← Акыда

Акыда · id 6376

التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين

الأسفراييني، أبو المظفر

Полный текст (173 стр.). Показаны 141–173 · переход к 146.

стр. 141

الْبَاعِث وَذَلِكَ مِمَّا يدل على الْكَلَام وَلَا يتم بعث الرُّسُل إِلَّا بالْكلَام وَكَذَلِكَ الشَّهِيد مَعْنَاهُ أَنه يشْهد أَنه أرْسلهُ بِالصّدقِ يَوْم الْقِيَامَة وَذَلِكَ لَا يتم إِلَّا بالْكلَام وَكَذَلِكَ الْمُؤمن وَمَعْنَاهُ أَنه يصدق أنبياءه وَلَا يتم ذَلِك إِلَّا بالْكلَام وَورد السَّمِيع والبصير فِي الْكتاب وَالسّنة أظهر من أَن يخفى ٢١ - وَأَن تعلم أَن لَهُ حَيَاة وقدرة وعلما وَإِرَادَة وكلاما وسمعا وبصرا لِأَن من كَانَ مَوْصُوفا بِهَذِهِ الْأَوْصَاف ثبتَتْ لَهُ هَذِه الصِّفَات وَلَا يجوز أَن يكون غير الْمَوْصُوف بهَا مَوْصُوفا بِهَذِهِ الصِّفَات كَمَا لَا يجوز أَن تُوجد الصِّفَات من غير أَن يكون الْمَوْصُوف بِتِلْكَ الْأَوْصَاف مَوْصُوفا بهَا وَقد ورد فِي إِثْبَات الْعلم لَهُ آي كَثِيرَة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿أنزلهُ بِعِلْمِهِ﴾ وَلَا يحيطون بِشَيْء من علمه قد أحَاط بِكُل شَيْء علما وَورد فِي إِثْبَات الْقُدْرَة لَهُ ﴿ذُو الْقُوَّة المتين﴾ وَالْقُوَّة وَالْقُدْرَة وَأخذ فِي الْعَرَبيَّة وَورد فِي إِثْبَات الْإِرَادَة فعال لما يُرِيد ﴿وَمَا تشاؤون إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ فِيهِ دَلِيل على إِثْبَات الْإِرَادَة والمشيئة ٢٢ - وَأَن تعلم أَن صانع الْعَالم بَاقٍ لأَنا قد دللنا على أَنه قديم وَلَا يكون الْقَدِيم إِلَّا بَاقِيا وَقد ورد فِي أَسْمَائِهِ البديع الْبَاقِي وَورد فِي أَسْمَائِهِ الْحَيّ القيوم والقيوم مُبَالغَة من الْقيام وَذَلِكَ يتَضَمَّن كَونه بَاقِيا ٢٣ - وَأَن تعلم أَن لَهُ بَقَاء لِأَن مَا وصف بِكَوْنِهِ بَاقِيا ثَبت لَهُ الْبَقَاء وَمَا لَا بَقَاء لَهُ لَا يكون بَاقِيا بِحَال لِأَن الْمَوْجُود لَو كَانَ بَاقِيا بِلَا بَقَاء لَكَانَ مستغنيا عَن الْقُدْرَة ولوجب مِنْهُ أَن يكون كل مَوْجُود فِي أول حَال وجوده قَدِيما والمحدث لَا يجوز أَن يكون قَدِيما بِحَال وينبه على هَذَا الْمَعْنى قَوْله تَعَالَى ﴿وَيبقى وَجه رَبك ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام﴾

стр. 142

٢٤ - وَأَن تعلم أَنه لَا يجوز فِيمَا ذَكرْنَاهُ من صِفَات الْقَدِيم سُبْحَانَهُ أَن يُقَال أَنَّهَا هِيَ هُوَ أَو غَيره وَلَا هِيَ هُوَ وَلَا هِيَ غَيره وَلَا أَنَّهَا مُوَافقَة أَو مُخَالفَة وَلَا إِنَّهَا تباينه أَو تلازمه أَو تتصل بِهِ أَو تنفصل عَنهُ أَو تشبهه أَو لَا تشبهه وَلَكِن يجب أَن يُقَال إِنَّهَا صِفَات لَهُ مَوْجُودَة بِهِ قَائِمَة بِذَاتِهِ مُخْتَصَّة بِهِ وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّهَا لَا هِيَ هُوَ لِأَن هَذِه الصِّفَات لَو كَانَت هِيَ هُوَ لم يجز أَن يكون هُوَ عَالما وَلَا قَادِرًا وَلَا مَوْصُوفا بِشَيْء من هَذِه الْأَوْصَاف لِأَن الْعلم لَا يكون عَالما وَالْقُدْرَة لَا تكون قادرة وَلَا مَوْصُوفا بِشَيْء من هَذِه الصِّفَات وَإِنَّمَا قُلْنَا لَا يُقَال أَنَّهَا غَيره لِأَن الغيرين يجوز وجود أَحدهمَا مَعَ عدم الآخر وَلما اسْتَحَالَ هَذَا الْمَعْنى فِي الذَّات وَالصِّفَات لم يجز فِيهِ الْخلاف المغاير وَإِنَّمَا قُلْنَا لَا هِيَ هُوَ وَلَا هِيَ غَيره لِأَن فِي نفي كل وَاحِد مِنْهُمَا إِثْبَات الآخروقد بَينا اسْتِحَالَة الْإِثْبَات فِيهِ وَإِنَّمَا قُلْنَا لَا يُقَال أَنَّهَا توافقه أَو تخَالفه أَو تباينه أَو تشبهه لِأَن جَمِيع ذَلِك يتَضَمَّن الْمُغَايرَة وَذَلِكَ يتَضَمَّن جَوَاز عدم أَحدهمَا مَعَ وجود الآخر وَذَلِكَ محَال ٢٥ - وَأَن تعلم أَن مَا يمْتَنع إِطْلَاقه من هَذِه الْعبارَات الَّتِي ذَكرنَاهَا على الذَّات وَالصِّفَات يمْتَنع إِطْلَاقهَا أَيْضا على كل صفة مِنْهَا مَعَ سَائِر الصِّفَات فَلَا يجوز أَن يُقَال علمه قدرته وَلَا أَن يُقَال إِنَّه غَيرهَا أَو يُخَالِفهَا أَو يُوَافِقهَا أَو يشبهها أَو لَا يشبهها لِأَن جَمِيع ذَلِك يتَضَمَّن إِثْبَات الْمُغَايرَة وَذَلِكَ يتَضَمَّن جَوَاز وجود أَحدهمَا مَعَ عدم الآخر وَذَلِكَ محَال فِي الصِّفَات بَعْضهَا مَعَ بعض وَقد نبه رَسُول الله ﷺ فِي خبر عمرَان بن الْحصين على مَا يتَضَمَّن هَذَا الْمَعْنى الَّذِي وصفناه حِين قَالَ كَانَ الله وَلم يكن مَعَه شَيْء غَيره وَذَلِكَ إِثْبَات الصِّفَات وَنفي الْمُغَايرَة بَينهَا ٢٦ - وَأَن تعلم أَن كل صفة قَامَت بِذَات الْبَارِي ﷻ لم تكن إِلَّا أزلية قديمَة لما قد بَينا قبل أَن حُدُوث الْحَوَادِث فِي ذَاته لَا يجوز ٢٧ - وَأَن تعلم أَن الْعَدَم لَا يجوز عَلَيْهِ وَلَا على شَيْء من صِفَاته لأَنا قد دللنا

стр. 143

على قدم ذَاته وَصِفَاته وَالْقَدِيم لَا يبطل وَقد دللنا عَلَيْهِ لِأَن الْبطلَان علم الْحُدُوث وَلِهَذَا قَالَ إِبْرَاهِيم الْخَلِيل لَا أحب الآفلين اسْتدلَّ بأفولة وبطلانه على حُدُوثه ٢٨ - وَأَن تعلم أَن علمه سُبْحَانَهُ عَام فِي جَمِيع المعلومات وَقدرته عَامَّة فِي جَمِيع المقدورات وإرادته عَامَّة فِي جَمِيع الإرادات علمهَا على مَا هِيَ عَلَيْهِ وَأَرَادَ أَن يكون مَا علم أَن يكون وَأَرَادَ أَن لَا يكون مَا علم أَن لَا يكون وَلَا يجْرِي فِي مَمْلَكَته مَا لَا يُرِيد كَونه لَان شَيْئا من صِفَاته هَذِه لَو اخْتصَّ بِبَعْض لما صَحَّ أَن يكون عَاما وَمَا كَانَ مُخْتَصًّا بِهِ متناهيا فِي ذَاته اقْتضى مُخَصّصا يَخُصُّهُ بِمَا اخْتصَّ بِهِ وَذَلِكَ علم الْحُدُوث وَمِمَّا يدل على أَوْصَافه من كتاب الله تَعَالَى قَوْله ﴿وَمَا يعزب عَن رَبك من مِثْقَال ذرة﴾ وَقَوله تَعَالَى وَكَانَ الله بِكُل شَيْء عليما وَقَوله تَعَالَى فِي معنى الْقُدْرَة وَالله على كل شَيْء قدير وَقَوله تَعَالَى الله خَالق كل شَيْء وَهل يكون الْخلق إِلَّا بِالْقُدْرَةِ وَذَلِكَ يدل على عُمُوم الْقُدْرَة فِي جَمِيع المقدورات وَجَاء فِي عُمُوم الْإِرَادَة قَوْله تَعَالَى إِنَّمَا قَوْلنَا لشَيْء إِذا أردناه أَن نقُول لَهُ كن فَيكون وَفِي هَذِه الْآيَة دَلِيل على عُمُوم إِرَادَته وعَلى أَن كَلَامه قديم لِأَنَّهُ بَين أَنه لَا يخلق شَيْئا إِلَّا أَن يَقُول لَهُ كن وَلَو كَانَ ذَلِك مُحدثا لَكَانَ مَفْعُولا لَهُ بكن وَكَذَلِكَ الثَّانِي وَالثَّالِث ويتسلسل ذَلِك إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ وَمِمَّا يدل على عُمُوم كَلَامه فِي متعلقاته وَنفي النِّهَايَة عَنهُ قَوْله تَعَالَى قل لَو كَانَ الْبَحْر مدادا لكلمات رَبِّي لنفذ الْبَحْر قبل أَن تنفذ كَلِمَات رَبِّي وَلَو جِئْنَا بِمثلِهِ مدَدا وَإِذا تقرر عُمُوم قدرته وَعلمه فَاعْلَم أَنه يجوز أَن يُقَال فِي وَصفه سُبْحَانَهُ أَنه عَالم بِكُل شَيْء كَمَا يجوز أَن يُقَال أَنه عَالم بِجَمِيعِ المعلومات وَيجوز أَن يُقَال أَنه قَادر على جَمِيع المقدورات ويستحيل أَن يُقَال أَنه قَادر على كل شَيْء على هَذَا الْإِطْلَاق لِأَن الْقَدِيم شَيْء يَسْتَحِيل أَن يتَعَلَّق بِهِ الْقُدْرَة

стр. 144

وَالَّذِي جَاءَ فِي الْقُرْآن من إِطْلَاق القَوْل بِأَنَّهُ على كل شَيْء قدير دخله ضرب من التَّخْصِيص وَمَعْنَاهُ على كل شَيْء مَقْدُور قدير وَلِهَذَا قَالَ أهل الْمعرفَة أَن آيَة الْعلم لم يدخلهَا التَّخْصِيص وَآيَة الْقُدْرَة دَخلهَا تَخْصِيص فَأَما كَون الْعلم وَالْقُدْرَة لم يدخلهما التَّخْصِيص فبمعنى أَن يُقَال فِي الْعلم أَنه عَام فِي جَمِيع المعلومات وَفِي الْقُدْرَة أَنَّهَا عَامَّة فِي جَمِيع المقدورات ٢٩ - وَأَن تعلم أَن كَلَام الله تَعَالَى لَيْسَ بِحرف وَلَا صَوت لِأَن الْحَرْف وَالصَّوْت يتضمنان جَوَاز التَّقَدُّم والتأخر وَذَلِكَ مُسْتَحِيل على الْقَدِيم سُبْحَانَهُ وَمَا دلّ من كتاب الله تَعَالَى على أَن متعلقات الْكَلَام لَا نِهَايَة لَهَا دَلِيل على أَنه لَيْسَ بِحرف وَلَا صَوت لوُجُوب التناهي فِيمَا صَحَّ وَصفه بِهِ ٣٠ - وَأَن تعلم أَن كَلَام الله قديم وَكَلَام وَاحِد أَمر وَنهي وَخبر واستخبار على معنى التَّقْدِير وكل مَا ورد فِي الْكتب من الله تَعَالَى باللغات الْمُخْتَلفَة العبرية والعربية والسريانية كلهَا عِبَارَات تدل على معنى كتاب الله تَعَالَى وَلَو جَاءَ أَضْعَاف أضعافه لم تستغرق مَعَاني كَلَامه فمعاني كَلَام الله تَعَالَى لَا تستغرقها عِبَارَات المعبرين كَمَا أَن مَعْلُومَات علم الله لَا يستغرقها عِبَارَات المعبرين ومقدروات قدرته لَا يُمكن ضَبطهَا بالحصر والتحديد وعَلى هَذِه الْجُمْلَة يدل قَوْله تَعَالَى إِنَّمَا قَوْلنَا لشَيْء إِذا أردناه أَن نقُول لَهُ كن فَيكون وَقَوله تَعَالَى ﴿قل لَو كَانَ الْبَحْر مدادا لكلمات رَبِّي﴾ الْآيَة كَمَا وصفناه قبل ٣١ - وَأَن تعلم أَنه إِذا تقرر اسْتِحَالَة التَّخْصِيص على صِفَاته الْقَائِمَة بِذَاتِهِ وَوُجُوب عمومها فِي متعلقاتها ثَبت بِهِ عُمُوم قدرته فِي جَمِيع مقدوراتها وَثَبت أَنه سُبْحَانَهُ قَادر على إماتة جَمِيع الْخلق وَإِبْطَال جَمِيع الموجودات وعَلى أَن يخلق

стр. 145

أَضْعَاف مَا خلق كَيفَ شَاءَ وَمَتى شَاءَ وَأَيْنَ شَاءَ وَأَنه قَادر على بعث الرُّسُل وإنزال الْكتب وَإِظْهَار المعجزات الدَّالَّة على صدقهم فَإِنَّهُ قَادر على الْحَشْر والنشر وثواب أهل الطَّاعَات وعقاب أهل الْمعاصِي كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي يبْدَأ الْخلق ثمَّ يُعِيدهُ﴾ وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وَإِذا الْقُبُور بعثرت﴾ وَقَالَ ﷻ ﴿قَالَ من يحيي الْعِظَام وَهِي رَمِيم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وحشرناهم فَلم نغادر مِنْهُم أحدا﴾ وَقَالَ ﴿ثمَّ توفى كل نفس مَا كسبت وهم لَا يظْلمُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وعرضوا على رَبك صفا﴾ وَقَالَ تَعَالَى لقد جئتمونا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أول مرّة بل زعمتم أَن لن نجْعَل لكم موعدا ٣٢ - وَأَن تعلم أَنه لَا اعْتِرَاض عَلَيْهِ فِي جَمِيع مَا يَأْتِيهِ أَو يذره لَا يُقَال فِيمَا فعله لم فعله وَلَا فِيمَا تَركه لم تَركه لِأَن الإعتراض إِنَّمَا يتَوَجَّه إِلَى من صدر قَوْله عَن أَمر آمُر وَنهي ناه وزجر زاجر وَإِنَّمَا يتَوَجَّه الْأَمر على من إِذا خَالف كَانَ للعقوبة إِلَيْهِ سَبِيل وَلَا سَبِيل للعقوبة إِلَى الله تَعَالَى فَلَا يتَوَجَّه عَلَيْهِ الْأَمر وَإِذا لم يتَوَجَّه عَلَيْهِ الْأَمر اسْتَحَالَ عَلَيْهِ الإعتراض ولهذه النُّكْتَة قُلْنَا إِنَّه لَا يجوز عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ حظر وَلَا وجوب وَقد نبه الله على هَذَا الْمَعْنى بقوله ﴿وَرَبك يخلق مَا يَشَاء ويختار مَا كَانَ لَهُم الْخيرَة﴾ وَقَالَ ﴿هُوَ الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمد فِي الأولى وَالْآخِرَة وَله الحكم وَإِلَيْهِ ترجعون﴾ وَقَالَ ﴿أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر﴾ وَقَالَ ﴿لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون﴾ ٣٣ - وَأَن تعلم أَنه حَكِيم فِي جَمِيع أَفعاله وَحَقِيقَة الْحِكْمَة فِي

стр. 146

أَفعاله وُقُوعهَا مُوَافقَة لعلمه وإرادته وَهُوَ الْحِكْمَة فِي أَفعَال الْحُكَمَاء فِي الشَّاهِد لِأَن من فعل فعلا لَا يَقع على مُوَافقَة إِرَادَته يُقَال إِنَّه لم يرتبه على حِكْمَة مِنْهُ فِيهِ فَإِذا حصل مُرَاده فِيهِ يُقَال إِنَّه حَكِيم فِي فعله وَلَا يُمكن أَن يُقَال فِي شَيْء من أَفعاله أَنه كَانَ يَنْبَغِي أَن يوقعه على خلاف مَا أوقعه لِأَنَّهُ يتَصَرَّف فِي ملكه وَمن تصرف فِي ملكه لم يَتَقَرَّر عَلَيْهِ الإعتراض فِي فعله وَلِهَذَا قُلْنَا إِن شَيْئا من أَفعاله لَا يكون ظلما وَأَنه سُبْحَانَهُ يَسْتَحِيل الظُّلم فِي وَصفه لِأَنَّهُ لَا يتَصَرَّف فِي غير ملكه وَمن تصرف فِي ملكه لم يَتَقَرَّر عَلَيْهِ الإعتراض فِي فعله وَمن تصرف فِي ملكه فَلَيْسَ بظالم فِي أَفعاله قَالَ الله تَعَالَى ﴿تَنْزِيل من حَكِيم حميد﴾ وَقَالَ وَكَانَ الله بِكُل شَيْء عليما وَقَالَ ﴿أفحسبتم أَنما خَلَقْنَاكُمْ عَبَثا وأنكم إِلَيْنَا لَا ترجعون﴾ ٣٤ - وَأَن تعلم أَن الدَّلِيل على صدق الْمُدَّعِي للنبوة هُوَ المعجزة والمعجزة فعل يظْهر على يَدي مدعي النُّبُوَّة بِخِلَاف الْعَادة فِي زمَان التَّكْلِيف مُوَافقا لدعواه وَهُوَ يَدْعُو الْخلق إِلَى معارضته ويتحداهم أَن يَأْتُوا بِمثلِهِ فيعجزوا عَنهُ فيبين بِهِ صدق من يظْهر على يَده وَمَا من رَسُول من رسل الله تَعَالَى إِلَّا وَقد كَانَ مؤيدا بمعجزة أَو معجزات كَثِيرَة تدل على صدقه وَقد أخبر الله تَعَالَى عَن كثير مِنْهَا فَذكر فِي قصَّة مُوسَى ﵇ فلق الْبَحْر وقلب الْعَصَا حَيَّة وَالْيَد الْبَيْضَاء وَفِي قصَّة دَاوُد وَسليمَان تليين الْحَدِيد وتسخير الرّيح وَالشَّيَاطِين والطيور وَجَمِيع دَوَاب الأَرْض فِي الْبر وَالْبَحْر وَفِي قصَّة عِيسَى ﵇ إحْيَاء الْمَوْتَى وإبراء الأكمه والأبرص وَذكر فِي صفة الْمُصْطَفى ﷺ أَنه يَدْعُو مخالفيه إِلَى مُعَارضَة مَا اتى بِهِ من الْقُرْآن أَو سُورَة مِنْهُ فَقَالَ تَعَالَى ﴿فَأتوا بِسُورَة من مثله﴾ فَكَانَ الْقُرْآن

стр. 147

معْجزَة لَهُ قاهرة لأعدائه إِلَى معجزات كَثِيرَة سواهَا ظَهرت على يَده بِخِلَاف الْعَادة مثل تكليم الذِّرَاع وتسبيح الْحَصَى فِي يَده ونبوع المَاء من بَين أَصَابِعه وحنين الْجذع عِنْد مُفَارقَته وأجابة الشَّجَرَة عِنْد دَعوته وإنشقاق الْقَمَر فِي وقته كل ذَلِك قريب من مِائَتي معْجزَة ذكرنَا أَكْثَرهَا فِي الْأَوْسَط كل ذَلِك مَشْهُور فِي كتب الْأَخْبَار والتواريخ مَذْكُور اتّفق أهل النَّقْل على وجودهَا ونقولها بطرق يجب الْقطع على مَعْنَاهَا ٣٥ - وَأَن تعلم أَن المعجزة لَا يجوز ظُهُورهَا على أَيدي الْكَذَّابين لِأَن التَّفْرِقَة بَين الصَّادِق والكاذب من حَيْثُ الدَّلِيل أَمر متوهم وَلَا سَبِيل إِلَيْهِ إِلَّا بتخصيص الصَّادِق بالمعجزة فَلَو أَنَّهَا ظَهرت على يَد الْكَاذِب بطرِيق التَّفْرِقَة وَجب بِهِ تناهي الْقُدْرَة وَذَلِكَ مُسْتَحِيل فِي الْحَقِيقَة وَأَيْضًا فَإِن حَقِيقَة المعجزة هِيَ الدّلَالَة على صدق صَاحب المعجزة وَمن الْمحَال الَّذِي لَا يعقل خُرُوج الشَّيْء عَن حَقِيقَته فَكيف يظْهر دَلِيل الصدْق على يَد من هُوَ كَاذِب فِي قَوْله وَذَلِكَ مُتَضَمّن لقلب الْحَقَائِق وَقد بَين الله تَعَالَى فِي كِتَابه أَن المعجزة حجَّة الصَّادِقين حَيْثُ قَالَ ﴿قل هاتوا برهانكم إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿قل فَأتوا بِعشر سور مثله مفتريات﴾ وَلَو أَنَّهَا ظَهرت على أَيدي الْكَذَّابين لم تكن دلَالَة الصدْق ٣٦ - وَأَن تعلم أَنه لَا يجب على الْخلق شَيْء إِلَّا بِأَمْر يرد من قبل الله تَعَالَى على لِسَان رَسُول مؤيد بالمعجزة وَإِن كل من أَتَى فعلا أَو ترك أمرا لم يقطع لَهُ بِثَوَاب وَلَا عِقَاب من قبل الله تَعَالَى إِذْ لَا طَرِيق فِي الْعقل إِلَى معرفَة وجوب شَيْء على الْخلق لِأَنَّهُ لَو كَانَ فِي الْعقل طَرِيق إِلَى معرفَة الْوُجُوب فِي كل شَيْء فَإِن الْوُجُوب لَهُ حَقِيقَة وَاحِدَة فَلَو جَازَ مَعْرفَته مُضَافا إِلَى شَيْء جَازَ مَعْرفَته مُضَافا إِلَى كل شَيْء وَكَانَ يجب أَن يعرف بِالْعقلِ جَمِيع الْوَاجِبَات من غير وُرُود شرع وَأَصله فِي كتاب الله وَهُوَ

стр. 148

قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا﴾ فأمن من الْعقُوبَة من قبل الرُّسُل فَلَو تقرر قبله وجوب وَاجِب لم يُؤمن الْعقُوبَة على تَركه وَقَوله سُبْحَانَهُ ﴿وَمَا كَانَ رَبك مهلك الْقرى حَتَّى يبْعَث فِي أمهَا رَسُولا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿رَبنَا لَوْلَا أرْسلت إِلَيْنَا رَسُولا فنتبع آياتك﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿ألم يأتكم نَذِير﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَجَاءَكُم النذير﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿ألم يأتكم رسل مِنْكُم﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿إِنَّا أَوْحَينَا إِلَيْك كَمَا أَوْحَينَا إِلَى نوح والنبيين من بعده﴾ إِلَى قَوْله ﴿رسلًا مبشرين ومنذرين لِئَلَّا يكون للنَّاس على الله حجَّة بعد الرُّسُل﴾ فَبين أَن لَا دَلِيل على الْخلق إِلَّا قَول الرُّسُل فَبَان بِهِ أَن مُجَرّد الْعُقُول لَا دَلِيل فِيهِ على الْخلق من قبل التَّعَبُّد وَالَّذِي يُؤَيّد قَوْلنَا فِيهِ أَن من زعم أَن الْعقل يدل على وجوب شَيْء يُفْضِي بِهِ الْأَمر إِلَى إِثْبَات الْوُجُوب على الله لأَنهم يَقُولُونَ إِذا شكر العَبْد الله وَجب على الله الثَّوَاب ثمَّ لَا يزَال الْوُجُوب دائرا بَينهمَا وَذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى مَا لَا يتناهى واي عقل يقبل توجه الْوُجُوب عَلَيْهِ وَلَا وَاجِب إِلَّا بِمُوجب وَلَيْسَ فَوْقه سُبْحَانَهُ مُوجب ٣٧ - وَأَن تعلم أَن الله تَعَالَى بعث الرُّسُل وَأنزل الْكتب وَبَين الثَّوَاب وَالْعِقَاب وأيدهم بالمعجزات الدَّالَّة على صدقهم وَأوجب على لسانهم معرفَة التَّوْحِيد والشريعة وكل مَا قَالُوهُ فَهُوَ صدق وكل مَا فَعَلُوهُ فَهُوَ حق وَالْعلم الدَّال على وَصفهم ذَلِك قيام المعجزات الظَّاهِرَة الدَّالَّة على صدقهم وَصِحَّة قَوْلهم وَقد أخبر عَنهُ سُبْحَانَهُ أوجب التَّوْحِيد والشريعة وَقد بَين الله تَعَالَى ذَلِك فِي كِتَابه جملَة وتفصيلا فالجملة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا أَوْحَينَا إِلَيْك كَمَا أَوْحَينَا إِلَى نوح والنبيين من بعده﴾ إِمَّا التَّفْصِيل فَفِي مثل قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَد أرسلنَا نوحًا﴾ وَقَوله

стр. 149

تَعَالَى ﴿وَلَقَد جَاءَكُم يُوسُف من قبل بِالْبَيِّنَاتِ﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿ثمَّ بعثنَا من بعدهمْ مُوسَى وَهَارُون﴾ وَقد نبه على الْجُمْلَة أَيْضا فِي قَوْله ﴿ورسلا قد قصصناهم عَلَيْك من قبل ورسلا لم نقصصهم عَلَيْك﴾ ٣٨ - وَأَن تعلم أَن مُحَمَّدًا ﷺ رَسُول رب الْعِزَّة جَاءَنَا بِالصّدقِ فِي رسَالَته وَفِي جَمِيع أَفعاله وأقواله وَكَانَ معجزته الْقُرْآن تلاه على الْخلق وتحداهم إِلَى معارضته وَطلب الطَّاعَة مِنْهُم وَقَالَ لَهُم مَتى اتيتم بِسُورَة من مثله فَلَا طَاعَة لي عَلَيْكُم فاجتهد أهل اللُّغَة فِي إِسْقَاط طَاعَته عَن انفسهم وَعَن أَمْوَالهم وذراريهم فَلم يُمكنهُم وَلَو أمكنهم أَن يَدْفَعُوهُ عَن أنفسهم وَأَمْوَالهمْ وأهاليهم بِكَلَام يأْتونَ بِهِ لما قصدُوا الْحَرْب والمسايفة الَّتِي فِيهَا الْقَتْل والأسر والإسترقاق والنهب وَالْغَصْب وَالسَّلب فِي الذَّخَائِر وَالْأَمْوَال فَلَمَّا لم يَأْتُوا علمنَا أَنهم اعرضوا عَن الْإِتْيَان بِهِ للعجز عَنهُ كَمَا ان سحره فِرْعَوْن فِي زمَان مُوسَى عجزوا عَن معارضته فَبَان بِهِ كَونه محقا فِي دَعوته وكما ان عِيسَى ﵇ فِي أَيَّامه أعجز الْأَطِبَّاء عَن مثل مَا اتى بِهِ وَاعْلَم أَن تَحْقِيق نبوة الْمُصْطَفى ﷺ ظَاهِرَة فِي كتاب الله تَعَالَى حِين قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّبِي إِنَّا أَرْسَلْنَاك شَاهدا وَمُبشرا وَنَذِيرا وداعيا إِلَى الله بِإِذْنِهِ وسراجا منيرا﴾ وَحَيْثُ قَالَ ﴿مَا كَانَ مُحَمَّد أَبَا أحد من رجالكم وَلَكِن رَسُول الله وَخَاتم النَّبِيين﴾ وَذَلِكَ مَذْكُور فِي غير مَوضِع من الْكتاب وَقَالَ فِي وصف معجزته ﴿وَإِن كُنْتُم فِي ريب مِمَّا نزلنَا على عَبدنَا فَأتوا بِسُورَة من مثله وَادعوا شهداءكم من دون الله إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ الْآيَتَيْنِ ٣٩ - وَأَن تعلم أَن الَّذِي بعث بِهِ الْمُصْطَفى ﷺ هُوَ الْإِسْلَام وَأَن معجزته دَلِيل على صدقه فِي جَمِيع مَا أخبر بِهِ فمما أخبر بِهِ قَوْله ﷺ أَن لَا نَبِي بعدِي وَقَوله

стр. 150

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بني الْإِسْلَام على خمس شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وإقام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة وَصَوْم رَمَضَان وَحج الْبَيْت من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَبَين أَنَّهَا وَاجِبَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لَا تَنْقَطِع وَلَا ترْتَفع وَأخْبر أَنهم يحيون فِي الْقُبُور ويسألون عَن الدّين ثمَّ يُعَاقب العصاة وينعم أهل الطَّاعَات إِلَى وَقت الْمَحْشَر وَمِمَّا بعده ووما أخبر عَنهُ هُوَ الْحَشْر والنشر وَإِقَامَة الْقِيَامَة وَأَنَّهَا كائنة لَا يعرف وَقتهَا إِلَّا الله وَأَن الْخلق يحشرون ويحاسبون ثمَّ يخلد أهل الْجنَّة فِي الْجنَّة فِي نعيم دَائِم وَأَنَّهُمْ يرَوْنَ رَبهم زِيَادَة فِي كرامتهم وإتماما لفضله عَلَيْهِم ويخلد الْكفَّار والمرتدون فِي عَذَاب جَهَنَّم لَا محيص لَهُم عَنْهَا بِحَال وَإِن قوما من العصاة يعاقبون فِي النَّار ثمَّ يخرجُون مِنْهَا بشفاعة الْمُصْطَفى ﷺ وبشفاعة الْعلمَاء والزهاد والعباد وشفاعة أَطْفَال الْمُؤمنِينَ فَمن لم تسعه شَفَاعَة هَؤُلَاءِ وَكَانَ قد سبق لَهُم الْإِيمَان فَأَنَّهُ يخرج من النَّار برحمة الله ﷻ وَكثير من عصاة الْمُؤمنِينَ يغْفر لَهُم قبل إِدْخَال النَّار إِمَّا بشفاعة الرَّسُول وَإِمَّا برحمة الْجَبَّار وَلَا يبْقى فِي النَّار من فِي قلبه مِثْقَال ذرة من الْإِيمَان وَاعْلَم أَن الْمُؤمن لَا يصير كَافِرًا بالمعصية وَلَا يخرج بهَا عَن الْإِيمَان لِأَن مَعْصِيَته كائنة فِي طرف من الْأَطْرَاف لَا تنَافِي إِيمَانًا فِي الْقلب وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّا لَا نضيع أجر من أحسن عملا﴾ وَقَالَ ﷺ لَا يبْقى فِي النَّار من كَانَ فِي قلبه مِثْقَال ذرة من الْإِيمَان وَلَا يدْخل الْجنَّة من كَانَ فِي قلبه مِثْقَال ذرة من الْكبر أَي من الْكفْر ومثقال ذرة من الْإِيمَان اعْتِقَاد مستخلص عَن الشّرك والإفك وَالشَّكّ والشبهة كَمَا وصفناه وَمَتى مَا اخْتَلَط بِهِ شائب من شوائب الْكفْر والبدع لم يسْتَحق صَاحبه اسْم الْإِيمَان كَمَا بَينه الشَّافِعِي ﵀ فِي قَوْله الشّرك يشركهُ الشّرك وَالْإِسْلَام لَا يشركهُ الشّرك وَقَوله الْحلف فِي الصّفة كالحلف فِي الْعين وَقد نبه الله تَعَالَى على هَذَا الْمَعْنى بقوله وَمَا يُؤمن أَكْثَرهم بِاللَّه

стр. 151

إِلَّا وهم مشركون) فتقرر بِهِ أَن العقائد الْمَشْرُوطَة فِي وصف الْإِيمَان مَا لم تسلم عَن أَنْوَاع الْبدع والإلحاد لم يكن إِيمَانًا على الْحَقِيقَة وَقد ورد فِي معنى الشَّفَاعَة قَوْله تَعَالَى ﴿عَسى أَن يَبْعَثك رَبك مقَاما مَحْمُودًا﴾ وَقد روى أنس بن مَالك أَن النَّبِي ﷺ قَالَ فِي تَفْسِير هَذِه إِذْ جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة طلب الْخلق الشَّفَاعَة من الْأَنْبِيَاء ﵈ فَيَقُولُونَ ﵈ اذْهَبُوا لمُحَمد ﵊ فَإِنَّهُ قد غفر الله لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر فيأتيه الْخلق ويسألونه الشَّفَاعَة قَالَ فَاسْتَأْذن على الله فَيَأْذَن لي فاسجد ويلهمني الله محامد لم يلهمني مثلهَا قبله فأحمده ثمَّ أرفع رَأْسِي من السُّجُود فَيُقَال لي قل يسمع لَك وسل تعط وَاشْفَعْ تشفع فَلَا أَزَال أشفع حَتَّى اخْرُج من النَّار كل من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَورد فِي شَفَاعَة الْأَطْفَال يظل الفرط محبنطئا على بَاب الْجنَّة يَقُول لَا أَدخل حَتَّى يدْخل أبواي وَقَالَ النَّبِي ﷺ شَفَاعَتِي لأهل الْكَبَائِر من أمتِي فَبين أَن أهل الْكَبَائِر يَوْمئِذٍ لَا ييأسون من رَحْمَة الله تَعَالَى وَالْأَخْبَار فِي هَذَا الْبَاب ظَاهِرَة مستفيضة لَا ينكرها من لَهُ معرفَة بموارد الْأَخْبَار وَقد ورد فِي وصف الْحساب وَالْمِيزَان قَوْله تَعَالَى وَنَضَع الموازين الْقسْط ليَوْم الْقِيَامَة وَقد ورد فِي الْأَخْبَار أَن دَاوُد ﵇ سَأَلَ ربه أَن يرِيه الَّذِي يُوزن بِهِ الْأَعْمَال فَلَمَّا رَآهُ سقط وَغشيَ عَلَيْهِ فَلَمَّا أَفَاق قَالَ من ذَا الَّذِي يُطيق أَن يمْلَأ مَا امن الْحَسَنَات فَقَالَ يَا دَاوُد إِذا رضيت عَن عَبدِي مَلَأت هَذَا بثمرة وَاحِدَة وَمِمَّا جَاءَ فِي الْحساب قَوْله تَعَالَى وَوضع الْكتاب فترى الْمُجْرمين مشفقين مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا ويلتنا مَا لهَذَا الْكتاب لَا يُغَادر صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة إِلَّا أحصاها وَقَوله تَعَالَى وكل إِنْسَان ألزمناه طَائِره فِي

стр. 152

عُنُقه) وَقَوله تَعَالَى ﴿فَأَما من أُوتِيَ كِتَابه بِيَمِينِهِ فَسَوف يُحَاسب حسابا يَسِيرا وينقلب إِلَى أَهله مَسْرُورا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿فَأَما من ثقلت مَوَازِينه فَهُوَ فِي عيشة راضية﴾ وَقَوله تَعَالَى وَأما من خفت مَوَازِينه فأمه هاوية وَمَا أَدْرَاك مَاهِيَّة نَار حامية وَقد ورد فِي الْخَبَر عَن الْمُصْطَفى ﷺ إِن صحف الْأَعْمَال توزن فَمن زَادَت حَسَنَاته على سيآته دخل الْجنَّة وَقد ورد فِي معنى الْحَوْض قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا أعطيناك الْكَوْثَر﴾ وَقد روى أنس ﵁ أَن النَّبِي ﷺ نعس نعسة ثمَّ رفع رَأسه فَضَحِك وَتَبَسم ثمَّ قَالَ أتعرفون لماذا ضحِكت فَقَالُوا الله وَرَسُوله أعلم فَقَالَ نزلت عَليّ فِي هَذِه السَّاعَة سُورَة ﴿إِنَّا أعطيناك الْكَوْثَر﴾ أتعرفون مَا الْكَوْثَر الْكَوْثَر نهر فِي الْجنَّة أعده الله لي وَلذَلِك النَّهر حَوْض تَأتيه أمتِي يَوْم الْقِيَامَة وَأَوَانيهِ عدد الْكَوَاكِب أَو أَكثر وَقد يَأْتِيهِ من يمْنَع من ذَلِك فَأَقُول يَا رب أَنه من أمتِي فَيَقُول مَا تَدْرِي مَا أحدث بعْدك ثمَّ وصف النَّبِي ﷺ ذَلِك الْحَوْض فِي أَخْبَار كَثِيرَة فَقَالَ حصاه من الْيَاقُوت الْأَحْمَر والزبرجد الْأَخْضَر والدر والمرجان وحمأته من الْمسك وترابه من الكافور أَشد بَيَاضًا من اللَّبن وَأحلى من الْعَسَل وأبرد من الثَّلج خُرُوجه يكون من تَحت سِدْرَة الْمُنْتَهى طوله وَعرضه مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب من شرب مِنْهُ لم يظمأ بعده أبدا وَمن تَوَضَّأ مِنْهُ لم يشعث أبدا تحوم حوله طيور أعناقها كأعناق الْإِبِل فَقَالَ أَبُو بكر وَعمر مَا أنعم تِلْكَ

стр. 153

الطُّيُور فَقَالَ النَّبِي ﷺ أنعم مِنْهَا من يأكلها وَقد ورد فِي معنى مَا ذَكرْنَاهُ من أَن الْمُؤمن لَا يكون بِالْمَعَاصِي كَافِرًا وَلَا يخرج من الْإِيمَان وَلَا يكون خَالِدا مخلدا فِي النَّار وَاحِد من الْمُؤمنِينَ لقَوْله تَعَالَى ﴿إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾ وَقَوله ﴿إِنَّا لَا نضيع أجر من أحسن عملا﴾ وَقَالَ النَّبِي ﷺ لَا يبْقى فِي النَّار من فِي قلبه مِثْقَال ذرة من الْإِيمَان وَقد ورد فِي معنى إحْيَاء الْمَوْتَى فِي الْقُبُور مَا لَا يُحْصى من الْآي وَالْأَخْبَار والْآثَار حَتَّى لَا يُوجد مُوَافق وَلَا مُخَالف إِلَّا وَهُوَ يقْرَأ فِي التَّشَهُّد رَبنَا آتنا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة وقنا بِرَحْمَتك عَذَاب الْقَبْر وَعَذَاب النَّار وَمر الْمُصْطَفى ﷺ بقبرين فَقَالَ انهما ليعذبان وَمَا يعذبان فِي كَبِير أما أَحدهمَا فَكَانَ يمشي بالنميمة وَأما الآخر فَكَانَ لَا يستنزه من الْبَوْل وَقد ورد فِي الدَّعْوَات المأثورة عَن الْمُصْطَفى ﷺ أعوذ بِاللَّه من الْكفْر والفقر وَعَذَاب الْقَبْر وَقد وَردت أَخْبَار كَثِيرَة عَن الرَّسُول ﷺ فِي صفة مُنكر وَنَكِير وَذكر أَنَّهُمَا يسألان فِي الْقَبْر فَقَالَ عمر ﵁ اَوْ يكون معي عَقْلِي قَالَ نعم قَالَ أَنا أكفيهما وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهَذَا الْكَلَام أَنِّي أصف لَهُم الْإِيمَان وكل من خرج من الدُّنْيَا على صفة الْإِيمَان وَوصف لَهما دينه لم يستعرضا لَهُ وَكَانَا لَهُ مبشرا وبشيرا وَقَالا لَهُ نم نومَة الْعَرُوس إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فَإِن وصف بِخِلَافِهِ وَالْعِيَاذ بِاللَّه مِنْهُ قَالَا لَهُ نم نومَة المنهوش وَقد ورد فِي الْخَبَر الظَّاهِر أَن الْمُنكر والنكير قد يسألان بَعضهم فَيَقُولَانِ من رَبك فَيَقُول رَبِّي الله فَيَقُولَانِ من رَسُولك فَيَقُول مُحَمَّد ﵇ فيسألانه عَن صفة الرب وَصفَة الرَّسُول فَيَقُول لَا ادري سَمِعت النَّاس يَقُولُونَهُ وَكنت أَقُول مَعَهم فَيَقُولُونَ لَهُ لَا دَريت ويعذبانه فِيمَن يعذب وأصل

стр. 154

هَذِه الْمَسْأَلَة فِي كتاب الله تَعَالَى فِي قَوْله سُبْحَانَهُ فِي صفة آل فِرْعَوْن ﴿النَّار يعرضون عَلَيْهَا غدوا وعشيا وَيَوْم تقوم السَّاعَة أدخلُوا آل فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب﴾ وَلَو كَانَ المُرَاد بِالْأولِ عَذَاب النَّار لما ورد الْقِيَامَة بعده بِالذكر وَقَوله سُبْحَانَهُ فِي صفة الْمُؤمنِينَ ﴿يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة ويضل الله الظَّالِمين وَيفْعل الله مَا يَشَاء﴾ وَقَوله تَعَالَى خَبرا عَنْهُم ﴿قَالُوا رَبنَا أمتنَا اثْنَتَيْنِ وأحييتنا اثْنَتَيْنِ فاعترفنا بذنوبنا﴾ وَأَرَادَ بِهِ الإماتة عِنْد الْخُرُوج من الدُّنْيَا والإحياء فِي الْقَبْر ثمَّ الإماتة فِيهِ ثمَّ الْإِحْيَاء يَوْم الْحَشْر والنشر وَلَا يُمكن حمله إِلَّا على الْإِحْيَاء بعد حُلُول الْمَوْت والمواتية لَا تسمى موتا فِي عرف أهل اللُّغَة وَلَا يُنكر مَا استفاض بِهِ الْإِخْبَار ونطقت بِهِ الْآيَات من الْأَحْيَاء فِي الْقَبْر إِلَّا من يُنكر عُمُوم قدرَة الله تَعَالَى وَمن أنكر عُمُوم قدرته كَانَ خَارِجا عَن زمرة أهل الْإِسْلَام ٤٠ - وَأَن تعلم أَن الصِّرَاط حق وَالْجنَّة وَالنَّار مخلوقتان وكل ذَلِك وأرد فِي الْقُرْآن وَفِي الْأَخْبَار الظَّاهِرَة عَن الْمُصْطَفى ﷺ على وَجه لَا يبْقى شكا وَلَا شُبْهَة لمن ترك العصبية وَقد صرح الله تَعَالَى بِذكر النَّار وَالْجنَّة ووجودهما وإعداد الْجنَّة للْمُؤْمِنين وَالنَّار للْكَافِرِينَ وإنزال آدم ﵇ فِي الْجنَّة ثمَّ إِخْرَاجه مِنْهَا وإهباطه إِلَى الأَرْض وَمَا ورد عَن الرَّسُول ﷺ أَنه دخل الْجنَّة لَيْلَة الْمِعْرَاج وَرَأى فِيهَا قصرا لعمر ﵁ وَقَالَ لعمر مَا مَنَعَنِي أَن أدخلهُ إِلَّا غيرتك فَبكى عمر ﵁ وَقَالَ أَو عَلَيْك كنت أغار يَا رَسُول الله وَقَالَ ﷺ سَمِعت حسه فَالْتَفت فَإِذا هُوَ بِلَال وَكَانَ ذَلِك من صِفَات الموجودات فَإِن الْمَعْدُوم لَا يَتَّصِف بِهَذِهِ الصِّفَات وَمن تَأمل مَا ورد فِيهِ من الْآي وَالْأَخْبَار والْآثَار لم يستجز إِنْكَاره ٤١ - وَأَن تعلم أَن الْإِجْمَاع حق وَمَا اجْتمع عَلَيْهِ الْأمة يكون حَقًا مَقْطُوعًا

стр. 155

على حَقِيقَته قولا كَانَ أَو فعلا لقَوْله ﷺ لَا تَجْتَمِع أمتِي على الضَّلَالَة وَلَو جَازَ اتِّفَاقهم بأجمعهم على الْكَذِب لجَاز اتِّفَاقهم على كتمان شَيْء من الشَّرِيعَة ولبطل بِهِ الِاعْتِمَاد على الدّلَالَة الموصلة إِلَى التكاليف الشَّرْعِيَّة ولسقط التَّكْلِيف والشريعة ولكان الْعلم بالبلدان النائيه والقرون الخالية والملوك الْمَاضِيَة متعذرا إِذْ لَا سَبِيل إِلَى مَعْرفَتهَا إِلَّا بِالنَّقْلِ على التظاهر والتواتر والاتفاق عَلَيْهِ من أهل النَّقْل وأصل الْإِجْمَاع من كتاب الله تَعَالَى قَوْله ﴿وَمن يُشَاقق الرَّسُول من بعد مَا تبين لَهُ الْهدى وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ نوله مَا تولى ونصله جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيرا﴾ ٤٢ - وَأَن تعلم أَن من جملَة مَا اجْتمع عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ أَن عشرَة من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ كَانُوا من أهل الْجنَّة أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَسعد وَسَعِيد وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَأَبُو عُبَيْدَة الْجراح ﵃ اجمعين وَأَجْمعُوا أَيْضا على أَن نِسَاءَهُ وَأَوْلَاده وأحفاده كلهم كَانُوا من أهل الْجنَّة وَأَنَّهُمْ كَانُوا مُؤمنين وَأَنَّهُمْ كَانُوا من أَعْلَام الدّين لم يكتموا شَيْئا من الْقُرْآن وَلَا من أَحْكَام الشَّرِيعَة وَكَذَلِكَ أَجمعُوا على خلَافَة الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة بعد الرَّسُول ﷺ وعَلى أَنهم لم يكتموا شَيْئا من الْقُرْآن والشريعة بل سَارُوا أحسن سيره ووفقوا بِحسن السَّعْي فِي تثبيت الْمُسلمين على الدّين وَقد أثنى الله تَعَالَى فِي كِتَابه عَلَيْهِم حَيْثُ قَالَ تَعَالَى مُحَمَّد رَسُول الله وَالَّذين مَعَه أشداء على الْكفَّار رحماء بَينهم تراهم ركعا سجدا يَبْتَغُونَ فضلا من الله ورضوانا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوههم من أثر السُّجُود ذَلِك مثلهم فِي التَّوْرَاة وَمثلهمْ فِي الْإِنْجِيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فَاسْتَوَى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الْكفَّار وعد الله الَّذين أمنُوا وَعَلمُوا الصَّالِحَات مِنْهُم مغْفرَة وَأَجرا عَظِيما وَقَالَ ﷺ فِي صفة أبي بكر وَعمر رَضِي الله عَنْهُمَا

стр. 156

أرْحم أمتِي بأمتي أَبُو بكر وأشدهم فِي دين الله عمر وَقَالَ فِي صفة عُثْمَان ﵁ أَلا أستحي مِمَّن تَسْتَحي مِنْهُ الْمَلَائِكَة وَقَالَ فِي صفة عَليّ ﵁ أقضاكم على وَقَالَ فِي صفة الْحسن وَالْحُسَيْن ﵄ إنَّهُمَا سيدا شباب أهل الْجنَّة وَقَالَ فِي فَاطِمَة ﵂ سيدات نسَاء الْعَالمين أَربع فَاطِمَة وَخَدِيجَة وآسية وَمَرْيَم بنت عمرَان وَفضل عَائِشَة على سَائِر النِّسَاء كفضل الثَّرِيد على سَائِر الطَّعَام وَأخرج هَذَا الْكَلَام مخرج عَادَة الْعَرَب فِي تَفْضِيلهمْ الثَّرِيد حَتَّى قَالُوا ثردوا وَلَو بِالْمَاءِ وَقَالَ فِي عَائِشَة أَنَّهَا لفقيهة وَقَالَ فِي وصف فَاطِمَة إِن فَاطِمَة بضعَة مني يسرني مَا يسرها ويسوؤني مَا يسوؤها وَقَالَ فِي فضل أَصْحَابه أَجْمَعِينَ كَالنُّجُومِ فَبِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ وَقَالَ فِي وصف ابْن مَسْعُود ﵁ رضيت لأمتي مَا رَضِي لَهَا ابْن أم عبد وَقَالَ فِي وصف أبي ذَر الْغِفَارِيّ مَا أظلت الخضراء وَلَا أقلت الغبراء بعد النَّبِيين أمرءا أصدق لهجة من أبي ذَر وَقَالَ فِي صفة أبي عُبَيْدَة الْجراح أَمِين أمتِي وَقَالَ فِي الزبير إِن

стр. 157

فِي كل أمة حوارِي وحواري أمتِي الزبير وَالْأَخْبَار فِي فضل الصَّحَابَة ﵃ أَكثر من أَن يحْتَملهُ هَذَا الْمُخْتَصر وَالْمَقْصُود هَهُنَا أَن تعلم أَن الْخُلَفَاء الرَّاشِدين كَانُوا على الْحق وَإِن جملَة أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ كَانُوا محقين مُؤمنين مُخلصين صَادِقين وَكَانَ تقديمهم لمن قدموه وتقريرهم فِي مَا قرروه حَقًا وصدقا وَكلهمْ كَانُوا يَقُولُونَ لأبي بكر ﵁ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَكَانُوا يخاطبون عمر وَعُثْمَان وعليا وَكَذَلِكَ عَليّ ﵁ كَانَ يخاطبهم بذلك وَكَانَ يُخَاطب بِمثلِهِ فِي أَيَّامه ٤٣ - وَأَن تعلم أَن كل من تدين بِهَذَا الدّين الَّذِي وصفناه من إعتقاد الْفرْقَة النَّاجِية فَهُوَ على الْحق وعَلى الصِّرَاط الْمُسْتَقيم فَمن بدعه فَهُوَ مُبْتَدع وَمن ضلله فَهُوَ ضال وَمن كفره فَهُوَ كَافِر لِأَن من اعْتقد أَن الايمان كفر وان الْهِدَايَة ضَلَالَة وَأَن السّنة بِدعَة كَانَ اعْتِقَاده كفرا وضلالة وبدعة وأصل هَذَا مَأْخُوذ من قَول النَّبِي ﷺ من قَالَ لِأَخِيهِ الْمُسلم يَا كَافِر فقد بَاء بِهِ أَحدهمَا فجَاء من هَذِه الْجُمْلَة أَنا لَا نبدع إِلَّا من بدعنا وَلَا نضلل من ضللنا وَلَا نكفر إِلَّا من كفرنا وَقد أنصف القارة من رَمَاهَا ٤٤ - وَأَن تعلم أَن كل مَا يجب مَعْرفَته فِي أصُول الِاعْتِقَاد يجب على كل بَالغ عَاقل أَن يعرفهُ فِي حق نَفسه معرفَة صَحِيحَة صادرة عَن دلَالَة عقلية لَا يجوز لَهُ أَن يُقَلّد فِيهِ وَلَا أَن يتكل فِيهِ الْأَب على الإبن وَلَا الإبن على الْأَب وَلَا الزَّوْجَة على الزَّوْج بل يَسْتَوِي فِيهِ جَمِيع الْعُقَلَاء من الرِّجَال وَالنِّسَاء وَأما مَا يتَعَلَّق بِفُرُوع الشَّرِيعَة من الْمسَائِل فَيجوز لَهُ أَن يُقَلّد فِيهِ من كَانَ من أهل الِاجْتِهَاد فَإِن فِي

стр. 158

تَكْلِيف التَّعْلِيم وَتَحْصِيل أَوْصَاف الْمُجْتَهدين على الْعُمُوم قطع الْخلق عَن المعاش ثمَّ الْمعَاد وَمَا كَانَ فِي أثباته سُقُوطه وَسُقُوط غَيره كَانَ سَاقِطا فِي نَفسه وَقد ذكر الله تَعَالَى الْأُصُول وَالْفُرُوع فذم التَّقْلِيد فِي الْأُصُول وحث على السُّؤَال فِي الْفُرُوع فَأَما مذمة التَّقْلِيد فِي الْأُصُول فَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿بل قَالُوا إِنَّا وجدنَا آبَاءَنَا على أمة وَإِنَّا على آثَارهم مهتدون﴾ وَفِي آيَة أُخْرَى مقتدون وَأما الْحَث على السُّؤَال فِي الْفُرُوع فَفِي قَوْله تَعَالَى فسئلوا أهل الذّكر إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ ٤٥ - وَأَن تعلم أَن السُّؤَال وَاجِب عِنْد الْحَاجة وَوُقُوع الْحَادِث لِأَنَّهُ لَو لم يسْأَل وَعمل من ذَات نَفسه وَأَخْطَأ أَو أصَاب لم يكن فعله امتثالا لأمر الله تَعَالَى وَلم يجز أَن يكون عبَادَة يتَقرَّب بهَا المتعبد وَلِهَذَا أَمر الله بالسؤال فِي قَوْله ﴿فاسألوا أهل الذّكر﴾ وَهَذَا كَمَا أَن الْمُسلمين اجْمَعُوا على أَن الْأَعْمَى يسْأَل عَن الْقبْلَة ثمَّ يُصَلِّي إِلَيْهَا فَإِن لم يسْأَل وَأصَاب لم يعْتد بِصَلَاتِهِ وَكَانَت الْإِعَادَة وَاجِبَة عَلَيْهِ كَذَلِك الْعَاميّ إِذا عمل من ذَات نَفسه أَو سَأَلَ من لَيْسَ من أهل السُّؤَال فَأصَاب فِي عِبَادَته لم يعْتد لَهُ بِفِعْلِهِ وَكَانَت الْإِعَادَة وَاجِبَة عَلَيْهِ هَذَا فِي الْعِبَادَات على قَول أَكثر أهل السّنة فَأَما فِي الْعُقُود إِذا وَافق الشَّرْط الْمُعْتَبر فِيهِ من غير سُؤال كَانَ جَائِزا لِأَن النِّيَّة فِيهَا غير مُعْتَبرَة وَهِي فِي الْعِبَادَة مُعْتَبرَة وَحَقِيقَة النِّيَّة أَن يُوقع فعله امتثالا لأمر الْآمِر بطريقة فَإِذا عدل عَن الطَّرِيق الْمَأْمُور بِهِ لم يكن امتثالا لأمر الْآمِر فَلم يَصح الإعتداد بِهِ ٤٦ - وَأَن تعلم أَن من كَانَ من أهل التَّقْلِيد فِي أَحْكَام الشَّرِيعَة فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ السُّؤَال وَلَا يجوز لَهُ أَن يسْأَل كل أحد إِذْ لَو جَازَ ذَلِك لجَاز أَن يعْمل من ذَات نَفسه إِذْ

стр. 159

لَا فرق بَين شخص وشخص إِذا لم يعْتَبر فِيهِ صِفَات الْمُجْتَهدين وَلِهَذَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿فاسألوا أهل الذّكر إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ وَقَالَ ﷺ إِن هَذَا الْعلم دين فانظروا عَمَّن تأخذون دينكُمْ فَثَبت بِهَذَا أَن على الْعَاميّ إِذا أَرَادَ السُّؤَال ضربا من الإجتهاد حَتَّى يُمَيّز بَين من يكون أَهلا لمعْرِفَة مَا يسْأَل عَنهُ وَبَين من لَا يكون أَهلا لَهُ وَيحصل لَهُ الْمعرفَة بطول الدِّرَايَة والتسامع ٤٧ - وَأَن تعلم أَن من حصل لَهُ مَا ذَكرْنَاهُ من المعارف الْمَشْرُوطَة فِي صِحَة الإعتقاد فَوَاجِب عَلَيْهِ إِظْهَاره وَالْإِقْرَار بِهِ عِنْد الْحَاجة إِلَيْهِ والمطالبة بِهِ وَلَا يجوز لَهُ جحوده وَلَا كِتْمَانه قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَقُولُوا آمنا بِالَّذِي أنزل إِلَيْنَا وَأنزل إِلَيْكُم وإلهنا وإلهكم وَاحِد وَنحن لَهُ مُسلمُونَ﴾ وَحَقِيقَة الْإِيمَان أَن يصحح الْمعرفَة بِمَا ذَكرْنَاهُ من شُرُوط الْإِيمَان ويقر بِهِ عِنْد التَّمَكُّن مِنْهُ والأمان على النَّفس وَالْمَال وَالْحرم والأسباب وَأَن أنكرهُ عِنْد المخافة من غير أَن يُغير من اعْتِقَاده شَيْئا فَلَا حرج عَلَيْهِ فِيهِ قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِلَّا من أكره وَقَلبه مطمئن بِالْإِيمَان﴾ وَأعلم أَن جَمِيع مَا ذَكرْنَاهُ من صِفَات عقائد الْفرْقَة النَّاجِية يجب مَعْرفَته فِي صِحَة الْإِيمَان وَقد شرحناه وقررنا كل وَاحِد مِنْهَا بِدَلِيل عَقْلِي وَآخر شَرْعِي ليورد من أحكمه على الْخصم الْمقر بالشريعة الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة وعَلى الْخصم الْمُنكر للشريعة من طَبَقَات الْمُلْحِدِينَ الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة فيقوى على الْفَرِيقَيْنِ بِمَا جمعناه من الطَّرِيقَيْنِ وَلَا تكَاد تنفذ عَلَيْهِ حيل أهل الْإِلْحَاد والبدعة والخدعة عَن الدّيانَة وَأعلم أَن جَمِيع مَا ذَكرْنَاهُ من اعْتِقَاد أهل السّنة وَالْجَمَاعَة فَلَا خلاف فِي شَيْء مِنْهُ

стр. 160

بَين الشَّافِعِي وَأبي حنيفَة رحمهمَا الله وَجَمِيع أهل الرَّأْي والْحَدِيث مثل مَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَدَاوُد وَالزهْرِيّ وَاللَّيْث بن سعد وَأحمد بن حَنْبَل وسُفْيَان الثَّوْريّ وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَيحيى بن معِين وَإِسْحَاق بن رَاهْوَيْةِ وَمُحَمّد بن

стр. 161

إِسْحَق الْحَنْظَلِي وَمُحَمّد بن أسلم الطوسي وَيحيى بن يحيى وَالْحُسَيْن بن الْفضل البَجلِيّ وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد وَزفر وَأبي ثَوْر وَغَيرهم من أَئِمَّة الْحجاز وَالشَّام وَالْعراق وأئمة خُرَاسَان وَمَا وَرَاء النَّهر وَمن تقدمهم من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَأَتْبَاع التَّابِعين وَمن أَرَادَ أَن يتَحَقَّق أَن لَا خلاف بَين الْفَرِيقَيْنِ فِي هَذِه الْجُمْلَة فَلْينْظر فِيمَا صنفه أَبُو حنيفَة ﵀ فِي الْكَلَام وَهُوَ كتاب الْعلم وَفِيه الْحجَج الْقَاهِرَة على أهل الْإِلْحَاد والبدعة وَقد تكلم فِي شرح اعْتِقَاد الْمُتَكَلِّمين وَقرر أحسن طَريقَة فِي الرَّد على الْمُخَالفين وَكتاب الْفِقْه الْأَكْبَر الَّذِي أخبرنَا بِهِ الثِّقَة بطرِيق مُعْتَمد وَإسْنَاد صَحِيح عَن نصير بن يحيى عَن أبي مُطِيع عَن أبي حنيفَة وَمَا جمعه أَبُو حنيفَة فِي الْوَصِيَّة الَّتِي كتبهَا إِلَى أبي عَمْرو عُثْمَان البتي ورد فِيهَا على المبتدعين ولينظر فِيمَا صنفه الشَّافِعِي فِي مصنفاته فَلم يجد بَين مذهبيهما تباينا بِحَال وكل مَا حكى عَنْهُم خلاف مَا ذَكرْنَاهُ من مذاهبهم فَإِنَّمَا هُوَ كذب يرتكبه مُبْتَدع ترويجا لبدعته وَمن لَا يُبَالِي أَن يتدين بِمَا لَا حَقِيقَة لَهُ فِي دينه لَا يُبَالِي نِسْبَة

стр. 162

الخرافات إِلَى أَئِمَّة الدّين لِأَن من كذب على الله تَعَالَى وَرَسُوله ﷺ لَا يُبَالِي أَن يكذب على أَئِمَّة الْمُسلمين وَقد نبغ من احداث أهل الرَّأْي من تلبس بِشَيْء من مقالات الْقَدَرِيَّة وَالرَّوَافِض مُقَلدًا فِيهَا وَإِذا خَافَ سيوف أهل السّنة نسب مَا هُوَ فِيهِ من عقائده الخبيثة إِلَى أبي حنيفَة تسترا بِهِ فَلَا يغرنك مَا أَدْعُوهُ من نسبتها إِلَيْهِ فَإِن أَبَا حنيفَة بَرِيء مِنْهُم وَمِمَّا نسبوه إِلَيْهِ وَالله تَعَالَى يعْصم أهل السّنة وَالْجَمَاعَة من جَمِيع مَا ينْسبهُ إِلَيْهِم أهل الغواية والضلالة وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق الْفَصْل الثَّانِي من هَذَا الْبَاب فِي طَرِيق تَحْقِيق النجَاة لأهل السّنة وَالْجَمَاعَة فِي الْعَاقِبَة أعلم أَن الَّذِي تحقق لَهُم هَذِه الصّفة أُمُور مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله وَيغْفر لكم ذنوبكم وَالله غَفُور رَحِيم﴾ والمحبة من الله تَعَالَى فِي مُتَابعَة الرَّسُول سَبَب محبَّة الرب للْعَبد فَكل من كَانَ متابعتة للرسول ﷺ أبلغ وَأتم كَانَت الْمحبَّة لَهُ من الله أكمل وَأتم وَلَيْسَ فِي فرق الْأمة أَكثر مُتَابعَة لأخبار الرَّسُول ﷺ وَأكْثر تبعا لسنته من هَؤُلَاءِ وَلِهَذَا سموا أَصْحَاب الحَدِيث وَسموا بِأَهْل السّنة وَالْجَمَاعَة وَمِنْهَا أَن النَّبِي ﷺ لما سُئِلَ عَن الْفرْقَة النَّاجِية قَالَ مَا انا عَلَيْهِ وأصحابي وَهَذِه الصّفة تقررت لأهل السّنة لأَنهم ينقلون الْأَخْبَار والْآثَار عَن الرَّسُول ﷺ وَالصَّحَابَة ﵃ وَلَا يدْخل فِي تِلْكَ الْجُمْلَة من يطعن فِي الصَّحَابَة من الْخَوَارِج وَالرَّوَافِض وَلَا من قَالَ من الْقَدَرِيَّة إِن شَهَادَة اثْنَيْنِ من أهل صفّين غير مَقْبُولَة على باقة بقل وَمن ردهم وَطعن فيهم لَا يكون مُتَابعًا لَهُم وَلَا ملابسا بسيرتهم وَمِنْهَا مَا جَاءَ فِي رِوَايَة أُخْرَى أَنه ﷺ سُئِلَ عَن الْفرْقَة النَّاجِية فَقَالَ الْجَمَاعَة وَهَذِه صفة مُخْتَصَّة بِنَا لِأَن جَمِيع الْخَاص وَالْعَام من أهل الْفرق الْمُخْتَلفَة يسمونهم أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَكَيف يتَنَاوَل هَذَا الِاسْم الْخَوَارِج وهم لَا يرَوْنَ الْجَمَاعَة وَالرَّوَافِض وهم لَا يرَوْنَ الْجَمَاعَة والمعتزلة وهم لَا يرَوْنَ صِحَة

стр. 163

الْإِجْمَاع وَكَيف تلِيق بهم هَذِه الصّفة الَّتِي ذكرهَا الرَّسُول ﷺ وَمِنْهَا أَنهم يستعملون فِي الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة كتاب الله وَسنة رَسُوله ﷺ وأجماع الْأمة وَالْقِيَاس ويجمعون بَين جَمِيعهَا فِي فروع الشَّرِيعَة ويحتجون بجميعها وَمَا من فريق من فرق مخالفيهم إِلَّا وهم يردون شَيْئا من هَذِه الْأَدِلَّة فَبَان أَنهم أهل النجَاة باستعمالهم جَمِيع أصُول الشَّرِيعَة دون تَعْطِيل شَيْء مِنْهَا وَمِنْهَا أَن أهل السّنة مجتمعون فِيمَا بَينهم لَا يكفر بَعضهم بَعْضًا وَلَيْسَ بَينهم خلاف يُوجب التبريء والتفكير فهم إِذا أهل الْجَمَاعَة قائمون بِالْحَقِّ وَالله تَعَالَى يحفظ الْحق وَأَهله كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّا نَحن نزلنَا الذّكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون﴾ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ أَرَادَ بِهِ الْحِفْظ عَن التَّنَاقُض وَمَا من فريق من فرق الْمُخَالفين إِلَّا وَفِيمَا بَينهم تَكْفِير وتبري يكفر بَعضهم بَعْضًا كَمَا ذكرنَا من الْخَوَارِج وَالرَّوَافِض والقدرية حَتَّى اجْتمع سَبْعَة مِنْهُم فِي مجْلِس وَاحِد فافترقوا عَن تَكْفِير بَعضهم بَعْضًا وَكَانُوا بِمَنْزِلَة الْيَهُود وَالنَّصَارَى حِين كفر بَعضهم بَعْضًا حَتَّى قَالَت الْيَهُود لَيست النَّصَارَى على شَيْء وَقَالَت النَّصَارَى لَيست الْيَهُود على شَيْء وَقَالَ الله ﴿وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾ وَمِنْهَا أَن فَتَاوَى الْأمة تَدور على أهل السّنة وَالْجَمَاعَة فريقي الرَّأْي والْحَدِيث ومعظم الْأَئِمَّة ينتحلون مَذْهَبهم ويجتمعون على طريقهم وَهُوَ الْغَالِب على بِلَاد الْمُسلمين فهم إِذا أهل الْجَمَاعَة من سَائِر الْوُجُوه وَكلهمْ متفقون على رد مَذْهَب الروافض والخوارج والقدرية من أهل الْأَهْوَاء والبدع وَمِنْهَا أَن عبد الله بن عمر ﵁ روى عَن النَّبِي ﷺ فِي تَفْسِير قَوْله ﴿يَوْم تبيض وُجُوه وَتسود وُجُوه﴾ إِن الَّذين تبيض وُجُوههم هم

стр. 164

الْجَمَاعَة وَالَّذين تسود وُجُوههم هم أهل الْأَهْوَاء وَأهل الْأَهْوَاء هم الَّذين لَا يتابعون الْكتاب وَلَا السّنة وَمِنْه قَوْله تَعَالَى إِن الَّذين فرقوا دينهم وَكَانُوا شيعًا لست مِنْهُم فِي شَيْء فَتبين أَن الَّذين فارقوا دينهم أَو فرقوا دينهم هم لَيْسُوا على طَرِيق الْحق، وَجَمِيع من ذَكَرْنَاهُمْ من فرق الْمُخَالفين يفرقون فِيمَا بَينهم كَمَا وصفناه من اخْتلَافهمْ فَبَان بِهِ أَنهم مفارقون للدّين وَأهل السّنة وَالْجَمَاعَة متمسكون بِهِ بِعُرْوَة الْإِسْلَام وحبل الدّين مجتمعون فِي أصولهم غير مُتَفَرّقين فَكَانُوا هم أهل النجَاة دون من خالفهم فِي هَذِه الصّفة الْفَصْل الثَّالِث من فُصُول المفاخر لأهل الْإِسْلَام وَبَيَان فَضَائِل أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَبَيَان مَا اختصوا بِهِ من مفاخرهم اعْلَم أَنه لَا خصْلَة من الْخِصَال الَّتِي تعد فِي المفاخر لأهل الْإِسْلَام من المعارف والعلوم وأنواع الإجتهادات إِلَّا وَلأَهل السّنة وَالْجَمَاعَة فِي تزيينها الْقدح الْمُعَلَّى والسهم الأوفر أما الْعُلُوم فأولها الرقي فِي مدارج الْفضل وَالْأَدب هُوَ ترجمان جَمِيع الْعُلُوم ومعرض جَمِيع الْفَوَائِد الفاخرة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة إِذْ لَا سَبِيل إِلَى تَفْسِير الْقُرْآن وأخبار الرَّسُول ﷺ إِلَّا بِمَعْرِِفَة الْأَدَب وَجُمْلَة الْأَئِمَّة فِي النَّحْو واللغة من أهل الْبَصْرَة والكوفة فِي دولة الْإِسْلَام كَانُوا من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَأَصْحَاب الحَدِيث والرأي وَلم يكن فِي مشاهيرهم من تدنس بِشَيْء من بدع الروافض ١٨٨ - والخوارج والقدرية مثل أبي عَمْرو بن الْعَلَاء الَّذِي قَالَ لَهُ عَمْرو بن عبيد القدري قد ورد من الله تَعَالَى الْوَعْد والوعيد وَالله تَعَالَى يصدق وعده ووعيده فَأَرَادَ بِهَذَا الْكَلَام أَن ينصر بدعته الَّتِي ابتدعها فِي أَن العصاة من الْمُؤمنِينَ خَالدُونَ مخلدون فَقَالَ أَبُو عَمْرو فَأَيْنَ أَنْت من قَول الْعَرَب أَن الْكَرِيم إِذا وعد عَفا وَإِذا وعد وفى وافتخار قَائِلهمْ بِالْعَفو عِنْد الْوَعيد حَيْثُ قَالَ (وَإِنِّي إِذا أوعدته أَو وعدته ... لمخلف ميعادي ومنجز موعدي) فعده من الْكَرم لَا من الْخلق المذموم وَكَذَلِكَ لم يكن فِي أَئِمَّة الْأَدَب أحد إِلَّا وَله إِنْكَار على أهل الْبِدْعَة شَدِيد وَبعد من بدعهم بعيد مثل الْخَلِيل بن أَحْمد وَيُونُس بن حبيب وسيبويه والأخفش والزجاج والمبرد وَأبي حَاتِم

стр. 165

والخوارج والقدرية مثل أبي عَمْرو بن الْعَلَاء الَّذِي قَالَ لَهُ عَمْرو بن عبيد القدري قد ورد من الله تَعَالَى الْوَعْد والوعيد وَالله تَعَالَى يصدق وعده ووعيده فَأَرَادَ بِهَذَا الْكَلَام أَن ينصر بدعته الَّتِي ابتدعها فِي أَن العصاة من الْمُؤمنِينَ خَالدُونَ مخلدون فَقَالَ أَبُو عَمْرو فَأَيْنَ أَنْت من قَول الْعَرَب أَن الْكَرِيم إِذا أوعد عَفا وَإِذا وعد وفى وافتخار قَائِلهمْ بِالْعَفو عِنْد الْوَعيد حَيْثُ قَالَ (وَإِنِّي إِذا أوعدته أَو وعدته ... لمخلف ميعادي ومنجز موعدي) فعده من الْكَرم لَا من الْخلق المذموم وَكَذَلِكَ لم يكن فِي أَئِمَّة الْأَدَب أحد إِلَّا وَله إِنْكَار على أهل الْبِدْعَة شَدِيد وَبعد من بدعهم بعيد مثل الْخَلِيل بن أَحْمد وَيُونُس بن حبيب وسيبويه والأخفش والزجاج والمبرد وَأبي حَاتِم

стр. 166

السجسْتانِي وَابْن دُرَيْد والأزهري وَابْن فَارس والفارابي وَكَذَلِكَ من كَانَ من أَئِمَّة النَّحْو واللغة مثل الْكسَائي وَالْفراء والأصمعي وَأبي زيد الْأنْصَارِيّ وَأبي عُبَيْدَة وَأبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ وَأبي عبيد الْقَاسِم بن سَلام

стр. 167

وَمَا مِنْهُم أحد إِلَّا وَله فِي تصانيفه تعصب لأهل السّنة وَالْجَمَاعَة ورد على أهل الْإِلْحَاد والبدعة وَلم يقر وَاحِد فِي شَيْء من الْأَعْصَار من أسلاف أهل الْأَدَب بِشَيْء من بدع الروافض والقدرية غير أَن جمَاعَة من الْمُتَأَخِّرين من أهل الْأَدَب تدنسوا بِشَيْء من ذَلِك تقربا إِلَى ابْن عباد طَمَعا فِي شَيْء من الدُّنْيَا والرياسة وأظهروا شَيْئا من الرَّفْض والإعتزال وَمن كَانَ متدنسا بِشَيْء من ذَلِك لم يجز الإعتماد عَلَيْهِ فِي رِوَايَة أصُول اللُّغَة وَفِي نقل مَعَاني النَّحْو وَلَا فِي تَأْوِيل شَيْء من الْأَخْبَار وَلَا فِي تَفْسِير آيَة من كتاب الله تَعَالَى وَثَانِيها علم تَفْسِير الْقُرْآن وَلم يكن فِي جَمِيع من نسب إِلَيْهِ شَيْء من أصُول تَفْسِير الْقُرْآن من وَقت الصَّحَابَة إِلَى يَوْمنَا هَذَا من تلوث بِشَيْء من مَذْهَب الْقَدَرِيَّة والخوارج وَالرَّوَافِض مثل الْخُلَفَاء الرَّاشِدين الَّذين تكلمُوا فِي التَّفْسِير وَمثل عبد الله بن عَبَّاس وَعبد الله بن مَسْعُود وَزيد بن ثَابت ﵃ وَمثل الْمَشَاهِير من التَّابِعين وَاتِّبَاع التَّابِعين الَّذين تكلمُوا فِي التَّفْسِير كسعيد بن جُبَير وَقَتَادَة وَعَطَاء وَعِكْرِمَة وَمَكْحُول وعطية وَمن كَانَ بعدهمْ

стр. 168

كالواقدي وَمُحَمّد بن إِسْحَاق بن يسَار وَالسُّديّ وَغَيرهم مِمَّن كَانَ بعدهمْ إِلَى أَن انْتَهَت النّوبَة إِلَى مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ وأقرانه وَكَانَ الزّجاج رَأْسا فِي نصْرَة أهل السّنة وَالرَّدّ على أهل الْبِدْعَة وَكَذَا الْفراء قبله وَقد ردا فِي كِتَابَيْهِمَا المصنفين فِي الْمعَانِي على الْقَدَرِيَّة والخوارج وَالرَّوَافِض وصنف بعض متأخري الْقَدَرِيَّة فِي تَفْسِير الْقُرْآن على مُوَافقَة بدعتهم وَذَلِكَ لَا يتداوله من أهل صَنْعَة التَّفْسِير إِلَّا مخذول وَقد جَمعنَا فِي كتَابنَا الْمَعْرُوف بتاج التراجم مَا هُوَ الْمُعْتَمد من أَقْوَال الْمُفَسّرين ابتعادا عَمَّا أحدثه فِيهِ أهل الضَّلَالَة والزيغ من التأويلات على سَبِيل التحريف وَثَالِثهَا الْعُلُوم الْمُتَعَلّقَة بِأَحَادِيث الْمُصْطَفى ﷺ والتمييز بَين الصَّحِيح والسقيم من الرِّوَايَات وَمَعْرِفَة السّلف الصَّالح وَلَا يدْخل فِي تِلْكَ الصَّنْعَة إِلَّا أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَكَذَلِكَ عُلُوم الْقُرْآن لاحظ فِي شَيْء مِنْهَا لأحد من الْخَوَارِج وَالرَّوَافِض والقدرية وَكَيف يكون فِيهِ حَظّ لمن يَدعِي أَن فِي الْقُرْآن زِيَادَة ونقصا ويقدح فِي الصَّحَابَة الَّذين عَلَيْهِم مدَار الْأَحَادِيث بل لَا يُبَالِي بِأَن يقدم عَلَيْهِم بالتضليل والتكفير وَقد ندر فِيمَا بَين أهل الْقُرْآن والْحَدِيث من يتلبس

стр. 169

بصنعتهم وَهُوَ يضمر سوء بدعته وَنحن نَذره وَسُوء سَرِيرَته لَا نعتد بِهِ وَرَابِعهَا عُلُوم الْفِقْه وَيخْتَص بالتبحر فِيهِ أَصْحَاب الحَدِيث وَأَصْحَاب الرَّأْي وَلم يكن قطّ للروافض والخوارج والقدرية تصنيف مَعْرُوف يرجع إِلَيْهِ فِي تعرف شَيْء من الشَّرِيعَة وَلَا كَانَ لَهُم أَمَام يَقْتَدِي بِهِ من فروع الدّيانَة وخامسها عُلُوم الْمَغَازِي وَالسير والتواريخ والتفرقة بَين السقيم والمستقيم وَلَيْسَ لأهل الْبِدْعَة من هُوَ رَأس فِي شَيْء من هَذِه الْعُلُوم فَهِيَ مُخْتَصَّة بِأَهْل السّنة وَالْجَمَاعَة وسادسها علم التصوف والإشارات وَمَا لَهُم فِيهَا من الدقائق والحقائق لم يكن قطّ لأحد من أهل الْبِدْعَة فِيهِ حَظّ بل كَانُوا محرومين مِمَّا فِيهِ من الرَّاحَة والحلاوة والسكينة والطمأنينة وَقد ذكر أَبُو عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ من مشايخهم قَرِيبا من ألف وَجمع إشاراتهم واحاديثهم وَلم يُوجد فِي جُمْلَتهمْ قطّ من ينْسب إِلَى شَيْء من بدع الْقَدَرِيَّة وَالرَّوَافِض والخوارج وَكَيف يتَصَوَّر فيهم من هَؤُلَاءِ وَكَلَامهم يَدُور على التَّسْلِيم والتفويض والتبري من النَّفس والتوحيد بالخلق والمشئية وَأهل الْبدع ينسبون الْفِعْل والمشيئة والخلق وَالتَّقْدِير إِلَى أنفسهم وَذَلِكَ بمعزل عَمَّا عَلَيْهِ أهل الْحَقَائِق من التَّسْلِيم والتوحيد وسابعها أَن لأهل السّنة وَالْجَمَاعَة التفرد بِأَكْثَرَ من ألف تصنيف فِي أصُول الدّين مِنْهَا مَا هُوَ مَبْسُوط يكثر علمه وَمِنْهَا مَا هُوَ لطيف يصغر حجمه فِي أعصار مُخْتَلفَة من عصر الصَّحَابَة إِلَى يَوْمنَا هَذَا فِي نصْرَة الدّين وَالرَّدّ على الْمُلْحِدِينَ والكشف عَن أسرار بدع المبتدعين وَلم يكن لوَاحِد من مُتَقَدِّمي الْقَدَرِيَّة وَالرَّوَافِض والخوارج تصنيف فِي هَذَا النَّوْع يظْهر ويتداول وَهل كَانَ لَهُم علم حَتَّى يكون لَهُم فِيهِ تصنيف بلَى قوم من متأخريهم تكلفوا جمع شبه يخادعون بِهِ الْقَوْم عَن أديانهم وصنفوا فِيهَا تصانيف أَكْثَرهَا لَا يُوجد إِلَّا بِخَط المُصَنّف إِذْ كَانَ الِاشْتِغَال بنقلها من قبيل تَعْطِيل الْوَقْت بالمقت وقيض الله تَعَالَى فِي عصرنا فِي كل إقليم من أقاليم الْعَالم سادة من أَعْلَام أَئِمَّة الدّين صنفوا فِي نصْرَة الدّين وتقوية مَا عَلَيْهِ أهل

стр. 170

السّنة وَالْجَمَاعَة وَالرَّدّ على أهل الْبدع فِيمَا زوروه من الشّبَه مثل القَاضِي الإِمَام أبي بكر الْأَشْعَرِيّ وَله قريب من خمسين ألف ورقة من تصانيفه فِي نصْرَة الدّين وَالرَّدّ على أهل الزيغ والبدع لَا تكَاد تندرس إِلَى يَوْم الْقِيَامَة مثل كتاب الْهِدَايَة وَكتاب نقض النَّقْض وَكتاب التَّقْرِيب فِي الْأُصُول وَالْكتاب الْكَبِير فِي الْأُصُول يشْتَمل على عشرَة آلَاف ورقة وَكتاب الْكسْب وَكتاب التَّمْهِيد وَغير ذَلِك من التصانيف الَّتِي لَا يكَاد يتَّفق مثلهَا إِلَّا لمن وَافقه التَّوْفِيق وَمثل الإِمَام أبي إِسْحَاق الإِسْفِرَايِينِيّ ﵀ الَّذِي عقمت النِّسَاء عَن أَن يلدن مثله وَلم تَرَ عَيناهُ فِي عمره مثل نَفسه وَكَانَ شَدِيدا على خَصمه يفرق الشَّيْطَان من حسه قدس الله روحه وَله تصانيف فِي أصُول التَّوْحِيد وأصول الْفِقْه كل وَاحِد مِنْهَا معجز فِي فنه مِنْهَا كتاب الْجَامِع وَهُوَ كتاب لم يصنف فِي الْإِسْلَام مثله وَلم يتَّفق لأحد من الْأَئِمَّة فِي شَيْء من الْعُلُوم مثل ذَلِك الْكتاب وَمن حسن أَحْكَامه أَنه لَا طَرِيق لأحد من الْمُخَالف والموافق إِلَى نقضه لحسن تَحْقِيقه وإتقانه وَلَا يتجاسر أحد لِأَن يتَصَدَّى لنقضه للطف صَنعته فِي وَضعه وَله فِي دقائق الْفِقْه والمقدرات كتاب حير بِهِ الأفهام وَلَا يَهْتَدِي لِحلِّهِ إِلَّا من أنْفق دهره على حسه وَله عدد كثير من لطائف التصانيف يَهْتَدِي بهَا النَّاس فِي أصُول الدّين مثل الْمُخْتَصر فِي الرَّد على أهل الإعتزال وَالْقدر وَلم يُوجد فِي الْإِسْلَام كتاب مثل حجمه يجمع مَا يجمعه من النكت فِي الرَّد على أهل الزيغ والبدع وَكتاب الْوَصْف وَالصّفة لم ير كتاب فِي مثل حجمه يجمع من الْفَوَائِد فِي أصُول الدّين مَا يجمعه وَكتاب تَحْقِيق الدعاوي وَهُوَ فِي لطافة حجمه يتَضَمَّن الطّرف الَّتِي يتَوَصَّل بهَا إِلَى إبانة بطلَان الْبَاطِل من المقالات وَتَصْحِيح الصَّحِيح مِنْهَا جَمِيعهَا فِي سبع طرق من يهدي إِلَيْهَا لم تخف عَلَيْهِ كَيْفيَّة الرَّد على شَيْء من مقالات الْمُلْحِدِينَ والمبتدعين وَكتاب شرح الِاعْتِقَاد الَّذِي لَا يطلع على علومه أحد إِلَّا استبان لَهُ طَرِيق أهل السّنة على وَجه لَا يتخالجه فِيهِ شَيْء من الشَّك والشبهة وَله فِي الْأُصُول كتاب تَرْتِيب الْمَذْهَب وَكتاب الْمُخْتَلف فِي الْأُصُول لم يجمع مثلهمَا فِي علم أصُول الْفِقْه بعد الشَّافِعِي

стр. 171

وَمثل الإستاذ أبي بكر بن فورك الْأَصْفَهَانِي ﵁ الَّذِي لم ير مثله فِي نشر دينه وَقُوَّة يقينه وَله أَكثر من مائَة وَعشْرين تصنيفا فِي نشر الدّين وَالرَّدّ على الْمُلْحِدِينَ وَتَحْقِيق أصُول الدّين وَله فِي الْإِسْلَام آثَار ظَاهِرَة وَلَو لم يخرج من مَجْلِسه من المتزهدين والأقوياء فِي نصْرَة الدّين إِلَّا الْأُسْتَاذ الإِمَام أَبُو مَنْصُور الأيوبي ﵁ وَهُوَ الَّذِي كَانَ يفر من حسه شَيْطَان كل ملحد على وَجه الأَرْض لقُوَّة نظره وَحسن عِبَارَته ولطافته فِي الرَّد على خَصمه وَله كتاب التَّلْخِيص وَلَو لم يكن لهل السّنة وَالْجَمَاعَة فِي الرَّد على أهل الْإِلْحَاد والبدعة سوى ذَلِك الْكتاب فِي حسن بَيَانه ولطافة ترتيبه وتهذيبه كَانَ فِيهِ الْكِفَايَة فِي حسنه مَعَ مَا لَهُ من التصانيف الْأُخَر الَّتِي تداولتها أَيدي أهل الأقاليم بِحسن الْبَيَان ولطافة التنميق وَلَو لم يكن لأهل السّنة وَالْجَمَاعَة من مُصَنف لَهُم فِي جَمِيع الْعُلُوم على الْخُصُوص والعموم إِلَّا من كَانَ فَرد زَمَانه وَوَاحِد أقرانه فِي معارفه وعلومه وَكَثْرَة الْغرَر من تصانيفه وَهُوَ الإِمَام أَبُو مَنْصُور عبد القاهر بن طَاهِر بن مُحَمَّد الْبَغْدَادِيّ التَّمِيمِي قدس الله روحه وَمَا من علم من الْعُلُوم إِلَّا وَله فِيهِ تصانيف وَلَو لم يكن لَهُ من التصانيف إِلَّا كتاب الْملَل والنحل فِي أصُول الدّين وَهُوَ كتاب لَا يكَاد يسع فِي خاطر بشر أَنه يتَمَكَّن من مثله لِكَثْرَة مَا فِيهِ من فنون علمه وتصانيفه فِي الْكَلَام وَالْفِقْه والْحَدِيث والمقدرات الَّتِي هِيَ أم الدقائق تخرج عَن الْحصْر لم يسْبق إِلَى مثل كتبه فِي هَذِه الْأَنْوَاع مَعَ حسن عِبَارَته وعذوبة بَيَانه ولطافة كَلَامه فِي جَمِيع كتبه وَقد تأملنا مَا جمعه هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة فِي أصُول التَّوْحِيد من الْكتب البسيطة والوجيزة وَمن تقدم من سادة الْأَئِمَّة وأعيان أهل السّنة وَالْجَمَاعَة فجمعنا نكتهم فِي كتاب الْأَوْسَط بعبارات قريبَة وألفاظ وجيزة أتباعا لآثارهم وَبِنَاء على مقالاتهم وَالله تَعَالَى قد ينفع بِجَمِيعِ مَا تيَسّر من التصانيف فِي الْفِقْه والفرائض

стр. 172

والمقدرات وَالْكَلَام وَالتَّفْسِير وَالتَّعْبِير بِالْفَارِسِيَّةِ مَا شَاءَ الله بفضله وجوده وَأما أَنْوَاع الاجتهادات الفعلية الَّتِي مدارها على أهل السّنة وَالْجَمَاعَة فِي بِلَاد الْإِسْلَام فمشهورة مَذْكُورَة مثل الْمَسَاجِد والرباطات المثبتة فِي بِلَاد أهل السّنة أما فِي أَيَّام بني أُميَّة وَأما فِي أَيَّام بني الْعَبَّاس مثل مَسْجِد دمشق الْمَبْنِيّ فِي أَيَّام الْوَلِيد بن عبد الْملك وَكَانَ سنيا قتل فِي أَيَّامه مَا شَاءَ الله من الْخَوَارِج وَالرَّوَافِض والقدرية وَبني أَخُوهُ مسملة بن عبد الْملك الْمَسْجِد بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَمَا قَامَ إِلَى هَذِه الْمدَّة بعمارة مَسْجِد مَكَّة وَالْمَدينَة إِلَّا من كَانَ من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة لم يكن لوَاحِد من أهل بدع الْخَوَارِج وَالرَّوَافِض والقدرية فِيهِ سعي وَكَانَ بعض المصريين يتغلبون ويسعون فِي عمَارَة شَيْء مِنْهُ لَكِن لَا موقع لما كَانُوا يَفْعَلُونَهُ مَعَ سوء اعْتِقَادهم كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿مَا كَانَ للْمُشْرِكين أَن يعمروا مَسَاجِد الله شَاهِدين على أنفسهم بالْكفْر﴾ وكما قَالَ تَعَالَى ﴿قل أَنْفقُوا طَوْعًا أَو كرها لن يتَقَبَّل مِنْكُم إِنَّكُم كُنْتُم قوما فاسقين﴾ وَقد تكلمنا قبل على سوء طريقهم وَعظم فتنتهم فِيمَا بَين الْمُسلمين وَمن كَانَت هَذِه طَرِيقَته لم يكن لَهُ بعمارته الْمَسْجِد موقع عِنْد الله تَعَالَى وَعند الْمُسلمين وَمن آثَارهم الإجتهادية سدهم ثغور الْإِسْلَام والمرابطة بهَا فِي أَطْرَاف الأَرْض مثل ثغور الرّوم وثغور أرمينية وانسداد جَمِيعهَا ببركات أَصْحَاب الحَدِيث وَأما ثغور بِلَاد التّرْك فمشتركة بَين أهل الحَدِيث والرأي وَلَيْسَ لأهل الْأَهْوَاء فِي شَيْء من الثغور مرابطة وَلَا أثر ظَاهر بل هم أَشد ضَلَالَة فَبَان لَك بِمَا ذَكرْنَاهُ من مساعي أهل السّنة وَالْجَمَاعَة فِي الْعُلُوم والاجتهادات أَنهم أهل الإجتهاد وَالْجهَاد وَالْجهَاد فِي الدّين يكون تَارَة بِإِقَامَة الْحجَّة فِي الدعْوَة إِلَى المحجة وَيكون تَارَة بِاسْتِعْمَال السَّيْف مَعَ الْمُجَاهدين ضد أهل الْخلاف من الْأَعْدَاء وببذل الْأَمْوَال والمهج وَقد خص الله تَعَالَى

стр. 173

فيهم قَوْله ﴿وَالَّذين جاهدوا فِينَا لنهدينهم سبلنا وَإِن الله لمع الْمُحْسِنِينَ﴾ وَإِذا كَانَ فِي الْجِهَاد فِي النَّوْعَيْنِ صادرا مِنْهُم كَانَت الْهِدَايَة مُخْتَصَّة بهم ﴿ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء وَالله ذُو الْفضل الْعَظِيم﴾ وَقد عصمهم الله أَن يَقُولُوا فِي أسلاف هَذِه الْأمة مُنْكرا أَو يطعنوا فيهم طَعنا فَلَا يَقُولُونَ فِي الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وأعلام الدّين وَلَا فِي أهل بدر وَأحد وَأهل بيعَة الرضْوَان إِلَّا أحسن الْمقَال وَلَا فِي جَمِيع من شهد النَّبِي ﷺ لَهُم بِالْجنَّةِ وَلَا فِي أَزوَاج النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه وَأَوْلَاده وأحفاده مثل الْحسن وَالْحُسَيْن والمشاهير من ذرياتهم مثل عبد الله بن الْحسن وَعلي بن الْحُسَيْن وَمُحَمّد بن عَليّ وجعفر ابْن مُحَمَّد ومُوسَى بن جَعْفَر وَعلي بن مُوسَى الرِّضَا وَمن جرى مِنْهُم على السداد من غير تَبْدِيل وَلَا تَتَغَيَّر وَلَا فِي الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وَلم يستجيزوا أَن يطعنوا فِي وَاحِد مِنْهُم وَكَذَلِكَ فِي أَعْلَام التَّابِعين وَأَتْبَاع التَّابِعين الَّذين صانهم الله تَعَالَى عَن التلوث بالبدع وَإِظْهَار شَيْء من الْمُنْكَرَات وَلَا يحكمون فِي عوام الْمُسلمين إِلَّا بِظَاهِر إِيمَانهم وَلَا يَقُولُونَ بتكفير وَاحِد مِنْهُم إِلَّا أَن يتَبَيَّن مِنْهُ مَا يُوجب تكفيره ويصدقون بقول النَّبِي ﷺ يدْخل الْجنَّة من أمتِي سَبْعُونَ ألفا بِغَيْر حِسَاب يشفع كل وَاحِد مِنْهُم فِي عدد ربيعَة وَمُضر ويوجبون على أنفسهم الدُّعَاء لمن سلف من هَذِه الْأمة كَمَا أَمر الله تَعَالَى فِي كِتَابه حَيْثُ قَالَ ﴿رَبنَا اغْفِر لنا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذين سبقُونَا بِالْإِيمَان وَلَا تجْعَل فِي قُلُوبنَا غلا للَّذين آمنُوا رَبنَا إِنَّك رؤوف رَحِيم﴾ تمّ الْبَاب وَتمّ بِتَمَامِهِ الْكتاب وَالْحَمْد لله على نعمه وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وعَلى آله وَأَصْحَابه البررة الْكِرَام وعَلى أَزوَاجه أُمَّهَات أهل الْإِسْلَام وحسبنا الله وَكفى