Полный текст (536 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
من نقل هَذِه الْأَعْلَام شَيْئا وَلَا معرفَة بِكَثِير مِنْهَا وَإِنَّمَا نطالبهم بِالدُّخُولِ فِي الدّين بعد قيام الْحجَّة فَقَط
ثمَّ يُقَال لَهُم أَلَيْسَ مُوسَى ﵇ كَانَ من دينه وشريعته أَن يقتل من ارْتَدَّ عَن دينه وَفَارق مِلَّته بعد الدُّخُول فِيهَا فَإِذا قَالُوا نعم قيل لَهُم فَمَا أنكرتم أَن تَكُونُوا محمولين على نقل أَعْلَام مُوسَى ﵇ بِالسَّيْفِ وَأَن يكون أسلافكم الَّذين كَانَت مِنْهُم الْمِنَّة والرئاسة إِنَّمَا دخلُوا فِي دين مُوسَى رَغْبَة وحبا لأسباب الدُّنْيَا والترأس فِيهَا وَضمن لَهُم ذَلِك فَلَمَّا دخلُوا فِي الدّين لم يُمكنهُم الْخُرُوج مِنْهُ خوفًا من الْقَتْل فصاروا محمولين على النَّقْل فَإِن قَالُوا لم يكن أسلافنا يحملون النَّاس على الدُّخُول فِي الدّين وَإِن حملوهم على الْمقَام عَلَيْهِ بعد الدُّخُول فِيهِ فَلم يَكُونُوا لذَلِك محمولين قيل لَهُم وَكَذَلِكَ نَحن لَا نقْتل من دخل فِي ديننَا إِذا لم ينْقل أَعْلَام نَبينَا وَلَا نقْتل أَيْضا من أدّى الْجِزْيَة وَأقَام على دينه وَلم يدْخل فِي ديننَا إِذا لم ينْقل أَعْلَام نَبينَا أَو كَانَ من أهل الْعَهْد وَالصُّلْح فَلم يجز أَن يَكُونُوا محمولين على نقل أَعْلَام نَبينَا ﵇
وَيُقَال لَهُم أَيْضا فَيجب صِحَة نقل أَعْلَام مُحَمَّد بِنَقْل العيسوية وهم أمة عَظِيمَة لِأَنَّهَا لم تحمل على ذَلِك بِالسَّيْفِ وَكَذَلِكَ يجب صِحَة نقل أَعْلَام الْمَسِيح ﵇ لنقلهم وَنقل العيسوية لَهَا وهم غير محمولين على النَّقْل بِالسَّيْفِ فَإِن قَالُوا النَّصَارَى مَحْمُولَة على النَّقْل بِالسَّيْفِ قيل لَهُم وَكَذَلِكَ أَنْتُم محمولون وَقيل لَهُم فالعيسوية غير مَحْمُولَة على نقل أَعْلَام
стр. 177
الْمَسِيح فَيجب إِثْبَات أَعْلَامه بنقلهم
وَيُقَال لِلنَّصَارَى إِن قَالُوا لنا أَنْتُم محمولون على نقلكم بِالسَّيْفِ مَا أنكرتم أَن تَكُونُوا أَيْضا محمولين على نقلكم بِالسَّيْفِ فَإِن قَالُوا النَّصَارَى مفترقون فِي الْبِلَاد والمهامة وبطون الأودية ورؤوس الْجبَال والصوامع وأطراف السَّنَد والهند فَكيف يكونُونَ محمولين على النَّقْل بِالسَّيْفِ وَلَا أحد فِي هَذِه الْبِقَاع يحملهم قيل لَهُم ولليهود وَكَذَلِكَ الْمُسلمُونَ منتشرون فِي البراري والقفار والبحار والرباطات وأطراف الْبِلَاد وَفِي دَار مملكتكم وَتَحْت غلبتكم بقسطنطينية وعمورية ورومية وَفِي قلاعكم ومطاميركم وَفِي أسركم مِنْهُم خلق عَظِيم لَا يحصي عَددهمْ إِلَّا الله تَعَالَى كلهم ينقلون أَعْلَام النَّبِي ﷺ ويدينون بِدِينِهِ فَكيف يكون من ذَكرْنَاهُ مَحْمُولا على تَصْدِيق مُحَمَّد ﷺ وَنقل أَعْلَامه فَإِن قَالُوا جَمِيع من ذكرْتُمْ إِنَّمَا أخذُوا النَّقْل فِي الأَصْل عَن قوم محمولين عَلَيْهِ قيل لَهُم وَكَذَلِكَ جَمِيع من ذكرتموه من النَّصَارَى وَالْيَهُود فِي سَائِر الأقطار إِنَّمَا أخذُوا النَّقْل عَن قوم محمولين عَلَيْهِ فِي الأَصْل أَو عَمَّن حمل عَلَيْهِ وألجىء إِلَيْهِ بِالسَّيْفِ وَلَا جَوَاب لَهُم عَن ذَلِك
ثمَّ يُقَال لَهُم خبرونا عَن الْحَامِل للْمُسلمين على النَّقْل أهم
стр. 178
الحاملون لأَنْفُسِهِمْ أم غَيرهم مِمَّن باين ملتهم وَكذب نَبِيّهم حملهمْ على نقل أَعْلَامه بِالسَّيْفِ فَإِن قَالُوا غَيرهم حملهمْ مَعَ تكذيبهم لنبيهم تجاهلوا وَتركُوا قَوْلهم وَمَا توجبه قَضِيَّة الْعقل وَالْعَادَة وَإِن قَالُوا هم الحاملون لأَنْفُسِهِمْ على نقل أَعْلَام نَبِيّهم قيل لَهُم فَكيف يحمل الْحَامِل نَفسه على الشَّيْء إِلَّا من حَيْثُ لَو آثروا ترك النَّقْل لصاروا إِلَيْهِ وَوَقع مِنْهُم فَهَذَا يعود إِلَى أَنهم نقلوا ذَلِك مختارين للنَّقْل
وَإِن قَالُوا إِنَّمَا صَارُوا محمولين على النَّقْل بِأَن حمل بَعضهم بَعْضًا يُقَال لَهُم فَلَا بُد أَن تكون فيهم فرقة غير مَحْمُولَة هِيَ الحاملة لغَيْرهَا فَإِذا قَالُوا هُوَ كَذَلِك قيل لَهُم فَمَا أنكرتم أَن تكون أَعْلَام مُحَمَّد ﷺ صَحِيحَة ثَابِتَة بِنَقْل تِلْكَ الطَّبَقَة الَّتِي هِيَ غير مَحْمُولَة أصلا وَهَذَا يبطل تعلقهم بِالْحملِ
وَإِن قَالُوا هَذِه الْفرْقَة الَّتِي لَيست بمحمولة يقصر عَددهَا عَن عدَّة من يُوجب خَبره الْعلم قيل لَهُم وَكَذَلِكَ الأَصْل فِي الَّذين نقلوا أَعْلَام مُوسَى وأخذتم النَّقْل عَنْهُم فرقة يقصر عَددهَا عَن عدَّة من يُوجب خَبره الْعلم
فَإِن قَالُوا قد أخْبرت الْيَهُود الْيَوْم وهم أهل تَوَاتر أَن سلفهم
стр. 179
كخلفهم فَوَجَبَ صدقهم فِي ذَلِك قيل لَهُم فَمَا بَال البراهمة وَالْمَجُوس وَأهل الْإِلْحَاد والتنجيم والفلاسفة لَا يعلمُونَ ذَلِك ويجحدونه وينكرونه فَإِن قَالُوا هم يعلمُونَ ذَلِك وَلَكنهُمْ يكابرون قيل لَهُم فَكَذَلِك الْمُسلمُونَ قد أخبروا الْيَوْم وهم أهل تَوَاتر أَنهم أخذُوا النَّقْل عَن سلف كخلفهم وَمن آحَاد نقلوا بِحَضْرَة من هُوَ كخلفهم وَادعوا حضورهم وسلموا نقلهم فَوَجَبَ صدقهم وَأَنْتُم وكل وَاحِد تعلمُونَ ذَلِك وَلَكِنَّكُمْ تجحدون وتعاندون وَلَا جَوَاب عَن ذَلِك
فَإِن قَالُوا لَيْسَ تنكر البراهمة وَالْمَجُوس والفلاسفة والملحدة ظُهُور هَذِه الْأُمُور على يَد مُوسَى وَإِنَّمَا يدعونَ أَنَّهَا حيل ومخاريق قيل لَهُم لَيْسَ كَذَلِك كَمَا تَقولُونَ لأَنهم جَمِيعًا يُنكرُونَ فلق الْبَحْر وَخُرُوج الْيَد بَيْضَاء ونبع المَاء من الصَّخْرَة جملَة وَإِنَّمَا يستضعفون بعض من يسلمُونَ لَهُ ذَلِك جدلا طَمَعا فِي انتهاز فرصته وَإِظْهَار عَجزه من كل وَجه
وَقيل لَهُم وَكَذَلِكَ أَنْتُم لَا تنكرون إِذا خلوتم بِأَنْفُسِكُمْ أَن يكون مُحَمَّد ﷺ أَتَى بِهَذِهِ المعجزات الخارقة للْعَادَة وَإِنَّمَا تظنون أَنَّهَا حيل ومخاريق فَإِن قَالُوا لسنا نقُول ذَلِك قيل لَهُم وَكَذَلِكَ البراهمة وَالْمَجُوس وَأهل الْإِلْحَاد لَا يقرونَ بِوُجُود شَيْء مِمَّا تَدعُونَهُ لمُوسَى ﵇ وَلَا جَوَاب عَن ذَلِك
وَقد زعم كثير من الْيَهُود أَن من شَرط الْخَبَر الْمُوجب للْعلم الْقَاطِع للْعُذْر أَن تكون الناقلة لَا يحصرهم عدد وَلَا يحويهم بلد وَلَا يجوز
стр. 180
على مثلهم التكاتب والتراسل وَأَن تتغاير آباؤهم وتختلف أنسابهم وتتفرق دواعيهم وهممهم وأغراضهم وَأَن تخْتَلف مللهم ودياناتهم وَألا يحملوا على نقلهم بِالسَّيْفِ وَلَا يضموا إِلَى خبرهم مَا تحيله الْعُقُول وَأَن يَكُونُوا فِي دَار ذلة وَمِمَّنْ تُؤْخَذ مِنْهُم الْجِزْيَة قَالُوا وكل هَذِه الشَّرَائِط مَوْجُودَة فِي نقل الْيَهُود دون الْمُسلمين وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس لِأَن الْمُسلمين محمولون على نقلهم بِالسَّيْفِ وَالْمَجُوس يَقُولُونَ بقدم اثْنَيْنِ وَعبادَة النُّور وَهُوَ شخص مَحْدُود وَالنَّصَارَى يَقُولُونَ بالتثليث وكل هَذَا تحيله الْعُقُول وتدفعه فَوَجَبَ الْقَضَاء بِصِحَّة أَعْلَام مُوسَى ﵇ دون أَعْلَام مُحَمَّد وَعِيسَى وزرادشت وَقد تكلمنا عَلَيْهِم فِي الْحمل على نقل الْأَعْلَام بِمَا يُغني عَن رده وَكَذَلِكَ قد قدمنَا القَوْل فِي اشتراطهم كَون النقلَة فِي دَار ذلة وَمِمَّنْ تُؤْخَذ مِنْهُم الْجِزْيَة وَفِي ضم مَا تحيله الْعُقُول إِلَى النَّقْل فِي تَوْثِيق الْخَبَر بإطباق أهل الْملَل الْمُخْتَلفَة عَلَيْهِ وَبينا أَنه لَا تعلق لَهُم فِي شَيْء مِمَّا ذَكرُوهُ
فَأَما تغاير الْآبَاء وَاخْتِلَاف الْأَنْسَاب وتباعد الأوطان والديار فَإِنَّهُ لَا معنى لَهُ وَلَا لاشتراطه لِأَنَّهُ لَو نقل إِلَيْنَا خَبرا عَن مُشَاهدَة أهل بَلْدَة وَاحِدَة وَبَنُو أَب وَاحِد وَأهل نسب وَاحِد وَأهل دين وَاحِد وهم أهل تَوَاتر لوَجَبَ الْعلم بصدقهم وَصِحَّة نقلهم وَكَذَلِكَ لَو كَانَت حرفتهم وَاحِدَة
وَأما اشتراطهم أَلا يضموا إِلَى خبرهم مَا تحيله الْعُقُول فَإِنَّهُ بَاطِل لِأَن
стр. 181
أهل التَّوَاتُر لَا يجوز وُقُوع الْكَذِب مِنْهُم وَنقل مَا تحيله الْعُقُول كذب لَا محَالة وَلَو جَازَ عَلَيْهِم ذَلِك لبطل الْعلم بخبرهم وَالنَّصَارَى لم تنقل التَّثْلِيث وَلَكِن تأولته على مَا بَيناهُ من قبل
فَإِن قَالُوا فقد نقلنا ونقلت النَّصَارَى أَن الْمَسِيح قتل وصلب فَيجب الْقطع بِصِحَّة خبرنَا قيل لَهُم قد قَالَ بعض الْأمة وَأكْثر النَّاس إِن النَّقْل مَأْخُوذ عَن أَرْبَعَة من الحواريين لوقى وَمَتى ومرقش ويوحنا وَالْأَرْبَعَة يجوز عَلَيْهِم الْكَذِب وَقَالَ بَعضهم إِنَّكُم صَدقْتُمْ وَصدق أسلافكم فِي أَن شخصا قتل وصلب وَلَكِنَّكُمْ توهمتم أَنه الْمَسِيح لِأَن الْمَقْتُول تحول عَن صفته هَذَا وَتَقَع الشُّبْهَة فِي أمره وَالْخَبَر لَا يكون مُوجبا للْعلم حَتَّى تكون الناقلة قد اضطرت إِلَى مَا أخْبرت عَنهُ وزالت الشُّبْهَة فِيهِ وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك بَطل مَا سَأَلْتُم عَنهُ
وَكَذَلِكَ الْجَواب عَن الْمُطَالبَة بِصِحَّة أَعْلَام زرادشت إِمَّا أَن نقُول إِنَّهَا فِي الأَصْل مَأْخُوذَة عَن آحَاد لِأَن الْعلم بصدقهم غير وَاقع لنا أَو نقُول إِنَّه نَبِي صَادِق ظَهرت على يَده الْأَعْلَام ودعا إِلَى نبوة نوح وَإِبْرَاهِيم وَإِنَّمَا كذبت الْمَجُوس عَلَيْهِ فِي إِضَافَة مَا أضافته إِلَيْهِ من القَوْل بالتثنية وَقدم النُّور والظلام وحدوث الشَّيْطَان من فكرة وشكة شكها بعض أشخاص النُّور وَهُوَ بِمَنْزِلَة كذب النَّصَارَى على الْمَسِيح ﵇ من دُعَائِهِ إِلَى اعْتِقَاد التَّثْلِيث والاتحاد والاختلاط وَأَن مَرْيَم ولدت مسيحا بلاهوته دون ناسوته وَغير ذَلِك
стр. 182
من جهالاتهم وَلَا سُؤال لَهُم علينا فِي شَيْء من ذَلِك
وسنقول فِي تَفْصِيل الْأَخْبَار وَذكر التَّوَاتُر فِيهَا وَصفَة أَهله وَمَا يجب كَونهم عَلَيْهِ وَحَال أَخْبَار الْآحَاد وَمَا يسْتَدلّ بِهِ على صِحَة الصَّحِيح مِنْهَا وَبطلَان الْبَاطِل وَالْوَقْف فِيمَا عري من الدَّلِيل وَغير ذَلِك من أَحْكَام الْأَخْبَار فِي بَاب القَوْل فِي الْإِمَامَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى
بَاب الْكَلَام على مُنكر نسخ شَرِيعَة مُوسَى ﵇ من جِهَة السّمع دون الْعقل
يُقَال لمن زعم ذَلِك مِنْهُم مَا الْخَبَر الْمُوجب لمنع نسخ شَرِيعَة مُوسَى ﵇ فَإِن قَالُوا هُوَ مَا تنقله الْيَهُود خلفا عَن سلف عَمَّن شَاهد مُوسَى ﵇ مِنْهُم أَنه قَالَ وَهَذِه الشَّرِيعَة مُؤَبّدَة عَلَيْكُم ولازمة لكم مَا بلغت السَّمَاوَات لَا نسخ لَهَا وَلَا تَبْدِيل وَنَحْو هَذَا من اللَّفْظ وَأَنه أَمر بتكذيب كل من دعى إِلَى نسخ شَرِيعَته وتبديلها فَوَجَبَ منع النّسخ بِمَا ذَكرْنَاهُ من الْخَبَر فَيُقَال لَهُم مَا أنكرتم أَن يكون هَذَا القَوْل الَّذِي نقلتموه عَن مُوسَى ﵇ صَحِيحا وَلَكِن لم زعمتم أَن مُرَاده بِهِ نفي النّسخ على كل حَال وَلُزُوم الْعَمَل
стр. 183
بِشَرِيعَتِهِ وَإِن ظَهرت الْأَعْلَام على يَد من يَدْعُو إِلَى نسخهَا وتبديلها
وَمَا أنكرتم أَن يكون إِنَّمَا أَرَادَ بقوله إِن شَرِيعَته لَازِمَة لكم مَا دَامَت السَّمَاوَات وَالْأَرْض مَا لم تظهر المعجزات على يَد دَاع يَدْعُو إِلَى خلَافهَا وتبديلها لِأَنَّهُ قد قيد فِي الْعقل وجوب تَصْدِيق من ظَهرت الْأَعْلَام على يَده والمصير إِلَى حكم قَوْله وَسُقُوط الْعَمَل بِمَا أخبر بنسخه وإزالته كَمَا أَنه قد قيد فِي عقولنا وجوب سُقُوط فرض الْعَمَل بالشريعة مَعَ الْمَوْت والعدم وَالْعجز عنْدكُمْ فَوَجَبَ أَن يكون معنى قَوْله الشَّرِيعَة لَازِمَة لكم مَا دَامَت السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا كُنْتُم أَحيَاء موجودين وَمَا لم تَمُوتُوا أَو تَعْدَمُوا أَو تعجزوا وَإِن لم يكن ذَلِك فِي سِيَاق اللَّفْظ لأجل أَنه مُقَيّد فِي الْعقل
وَكَذَلِكَ مَا أنكرتم أَن يكون المُرَاد بقوله إِنَّهَا مُؤَبّدَة لَازِمَة لكم مَا لم يبْعَث الله نَبيا تظهر الْأَعْلَام على يَده يَدْعُو إِلَى نسخهَا وتبديلها فَإِن قَالُوا لَوْلَا أَن الْيَهُود قد نقلت وَهِي الْيَوْم أهل تَوَاتر عَن مثلهم عَمَّن شَاهد مُوسَى ﵇ أَنه أكد هَذَا النَّفْي للنسخ وقرنه بِمَا يدل على أَنه أَرَادَ عُمُوم الْأَزْمَان على جَمِيع الْأَحْوَال إِلَى أَن يَرث الله الأَرْض وَمن عَلَيْهَا وأزال بِمَا كَانَ من توقيفه على ذَلِك وتأكيده وَظُهُور الْأَسْبَاب الَّتِي اضطروا عِنْدهَا إِلَى أَنه أَرَادَ أَن الله تَعَالَى لَا يبْعَث أبدا نَبيا بنسخها لأجرنا من التَّأْوِيل مَا قلتموه وسألتم عَنهُ
وَلَكِن الضَّرُورَة الَّتِي نقلتها إِلَيْنَا أهل الْحجَّة أمنت مِمَّا
стр. 184
ذكرتموه فَوَجَبَ حمل الْخَبَر على الْعُمُوم يُقَال لَهُم هَذِه الدَّعْوَى كذب لِأَنَّهُ لَو كَانَ الَّذِي أخْبركُم عَن هَذِه الضَّرُورَة الْوَاقِعَة بِقصد مُوسَى عَن سلفكم أهل تَوَاتر وَكَذَلِكَ من قبلهم إِلَى الْقَوْم الَّذين شاهدوا مُوسَى وهم أهل تَوَاتر قد اضطروا إِلَى مَا أخبروا عَنهُ لَوَجَبَتْ لنا الضَّرُورَة بِأَن مُوسَى ﷺ قد وقف على ذَلِك وأراده وَثَبت أَنه من دينه لأننا قد سمعنَا الْخَبَر كَمَا سَمِعْتُمْ وعرفناه كَمَا عَرَفْتُمْ فَلَو كَانَ من التَّوْقِيف والتأكيد مَا وصفتم وَقد نَقله أهل الْحجَّة لعلمنا ذَلِك ضَرُورَة كَمَا علمنَا وجود مُوسَى ﵇ ضَرُورَة لما نقل وجوده ومشاهدته قوم هم حجَّة إِلَى مثلهم إِلَى من سمعناه وَكَذَلِكَ سَبِيل وجوب الْعلم بِكُل أَمر تَوَاتر الْخَبَر عَنهُ واستوى فِيهِ طرفا الْخَبَر ووسطه وَفِي رجوعنا إِلَى أَنْفُسنَا ووجودنا إِيَّاهَا غير عَالِمَة بذلك فِي جملَة وَلَا فِي تَفْصِيل فضلا عَن أَن تكون مضطرة دَلِيل على كذبهمْ فِي هَذِه الدَّعْوَى
فَإِن قَالُوا لَو لم تكن هَذِه الضَّرُورَة صَحِيحَة ثَابِتَة لكَانَتْ الْيَهُود الْيَوْم كَاذِبَة فِي قَوْلهم إِنَّهُم مضطرون إِلَى الْعلم بِصِحَّة هَذِه الضَّرُورَة الَّتِي أخْبرهُم بحصولها سلفهم وَكَذَلِكَ أَيْضا سلفهم قد كذبُوا وَسلف سلفهم فِي دَعوَاهُم الْعلم بِهَذِهِ الضَّرُورَة وكذبوا فِي نقلهَا وَفِي الْإِخْبَار عَنْهَا وَلَو جَازَ ذَلِك عَلَيْهِم لجَاز أَن يكون كل مَا نقلوه كذبا ولجاز مثل ذَلِك على سَائِر الْأُمَم وعَلى نقلة الْبلدَانِ والأمصار وَهَذَا يبطل التَّوَاتُر رَأْسا
стр. 185
يُقَال لَهُم وَلَو كَانَت هَذِه الضَّرُورَة الَّتِي تدعونها صَحِيحَة ثَابِتَة وَقد سمع الْمُسلمُونَ بنقلها كَمَا سَمِعْتُمْ لوَجَبَ أَن يَكُونُوا مضطرين إِلَى الْعلم بِصِحَّتِهَا وَأَن تكون حَالهم فِي الْعلم بذلك كحالهم وَلَو كَانَ ذَلِك كَذَلِك لوَجَبَ أَن يكون الْمُسلمُونَ مَعَ كَثْرَة عَددهمْ وَامْتِنَاع التراسل والتشاعر عَلَيْهِم قد كذبُوا فِي قَوْلهم إِنَّا غير عَالمين بذلك وَلَا مضطرين إِلَيْهِ لأَنهم عنْدكُمْ مضطرون إِلَيْهِ وَلَو جَازَ عَلَيْهِم الْكَذِب على انفسهم فِي جحد مَا هم إِلَى الْعلم بِهِ مضطرون لجَاز عَلَيْهِم الْكَذِب على غَيرهم ولجاز أَن يَكُونُوا كذبة فِي سَائِر مَا نقلوه ولجاز مثل الْجَائِز عَلَيْهِم على سَائِر الْأُمَم من أهل الْملَل ونقلة الْبلدَانِ وَهَذَا يبطل التَّوَاتُر جملَة فَإِن مروا على ذَلِك تركُوا دينهم وَإِن أَبوهُ أبطلوا دَعوَاهُم
وَمِمَّا يدل على كذب هَذِه الدَّعْوَى أننا لَا نعلم ضَرُورَة أَن مُوسَى قَالَ هَذَا القَوْل جملَة أَعنِي مَا ادعوهُ عَلَيْهِ من قَوْله هَذِه الشَّرِيعَة لكم لَازِمَة مَا دَامَت السَّمَاوَات وَالْأَرْض فضلا عَن أَن يعلم مُرَاده بِهِ لِأَن الْعلم بمراده بالْقَوْل هُوَ فرع للْعلم بِوُجُود القَوْل وَنحن فَلَا نعلم أَنه قَالَ هَذَا القَوْل جملَة فَكيف يدعى علينا الْعلم بمراده ضَرُورَة
وَيُقَال لَهُم قد زعم أَكثر الْيَهُود وَمن يعْتَمد عَلَيْهِ فِي المناظرة والمدافعة أَن الَّذِي نقل عَن مُوسَى ﵇ فِي هَذَا الْبَاب هُوَ أَنه قَالَ إِن أطعتموني فِيمَا أَمرتكُم بِهِ ونهيتكم عَنهُ ثَبت ملككم كَمَا
стр. 186
ثبتَتْ السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا ذكر النّسخ وَلَا أَن الشَّرِيعَة لَا تنسخ وَلَا أَنه لَا نَبِي بعده ينسخها وَلَا أَنَّهَا مُؤَبّدَة عَلَيْكُم ولازمة لكم مَا دَامَت السَّمَاوَات وَلَا شَيْء من هَذِه الْأَلْفَاظ وكل مَا يَدعُونَهُ من هَذَا أباطيل ومقابلات لِلنَّصَارَى وَالْمُسْلِمين وأستعارة لكلامهم وَأَلْفَاظهمْ
وَلَيْسَ فِي قَوْله إِن أطعتموني فِيمَا أَمرتكُم بِهِ ونهيتكم عَنهُ دَلِيل على أَن الشَّرِيعَة الَّتِي أَمر بِطَاعَتِهِ فِي الْعَمَل بهَا لَا تنسخ لِأَن الْإِنْسَان قد يَقُول مثل هَذَا ثمَّ ينْسَخ الْعَمَل ويديم مَا ضمنه على الطَّاعَة فِيهِ قبل نسخه لِأَن الْقَائِل إِذا قَالَ إِن أطعتني فِيمَا أَمرتك ودعوتك إِلَيْهِ ثبتَتْ مكنتك عِنْدِي ودامت كرامتك لدي وَقرب مَكَانك من مَكَاني جَازَ أَن ينْسَخ الْأَمر بعد فعله وَوَجَب أَن يديم بعد نسخه مَا ضمنه وَإِنَّمَا لم يثبت ملك بني إِسْرَائِيل لأَنهم عصوه فِي أَيَّام حَيَاته وَبعد وَفَاته وحرفوا وغيروا وبدلوا فَزَالَ عِنْد ذَلِك ملكهم وَضربت عَلَيْهِم الذلة كَمَا قَالَ الله تَعَالَى فَكَانَ فيهم المسخ بالعدو فِي السبت وَغير ذَلِك من ضروب عصيانهم لَهُ فَلَا معنى لدعوى هَذِه الْأَلْفَاظ الَّتِي لَا أصل لَهَا على مُوسَى ﵇
وَمِمَّا يدل أَيْضا على تحرصهم فِي هَذِه الْأَلْفَاظ على مُوسَى ﵇ علمنَا أَنه عبراني اللِّسَان وَأَن مَا نقلوه عَنهُ بِصُورَة مَا يوردونه علينا من قَوْلهم إِن الشَّرِيعَة مُؤَبّدَة وَإِنَّهَا لَا نسخ لَهَا وَإِن الْعَمَل بهَا وَاجِب مَا دَامَت
стр. 187
السَّمَاوَات وَالْأَرْض وأمثال ذَلِك وَإِنَّمَا ينقلون كَلَام مُوسَى ويترجمونه وينقلونه من لُغَة إِلَى لُغَة ويفسرونه والغلط والتحريف يدْخل فِي النَّقْل كثيرا فَلم تجب الضَّرُورَة بِصِحَّة مَا نقلوه وفسروه وَمن ادّعى ذَلِك طُولِبَ بِأَن يذكر لفظ مُوسَى بالعبرانية وحروف لَفظه لنعرضه على أهل لغته فَإنَّك تَجِد فِيهِ من الْخلاف بَينهم أمرا عَظِيما
وَإِن هم قلبوا هَذَا وَقَالُوا مَا الَّذِي يدل عنْدكُمْ على منع نَبِي بعد نَبِيكُم ﵇ قيل لَهُم الْخَبَر الْوَارِد عَنهُ ﷺ وَهُوَ مَا نقلته كَافَّة الْأمة من قَوْله لَا نَبِي بعدِي وَقد نقلوا ذَلِك عَن سلفهم وَالْخلف عَن سلف حَتَّى يتَّصل ذَلِك بِمن شَاهد النَّبِي ﷺ أَنه أكد هَذَا القَوْل وعراه عَن كل قرينَة توجب تَخْصِيصه وقرنه بِكُل مَا أوجب الْعلم بِعُمُوم مُرَاده للنَّفْي لسَائِر الْأَنْبِيَاء بعده مِمَّن ينْسَخ شَرِيعَته وَمِمَّنْ لَا ينسخها من الْعَرَب وَغَيرهَا وَفِي عصره وَبعد وَفَاته وَإِلَى أَن يَرث الله الأَرْض وَمن عَلَيْهَا
فَإِن قَالُوا فَمثل هَذِه الدَّعْوَى بِعَينهَا حكينا لكم عَن مُوسَى عَلَيْهِ
стр. 188
السَّلَام فَلم تقبلوها فَإِن كَانَ مَا قلتموه من هَذَا حجَّة لكم فَهُوَ أَيْضا حجَّة لنا فَيُقَال لَهُم الْفرق بَين خبرنَا وخبركم الَّذِي ادعيتم على مُوسَى ثَلَاثَة أُمُور أَحدهَا أَن مَا نقمناه لكم هُوَ لفظ الرَّسُول ﷺ غير مُفَسّر وَلَا مَنْقُول بتفسير وَنقل يُمكن دُخُول الْغَلَط والتحريف فِي مثله وَلَيْسَ كَذَلِك سَبِيل خبركم لِأَنَّهُ مَنْقُول من لُغَة إِلَى لُغَة
وَالْوَجْه الآخر إِن نَبينَا ﷺ لما قَالَ (لَا نَبِي بعدِي) تَلا قَوْله تَعَالَى ﴿وَخَاتم النَّبِيين﴾ وعراه مِمَّا يُوجب تَصْدِيق نَبِي بعده وَأمر بتكذيب كل مُدع لنبوة مَعَه وَبعد مَوته وأكد ذَلِك وقرنه بِمَا تقع الضَّرُورَة عِنْده إِلَى مُرَاده ومُوسَى ﵇ قرن خَبره الَّذِي تَدعُونَهُ عَلَيْهِ بِالْأَمر لكم بِتَصْدِيق الرُّسُل بعده وَقد صدقتهم يُوشَع وحزقيل وَالْيَسع وَدَاوُد وَسليمَان وصدقت العيسوية مِنْكُم بنبوة أبي عِيسَى الْأَصْبَهَانِيّ وَأَنْتُم تنتظرون الْمَسِيح إِلَى الْيَوْم وتنتظرون رسلًا تَأْتيكُمْ إِلَى وقتنا هَذَا وَنَبِينَا ﷺ منع من ذَلِك ووقف عَلَيْهِ
стр. 189
وأكده فَبَان الْفرق بَين الْأَمريْنِ
وَالْأَمر الثَّالِث أَن الله تَعَالَى عندنَا وعندكم لَا يبطل الْحجَج بَعْضهَا بِبَعْض وَلَا يقلب الْعُلُوم وَلَا يُغير حقائق الْأُمُور فَلَو كَانَ مُوسَى قد وقفكم على منع نسخ شَرِيعَته توقيفا اضطركم بِهِ إِلَى مُرَاده وَنفي وُجُوه سَائِر الِاحْتِمَال عَنهُ لَكَانَ لَا يخبر بذلك إِلَّا عَن الله سُبْحَانَهُ وَلَو أمره الله بذلك وَوَقفه عَلَيْهِ وألزمه تَوْقِيف خلقه عَلَيْهِ وإعلامهم إِيَّاه لم يجز أَن يظْهر المعجزات على يَد من يَدْعُو إِلَى نسخهَا وتبديلها وَفِي ثُبُوت نقل الْمُسلمين لِلْقُرْآنِ وَغَيره من الْأَعْلَام وَثُبُوت الإعجاز فِيمَا نقلوه عَن نَبِيّهم بالأدلة الَّتِي نقلناها وَالنَّقْل الَّذِي يحجّ مثله دَلِيل على كذب مدعي تَوْقِيف مُوسَى ﵇ على مَا قُلْتُمْ فَهَذِهِ فروق بَين الدعوتين توضح صِحَة مَا قُلْنَاهُ وَبطلَان مَا ادعيتم
فَإِن قَالَ مِنْهُم قَائِل قد كذب الْمُسلمُونَ فِي نقل أَعْلَام مُحَمَّد ﵇ قيل لَهُم وَقد كذبت الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَيْضا فِي نقل أَعْلَام مُوسَى وكذبت نقلة الْأَمْصَار وكل طَرِيق تثبتون بِهِ أَعْلَام مُوسَى فبه وَبِمَا هُوَ أقوى مِنْهُ تثبت أَعْلَام مُحَمَّد ﷺ وَقد بَينا ذَلِك فِيمَا سلف بِمَا يُغني عَن رده
فَإِن قَالَ مِنْهُم قَائِل لسنا نعلم ضَرُورَة وَلَا غير ضَرُورَة أَن
стр. 190
مُحَمَّدًا ﷺ قَالَ إِنِّي خَاتم النَّبِيين قيل لَهُم هَذَا الْآن مِنْكُم بهت لأنكم تقرون بِالْقُرْآنِ وَأَنه من قبله ظهر وَفِي نَص التِّلَاوَة قَوْله تَعَالَى ﴿وَخَاتم النَّبِيين﴾ وَقد نقل كَافَّة الْأمة هَذَا القَوْل أَعنِي قَوْله (لَا نَبِي بعدِي) نقلا متواترا لَا يُمكن دَفعه وَثَبت من دينه وجوب قتل كل مدعي الرسَالَة بعده حَتَّى لَو سُئِلَ سَائِر أهل الْملَل والإلحاد عَن ذَلِك لعرفوه فَلَا معنى للبهت وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
بَاب الْكَلَام على محيل النّسخ مِنْهُم من جِهَة الْعقل
يُقَال لمن قَالَ ذَلِك مِنْهُم لم قُلْتُمْ هَذَا وَمَا دليلكم عَلَيْهِ فَإِن قَالُوا لِأَن أمره بالشَّيْء يَقْتَضِي كَونه مصلحَة وَالنَّهْي عَنهُ يَقْتَضِي كَونه مفْسدَة فَإِذا نَهَانَا عَمَّا أمرنَا بِهِ وَجب أَن يكون سَفِيها إِمَّا فِي أمره بِالْفَسَادِ أَو فِي نَهْيه عَن الصّلاح لِأَن مَا نهي عَنهُ بعد أمره بِهِ لَا بُد أَن يكون صلاحا أَو فَسَادًا فَلَمَّا لم يكن أَن يكون الْبَارِي سُبْحَانَهُ سَفِيها غير حَكِيم لم يجز نَهْيه عَمَّا كَانَ أَمر بِهِ يُقَال لَهُم مَا أنكرتم إِن كَانَ مَا قلتموه من ذَلِك صَحِيحا على تَسْلِيم مَا بنيتموه وَإِن كُنَّا لَا نقُول بِهِ أَن يكون ذَلِك إِنَّمَا يَقْتَضِي أَن يكون النَّهْي عَن نفس الْمَأْمُور بِهِ قبل امتثاله على وَجه أَمر بِهِ يُوجب مَا قُلْتُمْ وَأَن يكون ناهيا عَن فعل الْمصلحَة وَألا يُوجب
стр. 191
إِحَالَة نَهْيه عَن نفس مَا أَمر بِهِ إِحَالَة نَهْيه عَن مثله بعد فعله لِأَن مثله الَّذِي من سَبيله أَن يَقع بعده هُوَ غَيره وَالنَّهْي عَن غير الشَّيْء فِي غير وقته لَا يكون نهيا عَنهُ فِي وقته وَلَا جَوَاب لَهُم عَن ذَلِك
وَهَذَا الْجَواب هُوَ جوابهم على اعتلالهم فِي هَذَا الْبَاب أَن الْأَمر بالشَّيْء يَقْتَضِي كَونه طَاعَة وَالنَّهْي عَنهُ يَقْتَضِي كَونه إِذا فعل مَعْصِيّة وَالطَّاعَة لَا يجوز أَن تكون مَعْصِيّة لِأَن مثل الشَّيْء إِذا نهي عَنهُ بعد فعله فَلَيْسَ بنهي عَنهُ فَلم تصر الطَّاعَة مَعْصِيّة وَهُوَ بِعَيْنِه الْجَواب عَن اعتلالهم بِأَن نسخ الشَّرِيعَة بعد الْأَمر بهَا يُوجب كَون الْحسن قبيحا وَالْحكمَة سفها لِأَن الْأَمر بالشَّيْء يَقْتَضِي كَونه حِكْمَة حسنا صَوَابا وَالنَّهْي عَنهُ يَقْتَضِي كَونه قبيحا عَبَثا وَلَا يجوز أَن يكون الْحسن قبيحا لِأَن النَّهْي عَن مثل الْحسن الْمَأْمُور بِهِ نهي عَن غَيره وَلَيْسَ يمْتَنع أَن يكون مثل الصّلاح فِي وَقت فَسَادًا فِي وَقت آخر وَمثل الطَّاعَة فِي وَقت مَعْصِيّة فِي وَقت آخر وَمثل الْحسن فِي وَقت قبيحا فِي غَيره
أَلا ترى أَن الْأكل وَالشرب والعلاج بالكي طَاعَة حسن صَوَاب مصلحَة عِنْد الْعَطش والجوع وحدوث الْأَمْرَاض الْمُقْتَضِيَة للعلاج وَفعل ذَلِك أجمع عِنْد الشِّبَع والري وَالصِّحَّة والغنى عَن التَّدَاوِي قَبِيح وسفه ومعصية لله فَلَيْسَ يمْتَنع عِنْد جَمِيع الْعُقَلَاء أَن تكون هَذِه الْعِبَادَات السمعية نَحْو الصَّوْم وَالصَّلَاة والتوجه إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَترك الْعَمَل فِي السبت
стр. 192
مصلحَة فِي وَقت مفْسدَة فِي وَقت طَاعَة وصوابا فِي وَقت وَمثلهَا مَعْصِيّة وسفها فِي وَقت آخر وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك بَطل جَمِيع مَا يتعلقون بِهِ من هَذِه الْأُمُور
وَإِن هم قَالُوا الدَّلِيل على منع النّسخ من جِهَة الْعقل أَن الْأَمر بالشَّيْء يدل على أَنه مُرَاد لِلْأَمْرِ وَالنَّهْي عَنهُ يدل على كَرَاهَته ومحال أَن يكون المُرَاد كَونه لله سُبْحَانَهُ مَكْرُوها مَعَ كَونه لَهُ مرَادا أجِيبُوا بِمثل مَا تقدم لِأَن المُرَاد فِي وَقت هُوَ غير مثله الَّذِي يكره فِي وَقت آخر كَمَا أَن المُرَاد من الْأكل مَعَ لَهب الْجُوع غير الْمَكْرُوه مِنْهُ مَعَ البطنة والامتلاء والشبع التَّام وَلَا جَوَاب عَن ذَلِك
وَإِن قَالُوا الدَّلِيل على إِحَالَة النّسخ من جِهَة الْعقل أَنه يُوجب البداء لِأَن الْأَمر بالشَّيْء يَقْتَضِي كَونه مصلحَة واعتقاد الْأَمر بِهِ كَونه كَذَلِك وَالنَّهْي عَنهُ بعد الْأَمر بِهِ يدل على أَنه قد بدا للْآمِر وانكشف لَهُ أَن مَا كَانَ أَمر بِهِ مفْسدَة لَيْسَ بمصلحة على مَا توهمه وَذَلِكَ مُنْتَفٍ عَن الله جلّ ذكره كَانَ الْجَواب عَنهُ أَيْضا مَا تقدم وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى إِنَّمَا نهى لما نسخ شَرِيعَة مُوسَى عَن مثل مَا كَانَ أَمر بِهِ وَأَن يفعل ذَلِك فِي وَقت غير وَقت ذَلِك الْمَفْعُول الأول وَالنَّهْي عَن مثل الشَّيْء فِي وقته لَيْسَ بنهي عَنهُ
стр. 193
كَمَا أَن النَّهْي عَن الْعَمَل فِي السبت لَيْسَ بنهي عَن الْعَمَل فِي الْجُمُعَة والأحد وَالْأَمر بِالْعَمَلِ فِي الْجُمُعَة لَيْسَ بِأَمْر بِالْعَمَلِ فِي السبت
وَأَيْضًا فَإنَّا نَحن نجوز نسخ الشَّيْء قبل وَقت فعله وَقبل امتثاله وَلَا يُوجب ذَلِك البداء إِذا علم الْآمِر بِهِ أَن تبقية الْأَمر مشقة دَاعِيَة إِلَى ترك الْمُكَلف كل الْوَاجِبَات وَأَن تَخْفيف المحنة بِهِ بِالنَّهْي عَنهُ مصلحَة ولطف فِي فعل الْمُكَلف لما نفي الْأَمر بِهِ فَيكون الْأَمر بِهِ مصلحَة وإزالته قبل امتثاله مصلحَة غير أَن النَّهْي عَنهُ يتَنَاوَلهُ على غير الْوَجْه الَّذِي يتَنَاوَلهُ الْأَمر لِأَن الْأَمر بِالْفِعْلِ كَانَ أمرا بِأَن يفعل إِن بَقِي الْأَمر بِهِ وَالنَّهْي عَنهُ يرد مَعَ زَوَال الْأَمر بِهِ وَلَيْسَ ذَلِك بنهي عَنهُ مَعَ بَقَاء الْأَمر بِهِ وَالْأَمر بِفِعْلِهِ كَانَ أمرا بِهِ مَعَ بَقَائِهِ دون إِزَالَته وَقد شرحنا هَذَا الْكَلَام فِي أصُول الْفِقْه بِمَا يُغني النَّاظر فِيهِ إِن شَاءَ الله
وَيُقَال لَهُم فِي اعتلالهم فِي البداء مَا أنكرتم أَن يكون الله سُبْحَانَهُ إِذا أمات الْجِسْم بعد حَيَاته وأسقمه بعد صِحَّته وآلمه بعد إلذاذه وَغَيره عَن حَالَته فَهَذَا بدا لَهُ وَعلم أَن مَا كَانَ فعله مفْسدَة لَيْسَ
стр. 194
بمصلحة فَإِن قَالُوا الآلام وَالْعِقَاب إِنَّمَا توقع بهم بعد التفضل باللذات على سَبِيل الْجَزَاء الانتقام وَكَانَ ذَلِك هُوَ الصّلاح لَهُم لِأَنَّهُ أزْجر لَهُم عَن الْمعْصِيَة وأدعى إِلَى الطَّاعَة قيل لَهُم اعْمَلُوا على أَن ذَلِك كَمَا ادعيتم أَلَيْسَ قد كَانَ الله تَعَالَى ابتدأهم بالتفضل باللذة فَلَمَّا عصوه أبدلهم بهَا ألما وسقما على سَبِيل النقمَة فَهَل بدا لَهُ من فعل اللَّذَّة وَمثلهَا فَإِن قَالُوا أجل تركُوا دينهم وَإِن قَالُوا لَا وَلَكِن التفضل فِي وَقت باللذات أصلح لَهُم والانتقام بعد ذَلِك بالآلام على الإجرام أصلح لَهُم من اللَّذَّات قيل لَهُم فَمَا أنكرتم من مثل ذَلِك فِي الْأَمر لَهُم بالشَّيْء فِي وَقت النَّهْي عَن مثله فَيكون كَفعل الشَّيْء فِي وَقت وَترك مثله بعده
ثمَّ يُقَال لَهُم مَا تَقولُونَ أَيْضا فِي إيلام الْأَطْفَال والبهائم والمجانين بعد إلذاذهم وَنقض بنيتهم بعد صِحَّتهَا وتقطع جوارحهم بعد سلامتهم والذهاب بأسماعهم وأبصارهم أتقولون إِن ذَلِك على سَبِيل الانتقام مِنْهُم فَإِن قَالُوا أجل تركُوا قَوْلهم وَلَحِقُوا بِأَهْل التناسخ الَّذين يَقُولُونَ إِن هَذِه الْأَرْوَاح المحبوسة فِي الْبَهَائِم والأطفال قد غضب الله عَلَيْهِم ونقلهم فِي الأكوان والأدوار وَذَلِكَ ترك قَوْلهم وَإِن قَالُوا لَيْسَ تغير حالات الْأَطْفَال فِي هَذِه الْأُمُور انتقاما وَلَكِن ذَلِك على سَبِيل الْمصَالح فَقَط قيل لَهُم مثله فِي الْأَمر بالشَّيْء فِي وَقت وَالنَّهْي عَن مثله بعده
وَكَذَلِكَ يسْأَلُون عَن نقض الجماد بعد تأليفه وتربيعه بعد تسديسه وترطيبه بعد تيبيسه وتحريكه بعد تسكينه وتسويده بعد تبييضه وَغير ذَلِك من تغير
стр. 195
أَحْوَاله وأوصافه فَيُقَال لَهُم ألبداء من الله تَعَالَى واستدراك علم غير مَا فعله وَنقض مَا أَلفه وَفرق مَا جمعه وحرك مَا سكنه وَأَحْيَا مَا أَمَاتَهُ أم لَيْسَ لبداء فَإِن قَالُوا لبداء تركُوا دينهم واعتلالهم وَإِن قَالُوا لَيْسَ لبداء وَلَكِن لِأَن النَّقْض فِي وَقت مصلحَة للمكلفين والتأليف مصلحَة فِي غَيره وَكَذَلِكَ التحريك والتسكين قيل لَهُم مثله فِي الْأَمر بالشَّيْء فِي وَقت وَالنَّهْي عَن مثله فِي غَيره وَلَا جَوَاب لَهُم عَن شَيْء من ذَلِك
стр. 196
بَاب الْكَلَام على العيسوية مِنْهُم الَّذين يَزْعمُونَ أَن مُحَمَّدًا وَعِيسَى ﵉ إِنَّمَا بعثا إِلَى قومهما وَلم يبعثا بنسخ شَرِيعَة مُوسَى ﵇
يُقَال لَهُم إِذا أوجبتم تَصْدِيق مُحَمَّد وَعِيسَى ﵉ فِي قَوْلهمَا إنَّهُمَا نبيان من عِنْد الله فَمَا أنكرتم من وجوب تصديقهما فِي قولتهما إنَّهُمَا قد بعثا إِلَى كل أسود وأبيض وَأُنْثَى وَذكر وبنسخ شَرِيعَة مُوسَى وكل صَاحب شرع قبلهمَا فَإِن كَانَ قد كذبا فِي هَذَا القَوْل مَعَ ظُهُور المعجزات على أَيْدِيهِمَا فَمَا أنكرتم أَن يَكُونَا كاذبين فِي سَائِر أخبارهما وَهَذَا يبطل النُّبُوَّة جملَة فَإِن قَالُوا نَحن لَا نكذب مُحَمَّدًا وَعِيسَى ﵉ فِي هَذَا القَوْل لَو قَالَاه لِأَنَّهُمَا لَو كذبا فِي بعض مَا يخبران بِهِ عَن الله سُبْحَانَهُ لم يَكُونَا نبيين ولكننا نكذب النَّصَارَى وَالْمُسْلِمين فِي ادعائهم ذَلِك عَلَيْهِمَا فالكذب وَاقع من نَاحيَة أمتيهما وَلم يَقع من جهتهما يُقَال لَهُم إِذا جَازَ الْكَذِب على النَّصَارَى وَالْمُسْلِمين فِي هَذَا الْخَبَر الَّذِي يَدعُونَهُ على مُحَمَّد وَعِيسَى ﵉ فَلم لَا يجوز عَلَيْهِم الْكَذِب فِي جَمِيع مَا نقلوه عَنْهُمَا وَفِي نقلهم أعلامهما وَلم لَا يجوز مثل ذَلِك على الْيَهُود أَيْضا وَنَقله الْبلدَانِ وَالسير وَهَذَا يعود إِلَى إبِْطَال القَوْل بالأخبار جملَة وَفِي إطباقنا
стр. 197
وإياهم على فَسَاد مَا أدّى إِلَى ذَلِك دَلِيل على فَسَاد قَوْلهم وَصِحَّة قَول الْمُسلمين وَالنَّصَارَى فِي هَذَا الْبَاب
وَكَذَلِكَ أَيْضا يُقَال للخرمذانية الَّذين يَقُولُونَ بتواتر الرُّسُل أَلَيْسَ قد نقل من خالفكم من كَافَّة الْمُسلمين عَن نَبِيّهم أَنه قَالَ (لَا نَبِي بعدِي) وَأَنه أكد ذَلِك وقرنه بِمَا علمُوا بِهِ ضَرُورَة قَصده إِلَى نفي كل نَبِي على التَّأْبِيد وعَلى كل حَال فَإِذا قَالُوا أجل قيل لَهُم فَهَل هم عنْدكُمْ صَادِقُونَ فِي نقلهم ذَلِك أم كاذبون فَإِن قَالُوا هم صَادِقُونَ أبطلوا إِثْبَات نبوة أحد بعد مُحَمَّد ﷺ وَإِن قَالُوا قد كذبُوا فِي هَذِه الدَّعْوَى عَلَيْهِ قيل لَهُم فَمَا أنكرتم أَيْضا من أَن تَكُونُوا كاذبين فِي نقل أَعْلَامه وَمَا أنكرتم من جَوَاز الْكَذِب على الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَسَائِر نقلة الْأَعْلَام وَإِن جَازَ هَذَا جَازَ أَيْضا عَلَيْكُم الْكَذِب فِي نقلكم أَعْلَام كل نَبِي أثبتم نبوته وَبَطل أصل دينكُمْ وَلَا جَوَاب لَهُم عَن شَيْء من ذَلِك
стр. 198
بَاب الْكَلَام على المجسمة
إِن قَالَ قَائِل لم أنكرتم أَن يكون الْقَدِيم سُبْحَانَهُ جسما قيل لَهُ لما قدمْنَاهُ من قبل وَهُوَ أَن حَقِيقَة الْجِسْم أَنه مؤلف مُجْتَمع بِدَلِيل قَوْلهم رجل جسيم وَزيد أجسم من عَمْرو وعلما بِأَنَّهُم يقصرون هَذِه الْمُبَالغَة على ضرب من ضروب التَّأْلِيف فِي جِهَة الْعرض والطول وَلَا يوقعونها بِزِيَادَة شَيْء من صِفَات الْجِسْم سوى التَّأْلِيف فَلَمَّا لم يجز أَن يكون الْقَدِيم مجتمعا مؤتلفا وَكَانَ شَيْئا وَاحِدًا ثَبت أَنه تَعَالَى لَيْسَ بجسم
فَإِن قَالُوا وَمن أَيْن اسْتَحَالَ أَن يكون الْقَدِيم مجتمعا مؤتلفا قيل لَهُم من وُجُوه أَحدهَا أَن ذَلِك لَو جَازَ عَلَيْهِ لوَجَبَ أَن يكون ذَا حيّز وشغل فِي الْوُجُود وَأَن يَسْتَحِيل أَن يماس كل بعض من أَبْعَاضه وجزء من أَجْزَائِهِ غير مَا ماسه من الأبعاض وأجزاء الْجَوَاهِر أَيْضا من جِهَة مَا هما متماسان لِأَن الشَّيْء المماس لغيره لَا يجوز أَن يماسه ويماس غَيره من جِهَة وَاحِدَة
стр. 199
وَلَيْسَ يَقع هَذَا التمانع من المماسة إِلَّا للتحيز والشغل أَلا ترى أَن الْعرض الْمَوْجُود بِالْمَكَانِ إِذا لم يكن لَهُ حيّز وشغل لم يمْنَع وجوده من وجود غَيره من الْأَعْرَاض فِي مَوْضِعه وَإِذا ثَبت ذَلِك وَجب أَن تكون سَائِر الأبعاض المجتمعة ذَا حيّز وشغل وَمَا هَذِه سَبيله فَلَا بُد أَن يكون حَامِلا للأعراض وَمن جنس الْجَوَاهِر والأجسام فَلَمَّا لم يجزأن يكون الْقَدِيم سُبْحَانَهُ من جنس شَيْء من الْمَخْلُوقَات لِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لسد مسد الْمَخْلُوق وناب مَنَابه وَاسْتحق من الْوَصْف لنَفسِهِ مَا يسْتَحقّهُ مَا هُوَ مثله لنَفسِهِ فَلَمَّا لم يجب أَن يكون الْقَدِيم سُبْحَانَهُ مُحدثا والمحدث قَدِيما ثَبت أَنه لَا يجوز أَن يكون الْقَدِيم سُبْحَانَهُ مؤتلفا مجتمعا
وَيدل على ذَلِك أَيْضا أَنه لَو كَانَ الْقَدِيم سُبْحَانَهُ ذَا أبعاض مجتمعة لوَجَبَ أَن تكون أَبْعَاضه قَائِمَة بأنفسها ومحتملة للصفات وَلم يخل كل بعض مِنْهَا من أَن يكون عَالما قَادِرًا حَيا أَو غير حَيّ وَلَا عَالم وَلَا قَادر فَإِن كَانَ وَاحِد مِنْهَا فَقَط هُوَ الْحَيّ الْعَالم الْقَادِر دون سائرها وَجب أَن يكون ذَلِك الْبَعْض مِنْهُ هُوَ الْإِلَه المعبود المستوجب للشكر دون غَيره وَهَذَا يُوجب أَن تكون الْعِبَادَة وَالشُّكْر واجبين لبَعض الْقَدِيم دون جَمِيعه وَهَذَا كفر من قَول الْأمة كَافَّة وَإِن كَانَت سَائِر أَبْعَاضه عَالِمَة حَيَّة قادرة وَجب جَوَاز تفرد كل شَيْء مِنْهَا بِفعل غير فعل صَاحبه وَأَن يكون كل وَاحِد مِنْهَا
стр. 200
إِلَهًا لما فعله دون غَيره وَهَذَا يُوجب أَن يكون الْإِلَه أَكثر من اثْنَيْنِ وَثَلَاثَة على مَا تذْهب إِلَيْهِ النَّصَارَى وَذَلِكَ خُرُوج عَن قَول الْأمة وكل أمة أَيْضا وعَلى أَن ذَلِك لَو كَانَ كَذَلِك لجَاز أَن تتمانع هَذِه الأبعاض وَيُرِيد بَعْضهَا تَحْرِيك الْجِسْم فِي حَال مَا يُرِيد الآخر تسكينه فَكَانَت لَا تَخْلُو عِنْد الْخلاف والتمانع من أَن يتم مرادها أَو لَا يتم بأسره أَو يتم بعضه دون بعض وَذَلِكَ يُوجب إِلْحَاق الْعَجز بِسَائِر الأبعاض أَو بَعْضهَا وَالْحكم لَهَا بِسَائِر الْحَدث على مَا بَيناهُ فِي الدّلَالَة على إِثْبَات الْوَاحِد وَلَيْسَ يجوز أَن يكون صانع الْعَالم مُحدثا وَلَا شَيْء مِنْهُ فَوَجَبَ اسْتِحَالَة كَونه مؤلفا
فَإِن قَالُوا فَكَذَلِك فجوزوا تمانع أَجزَاء الْإِنْسَان إِذا قدر وَأَرَادَ وَتصرف كل شَيْء مِنْهَا بقدرة وَإِرَادَة غير إِرَادَة صَاحبه قيل لَهُ لَا يجب ذَلِك وَلَا يجوز أَيْضا تمانع الْحَيَّيْنِ الْمُحدثين المتصرفين بإرادتين وَإِن كَانَا متباينين لقِيَام الدَّلِيل على أَنه لَا يجوز أَن يكون مَحل فعل الْمُحدثين وَاحِدًا واستحالة تعدِي فعل كل وَاحِد مِنْهُمَا لمحل قدرته والتمانع بالفعلين لَا يَصح حَتَّى يكون مَحلهمَا وَاحِدًا فَلم يجب مَا سَأَلْتُم عَنهُ
فَإِن قَالُوا وَلم أنكرتم أَن يكون الْبَارِي سُبْحَانَهُ جسما لَا كالأجسام كَمَا أَنه عنْدكُمْ شَيْء لَا كالأشياء قيل لَهُ لِأَن قَوْلنَا شَيْء لم يبن لجنس دون جنس وَلَا لإِفَادَة التَّأْلِيف فَجَاز وجود شَيْء لَيْسَ بِجِنْس من أَجنَاس
стр. 201
الْحَوَادِث وَلَيْسَ بمؤلف وَلم يكن ذَلِك نقضا لِمَعْنى تَسْمِيَته بِأَنَّهُ شَيْء وَقَوْلنَا جسم مَوْضُوع فِي اللُّغَة للمؤلف دون مَا لَيْسَ بمؤلف كَمَا أَن قَوْلنَا إِنْسَان ومحدث اسْم لما وجد من عدم وَلما لَهُ هَذِه الصُّورَة دون غَيرهَا فَكَمَا لم يجز أَن نثبت الْقَدِيم سُبْحَانَهُ مُحدثا لَا كالمحدثات وإنسانا لَا كالناس قِيَاسا على أَنه شَيْء لَا كالأشياء لم يجز أَن نثبته جسما لَا كالأجسام لِأَنَّهُ نقض لِمَعْنى الْكَلَام وَإِخْرَاج لَهُ عَن مَوْضُوعه وَفَائِدَته
فَإِن قَالُوا فَمَا أنكرتم من جَوَاز تَسْمِيَته جسما وَإِن لم يكن بِحَقِيقَة مَا وضع لَهُ هَذَا الِاسْم فِي اللُّغَة قيل لَهُم أَنْكَرْنَا ذَلِك لِأَن هَذِه التَّسْمِيَة لَو ثبتَتْ لم تثبت لَهُ إِلَّا شرعا لِأَن الْعقل لَا يقتضيها بل ينفيها إِن لم يكن الْقَدِيم سُبْحَانَهُ مؤلفا وَلَيْسَ فِي شَيْء من دَلَائِل السّمع من الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة وَمَا يسْتَخْرج من ذَلِك مَا يدل على وجوب هَذِه التَّسْمِيَة وَلَا على جَوَازهَا أَيْضا فَبَطل مَا قلتموه
فَإِن قَالُوا وَلم منعتم من جَوَاز ذَلِك وَإِن لم توجبوه قيل لَهُم أما الْعقل فَلَا يمْنَع وَلَا يحرم وَلَا يحِيل إِيقَاع هَذِه التَّسْمِيَة عَلَيْهِ تَعَالَى وَإِن أحَال مَعْنَاهَا فِي اللِّسَان وَإِنَّمَا تحرم تَسْمِيَته بِهَذَا الِاسْم وَبِغَيْرِهِ مِمَّا لَيْسَ بأسمائه لأجل حظر السّمع لذَلِك لِأَن الْأمة مجمعة على حظر تَسْمِيَته عَاقِلا وفطنا وَإِن كَانَ بِمَعْنى من يسْتَحق هَذِه التَّسْمِيَة لِأَنَّهُ عَالم وَلَيْسَ الْعقل
стр. 202
وَالْحِفْظ والفطنة والدراية شَيْئا أَكثر من الْعلم وإجازة وَصفه وتسميته بِأَنَّهُ نور وَأَنه ماكر ومستهزىء وساخر من جِهَة السّمع وَإِن كَانَ الْعقل يمْنَع من مَعَاني هَذِه الْأَسْمَاء فِيهِ فَدلَّ ذَلِك على أَن المراعي فِي تَسْمِيَته مَا ورد بِهِ الشَّرْع وَالْإِذْن دون غَيره وَفِي الْجُمْلَة فَإِن الْكَلَام إِنَّمَا هُوَ فِي الْمَعْنى دون الِاسْم فَلَا طائل فِي التعلل والتعلق بالْكلَام فِي الْأَسْمَاء
فَإِن قَالَ قَائِل مَا أنكرتم أَن يكون جسما على معنى أَنه قَائِم بِنَفسِهِ أَو بِمَعْنى أَنه شَيْء أَو بِمَعْنى أَنه حَامِل للصفات أَو بِمَعْنى أَنه غير مُحْتَاج فِي الْوُجُود إِلَى شَيْء يقوم بِهِ قيل لَهُ لَا ننكر أَن يكون الْبَارِي سُبْحَانَهُ حَاصِلا على جَمِيع هَذِه الْأَحْكَام والأوصاف وَإِنَّمَا ننكر تسميتكم لمن حصلت لَهُ بِأَنَّهُ جسم وَإِن لم يكن مؤلفا فَهَذَا عندنَا خطأ فِي التَّسْمِيَة دون الْمَعْنى لِأَن معنى الْجِسْم أَنه الْمُؤلف على مَا بَيناهُ وَمعنى الشَّيْء أَنه الثَّابِت الْمَوْجُود وَقد يكون جسما إِذا كَانَ مؤلفا وَيكون جوهرا إِذا كَانَ جُزْءا مُنْفَردا وَيكون عرضا إِذا كَانَ مِمَّا يقوم بالجوهر وَمعنى الْقَائِم بِنَفسِهِ هُوَ أَنه غير مُحْتَاج فِي الْوُجُود إِلَى شَيْء يُوجد بِهِ وَمعنى ذَلِك أَنه مِمَّا يَصح لَهُ الْوُجُود وَإِن لم يفعل صانعه شَيْئا غَيره إِذا كَانَ مُحدثا وَيصِح وجوده وَإِن لم يُوجد قَائِم بِنَفسِهِ سواهُ إِذا كَانَ قَدِيما وَلَيْسَ هَذَا من معنى قَوْلنَا جسم ومؤلف بسبيل فَبَطل مَا قُلْتُمْ
стр. 203
فَإِن قَالُوا مَا أنكرتم أَن يكون معنى جسم وَمعنى قَائِم بِنَفسِهِ وَغير قَائِم بِغَيْرِهِ وَمعنى أَنه حَامِل للصفات هُوَ معنى أَنه شَيْء لِأَنَّهُ لَو لم يكن معنى جسم وَمعنى قَائِم بِنَفسِهِ وَغير قَائِم بِغَيْرِهِ وَمعنى أَنه حَامِل للصفات هُوَ معنى شَيْء لجَاز وجود شَيْء حَامِل للصفات لَيْسَ بِشَيْء وقائم بِنَفسِهِ وَغير قَائِم بِغَيْرِهِ وَلَيْسَ بجسم وَلَو جَازَ ذَلِك لجَاز وجود جسم لَيْسَ بِشَيْء وَلَا قَائِم بِنَفسِهِ وَلَا حَامِل للصفات فَلَمَّا لم يجز ذَلِك وَجب أَن يكون معنى الْجِسْم مَا قُلْنَاهُ يُقَال لَهُم لَو كَانَ هَذَا الْعَكْس الَّذِي عكستموه صَحِيحا وَاجِبا لوَجَبَ أَن يكون معنى مَوْجُود مُحدث مؤلف مركب حَامِل للأغراض معنى لِأَنَّهُ لَو لم يكن ذَلِك كَذَلِك لجَاز وجود شَيْء لَيْسَ بموجود وَلَا مُحدث وَلَا مؤلف وَلَا مركب وَلَا حَامِل للأعراض وَلَا قَائِم بِنَفسِهِ وَلَو جَازَ ذَلِك لجَاز وجود مُحدث قَائِم بِنَفسِهِ مركب مؤلف حَامِل للصفات لَيْسَ بِشَيْء وَلَا مَوْجُود فَلَمَّا لم يجز ذَلِك ثَبت أَن معنى شَيْء غير معنى مُحدث مؤلف حَامِل للأعراض فَإِن لم يجب هَذَا لم يجب مَا قلتموه
مَسْأَلَة
وَيُقَال لَهُم مَا الدَّلِيل على أَن صانع الْعَالم جسم فَإِن قَالُوا لأننا لم نجد فِي الشَّاهِد والمعقول فَاعِلا إِلَّا جسما فَوَجَبَ الْقَضَاء بذلك على
стр. 204
الْغَائِب قيل لَهُم فَيجب على مَوْضُوع استدلالكم هَذَا أَن يكون الْقَدِيم سُبْحَانَهُ مؤلفا مُحدثا مصورا ذَا حيّز وَقبُول للأعراض لأنكم لم تَجدوا فِي الشَّاهِد وتعقلوا فَاعِلا إِلَّا كَذَلِك فَإِن مروا على ذَلِك تركُوا قَوْلهم وفارقوا التَّوْحِيد وَأَن أَبوهُ نقضوا استدلالهم
стр. 205
بَاب الْكَلَام فِي الصِّفَات
فَإِن قَالَ قَائِل وَلم قُلْتُمْ إِن للقديم تَعَالَى حَيَاة وعلما وقدرة وسمعا وبصرا وكلاما وَإِرَادَة قيل لَهُ من قبل أَن الْحَيّ الْعَالم الْقَادِر منا إِنَّمَا كَانَ حَيا عَالما قَادِرًا متكلما مرِيدا من أجل أَن لَهُ حَيَاة وعلما وقدرة وكلاما وسمعا وبصرا وَإِرَادَة وَأَن هَذَا فَائِدَة وَصفه بِأَنَّهُ حَيّ عَالم قَادر مُرِيد يدل على ذَلِك أَن الْحَيّ منا لَا يجوز أَن يكون حَيا عَالما قَادِرًا مرِيدا مَعَ عدم الْحَيَاة وَالْعلم وَالْقُدْرَة وَلَا تُوجد بِهِ هَذِه الصِّفَات إِلَّا وَجب بوجودها بِهِ أَن يكون حَيا عَالما قَادِرًا فَوَجَبَ أَنَّهَا عِلّة فِي كَونه كَذَلِك كَمَا وَجب أَن تكون عِلّة كَون الْفَاعِل فَاعِلا والمريد مرِيدا وجود فعله وإراداته الَّتِي يجب كَونه فَاعِلا مرِيدا لوجودها وَغير فَاعل مُرِيد بعدمها فَوَجَبَ أَن يكون الْبَارِي سُبْحَانَهُ ذَا حَيَاة وَعلم وقدرة وَإِرَادَة وَكَلَام وَسمع وبصر وَأَنه لَو لم يكن لَهُ شَيْء من هَذِه الصِّفَات لم يكن حَيا وَلَا عَالما وَلَا قَادِرًا وَلَا مرِيدا وَلَا متكلما وَلَا سميعا وَلَا بَصيرًا يتعالى عَن ذَلِك
стр. 206
كَمَا أَنه لَو لم يكن لَهُ إِرَادَة وَفعل لم يكن عندنَا وَعِنْدهم فَاعِلا مرِيدا لِأَن الحكم الْعقلِيّ الْوَاجِب عَن عِلّة لَا يجوز حُصُوله لبَعض من هُوَ لَهُ مَعَ عدم الْعلَّة الْمُوجبَة لَهُ وَلَا لأجل شَيْء يُخَالِفهَا لِأَن ذَلِك يُخرجهَا عَن أَن تكون عِلّة الحكم
دَلِيل آخر
وَمِمَّا يدل أَيْضا على إِثْبَات علم الله تَعَالَى وَقدرته مَا ظهر من أَفعاله الدَّالَّة على كَونه عَالما قَادِرًا وَأَنه مفارق للجاهل الْعَاجِز وَقد ثَبت أَن الْفِعْل الدَّال على كَون الْفَاعِل عَالما قَادِرًا لَا بُد لَهُ من تعلق بمدلول وَأَن مَدْلُوله لَا يجوز أَن يكون نفس الْفَاعِل ووجوده وَلَا صفة ترجع إِلَى نَفسه من حَيْثُ ثَبت أَن معنى وَصفه بِأَنَّهُ عَالم قَادر زَائِد على وَصفه بِأَنَّهُ شَيْء مَوْجُود وَأَن الْوَصْف لَهُ بِأَنَّهُ عَالم قَادر قد يَنْتَفِي عَنهُ مَعَ وجود نَفسه وَكَونه شَيْئا مَوْجُودا فَوَجَبَ اخْتِلَاف معنى هَذِه الْأَوْصَاف
وَكَذَلِكَ لَا يجوز أَن تكون دلَالَة الْفِعْل على أَن الْفَاعِل عَالم قَادر دلَالَة على صفة ترجع إِلَى نَفسه لأمرين أَحدهمَا أَن ذَلِك لَو كَانَ كَذَلِك لوَجَبَ أَلا تُوجد نفس الْعَالم الْقَادِر إِلَّا عَالِمَة قادرة وَألا يَنْتَفِي عَنهُ هَذَانِ الوصفان إِلَّا بِانْتِفَاء نَفسه وبطلانها كَمَا أَن السوَاد الَّذِي هُوَ سَواد لنَفسِهِ يجب أَلا تعلم نَفسه وتوجد إِلَّا وَهِي
стр. 207
سَواد وَألا يَنْتَفِي عَنهُ الْوَصْف بِأَنَّهُ سَواد إِلَّا بِانْتِفَاء نَفسه فَلم يجز لذَلِك أَن تكون دلَالَة الْفِعْل على أَن الْفَاعِل عَالم قَادر دلَالَة على صفة ترجع إِلَى نَفسه
وَالْأَمر الآخر أَن ذَلِك لَو كَانَ كَذَلِك لوَجَبَ أَن تكون نفس الْعَالم علما كَمَا أَن الْأسود إِذا كَانَ أسود لنَفسِهِ وَجب أَن تكون نَفسه سوادا وَلما اسْتَحَالَ أَن تكون نفس الْعَالم الْقَادِر الْقَدِيم والمحدث علما اسْتَحَالَ أَن تكون دلَالَة الْفِعْل على أَنه عَالم دلَالَة على نَفسه ووجوده أَو على صفة ترجع إِلَى نَفسه وَإِذا ثَبت ذَلِك وَجب أَن يكون مَدْلُول الْفِعْل ومتعلقه هُوَ الْعلم وَالْقُدْرَة
دَلِيل آخر
وَيدل على ذَلِك أَيْضا أَنه إِذا صَحَّ وَثَبت أَنه لَيْسَ معنى أَن الْعَالم عَالم والقادر قَادر أَكثر من أَنه ذُو علم وقدرة وَمن وجود هَاتين الصفتين بِهِ وَأَنه لَيْسَ لَهُ بِكَوْنِهِ عَالما قَادِرًا صفتان وحالتان منفصلتان عَن الْعلم وَالْقُدْرَة أَو فِي حكم الْمُنْفَصِل عَن ذَلِك وَجب أَن تكون دلَالَة الْفِعْل على أَن الْعَالم الْقَادِر عَالم قَادر دلَالَة على علمه وَقدرته كَمَا أَنه إِذا ثَبت أَنه لَيْسَ معنى الْأسود الْفَاعِل أَكثر من وجود السوَاد بِهِ وَوُقُوع الْفِعْل مِنْهُ وَجب أَن تكون الدّلَالَة على أَنه أسود فَاعل دلَالَة على وجود السوَاد بِهِ فَقَط وَوُقُوع الْفِعْل مِنْهُ
стр. 208
بَاب الْكَلَام فِي الْأَحْوَال على أبي هَاشم
فَإِن قَالَ قَائِل مَا أنكرتم أَن تكون دلَالَة الْفِعْل على أَن فَاعله عَالم قَادر دلَالَة على حَال لَهُ فَارق بهَا من لَيْسَ بعالم وَلَا قَادر قيل لَهُ أَنْكَرْنَا ذَلِك لِأَن هَذِه الْحَال لَا تَخْلُو أَن تكون مَعْلُومَة أَو غير مَعْلُومَة فَإِن كَانَت غير مَعْرُوفَة وَلَا مَعْلُومَة فَلَا سَبِيل إِلَى مَعْرفَتهَا وَالدّلَالَة عَلَيْهَا وَالْعلم بِأَنَّهَا لزيد دون عَمْرو وَلِأَن مَا لَيْسَ بِمَعْلُوم لَا يَصح قيام دَلِيل عَلَيْهِ وَلَا أَن يعلم اضطرارا وَلَا أَن يعلم أَنه لزيد دون عَمْرو لِأَن الْعلم بِأَن الْحَال حَال لفُلَان دون فلَان فرع للْعلم بِهِ وَكَذَلِكَ الْعلم بِأَنَّهَا مَعْلُومَة بالاستدلال دون الِاضْطِرَار فرع للْعلم بهَا جملَة فَإِذا اسْتَحَالَ الْعلم بهَا جملَة اسْتَحَالَ الْعلم بِأَنَّهَا لفُلَان دون فلَان وَأَنَّهَا مَعْلُومَة باستدلال دون اضطرار وَقَوْلهمْ بعد هَذَا إِن نفس من لَهُ الْحَال مَعْلُومَة على الْحَال كَلَام متهافت محَال لِأَنَّهُ إِذا اسْتَحَالَ أَن تكون الْحَال مَعْلُومَة اسْتَحَالَ أَن يعلم أَن النَّفس على الْحَال وَأَن الْحَال حَال لَهَا دون غَيرهَا وَوَجَب أَن يكون الْعلم علما بِالنَّفسِ فَقَط دون الْحَال واستحال قَوْلهم إِن الْعلم علم بِالنَّفسِ على الْحَال
وَيدل على فَسَاد هَذَا الْكَلَام أَنه لَا يَخْلُو الْعلم بِأَن النَّفس على الْحَال من أَن يكون علما بِالنَّفسِ فَقَط دون الْحَال أَو علما بِالْحَال فَقَط دون النَّفس أَو علما بهما جَمِيعًا أَو علما لَا بِالنَّفسِ وَلَا بِالْحَال فَإِن كَانَ علما لَا
стр. 209
لَا بِالنَّفسِ وَلَا بِالْحَال فَذَلِك محَال من قَوْلنَا جَمِيعًا وَإِن كَانَ علما بِالنَّفسِ دون الْحَال فَذَلِك محَال وَمُوجب لِأَن يكون الْعلم بِالنَّفسِ أَنَّهَا نفس علما بِالْحَال وَأَن يكون علم كل من علم ذَات من لَهُ الْحَال ووجوده علم اخْتِصَاصه بِتِلْكَ الْحَال وَذَلِكَ محَال وَإِن كَانَ الْعلم بِأَن النَّفس على الْحَال علما بِالْحَال فَقَط فقد ثَبت أَن الْحَال مَعْلُومَة وَإِن كَانَ الْعلم بذلك علما بِالنَّفسِ وَالْحَال فقد وَجب أَن يَكُونَا معلومين جَمِيعًا وَأَن تكون الْحَال مَعْلُومَة كَمَا أَن النَّفس مَعْلُومَة وَأَن تكون النَّفس وَالْحَال فِي حكم معلومين لِأَنَّهُ قد يَصح الْعلم بِالنَّفسِ مَعَ عدم الْعلم بِالْحَال وَعدم الْعلم بِأَن النَّفس على تِلْكَ الْحَال كَمَا يَصح الْعلم بزيد دون عَمْرو وَهَذَا يبطل قَوْلهم إِن الْحَال غير مَعْلُومَة
فَإِن كَانَت هَذِه الْحَال مَعْلُومَة وَجب أَن تكون إِمَّا مَوْجُودَة أَو مَعْدُومَة فَإِن كَانَت مَعْدُومَة اسْتَحَالَ أَن توجب حكما وَأَن تتَعَلَّق بزيد دون عَمْرو وبالقديم دون الْمُحدث وَإِن كَانَت مَوْجُودَة وَجب أَن تكون شَيْئا وَصفَة مُتَعَلقَة بالعالم وَهَذَا قَوْلنَا الَّذِي نَذْهَب إِلَيْهِ وأنما يحصل الْخلاف فِي الْعبارَة وَفِي تَسْمِيَة هَذَا الشَّيْء علما أَو حَالا وَلَيْسَ هَذَا بِخِلَاف فِي الْمَعْنى فَوَجَبَ صِحَة مَا نَذْهَب إِلَيْهِ فِي إِثْبَات الصِّفَات
وعَلى أَن هَذِه الْحَال على أصل الْقَائِل بهَا تَقْتَضِي إِثْبَات أَحْوَال لَا
стр. 210
غَايَة لَهَا لِأَنَّهَا تَخْلُو أَن تكون حَالا لمن هِيَ حَال لَهُ ومختصة بِهِ لِأَنَّهَا حَال فَقَط أَو لِأَنَّهَا على حَال اقْتَضَت كَونهَا حَالا لمن هِيَ حَال لَهُ فَإِن كَانَت حَالا لَهُ لِأَنَّهَا حَال فَقَط وَجب أَن يكون كل حَال حَالا لَهُ وَإِن كَانَت حَالا لَهُ بحصولها على حَال أُخْرَى فَتلك الْحَال يجب أَن تكون حَالا للْحَال بِحَال ثَالِثَة أبدا إِلَى غير غَايَة وَذَلِكَ محَال بِاتِّفَاق فَسقط مَا قَالُوهُ وَإِن كَانَت الْحَال حَالا لَهُ لنَفسِهِ وثبوته لم تكن نَفسه بِأَن توجب كَون الْحَال حَالا لَهَا أولى من سَائِر الْأَنْفس ولوجب أَيْضا أَلا تُوجد نَفسه إِلَّا وَهِي مُوجبَة لتِلْك الْحَال وَفِي اتفاقنا على أَن نفس من لَهُ الْحَال قد تُوجد غير مُوجبَة لذَلِك دَلِيل على أَنَّهَا لَا تجب إِذا وَجَبت لَهُ نَفسه
فَإِن قَالُوا الْحَال حَال من هِيَ حَال لَهُ لَا لنَفسِهِ وَلَا لعِلَّة وَلَا لحَال هُوَ عَلَيْهَا وَلَا لأمر يجب الْعلم بِهِ وَكَذَلِكَ كل حكم مَوْصُوف فَارق غَيره لصفة هُوَ عَلَيْهَا قيل لَهُم فَمَا أنكرتم أَيْضا أَن يكون الْعَالم مفارقا لمن لَيْسَ بعالم لنَفسِهِ لَا لنَفسِهِ وَلَا لعِلَّة وَلَا لحَال هُوَ عَلَيْهَا وَلَا لأمر يجب الْعلم بِهِ وَكَذَلِكَ حكم المتلون والمتحرك وكل
стр. 211
مَوْصُوف بِصفة فَارق بهَا غَيره بِصفة وَهَذَا يؤول إِلَى إبِْطَال سَائِر الْأَعْرَاض وَفِي فَسَاد ذَلِك دَلِيل على بطلَان مَا يذهبون إِلَيْهِ فِي تَصْحِيح الْأَحْوَال وَإِثْبَات الصِّفَات الَّتِي خبرنَا عَن ثُبُوتهَا
وَيدل على إِثْبَات علم الله وَقدرته من نَص كِتَابه قَوْله ﴿أنزلهُ بِعِلْمِهِ﴾ وَقَوله ﴿وَمَا تحمل من أُنْثَى وَلَا تضع إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ وَقَوله ﴿أولم يرَوا أَن الله الَّذِي خلقهمْ هُوَ أَشد مِنْهُم قُوَّة﴾ وَالْقُوَّة هِيَ الْقُدْرَة فَأثْبت لنَفسِهِ الْعلم وَالْقُدْرَة
شُبْهَة لَهُم فِي نفي الْعلم
يُقَال لَهُم مَا أنكرتم أَن يكون لله سُبْحَانَهُ علم بِهِ علم فَإِن قَالُوا لِأَنَّهُ لَو كَانَ لَهُ علم لوَجَبَ أَن يكون عرضا حَادِثا وغيرا لَهُ وَحَالا فِيهِ وَغير مُتَعَلق بمعلومين على سَبِيل التَّفْصِيل وَأَن يكون وَاقعا عَن ضَرُورَة أَو اسْتِدْلَال وَأَن يكون مِمَّا لَهُ ضد يَنْفِيه لِأَن كل علم عَقَلْنَاهُ ثَبت لعالم بِهِ فِي الشَّاهِد الْمَعْقُول فَهَذِهِ سَبيله وَإِثْبَات علم على خلاف مَا ذَكرْنَاهُ قَول لَا يعقل وَخُرُوج عَن حكم الشَّاهِد والمعقول وَذَلِكَ بَاطِل بِاتِّفَاق قيل لَهُم وَلم زعمتم أَن الْقَضَاء بِخِلَاف الشَّاهِد والوجود محَال وَأَن الشَّاهِد والوجود دَلِيل على مَا وصفتم فَلَا يَجدونَ فِي ذَلِك مُتَعَلقا
وَيُقَال
стр. 212
لَهُم مَا أنكرتم على اعتلالكم من اسْتِحَالَة وجود إِنْسَان لَا من نُطْفَة وطائر لَا من بَيْضَة وبيضة لَا من طَائِر وفاعل فعل الْأَجْسَام لِأَن ذَلِك أجمع مِمَّا لم يُوجد وَيعْقل فِي الشَّاهِد وَهَذَا لُحُوق بِأَهْل الدَّهْر
وَيُقَال لَهُم فأحيلوا حَيا عَالما قَادِرًا لنَفسِهِ لأنكم لم تَجدوا ذَلِك فِي الشَّاهِد
ثمَّ يُقَال لَهُم فَمَا أنكرتم على اعتلالكم أَلا يَصح كَون صانع الْعَالم جلّ ذكره عَالما لِأَن الْعَالم فِي الشَّاهِد والمعقول وكل منا أَثْبَتْنَاهُ عَالما فِي شاهدنا لَا يكون إِلَّا جسما مُحدثا متحيزا حَامِلا للأعراض مؤتلفا متغايرا ومتبعضا ومضطرا ومستدلا وَلَا بُد أَن يكون ذَا قلب ورطوبة وَأَن لَا يكون الله سُبْحَانَهُ شَيْئا مَوْجُودا لِأَن الشَّيْء الْمَعْقُول لَا يخرج عَن أَن يكون جسما أَو جوهرا أَو عرضا فَإِن مروا على ذَلِك تجاهلوا وَتركُوا التَّوْحِيد وَإِن أَبوهُ تركُوا تعلقهم بِمُجَرَّد الشَّاهِد والوجود
فَإِن قَالُوا لَيْسَ عِلّة كَون الْعَالم عَالما مَا وصفتم وَلَا حَده وَلَا معنى كَونه عَالما أَنه جسم أَو ذُو قلب أَو مستدل أَو مُضْطَر قيل لَهُم وَكَذَلِكَ فَلَيْسَ عِلّة كَون الْعلم علما مَا وصفتم وَلَا حَده وَلَا معنى كَونه علما أَنه مُحدث عرض غير الْعَالم وَحَال فِيهِ واستحالة تعلقه بمعلومين وَأَنه ضَرُورَة أَو اسْتِدْلَال لِأَنَّهُ قد يشركهُ فِي جَمِيع هَذِه الْأَوْصَاف مَا لَيْسَ بِعلم لِأَن الْحَرَكَة لَا تتَعَلَّق بمعلومين وَتَقَع اضطرارا أَو اكتسابا وَهِي عرض مُحدث غير الْعَالم وَلَيْسَت من الْعلم بسبيل فحاز لذَلِك إِثْبَات علم على خلاف صفة مَا ذكرْتُمْ كَمَا جَازَ ذَلِك فِي الشَّيْء والعالم
стр. 213
ثمَّ يُقَال لَهُم فَإِن كُنْتُم على الشَّاهِد تعتمدون وَعَلِيهِ تعولون فأوجبوا إِذا كَانَ الْبَارِي سُبْحَانَهُ عَالما أَن يكون ذَا علم وَهَذَا أوجب لِأَنَّهُ غير منتقض من أحد طَرفَيْهِ لِأَن كل عَالم منا فَهُوَ ذُو علم وكل ذِي علم فَهُوَ عَالم وَلَيْسَ كل مُحدث عرضا غير الْعَالم وَحَالا فِي قلب وَمِمَّا يَسْتَحِيل تعلقه بمعلومين على وَجه التَّفْصِيل فَهُوَ علم فَإِن جَازَ إِثْبَات عَالم لَيْسَ بِذِي علم وَإِن كَانَ ذَلِك خلاف الْمَعْقُول جَازَ أَيْضا إِثْبَات علم لَيْسَ بِعرْض مُحدث حَال غير الْعَالم وَإِن كَانَ ذَلِك خلاف الْمَعْرُوف فِي الشَّاهِد والوجود
وَإِن هم قَالُوا هَذِه الْأَوْصَاف هِيَ شُرُوط فِي كَون الْعلم علما وَلَيْسَت بعلة لكَونه علما وَلَا حدا لَهُ
قيل لَهُم لم قُلْتُمْ ذَلِك فَلَا يَجدونَ إِلَى تَصْحِيح ذَلِك سَبِيلا إِلَّا بِأَنَّهُم لم يَجدوا علما يَنْفَكّ من ذَلِك فَيُقَال لَهُم فَمَا أنكرتم أَيْضا أَن يكون جَمِيع مَا عارضناكم بِهِ فِي الْعَالم من شُرُوط كَونه عَالما وَإِن لم يكن من حَده وَلَا معنى وَصفه أَنه عَالم وَلَا من عِلّة كَونه عَالما بِدلَالَة أَنا لم نجد وَلم نعقل بَيْننَا إِلَّا كَذَلِك
وَإِن قَالُوا فَمن أَيْن نعلم أَن الصّفة شَرط فِي اسْتِحْقَاق صفة أُخْرَى وَهل طَرِيق هَذَا إِلَّا أَنا لم نجد أحد الوصفين مُسْتَحقّا إِلَّا مَعَ وجود
стр. 214
الآخر وثبوته قيل لَهُ لَيْسَ الْأَمر على مَا ظننته
لِأَنَّهُ لَو كَانَ الدَّلِيل على أَن الصّفة شَرط فِي اسْتِحْقَاق صفة أُخْرَى مَا ذكرْتُمْ لوَجَبَ أَن نقضي على أَن من شَرط الْعَالم الْمَوْجُود الْقَائِم بِنَفسِهِ أَن يكون جوهرا قَابلا للأعراض ذَا حيّز فِي الْوُجُود
ثمَّ إِنَّا لم نجد عَالما فِي الشَّاهِد إِلَّا جوهرا متحيزا فِي الْوُجُود قَابلا للأعراض وَهَذَا يبطل التَّوْحِيد
وَإِنَّمَا الْمُعْتَمد فِي هَذَا الْبَاب هُوَ أَن يُقَال إِنَّه إِنَّمَا يعلم أَن وجود الصّفة شَرط فِي اسْتِحْقَاق صفة أُخْرَى إِذا علمنَا أَن وجود إِحْدَى الصفتين مَعَ عدم الْأُخْرَى الَّتِي جعلت شرطا فِيهَا مؤد إِلَى ضرب من الْمحَال والجهالات وقلب الْحَقَائِق والدلالات وَمَا قد دلّ الْعقل على فَسَاده وَأَن الضَّرُورَة تقضي بإبطاله
وَذَلِكَ كوصف المتحرك بِأَنَّهُ متحرك بِكَوْنِهِ مَوْجُودا وَوصف الْعَالم بِأَنَّهُ عَالم بِكَوْنِهِ حَيا من حَيْثُ علم أَنه لَو جَازَ أَن يكون المتحرك بالحركة مَعْلُوما والعالم غير شَيْء
مَسْأَلَة لَهُم أُخْرَى
فَإِن قَالُوا لَو كَانَ الْبَارِي سُبْحَانَهُ ذَا علم لم يزل بِهِ عَالما لوَجَبَ أَن يكون قَدِيما لنَفسِهِ كَمَا أَن الْعَالم بِهِ قديم لنَفسِهِ وَلَو كَانَا قديمين لأنفسهما لوَجَبَ أَن يَكُونَا مثلين مشتبهين وَأَن يكون الْعلم إِلَهًا حَيا قَادِرًا عَالما قَائِما بِنَفسِهِ وَأَن يكون الْعَالم صفة غير حَيّ وَلَا عَالم وَلَا قَادر وَلَا قَائِم بِنَفسِهِ من حَيْثُ أشبه مَا هَذِه صفته
فَلَمَّا فسد ذَلِك فسد أَن يكون لَهُ علم فَيُقَال لَهُم أَولا لم قُلْتُمْ إِن المشتركين فِي صفة وَاحِدَة من صِفَات النَّفس يجب أَن يَكُونَا مثلين فَإنَّا لكم فِي ذَلِك مخالفون ثمَّ يُقَال لَهُم مَا أنكرتم إِن كَانَ مَا قلتموه
стр. 215
فِي ذَلِك صَحِيحا أَن يكون السوَاد وَالْبَيَاض مشتبهين من حَيْثُ كَانَا خلافين غيرين لأنفسهما وَكَانَ وصفهما بذلك مُتَسَاوِيا فَلَا يَجدونَ لذَلِك مدفعا
ثمَّ يُقَال لَهُم وَلم قُلْتُمْ أَيْضا إِن الْبَارِي سُبْحَانَهُ إِذا كَانَ قَدِيما كَانَ قَدِيما لنَفسِهِ وَكَذَلِكَ علمه وَمَا أنكرتم أَن يَكُونَا قديمين بقدم هُوَ قدم لَهما وَمَا أنكرتم أَن يكون الْبَارِي قَدِيما بقدم وَالْعلم قَدِيما بِنَفسِهِ
وَمَا أنكرتم أَيْضا أَن يكون الْعلم لَيْسَ بقديم وَلَا بمحدث على قَول من قَالَ ذَلِك من أَصْحَابنَا فَلَا يَجدونَ لذَلِك مدفعا
ثمَّ يُقَال لَهُم إِن كَانَ مَا قلتموه وَاجِبا فَمَا أنكرتم أَن يكون الْإِنْسَان مثلا لعلمه إِذْ كَانَا محدثين لأنفسهما فَإِن قَالُوا لَيْسَ الْمُحدث عندنَا مُحدثا لنَفسِهِ بل هُوَ مُحدث لَا لنَفسِهِ وَلَا لعِلَّة فَلم يجب مَا سَأَلْتُم عَنهُ قيل لَهُم فَمَا أنكرتم أَيْضا أَن يكون كل قديم وصف بالقدم من صفة وموصوف فَإِنَّهُ قديم لَا لنَفسِهِ وَلَا لعِلَّة فَلَا يجب بذلك تماثل القديمين فَإِن قَالُوا إِنَّمَا وَجب أَن يكون الْقَدِيم قَدِيما لنَفسِهِ لِأَن نَفسه لَا تعلم إِلَّا قديمَة قيل لَهُم فَقولُوا لأجل هَذَا بِعَيْنِه إِن السوَاد وَالْبَيَاض شَيْئَانِ غيران خلافان لونان عرضان لأنفسهما لِأَنَّهُمَا لَا يعلمَانِ إِلَّا كَذَلِك وَقُولُوا أَيْضا إِن كل وَاحِد مِنْهُمَا وَاحِد لنَفسِهِ لِأَن نَفسه لَا تعلم إِلَّا وَاحِدَة فَإِن مروا على ذَلِك قيل لَهُم فَمَا أنكرتم من وجوب تماثلهما إِذا كَانَا مشتركين فِي هَذِه الْأَوْصَاف لأنفسهما وَلَا محيص لَهُم من ذَلِك وَإِن أَبوهُ
следующие страницы →