Полный текст (173 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
٣ - وَمِنْهُم العمروية أَتبَاع عَمْرو بن بَيَان الْعجلِيّ وَهَؤُلَاء كَانُوا يعْبدُونَ جعفرا ويرونه إِلَهًا
٤ - وَمِنْهُم المفضلية أَتبَاع مفضل الصَّيْرَفِي وَكَانَ يَقُول بإلهية جَعْفَر ويتبرأ من أبي الْخطاب
٥ - وَمِنْهُم الخطابية الْمُطلقَة وَكَانُوا يَقُولُونَ أَنه لم يكن بعد أبي الْخطاب إِمَام
٨ - الْفرْقَة الثَّامِنَة
الغرابية
وَكَانُوا يَقُولُونَ إِن الله تَعَالَى بعث جِبْرِيل إِلَى عَليّ فغلط وَجَاء إِلَى مُحَمَّد قَالُوا وَإِنَّمَا غلط لِأَنَّهُ كَانَ يشبه مُحَمَّدًا وَكَانَ أشبه بِهِ من الْغُرَاب بالغراب والذباب بالذباب من أجل هَذَا سموا غرابية وَهَؤُلَاء كَانُوا يلعنون صَاحب الريش يعنون بِهِ جِبْرِيل ﵊ وَقد أنزل الله سُبْحَانَهُ فِي صفة الْيَهُود حِين قَالُوا إِن جِبْرِيل عَدو لنا وَلم يَكُونُوا يلعنونه قَوْله تَعَالَى ﴿من كَانَ عدوا لله وَمَلَائِكَته وَرُسُله وَجِبْرِيل وميكال فَإِن الله عَدو للْكَافِرِينَ﴾ وَهَؤُلَاء أولى بِهَذِهِ الصّفة لأَنهم يلعنونه وَالْيَهُود مَا كَانُوا يلعنونه
وَأعلم أَن من هَؤُلَاءِ الغرابية قوم يُقَال لَهُم المفوضة كَانُوا يَقُولُونَ إِن الله تَعَالَى خلق مُحَمَّدًا وفوض إِلَيْهِ تَدْبِير الْعَالم فَكَانَ هُوَ الْخَالِق للْعَالم ثمَّ إِنَّه فوض بعده إِلَى عَليّ تَدْبِير الْعَالم فَهَؤُلَاءِ الْقَوْم شَرّ من الْمَجُوس الَّذين قَالُوا إِن الله خلق الشَّيْطَان وفوض إِلَيْهِ الْأَمر فَكَانَ الشَّيْطَان يخلق الشرور لِأَن هَؤُلَاءِ قَالُوا بالتفويض
стр. 107
فِي الشَّرّ وَالْخَيْر وَهَؤُلَاء شَرّ من النَّصَارَى حِين قَالُوا إِن عِيسَى كَانَ إِلَهًا وَكَانَ الْمُدبر الثَّانِي للْعَالم لِأَن هَؤُلَاءِ نقلوه من شخص إِلَى شخص وَأُولَئِكَ اقتصروا على الْمَسِيح
وَمن الغرابية أَيْضا قوم يُقَال لَهُم الذِّمِّيَّة كَانُوا يَقُولُونَ إِن عليا بعث مُحَمَّدًا حَتَّى يَدْعُو الْخلق إِلَى إلهيته فجَاء مُحَمَّد وإدعى الرسَالَة من إِلَه آخر ويذمون مُحَمَّدًا ﷺ بِهَذَا السَّبَب وَلِهَذَا سموا الذِّمِّيَّة
٩ - الْفرْقَة التَّاسِعَة
مِنْهُم الشريعية والنميرية
والشريعية أَتبَاع رجل كَانَ يَدعِي شريعا وَكَانَ يَقُول إِن الله تَعَالَى حل فِي خَمْسَة أشخاص فِي مُحَمَّد وَعلي وَفَاطِمَة وَالْحسن وَالْحُسَيْن وَكَانُوا يَقُولُونَ إِن هَؤُلَاءِ آلِهَة ولهؤلاء الْخَمْسَة خَمْسَة أضداد
ثمَّ كَانَ قوم مِنْهُم يَقُولُونَ إِن أضدادهم مذمومون وَقوم مِنْهُم يَقُولُونَ أَنهم لَا يذمون لِأَن فضل هَؤُلَاءِ لَا يتَبَيَّن إِلَّا بأضدادهم وَهَذَا الشريعي كَانَ يَدعِي لنَفسِهِ الإلهية
وَكَانَ النميري خَلِيفَته وَكَانَ يَدعِي لنَفسِهِ مثله بعده وَجُمْلَة النميرية والشريعية والخطابية وَكَانُوا يدعونَ إلهية جَعْفَر الصَّادِق وَكَانُوا يَقُولُونَ إِن جعفرا دفع إِلَيْهِم جلدا مَكْتُوبًا فِيهِ كل علم يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ وَكَانُوا يَقُولُونَ لَا يقْرَأ مَا فِي ذَلِك الْجلد إِلَّا من كَانَ على دينهم وَقَالَ هَارُون بن سعد الْعجلِيّ فِي صفتهمْ
(ألم تَرَ أَن الرافضين تفَرقُوا ... وَكلهمْ فِي جَعْفَر قَالَ مُنْكرا)
(فطائفة قَالُوا إِلَه وَمِنْهُم ... طوائف سمته النَّبِي المطهرا)
(وَمن عجب لم أقضه جلد جفرهم ... بَرِئت إِلَى الرَّحْمَن مِمَّن تجعفرا)
стр. 108
(بَرِئت إِلَى الرَّحْمَن من كل رافض ... بَصِير بِبَاب الْكفْر فِي الدّين اعورا)
(وَلَو قيل إِن الْفِيل ضَب لصدقوا ... وَلَو قيل زنجي تحول أحمرا)
(وأخلف من بَوْل الْبَعِير فَإِنَّهُ ... إِذا هُوَ للإقبال وَجه أدبرا)
١٠ - الْفرْقَة الْعَاشِرَة
مِنْهُم الحلولية وهم فرق ظَهرت فِي دولة الْإِسْلَام كَانَ غرضهم إِفْسَاد التَّوْحِيد على الْمُسلمين فَمن جُمْلَتهمْ مَا ذَكَرْنَاهُمْ من غلاة الروافض الَّذين ادعوا حُلُول الْإِلَه فِي الْأَئِمَّة كَمَا حكيناه عَنْهُم من قبل وَحدث بعدهمْ أَقوام من الحلولية كالمقنعية بِمَا وَرَاء النَّهر والرزامية والبركوكية والحلمانية والحلاجية والغذافرة
إِمَّا الرزامية فَإِنَّهُم افرطوا فِي مُوالَاة أبي مُسلم صَاحب الدولة العباسية وَقَالُوا إِن الأمامة انْتَقَلت من أبي هَاشم عبد الله بن مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة إِلَى مُحَمَّد بن عبد الله بن عَبَّاس بِوَصِيَّة أبي هَاشم ثمَّ انْتَقَلت من مُحَمَّد إِلَى ابْنه إِبْرَاهِيم ثمَّ من إِبْرَاهِيم إِلَى عبد الله الَّذِي كَانَ يَدعِي أَبَا الْعَبَّاس السفاح وَمِنْه إِلَى أبي مُسلم وَهَؤُلَاء يعترفون بِمَوْت أبي مُسلم إِلَّا فريق مِنْهُم اسمهم أَبُو مسلمية قَالُوا إِن أَبَا مُسلم حَيّ وَإنَّهُ روح الْإِلَه انْتَقَلت إِلَيْهِ وهم على انْتِظَاره وَيَقُولُونَ إِن الَّذِي قَتله أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور كَانَ شَيْطَانا تصور بِصُورَة أبي مُسلم
٢ - وَأما المقنعية فهم مبيضة مَا وَرَاء النَّهر وَكَانَ زعيمهم رجلا كَانَ يعرف بالمقنع وَكَانَ رجلا قصارا أَعور من قَرْيَة من قرى مرو كَانَ قد نظر فِي شَيْء من الهندسة والنيرنجات وَكَانَ على دين الرزامية ثمَّ أدعى لنَفسِهِ الإلهية
стр. 109
واحتجب من النَّاس فاغتر بِهِ جمَاعَة من أهل جبل إبلاق ودامت فتنته أَربع عشرَة سنة وَوَافَقَهُ جمَاعَة من الأتراك على كفره وَكَانُوا يغيرون على الْمُسلمين ويهزمون عَسَاكِر الْمُسلمين فِي أَيَّام الْمهْدي بن الْمَنْصُور وَكَانَ الْمقنع أحل الْمُحرمَات لأتباعه وَأسْقط مِنْهُم الصَّلَاة وَالصَّوْم وَجُمْلَة الْفَرَائِض وَكَانَ يَقُول لَا تباعه إِنَّه هُوَ الْإِلَه وَإنَّهُ يظْهر مرّة بِصُورَة آدم وَكَانَ يظْهر بعده فِي صُورَة كل وَاحِد من الْأَنْبِيَاء وَظهر فِي صُورَة عَليّ ثمَّ فِي صُورَة أَوْلَاده على التَّرْتِيب الَّذِي ذَكرْنَاهُ ثمَّ فِي صُورَة أبي مُسلم وَقد ظهر الْآن فِي صُورَة هِشَام بن الحكم يَعْنِي بِهِ نَفسه
وَكَانَ يَقُول إِنَّمَا يظْهر فِي هَذِه الصُّورَة لِأَن عبيده لَا يُطِيقُونَ أَن يروه فِي صورته الْأَصْلِيَّة وَإِن من رَآهُ فِي صورته الْأَصْلِيَّة احْتَرَقَ فألح عَلَيْهِ قومه وَقَالُوا نَحن نُرِيد أَن نرَاك فِي الصُّورَة الْأَصْلِيَّة فَقَالَ هَذَا شَيْء سَأَلَهُ قوم مُوسَى فاحترقوا وَذَلِكَ فِي الْقُرْآن فِي قَوْله ﴿وَإِذ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لن نؤمن لَك حَتَّى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وَأَنْتُم تنْظرُون﴾ فَقَالَ قوم مِنْهُم رَضِينَا بذلك وَيجوز لنا أَن نرَاك ونحترق فَوَعَدَهُمْ يَوْمًا وَأمر فَوضع لَهُ مِنْبَر فِي مُقَابلَة الشَّمْس وَقت الضحوة وعلق مرْآة مقعرة من الْحَدِيد الصيني فَوق الْمِنْبَر بِحَيْثُ يكون شعاعها الْخَارِج بَينهمَا بالزاوية الْقَائِمَة فِي مُقَابلَة الْبَاب الَّذِي يدْخلُونَ مِنْهُ ثمَّ أذن لَهُم بعد ارْتِفَاع النَّهَار وَأمر بِرَفْع السّتْر فَلَمَّا وَقع عَلَيْهِم الشعاع احْتَرَقَ مِنْهُم قوم وهرب الْبَاقُونَ من ذَلِك الْمَكَان فاغتر بِهِ الْقَوْم وَلم يطالبوه بعد ذَلِك بِالرُّؤْيَةِ وَكَانُوا يتابعونه بعد فِيمَا يَأْمُرهُم بِهِ وَاتخذ حصارا بكش وَكَانَ عرض جِدَاره مائَة آجرة وَكَانَ قد أحدث قُدَّام الْجِدَار ثَلَاثَة خنادق بَين كل خندقين جِدَار فَبعث الْمهْدي جندا فيهم سَبْعُونَ ألف مقَاتل وأتبعهم سعد بن عَمْرو الجرشِي مَعَ عَسْكَر آخر وَكَانُوا يُقَاتلُون الْمقنع سِنِين فَأمر هُوَ بإصلاح سلالم من الْخشب وَمن الْحَدِيد وَكَانَ يصنعها على عرض تِلْكَ الْخَنَادِق وَبعث إِلَى مولتان حَتَّى حمل إِلَيْهِ عدد كثير من جُلُود الجواميس فملأها رملا وطرحها فِي الخَنْدَق ليعبر عَلَيْهِ الْعَسْكَر فَلَمَّا رَأَوْا تِلْكَ الْحَال استأمن إِلَيْهِ ثَلَاثُونَ ألفا مِنْهُم وَقتل الْبَاقُونَ وَكَانَ الْمقنع قد أصلح تنورا أذاب فِيهِ السكر
стр. 110
والقطران فَلَمَّا ضَاقَ بِهِ الْأَمر طرح نَفسه فِيهِ حَتَّى ذاب وَلم يبْق مِنْهُ شَيْء يظْهر فَلَمَّا طلبه من بَقِي من أَتْبَاعه لم يَجدوا مِنْهُ شَيْئا قَالُوا إِنَّه رفع إِلَى السَّمَاء وَأَتْبَاعه الْيَوْم أَكثر تِلْكَ الْقرى وبحبل أبلاق لَا يصلونَ وَلَا يَصُومُونَ وَلَهُم مَسَاجِد بنوها يستأجرون من يُؤذن لَهُم فِيهَا يسْتَحلُّونَ أكل الْميتَة وَالْخِنْزِير وَالزِّنَا حَتَّى أَن كل وَاحِد مِنْهُم يسْتَحل حَلِيلَة صَاحبه ويخفون هَذِه الْأَحْوَال عَن عوام أبلاق
٣ - وَأما الحلمانية أَتبَاع رجل يُقَال لَهُ أَبُو حلمان الدِّمَشْقِي وَكَانَ أَصله من فَارس وَلكنه أظهر بدعته فِي دمشق وَكَانَ يَقُول كل شخص حسن فَروح الْإِلَه حَال فِيهِ وَقَومه إِذا رَأَوْا صُورَة حَسَنَة سجدوا لَهَا وَكَانَ يَقُول إِن كل من كَانَ اعْتِقَاده مثل اعتقادي فَلَا تَكْلِيف عَلَيْهِ وكل مَا يشتهيه فَهُوَ حَلَال لَهُ
٤ - وَأما الحلاجية فهم ينتسبون إِلَى أبي المغيث الْحُسَيْن بن مَنْصُور الحلاج من أَرض فَارس من بلد يُقَال لَهُ بَيْضَاء وَكَانَ فِي أول أمره يتَكَلَّم على لِسَان الصُّوفِيَّة وَيتَعَاطَى الْعبارَات الَّتِي تسميها الصُّوفِيَّة الشطح وَهُوَ أَن يتَكَلَّم بِكَلَام يحْتَمل مَعْنيين أَحدهمَا مَذْمُوم وَالْآخر مَحْمُود وَكَانَ يَدعِي فِي كل علم وافتتن بِهِ أهل الْعرَاق وَجَمَاعَة من أهل طالقان خُرَاسَان وَاخْتلف المتكلمون وَالْفُقَهَاء والصوفية فِي حَاله أما المتكلمون فأكثرهم على أَنه من الحلولية وَكَانَ محتالا ممخرقا وَإِلَيْهِ ذهب القَاضِي أَبُو بكر وَحكى فِي كِتَابه كثيرا من حيله
стр. 111
وَجَمَاعَة من متكلمي الْبَصْرَة يُقَال لَهُم السالمية وهم من جملَة الحشوية يَتَكَلَّمُونَ ببدع متناقضة قبلوه وَقَالُوا إِنَّه كَانَ صوفيا محققا وَله كَلَام فِي معَان دقيقة فِي حقائق الصُّوفِيَّة وَكَذَلِكَ الْفُقَهَاء اخْتلفُوا فِي حَاله سُئِلَ أَبُو الْعَبَّاس بن سُرَيج عَن حَاله لما أُرِيد قَتله فتوقف فِيهِ وَأفْتى أَبُو بكر بن دَاوُد بِجَوَاز قَتله وَكَذَلِكَ أهل التصوف اخْتلفُوا فِي حَاله فَرده عَمْرو بن عُثْمَان الْمَكِّيّ وَأَبُو يَعْقُوب الأقطع وردوا من كَلَامه أَنه قَالَ يَوْمًا للجنيد أَنا الْحق فَقَالَ لَهُ الْجُنَيْد أَنْت بِالْحَقِّ أَي خَشَبَة تفْسد فظهرت فراسته حَتَّى صلب بعد ذَلِك وَقَبله أَبُو الْعَبَّاس بن عَطاء وَأَبُو عبد الله بن خَفِيف وَأَبُو الْقَاسِم النصرآبادي وَفَارِس الدينَوَرِي وَقَالُوا أظهر الله عَلَيْهِ أحوالا من الكرامات وَكَانَ من حَقه أَن يحفظ سره فِيهَا فعاقبه الله تَعَالَى بتسليط من كَانَ يردهُ عَلَيْهِ حَتَّى بَقِي حَاله مُشكلا ملبسا قَالُوا وَالدَّلِيل على صِحَة بَاطِنه أَنه كَانَ يقطع يَده وَرجله وَيَقُول حسب الْوَاحِد أَفْرَاد الْوَاحِد
وَحكى عَنهُ انه سُئِلَ يَوْمًا عَن دينه فَقَالَ ثَلَاث أحرف لَا عجم فِيهَا ومعجومان وَانْقطع الْكَلَام قَالُوا أَرَادَ بِهِ التَّوْحِيد وَالَّذين قَالُوا بتفكيره إِنَّمَا قَالُوهُ لما حكوا عَنهُ أَنه كَانَ يَقُول كل من هذب نَفسه فِي الطَّاعَة وصبر على اللَّذَّة وَصفا حَتَّى لَا يبْقى فِيهِ شَيْء من البشرية حل فِيهِ روح الْإِلَه كَمَا حل فِي عِيسَى ﵇ وَلَا يُرِيد شَيْئا إِلَّا كَانَ كَمَا أَرَادَ وَيكون جملَة فعله قَول الله تَعَالَى وَكَانَ
стр. 112
يَدعِي لنَفسِهِ هَذِه الْمنزلَة وَوجد لَهُ كتب كتبهَا إِلَى أَتْبَاعه عنوانها من الهو هُوَ رب الأرباب المتصور فِي كل صُورَة إِلَى عَبده فلَان وَأَتْبَاعه كَانُوا يَكْتُبُونَ إِلَيْهِ يَا ذَات الذَّات ومنتهى غَايَة اللَّذَّات نشْهد أَنَّك تتَصَوَّر فِيمَا شِئْت من الصُّور وَأَنَّك الْآن مُتَصَوّر فِي صُورَة الْحُسَيْن بن مَنْصُور وَنحن نستجيرك يَا علام الغيوب وَيُقَال أَنه اختدع جمَاعَة من خَواص المقتدر فخاف المقتدر فتْنَة فَعرض حَاله على الْفُقَهَاء واستفتى فِيهِ الْفُقَهَاء فَوَافَقَ مُرَاده فَتْوَى أبي بكر بن دَاوُد فَأمر حَتَّى ضرب ألف سَوط وَقطعت يَدَاهُ وَرجلَاهُ وصلب يَوْم الثُّلَاثَاء لثلاث بَقينَ من ذِي الْقعدَة سنة تسع وثلاثمائة ثمَّ أَمر حَتَّى أنزل من خشبته وأحرق وَطرح رماده فِي دجلة وَأَتْبَاعه الَّذين من أهل طالقان قَالُوا أَنه حَيّ وَإِن الَّذِي قتل كَانَ شخصا ألْقى عَلَيْهِ شبهه وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْأَمر
٥ - وَأما العذافرة فهم أَتبَاع رجل ظهر فِي أَيَّام الراضي بن المقتدر سنة اثْنَيْنِ وَعشْرين وثلثمائة وَهُوَ أَبُو العذافر مُحَمَّد بن عَليّ الشلمغاني وَكَانَ يَدعِي أَن روح الْإِلَه قد حل فِيهِ وكا يُسَمِّي نَفسه روح الْقُدس وَكَانَ قد وضع لأَصْحَابه كتابا سَمَّاهُ كتاب الحاسة السَّادِسَة وَكَانَ قد أَبَاحَ لَهُم اللواطة فِي ذَلِك الْكتاب وَأَتْبَاعه كَانُوا يبيحون لَهُ حرمهم وَكَانُوا يَقُولُونَ أَنه إِذا ألم بشخص وصل نوره إِلَيْهِ فَقتله الراضي بِاللَّه وظفر بِجَمَاعَة من أَصْحَابه مثل الْحُسَيْن بن الْقَاسِم بن عبد الله وَأبي عمرَان إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن المنجم وَوجد الْكتب الَّتِي كتبوها إِلَيْهِ فَوجدَ فِيهَا انهم قَالُوا فِي وَصفه أَنه قَادر على كل شَيْء فعرضوا على الْفُقَهَاء الَّذين كَانُوا فِي زَمَانه مثل ابْن سُرَيج فأظهروا التَّوْبَة فَأفْتى أَبُو الْعَبَّاس بن سُرَيج بِقبُول تَوْبَتهمْ كَمَا هُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي وَأفْتى أَبُو الْفرج الْمَالِكِي على مَذْهَب مَالك أَنه لَا تقبل ثوبتهم إِذا عثر عَلَيْهِم وَإِنَّمَا تقبل إِذا أظهرُوا حَالهم على الإبتداء فَأمر الراضي بِاللَّه
стр. 113
بِقَتْلِهِمَا مَعَ أبي العذافر وَطرح رمادهم فِي دجلة بعد إحراق جثثهم
١١ - الْفرْقَة الْحَادِيَة عشرَة
مِنْهُم الخرمية وهم فرقتان
فرقة مِنْهُم كَانُوا قبل دولة الْإِسْلَام وهم المزدكية كَانُوا يسْتَحلُّونَ الْمُحرمَات كلهَا وَكَانُوا يَقُولُونَ إِن النَّاس كلهم شُرَكَاء فِي الْأَمْوَال وَالْحرم وقتلهم أنوشروان فِي أَيَّام مَمْلَكَته
والفريق الثَّانِي من الخرمية ظَهَرُوا فِي دولة الْإِسْلَام كالبابكية والمازبارية ويسمون المحمرة
١ - فالبابكية أَتبَاع بابك الخرمي الَّذِي ظهر بِنَاحِيَة أذربيجان وَكَثُرت أَتْبَاعه وَكَانَ يسْتَحل الْمُحرمَات كلهَا وَهزمَ كثيرا من عَسَاكِر بني الْعَبَّاس فِي مُدَّة عشْرين سنة إِلَى أَن أسر مَعَ أَخِيه إِسْحَاق وصلب بسر من رأى فِي أَيَّام المعتصم
٢ - وَأما المازبارية فهم أَتبَاع مازبار فَإِنَّهُ كَانَ يَدْعُو إِلَى دين المحمرة
стр. 114
وَظهر لَهُ أَتبَاع فِي جبال طبرستان وإليهم تنْسب قنطرة المحمرة بجرجان وَذَاكَ من آثَارهم وَقبض عَلَيْهِ أَيْضا فِي أَيَّام المعتصم وصلب أَيْضا بسر من رأى فِي مُقَابلَة بابك الخرمي وللبابكية فِي تِلْكَ الْجبَال لَيْلَة يَجْتَمعُونَ فِيهَا على كل نوع من الْفساد من الْخمر وَالزمر وَغير ذَلِك ويجتمع فِيهَا الرِّجَال وَالنِّسَاء ثمَّ يطفئون السراج والنيران وَيقوم كل وَاحِد مِنْهُم بِوَاحِدَة من النِّسَاء اللَّاتِي جلسن مَعَهم كَيْفَمَا يَقع وَهَؤُلَاء الخرمية يدعونَ أَنه كَانَ لَهُم ملك فِي الْجَاهِلِيَّة اسْمه شروين ويفضلونه على الْأَنْبِيَاء وَمَتى مَا ناحوا على ميت لَهُم أخذُوا باسمه ندبة ونياحا تفجعا عَلَيْهِ ١٢
الْفرْقَة الثَّانِيَة عشرَة
مِنْهُم أهل التناسخ وهم قوم من الفلاسفة قبل الْإِسْلَام وَكَانَ سقراط من جُمْلَتهمْ وَكَانَ فِي دولة الْإِسْلَام من أهل التناسخ فريقان فريق من جملَة الْقَدَرِيَّة وفريق من غلاة الروافض وماني الثنوي قَالَ بالتناسخ فِي بعض كتبه وَذكر أَن أَرْوَاح الصديقين إِذا خرجت من أبدانهم اتَّصَلت بعمود الصُّبْح إِلَى ان تبلغ النُّور الَّذِي فَوق الْفلك وَيَكُونُونَ فِي السرُور دَائِما وأرواح أهل الضَّلَالَة تتناسخ فِي أجسام الْحَيَوَان فَلَا تزَال تنْتَقل من حَيَوَان إِلَى حَيَوَان إِلَى أَن يصفو من ظلمته فَحِينَئِذٍ يتَوَصَّل بِالنورِ الَّذِي فَوق الْفلك
وَقوم من الْيَهُود أَيْضا يَقُولُونَ بتناسخ الْأَرْوَاح وَيَقُولُونَ أَنهم وجدوا فِي كتاب دانيال أَن الله تَعَالَى مسخ بخت نصر فِي سبع صور من صور الدَّوَابّ وَالسِّبَاع
وَأما الَّذين يَقُولُونَ بالتناسخ من الْقَدَرِيَّة فهم أَتبَاع أَحْمد بن خابط وَكَانَ من أَصْحَاب النظام وَكَانَ ينتسب إِلَيْهِ وَيَقُول بالطفرة وينفي الْجُزْء الَّذِي لَا يتجزئ وَكَانَ يَقُول إِن قدرَة الله تَعَالَى تَنْقَطِع حَتَّى لَا يقدر على أَن يزِيد فِي نعيم أهل الْجنَّة
стр. 115
شَيْئا وَلَا أَن يزِيد فِي عَذَاب أهل النَّار شَيْئا وَكَانَ انتسابه إِلَيْهِم بِهَاتَيْنِ المقالتين ثمَّ زَاد عَلَيْهِم القَوْل بِمذهب أهل التناسخ وَكَانَ أَحْمد بن بانوش من أَصْحَابه وَكَانَ ينتسب إِلَيْهِ وَيَقُول بالتناسخ وَبَينهمَا خلاف كثير فِي مَوَاضِع وَكَانَ أَحْمد بن مُحَمَّد القحطي فِي زمَان الجبائي يجمع بَين القَوْل بالإعتزال والتناسخ وَكَانَ عبد الْكَرِيم ابْن أبي العوجاء خَال معن بن زَائِدَة فِي السِّرّ على دين المانوية وَكَانَ يَقُول بالتناسخ وَكَانَ فِي الظَّاهِر ينتسب إِلَى الْقَدَرِيَّة والرافضة وَوضع كثيرا من الْأَحَادِيث اغْترَّ بهَا الروافض وأفسد على الروافض صومهم وَوضع لَهُم حسابا يغيرون بِهِ رُءُوس الشُّهُور وَنسب ذَلِك إِلَى جَعْفَر بن مُحَمَّد بن جَعْفَر الصَّادِق ﵁ وَلما ظهر خبر وضع الْحساب أَمر بقتْله أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْهَاشِمِي فصلب
وَبينهمْ خلاف كثير فِي معنى التناسخ كَانَ أَحْمد بن خابط يَقُول إِن الله خلق الْخلق فِي أبدان صَحِيحَة وعقول تَامَّة فِي دَار لَيست دَار الدُّنْيَا وَخلق لَهُم الْمعرفَة بِهِ وَأتم نعْمَته عَلَيْهِم وَأمرهمْ بشكره وَكَانَ يَقُول إِن الْإِنْسَان فِي الْحَقِيقَة هُوَ الرّوح لَا هَذَا القالب الَّذِي نشاهده وَإِن الرّوح هِيَ عَالم قَادر
وَكَانَ يَقُول إِن الْحَيَوَانَات كلهَا جنس وَاحِد وَإِن جَمِيع الْحَيَوَانَات فِي مَحل التَّكْلِيف ثمَّ كَانَ يَقُول أَن من اطاعه فِي تِلْكَ الدَّار أقره أقره هُنَاكَ وَمن عَصَاهُ هُنَاكَ أخرجه مِنْهَا إِلَى النَّار وكل من عَصَاهُ فِي الْبَعْض وأضاعه فِي الْبَعْض بَعثه إِلَى دَار الدُّنْيَا وَألبسهُ هَذِه القوالب وابتلاهم تَارَة بالشدة وَتارَة بالراحة وَتارَة بالألم وَتارَة باللذة وَجعل قوما مِنْهُم فِي صُورَة النَّاس وقوما فِي صُورَة الطُّيُور وقوما فِي صُورَة السبَاع وقوما فِي صُورَة الدَّوَابّ وقوما فِي صُورَة الحشرات كالحية وَمَا أشبه ذَلِك وَكَانَت درجاتهم فِي هَذَا الْمَعْنى على قدر معاصيهم فَمن كَانَت مَعْصِيَته
стр. 116
أقل فِي تِلْكَ الدَّار كَانَت صورته فِي الدُّنْيَا أحسن وَمن كَانَت مَعْصِيَته هُنَاكَ أَكثر كَانَ قالب روحه فِي الدُّنْيَا أقبح
وَيَقُولُونَ إِن الْحَيَوَان فِي الْحَقِيقَة هُوَ الرّوح وَلَا يزَال فِي دَار الدُّنْيَا ينْتَقل من قالب إِلَى قالب على مِقْدَار الطَّاعَات والمعاصي من قوالب النَّاس وَالدَّوَاب حَتَّى تتمحص طاعاته فينقل إِلَى دَار النَّعيم اَوْ مَعَاصيه فينقل إِلَى دَار الْجَحِيم وَخَالفهُ أَحْمد بن بانوش فَقَالَ مَتى كَانَ فِي صُورَة بَهِيمَة لَا يكون عَلَيْهِ تَكْلِيف وَكَانَ أَحْمد ابْن خابط يَقُول بل يكون عَلَيْهِ التَّكْلِيف وَيكون التسخير للذبح وَالرُّكُوب عُقُوبَة لَهُ وَكَانَ أَحْمد بن بانوش يَقُول من الْمُكَلّفين من يُكَرر طاعاته حَتَّى يصير مُسْتَحقّا لِأَن يصير نَبيا أَو ملكا
وَكَانَ القحطي مِنْهُم يَقُول إِن الله تَعَالَى لم يكلفهم ابْتِدَاء وَلَكنهُمْ سَأَلُوا أَن يكلفهم ليرْفَع بِهِ درجاتهم لِأَن الله تَعَالَى عرفهم أَنهم لَا يدركون الدَّرَجَات إِلَّا بالتكليف وَأَنَّهُمْ إِن عصوا يسْتَحقُّونَ الْعقُوبَة وَقَالُوا رَضِينَا بِهِ وَكَانَ يَقُول هَذَا معنى قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا عرضنَا الْأَمَانَة على السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال فأبين أَن يحملنها وأشفقن مِنْهَا وَحملهَا الْإِنْسَان إِنَّه كَانَ ظلوما جهولا﴾
وَكَانَ أَبُو مُسلم الْحَرَّانِي مِنْهُم يَقُول إِن الله تَعَالَى خلق أَرْوَاحهم وكلف بِهِ من علم أَنه يعصيه لكِنهمْ عصوا على الِابْتِدَاء فنقلهم بالمسخ والنسخ إِلَى قوالب مُخْتَلفَة على قدر معاصيهم
١٣ - الْفرْقَة الثَّالِثَة عشرَة
خابطية الْقدر أَصْحَاب أَحْمد بن خابط وَقد ذكرنَا قَوْله فِي التناسخ وَكَانَ مشاركا للفضل الحدثي فِي ضلالاته وَهُوَ أَنه كَانَ يَقُول لِلْخلقِ إلهان أَحدهمَا
стр. 117
قديم وَالْآخر مُحدث وَهُوَ عِيسَى بن مَرْيَم وَكَانَ يَقُول عِيسَى بن مَرْيَم ابْن الله لَا على معنى الْولادَة وَلَكِن على معنى أَنه تبناه وَهُوَ الَّذِي يُحَاسب الْخلق فِي الْآخِرَة وَهُوَ الَّذِي يَقُول الله تَعَالَى فِيهِ ﴿وَجَاء رَبك وَالْملك صفا صفا﴾ وَيَقُول فِيهِ ﴿هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيهم الله فِي ظلل من الْغَمَام وَالْمَلَائِكَة وَقضي الْأَمر وَإِلَى الله ترجع الْأُمُور﴾ قَالَ فقد خلقه الله على صُورَة نَفسه قَالَ وَهُوَ المُرَاد بقول النَّبِي ﷺ (ترَوْنَ ربكُم كَمَا ترَوْنَ الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر) وَبِقَوْلِهِ ﵊ (إِن الله لما خلق الْعقل وَقَالَ لَهُ أقبل فَأقبل ثمَّ قَالَ لَهُ أدبر فَأَدْبَرَ فَقَالَ لَهُ مَا خلقت خلقا أكْرم مِنْك بك أعطي وَبِك آخذ وَقَوْلهمْ فِي هَذَا شَرّ من قَول الثنوية حِين أضافوا الْأَفْعَال إِلَى فاعلين اثْنَيْنِ
١٤ - الْفرْقَة الرَّابِعَة عشرَة
الحمارية من الْقَدَرِيَّة وهم قوم من الْمُعْتَزلَة يسكنون عَسْكَر مكرم واختاروا من بدع الْقَدَرِيَّة مَا هُوَ شَرّ وأقبح لركاكة عُقُولهمْ وسخافة معارفهم فَأخذُوا القَوْل بالتناسخ من أَحْمد بن خابط وَأخذُوا من عباد بن سُلَيْمَان الضمرِي قَوْله إِن الَّذين مسخهم الله قردة وَخَنَازِير كَانُوا نَاسا بعد المسخ واخذوا من جعد بن دِرْهَم الَّذِي قَتله خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي قَوْله إِن النّظر الأول الَّذِي تحصل بِهِ الْمعرفَة فعل لَا فَاعل لَهُ وَكَانَ يَقُول إِن الْخمر لَيْسَ من فعل الله وَلكنه من فعل الْخمار
стр. 118
وَكَانَ يَقُول إِن من وضع اللَّحْم حَتَّى يدود كَانَ الدُّود من خلقه وَمن دفن الْآجر والتبن حَتَّى تولد مِنْهُ الْعَقْرَب كَانَ الْعَقْرَب من فعله وَمن دفن الكمأة حَتَّى صَارَت حَيَّة كَانَت الْحَيَّة من فعله فنسبوا خلق الدُّود والحية وَالْعَقْرَب إِلَى الْإِنْسَان فِي هَذِه الْمَوَاضِع
١٥ - الْفرْقَة الْخَامِسَة عشرَة
مِنْهُم يزيدية الْخَوَارِج أَتبَاع يزِيد الْخَارِجِي وَكَانَ من الْبَصْرَة ثمَّ رَجَعَ إِلَى جور فَارس وَكَانَ عَليّ رأى الأباضية من الْخَوَارِج وَكَانَ يَقُول إِن الله تَعَالَى يبْعَث رَسُولا من الْعَجم وَينزل عَلَيْهِ كتابا ينْسَخ بِهِ شَرِيعَة مُحَمَّد ﷺ وَكَانَ يَقُول أَتْبَاعه يكونُونَ فِي الصائبة الْمَذْكُورَة فِي الْقُرْآن
١٦
- الْفرْقَة السَّادِسَة عشرَة
مِنْهُم ميمونية الْخَوَارِج وهم اتِّبَاع رجل كَانَ اسْمه ميمونا وَكَانَ على مَذْهَب العجاردة ثمَّ خالفهم وَرجع إِلَى مَذْهَب الْقَدَرِيَّة فِي بَاب الْقدر والارادة والاستطاعة ثمَّ اخْتَار من دين الْمَجُوس استحلال بَنَات النَّبَات وَبَنَات الْبَنِينَ واباح لاتباعه التَّزَوُّج بِهن وَكَذَلِكَ أَبَاحَ لَهُم التَّزَوُّج ببنات الاخوة والاخوات وَكَانَ يُنكر سُورَة يُوسُف وَيَقُول أَنَّهَا لَيست من الْقُرْآن ١٧
الْفرْقَة السَّابِعَة عشرَة
مِنْهُم الباطنية وفتنتهم على الْمُسلمين شَرّ من فتْنَة الدَّجَّال فَإِن فتْنَة الدَّجَّال
стр. 119
إِنَّمَا تدوم أَرْبَعِينَ يَوْمًا وفتنة هَؤُلَاءِ ظَهرت أَيَّام الْمَأْمُون وَهِي قَائِمَة بعد وَإِنَّمَا ظَهرت فتنتهم عَن تَدْبِير جمَاعَة وهم عبد الله بن مَيْمُون القداح وَكَانَ مولى جَعْفَر بن مُحَمَّد الصَّادِق وَمُحَمّد بن الْحُسَيْن الْمَعْرُوف بدندان وَجَمَاعَة كَانُوا يدعونَ الجهاربجة الَّذين كَانُوا مَعَ الملقب بدندان وَمَعَ مَيْمُون بن ديصان كلهم اجْتَمعُوا فِي سجن الْعرَاق وَوَضَعُوا مَذْهَب الباطنية فَلَمَّا خلصوا من السجْن ظَهرت دعوتهم وَأول من قَامَ بهَا مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الملقب بدندان ابْتَدَأَ الدعْوَة فِي أكراد جبال توز حَتَّى دخل فِي دَعوته جمَاعَة من أهل بدين ثمَّ إِن مَيْمُون بن ديصان قصد نَاحيَة الْمغرب وانتسب إِلَى عقيل بن أبي طَالب فَلَمَّا أَجَابَتْهُ جمَاعَة ادّعى أَنه من اولاد مُحَمَّد ابْن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر الصَّادِق فَقبله مِنْهُ جمَاعَة من الْجُهَّال الَّذين لم يعلمُوا أَن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر خرج من الدُّنْيَا وَلم يعقب وَهَذَا شَيْء قد اتّفق عَلَيْهِ النسابة ثمَّ ظهر فِي أَتْبَاعه رجل اسْمه حمدَان قرمط فَدَعَا أهل الْبَحْرين وَكَانَ أَبُو سعيد الجنابي الَّذِي تغلب على أهل الْبَحْرين من أَتْبَاعه وأجابه جمَاعَة ثمَّ خرج سعيد بن الْحُسَيْن بن عبد الله بن مَيْمُون بن ديصان القداح إِلَى الْمغرب وَغير اسْمه وَنسبه فَقَالَ أَنا عبيد الله بن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر الصَّادِق وأجابه جمَاعَة من أهل الْمغرب ثمَّ خرج مِنْهُم رجل كَانَ يَدعِي أَبَا حَاتِم إِلَى أَرض الديلم فأجابته مِنْهُم جمَاعَة وَدخل فِي دعوتهم من أهل خُرَاسَان الْحُسَيْن بن عَليّ الْمروزِي فِي الْوَقْت الَّذِي كَانَ يتَوَلَّى هراة ومروروذ وَلما قتل قَامَ بدعوته فِيمَا وَرَاء النَّهر مُحَمَّد بن أَحْمد النَّسَفِيّ الْمَعْرُوف بالبزدوي وَأَبُو يَعْقُوب السجْزِي أَقَامَ دَعوته بِنَاحِيَة سجستان وَهَذَا الْبَزْدَوِيّ صنف لَهُم كتابا سمى وَاحِدًا مِنْهَا كتاب الْمَحْصُول وَآخر كتاب اساس الدعْوَة وَآخر كتاب كشف الْأَسْرَار وَآخر كتاب تَأْوِيل الشَّرِيعَة وَذكر أهل التَّارِيخ إِن دَعْوَة الباطينة ظَهرت فِي أَيَّام الْمَأْمُون وانتشرت فِي أَيَّام المعتصم وَدخل فِي دعوتهم من حشم المعتصم رجل يُقَال لَهُ أفشين وَكَانَ بِسَبَبِهِ يداهن بابك الخرمي حَتَّى هزم عددا من عَسَاكِر الْمُسلمين حَتَّى اجْتمع أَبُو دلف
стр. 120
الْعجلِيّ وقواد عبد الله بن طَاهِر وهزموا بابك الخرمي وأسروه وصلب بسر من رأى سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ
وَذكر أهل التواريخ إِن الَّذين وضعُوا دين الباطنية كَانُوا من أَوْلَاد الْمَجُوس وَكَانَ ميلهم إِلَى دين أسلافهم وَلَكنهُمْ لم يقدروا على إِظْهَاره مَخَافَة سيوف الْمُسلمين فوضعوا قَوَاعِد على مُوَافقَة أساس وضعوه حَتَّى تغتر بِهِ الإغمار وَذَلِكَ أَن الثنوية قَالُوا إِن للْعَالم صانعين أَحدهمَا النُّور يكون مِنْهُ الْخيرَات وَالْمَنَافِع وَالْآخر الظلمَة يكون مِنْهُ الشرور والمضار
وَقَالُوا إِن جملَة الْأَجْسَام امتزجت مِنْهُمَا ثمَّ قَالُوا إِن كل وَاحِد من هذَيْن الْأَصْلَيْنِ لَهُ طبائع أَرْبَعَة الْحَرَارَة والبرودة والرطوبة واليبوسة ثمَّ اقْتدى بهم الْمَجُوس وَقَالُوا إِن للْعَالم صانعين يَزْدَان واهرمن ثمَّ غيرت الباطنية عباراتهم فَقَالُوا إِن الله تَعَالَى خلق النَّفس وَكَانَ الله هُوَ الأول وَالنَّفس هُوَ الثَّانِي وَرُبمَا قَالُوا الْعقل هُوَ الأول وَالنَّفس هُوَ الثَّانِي وَزَعَمُوا أَن هذَيْن يدبران الْعَالم بتدبير الْكَوَاكِب السَّبْعَة والطبائع الْأَرْبَعَة وَهَذَا بِعَيْنِه قَول الْمَجُوس حَيْثُ قَالُوا أَن مُدبر الْعَالم إثنان أَحدهمَا قديم وَالْآخر حَادث حدث من فكرته إِلَّا أَن الْمَجُوس قَالُوا هما يَزْدَان واهرمن والباطنية قَالُوا هما الْعقل وَالنَّفس وَقد كَانَ مِنْهُم من جملَة البرامكة من سعى فِي إِظْهَار عبَادَة النَّار بَين الْمُسلمين فَقَالَ لهارون الرشيد يَنْبَغِي أَن ترَتّب فِي الْكَعْبَة إحراق الْعود والند ليَكُون ذَلِك اثرا زَائِدا على من قبلك وَأَرَادَ بذلك أَن يَجْعَل الْكَعْبَة بَيت نَار فَلَمَّا وقف عَلَيْهِ عُلَمَاء زمانهم عرفُوا الْخَلِيفَة حَاله وصرفوه عَن ذَلِك الرَّأْي
وكما أَن الباطنية احْتَالُوا فِي أصُول الدّين احْتَالُوا فِي اختداع أتباعهم واستمالة قُلُوبهم فأباحوا لَهُم جملَة اللَّذَّات والشهوات وأباحوا لَهُم نِكَاح الْبَنَات وَالْأَخَوَات واسقطوا عَنْهُم فَرَائض الْعِبَادَات وتأولوا أَرْكَان الشَّرِيعَة فَقَالُوا معنى الْفَرَائِض مُوالَاة زعمائهم وأئمتهم وَمعنى الْمُحرمَات تَحْرِيم مُوالَاة أبي بكر وَعمر وكل من خَالف مَذْهَب الباطنية
стр. 121
وَكَانُوا يؤولون الْمَلَائِكَة على دعاتهم الَّذين يدعونَ إِلَى بدعتهم وَقَالُوا إِن الشَّيَاطِين هم الَّذين لَا يكونُونَ على مَذْهَبهم من الْمُسلمين من عُلَمَاء أَصْحَاب الحَدِيث والرأي وَكَانُوا يسمون موافقيهم على بدعهم الْمُؤمنِينَ ومخالفيهم الْحمير والظاهرية
وَكَانَ من جُمْلَتهمْ رجل اسْمه عبيد الله بن الْحُسَيْن القيرواني كتب رِسَالَة إِلَى سُلَيْمَان بن الْحسن القرمطي وَكتب فِيهَا أوصيك بتشكيك النَّاس فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالْقُرْآن فَأَنَّهُ أعظم عون لَك على القَوْل بقدم الْعَالم وأوصيت إِلَيْك بِأَن تعرف مخاريق الْأَنْبِيَاء والأمور الَّتِي ناقضوا فِيهَا كَمَا قَالَ عِيسَى للْيَهُود أَنا لَا أرفع شَيْئا من شريعتكم وَلَا أنسخ ثمَّ رفع السبت وَوضع بدله الْأَحَد وَغير قبْلَة مُوسَى فَلَمَّا عثر الْيَهُود مِنْهُ على هَذِه المناقضة قَتَلُوهُ وَيَنْبَغِي أَن لَا تكون كصاحب الْأمة المنكوسة لما سَأَلُوهُ عَن الرّوح لم يدر مَا يَقُول فَقَالَ ﴿ويسألونك عَن الرّوح قل الرّوح من أَمر رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ من الْعلم إِلَّا قَلِيلا﴾ وهم قبلوا مِنْهُ ذَلِك وَيَنْبَغِي أَن لَا تكون كموسى ادّعى مَا ادَّعَاهُ وَلم يكن لَهُ برهَان سوى المخرقة وحيل الشعبذة وذلكم المحق فِي زَمَانه قَالَ ﴿فحشر فَنَادَى فَقَالَ أَنا ربكُم الْأَعْلَى﴾ وَإِنَّمَا سَمَّاهُ محقا على مذْهبه على معنى أَنه كَانَ صَاحب زَمَانه فِي دوره
وَذكر فِي تِلْكَ الرسَالَة فَقَالَ واعجب من هَذَا فِي دينهم أَن الْوَاحِد مِنْهُم يكون لَهُ ابْنه حسناء يحرمها على نَفسه ويبيحها للْأَجْنَبِيّ وَلَو كَانَ لَهُ عقل لعلم أَنه أولى بهَا من الرجل الْأَجْنَبِيّ وَلَكنهُمْ قوم خدعهم رجل بِشَيْء لَا يكون أبدا خوفهم بالقيامة وَالنَّار ومناهم الْجنَّة واستعبدهم لهَذَا السَّبَب فَكيف لم يخف فِي نَفسه مِمَّا خوفهم بِهِ حِين استعبدهم فِي العاجل وَلم يبال بِهِ ثمَّ ذكر الْمُدبر فِي آخر هَذَا الْكتاب
стр. 122
إِنَّك وأخوانك هم الوارثون الَّذين ورثوا الفردوس وَأَرَادَ بإخوانه الباطنية وَزعم أَنهم هم الَّذين يَرِثُونَ الفردوس ثمَّ فسر الفردوس فَقَالَ هُوَ نعيم الدُّنْيَا ولذاتها الَّتِي حرمهَا على هَؤُلَاءِ الْجُهَّال الَّذين تمسكوا بشرايع قوم من المتنبئين هَنِيئًا لكم الراحات الَّتِي وصلتم إِلَيْهَا والخلاص من التكليفات الَّتِي ابتلوا بهَا
وَاعْلَم أَن أول مَا يحتالون بِهِ هَؤُلَاءِ على السلاطين والعوام الَّذين لَا خبْرَة لَهُم فِي الْعُلُوم تقبيحهم الْعلمَاء فِي أعين الْعَوام يَقُولُونَ للْوَاحِد مِنْهُم أَن علماءكم لَا يعْرفُونَ شَيْئا وَلَو شِئْتُم لجربتموهم وعرفتم من حَالهم مَا يَقُولُونَ سلوهم لم وَجب غسل الْوَجْه فِي الْوضُوء وَالْحَدَث خرج من مَوضِع آخر وَأي حِكْمَة وَأي عَاقل يستحسن مثل هَذَا وَلم وَجب غسل جَمِيع الْبدن من قَطْرَة مني خرجت مِنْهُ وَلم يجب على كثير من الْحَدث وَالْبَوْل يخرج مِنْهُ إِلَّا غسل أَعْضَاء من الْبدن قَالُوا وَهَذَا بِالْعَكْسِ أولى
وإسألوا مِنْهُم لم كَانَت صَلَاة الْمغرب ثَلَاث رَكْعَات وَصَلَاة الصُّبْح رَكْعَتَيْنِ كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي طرف من طرفِي النَّهَار وَلم كَانَ الرُّكُوع وَاحِدًا وَالسُّجُود اثْنَيْنِ وَلم وَلم يقطع فرج الزَّانِي وتقطع يَد السَّارِق وهما جَمِيعًا آلَة الْخِيَانَة
واسألوهم لم كَانَ اللِّسَان وَاحِدًا وَالْأُذن اثْنَتَيْنِ وَالذكر وَاحِدًا والخصية اثْنَتَيْنِ وَلم كَانَت الْأَهْدَاب ثَابِتَة على جفن الْإِنْسَان وَلَا يكون لسَائِر الْحَيَوَانَات الْأَهْدَاب إِلَّا على أحد الجفنين وَلم كَانَ ثدي الْإِنْسَان على صَدره وثدي سَائِر الْحَيَوَانَات على بَطنهَا وَلم كَانَ بعض الْحَيَوَانَات يبيض وَبَعضهَا يلد
وَإِذا ظفروا بِوَاحِد من السلاطين والمحتسبين قَالُوا لَهُ وضعت هَذِه الشَّرِيعَة للحمير والعوام وَأَنْتُم من جملَة الْخَواص يَنْبَغِي أَن يكون لدينك خاصية تخَالف دينهم وَيَقُولُونَ إِن النَّبِي ﷺ لم يكن نَبيا وَلَا رَسُولا وَلكنه كَانَ حكيما أَرَادَ أَن يستعبد الْعَوام فكلفهم هَذِه التكاليف وَلَا بُد للخواص أَن يتميزوا عَنْهُم وَلَا ينقادوا لشَيْء لَا أصل لَهُ
وَإِذا وَردت هَذِه الأسئلة على الْعَاميّ تحير فِيهَا وَرجع إِلَى وَاحِد من أهل
стр. 123
الْعلم فَيَقُول الْعَالم لَا تسمع هَذَا الْكَلَام وَلَا تغتر بِهِ لِأَنَّهُ كَلَام الباطنية وَهَذَا الَّذِي تَسْأَلنِي عَنهُ إِنَّمَا هُوَ أُمُور أَمر الله بهَا فَلَا اعْتِرَاض عَلَيْهِ وَلَو أَمر بخلافة لَكَانَ يجوز وَأَشْيَاء خلقهَا الله كَانَ يجوز أَن يخلق بِخِلَافِهَا لعُمُوم قدرته أَلا ترى أَن الله ﵎ خلق بعض الْحَيَوَانَات على رجلَيْنِ وَبَعضهَا على أَربع وَبَعضهَا خلق بِلَا رجل تمشي على بَطنهَا وفيهَا مَا يطير بالجناح وَخلق بَعْضهَا يمشي على الْبر وَلَو سقط فِي المَاء هلك وَبَعضهَا يعِيش فِي الْبر وَالْبَحْر وَخلق بعض الْأَجْسَام بِحَيْثُ ترسب فِي المَاء مثل الْحجر وَالْحَدِيد وَبَعضهَا يطفو على المَاء كالخشب وَغَيره فَهَذَا كُله دَلِيل عُمُوم قدرَة الله تَعَالَى وَأَنه يفعل مَا يَشَاء وَيحكم مَا يُرِيد ﴿لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون﴾
فَإِذا رَجَعَ الْعَاميّ إِلَى من لقنه تِلْكَ الأسئلة وَذكر لَهُ الْجَواب الَّذِي وَصفه قَالَ لَهُ قد علمت الْآن أَنَّك لَا تعرف شَيْئا فشككه فِي أَمر الدّين وَفِي حَال الْعَالم فأوهم بذلك الغر الْغمر أَن تحتهَا حِكْمَة عَظِيمَة يعرفهَا وَيَقُولُونَ إِذا تحير الْعَاميّ لَا يعرف أسرار هَذِه الْأُمُور غَيرنَا فَإِذا طالبهم الْعَاميّ ببيانه يَقُولُونَ لَيْسَ هَذَا من الْأَسْرَار الَّتِي تفشى بِلَا عهد وَلَا مِيثَاق فَإِنَّهَا أسرار يعرفهَا الْخَواص فيحلفونه بِاللَّه وبالرسول وبالعتاق وَالطَّلَاق وتسبيل المَال وَالنعَم وَإِن كَانَ هَذَا الْيَمين لَا خطر لَهَا عِنْدهم فَإِنَّهُم لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وبالرسول وَلَكنهُمْ يُرِيدُونَ التهويل على الْمُسلم وَيَقُولُونَ أَيْضا لَا نظهره إِلَّا بِتَقْدِيم خير عَلَيْهِ فيطلبون مائَة وَتِسْعَة عشر درهما من السبيكة الْخَالِصَة وَيَقُولُونَ هَذَا تَأْوِيل قَول الله تَعَالَى ﴿وأقرضوا الله قرضا حسنا﴾ فالحاء وَالسِّين وَالنُّون وَالْألف إِذا جمع عَددهمْ بِحِسَاب الْجمل يكون مبلغه مائَة وَتِسْعَة عشر فَإِذا سمع الغر هَذَا الْكَلَام وبذل لَهُم الْعَهْد وَأعْطى هَذَا المَال قَالَ لَهُم لم يبْق إِلَّا أَن تهدوني إِلَى طريقكم وتفشوا إِلَيّ أسراركم فيخافون أَن يظهروا لَهُ حَقِيقَة مَا هم عَلَيْهِ فيظهرون لَهُ مَا
стр. 124
يشبه أَن يكون ظَاهِرَة دين الْإِسْلَام حَتَّى لَا يُبَادر إِلَى الْإِنْكَار عَلَيْهِم ويستقر مَعَ ذَلِك مِقْدَار من خرافاتهم ثمَّ يلقون الْأَمر إِلَيْهِ دَرَجَة دَرَجَة فيسلخونه من الدّين سلخا
فمما يلقونه إِلَى المبتديء قَوْلهم إِن الله تَعَالَى خلق ذَوَات الْأَرْبَع من الْحَيَوَانَات فَاخْتَارَ مِنْهَا وَاحِدًا وَهُوَ الظبية جعلهَا محلا للمسك الَّذِي فِيهِ تكون هَذِه الروائح الطّيبَة فِي هَذِه الْجنَّة ويعنون بِالْجنَّةِ دَار الدُّنْيَا وَنَعِيمهَا وَخلق ذَوَات الأجنحة من الْحَيَوَانَات وَاخْتَارَ مِنْهَا وَاحِدَة وَهِي النحلة وَجعلهَا محلا للشهد الَّذِي مِنْهُ اطيب الحلاوات فِي هَذِه الْجنَّة وَخلق الْحَيَوَانَات الَّتِي تمشي وتتحرك على بَطنهَا فَاخْتَارَ وَاحِدَة وَهِي دودة القز وَجعل مِنْهَا الإبريسم الَّذِي مِنْهُ زِينَة هَذِه الْجنَّة وَخلق النَّاس وَاخْتَارَ مِنْهُم مُحَمَّدًا ﷺ فيستحسن المبتديء هَذَا الْكَلَام الَّذِي يلقيه إِلَيْهِ وَيَقُول أَتَدْرِي من مُحَمَّد فَيَقُول نعم مُحَمَّد رَسُول الله خرج من مَكَّة وَادّعى النُّبُوَّة وَأظْهر الرسَالَة وَعرض المعجزة فَيَقُول لَيْسَ هَذَا الَّذِي تَقول إِلَّا كَقَوْل هَؤُلَاءِ الْحمير يعنون بِهِ الْمُؤمنِينَ من أهل الْإِسْلَام إِنَّمَا مُحَمَّد أَنْت فيستعيذ السَّامع وَيَقُول لست أَنا مُحَمَّدًا فَيَقُول لَهُ الله تَعَالَى وصف فِي هَذَا الْقُرْآن فَقَالَ لقد جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم عَزِيز عَلَيْهِ مَا عنتم حَرِيص عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رءوف رَحِيم وَهَؤُلَاء الْحمير يَقُولُونَ من مَكَّة فَيَقُول لَهُ الغر الْغمر على أَي معنى نقُول أَنا مُحَمَّد فَيَقُول خلقك وصورك خلقَة مُحَمَّد فالرأس بِمَنْزِلَة الْمِيم وَالْيَدَانِ بِمَنْزِلَة الْحَاء والسرة بِمَنْزِلَة الْمِيم وَالرجلَانِ بِمَنْزِلَة الدَّال وَكَذَلِكَ أَنْت عَليّ أَيْضا عَيْنك هِيَ الْعين وَالْأنف هِيَ اللَّام والفم هِيَ الْيَاء ثمَّ يَقُول إِن الله مَا خلق شَيْئا إِلَّا على صُورَة مُحَمَّد وَعلي حَتَّى الفارة خلقهَا على هَذِه الصُّورَة يُوهِمهُ بِأَن قَول الْقَائِل مُحَمَّد ﷺ وَعلي ﵁ لَا لشخصين من الْأَشْخَاص الْمعينَة يُرِيد النَّبِي ﷺ والمسمى بعلي ﵁
وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ إِن المُرَاد بِإِثْبَات الذَّات يرجع إِلَى نَفسك ويؤولون عَلَيْهِ
стр. 125
قَول تَعَالَى ﴿فليعبدوا رب هَذَا الْبَيْت﴾ وَيَقُولُونَ الرب هُوَ الرّوح وَالْبَيْت هُوَ الْبدن يمهدون بكلامهم هَذَا أَن لَا إِلَه وَلَا نَبِي سوى هَذَا الْبدن على التَّصْوِير الَّذِي صوره حَتَّى يقرروا عِنْده أَن لَا تَكْلِيف عَلَيْهِ وَلَا قطع لَهُ عَن الرَّاحَة البشرية ويبتدؤن بِالدُّعَاءِ لأهل الْبَيْت ويجتمعون بالسلخ عَن الدّيانَة وَرُبمَا دعوا إِلَى الْأَئِمَّة السَّبْعَة أَو الْأَئِمَّة الإثني عشر فَإِذا أجابهم الْجَاهِل وَأنس بهم قَالُوا هَذِه الْأَئِمَّة نَاس مثلك لَيْسَ لَهُم شرف عَلَيْك هَذِه أَسمَاء تذكر وَلها سر مَعْلُوم أَنَّهَا هِيَ الْمُدبرَة للْعَالم بطباعها فيخرجونه عَن الدّين بِمثل هَذِه الْحِيَل وَإِن صادفوا من لَهُ حرص على التنسك وَالْعِبَادَة كلفوه الْوِصَال فِي الصَّوْم أَيَّامًا حَتَّى إِذا ضعف الْمِسْكِين ومل عَن جَمِيعه وَرَأَوا مِنْهُ السَّلامَة الظَّاهِرَة دَعوه إِلَى ترك الْعِبَادَات والإقبال على اللَّذَّات وصوروا لَهُ ان الأَصْل لهَذِهِ التكليفات فِي الْأُمُور الشَّرْعِيَّة مثل مَا ذَكرْنَاهُ بِشَرْط تفهم وَرُبمَا صوروا للغر طَرِيق التناسخ كَمَا وصفناه قبل ثمَّ يختمون كَلَامهم بِنَفْي الشَّرِيعَة وَنفي الرَّسُول والمرسل نسْأَل الله أَن يَكْفِي الْمُسلمين شرهم فَمَا هم إِلَّا كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ الَّذين طبع الله على قُلُوبهم وسمعهم وأبصارهم وَأُولَئِكَ هم الغافلون﴾ لَا جرم أَنهم فِي الاخرة هم الخاسرون
стр. 126
الْبَاب الرَّابِع عشر فِي بَيَان مقالات قوم كَانُوا قبل دولة الْإِسْلَام وَالله اعْلَم بعددهم وَإِنَّمَا نذْكر مِنْهُم مَا اشْتهر من جُمْلَتهمْ عِنْد أَرْبَاب التواريخ وَأَصْحَاب المقالات
فَمنهمْ قوم كَانُوا يعْبدُونَ صنما مصورا وَقوم كَانُوا يعْبدُونَ إنْسَانا مثل الَّذين كَانُوا يعْبدُونَ جمشيد وَالَّذين كَانُوا يعْبدُونَ نمروذ بن كنعان وَالَّذين كَانُوا يعْبدُونَ فِرْعَوْن وهامان وَمَا أشبه ذَلِك
وَمِنْهُم قوم كَانَ عاداتهم عبَادَة مَا يستحسنونه من الصُّور الْمُخْتَلفَة وهم من جملَة الحلولية وَمِنْهُم قوم كَانُوا يعْبدُونَ الشَّمْس وَالْقَمَر وَالْكَوَاكِب وَقوم كَانُوا يعْبدُونَ بعض الْكَوَاكِب مثل الشعري والجوزاء وَقوم كَانُوا يعْبدُونَ الْمَلَائِكَة وَيَقُولُونَ أَنهم بَنَات الله وهم الَّذين قَالَ الله تَعَالَى فِي وَصفهم ﴿إِن الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة ليسمون الْمَلَائِكَة تَسْمِيَة الْأُنْثَى﴾
وَقوم كَانُوا يعْبدُونَ حيطانا وَقوم كَانُوا يعْبدُونَ الْبَقَرَة وَمِنْهُم قوم كَانُوا قبل دولة الْإِسْلَام يدعونَ سوفسطائية ينفون الْحَقَائِق وَقوم يسمون السمنية ينفون النّظر والإستدلال وَيَقُولُونَ بقدم الْعَالم وَقوم يُقَال لَهُم الدهرية يَقُولُونَ بقدم الْعَالم وَيُنْكِرُونَ الصَّانِع
وَمِنْهُم قوم يدعونَ أَصْحَاب الهيولى يَقُولُونَ بقدم أصل الْعَالم ويقرون
стр. 127
بحدوث الْأَعْرَاض وَقوم من الفلاسفة يَقُولُونَ بِأَن للْعَالم صانعا قَدِيما وَلَكِن يَقُولُونَ أَيْضا لِأَن الْعَالم قديم كَمَا أَن صانعه قديم وَيَقُولُونَ بقدم الصَّنْعَة والصانع وعَلى هَذَا الْمَذْهَب كَانَ برقلس
وَقوم من الفلاسفة يَقُولُونَ إِن الطبائع الْأَرْبَع قديمَة وَهِي الأَرْض وَالْمَاء وَالنَّار والهواء وَزَاد على هَؤُلَاءِ قوم مِنْهُم فَقَالُوا إِن هَذِه الْأَرْبَعَة قديمَة والأفلاك وَالْكَوَاكِب أَيْضا قديمَة وَزَاد قوم مِنْهُم طبيعة خَامِسَة زَعَمُوا أَنَّهَا قديمَة
وَمِنْهُم قوم يُقَال لَهُم الْمَجُوس وهم أَربع فرق الزروانية والمسخية والخرم دينية واليه آفريدية وَهَؤُلَاء كلهم على مَذْهَب الْمَجُوس يَقُولُونَ بيزدان وأهزمن
مِنْهُم قوم يُقَال لَهُم الصابئة وَهَؤُلَاء قوم ينتحلون مَذْهَب أَصْحَاب الهيولى كَمَا وصفناه وَمِنْهُم قوم يُقَال لَهُم البراهمة يُنكرُونَ جَمِيع الْأَنْبِيَاء وَلَكنهُمْ يَقُولُونَ بِحَدَث الْعَالم وتوحيد الصَّانِع وَمِنْهُم قوم يُقَال لَهُم الْيَهُود وَقد ورد عَن النَّبِي ﷺ أَنهم يفترقون على إِحْدَى وَسبعين فرقة
وَاعْلَم أَن سَبَب تفرقهم مَا ذكره جُمْهُور الْمُفَسّرين أَن قوما من بني إِسْرَائِيل لما طَالَتْ عَلَيْهِم الْمدَّة وقست قُلُوبهم تكلفوا وَوَضَعُوا كتبا كَمَا كَانُوا يشتهونه وَكَانُوا يدعونَ أَن تِلْكَ الْكتب من عِنْد الله وَكَانُوا يَقُولُونَ إِن من خَالَفنَا فِي هَذَا قَتَلْنَاهُ ثمَّ تَفَكَّرُوا فَقَالُوا جَمِيع بني إِسْرَائِيل لَا يُمكن قَتلهمْ وَلَكِن لبني إِسْرَائِيل عَالم هُوَ حَبْرهمْ فِيمَا بَينهم كَبِير نعرض مَا وضعناه عَلَيْهِ فَإِن قبله صَار من أتباعنا وَإِن لم يقبله قَتَلْنَاهُ حَتَّى يصير جَمِيع بني إِسْرَائِيل تبعا لنا فراسلوه فَعلم الرجل مَا فِي أنفسهم فَكتب كتاب الله فِي رق رَقِيق بِخَط دَقِيق وَوضع ذَلِك فِي قرن ثمَّ تقلد ذَلِك الْقرن وَلبس فَوْقه الثِّيَاب ثمَّ جَاءَ إِلَيْهِم فعرضوا عَلَيْهِ مَا كَانَ عِنْدهم وَدعوهُ إِلَى الْإِيمَان بِهِ فَأَشَارَ إِلَى صَدره حَيْثُ كَانَ ذَلِك الْقرن وَقَالَ نعم آمَنت بِهَذَا وَمَا لي لَا أُؤْمِن بِهِ وَكَانَ لَهُ أَصْحَاب كَانُوا يراعون حَاله حَتَّى مَاتَ فوجدوا مَعَه ذَلِك الْقرن
стр. 128
فَقَالُوا إِنَّه إِنَّمَا قَالَ لهَذَا الْقرن آمَنت بِهِ وَاخْتلفُوا فِيهِ وَوَقع الْخلاف بِسَبَبِهِ فِي بني إِسْرَائِيل حَتَّى صَارُوا إِحْدَى وَسبعين فرقة خَيرهمْ أَصْحَاب الْقرن
وعَلى الْجُمْلَة جَمِيع الْيَهُود فِي أصل الدّين فريقان
قوم مِنْهُم يُنكرُونَ نبوة مُحَمَّد ﷺ وَقوم لَا يُنكرُونَ يَقُولُونَ أَنه كَانَ نَبيا وَلَكِن كَانَ مَبْعُوثًا إِلَى الْعَرَب دون الْعَجم وهم العيسويون يكونُونَ بأصفهان وَاعْلَم أَن جَمِيع الْيَهُود فِي أصُول التَّوْحِيد فريقان فريق مِنْهُم المشبهة وهم الأَصْل فِي التَّشْبِيه وكل من قَالَ قولا فِي دولة الْإِسْلَام بِشَيْء من التَّشْبِيه فقد نسخ على منوالهم وَأخذ مقَالَة من مقالهم الروافض وَغَيرهم وَلِهَذَا قَالَ النَّبِي ﷺ الروافض يهود هَذِه الْأمة لأَنهم أخذُوا التَّشْبِيه من الْيَهُود
الْفَرِيق الثَّانِي مِنْهُم هم الْقَدَرِيَّة يُنكرُونَ الرُّؤْيَة وَيَقُولُونَ إِن الْحَيَوَانَات يخلقون أفعالهم وَأكْثر الْأُمَم كَانَ فِيمَا بَينهم جمَاعَة من الْقَدَرِيَّة وَلِهَذَا قَالَ النَّبِي ﷺ لعنت الْقَدَرِيَّة على لِسَان سبعين نَبيا والقدرية الَّذين ظَهَرُوا فِي دولة الْإِسْلَام أخذُوا طريقهم من قدرية الْيَهُود وَقد كَانَ فِي عصرنا جمَاعَة مِمَّن ينتسب إِلَى أَصْحَاب الرَّأْي ويتستر بمذهبهم وَهُوَ يضمر الْإِلْحَاد وَالْقَوْل بِالْقدرِ وَكَانَ يُرَاجع الْيَهُود ويتعلم مِنْهُم الشّبَه الَّتِي يغرون بهَا الْعَوام وكفاهم خزيا تعلمهمْ من الْيَهُود واقتداؤهم بهم وَالله يَكْفِي الْمُسلمين شرهم
وَمِنْهُم قوم يُقَال لَهُم النَّصَارَى وَقد روينَا فِي الْخَبَر أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِنَّهُم يفترقون على اثْنَتَيْنِ وَسبعين فرقة وَكَانُوا مُتَمَسِّكِينَ بدين عِيسَى ﵇ بعد مَا رفع إِلَى السَّمَاء إِحْدَى وَثَلَاثِينَ سنة وَكَانُوا يجبرون على الاسْتقَامَة إِلَى أَن وَقع بَينهم وَبَين الْيَهُود حَرْب
وَكَانَ فِي الْيَهُود رجل اسْمه بولس قتل مِنْهُم مقتلة عَظِيمَة ثمَّ قَالَ للْيَهُود إِن كَانَ قوم عِيسَى على الْحق وَنحن قد كفرنا بهم يكون علينا غبن عَظِيم فَإِنَّهُم يدْخلُونَ الْجنَّة وَنحن ندخل النَّار وَلَكِنِّي احتال حِيلَة حَتَّى أفسد عَلَيْهِم دينهم
стр. 129
وَكَانَ لَهُ فرس اسْمه عِقَاب وَكَانَ يُقَاتل عَلَيْهِ فَقَامَ وعقر ذَلِك الْفرس وَأظْهر النَّدَم على مَا كَانَ مِنْهُ ونثر التُّرَاب على رَأسه ثمَّ جَاءَ إِلَى النَّصَارَى متندما بِظَاهِرِهِ فَقَالُوا لَهُ من أَنْت فَقَالَ أَنا بولس كنت أَشد عدوا لكم وَلَكِنِّي سَمِعت من السَّمَاء نداءين توبتك لَا تقبل إِلَّا أَن تتنصر الْآن تبت وَرجعت إِلَى دينكُمْ فأكرموه وأدخلوه كنيستهم فلازم بَيْتا من بُيُوتهم لم يخرج مِنْهُ لَيْلًا وَلَا نَهَارا حَتَّى تعلم الْإِنْجِيل ثمَّ خرج وَقَالَ سَمِعت من السَّمَاء أَن توبتك قد قبلت وَإِن صدقك قد عرف وَإنَّك قد أَحْبَبْت وَقبلت ثمَّ خرج إِلَى بَيت الْمُقَدّس واستخلف رجلا من نسطور وَعلمه أَن عِيسَى وَمَرْيَم والإله كَانُوا ثَلَاثَة ثمَّ خرج إِلَى الرّوم وعلمهم اللاهوت والناسوت وَقَالَ لَهُم إِن عِيسَى لم يكن نَاسا ثمَّ صَار نَاسا وَلم يكن جسما ثمَّ صَار جسما وَكَانَ ابْن الله وَعلم يَعْقُوب هَذَا القَوْل ثمَّ دَعَا رجلا كَانَ إسمه ملكاء وَقَالَ لَهُ إِن الْإِلَه الَّذِي لم يزل وَلَا يزَال هُوَ عِيسَى ثمَّ دَعَا كل وَاحِد من هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة وَقَالَ لَهُ أَنْت صَاحِبي خَالِصا فَإِنِّي أُرِيد أَن أفضي إِلَيْك سرا يَنْبَغِي أَن لَا تتْرك نحلتك هَذِه وَتَدْعُو الْخلق إِلَيْهَا فقد رَأَيْت عِيسَى ﵇ البارحة فِي الْمَنَام وَكَانَ رَاضِيا عني فَيَنْبَغِي أَن لَا ترجع عَن نحلتك بِحَال فَإِنِّي أُرِيد أَن أَتَقَرَّب إِلَى الله تَعَالَى بقربان لرضاه عني أذبح نَفسِي قربانا ثمَّ قَامَ وَدخل المذبح وَذبح نَفسه
فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الثَّالِث من وَفَاته قَامَ كل وَاحِد من أُولَئِكَ الثَّلَاثَة ودعا النَّاس إِلَى نحلته وَتبع كل وَاحِد مِنْهُم جمَاعَة من النَّاس وَكَانُوا يتقاتلون فِيمَا بَينهم وَبَقِي بَينهم ذَلِك الْخلاف وَلم يزَالُوا يَخْتَلِفُونَ حَتَّى بلغ عدد فرقهم مثل مَا نطق بِهِ الْخَبَر الْمَرْوِيّ فِي هَذَا الْبَاب وَكَانَ مَذْهَبهم مَذْهَب أَصْحَاب الهيولى وَكَانُوا فِي بعض دينهم مَعَ الْيَهُود وَفِي بعضه مَعَ النَّصَارَى وابتدعوا من عِنْد انفسهم أمورا كَثِيرَة تخَالف الْفَرِيقَيْنِ
وَمِنْهُم قوم يُقَال لَهُم السامرة وهم من جملَة الْيَهُود وَلَكنهُمْ خالفوا فِي أَشْيَاء وَاعْلَم أَن جَمِيع من ذَكَرْنَاهُمْ فِي هَذَا الْبَاب من الْفرق كفار إِلَّا أَن أحكامهم فِي كفرهم مُخْتَلفَة فِي الشَّرِيعَة كَمَا نذكرهُ فِي كتب الْفِقْه
стр. 130
الْبَاب الْخَامِس عشر فِي بَيَان اعْتِقَاد أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَبَيَان مفاخرهم ومحاسن أَحْوَالهم وَيَقَع فِي هَذَا الْبَاب فُصُول ثَلَاثَة
أَحدهَا فِي بَيَان اعْتِقَاد أهل السّنة وَالْجَمَاعَة
الثَّانِي فِي بَيَان تَحْقِيق النجَاة لَهُم بالطرق الَّتِي ننبه عَلَيْهَا
الثَّالِث فِي بَيَان فضائلهم
الْفَصْل الأول فِي بَيَان اعْتِقَاد أهل السّنة وَالْجَمَاعَة السَّلِيم عَن جَمِيع مَا ذَكرْنَاهُ من الضلالات فَهُوَ
١ - أَن تعلم أَن الْعَالم بِجَمِيعِ أَرْكَانه وأجسامه وَمَا يشْتَمل عَلَيْهِ من أَنْوَاع النَّبَات والحيوانات وَجَمِيع الْأَفْعَال والأقوال والاعتقادات كلهَا مَخْلُوق كَائِن عَن أول حَادث بعد ان لم يكن شَيْئا وَلَا عينا وَلَا ذاتا وَلَا جوهرا وَلَا عرضا وَالدَّلِيل على حدوثها أَنَّهَا تَتَغَيَّر عَلَيْهَا الصِّفَات وَتخرج من حَال إِلَى حَال وَحَقِيقَة التغيرات أَن تبطل حَالَة وتحدث أُخْرَى فَأَما الْحَالة الَّتِي حدثت فحدوثها مَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ والمشاهدة وَمَا كَانَ ضَرُورِيًّا لم يفْتَقر إِلَى الإستدلال عَلَيْهِ وَلَا يجوز أَن يُقَال أَنَّهَا انْتَقَلت من بَاطِن الْجِسْم إِلَى ظَاهره لِاسْتِحَالَة الِانْتِقَالَات على الصِّفَات وَأما الْحَالة الَّتِي بطلت لَو كَانَت قديمَة لم تبطل فبطلانها يدل على حدوثها لِأَن الْقَدِيم لَا يبطل وَإِنَّمَا قُلْنَا إِن الْقَدِيم لَا يبطل لِأَن خُرُوج الذَّات عَن صفة وَاجِبَة لَهُ فِي حَال محَال لِأَنَّهَا لَو جَازَ خُرُوجهَا عَن تِلْكَ الصّفة لَصَارَتْ جَائِزَة الْوُجُود وَمَا كَانَ وَاجِب الْوُجُود لَا يصير جَائِز الْوُجُود كَمَا أَن جَائِز الْوُجُود لَا يصير وَاجِب الْوُجُود
стр. 131
بِحَال لِأَنَّهُمَا صفتان متناقضتان وَإِذا تقرر هَذِه الْجُمْلَة أَن صِفَات الْأَجْسَام مخلوقة ثَبت أَن الْأَجْسَام مخلوقة لِأَن مَا لَا يَخْلُو من الْحَوَادِث لَا يسْتَحق أَن يكون مُحدثا بِالْكَسْرِ وَمَا لَا يسْتَحق أَن يكون مُحدثا كَانَ مُحدثا بِالْفَتْح مثلهَا وَقد نبه الله تَعَالَى فِي كِتَابه على تَحْقِيق هَذِه الدّلَالَة وَأثْنى عَلَيْهَا وسماها حجَّة وَمن عَليّ الْخَلِيل إِبْرَاهِيم ﵇ بإلهام هَذِه الدّلَالَة إِيَّاه وَجعلهَا سَببا لرفع دَرَجَته حَيْثُ قَالَ ﴿وَكَذَلِكَ نري إِبْرَاهِيم ملكوت السَّمَاوَات وَالْأَرْض وليكون من الموقنين﴾ إِلَى قَوْله نرفع دَرَجَات من نشَاء إِن رَبك عليم حَكِيم اسْتدلَّ بالتغير على حُدُوث الْكَوَاكِب وَالشَّمْس وَالْقَمَر ثمَّ إِن الله تَعَالَى نبه على هَذِه الطَّرِيقَة من الإستدلال والإحتجاج فَقَالَ ﴿إِن فِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار لآيَات لأولي الْأَلْبَاب﴾ وَقَالَ ﴿وإلهكم إِلَه وَاحِد لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ إِلَى قَوْله إِن فِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار والفلك الَّتِي تجْرِي فِي الْبَحْر بِمَا ينفع النَّاس وَمَا أنزل الله فِي السَّمَاء من مَاء فأحيا بِهِ الأَرْض بعد مَوتهَا وَبث فِيهَا من كل دَابَّة وتصريف الرِّيَاح والسحاب المسخر بَين السَّمَاء وَالْأَرْض لآيَات لقوم يعْقلُونَ
٢ - وَأَن تعلم أَن الْمَخْلُوق لَا بُد لَهُ من خَالق لِأَن الْأَجْسَام لَو كَانَت بأنفسها مَعَ تجانس ذواتها لم تخْتَلف بِالصِّفَاتِ والأوقات وَالْأَحْوَال والمحال فَلَمَّا اخْتلفت علمنَا أَن لَهَا مُخَصّصا قدم مَا قدم وَأخر مَا أخر وَخص كل وَاحِد مِنْهَا بِمَا اخْتصَّ بِهِ من الصِّفَات لولاه لم يَقع الِاخْتِصَاص فِي شَيْء من الْأَوْصَاف لِأَن الِاخْتِصَاص بِأحد الجائزين يَقْتَضِي مُخَصّصا لولاه لم يَقع التَّخْصِيص بِهِ وَقد نبه الله تَعَالَى على أصل هَذِه الدّلَالَة بقوله أم خلقُوا من غير شَيْء أم هم الْخَالِقُونَ مَعْنَاهُ أم خلقُوا من غير خَالق كَأَنَّهُ قَالَ من غير شَيْء خلقهمْ لما تقرر من اسْتِحَالَة ثُبُوت
стр. 132
مَا ثَبت بِوَصْف الْخلق من غير خَالق خلق وَلَا صانع دبر وصنع وَأَنت تعلم أَيْضا أَن خَالق الْخلق قديم لِأَنَّهُ لَو كَانَ مُحدثا لافتقر إِلَى مُحدث وَكَانَ حكم الثَّانِي وَالثَّالِث وَمَا انْتهى إِلَيْهِ كَذَلِك وَكَانَ كل خَالق يفْتَقر إِلَى خَالق آخر لَا إِلَى نِهَايَة وَكَانَ يَسْتَحِيل وجود الْمَخْلُوق والخالق جَمِيعًا لِأَن مَا شَرط وجوده بِوُجُود مَا لَا نِهَايَة لَهُ من الْأَعْدَاد قبله لم يَتَقَرَّر وجوده لِاسْتِحَالَة الْفَرَاغ عَمَّا لَا نِهَايَة لَهُ لتنتهي النّوبَة إِلَى مَا بعد وأصل هَذِه الدّلَالَة فِي الْقُرْآن وَهُوَ قَوْله هُوَ الأول وَالْآخر وَالظَّاهِر وَالْبَاطِن وَهُوَ بِكُل شَيْء عليم فَبين أَنه كَانَ قبل مَا يشار إِلَيْهِ بِأَنَّهُ مُحدث وَقَوله تَعَالَى ﴿الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيّ القيوم﴾ والقيوم مُبَالغَة من الْقيام وَهُوَ الثَّبَات والوجود وَهَذَا دَلِيل على اتصافه بالوجود فِي جَمِيع الْأَحْوَال وَأَنه لَا يجوز وَصفه بِالْعدمِ بِحَال وَذَلِكَ حَقِيقَة الْقدَم وَقَوله تبَارك الَّذِي بِيَدِهِ الْملك وَهُوَ على كل شَيْء قدير و ﴿تبَارك الَّذِي نزل الْفرْقَان على عَبده ليَكُون للْعَالمين نذيرا﴾ فَإِن الْبركَة هِيَ الثَّبَات وَأَصله من البرك وَالْبركَة والبروك وتبارك مُبَالغَة فِي مَعْنَاهُ وَهَذَا يُوجب لَهُ الْوُجُود فِي جَمِيع الْأَحْوَال لم يزل وَلَا يزَال وَقد ورد فِي خبر عمرَان بن حُصَيْن أَن النَّبِي ﷺ قَالَ كَانَ الله وَلم يكن مَعَه شَيْء وَهَذَا يُوجب الْكَوْن فِي جَمِيع الْأَحْوَال
٣ - وَأَن تعلم أَن خَالق الْعَالم وَاحِد لِأَنَّهُ لَو كَانَ اثْنَيْنِ وَلم يقدر أَحدهمَا على كتمان شَيْء من صَاحبه كَانَت قدرتهما نَاقِصَة متناهية وَأَن قدر أَحدهمَا على كتمان شَيْء من صَاحبه كَانَ علم كل وَاحِد مِنْهُمَا نَاقِصا متناهيا وَمن كَانَ علمه أَو قدرته متناهيا نَاقِصا لم يكن إِلَهًا صانعا بل كَانَ مخلوقا مصنوعا وَقد نبه الله على هَذِه
стр. 133
الدّلَالَة بقوله تَعَالَى ﴿لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا﴾ وَقَالَ قل لَو كَانَ مَعَه آلِهَة كَمَا يَقُولُونَ إِذا لَا تَبْغُوا إِلَى ذِي الْعَرْش سَبِيلا وَفِي تَحْقِيق التَّوْحِيد وَردت سُورَة الْإِخْلَاص إِلَى آخرهَا وَقَوله تَعَالَى ﴿قل إِنَّمَا يُوحى إِلَيّ أَنما إِلَهكُم إِلَه وَاحِد﴾
٤ - وَأَن تعلم أَن الْخَالِق لشَيْء ثَابت مَوْجُود لَا يجوز وَصفه بِالْعدمِ لِأَن الْخَالِق لَا يكون خَالِقًا إِلَّا بِأَن يكون قَادِرًا وَلَا يكون قَادِرًا إِلَّا وَالْقُدْرَة قَائِمَة والمعدوم لَا يقبل هَذِه الصِّفَات وَقَالَ الله فِي تَحْقِيقه ﴿الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيّ القيوم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَتَبَارَكَ الله رب الْعَالمين﴾ وَذَلِكَ يُوجب الثَّبَات وَالْقِيَام والوجود فِي جَمِيع الْأَحْوَال من غير تغير وَلَا زَوَال
٥ - وَأَن تعلم أَن الْبَارِي لَا يجوز وَصفه بِالْحَاجةِ فَإِنَّهُ يلْزمه أَن يخرج من وصف الْحَاجة إِلَى وصف الإستغناء وَذَلِكَ يتَضَمَّن بطلَان صفة وحدوث صفة وَالْقَدِيم لَا يجوز عَلَيْهِ الْبطلَان وَلَا الْحُدُوث واصلة قَوْله ﴿وَالله الْغَنِيّ وَأَنْتُم الْفُقَرَاء﴾ بَين بِهَذَا أَن صفة الْحَاجة والافتقار عَلَيْهِ محَال
٦ - وَأَن تعلم أَن خَالق الْعَالم قَائِم بِنَفسِهِ وَمَعْنَاهُ أَنه بِوُجُودِهِ مستغن عَن خَالق يخلقه وَعَن مَحل يحله وَعَن مَكَان يقلهُ قَالَ الله تَعَالَى ﴿الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيّ القيوم﴾ مُبَالغَة عَن الْقيام والثبات على الْإِطْلَاق من غير حَاجَة إِلَى صانع يصنعه أَو موجد يوجده أَو مَكَان يحله
стр. 134
٧ - وَأَن تعلم أَن الْقَدِيم سُبْحَانَهُ يرى وَتجوز رُؤْيَته بالأبصار لِأَن مَا لَا تصح رُؤْيَته لم يَتَقَرَّر وجوده كَالْمَعْدُومِ وكل مَا صَحَّ وجوده جَازَت رُؤْيَته كَسَائِر الموجودات وَدَلَائِل هَذِه الْمَسْأَلَة فِي كتاب الله كَثِيرَة مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿تحيتهم يَوْم يلقونه سَلام﴾ واللقاء إِذا أطلق فِي اللُّغَة وَقع على الرُّؤْيَة خُصُوصا حَيْثُ لَا يجوز فِيهِ التلاقي بالذوات والتماس بَينهمَا وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وُجُوه يَوْمئِذٍ ناضرة إِلَى رَبهَا ناظرة﴾ وَمِنْهَا قَوْله ﴿للَّذين أَحْسنُوا الْحسنى وَزِيَادَة وَلَا يرهق وُجُوههم قتر وَلَا ذلة أُولَئِكَ أَصْحَاب الْجنَّة هم فِيهَا خَالدُونَ﴾ وَلَا زِيَادَة على نعيم الْجنَّة غير رُؤْيَة الرب ﷻ وَقد ورد عَن الرَّسُول ﷺ تَفْسِير هَذِه الْآيَة بذلك وَمِنْهَا قَوْله فِي قصَّة مُوسَى ﵇ ﴿قَالَ رب أَرِنِي أنظر إِلَيْك قَالَ لن تراني﴾ وَلَو لم تكن الرُّؤْيَة جَائِزَة لَكَانَ لَا يتمناها من هُوَ مَوْصُوف بِالنُّبُوَّةِ وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ فِي جَوَابه ﴿لن تراني﴾ وَلم يقل لن أرى وَفِيه دَلِيل على أَنه يَصح أَن يرى لِأَنَّهُ لَو كَانَ لَا يَصح رُؤْيَته لَكَانَ يَقُول لن أرى وَلما خص نفي الرُّؤْيَة بِهِ وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار وَهُوَ يدْرك الْأَبْصَار﴾ يبين أَن جَمِيع الْأَبْصَار لَا تُدْرِكهُ مفهومة أَن بَعْضهَا يُدْرِكهُ ثمَّ يبين الله سُبْحَانَهُ من يدْرك وَمن لَا يدْرك فَقَالَ ﴿وُجُوه يَوْمئِذٍ ناضرة إِلَى رَبهَا ناظرة﴾ وَإِن الْوُجُوه الباسرة محجوبة عَنهُ كَمَا فرق بَين الْفَرِيقَيْنِ فِي قَوْله ﴿يَوْم تبيض وُجُوه وَتسود وُجُوه﴾ فالوجوه السود محجوبة عَنهُ وَالْوُجُوه الْبيض الناضرة نَا ظرة إِلَيْهِ ثمَّ أَن النَّبِي ﷺ خص لأَصْحَابه هَذِه الْحَالة فَقَالَ إِنَّكُم سَتَرَوْنَ ربكُم يَوْم الْقِيَامَة كَمَا ترَوْنَ الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر لَا تضَامون وَلَا تضَارونَ فِي رُؤْيَته وَفِي الحَدِيث قيد تحمل عَلَيْهِ آيَة الرُّؤْيَة فَكَأَنَّهُ قَالَ لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار فِي غير الْقِيَامَة وتدركه يَوْمئِذٍ فَإِن الْمُطلق يحمل على الْمُقَيد
٨ - وَإِن تعلم أَن الْخَالِق لَا يشبه الْخلق فِي شَيْء لِأَن مثل الشَّيْء مَا يكون
стр. 135
مشاركا لَهُ فِي جَمِيع أَوْصَافه الْجَائِزَة والواجبة والمستحيلة ويعبر عَنهُ بِأَن المثلين كل شَيْئَيْنِ يَنُوب أَحدهمَا مناب صَاحبه ويسد مسده وَأَصله قَوْله تَعَالَى لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير وَقَوله ﴿وَلم يكن لَهُ كفوا أحد﴾ وَقَوله ﴿هَل تعلم لَهُ سميا﴾
٩ - وَأَن تعلم أَن خَالق الْعَالم لَا يجوز عَلَيْهِ الْحَد وَالنِّهَايَة لِأَن الشَّيْء لَا يكون مَخْصُوصًا بِحَدّ إِلَّا أَن يَخُصُّهُ مُخَصص بذلك الْحَد ويقرره على تِلْكَ النِّهَايَة بِجَوَاز غَيره من الْحُدُود عَلَيْهِ والصانع لَا يكون مصنوعا وَلَا محدودا وَلَا مُخَصّصا وَأَصله فِي كتاب الله تَعَالَى قَوْله تَعَالَى ﴿مَا يكون من نجوى ثَلَاثَة إِلَّا هُوَ رابعهم﴾ الْآيَة مَعَ قَوْله ﴿فَأتى الله بنيانهم من الْقَوَاعِد﴾ وَمَعَ قَوْله ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ وَلَو كَانَ مَخْصُوصًا بِحَدّ وَنِهَايَة وَجُمْلَة لم يجز أَن يكون مَنْسُوبا إِلَى أَمَاكِن مُخْتَلفَة متضادة وَكَانَ لَا يجوز أَن يكون مَعَ كل وَاحِد وَأَن يكون على الْعَرْش وَأَن يَأْتِي ببنيان قوم سلط عَلَيْهِم الْهَلَاك فجَاء من الْجمع بَين هَذِه الْآيَات تَحْقِيق القَوْل بِنَفْي الْحَد وَالنِّهَايَة واستحالة كَونه مَخْصُوصًا بِجِهَة من الْجِهَات وَفِي الْجمع بَين هَذِه الْآيَات دَلِيل على أَن معنى قَوْله ﴿مَا يكون من نجوى ثَلَاثَة إِلَّا هُوَ رابعهم﴾ إِنَّمَا هُوَ بِمَعْنى الْعلم بأسرارهم وَمعنى قَوْله ﴿فَأتى الله بنيانهم من الْقَوَاعِد﴾ أَي خلق فِي بُنيان الْقَوْم معنى من زَلْزَلَة ورجف يكون ذَلِك سَبَب خرابه كَمَا قَالَ ﴿فَخر عَلَيْهِم السّقف من فَوْقهم﴾ وَأَن معنى قَوْله ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ مَعْنَاهُ قصد إِلَى خلق الْعَرْش كَمَا قَالَ ﴿ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِي دُخان﴾ وَيكون معنى على فِي هَذَا الْموضع بِمَعْنى إِلَى أَو يكون الْعَرْش فِي هَذِه الْآيَة بِمَنْزِلَة المملكة كَمَا يُقَال ثل عرش فلَان إِذا زَالَ ملكه وكما قَالَ الشَّاعِر
стр. 136
(قد نَالَ عرشا لم ينله نائل ... جن وَلَا أنس وَلَا ديار)
وَقد روى فِي الْخَبَر عَن النَّبِي ﷺ مَا تحقق بِهِ الْمَعْنى الَّذِي بَينا على هَذِه الظَّوَاهِر وَذَلِكَ أَنه ﷺ قَالَ كَانَ ملك يَجِيء من السَّمَاء وَآخر من الأَرْض السَّابِعَة فَقَالَ كل وَاحِد مِنْهُمَا لصَاحبه من أَيْن تَجِيء قَالَ من عِنْد الله وَلَو كَانَ لَهُ حد وَنِهَايَة اسْتَحَالَ كَونه فِي جِهَتَيْنِ مختلفتين فتقرر بِهِ اسْتِحَالَة الْحَد وَالنِّهَايَة وَأَن جملَة الملكوت تَحت سُلْطَانه وَقدرته وَعلمه ومعرفته
١٠ - وَأَن تعلم أَن الْقَدِيم سُبْحَانَهُ لَيْسَ بجسم وَلَا جَوْهَر لِأَن الْجِسْم يكون فِيهِ التَّأْلِيف والجوهر يجوز فِيهِ التَّأْلِيف والإتصال وكل مَا كَانَ لَهُ الإتصال أَو جَازَ عَلَيْهِ الإتصال يكون لَهُ حد وَنِهَايَة وَقد دللنا على اسْتِحَالَة الْحَد وَالنِّهَايَة على الْبَارِي وَقد ذكر الله تَعَالَى فِي صفة الْجِسْم الزِّيَادَة فَقَالَ وزاده بسطة فِي الْعلم والجسم فَبين أَن مَا كَانَ جسما جَازَت عَلَيْهِ الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان وَلَا تجوز الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان على الْبَارِي سُبْحَانَهُ
١١ - وَأَن تعلم أَن الْقَدِيم سُبْحَانَهُ لَيْسَ بِعرْض لِأَن الْعرض مِمَّا يَسْتَحِيل بَقَاؤُهُ وَلَا يكون الْخَالِق إِلَّا بَاقِيا أَيْضا فَإِن الْعرض لَا يقوم بِنَفسِهِ وَلَا يكون الْخَالِق إِلَّا قَائِما بِنَفسِهِ وَدَلِيله من كتاب الله تَعَالَى فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ أطلق اسْم الْعرض على شَيْء يقل بَقَاؤُهُ أَو لَا يعد بَاقِيا فِي الْعرف وَالْعَادَة حَيْثُ قَالَ ﴿تُرِيدُونَ عرض الدُّنْيَا﴾ و ﴿هَذَا عَارض مُمْطِرنَا﴾
١٢ - وَأَن تعلم أَن الْبَارِي يَسْتَحِيل عَلَيْهِ الْوَلَد وَالزَّوْجَة لِأَن ذَلِك لَا يكون إِلَّا بالإتصال والمماسة وَذَلِكَ يُوجب الْحَد وَالنِّهَايَة وَقد بَينا استحالته عَلَيْهِ وحقق الله ذَلِك بقوله ﴿لم يلد وَلم يُولد وَلم يكن لَهُ كفوا أحد﴾
стр. 137
١٣ - وَأَن تعلم أَنه لَا يجوز الشَّرِيك لَهُ فِي المملكة لما قد بَينا من أَن الْخَالِق وَاحِد لَا ثَانِي لَهُ والمملوك يَسْتَحِيل أَن يكون خَارِجا من ملك الْخَالِق وَهَذَا تَحْقِيق قَوْله ﴿وَقل الْحَمد لله الَّذِي لم يتَّخذ ولدا وَلم يكن لَهُ شريك فِي الْملك وَلم يكن لَهُ ولي من الذل وَكبره تَكْبِيرا﴾
١٤ - وَأَن تعلم أَن الْحَرَكَة والسكون والذهاب والمجيء والكون فِي الْمَكَان والإجتماع والإفتراق والقرب والبعد من طَرِيق الْمسَافَة والإتصال والإنفصال والحجم والجرم والجثة وَالصُّورَة والحيز والمقدار والنواحي والأقطار والجوانب والجهات كلهَا لَا تجوز عَلَيْهِ تَعَالَى لِأَن جَمِيعهَا يُوجب الْحَد وَالنِّهَايَة وَقد دللنا على اسْتِحَالَة ذَلِك على الْبَارِي وأصل هَذَا فِي كتاب الله تَعَالَى وَذَلِكَ أَن إِبْرَاهِيم ﵇ لما رأى هَذِه العلامات على الْكَوَاكِب وَالشَّمْس وَالْقَمَر قَالَ ﴿لَا أحب الآفلين﴾ فَبين أَن مَا جَازَ عَلَيْهِ تِلْكَ الصِّفَات لَا يكون خَالِقًا
١٥ - وَأَن تعلم أَن كل مَا تصور فِي الْوَهم من طول وَعرض وعمق وألوان وهيئات مُخْتَلفَة يَنْبَغِي أَن تعتقد أَن صانع الْعَالم بخلافة وَأَنه قَادر على خلق مثله وَإِلَى هَذَا الْمَعْنى أَشَارَ الصّديق ﵁ بقوله الْعَجز عَن دَرك الْإِدْرَاك إِدْرَاك وَمَعْنَاهُ إِذا صَحَّ عنْدك أَن الصَّانِع لَا يُمكن مَعْرفَته بالتصوير والتركيب وَالْقِيَاس على الْخلق صَحَّ عنْدك أَنه خلاف الْمَخْلُوقَات وتحقيقه أَنَّك إِذا عجزت عَن مَعْرفَته بِالْقِيَاسِ على أَفعاله صَحَّ معرفتك لَهُ بِدلَالَة الْأَفْعَال على ذَاته وَصِفَاته وَقد وصف الله نَفسه بقوله ﴿هُوَ الله الْخَالِق البارئ المصور﴾ وَمَا كَانَ مصورا لم يكن مصورا كَمَا أَن من كَانَ مخلوقا لم يكن خَالِقًا
١٦ - وَأَن تعلم أَن الْحَوَادِث لَا يجوز حلولها فِي ذَاته وَصِفَاته لِأَن مَا كَانَ محلا
стр. 138
للحوادث لم يخل مِنْهَا وَإِذا لم يخل كَانَ مُحدثا مثلهَا وَلِهَذَا قَالَ الْخَلِيل ﵊ ﴿لَا أحب الآفلين﴾ بَين بِهِ أَن من حل بِهِ من الْمعَانِي مَا يُغَيِّرهُ من حَال إِلَى حَال كَانَ مُحدثا لَا يَصح أَن يكون إِلَهًا
١٧ - وَأَن تعلم أَن كل مَا دلّ على حُدُوث شَيْء من الْحَد وَالنِّهَايَة وَالْمَكَان والجهة والسكون وَالْحَرَكَة فَهُوَ مُسْتَحِيل عَلَيْهِ لِأَن مَا لَا يكون مُحدثا لَا يجوز عَلَيْهِ مَا هُوَ دَلِيل على الْحُدُوث وَعَلِيهِ يدل مَا ذَكرنَاهَا قبل فِي قصَّة الْخَلِيل ﵇
١٨ - وَأَن تعلم أَنه سُبْحَانَهُ لَا يجوز عَلَيْهِ النَّقْص والآفة لِأَن الآفة نوع من الْمَنْع وَالْمَنْع يَقْتَضِي مَانِعا وممنوعا وَلَيْسَ فَوْقه سُبْحَانَهُ مَانع وَقد نبه الله تَعَالَى عَلَيْهِ بقوله ﴿هُوَ الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْملك القدوس السَّلَام الْمُؤمن الْمُهَيْمِن الْعَزِيز الْجَبَّار المتكبر سُبْحَانَ الله عَمَّا يشركُونَ﴾ وَالسَّلَام هُوَ الَّذِي سلم من الْآفَات والنقائص والقدوس هُوَ المنزه عَن النقائص والموانع وَيعلم بذلك أَن لَا طَرِيق للآفات والنقائص والموانع إِلَيْهِ وَقد وصف الله تَعَالَى ذَاته بقوله ﴿ذُو الْعَرْش الْمجِيد﴾ وَالْمجد فِي كَلَام الْعَرَب كَمَال الشّرف وَمن كَانَ لنَوْع من النَّقْص إِلَيْهِ طَرِيق لم يكمل شرفه وَلم يجز وَصفه بقوله مجيد فَلَمَّا اتّصف بِهِ سُبْحَانَهُ علمنَا أَنه لَا طَرِيق للنقص إِلَيْهِ
١٩ - وَأَن تعلم أَنه لَا يجوز عَلَيْهِ الْكَيْفِيَّة والكمية والأينية لِأَن من لَا مثل لَهُ لَا يُمكن أَن يُقَال فِيهِ كَيفَ هُوَ وَمن لَا عدد لَهُ لَا يُقَال فِيهِ كم هُوَ وَمن لَا أول لَهُ لَا يُقَال لَهُ مِم كَانَ وَمن لَا مَكَان لَهُ لَا يُقَال فِيهِ أَيْن كَانَ وَقد ذكرنَا من كتاب الله تَعَالَى مَا يدل على التَّوْحِيد وَنفي التَّشْبِيه وَنفي الْمَكَان والجهة وَنفي الِابْتِدَاء والأولية وَقد جَاءَ فِيهِ عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ ﵁ أشفى الْبَيَان حِين قيل لَهُ
стр. 139
أَيْن الله فَقَالَ إِن الَّذِي أَيْن الأين لَا يُقَال لَهُ أَيْن فَقيل لَهُ كَيفَ الله فَقَالَ إِن الَّذِي كَيفَ الكيف لَا يُقَال لَهُ كَيفَ وَاعْلَم أَن الله تَعَالَى ذكر فِي سُورَة الْإِخْلَاص مَا يتَضَمَّن إِثْبَات جَمِيع صِفَات الْمَدْح والكمال وَنفي جَمِيع النقائص عَنهُ وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿قل هُوَ الله أحد الله الصَّمد﴾ فِي هَذِه السُّورَة بَيَان مَا يَنْفِي عَنهُ من نقائص الصِّفَات وَمَا يَسْتَحِيل عَلَيْهِ من الْآفَات بل فِي كلمة من كَلِمَات هَذِه السُّورَة وَهُوَ قَوْله ﴿الله الصَّمد﴾ والصمد فِي اللُّغَة على مَعْنيين أَحدهمَا أَنه لَا جَوف لَهُ وَهَذَا يُوجب أَن لَا يكون جسما وَلَا جوهرا لِأَن مَا لَا يكون بِهَذِهِ الصّفة جَازَ أَن يكون لَهُ جَوف وَالْمعْنَى الثَّانِي للصمد هُوَ السَّيِّد الَّذِي يرجع إِلَيْهِ فِي الْحَوَائِج وَهَذَا يتَضَمَّن إِثْبَات كل صفة لولاها لم يَصح مِنْهُ الْفِعْل كَمَا نذكرهُ فِيمَا بعد لِأَن من لَا تصح مِنْهُ الْأَفْعَال الْمُخْتَلفَة لم يَصح الرُّجُوع إِلَيْهِ فِي الْحَوَائِج المتباينة وَقد جمع الله فِي هَذِه السُّورَة بَين صِفَات النَّفْي وَالْإِثْبَات وَقَالَ ﴿فَاعْلَم أَنه لَا إِلَه إِلَّا الله﴾ وَقد نبه عَلَيْهِ الرَّسُول ﷺ فَقَالَ من عرف نَفسه فقد عرف ربه مَعْنَاهُ من عرف نَفسه بِالْعَجزِ والضعف وَالنَّقْص والقصور عرف أَن لَهُ رَبًّا مَوْصُوفا بالكمال يَصح مِنْهُ جَمِيع الْأَفْعَال فلولاه لم يتم بِالْعَبدِ الْعَاجِز شَيْء من الواردات عَلَيْهِ وَفِي هَذَا الْمَعْنى ورد قَول النَّبِي ﷺ تَفَكَّرُوا فِي خلق الله وَلَا تَتَفَكَّرُوا فِي الله أَي ابتدئوا بالفكرة فِي خلق الله حَتَّى إِذا عَرَفْتُمْ الْخلق بِالْعَجزِ عَرَفْتُمْ أَن لَهُ خَالِقًا قَادِرًا مَوْصُوفا بأوصاف الْكَمَال وَمن ابْتَدَأَ بِالنّظرِ فِي الْخَالِق أَدَّاهُ إِلَى مَا لَا يَصح من تَشْبِيه أَو تَعْطِيل
стр. 140
٢٠ - وَأَن تعلم أَن صانع الْعَالم حَيّ قَادر عَالم مُرِيد مُتَكَلم سميع بَصِير لِأَن من لم يكن بِهَذِهِ الصِّفَات كَانَ مَوْصُوفا بأضدادها وأضدادها نقائص وآفات تمنع صِحَة الْفِعْل فَصحت ثُبُوت هَذِه الصِّفَات لَهُ من وَجْهَيْن أَحدهمَا دلَالَة الْفِعْل وَالثَّانِي نفي النقائص وَقد دلّت على إِثْبَات هَذِه ظواهر نُصُوص الْقُرْآن وَردت جَمِيعهَا فِي الْأَسْمَاء التِّسْعَة وَالتسْعين الَّتِي استفاضت بهَا الْأَخْبَار فِي أَسمَاء الرب ﷻ
قَالَ الله تَعَالَى ﴿الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيّ القيوم﴾ وَقَالَ ﴿وتوكل على الْحَيّ الَّذِي لَا يَمُوت﴾ وَقَالَ ﴿وعنت الْوُجُوه للحي القيوم﴾ وَقَالَ ﴿قل هُوَ الْقَادِر﴾ وَقَالَ وَهُوَ بِكُل شَيْء عليم وَقَالَ ﴿علام الغيوب﴾ وَقَالَ لَا يعزب عَنهُ مِثْقَال ذرة فِي السَّمَاء وَقَالَ ﴿هُوَ الْحَكِيم الْعَلِيم﴾ والحكيم من وَقع أَفعاله على مُوَافقَة إِرَادَته وَجَاء فِي صفته الرَّحْمَن الرَّحِيم والغفار والغفور والكريم والتواب وكل ذَلِك يرجع إِلَى إِرَادَته للتَّوْبَة وَالنعْمَة وَالْمَغْفِرَة وَيدل على إِرَادَته وَمِمَّا يدل على إِثْبَات كَونه متكلما قَوْله تَعَالَى ﴿من ذَا الَّذِي يشفع عِنْده إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ وَالْإِذْن من صِفَات الْكَلَام وَقَوله ﴿إِنَّه غَفُور شكور﴾ و ﴿صبار شكور﴾ وشكره للعباد مدحه إيَّاهُم على طَاعَته وَذَلِكَ من صِفَات الْكَلَام وَورد فِي أَسْمَائِهِ الْمُجيب وَذَلِكَ يتم بالْكلَام وَمن أَسْمَائِهِ
стр. 141
الْبَاعِث وَذَلِكَ مِمَّا يدل على الْكَلَام وَلَا يتم بعث الرُّسُل إِلَّا بالْكلَام وَكَذَلِكَ الشَّهِيد مَعْنَاهُ أَنه يشْهد أَنه أرْسلهُ بِالصّدقِ يَوْم الْقِيَامَة وَذَلِكَ لَا يتم إِلَّا بالْكلَام وَكَذَلِكَ الْمُؤمن وَمَعْنَاهُ أَنه يصدق أنبياءه وَلَا يتم ذَلِك إِلَّا بالْكلَام وَورد السَّمِيع والبصير فِي الْكتاب وَالسّنة أظهر من أَن يخفى
٢١ - وَأَن تعلم أَن لَهُ حَيَاة وقدرة وعلما وَإِرَادَة وكلاما وسمعا وبصرا لِأَن من كَانَ مَوْصُوفا بِهَذِهِ الْأَوْصَاف ثبتَتْ لَهُ هَذِه الصِّفَات وَلَا يجوز أَن يكون غير الْمَوْصُوف بهَا مَوْصُوفا بِهَذِهِ الصِّفَات كَمَا لَا يجوز أَن تُوجد الصِّفَات من غير أَن يكون الْمَوْصُوف بِتِلْكَ الْأَوْصَاف مَوْصُوفا بهَا وَقد ورد فِي إِثْبَات الْعلم لَهُ آي كَثِيرَة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿أنزلهُ بِعِلْمِهِ﴾ وَلَا يحيطون بِشَيْء من علمه قد أحَاط بِكُل شَيْء علما وَورد فِي إِثْبَات الْقُدْرَة لَهُ ﴿ذُو الْقُوَّة المتين﴾ وَالْقُوَّة وَالْقُدْرَة وَأخذ فِي الْعَرَبيَّة وَورد فِي إِثْبَات الْإِرَادَة فعال لما يُرِيد ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ فِيهِ دَلِيل على إِثْبَات الْإِرَادَة والمشيئة
٢٢ - وَأَن تعلم أَن صانع الْعَالم بَاقٍ لأَنا قد دللنا على أَنه قديم وَلَا يكون الْقَدِيم إِلَّا بَاقِيا وَقد ورد فِي أَسْمَائِهِ البديع الْبَاقِي وَورد فِي أَسْمَائِهِ الْحَيّ القيوم والقيوم مُبَالغَة من الْقيام وَذَلِكَ يتَضَمَّن كَونه بَاقِيا
٢٣ - وَأَن تعلم أَن لَهُ بَقَاء لِأَن مَا وصف بِكَوْنِهِ بَاقِيا ثَبت لَهُ الْبَقَاء وَمَا لَا بَقَاء لَهُ لَا يكون بَاقِيا بِحَال لِأَن الْمَوْجُود لَو كَانَ بَاقِيا بِلَا بَقَاء لَكَانَ مستغنيا عَن الْقُدْرَة ولوجب مِنْهُ أَن يكون كل مَوْجُود فِي أول حَال وجوده قَدِيما والمحدث لَا يجوز أَن يكون قَدِيما بِحَال وينبه على هَذَا الْمَعْنى قَوْله تَعَالَى ﴿وَيبقى وَجه رَبك ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام﴾
стр. 142
٢٤ - وَأَن تعلم أَنه لَا يجوز فِيمَا ذَكرْنَاهُ من صِفَات الْقَدِيم سُبْحَانَهُ أَن يُقَال أَنَّهَا هِيَ هُوَ أَو غَيره وَلَا هِيَ هُوَ وَلَا هِيَ غَيره وَلَا أَنَّهَا مُوَافقَة أَو مُخَالفَة وَلَا إِنَّهَا تباينه أَو تلازمه أَو تتصل بِهِ أَو تنفصل عَنهُ أَو تشبهه أَو لَا تشبهه وَلَكِن يجب أَن يُقَال إِنَّهَا صِفَات لَهُ مَوْجُودَة بِهِ قَائِمَة بِذَاتِهِ مُخْتَصَّة بِهِ وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّهَا لَا هِيَ هُوَ لِأَن هَذِه الصِّفَات لَو كَانَت هِيَ هُوَ لم يجز أَن يكون هُوَ عَالما وَلَا قَادِرًا وَلَا مَوْصُوفا بِشَيْء من هَذِه الْأَوْصَاف لِأَن الْعلم لَا يكون عَالما وَالْقُدْرَة لَا تكون قادرة وَلَا مَوْصُوفا بِشَيْء من هَذِه الصِّفَات وَإِنَّمَا قُلْنَا لَا يُقَال أَنَّهَا غَيره لِأَن الغيرين يجوز وجود أَحدهمَا مَعَ عدم الآخر وَلما اسْتَحَالَ هَذَا الْمَعْنى فِي الذَّات وَالصِّفَات لم يجز فِيهِ الْخلاف المغاير وَإِنَّمَا قُلْنَا لَا هِيَ هُوَ وَلَا هِيَ غَيره لِأَن فِي نفي كل وَاحِد مِنْهُمَا إِثْبَات الآخروقد بَينا اسْتِحَالَة الْإِثْبَات فِيهِ وَإِنَّمَا قُلْنَا لَا يُقَال أَنَّهَا توافقه أَو تخَالفه أَو تباينه أَو تشبهه لِأَن جَمِيع ذَلِك يتَضَمَّن الْمُغَايرَة وَذَلِكَ يتَضَمَّن جَوَاز عدم أَحدهمَا مَعَ وجود الآخر وَذَلِكَ محَال
٢٥ - وَأَن تعلم أَن مَا يمْتَنع إِطْلَاقه من هَذِه الْعبارَات الَّتِي ذَكرنَاهَا على الذَّات وَالصِّفَات يمْتَنع إِطْلَاقهَا أَيْضا على كل صفة مِنْهَا مَعَ سَائِر الصِّفَات فَلَا يجوز أَن يُقَال علمه قدرته وَلَا أَن يُقَال إِنَّه غَيرهَا أَو يُخَالِفهَا أَو يُوَافِقهَا أَو يشبهها أَو لَا يشبهها لِأَن جَمِيع ذَلِك يتَضَمَّن إِثْبَات الْمُغَايرَة وَذَلِكَ يتَضَمَّن جَوَاز وجود أَحدهمَا مَعَ عدم الآخر وَذَلِكَ محَال فِي الصِّفَات بَعْضهَا مَعَ بعض وَقد نبه رَسُول الله ﷺ فِي خبر عمرَان بن الْحصين على مَا يتَضَمَّن هَذَا الْمَعْنى الَّذِي وصفناه حِين قَالَ كَانَ الله وَلم يكن مَعَه شَيْء غَيره وَذَلِكَ إِثْبَات الصِّفَات وَنفي الْمُغَايرَة بَينهَا
٢٦ - وَأَن تعلم أَن كل صفة قَامَت بِذَات الْبَارِي ﷻ لم تكن إِلَّا أزلية قديمَة لما قد بَينا قبل أَن حُدُوث الْحَوَادِث فِي ذَاته لَا يجوز
٢٧ - وَأَن تعلم أَن الْعَدَم لَا يجوز عَلَيْهِ وَلَا على شَيْء من صِفَاته لأَنا قد دللنا
стр. 143
على قدم ذَاته وَصِفَاته وَالْقَدِيم لَا يبطل وَقد دللنا عَلَيْهِ لِأَن الْبطلَان علم الْحُدُوث وَلِهَذَا قَالَ إِبْرَاهِيم الْخَلِيل لَا أحب الآفلين اسْتدلَّ بأفولة وبطلانه على حُدُوثه
٢٨ - وَأَن تعلم أَن علمه سُبْحَانَهُ عَام فِي جَمِيع المعلومات وَقدرته عَامَّة فِي جَمِيع المقدورات وإرادته عَامَّة فِي جَمِيع الإرادات علمهَا على مَا هِيَ عَلَيْهِ وَأَرَادَ أَن يكون مَا علم أَن يكون وَأَرَادَ أَن لَا يكون مَا علم أَن لَا يكون وَلَا يجْرِي فِي مَمْلَكَته مَا لَا يُرِيد كَونه لَان شَيْئا من صِفَاته هَذِه لَو اخْتصَّ بِبَعْض لما صَحَّ أَن يكون عَاما وَمَا كَانَ مُخْتَصًّا بِهِ متناهيا فِي ذَاته اقْتضى مُخَصّصا يَخُصُّهُ بِمَا اخْتصَّ بِهِ وَذَلِكَ علم الْحُدُوث وَمِمَّا يدل على أَوْصَافه من كتاب الله تَعَالَى قَوْله ﴿وَمَا يعزب عَن رَبك من مِثْقَال ذرة﴾ وَقَوله تَعَالَى وَكَانَ الله بِكُل شَيْء عليما وَقَوله تَعَالَى فِي معنى الْقُدْرَة وَالله على كل شَيْء قدير وَقَوله تَعَالَى الله خَالق كل شَيْء وَهل يكون الْخلق إِلَّا بِالْقُدْرَةِ وَذَلِكَ يدل على عُمُوم الْقُدْرَة فِي جَمِيع المقدورات وَجَاء فِي عُمُوم الْإِرَادَة قَوْله تَعَالَى إِنَّمَا قَوْلنَا لشَيْء إِذا أردناه أَن نقُول لَهُ كن فَيكون وَفِي هَذِه الْآيَة دَلِيل على عُمُوم إِرَادَته وعَلى أَن كَلَامه قديم لِأَنَّهُ بَين أَنه لَا يخلق شَيْئا إِلَّا أَن يَقُول لَهُ كن وَلَو كَانَ ذَلِك مُحدثا لَكَانَ مَفْعُولا لَهُ بكن وَكَذَلِكَ الثَّانِي وَالثَّالِث ويتسلسل ذَلِك إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ وَمِمَّا يدل على عُمُوم كَلَامه فِي متعلقاته وَنفي النِّهَايَة عَنهُ قَوْله تَعَالَى قل لَو كَانَ الْبَحْر مدادا لكلمات رَبِّي لنفذ الْبَحْر قبل أَن تنفذ كَلِمَات رَبِّي وَلَو جِئْنَا بِمثلِهِ مدَدا وَإِذا تقرر عُمُوم قدرته وَعلمه فَاعْلَم أَنه يجوز أَن يُقَال فِي وَصفه سُبْحَانَهُ أَنه عَالم بِكُل شَيْء كَمَا يجوز أَن يُقَال أَنه عَالم بِجَمِيعِ المعلومات وَيجوز أَن يُقَال أَنه قَادر على جَمِيع المقدورات ويستحيل أَن يُقَال أَنه قَادر على كل شَيْء على هَذَا الْإِطْلَاق لِأَن الْقَدِيم شَيْء يَسْتَحِيل أَن يتَعَلَّق بِهِ الْقُدْرَة
стр. 144
وَالَّذِي جَاءَ فِي الْقُرْآن من إِطْلَاق القَوْل بِأَنَّهُ على كل شَيْء قدير دخله ضرب من التَّخْصِيص وَمَعْنَاهُ على كل شَيْء مَقْدُور قدير وَلِهَذَا قَالَ أهل الْمعرفَة أَن آيَة الْعلم لم يدخلهَا التَّخْصِيص وَآيَة الْقُدْرَة دَخلهَا تَخْصِيص فَأَما كَون الْعلم وَالْقُدْرَة لم يدخلهما التَّخْصِيص فبمعنى أَن يُقَال فِي الْعلم أَنه عَام فِي جَمِيع المعلومات وَفِي الْقُدْرَة أَنَّهَا عَامَّة فِي جَمِيع المقدورات
٢٩ - وَأَن تعلم أَن كَلَام الله تَعَالَى لَيْسَ بِحرف وَلَا صَوت لِأَن الْحَرْف وَالصَّوْت يتضمنان جَوَاز التَّقَدُّم والتأخر وَذَلِكَ مُسْتَحِيل على الْقَدِيم سُبْحَانَهُ وَمَا دلّ من كتاب الله تَعَالَى على أَن متعلقات الْكَلَام لَا نِهَايَة لَهَا دَلِيل على أَنه لَيْسَ بِحرف وَلَا صَوت لوُجُوب التناهي فِيمَا صَحَّ وَصفه بِهِ
٣٠ - وَأَن تعلم أَن كَلَام الله قديم وَكَلَام وَاحِد أَمر وَنهي وَخبر واستخبار على معنى التَّقْدِير وكل مَا ورد فِي الْكتب من الله تَعَالَى باللغات الْمُخْتَلفَة العبرية والعربية والسريانية كلهَا عِبَارَات تدل على معنى كتاب الله تَعَالَى وَلَو جَاءَ أَضْعَاف أضعافه لم تستغرق مَعَاني كَلَامه فمعاني كَلَام الله تَعَالَى لَا تستغرقها عِبَارَات المعبرين كَمَا أَن مَعْلُومَات علم الله لَا يستغرقها عِبَارَات المعبرين ومقدروات قدرته لَا يُمكن ضَبطهَا بالحصر والتحديد وعَلى هَذِه الْجُمْلَة يدل قَوْله تَعَالَى إِنَّمَا قَوْلنَا لشَيْء إِذا أردناه أَن نقُول لَهُ كن فَيكون وَقَوله تَعَالَى ﴿قل لَو كَانَ الْبَحْر مدادا لكلمات رَبِّي﴾ الْآيَة كَمَا وصفناه قبل
٣١ - وَأَن تعلم أَنه إِذا تقرر اسْتِحَالَة التَّخْصِيص على صِفَاته الْقَائِمَة بِذَاتِهِ وَوُجُوب عمومها فِي متعلقاتها ثَبت بِهِ عُمُوم قدرته فِي جَمِيع مقدوراتها وَثَبت أَنه سُبْحَانَهُ قَادر على إماتة جَمِيع الْخلق وَإِبْطَال جَمِيع الموجودات وعَلى أَن يخلق
стр. 145
أَضْعَاف مَا خلق كَيفَ شَاءَ وَمَتى شَاءَ وَأَيْنَ شَاءَ وَأَنه قَادر على بعث الرُّسُل وإنزال الْكتب وَإِظْهَار المعجزات الدَّالَّة على صدقهم فَإِنَّهُ قَادر على الْحَشْر والنشر وثواب أهل الطَّاعَات وعقاب أهل الْمعاصِي كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي يبْدَأ الْخلق ثمَّ يُعِيدهُ﴾ وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وَإِذا الْقُبُور بعثرت﴾ وَقَالَ ﷻ ﴿قَالَ من يحيي الْعِظَام وَهِي رَمِيم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وحشرناهم فَلم نغادر مِنْهُم أحدا﴾ وَقَالَ ﴿ثمَّ توفى كل نفس مَا كسبت وهم لَا يظْلمُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وعرضوا على رَبك صفا﴾ وَقَالَ تَعَالَى لقد جئتمونا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أول مرّة بل زعمتم أَن لن نجْعَل لكم موعدا
٣٢ - وَأَن تعلم أَنه لَا اعْتِرَاض عَلَيْهِ فِي جَمِيع مَا يَأْتِيهِ أَو يذره لَا يُقَال فِيمَا فعله لم فعله وَلَا فِيمَا تَركه لم تَركه لِأَن الإعتراض إِنَّمَا يتَوَجَّه إِلَى من صدر قَوْله عَن أَمر آمُر وَنهي ناه وزجر زاجر وَإِنَّمَا يتَوَجَّه الْأَمر على من إِذا خَالف كَانَ للعقوبة إِلَيْهِ سَبِيل وَلَا سَبِيل للعقوبة إِلَى الله تَعَالَى فَلَا يتَوَجَّه عَلَيْهِ الْأَمر وَإِذا لم يتَوَجَّه عَلَيْهِ الْأَمر اسْتَحَالَ عَلَيْهِ الإعتراض ولهذه النُّكْتَة قُلْنَا إِنَّه لَا يجوز عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ حظر وَلَا وجوب وَقد نبه الله على هَذَا الْمَعْنى بقوله ﴿وَرَبك يخلق مَا يَشَاء ويختار مَا كَانَ لَهُم الْخيرَة﴾ وَقَالَ ﴿هُوَ الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمد فِي الأولى وَالْآخِرَة وَله الحكم وَإِلَيْهِ ترجعون﴾ وَقَالَ ﴿أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر﴾ وَقَالَ ﴿لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون﴾
٣٣ - وَأَن تعلم أَنه حَكِيم فِي جَمِيع أَفعاله وَحَقِيقَة الْحِكْمَة فِي
следующие страницы →