالْبَقَاءِ وَأَيْضًا لَو كَانَ بَاقِيا بِالْبَقَاءِ لَكَانَ كَون بَقَائِهِ

стр. 46

بَقَاؤُهُ إِن كَانَ لبَقَاء آخر لزم التسلسل وَإِن كَانَ لبَقَاء الذَّات لزم الدّور وَإِن كَانَ لنَفسِهِ فَحِينَئِذٍ يكون الْبَقَاء بَاقِيا لنَفسِهِ والذات بَاقِيَة بِبَقَاء الْبَقَاء فَكَانَ الْبَقَاء وَاجِب الْوُجُود لذاته والذات وَاجِبَة الْوُجُود لغيره فَحِينَئِذٍ تنْقَلب الذَّات صفة وَالصّفة ذاتا وَهُوَ محَال الْمَسْأَلَة الْعشْرُونَ أعلم أَنه لَا يلْزم من عدم الدَّلِيل على الشَّيْء الْمَدْلُول أَلا ترى أَن فِي الْأَزَل لم يُوجد مَا يدل على وجود الله تَعَالَى فَلَو لزم من عدم الدَّلِيل عدم الْمَدْلُول لزم الحكم بِكَوْن الله تَعَالَى حَادِثا وَهَذَا محَال إِذا ثَبت هَذَا فَنَقُول هَذِه الصِّفَات الَّتِي عرفناها وَجب الْإِقْرَار بهَا فَأَما إِثْبَات الْحصْر فَلم يدل عَلَيْهِ فَوَجَبَ التَّوَقُّف فِيهِ وَصفَة الْجلَال ونعوت الْكَمَال أعظم من أَن تحيط بهَا عقول الْبشر

стр. 47

٤ - الْبَاب الْخَامِس فِي بَقِيَّة الْكَلَام فِي الصِّفَات وَفِيه مسَائِل

стр. 48

الْمَسْأَلَة الأولى اتّفق أهل السّنة على أَن الله تَعَالَى يَصح أَن يرى وَأنْكرت الفلاسفة والمعتزلة والكرامية والمجسمة ذَلِك أما إِنْكَار الفلاسفة والمعتزلة فَظَاهر وَأما إِنْكَار الكرامية والحنابلة فلأنهم أطبقوا على أَنه تَعَالَى لَو لم يكن جسما وَفِي مَكَان لامتنعت رُؤْيَته وأهم الْمُهِمَّات تعْيين مَحل النزاع فَنَقُول الإدراكات ثَلَاث مَرَاتِب أَحدهَا وَهُوَ أضعفها معرفَة الشَّيْء لَا بِحَسب ذَاته بل بِوَاسِطَة آثاره كَمَا يتعرف من وجود الْبناء أَن هَهُنَا بانيا وَمن وجود النقش أَن هَهُنَا نقاشا وَثَانِيها وَهُوَ أوسطها أَن نَعْرِف الشَّيْء بِحَسب ذَاته الْمَخْصُوصَة كَمَا إِذا عرفنَا السوَاد من حَيْثُ هُوَ سَواد وَالْبَيَاض من حَيْثُ هُوَ بَيَاض وَثَالِثهَا وَهُوَ أكملها كَمَا إِذا أبصرنا بِالْعينِ السوَاد وَالْبَيَاض فَإِن بديهة الْعقل جازمة بِأَن هَذِه الْمرتبَة فِي الْكَشْف والجلاء أكمل من الْمرتبَة الْمُتَقَدّمَة

стр. 49

إِذا عرفت هَذَا فَنَقُول أطبق أهل الْعلم على أَنه يُمكن معرفَة الله تَعَالَى بِالْوَجْهِ الأول وَهل يُمكن مَعْرفَته بِالْوَجْهِ الثَّانِي فِيهِ اخْتِلَاف وَهل يُمكن مَعْرفَته بِالْوَجْهِ الثَّالِث بِمَعْنى أَنه هَل يُمكن أَن يحصل للبشر نوع إِدْرَاك نسبته إِلَى ذَات الله تَعَالَى كنسبة الإبصار إِلَى المبصرات فِي قُوَّة الظُّهُور والجلاء هَذَا هُوَ المُرَاد من قَوْلنَا إِنَّه تصح رُؤْيَة الله تَعَالَى أم لَا عِنْد هَذَا يظْهر أَن من قَالَ الْعلم الضَّرُورِيّ حَاصِل بامتناعه فَهُوَ جَاهِل مكابر وَاحْتج الْجُمْهُور من الْأَصْحَاب بِأَن قَالُوا لَا شكّ أَنا نرى الطَّوِيل والعريض وَلَا معنى للطويل والعريض إِلَّا جَوَاهِر متألفة فِي سمت مَخْصُوص وَذَلِكَ يدل على أَن الْجَوَاهِر مرئية وَلَا نزاع أَيْضا أَن الألوان مرئية فَثَبت أَن صِحَة الرُّؤْيَة حكم مُشْتَرك فِيهِ بَين الْجَوَاهِر والأعراض وَالْحكم الْمُشْتَرك فِيهِ لَا بُد لَهُ من عِلّة مُشْتَركَة فِيهَا والمشترك بَين الْجَوْهَر وَالْعرض إِمَّا الْحُدُوث أَو الْوُجُود والحدوث لَا يصلح للعلية لِأَن الْحُدُوث عبارَة عَن وجود بعد عدم والقيد العدمي لَا يصلح للعلية فَوَجَبَ أَن تكون الْعلَّة هِيَ الْوُجُود وَالله تَعَالَى مَوْجُود فَوَجَبَ القَوْل بِصِحَّة رُؤْيَته وَهَذَا عِنْدِي ضَعِيف لِأَنَّهُ يُقَال الْجَوْهَر وَالْعرض مخلوقان فصحة المخلوقية حكم مُشْتَرك بَينهمَا فَلَا بُد من عِلّة مُشْتَركَة والمشترك إِمَّا الْحُدُوث وَإِمَّا الْوُجُود والحدوث بَاطِل بِمَا ذكرتموه فَبَقيَ الْوُجُود فَوَجَبَ أَن يَصح كَونه تَعَالَى مخلوقا وكما أَن هَذَا بَاطِل فَكَذَلِك مَا ذكرتموه بَاطِل وَأَيْضًا فَإنَّا ندرك باللمس الطَّوِيل والعريض وندرك الْحَرَارَة والبرودة فصحة الملموسية حكم مُشْتَرك ونسوق الْكَلَام إِلَى آخِره حَتَّى يلْزم صِحَة كَونه تَعَالَى ملموسا والتزامه مَدْفُوع فِي بديهة الْعقل وَالْمُخْتَار عندنَا أَن نقُول الدَّلَائِل السمعية دَالَّة على حُصُول الرُّؤْيَة وشبهات الْمُعْتَزلَة فِي امْتنَاع الرُّؤْيَة بَاطِلَة فَوَجَبَ علينا الْبَقَاء على تِلْكَ الظَّوَاهِر أما بَيَان الدَّلَائِل السمعية فَمن وُجُوه

стр. 50

أَحدهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وُجُوه يَوْمئِذٍ ناضرة إِلَى رَبهَا ناظرة﴾ فَنَقُول النّظر إِمَّا أَن يكون عبارَة عَن الرُّؤْيَة أَو عَن تقليب الحدقة نَحْو المرئي التماسا لرُؤْيَته وَالْأول هُوَ الْمَقْصُود وَالثَّانِي يُوجب الِامْتِنَاع عَن إجرائه على ظَاهره لِأَن ذَلِك إِنَّمَا يَصح فِي المرئي الَّذِي يكون لَهُ جِهَة فَوَجَبَ حمله على لَازمه وَهُوَ الرُّؤْيَة لِأَن من لَوَازِم تقليب الحدقة إِلَى سمت جِهَة المرئي حُصُول الرُّؤْيَة وَإِطْلَاق اسْم السَّبَب لإِرَادَة الْمُسَبّب جَائِز وَقَوْلهمْ يضمر فِيهِ إِلَى ثَوَاب رَبهَا خطأ لِأَن زِيَادَة الْإِضْمَار من غير حَاجَة لَا يجوز الثَّانِي قَوْله تَعَالَى ﴿للَّذين أَحْسنُوا الْحسنى وَزِيَادَة﴾ نقل عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ الزِّيَادَة هِيَ النّظر إِلَى الله وَالثَّالِث قَوْله تَعَالَى الَّذين يظنون أَنهم ملاقوا رَبهم وَقَوله تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ الَّذين كفرُوا بآيَات رَبهم ولقائه﴾ وَقَوله ﴿فَمن كَانَ يَرْجُو لِقَاء ربه﴾ وَقَوله ﴿بل هم بلقاء رَبهم كافرون﴾ وَقَوله ﴿تحيتهم يَوْم يلقونه﴾ واللقاء عبارَة عَن الْوُصُول وَهَذَا فِي حق الله تَعَالَى محَال إِلَّا أَن من رأى شَيْئا فَكَانَ بَصَره لقِيه وَوصل إِلَيْهِ فَوَجَبَ حمل اللَّفْظ عَلَيْهِ الرَّابِع قَوْله تَعَالَى كلا إِنَّهُم عَن ربيهم يَوْمئِذٍ لمحجوبون وَتَخْصِيص الْكفَّار بِهَذَا الْحجب يدل على أَن الْمُؤمنِينَ لَا يكونُونَ محجوبين الْخَامِس قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذا رَأَيْت ثمَّ رَأَيْت نعيما وملكا كَبِيرا﴾ وَالْملك الْكَبِير هُوَ الله تَعَالَى وَذَلِكَ يدل على أَنه ﷺ يرى ربه يَوْم الْقِيَامَة السَّادِس قَوْله تَعَالَى حِكَايَة عَن مُوسَى ﵇ ﴿رب أَرِنِي أنظر إِلَيْك﴾ وَلَو كَانَت الرُّؤْيَة ممتنعة على الله تَعَالَى لَكَانَ مُوسَى جَاهِلا بِاللَّه تَعَالَى

стр. 51

السَّابِع قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِن اسْتَقر مَكَانَهُ فَسَوف تراني﴾ علق الرُّؤْيَة على اسْتِقْرَار الْجَبَل وَهَذَا الشَّرْط مُمكن وَالْمُعَلّق بالممكن مُمكن الثَّامِن قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمَّا تجلى ربه للجبل﴾ والتجلي هُوَ الرُّؤْيَة وَذَلِكَ لِأَن الله تَعَالَى خلق فِي الْجَبَل حَيَاة وسمعا وبصرا وعقلا وفهما وَخلق فِيهِ رُؤْيَة رأى الله بهَا التَّاسِع قَوْله ﷺ (إِنَّكُم سَتَرَوْنَ ربكُم كَمَا ترَوْنَ الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر) وَالْمَقْصُود من هَذَا التَّشْبِيه تَشْبِيه الرُّؤْيَة بِالرُّؤْيَةِ لَا تَشْبِيه المرئي بالمرئي الْعَاشِر أَن الصَّحَابَة ﵃ اخْتلفُوا فِي أَن مُحَمَّدًا ﷺ رأى ربه أم لَا وَاخْتِلَافهمْ فِي الْوُقُوع يدل ظَاهرا على اتِّفَاقهم على الصِّحَّة أما الْمُعْتَزلَة فقد ذكرُوا وُجُوهًا الأول قَوْله تَعَالَى ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾ والرؤية إِدْرَاك فنفي الْإِدْرَاك يُوجب نفي الرُّؤْيَة وَالثَّانِي وَهُوَ أَن الله تَعَالَى تمدح بِنَفْي الْإِدْرَاك وكل مَا عَدمه مدح كَانَ وجوده نقصا وَالنَّقْص على الله تَعَالَى محَال وَالثَّالِث قَوْله تَعَالَى ﴿لن تراني﴾ وَلنْ نفيد التأييد فَوَجَبَ أَن يُقَال إِن مُوسَى ﵇ لَا يرى الله تَعَالَى الْبَتَّةَ وكل من قَالَ إِن مُوسَى لَا يرى الله تَعَالَى الْبَتَّةَ قَالَ إِن غَيره لَا يرَاهُ أَيْضا وَالرَّابِع قَالُوا إِنَّه مَتى حصلت هَذِه الشَّرَائِط الثَّمَانِية وَجب الرُّؤْيَة أَحدهَا سَلامَة الحاسة وَثَانِيها كَون الشَّيْء بِحَيْثُ لَا يمْتَنع رُؤْيَته وَثَالِثهَا عدم الْقرب الْقَرِيب وَرَابِعهَا عدم الْبعد الْبعيد وخامسها عدم اللطافة وسادسها عدم الصغر وسابعها عدم الْحجاب وثامنها حُصُول الْمُقَابلَة وَالدَّلِيل على وجوب الرُّؤْيَة عِنْد حُصُول هَذَا

стр. 52

الشَّرَائِط الثَّمَانِية أَنه لَو لم تجب الرُّؤْيَة عِنْد حُصُولهَا لجَاز أَن يكون بحضرتنا جبال وشموس وأقمار وَنحن لَا نرَاهَا وَذَلِكَ جَهَالَة عَظِيمَة فَثَبت وجوب الرُّؤْيَة عِنْد حُصُول هَذِه الشَّرَائِط الثَّمَانِية إِذا ثَبت هَذَا فَنَقُول أما الشَّرَائِط السِّتَّة الْأَخِيرَة فَهِيَ لَا تعقل إِلَّا فِي حق الْأَجْسَام وَالله تَعَالَى لَيْسَ بجسم فَيمْتَنع كَونهَا شَرَائِط فِي رُؤْيَة الله تَعَالَى فَبَقيَ أَن يُقَال الشَّرْط الْمُعْتَبر فِي حُصُول رُؤْيَة الله تَعَالَى لَيْسَ إِلَّا سَلامَة الحاسة وَكَون الشَّيْء بِحَيْثُ يَصح أَن يرى وهما حاصلان فِي الْحَال فَكَانَ يجب أَن نرَاهُ فِي الْحَال وَحَيْثُ لن نره فِي الْحَال علمنَا أَن ذَلِك لِأَنَّهُ تمْتَنع رُؤْيَته لذاته وَالْعلم بِهِ ضَرُورِيّ الْخَامِس قَوْلهم إِنَّه تَعَالَى لَيْسَ بجسم مُقَابل للرائي وَلَا فِي حكم الْمُقَابل لَهُ فَوَجَبَ أَن تمْتَنع رُؤْيَته وَالْعلم بِهِ ضَرُورِيّ وَالْجَوَاب عَن التَّمَسُّك بقوله تَعَالَى ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾ من وَجْهَيْن الأول أَن لفظ الْأَبْصَار صِيغَة جمع وَهِي تفِيد الْعُمُوم فسلبه يُفِيد سلب الْعُمُوم وَذَلِكَ لَا يُفِيد عُمُوم السَّلب لِأَن نقيض الْمُوجبَة الْكُلية هُوَ السالبة الْجُزْئِيَّة لَا السالبة الْكُلية الثَّانِي إِن الْإِدْرَاك عبارَة عَن إبصار جوانبه وأطرافه وَهَذَا فِي حق الله تَعَالَى محَال وَنفي الإبصار الْخَاص لَا يُوجب نفي أصل الإبصار وَالْجَوَاب عَن قَوْلهم تمدح بِعَدَمِ الإبصار فَكَانَ وجوده نقصا وَالنَّقْص على الله محَال أَن نقُول إِنَّه تَعَالَى تمدح بِكَوْنِهِ قَادِرًا على حجب الْأَبْصَار عَن رُؤْيَته فَكَانَ سلب هَذِه الْقُدْرَة نقصا ثمَّ نقُول هَذِه الْآيَة تدل على إِثْبَات صِحَة الرُّؤْيَة من وَجْهَيْن

стр. 53

أَحدهمَا أَنه تَعَالَى لَو كَانَ بِحَيْثُ تمْتَنع رُؤْيَته لذاته لما حصل التمدح بِنَفْي هَذِه الرُّؤْيَة بِدَلِيل أَن المعدومات لَا تصح رؤيتها وَلَيْسَ لَهَا صفة مدح بِهَذَا السَّبَب أما إِذا كَانَ الله تَعَالَى بِحَيْثُ يَصح أَن يرى ثمَّ إِنَّه قَادر على حجب جَمِيع الْأَبْصَار عَن رُؤْيَته كَانَ هَذَا صفة مدح الثَّانِي أَنه تَعَالَى نفى أَن ترَاهُ جَمِيع الْأَبْصَار وَهَذَا يدل بطرِيق الْمَفْهُوم على أَنه يرَاهُ بعض الْأَبْصَار كَمَا أَنه إِذا قيل إِن قرب السُّلْطَان لَا يصل إِلَيْهِ كل النَّاس فَإِنَّهُ يُفِيد أَن بَعضهم يصل إِلَيْهِ وَالله أعلم وَالْجَوَاب عَن التَّمَسُّك بقوله ﴿لن تراني﴾ أَن هَذَا أَيْضا يدل على كَونه تَعَالَى جَائِزا مِنْهُ الرُّؤْيَة لِأَنَّهُ لَو كَانَ مُمْتَنع الرُّؤْيَة لقَالَ إِنَّه لَا يَصح رؤيتي أَلا ترى أَن من كَانَ فِي كمه حجر فَظَنهُ بَعضهم طَعَاما فَقَالَ لَهُ أَعْطِنِي هَذَا لآكله كَانَ الْجَواب الصَّحِيح أَن يُقَال هَذَا لَا يُؤْكَل أما إِذا كَانَ ذَلِك الشَّيْء طَعَاما يَصح أكله فَحِينَئِذٍ يَصح أَن يَقُول الْمُجيب إِنَّك لن تَأْكُله وَالْجَوَاب عَن قَوْلهم لَو صحت رُؤْيَته لرأيناه أَنا لَا نسلم أَن رُؤْيَة المحدثات وَاجِبَة الْحُصُول عِنْد حُصُول هَذِه الشَّرَائِط فَلم قُلْتُمْ إِن رُؤْيَة الله تَعَالَى وَاجِبَة الْحُصُول عِنْدهَا لِأَن رُؤْيَته تَعَالَى بِتَقْدِير حُصُولهَا مُخَالفَة لرؤية المحدثات وَلَا يلْزم من حُصُول حكم فِي شَيْء حُصُوله فِيمَا يُخَالِفهُ وَالْجَوَاب عَن قَوْلهم لَو كَانَ مرئيا لوَجَبَ كَونه مُقَابلا للرائي هُوَ أَنكُمْ إِن ادعيتم فِيهِ الضَّرُورَة فَهُوَ بَاطِل لأَنا فسرنا الرُّؤْيَة بِشَيْء يمْتَنع ادِّعَاء البديهة فِي امْتِنَاعه وَإِن ادعيتم الدَّلِيل فاذكروه

стр. 54

الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة فِي أَنه لَيْسَ عِنْد الْبشر معرفَة كنه الله تَعَالَى وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن الْمَعْلُوم عِنْد الْبشر أحد أُمُور أَرْبَعَة إِمَّا الْوُجُود وَإِمَّا كيفيات الْوُجُود وَهِي الأزلية والأبدية وَالْوُجُوب وَإِمَّا السلوب وَهِي أَنه لَيْسَ بجسم وَلَا جَوْهَر وَلَا عرض وَإِمَّا الإضافات وَهِي العالمية والقادرية والذات الْمَخْصُوصَة الموصوفة بِهَذِهِ الصِّفَات المفهومات مُغَايرَة لَهَا لَا محَالة وَلَيْسَ عندنَا من تِلْكَ الذَّات الْمَخْصُوصَة إِلَّا أَنَّهَا ذَات لَا يدْرِي مَا هِيَ إِلَّا أَنَّهَا مَوْصُوفَة بِهَذِهِ الصِّفَات وَهَذَا يدل على أَن حَقِيقَته الْمَخْصُوصَة غير مَعْلُومَة الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة فِي بَيَان أَن إِلَه الْعَالم وَاحِد اعْلَم أَن الْعلم بِصِحَّة النُّبُوَّة لَا يتَوَقَّف على الْعلم بِكَوْن الْإِلَه وَاحِدًا فَلَا جرم إِمْكَان إِثْبَات الوحدانية بالدلائل السمعية وَإِذا ثَبت هَذَا فَنَقُول إِن جَمِيع الْكتب الإلهية ناطقة بِالتَّوْحِيدِ فَوَجَبَ أَن يكون التَّوْحِيد حَقًا الْحجَّة الثَّانِيَة هُوَ أَنا لَو قَدرنَا إِلَهَيْنِ لَكَانَ أَحدهمَا إِذا انْفَرد صَحَّ تَحْرِيك الْجِسْم مِنْهُ وَلَو انْفَرد الثَّانِي يَصح مِنْهُ تكسينه فَإِذا اجْتمعَا وَجب أَن يبقيا على مَا كَانَا عَلَيْهِ حَال الِانْفِرَاد فَعِنْدَ الِاجْتِمَاع يَصح أَن يحاول أَحدهمَا التحريك وَالثَّانِي التسكين فإمَّا أَن يحصل المرادان وَهُوَ محَال وَإِمَّا أَن يمتنعا وَهُوَ أَيْضا محَال لِأَنَّهُ يكون كل وَاحِد مِنْهُمَا عَاجِزا وَأَيْضًا الْمَانِع من كل وَاحِد من تَحْصِيل مُرَاده حُصُول مُرَاد الآخر والمعلول لَا يحصل لَا مَعَ علته فَلَو امْتنع المرادان لحصلا وَذَلِكَ محَال وَأما أَن يمْتَنع أَحدهمَا دون الثَّانِي وَذَلِكَ أَيْضا محَال لِأَن الْمَمْنُوع يكون عَاجِزا وَالْعَاجِز

стр. 55

لَا يكون إِلَهًا وَلِأَنَّهُ لما كَانَ كل وَاحِد مِنْهُمَا مُسْتقِلّا بالإيجاد لم يكن عجز أَحدهمَا أولى من عجز الآخر فَثَبت أَن القَوْل بِوُجُود إِلَهَيْنِ يُوجب هَذِه الْأَقْسَام الْفَاسِدَة فَكَانَ القَوْل بِهِ بَاطِلا الْحجَّة الثَّالِثَة أَنا بَينا أَن الْإِلَه يجب أَن يكون قَادِرًا على جَمِيع الممكنات فَلَو فَرضنَا إِلَهَيْنِ لَكَانَ كل وَاحِد مِنْهُمَا قَادِرًا على جَمِيع الممكنات فَإِذا أَرَادَ كل وَاحِد مِنْهُمَا تَحْرِيك جسم فَتلك الْحَرَكَة إِمَّا أَن تقع بهما أَو لَا تقع بِوَاحِد مِنْهُمَا أَو تقع بِأَحَدِهِمَا دون الثَّانِي وَالْأول محَال لِأَن الْأَثر مَعَ الْمُؤثر المستقل وَاجِب الْحُصُول وَوُجُوب حُصُوله بِهِ يمْنَع من استناده إِلَى الثَّانِي إِذْ لَو اجْتمع على الْأَثر الْوَاحِد مؤثران مستقلان يلْزم أَن يَسْتَغْنِي بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا عَن كل وَاحِد مِنْهُمَا فَيكون مُحْتَاجا إِلَيْهِمَا وغنيا عَنْهُمَا وَهُوَ محَال وَأما أَن لَا يَقع بِوَاحِد مِنْهُمَا الْبَتَّةَ فَهَذَا يَقْتَضِي كَونهمَا عاجزين وَأَيْضًا فامتناع وُقُوعه بِهَذَا إِنَّمَا يكون لأجل وُقُوعه بذلك وبالضد فَلَو امْتنع وُقُوعه بهما لوقع بهما مَعًا وَهُوَ محَال وَإِمَّا أَن يَقع بِوَاحِد دون الثَّانِي فَهُوَ أَيْضا محَال لِأَنَّهُمَا لما اسْتَويَا فِي صَلَاحِية الإيجاد كَانَ وُقُوعه بِأَحَدِهِمَا دون الثَّانِي تَرْجِيحا من غير مُرَجّح وَهُوَ محَال الْحجَّة الرَّابِعَة أَنَّهُمَا لَو اشْتَركَا فِي الْأُمُور الْمُعْتَبرَة فِي الألهية فإمَّا أَن لَا يمتاز أَحدهمَا عَن الآخر فِي أَمر من الْأُمُور وَإِمَّا أَن لَا يحصل هَذَا الامتياز فَإِن كَانَ الثَّانِي فقد بَطل التَّعَدُّد وَأما الأول فَبَاطِل لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَنَّهُمَا لَو اشْتَركَا فِي الألهية وَاخْتلفَا فِي أَمر آخر وَمَا بِهِ الْمُشَاركَة غير مَا بِهِ الممايزة فَكل وَاحِد مِنْهُمَا مركب وكل مركب مُمكن وكل مُمكن مُحدث فالإلهان محدثان هَذَا خلف وَالثَّانِي هُوَ أَن مَا بِهِ حصل الامتياز إِمَّا أَن يكون مُعْتَبرا فِي الألهية أَو لَا يكون فَإِن كَانَ الأول كَانَ عدم الِاشْتِرَاك فِيهِ يُوجب عدم الِاشْتِرَاك فِي الألهية وَإِن كَانَ الثَّانِي كَانَ ذَلِك فضلا زَائِدا على الْأَحْوَال الْمُعْتَبرَة فِي الألهية وَذَلِكَ صفة نقص وَهُوَ على الله محَال

стр. 56

الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة الْقَائِلُونَ بالشرك طوائف الطَّائِفَة الأولى عَبدة الْأَوْثَان والأصنام وَلَهُم تأويلات أَحدهَا أَن النَّاس كَانُوا فِي قديم الدَّهْر عَبدة الْكَوَاكِب ثمَّ اتَّخذُوا لكل كَوْكَب صنما ومثالا وَاشْتَغلُوا بعبادتها وَكَانَت نيتهم تَوْجِيه تِلْكَ الْعِبَادَات إِلَى الْكَوَاكِب وَلِهَذَا السَّبَب لما حكى الله عَن الْخَلِيل ﵇ أَنه قَالَ لِأَبِيهِ آزر ﴿أتتخذ أصناما آلِهَة إِنِّي أَرَاك وقومك فِي ضلال مُبين﴾ ثمَّ ذكر عقيب هَذَا الْكَلَام مناظرة إِبْرَاهِيم مَعَ الْقَوْم فِي إلهية الْكَوَاكِب وَثَانِيها أَن الْغَالِب على أهل الْعَالم دين التَّشْبِيه وَمذهب المجسمة وَالْقَوْم كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَن الْإِلَه الْأَعْظَم نور فِي غَايَة العظمة وَالْإِشْرَاق وَأَن الْمَلَائِكَة أنوار مُخْتَلفَة بالصغر وَالْكبر فَلَا جرم أَنهم اتَّخذُوا الصَّنَم الْأَعْظَم وبالغوا فِي تَحْسِين تركيبه باليواقيت والجواهر على اعْتِقَاد أَنه على صُورَة الله وَاتَّخذُوا سَائِر الْأَصْنَام على صور مُخْتَلفَة فِي الصغر وَالْكبر على اعْتِقَاد أَنَّهَا صور الْمَلَائِكَة فعلى هَذَا التَّقْدِير عَبدة الْأَصْنَام تلامذة المشبهة وَثَالِثهَا أَن من النَّاس من قَالَ إِن الْبشر لَيْسَ لَهُم أَهْلِيَّة عبَادَة الْإِلَه الْأَعْظَم وَإِنَّمَا الْغَايَة القصوى اشْتِغَال الْبشر بِعبَادة ملك من الْمَلَائِكَة ثمَّ إِن الْمَلَائِكَة يعْبدُونَ الْإِلَه الْأَعْظَم ثمَّ إِن كل إِنْسَان اتخذ صنما على اعْتِقَاد كَونه مِثَالا لذَلِك الْملك الَّذِي يدبر تِلْكَ الْبَلدة واشتغل بِعِبَادَتِهِ وَرَابِعهَا أَن المنجمين كَانُوا يرصدون الْأَوْقَات الصَّالِحَة للطلسمات النافعة فِي الْأَفْعَال الْمَخْصُوصَة فَإِذا وجدوا ذَلِك الْوَقْت عمِلُوا لَهُ صنما ويعظمونه ويرجعون إِلَيْهِ فِي طلب الْمَنَافِع كَمَا يرجعُونَ إِلَى الطلسمات المعمولة فِي كل بَاب وَاعْلَم أَنه لَا خلاص عَن هَذِه الْأَبْوَاب إِلَّا إِذا اعتقدنا أَنه لَا مُؤثر وَلَا مُدبر إِلَّا الْوَاحِد القهار وَالله أعلم بِالصَّوَابِ

стр. 57

الْبَاب السَّادِس فِي الْجَبْر وَالْقدر وَمَا يتَعَلَّق بهما من المباحث وَفِيه مسَائِل

стр. 58

الْمَسْأَلَة الأولى الْمُخْتَار عندنَا أَن عِنْد حُصُول الْقُدْرَة والداعية الْمَخْصُوصَة يجب الْفِعْل وعَلى هَذَا التَّقْدِير يكون العَبْد فَاعِلا على سَبِيل الْحَقِيقَة وَمَعَ ذَلِك فَتكون الْأَفْعَال بأسرها وَاقعَة بِقَضَاء الله تَعَالَى وَقدره وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن الْقُدْرَة الصَّالِحَة للْفِعْل إِمَّا أَن تكون صَالِحَة للترك أَو لَا تكون فَإِن لم تصلح للترك كَانَ خَالق تِلْكَ الْقُدْرَة خَالِقًا لصفة مُوجبَة لذَلِك الْفِعْل وَلَا نُرِيد بِوُقُوعِهِ بِقَضَاء الله إِلَّا هَذَا وَأما إِن كَانَت الْقُدْرَة صَالِحَة للْفِعْل وللترك فإمَّا أَن يتَوَقَّف رُجْحَان أحد الطَّرفَيْنِ على الآخر على مُرَجّح أَو لَا يتَوَقَّف فَإِن توقف على ترجح فَذَلِك الْمُرَجح إِمَّا أَن يكون من الله أَو من العَبْد أَو يحدث لَا بمؤثر فَإِن كَانَ الأول فَعِنْدَ حُصُول تِلْكَ الداعية يجب الْفِعْل وَعند عَدمه يمْتَنع الْفِعْل وَهُوَ الْمَطْلُوب وَإِن كَانَ من العَبْد عَاد التَّقْسِيم الأول وَيحْتَاج خلق تِلْكَ الداعية إِلَى دَاعِيَة أُخْرَى وَلزِمَ التسلسل وَأما إِن حدثت تِلْكَ الداعية لَا بمحدث أَو نقُول إِنَّه تَرْجِيح أحد الْجَانِبَيْنِ على الآخر لَا لمرجح أصلا كَانَ هَذَا قولا باستغناء الْمُحدث عَن الْمُحدث اسْتغْنَاء الْمُمكن عَن الْمُؤثر وَذَلِكَ يُوجب نفي الصَّانِع

стр. 59

فَإِن قَالُوا لم لَا يجوز أَن يُقَال عِنْد حُدُوث الداعية يصير الْفِعْل أولى بالوقوع وَلَا يَنْتَهِي إِلَّا حد الْوُجُوب قُلْنَا هَذَا بَاطِل لوجوه أَحدهَا أَن الْمَرْجُوح أَضْعَف حَالا من الْمسَاوِي فَلَمَّا امْتنع حُصُول الْمسَاوِي حَال كَونه مُسَاوِيا فبأن يمْتَنع حُصُول الْمَرْجُوح حَال كَونه مرجوحا أولى وَإِذا امْتنع حُصُول الْمَرْجُوح وَجب حُصُول الرَّاجِح لِامْتِنَاع الْخُرُوج عَن النقيضين وَالثَّانِي أَن عِنْد حُصُول الدَّاعِي إِلَى أحد الْجَانِبَيْنِ لَو حصل الطّرف الثَّانِي لَكَانَ قد حصل ذَلِك الطّرف لَا لمرجح أصلا وَهَذَا الْقَائِل قد سلم أَن التَّرْجِيح لَا بُد فِيهِ من الْمُرَجح وَالثَّالِث أَن عِنْد حُصُول ذَلِك الْمُرَجح إِن امْتنع النقيض فَهُوَ الْوُجُوب وَإِن لم يتمنع فَكل مَالا يمْتَنع لم يلْزم من فرض وُقُوعه محَال فلنفرض مَعَ حُصُول ذَلِك الْمُرَجح تَارَة ذَلِك الْأَثر وَاقعا وَتارَة غير وَاقع فاختصاص أحد الْوَقْتَيْنِ دون الثَّانِي بالوقوع إِن توقف على انضمام قيد زَائِد إِلَيْهِ لزم أَن يُقَال إِن حُصُول الرجحان كَانَ مَوْقُوفا على هَذَا الْقَيْد الزَّائِد لَكنا فَرضنَا أَن الْحَاصِل قبل هَذَا الزَّائِد كَانَ كَافِيا فِي حُصُول الرجحان وَإِن لم يتَوَقَّف على انضمام قيد زَائِد إِلَيْهِ لزم رُجْحَان الْمُمكن المتساوي لَا الْمُرَجح وَهُوَ محَال إِذا عرفت هَذَا فَنَقُول إِنَّا لما اعترفنا بِأَن الْفِعْل وَاجِب الْحُصُول عِنْد مَجْمُوع الْقُدْرَة والداعي فقد اعترفنا بِكَوْن العَبْد فَاعِلا وجاعلا فَلَا يلْزمنَا مُخَالفَة ظَاهر الْقُرْآن وَسَائِر كتب الله تَعَالَى وَإِذا قُلْنَا بِأَن الْمُؤثر فِي الْفِعْل مَجْمُوع الْقُدْرَة والداعي مَعَ أَن هَذَا الْمَجْمُوع حصل بِخلق الله تَعَالَى فقد قُلْنَا بِأَن الْكل بِقَضَاء الله تَعَالَى وَقدره فَهَذَا هُوَ الْمُخْتَار

стр. 60

وَأما الْخصم فَإِنَّهُ قَالَ الْعلم بِكَوْن العَبْد موجدا لأفعاله ضَرُورِيّ وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن الْعلم بِحسن الْمَدْح والذم عَلَيْهِ علم ضَرُورِيّ وَالْعلم الضَّرُورِيّ حَاصِل بِأَن حسن الْمَدْح والذم يتَوَقَّف على كَون الممدوح والمذموم فَاعِلا وَمَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ الْعلم الضَّرُورِيّ أولى بِأَن يكون ضَرُورِيًّا فَهَذِهِ مُقَدمَات ثَلَاث فأولها أَن الْعلم الضَّرُورِيّ حَاصِل بِحسن الْمَدْح والذم وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن كل من أَسَاءَ إِلَيْنَا فَإنَّا نجد من أَنْفُسنَا وجدانا ضَرُورِيًّا أَنا نذمه وَمن أحسن إِلَيْنَا فَإنَّا نجد من أَنْفُسنَا وجدانا ضَرُورِيًّا بِأَنا نمدحه وَمن نَازع فِي هَذَا فقد نَازع فِي أظهر الْعُلُوم الضرورية وَثَانِيها إِن الْعلم الضَّرُورِيّ حَاصِل بِأَن حسن الْمَدْح والذم يتَوَقَّف على علم المادح والذام بِكَوْن الممدوح والمذموم فَاعِلا وَهَذَا أَيْضا ظَاهر لِأَن من رمى وَجه إِنْسَان بآجرة فَإِنَّهُ يذم الرَّامِي وَلَا يذم الآجرة فَإِذا قيل لذَلِك الذام لم تذم هَذَا الرَّامِي وَلَا تذم الآجرة فَإِنَّهُ يَقُول لِأَن ذَلِك الرَّامِي هُوَ الْفَاعِل لهَذَا الْفِعْل وَهَذِه الآجرة لم تفعل ذَلِك وَهَذَا يدل على أَن الْعلم الضَّرُورِيّ حَاصِل بِأَنَّهُ لَا يحسن الْمَدْح والذم إِلَّا عِنْد كَون الممدوح والمذموم فَاعِلا وَثَالِثهَا أَن الَّذِي يتَوَقَّف عَلَيْهِ الْعلم الضَّرُورِيّ يجب أَن يكون ضَرُورِيًّا وَهَذَا أَيْضا ظَاهر لِأَن الْفَرْع أَضْعَف من الأَصْل فَلَو كَانَ الأَصْل غير ضَرُورِيّ لَكَانَ بِتَقْدِير وُقُوع الشَّك فِيهِ يجب وُقُوع الشَّك فِي الْفَرْع وَحِينَئِذٍ يخرج هَذَا الْفَرْع عَن كَونه ضَرُورِيًّا وَإِذا لاحت هَذِه الْمُقدمَات ظهر أَن الْعلم بِكَوْن العَبْد فَاعِلا علم ضَرُورِيّ مَوْقُوف على تَلْخِيص معنى كَون العَبْد فَاعِلا

стр. 61

فَنَقُول إِن عنيتم بِهِ أَن العَبْد قَادر على الْفِعْل وعَلى التّرْك وَأَن نِسْبَة قدرته إِلَى الطَّرفَيْنِ على السوية ثمَّ إِنَّه فِي حَال حُصُول هَذَا الاسْتوَاء دخل هَذَا الْفِعْل فِي الْوُجُود من غير أَن خص ذَلِك الْقَادِر ذَلِك الطّرف بمرجح وبمخصص الْبَتَّةَ فَلَا نسلم أَن هَذَا القَوْل صَحِيح بل كَانَ بديهة الْعقل تشهد بِبُطْلَانِهِ وَإِن عنيتم بِهِ أَن عِنْد حُصُول الداعية المرجحة صدر عَنهُ هَذَا الْأَثر فَهَذَا هُوَ قَوْلنَا ومذهبنا وَنحن لَا ننكره الْبَتَّةَ إِلَّا أَنا نقُول لما كَانَ عِنْد حُصُول الْقُدْرَة والداعية يجب الْفِعْل وَعند انتقائهما أَو انْتِفَاء أَحدهمَا يمْتَنع وَجب أَن يكون الْكل بِقَضَاء الله تَعَالَى وَهَذَا مِمَّا لَا سَبِيل إِلَى دَفعه فَهَذَا مُنْتَهى الْبَحْث الْعقلِيّ الضَّرُورِيّ فِي هَذَا الْبَاب الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة فِي إِثْبَات الْقُدْرَة للْعَبد اعْلَم أَنا نعلم بِالضَّرُورَةِ تَفْرِقَة بَين بدن الْإِنْسَان السَّلِيم عَن الْأَمْرَاض الْمَوْصُوف بِالصِّحَّةِ وَبَين الْمَرِيض الْعَاجِز وَالْمُخْتَار عندنَا أَن تِلْكَ التَّفْرِقَة عَائِدَة إِلَى سَلامَة البنية واعتدال المزاج وَأما أَبُو الْحسن الْأَشْعَرِيّ فَإِنَّهُ أثبت صفة سَمَّاهَا بِالْقُدْرَةِ مُغَايرَة لاعتدال المزاج وَاحْتج على إِثْبَات هَذِه الصّفة بِأَن قَالَ نَحن نَدْرِي تَفْرِقَة بَين الْإِنْسَان السَّلِيم الْأَعْضَاء وَبَين الزَّمن المقعد فِي أَنه يَصح الْفِعْل من الأول دون الثَّانِي وَتلك التَّفْرِقَة لَيست إِلَّا فِي حُصُول صفة للقادر دون الْعَاجِز وَتلك الصّفة هِيَ الْقُدْرَة فَيُقَال لَهُ أتدعي حُصُول هَذِه التَّفْرِقَة قبل حُصُول الْفِعْل أَو حَال حُصُول الْفِعْل وَالْأول بَاطِل لِأَن قبل حُصُول الْفِعْل لَا وجود للقدرة على الْفِعْل عنْدك فَإِن مذهبك أَن الِاسْتِطَاعَة مَعَ الْفِعْل لَا قبل الْفِعْل وعَلى هَذَا الْمَذْهَب فالتفرقة الْحَاصِلَة قبل الْفِعْل تمْتَنع أَن تكون لأجل الْقُدْرَة وَالثَّانِي

стр. 62

بَاطِل لِأَن حَال حُصُول الْفِعْل يمْتَنع مِنْهُ التّرْك وَإِلَّا لزم مِنْهُ اجْتِمَاع النقيضين وَهُوَ محَال وَأَيْضًا ندعي حُصُول هَذِه الْقُدْرَة عِنْد مَا يخلق الله الْفِعْل فِي العَبْد أَو عِنْد مَالا يخلقه فِيهِ وَالْأول محَال لِأَن عِنْد حُصُول الْفِعْل لَا يتَمَكَّن من تَركه وَالثَّانِي محَال لِأَن عِنْدَمَا لَا يخلق الله الْفِعْل فِي العَبْد لَا يتَمَكَّن للْعَبد من فعله فعلى جَمِيع الْأَحْوَال ادِّعَاء هَذِه التَّفْرِقَة على مذْهبه محَال سلمنَا حُصُول التَّفْرِقَة لَكِن لم لَا يجوز أَن يُقَال إِنَّه إِذا اجْتمع الْحَار مَعَ الْبَارِد انْكَسَرَ كل وَاحِد مِنْهُمَا بِالْآخرِ وَتحصل كَيْفيَّة متوسطة بَينهمَا معتدلة وَتلك الْكَيْفِيَّة هِيَ الْقُدْرَة وَالْحق عندنَا أَن الْعلم بِحُصُول هَذِه التَّفْرِقَة ضَرُورِيّ وَأَن تِلْكَ التَّفْرِقَة عَائِدَة إِلَى مَا ذَكرْنَاهُ من المزاج السَّلِيم وَأَن تِلْكَ الصلاحية مَتى انْضَمَّ إِلَيْهَا الداعية الجازمة صَار مجموعهما مُوجبا للْفِعْل الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة قَالَ أَبُو الْحسن الْأَشْعَرِيّ الِاسْتِطَاعَة لَا تُوجد إِلَّا مَعَ الْفِعْل وَقَالَت الْمُعْتَزلَة لَا تُوجد إِلَّا قبل الْفِعْل وَالْمُخْتَار عندنَا أَن الْقُدْرَة الَّتِي هِيَ عبارَة عَن سَلامَة الْأَعْضَاء وَعَن المزاج المعتدل فَإِنَّهَا حَاصِلَة قبل حُصُول الْفِعْل إِلَّا أَن هَذِه الْقُدْرَة لَا تَكْفِي فِي حُصُول الْفِعْل الْبَتَّةَ فَإِذا انضمت الداعية الجازمة إِلَيْهَا صَارَت تِلْكَ الْقُدْرَة مَعَ هَذِه الداعية الجازمة سَببا مقتضيا للْفِعْل الْمعِين ثمَّ إِن ذَلِك الْفِعْل يجب وُقُوعه مَعَ حُصُول ذَلِك الْمَجْمُوع لِأَن الْمُؤثر التَّام لَا يتَخَلَّف عَنهُ الْأَثر الْبَتَّةَ فَنَقُول قَول من يَقُول الِاسْتِطَاعَة قبل الْفِعْل صَحِيح من حَيْثُ إِن

стр. 63

ذَلِك المزاج المعتدل سَابق وَقَول من يَقُول الِاسْتِطَاعَة مَعَ الْفِعْل صَحِيح من حَيْثُ إِن عِنْد حُصُول مَجْمُوع الْقُدْرَة والداعي الَّذِي هُوَ الْمُؤثر التَّام يجب حُصُول الْفِعْل مَعَه الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة قَالَ أَبُو الْحسن الْأَشْعَرِيّ الْقُدْرَة لَا تصلح للضدين وَعِنْدِي إِن كَانَ المُرَاد من ذَلِك المزاج المعتدل وَتلك السَّلامَة الْحَاصِلَة فِي الْأَعْضَاء فَهِيَ صَالِحَة للْفِعْل وَالتّرْك وَالْعلم بِهِ ضَرُورِيّ وَإِن كَانَ المُرَاد مِنْهُ أَن الْقُدْرَة مَا لم تنضم إِلَيْهَا الداعية الجازمة المرجحة فَإِنَّهَا لَا تصير مصدرا لذَلِك الْأَثر وَإِن عِنْد حُصُول الْمَجْمُوع لَا تصلح للضدين فَهَذَا حق وَتَقْرِير الْكَلَام فِيهِ مَعْلُوم مِمَّا ذَكرْنَاهُ الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة قَالَ أَبُو الْحسن الْأَشْعَرِيّ الْعَجز صفة قَائِمَة بالعاجز تضَاد الْقُدْرَة وَعِنْدنَا أَن الْعَجز عبارَة عَن عدم الْقُدْرَة مِمَّن شَأْنه أَن يقدر على الْفِعْل وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أما مَتى تصورنا هَذَا الْعَدَم حكمنَا بِكَوْنِهِ عَاجِزا وَإِن لم نعقل فِيهِ أمرا آخر وَذَلِكَ يدل على أَنا لَا نعقل من الْعَجز إِلَّا هَذَا الْعَدَم الْمَسْأَلَة السَّادِسَة اتّفق المتكلمون على أَن الْقَادِر كَمَا يقدر على الْفِعْل يقدر على التّرْك لكِنهمْ اخْتلفُوا فِي تَفْسِير التّرْك فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ ترك الْفِعْل عبارَة عَن أَن لَا يفعل شَيْئا وَيبقى الْأَمر على الْعَدَم الْأَصْلِيّ وَهَذَا فِيهِ إِشْكَال لِأَن الْقُدْرَة صفة مُؤثرَة والعدم عبارَة

стр. 64

عَن نفي الْأَثر فَالْقَوْل بِكَوْن الْعَدَم أثرا للقدرة جمع بَين النقيضين وَهُوَ محَال وَلِأَن الْبَاقِي حَال بَقَائِهِ لَا يكون مَقْدُورًا لِأَن تكوين الْكَائِن محَال وَقَالَ الْبَاقُونَ التّرْك عبارَة عَن فعل الضِّدّ فعلى هَذَا التَّقْدِير الْقَادِر لَا يَخْلُو عَن فعل الشَّيْء وَعَن فعل ضِدّه فَقيل هَذَا يشكل من وَجْهَيْن الأول أَن من اسْتلْقى على قَفاهُ وَلم يعْمل شَيْئا أصلا فَإِنَّهُ يعلم بِالضَّرُورَةِ أَنه لم يفعل الْبَتَّةَ شَيْئا فَالْقَوْل بِأَنَّهُ فعل شَيْئا مُخَالفَة للضَّرُورَة وَالثَّانِي أَن الْبَارِي تَعَالَى كَانَ تَارِكًا لخلق الْعَالم فِي الْأَزَل فَيلْزم كَونه فَاعِلا فِي الْأَزَل لضد الْعَالم وَإِذا كَانَ ضد الْعَالم أزليا امْتنع زَوَاله فَكَانَ يجب أَن لَا يُوجد الْعَالم فِي الْأَزَل والأصوب أَن يُقَال الْعلم بِكَوْنِهِ إِلَه الْعَالم قَادِرًا على الْفِعْل وَالتّرْك علم ضَرُورِيّ وَالشَّكّ فِي هَذِه التفاصيل يُوجب الشَّك فِي تِلْكَ الْجُمْلَة الْمَسْأَلَة السَّابِعَة قَالَ أهل السّنة لَا يمْتَنع تَكْلِيف مَا لَا يُطلق وَقَالَت الْمُعْتَزلَة أَنه لَا يجوز حجَّة المثبتين وُجُوه أَحدهَا أَنه تَعَالَى علم من بعض الْكفَّار أَنه يَمُوت على كفره فَإِذا كلفه بِالْإِيمَان فقد كلفه بِفعل الْإِيمَان مُقَارنًا للْعلم بِعَدَمِ الْإِيمَان وَهَذَا تَكْلِيف بِالْجمعِ بَين الضدين الثَّانِي أَنه كلف أَبَا لَهب بِالْإِيمَان وَمن الْإِيمَان تَصْدِيق الله تَعَالَى فِي كل مَا أخبر عَنهُ وَمِمَّا أخبر عَنهُ أَنه لَا يُؤمن أبدا فَيلْزم أَنه تَعَالَى كلفه بِأَن يُؤمن بِأَن لَا يُؤمن وَهُوَ جمع بَين النقيضين

стр. 65

الثَّالِث أَنا بَينا أَن الْقُدْرَة على الْكفْر والداعية إِلَيْهِ من خلق الله تَعَالَى ومجموعهما يُوجب الْكفْر فَإِذا كلفه بِالْإِيمَان فقد كلفه بِمَا لَا يُطَاق الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة نَحن نعلم بِالضَّرُورَةِ أَن لنا محبوبا وَأَن لنا مبغوضا ثمَّ إِنَّه لَا يجب أَن يكون كل مَحْبُوب إِنَّمَا كَانَ محبوبا لإفضائه إِلَى شَيْء آخر وَأَن يكون كل مبغوض إِنَّمَا كَانَ مبغوضا لإفضائه إِلَى شَيْء آخر وَإِلَّا لزم إِمَّا الدّور وَإِمَّا التسلسل وهما باطلان فَوَجَبَ الْقطع بِوُجُود مَا يكون محبوبا لذاته لَا لغيره بِوُجُود مَا يكون مبغوضا لذاته لَا لغيره ثمَّ لما تأملنا علمنَا أَن المحبوب لذاته هُوَ اللَّذَّة وَالسُّرُور وَدفع الْأَلَم وَالْغَم وَأما مَا يغاير هَذِه الْأَشْيَاء فَإِنَّهُ يكون محبوبا لإفضائه إِلَى أحد هَذِه الْأَشْيَاء وَأما المبغوض لذاته فَهُوَ الْأَلَم وَالْغَم وَدفع اللَّذَّة وَالسُّرُور وَأما مَا يغاير هَذِه الْأَشْيَاء فَإِنَّهُ يكون مبغوضا لغيره إِذا عرفت هَذِه الْمُقدمَة فَاعْلَم أَن مَذْهَبنَا أَن الْحسن والقبح ثابتان فِي الشَّاهِد بِمُقْتَضى الْعقل وَأما فِي حق الله تَعَالَى فَهُوَ غير ثَابت الْبَتَّةَ أما بَيَان أَنه ثَابت بِمُقْتَضى الْعقل فِي الشَّاهِد فَيدل عَلَيْهِ وُجُوه أَحدهَا أَن اللَّذَّة وَالسُّرُور وَمَا يُفْضِي إِلَيْهِمَا أَو إِلَى أَحدهمَا مَحْكُوم عَلَيْهِ بالْحسنِ من هَذِه الْجِهَة بِمُقْتَضى بديهة الْعقل وَإِن الْأَلَم وَالْغَم وَمَا يُفْضِي إِلَيْهِمَا أَو إِلَى أَحدهمَا مَحْكُوم عَلَيْهِ بالقبح وَوُجُوب الدّفع من هَذِه الْجِهَة بِمُقْتَضى الْفطْرَة إِلَّا إِذا صَارَت هَذِه الْجِهَة مُعَارضَة بغَيْرهَا فَحِينَئِذٍ يَزُول هَذَا الحكم مثلا أَن الْفسق وَإِن كَانَ يُفِيد نوعا من اللَّذَّة إِلَّا أَن الْعقل يمْنَع عَنهُ وَإِنَّمَا يمْنَع مِنْهُ لاعْتِقَاده أَنه يستعقب ألما وغما زَائِدا وَهَذَا يُفِيد أَن جِهَة الْحسن والقبح وَالتَّرْغِيب والترهيب لَيْسَ إِلَّا مَا ذَكرْنَاهُ

стр. 66

الثَّانِي وَهُوَ أَن الْقَائِلين بالتحسين والتقبيح بِحَسب الشَّرْع فسروا الْقبْح بِأَنَّهُ الَّذِي يلْزم من فعله حُصُول الْعقَاب فَيُقَال لَهُم وَهل تسلمون أَن الْعقل يَقْتَضِي وجوب الِاحْتِرَاز عَن الْعقَاب أَو تَقولُونَ إِن هَذَا الْوُجُوب لَا يثبت إِلَّا بِالشَّرْعِ فَإِن قُلْتُمْ بِالْأولِ فقد سلمتم أَن الْحسن والقبح فِي الشَّاهِد ثَابت بِمُقْتَضى الْعقل وَإِن قُلْتُمْ بِالثَّانِي فَحِينَئِذٍ لَا يجب عَلَيْهِ الِاحْتِرَاز عَن ذَلِك الْعقَاب إِلَّا بِإِيجَاب آخر وَهَذَا الْإِيجَاب مَعْنَاهُ أَيْضا تَرْتِيب الْعقَاب وَذَلِكَ يُوجب التسلسل فِي تَرْتِيب هَذِه العقابات وَهُوَ بَاطِل فَثَبت أَن الْعقل يقْضِي بالْحسنِ والقبح فِي الشَّاهِد الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة فِي بَيَان أَن الْعقل لَا مجَال لَهُ فِي أَن يحكم فِي أَفعَال الله تَعَالَى بالتحسين والتقبيح أعلم أَنه لما ثَبت أَنه لَا معنى للتحسين والتقبيح إِلَّا جلب الْمَنَافِع وَدفع المضار فَهَذَا إِنَّمَا يعقل ثُبُوته فِي حق من يَصح عَلَيْهِ النَّفْع وَالضَّرَر فَلَمَّا كَانَ الْإِلَه متعاليا عَن ذَلِك امْتنع ثُبُوت التحسين والتقبيح فِي حَقه فَإِن أَرَادَ الْمُخَالف بالتحسين والتقبيح شَيْئا سوى جلب الْمَنَافِع وَدفع المضار وَجب عَلَيْهِ بَيَانه حَتَّى يمكننا أَن نَنْظُر أَنه هَل يُمكن إثْبَاته فِي حق الله تَعَالَى أم لَا فَهَذَا هُوَ الْحَرْف الكاشف عَن حَقِيقَة هَذِه الْمَسْأَلَة ثمَّ نقُول الَّذِي يدل على أَنه لَا يُمكن إِثْبَات الْحسن والقبح فِي حق الله تَعَالَى وُجُوه أَحدهَا أَن الْفِعْل الصَّادِر عَن الله تَعَالَى إِمَّا أَن يكون وجوده وَعَدَمه بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ على السوية أَو لَا يكون فَإِن كَانَ الأول فقد بَطل الْحسن والقبح وَإِن كَانَ الثَّانِي لزم كَونه نَاقِصا بِذَاتِهِ مستكملا بذلك الْفِعْل وَذَلِكَ

стр. 67

فِي حق الله تَعَالَى محَال فَإِن قَالُوا إِن وجود ذَلِك الْفِعْل وَعَدَمه بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ على التَّسَاوِي إِلَّا أَنه تَعَالَى يَفْعَله لإيصال النَّفْع إِلَى العَبْد فَنَقُول أَيْضا إِيصَال النَّفْع إِلَى العَبْد وَعدم إيصاله إِلَيْهِ إِن اسْتَويَا فقد بَطل الْحسن والقبح وَإِن لم يستويا فقد عَاد مَا ذكرنَا أَنه نَاقص لذاته مكتمل لغيره وَهُوَ محَال الْحجَّة الثَّانِيَة أَن الْعَالم مُحدث فَكَانَ حُدُوثه مُخْتَصًّا بِوَقْت معِين لَا محَالة فَإِن كَانَ ذَلِك الْوَقْت مُسَاوِيا لسَائِر الْأَوْقَات من جَمِيع الْوُجُوه فقد بَطل تَوْقِيف فعل الله تَعَالَى على الْحسن والقبح وَإِن اخْتصَّ ذَلِك الْوَقْت بخاصية لأَجلهَا وَقع الإحداث فِيهِ لَا فِي غَيره فَإِن كَانَت تِلْكَ الخاصية إِنَّمَا حصلت فِيهِ بتخصيص الله تَعَالَى ذَلِك الْوَقْت بهَا عَاد الْبَحْث الأول وَإِن كَانَ اخْتِصَاص ذَلِك الْوَقْت بِتِلْكَ الخاصية لذاته ولعينه فَحِينَئِذٍ يجوز كَون الْوَقْت الْمعِين سَببا لحدوث حَادث مَخْصُوص وَإِذا جَازَ ذَلِك فقد بَطل الِاسْتِدْلَال بحدوث الْحَوَادِث على الصَّانِع لاحْتِمَال أَن يكون الْمُؤثر فِيهَا هُوَ الْأَوْقَات الْحجَّة الثَّالِثَة أَنه تَعَالَى علم من الْكفَّار والفساق أَنهم يكفرون ويفسقون فَكَانَ صُدُور الْإِيمَان وَالطَّاعَة مِنْهُم محالا ثمَّ إِنَّه أَمرهم بِالْإِيمَان وَالطَّاعَة وَهَذَا الْأَمر لَا يفيدهم إِلَّا اسْتِحْقَاق الْعقَاب فَثَبت أَن تَوْقِيف أَفعَال الله تَعَالَى وَأَحْكَامه على الْحسن والقبح بَاطِل الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة فِي أَن الله تَعَالَى مُرِيد لجَمِيع الكائنات وَيدل عَلَيْهِ وُجُوه أَحدهَا أَنا بَينا أَن كل فعل يصدر عَن العَبْد فالمؤثر فِيهِ مَجْمُوع الْقُدْرَة والداعي على سَبِيل الْإِيجَاب وخالق تِلْكَ الْقُدْرَة والداعية هُوَ الله تَعَالَى وموجد السَّبَب الْمُوجب مُرِيد للمسبب فَوَجَبَ كَونه تَعَالَى مرِيدا للْكُلّ

стр. 68

الثَّانِي لَو حصل مُرَاد للْعَبد وَلم يحصل مُرَاد الله تَعَالَى لَكَانَ الله تَعَالَى مَغْلُوبًا وَالْعَبْد غَالِبا وَهُوَ محَال فَإِن قَالُوا إِنَّه تَعَالَى قَادر على أَن يخلق الْإِيمَان فِيهِ بالإلجاء فَنَقُول هَذَا ضَعِيف لِأَنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا أَرَادَ مِنْهُ الْإِيمَان الِاخْتِيَارِيّ وَأَنه قَادر على تَحْصِيل الْإِيمَان على سَبِيل الإلجاء وَهَذَا غير ذَلِك فَيلْزم أَن يُقَال إِنَّه تَعَالَى عَاجز مغلوب على تَحْصِيل مُرَاده وَأَن العَبْد غَالب قاهر وَهُوَ محَال الثَّالِث أَنه تَعَالَى علم من الْكفَّار أَنهم يموتون على الْكفْر وَعلم أَن ذَلِك الْعلم مَانع لَهُم من الْإِيمَان وَعلم أَن قيام الْمَانِع يمْنَع الْفِعْل فَعلمه بِكَوْنِهِ فِي نَفسه مُمْتَنعا يمنعهُ عَن إِرَادَته فَثَبت أَنه تَعَالَى لَا يُرِيد الْإِيمَان من الْكَافِر احْتَجُّوا بِأَنَّهُ تَعَالَى أَمر الْكفَّار بِالْإِيمَان وَالْأَمر يُوَافق الْإِرَادَة وَأَيْضًا فعل المُرَاد طَاعَة فَلَو أَرَادَ الله تَعَالَى الْكفْر من الْكَافِر لَكَانَ الْكَافِر مُطيعًا بِكُفْرِهِ وَلِأَن إِرَادَة السَّفه توجب السفاهة وَالْجَوَاب عَن الأول أَنكُمْ تَقولُونَ الْإِرَادَة على وفْق الْأَمر لَا على وفْق الْعلم وَنحن نقُول الْإِرَادَة على وفْق الْعلم لَا على وفْق الْأَمر وَقَوْلنَا أولى لِأَن الْعلم لَا يبْقى علما إِذا لم يُوجد معلومه وَالْأَمر لَا يلْزم زَوَاله عِنْد عدم الْإِتْيَان بالمأمور بِهِ فَثَبت أَن قَوْلنَا أولى وَعَن الثَّانِي أَن الطَّاعَة عبارَة عَن الْإِتْيَان بالمأمور بِهِ لَا بالمراد وَهَذَا أولى لِأَن الْأَمر صفة ظَاهِرَة والإرادة صفة خُفْيَة وَعَن الثَّالِث أَنه بِنَاء على جَرَيَان حكم التحسين والتقبيح فِي أَفعَال الله تَعَالَى وَقد أبطلناه وَالله أعلم بِالصَّوَابِ

стр. 69

الْبَاب السَّابِع فِي النبوات وَفِيه مسَائِل

стр. 70

الْمَسْأَلَة الأولى أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله ﷺ وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه ادّعى النُّبُوَّة وَظَهَرت المعجزة على يَده وكل من كَانَ كَذَلِك كَانَ رَسُولا حَقًا فالمقام الأولى أَنه ادّعى النُّبُوَّة وَذَلِكَ مَعْلُوم بالتواتر وَالْمقَام الثَّانِي أَنه أظهر المعجزة فالدليل عَلَيْهِ وُجُوه أَحدهَا أَنه ظهر الْقُرْآن عَلَيْهِ وَالْقُرْآن كتاب شرِيف بَالغ فِي فصاحة اللَّفْظ وَفِي كَثْرَة الْعُلُوم فَإِن المباحث الإلهية وَارِدَة فِيهِ على أحسن الْوُجُوه وَكَذَلِكَ عُلُوم الْأَخْلَاق وعلوم السياسات وَعلم تصفية الْبَاطِن وَعلم أَحْوَال الْقُرُون الْمَاضِيَة وهب أَن بَعضهم نَازع فِي كَونه بَالغا فِي الْكَمَال إِلَى حد الإعجاز إِلَّا أَنه لَا نزاع فِي كَونه كتابا شريفا عَالِيا كثير الْفَوَائِد كثير الْعُلُوم فصيحا فِي الْأَلْفَاظ ثمَّ إِن مُحَمَّدًا ﷺ نَشأ فِي مَكَّة وَتلك الْبَلدة كَانَت خَالِيَة عَن الْعلمَاء والأفاضل وَكَانَت خَالِيَة عَن الْكتب العلمية والمباحث الْحَقِيقِيَّة وَأَن مُحَمَّدًا ﷺ لم يُسَافر إِلَّا مرَّتَيْنِ فِي مُدَّة قَليلَة ثمَّ إِنَّه لم يواظب على الْقِرَاءَة والاستفادة الْبَتَّةَ وانقضى من عمره أَرْبَعُونَ سنة على هَذِه الصّفة ثمَّ إِنَّه بعد انْقِضَاء الْأَرْبَعين ظهر مثل هَذَا الْكتاب عَلَيْهِ

стр. 71

وَذَلِكَ معْجزَة قاهرة لِأَن ظُهُور مثل هَذَا الْكتاب على مثل ذَلِك الْإِنْسَان الْخَالِي عَن الْبَحْث والطلب والمطالعة والتعلم لَا يُمكن إِلَّا بإرشاد الله تَعَالَى ووحيه وإلهامه وَالْعلم بِهِ ضَرُورِيّ وَهَذَا هُوَ المُرَاد من قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن كُنْتُم فِي ريب مِمَّا نزلنَا على عَبدنَا فَأتوا بِسُورَة من مثله﴾ أَي من مثل مُحَمَّد فِي عدم الْقِرَاءَة والمطالعة وَعدم الاستفادة من الْعلمَاء وَهَذَا وَجه قوي وبرهان قَاطع الْوَجْه الثَّانِي وَهُوَ أَن مُحَمَّدًا ﷺ تحدى الْعَالمين بِالْقُرْآنِ فَهَذَا الْقُرْآن لَا يَخْلُو أَنه إِمَّا أَن يكون قد بلغ إِلَى حد الإعجاز أَو مَا كَانَ كَذَلِك فَإِن كَانَ بَالغا إِلَى حد الإعجاز فقد حصل الْمَقْصُود وَإِن قُلْنَا إِنَّه مَا كَانَ بَالغا إِلَى حد الإعجاز فَحِينَئِذٍ كَانَت معارضته مُمكنَة وَمَعَ الْقُدْرَة على الْمُعَارضَة وَحُصُول مَا يُوجب الرَّغْبَة فِي الْإِتْيَان بالمعارضة يكون ترك الْمُعَارضَة من خوارق الْعَادَات فَيكون معجزا فَثَبت ظُهُور المعجزة على مُحَمَّد ﷺ على كل وَاحِد من التَّقْدِيرَيْنِ الْوَجْه الثَّالِث أَنه نقل عَنهُ معجزات كَثِيرَة وكل وَاحِد مِنْهَا وَإِن كَانَ مرويا بطرِيق الْآحَاد إِلَّا أَنه لَا بُد وَأَن يكون بَعْضهَا يَصح لِأَن الْأَخْبَار إِذا كثرت فَإِنَّهُ يمْتَنع فِي الْعَادة أَن يكون كلهَا كذبا فَثَبت بِهَذَا الْوُجُوه الثَّلَاثَة أَنه ظَهرت المعجزة عَلَيْهِ وَأما الْمقَام الثَّانِي وَهُوَ أَن كل من كَانَ كَذَلِك كَانَ نَبيا فالدليل عَلَيْهِ أَن الْملك الْعَظِيم إِذا حضر فِي المحفل الْعَظِيم فَقَامَ وَاحِد وَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس أَنا رَسُول هَذَا الْملك إِلَيْكُم ثمَّ قَالَ أَيهَا الْملك إِن كنت صَادِقا فِي كَلَامي فَخَالف عادتك وقم عَن سريرك فَإِذا قَامَ ذَلِك الْملك عِنْد سَماع هَذَا الْكَلَام عرف الْحَاضِرُونَ بِالضَّرُورَةِ كَون ذَلِك الْمُدَّعِي صَادِقا فِي دَعْوَاهُ فَكَذَا هَهُنَا هَذَا تَمام الدَّلِيل وَفِي الْمَسْأَلَة طَرِيق آخر وَذَلِكَ أَنا فِي الطَّرِيق الأول نثبت نبوته بالمعجزات ثمَّ إِذا ثَبت نبوته استدللنا بثبوتها

стр. 72

على صِحَة أَقْوَاله وأفعاله وَأما فِي هَذَا الطَّرِيق فَإنَّا نبين أَن كل مَا أَتَى بِهِ من الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال فَهُوَ أَفعَال الْأَنْبِيَاء فَوَجَبَ أَن يكون هُوَ نَبيا صَادِقا حَقًا من عِنْد الله تَعَالَى وَتَقْرِير هَذَا الطَّرِيق أَن نقُول الْإِنْسَان إِمَّا أَن يكون نَاقِصا وَهُوَ أدنى الدَّرَجَات وهم الْعَوام وَإِمَّا أَن يكون كَامِلا فِي ذَاته وَلَا يقدر على تَكْمِيل غَيره وهم الْأَوْلِيَاء وهم فِي الدرجَة المتوسطة وَأما أَن يكون كَامِلا فِي ذَاته وَيقدر على تَكْمِيل غَيره وهم الْأَنْبِيَاء وهم فِي الدرجَة الْعَالِيَة ثمَّ إِن هَذَا الْكَمَال والتكميل إِمَّا أَن يعْتَبر فِي الْقُوَّة النظرية وَفِي الْقُوَّة العلمية وَرَئِيس الكمالات الْمُعْتَبرَة فِي الْقُوَّة النظرية معرفَة الله تَعَالَى وَرَئِيس الكمالات الْمُعْتَبرَة فِي الْقُوَّة العلمية طَاعَة الله تَعَالَى وكل من كَانَت درجاته فِي كمالات هَاتين المرتبتين أعلا كَانَت دَرَجَات ولَايَته أكمل وَمن كَانَت درجاته فِي تَكْمِيل الْغَيْر فِي هَاتين المرتبتين أعلا كَانَت دَرَجَات نبوته أكمل إِذا عرفت هَذَا فَنَقُول أَن عِنْد مقدم مُحَمَّد ﷺ كَانَ الْعَالم مملوءا من الْكفْر وَالْفِسْق أما الْيَهُود فَكَانُوا فِي الْمذَاهب الْبَاطِلَة فِي التَّشْبِيه وَفِي الافتراء على الْأَنْبِيَاء وَفِي تَحْرِيف التَّوْرَاة قد بلغُوا الْغَايَة وَأما النَّصَارَى فقد كَانُوا فِي القَوْل بالتثليث وَالْأَب وَالِابْن والحلول والاتحاد قد بلغُوا الْغَايَة وَأما الْمَجُوس فقد كَانُوا فِي القَوْل بِإِثْبَات إِلَهَيْنِ وَوُقُوع الْمُحَاربَة بَينهمَا وَفِي تَحْلِيل نِكَاح الْأُمَّهَات قد بلغُوا الْغَايَة وَأما الْعَرَب فقد كَانُوا فِي عبَادَة الْأَصْنَام وَفِي النهب والغارة قد بلغُوا الْغَايَة وَكَانَت الدُّنْيَا مَمْلُوءَة من هَذِه الأباطيل فَلَمَّا بعث الله مُحَمَّدًا ﷺ وَقَامَ يَدْعُو الْخلق إِلَى الدّين الْحق

стр. 73

انقلبت الدُّنْيَا من الْبَاطِل إِلَى الْحق وَمن الْكَذِب إِلَى الصدْق وَمن الظلمَة إِلَى النُّور وَبَطلَت هَذِه الكفريات وزالت هَذِه الجهالات فِي أَكثر بِلَاد الْعَالم وَفِي وسط المعمورة وَانْطَلَقت الألسن بتوحيد الله تَعَالَى واستنارت الْقُلُوب بِمَعْرِِفَة الله تَعَالَى وَرجع الْخلق من حب الدُّنْيَا إِلَى حب الْمولى بِقدر الْإِمْكَان وَإِذا كَانَ لَا معنى للنبوة إِلَّا تَكْمِيل الناقصين فِي الْقُوَّة النظرية وَفِي الْقُوَّة العملية ورأينا أَن مَا حصل من هَذَا الْأَثر بِسَبَب مقدم مُحَمَّد ﷺ أكمل وَأكْثر مِمَّا ظهر بِسَبَب مقدم مُوسَى وَعِيسَى عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام علمنَا أَنه كَانَ سيد الْأَنْبِيَاء وقدوة الأصفياء وَهَذِه الطَّرِيقَة عِنْدِي أفضل وأكمل من الطَّرِيقَة الأولى لِأَن هَذَا يجْرِي مجْرى برهَان اللَّهُمَّ لأَنا بحثنا عَن معنى النُّبُوَّة فَعلمنَا أَن مَعْنَاهَا أَنه شخص بلغ فِي الْكَمَال فِي الْقُوَّة النظرية وَفِي الْقُوَّة العملية إِلَى حَيْثُ يقدر على معالجة النَّاقِص فِي هَاتين القوتين وَعلمنَا أَن مُحَمَّدًا ﷺ كَانَ أكمل الْبشر فِي هَذَا الْمَعْنى فَوَجَبَ كَونه أفضل الْأَنْبِيَاء وَأما الطَّرِيق الأول فَإِنَّهُ يجْرِي مجْرى برهَان الْآن فَإنَّا نستدل بِحُصُول المعجزات على كَونه نَبيا وَهُوَ يجْرِي مجْرى الِاسْتِدْلَال بأثر من آثَار الشَّيْء على وجوده وَلَا شكّ أَن برهَان اللم أقوى من برهَان الْآن وَالله أعلم الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة المنكرون للنبوات طعنوا فِي المعجزات من ثَلَاثَة أوجه الأول قَالُوا لم قُلْتُمْ بِأَن هَذِه المعجزات فعل الله تَعَالَى وخلقه وَبَيَان هَذَا السُّؤَال من وُجُوه أَحدهَا أَن الْإِنْسَان إِمَّا أَن يكون عبارَة عَن النَّفس أَو عَن هَذَا الْبدن فَإِن كَانَ عبارَة عَن النَّفس فَلم لَا يجوز أَن يُقَال إِن نفس ذَلِك الرَّسُول كَانَت

стр. 74

مُخَالفَة لنفوس سَائِر الْخلق وَلأَجل خُصُوصِيَّة نَفسه قدر على الْإِتْيَان بِمَا لم يَأْتِ بِهِ غَيره وَإِن كَانَ عبارَة عَن الْبدن فَلم لَا يجوز أَن يُقَال إِنَّه اخْتصَّ بمزاج خَاص ولأجله قدر على الْإِتْيَان بِمَا لم يَأْتِ بِهِ غَيره الثَّانِي لَا شكّ أَن للأدوية آثارا عَجِيبَة فَلم لَا يجوز أَن يُقَال إِنَّه وجد دَوَاء وَقدر بواسطته على مَا لم يقدر عَلَيْهِ غَيره وَالثَّالِث أَن الْأَنْبِيَاء أقرُّوا بِثُبُوت الْجِنّ وَالشَّيَاطِين فَهَب أَنه لم يثبت بِالدَّلِيلِ وجودهم إِلَّا أَن احْتِمَال وجودهم قَائِم فَلم لَا يجوز أَن يُقَال إِن الْجِنّ وَالشَّيَاطِين هِيَ الَّتِي أَتَت بِهَذِهِ الْعَجَائِب والغرائب أَلَيْسَ إِن النَّاس يَقُولُونَ إِن الْجِنّ تدخل فِي بَاطِن بدن المصروع وتتكلم فَهُنَا لم لَا يجوز أَن يُقَال الذِّئْب إِنَّمَا تكلم بِهَذَا الطَّرِيق والناقة إِنَّمَا تَكَلَّمت مَعَ الرَّسُول بِهَذَا الطَّرِيق والجذع إِنَّمَا حن بِهَذَا الطَّرِيق وَكَذَا القَوْل فِي الْبَوَاقِي الرَّابِع أَلَيْسَ أَن المنجمين والصائبة اتَّفقُوا على أَن الأفلاك وَالْكَوَاكِب أَحيَاء ناطقة وهب أَنه لم يثبت ذَلِك بِالدَّلِيلِ إِلَّا أَن الِاحْتِمَال قَائِم فعلى هَذَا التَّقْدِير لم لَا يجوز أَن يُقَال الْفَاعِل لهَذِهِ المعجزات هُوَ الأفلاك وَالْكَوَاكِب الْخَامِس أَلَيْسَ أَن المنجمين أطبقوا على أَن لسهم السَّعَادَة أثرا فِي الْقُدْرَة على الْأَفْعَال العجيبة ولسهم الْغَيْب أثرا فِي الْقُدْرَة على الْإِخْبَار عَن الغيوب فعلى تَقْدِير أَن يكون الَّذِي قَالُوهُ حَقًا لم لَا يجوز أَن يُقَال إِنَّه اتّفق لَهُم فِي سهم السَّعَادَة وَفِي سهم الْغَيْب قُوَّة عَظِيمَة وَلأَجل تِلْكَ الْقُوَّة قدرُوا على إتْيَان بالأفعال الغريبة وبالأخبار عَن الغيوب السَّادِس أَلَيْسَ أَن المنجمين أطْلقُوا على أَن للقرانات فِي هَذِه الْأَبْوَاب آثارا عَظِيمَة فَلم لَا يجوز أَن تكون المعجزات من هَذِه الْأَبْوَاب

стр. 75

السَّابِع أَلَيْسَ أَن المنجمين أطبقوا على أَن للكواكب الثَّابِتَة آثارا عَظِيمَة بَالِغَة عَجِيبَة فِي السَّعَادَة والنحوسة فَلم لَا يجوز أَن تكون أَحْوَالهم من هَذِه الْأَبْوَاب الثَّامِن أَلَيْسَ أَن الفلاسفة أطبقوا على تَأْثِير الْعُقُول والنفوس فَلم لَا يجوز أَن يكون موجد هَذِه المعجزات هُوَ هَذِه الْعُقُول والنفوس التَّاسِع أَلَيْسَ أَن مُحَمَّدًا وَسَائِر الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام أقرُّوا بِأَن هَذَا الْقُرْآن وَسَائِر الْكتب إِنَّمَا وصلت إِلَيْهِم بِوَاسِطَة الْملك فَنَقُول قبل الدَّلِيل يلْزم أَن يكون ذَلِك الْملك غير مَعْصُوم بل يكون آتِيَا بِالْفِعْلِ الْقَبِيح إِلَّا أَنا بِشَهَادَة الْأَنْبِيَاء علمنَا كَون ذَلِك الْملك مَعْصُوما وعَلى هَذَا تتَوَقَّف صِحَة نبوة الْأَنْبِيَاء على عصمَة الْملك وتتوقف عصمَة الْملك على صِحَة نبوتهم وَذَلِكَ دور وَهُوَ بَاطِل والعاشر أَلَيْسَ أَن الْأَنْبِيَاء اتَّفقُوا على إِثْبَات روح مَوْصُوف بالخبث فِي غَايَة والشدة وَهُوَ إِبْلِيس فَلم لَا يجوز أَن يكون الَّذِي أَعَانَهُ على تِلْكَ الْأَعْمَال هُوَ إِبْلِيس وَلَا يُقَال إِن مُحَمَّدًا ﷺ دينه لعن إِبْلِيس فَكيف يُعينهُ إِبْلِيس لأَنا نقُول إِن المكار الْخَبيث قد يرضى بشتم نَفسه ليتوصل بِهِ إِلَى ترويج خبثه فَهَذِهِ احتمالات عشرَة فِي بَيَان أَنه لم يثبت بِالدَّلِيلِ أَن فَاعل المعجزات هُوَ الله تَعَالَى الْمقَام الثَّانِي إِن سلمنَا أَن فاعلها هُوَ الله تَعَالَى فَلم قُلْتُمْ إِنَّه تَعَالَى فعلهَا لأجل التَّصْدِيق وَتَقْرِيره وَهُوَ أَن النَّاس مذهبين أَحدهمَا أَن أَفعَال الله تَعَالَى وَأَحْكَامه غير معللة بِشَيْء من الْأَغْرَاض والدواعي وَالثَّانِي أَن أَفعاله مَوْقُوفَة على الدَّوَاعِي
следующие страницы →