← Акыда

Акыда · id 6389

تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل

الباقلاني

Полный текст (536 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

إِنْكَار ذَلِك فِي أَنه غير دَال على توثيقهم للْخَبَر واعتقاد صِحَّته قيل لَهُ لَا يجب مَا قلته من وُجُوه أَحدهَا أَن كثيرا من الْمُسلمين يحِيل ظُهُور الْمَذْهَب بَين الْجَمَاعَات الَّتِي تعتقد فَسَاده وَخطأ الدَّائِن بِهِ والذاهب إِلَيْهِ من غير إِنْكَار مِنْهَا لَهُ وردهَا على قَائِله وَيجْعَل السُّكُوت على القَوْل الظَّاهِر فِيهَا إِجْمَاعًا على تصويبه وبمنزلة النُّطْق بتصديقه وتصحيحه وَلَا يفرقون بَين أَن يكون ذَلِك القَوْل الظَّاهِر بَين الْعلمَاء وَالْأَئِمَّة مَعَ السكت من فروع الدّين أَو من أُصُوله الَّتِي يَقع فِي مثلهَا التأثيم والتفسيق فَهَذَا الِاعْتِرَاض زائل عَن هَؤُلَاءِ وَالْجَوَاب الآخر أَن الْعَادة فِي ذَلِك مُخْتَلفَة وللسكوت على الْمَذْهَب الْمُسْتَخْرج بِالْقِيَاسِ وَالدَّلِيل علل تَقْتَضِي السكت عَنهُ لَيست فِي القَوْل الْمُدعى على النَّاس حُضُوره ومشاهدته وَالْأَصْل فِي ذَلِك أَن الْعَادة لم تجر بإمساك الْجَمَاعَات عَن إِنْكَار كذب يدعى عَلَيْهِم كَمَا لم تجر بِنَقْل الْجَمَاعَة الْكَذِب وكتمان مَا شوهد وَسمع لما بَيناهُ من قبل وَلما جعلهم الله عَلَيْهِ من تفرق الدَّوَاعِي والأغراض وَلَيْسَ كَذَلِك الْعَادة فِي الْمَذْهَب الْمَقُول من نَاحيَة الرَّأْي وَالْقِيَاس لِأَنَّهُ قد يكون المعتقد لصِحَّته عددا قَلِيلا يجوز إمْسَاك مثلهم عَن إِظْهَار مَذْهَبهم وَقد يكون الْأَكْثَر مِنْهُم عددا فِي مهلة النّظر والروية وَمِمَّنْ لم

стр. 142

تنكشف لَهُ صِحَة قَول فِي ذَلِك الْمَذْهَب وَقد يكون القَوْل الظَّاهِر مِمَّا يسوغ أَن يعْتَقد فِيهِ أَكثر الساكتين أَن كل مُجْتَهد فِيهِ مُصِيب نَحْو مسَائِل فروع الدّين وَمَا يتَعَلَّق بِالْأَحْكَامِ والحلال وَالْحرَام وَقد يسكت الْعَالم بِبُطْلَان القَوْل لاعْتِقَاده الْعَزْم على إِنْكَاره بعد ذَلِك الْوَقْت وَأَنه أولى أصوب وَلَيْسَ يُمكن فِي الْعَادة سكُوت عدد مثل أهل جَانِبي بَغْدَاد على إِنْكَار كذب يدعى فِيهِ مشاهدتهم وحضورهم وَلَا الْيَسِير مِنْهُم أَيْضا لعِلَّة من هَذِه الْعِلَل كَمَا لَا يجوز فِي الْعَادة عَلَيْهِم نقل الْكَذِب وكتمان مَا رُؤِيَ وشوهد لعِلَّة من الْعِلَل وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك بَطل هَذَا الِاعْتِرَاض سُؤال آخر على هَذَا الِاسْتِدْلَال فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا أنكرتم أَن يكون الصَّحَابَة أَو كثير مِنْهُم قد أَنْكَرُوا مُشَاهدَة مَا ادَّعَاهُ الناقلون عَلَيْهِم وسماعه وَإِن لم ينْقل ذَلِك إِلَيْنَا قيل لَهُم هَذَا بَاطِل من قبل أَن إِنْكَار هَذِه الْأَعْلَام مِمَّا يجب توفر الدَّوَاعِي على نَقله وَضَبطه وَمَعْرِفَة عين الْمُعْتَرض فِيهِ وَلَفظه حَتَّى يشْتَهر ذَلِك وَيظْهر وينتشر وينقل نقل مثله ويجرى مجْرى الْخَبَر الَّذِي هُوَ اعْتِرَاض عَلَيْهِ وإنكار هَذَا وَاجِب فِي مُسْتَقر الْعَادة ووضعها كَمَا أَن عِيسَى ومُوسَى لَو عورضا فِي نقل أعلامهما لوَجَبَ أَن ننقل الْمُعَارضَة كنقل الْأَمر

стр. 143

الْمعَارض ولحل فِي الظُّهُور والشهرة مَحَله وَكَذَلِكَ إِنْكَار نقل الْأَعْلَام يجب أَن يظْهر كظهور نقل الْأَعْلَام وَإِلَّا وَجب بُطْلَانه وَالْعلم بفساده سُؤال آخر على مَا قدمْنَاهُ فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا أنكرتم أَن يكون مَا نَقله الْآحَاد كذبا وَإِن سلمت الْجَمَاعَات نقلهم بِدلَالَة إِنْكَار الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس الَّذين عاصروا مُحَمَّدًا ﷺ وجحدهم لَهَا وَقَوْلهمْ قد رَأَيْنَاهُ وعاصرناه فَمَا ظهر على يَده مِمَّا نَقله الْآحَاد من متبعيه شَيْء وَلَو كَانَ ذَلِك صَحِيحا لم يتهيأ لَهُم جَحده وإنكاره فَدلَّ ذَلِك على بُطْلَانه يُقَال لَهُم هَذَا بَاطِل من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن نقُول لَو دلّ على إِنْكَار من ذكرْتُمْ على كذب نقل الْآحَاد مَعَ إمْسَاك الْجَمَاعَات عَن رده لدل ذَلِك أَيْضا على كذب النَّقْل وَلَو شهِدت الْجَمَاعَات بِصِحَّتِهِ بَدَلا من سكتها عَلَيْهِ إِذْ لَا فرق بَين إِِمْسَاكهَا عَن إِنْكَاره وإنكار مَا ادعِي عَلَيْهَا وَبَين تصويبها لَهُ على مَا بَيناهُ وَلَو كَانَ ذَلِك كَذَلِك لدل على إِنْكَار البراهمة وَالْمَجُوس وَأهل التَّثْنِيَة والإلحاد والتنجيم والطبائعيين لأعلام مُوسَى وَعِيسَى وَقَول من شاهدهما وعاصرهما من هَذِه الْفرق إِنَّا قد شاهدنا هذَيْن الرجلَيْن وعاصرناهما فَلم نر مِمَّا ادعِي لَهما من هَذِه الْأُمُور الَّتِي هِيَ فلق الْبَحْر وَإِخْرَاج الْيَد بَيْضَاء وإحياء ميت وإبراء أكمه وأبرص وزمن وَمن مشي على المَاء وَغير

стр. 144

ذَلِك على بطلَان مَا ادعِي وَنقل لَهما فَلَمَّا لم يكن هَذَا عندنَا وَعِنْدهم كَذَلِك لم يكن فِي إِنْكَار الْفرق لما قَامَ الدَّلِيل على صِحَّته وثبوته دَلِيل على بُطْلَانه وَكذب ناقليه فَإِن قَالُوا لَيْسَ يُنكر أحد مِمَّن ذكرْتُمْ ظُهُور هَذِه الْأُمُور على يَدي مُوسَى وَعِيسَى وَإِنَّمَا يُنكرُونَ كَونهَا معجزا وَيدعونَ أَنَّهَا حيل وتخييل ومخاريق فَبَطل مَا قلبتم بِهِ الِاعْتِرَاض علينا قيل لَهُم لَيْسَ الْأَمر على مَا ظننتم لِأَن أَكثر من ذَكرْنَاهُ بل الْكل مِنْهُم يجْحَد هَذِه الْأُمُور أصلا وَإِن تعاطى المتحذلق مِنْهُم أَحْيَانًا تَسْلِيمه جدلا والطعن فِيهِ بادعائه أَنه من ضروب السحر والحيل وَغير ذَلِك فَلَا معنى لإنكارهم لذَلِك وَشَيْء آخر يبطل مَا سَأَلْتُم عَنهُ وَهُوَ أَنا لَا ننكر تكذب الْوَاحِد والاثنين وَجحد مَا شاهدوه وطيه وكتمانه من الْمُسلمين وَغَيرهم من سَائِر الْملَل وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك وَكُنَّا نعلم أَنه لم يحضر مَعَ النَّبِي ﷺ فِي هَذِه الْمشَاهد والغزوات من الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس عدد يَنْقَطِع بهم الْعذر وَلَا يجوز عَلَيْهِم الْكَذِب وطي مَا شوهد بل لَا نعلم أَيْضا أَنه حضر فِي أَكْثَرهَا أحد مِنْهُم لما كَانَ من إبعاده إيَّاهُم وإخراجهم عَن تِلْكَ الديار وتحيزهم إِلَى حَيْثُ يُمكنهُم قتال وَنصب راية حَرْب مَعَه من الْحُصُون

стр. 145

والنواحي كخيبر وَغَيرهَا لم يجب أَن يكون إِنْكَار من أنكر ذَلِك من الْيَهُود وَالنَّصَارَى حجَّة فِي إِبْطَاله لأَنهم إِمَّا أَلا يكون حضر مَعَه فِي أَكْثَرهَا أحد مِنْهُم أصلا أَو أَن يكون حضر مِنْهُم الْوَاحِد والاثنان والخمسة أَو الْعدَد الَّذِي يجوز عَلَيْهِم الْكَذِب وعَلى مثلهم افتعاله والكتمان لما سمع وشوهد وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك بَطل هَذَا الِاعْتِرَاض بطلانا ظَاهرا فَأَما الْعلم بِظُهُور الْقُرْآن على يَده ومجيئه من جِهَته فضرورة لَا إِشْكَال فِيهَا وَلَا جِدَال فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا وَجه دلَالَة ظُهُور الْقُرْآن على يَده مِمَّا يدل على صدقه قيل لَهُ وَجه ذَلِك من طَرِيقين أَحدهمَا نظمه وبراعته وَالثَّانِي مَا انطوى عَلَيْهِ من أَخْبَار الغيوب وَعلمهَا فَأَما وَجه الدّلَالَة من جِهَة نظمه فَهُوَ أَنا نعلم أَنه ﷺ تحدى الْعَرَب بِأَن تَأتي بِمثلِهِ فِي براعته وفصاحته وَحسن تأليفه ونظمه وجزالته ورصانته وإيجازه واختصاره واشتمال اللَّفْظ الْيَسِير مِنْهُ على الْمعَانِي الْكَثِيرَة ودعاهم إِلَى ذَلِك وطالبهم بِهِ فِي أَيَّام المواسم وَغَيرهَا مُجْتَمعين وَمُتَفَرِّقِينَ فَقَالَ لَهُم فِي نَص التِّلَاوَة ﴿قل لَئِن اجْتمعت الْإِنْس وَالْجِنّ على أَن يَأْتُوا بِمثل هَذَا الْقُرْآن لَا يأْتونَ بِمثلِهِ وَلَو كَانَ بَعضهم لبَعض ظهيرا﴾ يَقُول مواليا معينا وَقَالَ ﴿فَأتوا بِعشر سور مثله مفتريات﴾ وَقَالَ ﴿فَأتوا بِسُورَة من مثله﴾ مُبَالغَة فِي تقريعهم بِالْعَجزِ عَنهُ مَعَ

стр. 146

أَن اللِّسَان الَّذِي نزل بِهِ لسانهم وَمَعَ الْعلم بِمَا هم عَلَيْهِ من عزة الْأَنْفس وَعظم الأنفة وَشدَّة الحمية والحرص على تَكْذِيبه وتشتيت جمعه وتفريق النَّاس من حوله والتوفر على إكذابه وَمَا عره وغض مِنْهُ وخروجهم إِلَى مَا خَرجُوا إِلَيْهِ مَعَه من الْحَرْب والمسايفة وَحمل الْأَنْفس على إِرَاقَة الدِّمَاء وَالْخُرُوج عَن الديار ومفارقة الأوطان فَلَو كَانُوا مَعَ ذَلِك قَادِرين على معارضته أَو مُعَارضَة سُورَة مِنْهُ لسارعوا إِلَى ذَلِك ولكان أَهْون عَلَيْهِم وأخف من نصب الْحَرْب مَعَه والجلاء عَن الأوطان وَتحمل الْأَهْوَال وَالصَّبْر على الْقَتْل وألم الْجراح وَاحْتِمَال الذل والعار لِأَنَّهُ قد كَانَ ﷺ مكنهم من تَكْذِيبه من وَجْهَيْن أَحدهمَا قَوْله لن تَأْتُوا بِمثلِهِ وَالْآخر قَوْله إِن أتيتم فلجتم وَكنت مُبْطلًا وكنتم المحقين هَذَا مَعَ تِلَاوَته عَلَيْهِم فِي نَص التَّنْزِيل قَوْله ﴿وَمَا كنت تتلو من قبله من كتاب وَلَا تخطه بيمينك إِذا لارتاب المبطلون﴾ وَلَو عرفوه بذلك أَو بِصُحْبَة أهل الْكتب ونقلة السّير ومداخلة أهل الْأَخْبَار ومجالسة أهل هَذَا الشَّأْن لم يَلْبَثُوا أَن يَقُولُوا لَهُ هَذَا كذب لِأَنَّك مَا زلت مَعْرُوفا بِصُحْبَة أهل الْكتب ومجالستهم وقصدهم إِلَى مواضعهم ومواطنهم ومجاراتهم وَالْأَخْذ عَنْهُم والاستفادة مِنْهُم

стр. 147

وَفِي صدفهم عَن هَذَا أجمع وَعَن تكلّف مُعَارضَة سُورَة مِنْهُ أَو إِيرَاد مَا قل وَكثر من ذَلِك مَعَ علمهمْ بِخُرُوج نظم الْقُرْآن عَن سَائِر أوزان كَلَامهم ونظومهم أعظم دَلِيل على صدقه ﷺ وَأَن ظُهُور الْقُرْآن مِنْهُ وَهُوَ نَشأ مَعَهم وَبَين أظهرهم وَلم يعرفوه بِقصد أهل الْكتاب ومجالسة غير من لقوه وعرفوه والاقتباس مِنْهُ وَلَا انْفَرد بمداخلة فصيح مِنْهُم ومتقدم فِي البراعة واللسن عَلَيْهِم آيَة عَظِيمَة وَأمر خارق للْعَادَة لِأَن مثل ذَلِك لَا يكْتَسب بتَعَلُّم وتدقيق ذكاء وفطنة ولطيف حس وحيلة وَلَا فرق بَين ذَلِك وَبَين أَن يبيت ﷺ وَهُوَ غير عَالم بلغَة الزنج وَالتّرْك وَغَيرهمَا من اللُّغَات ثمَّ يصبح أفْصح النَّاس بِكُل لُغَة مِنْهَا وأجرأهم فِيهَا مَعَ الْعلم بِأَنَّهُ لم يَأْخُذ ذَلِك عَن أَهلهَا لِأَن خلق الْعلم فِيهِ بذلك وإقدراه عَلَيْهِ فِي يسير الْوَقْت خرق للْعَادَة وخارج عَمَّا عَلَيْهِ بِنَاء الطبيعة وَكَذَلِكَ تعلم هَذِه اللُّغَات واكتساب مَعْرفَتهَا والتمكن من علمهَا وتحصيلها فِي يسير الْوَقْت الَّذِي لَا يكْتَسب فِي مثله الْعلم بعظيم مَا جَاءَ بِهِ آيَة عَظِيمَة وخرق للْعَادَة فإنزال هَذَا الْكَلَام عَلَيْهِ واضطراره إِلَى إِجْرَاء لِسَانه أَو خلق لطبيعة يتَمَكَّن بهَا من إِدْرَاك هَذَا النّظم ورصفه وَبَيَانه من أظهر الْآيَات وَأبين الدلالات لِأَن التَّمَكُّن من تعلم ذَلِك بِكُل لَطِيفَة فِي يسير الْوَقْت مِمَّا لم تجر الْعَادة بِمثلِهِ نقض لَهَا وَالله سُبْحَانَهُ لَا يظْهر الْآيَات إِلَّا لما ذكرنَا من الْقَصْد إِلَى الدّلَالَة على صدق الرُّسُل عَلَيْهِم السَّلَام

стр. 148

مَسْأَلَة فِي الرَّد على منكري إعجاز الْقُرْآن فَإِن قَالَت الْيَهُود وَالنَّصَارَى مَا أنكرتم أَن يكون مَا أَتَى بِهِ النَّبِي ﷺ من جنس كَلَامهم غير أَنه كَانَ أفْصح وأوجز وَأحسن نظما وَأَن يكون ذَلِك إِنَّمَا تأتى لَهُ بتقدمه فِي البلاغة عَلَيْهِم وَحسن فَصَاحَته ولسنه وبرعهم بذلك وَزَاد فِيهِ على جَمِيعهم قيل لَهُم إِن قدر مَا يَقْتَضِيهِ التَّقَدُّم والحذق فِي الصِّنَاعَة قدر مَعْرُوف لَا يخرق الْعَادة مثله وَلَا يعجز أهل الصِّنَاعَة والمتقدمون فِيهَا عَنهُ مَعَ التحدي والتقريع بِالْعَجزِ والقصور لِأَن الْعَادة جَارِيَة بِجمع الدَّوَاعِي والهمم على بُلُوغ منزلَة الحاذق الْمُتَقَدّم فِي الصِّنَاعَة وَمَا أَتَى بِهِ النَّبِي ﷺ من الْقُرْآن قد خرج عَن حد مَا يكْتَسب بالحذق وَعجز الْقَوْم عَن معارضته ومقابلته مَعَ إيثارهم لذَلِك واجتماع هممهم لَهُ وتوفر دواعيهم عَلَيْهِ وعلمهم بجعله حجَّة لَهُ وَدلَالَة على صدقه فَخرج بذلك عَن نمط مَا سَأَلْتُم عَنهُ وعَلى أَن الْآيَة فِي الْقُرْآن أَنه منزل بِلِسَان الْعَرَب وَكَلَامهم ومنظوم على وزن يُفَارق سَائِر أوزان كَلَامهم وَلَو كَانَ من بعض النظوم الَّتِي يعرفونها لعلموا أَنه شعر أَو خطابة أَو رجز أَو طَوِيل أَو مزدوج غير أَن ناظمه قد برع وَتقدم فِيهِ وَلَيْسَ يخرج الحذق فِي الصَّنْعَة إِلَى أَن يُؤْتِي بِغَيْر جِنْسهَا وَمَا لَيْسَ مِنْهَا فِي شَيْء وَمَا لَا يعرفهُ أَهلهَا وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك وَكُنَّا نعلم أَن قُريْشًا أفْصح الْعَرَب وأعرفها بِاللِّسَانِ وأقدرها على سَائِر أوزان الْكَلَام وَأَنَّهَا قد دهشت وطاشت عقولها فِيمَا أَتَى بِهِ فَقَالَت مرّة إِنَّه سحر وَقَالَت تَارَة إِنَّه ﴿معلم مَجْنُون﴾ وَقَالَت أُخْرَى أساطير الْأَوَّلين

стр. 149

اكتتبها) وَقَالَت تَارَة أُخْرَى ﴿شعر﴾ وَقَالَت تَارَة سلمَان يلقنه ويلقي إِلَيْهِ حَتَّى قَالَ تَعَالَى ﴿لِسَان الَّذِي يلحدون إِلَيْهِ أعجمي وَهَذَا لِسَان عَرَبِيّ مُبين﴾ علم بذلك أَن مَا أَتَى بِهِ لَيْسَ من جنس الحذق والتقدم فِي الصِّنَاعَة فِي شَيْء وعَلى أَن الله سُبْحَانَهُ إِذا أَبَاحَ لَهُ هَذَا التَّقَدُّم والحذق وَجمع لَهُ أَسبَابه ووفر دواعيه وهمته على تَحْصِيله وَعلم مَعَ ذَلِك أَنه سيدعيه آيَة لَهُ وَحجَّة على صدقه جمع همم من تحداه على فعل مثله وَلَا أتاحه لَهُم وَلَا مكنهم مِنْهُ صَار ذَلِك آيَة من فعله وخرقا للْعَادَة وَجرى مجْرى سَائِر الْآيَات وَلَو علم الله سُبْحَانَهُ أَنه كَاذِب فِيمَا يَدعِيهِ لوفر الدَّوَاعِي والهمم وَجَمعهَا على معارضته وَخلق اللطائف الَّتِي يتَوَصَّل بهَا إِلَى بُلُوغ مَنْزِلَته لكَي يبطل حجَّته ويزيل شبهته وَمَتى لم يفعل ذَلِك كَانَ ناقضا للْعَادَة بِصَرْف الهمم عَن فعل ذَلِك وَجمع الدَّوَاعِي عَلَيْهِ وَمنع اللطائف والأسباب الممكنة مِنْهُ وَالله تَعَالَى لَا ينْقض الْعَادَات إِلَّا للدلالة على الصدْق مَسْأَلَة فِي التحدي فَإِن قَالَ قَائِل وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ إِن صَاحب كتاب إقليدس

стр. 150

والمجسطي وَالْقَائِل قفا نبك لَو تحدوا بِمثل مَا أَتَوا بِهِ وجعلوه دلَالَة على صدقهم وَأَنَّهُمْ رسل الله سُبْحَانَهُ فَلم يعارضوا وَجب أَن يكون ذَلِك آيَة لَهُم قيل لَهُ أجل إِلَّا أَن الله سُبْحَانَهُ إِذا علم أَن الْمُدَّعِي لذَلِك كَاذِب فَلَا بُد أَن يجمع الهمم ويوفر الدَّوَاعِي على مُعَارضَة مَا تحدى الْقَوْم بِهِ فَلَا يلبثُونَ عِنْد احتجاجهم بِهِ أَن يَأْتِيهم النَّاس بأمثاله وَمَا هُوَ أبلغ مِنْهُ فِي مَعْنَاهُ لكَي ينْقض كَون مَا ادعوهُ معجزا مَسْأَلَة فِي الْمُعَارضَة فَإِن قَالُوا مَا أنكرتم أَن تكون الْعَرَب قد عارضته وَأَن يكون خوف سيفكم يمْنَع من إِظْهَار معارضته قيل لَهُم لَو كَانَ الْأَمر على مَا ادعيتموه لجَاز نَقله وَذكره وَذكر الْمعَارض وَالْمُتوَلِّيّ لَهُ ولوجب بمستقر الْعَادة أَن يغلب إِظْهَاره على طيه وكتمانه حَتَّى يكون الْعلم بِهِ كَالْعلمِ بِالْقُرْآنِ الَّذِي هُوَ عروضه وَإِن منع الْخَوْف من النَّص عَلَيْهِ والتبيين من كل وَاحِد لذكره لِأَنَّهُ كَانَ لَا بُد من تحدثهم بَينهم إِذا خلوا وجالسوا من يأمنون سَيْفه على وَجه يجب أَن يضْطَر إِلَيْهِ كَمَا يجب أَن تعلم الْأَسْبَاب الحاملة على الكتمان وَالْكذب الواقعين من السُّلْطَان لغَرَض فِي الْحمل على ذَلِك مَعَ الْخَوْف مِنْهُ وكما يجب فِي مُسْتَقر الْعَادة تحدث النَّاس بعيوب سلطانهم وجبابرتهم ومذموم الْخِصَال الَّتِي فيهم وَإِن لم ينْقل

стр. 151

ذَلِك نقلا ظَاهرا وَيَقَع تَفْصِيله وَالنَّص عَلَيْهِ وَالْبَيَان لَهُ من كل رجل بِعَيْنِه وَإِذا كُنَّا لَا نعلم وجود الْمُعَارضَة لِلْقُرْآنِ كعلمنا لظُهُوره من جِهَة النَّبِي ﷺ وَجب سُقُوط مَا قَالُوا وَأَيْضًا فَلَو كَانَ الْخَوْف من السَّيْف مَانِعا من نقلهم الْمُعَارضَة لمنع ذَلِك أَيْضا من دَعْوَى الْمُعَارضَة فَإِذا لم يمْنَع الْخَوْف من قَوْلكُم قد عورض وَإِن كَانَ تَصْرِيحًا بالقدح فِي الْقُرْآن والتكذيب لَهُ مَعَ عُرْوَة من حجَّة أَو شُبْهَة فَكيف يمنعكم الْخَوْف من إِظْهَار مَا ادعيتم وَيُقَال لمن سَأَلَ عَن هَذَا من الْيَهُود وَالنَّصَارَى لَو كَانَ مَا قلتموه صَحِيحا لجَاز لمدع أَن يَدعِي أَن مُوسَى وَعِيسَى ﵉ قد عورضا فِي قلب الْعَصَا حَيَّة وفلق الْبَحْر وإحياء الْمَيِّت وإبراء الأكمه والأبرص وَأَن الْخَوْف من أسيافكم يمْنَع من قتل ذَلِك وَأَن الْخَوْف من سيوف الْمُسلمين الْيَوْم يمْنَع من نَقله الْآن لِأَن مكذب مُوسَى وَعِيسَى عِنْد الْمُسلمين بِمَنْزِلَة مكذب مُحَمَّد ﷺ فَإِن لم يجب هَذَا لم يجب مَا قُلْتُمْ مَسْأَلَة فِي حفظ الْمُعَارضَة فَإِن قَالَ قَائِل مَا أنكرتم أَن تكون الْمُعَارضَة قد وَقعت ونسيت وَذهب ذكرهَا وضبطها عَن كل فرقة لِأَن الله صرف دواعي النَّاس وهممهم عَن

стр. 152

حفظهَا والتوفر على نقلهَا قيل لَهُم هَذَا أَيْضا غير جَائِز لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة ابْتِدَاء إِظْهَار المعجزات على أَيدي الْكَذَّابين لِأَنَّهُ لَا فرق بَين خرق الْعَادة بقلب الْعَصَا حَيَّة وفلق الْبَحْر وَغير ذَلِك وَبَين خرقه الْعَادة فِي صرف دواعي النَّاس عَن نقل الْأَمر الْعَظِيم والخطب الجسيم وَمَا قد جرت الْعَادة بحفظه وانطلاق الألسن عَلَيْهِ وإلهاج الْأَنْفس بِذكرِهِ وَغَلَبَة إشهاره وإظهاره على طيه وكتمانه لِأَن ذَلِك أجمع خرق للْعَادَة وَلِأَنَّهُ أَيْضا إِفْسَاد الْأَدِلَّة وسد الْعلم بِإِثْبَات النُّبُوَّة لِأَنَّهُ لَو جَازَ ذَلِك لم نَأْمَن أَن يكون جَمِيع الرُّسُل قد عورضوا فِي آياتهم وَصرف الله سُبْحَانَهُ دواعي النَّاس عَن نقل الْمُعَارضَة وحفظها فَلَا يكون لنا مَعَ ذَلِك سَبِيل إِلَى الْعلم بِصدق وَاحِد نقل الْمُعَارضَة وحفظها فَلَا يكون لنا مَعَ ذَلِك سَبِيل إِلَى الْعلم بِصدق وَاحِد مِنْهُم وَقيام حجَّة على أمته لأننا إِذْ لم نَأْمَن كَون الْمُعَارضَة وَإِن جهلناها لموْضِع ترك النَّقْل لَهَا لم نَأْمَن أَن يَكُونُوا كذبه غير صَادِقين وَذَلِكَ يضاد اعْتِقَاد نبوتهم وَهَذَا كَلَام لَيْسَ لبَعض أهل الْملَل على بعض وَإِنَّمَا هُوَ للطاعن على سَائِر النبوات وَجَوَابه مَا كرناه من أَنه إِفْسَاد للأعلام وَإِيجَاب لعجز الْقَدِيم سُبْحَانَهُ عَن الْأَدِلَّة على صدق الصَّادِق والتفرقة بَينه وَبَين الْكَاذِب مَسْأَلَة فِي الْمُعَارضَة والإعجاز فَإِن قَالَ قَائِل مَا أنكرتم أَن يكون الْقَوْم إِنَّمَا تركُوا مُعَارضَة الْقُرْآن لإعراضهم عَن النّظر فِي أَن مُقَابلَته بِمثلِهِ مُوجب لتكذيب من أَتَى بِهِ قيل لَهُم فَهَذَا مِمَّا لَا نظهر فِيهِ وَلَا تَأمل لِأَنَّهُ لَا شُبْهَة على أحد كمل عقله فِي أَن

стр. 153

من قَالَ لَهُ قَائِل إِنَّك لن تقوم وَلنْ تقدر على الْقيام كَاذِب إِذا قَامَ وَقدر على الْقيام والأطفال المنتقصون يعلمُونَ هَذَا فضلا عَن قُرَيْش فِي وفارة عُقُولهمْ وجودة قرائحهم ونحائزهم وَصِحَّة آدابهم وَمَا وَصفهم الله تَعَالَى بِهِ من أَنهم قوم خصمون والتماسهم من الرَّسُول ﷺ آيَات غير الَّتِي أَتَى بهَا حَتَّى قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا منعنَا أَن نرسل بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كذب بهَا الْأَولونَ﴾ يَعْنِي الَّتِي سألوها وَمَعَ قَوْلهم ﴿لن نؤمن لَك حَتَّى تفجر لنا من الأَرْض ينبوعا أَو تكون لَك جنَّة من نخيل وعنب فتفجر الْأَنْهَار خلالها تفجيرا أَو تسْقط السَّمَاء كَمَا زعمت علينا كسفا أَو تَأتي بِاللَّه وَالْمَلَائِكَة قبيلا﴾ وَقَوله ﴿أَو يكون لَك بَيت من زخرف أَو ترقى فِي السَّمَاء وَلنْ نؤمن لرقيك حَتَّى تنزل علينا كتابا نقرؤه﴾ وَمَعَ مَا ذكره عَن الْيَهُود فِي قَوْله ﴿يَسْأَلك أهل الْكتاب أَن تنزل عَلَيْهِم كتابا من السَّمَاء فقد سَأَلُوا مُوسَى أكبر من ذَلِك فَقَالُوا أرنا الله جهرة﴾ مَعَ مَا عَلَيْهِ أهل الْإِلْحَاد والتعطيل من الِاحْتِجَاج والعناد فَكيف جهل هَؤُلَاءِ أجمع وَلم يُنَبه بَعضهم بَعْضًا عَلَيْهِ لَوْلَا جهل السَّائِل عَن هَذَا وَيُقَال للسَّائِل عَن هَذَا من الْيَهُود وَالنَّصَارَى فَمَا أنكرتم أَلا يكون

стр. 154

إضراب السَّحَرَة والأطباء عَن مُعَارضَة مُوسَى وَعِيسَى فِي آياتهما لعجزهم عَن ذَلِك وَإِنَّمَا صدفوا عَنهُ لذهابهم فِي النّظر فِي أَن معارضتهما تُؤدِّي إِلَى تكذيبهما وَلَا جَوَاب عَن ذَلِك أبدا مَسْأَلَة فِي الْمُعَارضَة وَالسيف فَإِن قَالَ قَائِل مَا أنكرتم أَن يكون الصَّارِف للْقَوْم عَن معارضته اعْتِقَادهم أَن السَّيْف أنجع فِي أمره وأحسم لمادة شبهته لَا للعجز عَن ذَلِك قيل لَهُ لَو كَانَ فِي قدرَة الْقَوْم التَّكَلُّم بِمثل الْقُرْآن لأتوا بِهِ مَعَ نصب الْحَرْب كَمَا أَنهم كَانُوا يأْتونَ مَعَ ذَلِك بالشعر وَالرجز والخطابة والرسائل وكل مَا هُوَ من طباعهم وَفِي ترك ذَلِك دَلِيل على بطلَان مَا قُلْتُمْ مَسْأَلَة فِي الْمُعَارضَة والشبهة فَإِن قَالُوا مَا أنكرتم أَن يكون الْمَانِع لَهُم من معارضته هُوَ خوفهم من دُخُول الشُّبْهَة على أوليائه وَقَوله لَهُم إِنَّه لَيْسَ بعروض لما أتيت بِهِ قيل لَهُم هَذَا بَاطِل لِأَن اللِّسَان لسانهم واللغة لغتهم وَهِي طباع لَهُم وَلَا شُبْهَة عَلَيْهِم فِي معرفَة مَا هُوَ بِوَزْن كَلَامهم وَلَا مجَال وَلَا مسرح للشَّكّ فِي هَذَا الْبَاب ثمَّ يُقَال لَهُم فبإزاء الْخَوْف من ذَلِك الرَّجَاء لوضوح بطلَان مَا أَتَى بِهِ لَهُم ووقوفهم عَلَيْهِ فَكيف لم يَبْعَثهُم هَذَا على معارضته وَيُقَال لَهُم فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَالَّتِي قبلهَا مَا أنكرتم أَن يكون هَذَا هُوَ الصَّارِف لقوم مُوسَى

стр. 155

وَعِيسَى عَن مُعَارضَة مَا ادعوهُ آيَة لَهما فَكل شَيْء أجابونا بِهِ فَهُوَ جَوَابنَا مَسْأَلَة فِي صفة الإعجاز فِي الْقُرْآن فَإِن قَالَ قَائِل فَإِذا قدر الْعباد عنْدكُمْ على مثل الْكَلِمَة والكلمتين والحرف والحرفين فَمَا أنكرتم أَن يقدروا على مثل جَمِيعه وَألا يكون فِي ذَلِك إعجاز يُقَال لَهُ لَو وَجب مَا قلته لوَجَبَ إِذا قدر النَّاس على مثل مَا سَأَلت عَنهُ أَن يَكُونُوا كلهم شعراء وخطباء وَأَصْحَاب نظم ورسائل لقدرتهم على الْكَلِمَة والاثنتين وَهَذَا جهل مِمَّن صَار إِلَيْهِ وَلَيْسَ يجب إِذا تعذر على الْإِنْسَان نظم الْكثير أَن يتَعَذَّر عَلَيْهِ نظم الْيَسِير كَمَا لَا يجب إِذا تعذر عَلَيْهِ شرب مَاء الْبحار والأنهار أَن يتَعَذَّر عَلَيْهِ شرب الجرعة والجرعتين وَإِذا تعذر عَلَيْهِ الصعُود إِلَى السَّمَاء وَحمل الْجبَال أَن يتَعَذَّر عَلَيْهِ قطع الذِّرَاع إِلَى فَوق والذراعين وَحمل الرطل والرطلين وَإِذا كَانَ حمل الْجبَال والصعود إِلَى السَّمَاء آيَة لمن ظهر على يَده وَجب أَن يكون نظم الْقُرْآن آيَة لمن أَتَى بِهِ وَإِن لم يكن نظم مَا دون سُورَة مِنْهُ آيَة لأحد مَسْأَلَة فِي كَيْفيَّة الإعجاز فِي الْقُرْآن فَإِن قَالُوا كَيفَ يكون الْقُرْآن معجزا وَهُوَ غير خَارج عَن حُرُوف المعجم الَّتِي يتَكَلَّم بهَا الْخلق من أهل الفصاحة والعي واللكنة قيل لَهُم لَيْسَ الإعجاز فِي نفس الْحُرُوف وَإِنَّمَا هُوَ فِي نظمها وإحكام

стр. 156

رصفها وَكَونهَا على وزن مَا أَتَى بِهِ النَّبِي ﷺ وَلَيْسَ نظمها أَكثر من وجودهَا مُتَقَدّمَة ومتأخرة ومترتبة فِي الْوُجُود وَلَيْسَ لَهَا نظم سواهَا وَهُوَ كتتابع الحركات إِلَى السَّمَاء وَوُجُود بَعْضهَا قبل بعض وَوُجُود بَعْضهَا بعد بعض وَلَو كَانَ مَا سَأَلْتُم عَنهُ يبطل مزية الْقُرْآن وَمَوْضِع الأعجوبة فِي نظمه لوَجَبَ إبِْطَال فَضِيلَة الشَّاعِر المفلق والخطيب المصقع والمرسل الفصيح المقتدر حَتَّى لَا يكون على أحد تكلم بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيّ وَإِن كَانَ أعيا من بَاقِل فضل لسحبان وَائِل وَهَذَا أَيْضا جهل مِمَّن صَار إِلَيْهِ فَبَطل مَا تعلقتم بِهِ مَسْأَلَة فِي التحدي بالحروف الْمَنْظُومَة لَا بالْكلَام الْقَائِم بِاللَّه فَإِن قَالَ قَائِل من الْيَهُود وَالنَّصَارَى والمعتزلة كَيفَ لَا يجوز التحدي بِمثل الْقُرْآن وَهُوَ عنْدكُمْ قديم لَا مثل لَهُ من كَلَام الْآدَمِيّين وَلَا يجانس كَلَام المخلوقين قيل لَهُ لم يتحد النَّبِي ﷺ بِمثل الْكَلَام الْقَائِم بِاللَّه سُبْحَانَهُ وَإِنَّمَا تحداهم بِمثل الْحُرُوف الْمَنْظُومَة الَّتِي هِيَ

стр. 157

عبارَة عَنهُ فِي براعتها وفصاحتها واختصارها وَكَثْرَة مَعَانِيهَا وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك بَطل مَا سَأَلْتُم عَنهُ على أَنه يَصح من الله تَعَالَى وَمن رَسُوله ﷺ أَن يتحدى بِمثل الْكَلَام الْقَدِيم إِذا ادّعى ملحد أَو معاند أَنه مثل كَلَام الْآدَمِيّين وَمن جنس كَلَام المخلوقين بِأَن يُقَال لَهُ إيت بِمثلِهِ إِن كَانَ لَهُ مثل على مَا تدعيه كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿قل هاتوا برهانكم إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ و ﴿فَإِن كَانَ لكم كيد فكيدون﴾ و ﴿أَيْن شركاؤكم الَّذين كُنْتُم تَزْعُمُونَ﴾ فطالبهم بذلك على مَذْهَب التحدي والتقريع إِن كَانَ للباطل برهَان وللقديم سُبْحَانَهُ شريك أَو كيد يكَاد بِهِ وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك سقط تعجبهم من ذَلِك وَثَبت أَنه لَا تعلق لأحد فِيهِ مَسْأَلَة فِي الْحِفْظ والإعجاز فَإِن قَالَ قَائِل لَو كَانَ الْقُرْآن معجزا لوَجَبَ إِذا حفظه بعض النَّاس وتلاه على أهل بَلَده وادعاه آيَة لَهُ أَن يكون دلَالَة على صدقه قيل لَهُ لَا يجب مَا قلته من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن الْقُرْآن لَا يكون معجزا عِنْد من سَمعه إِلَّا بعد فحصه وبحثه وتفتيشه وَعلمه بِأَنَّهُ لَا أحد سبق الَّذِي أَتَى بِهِ إِلَيْهِ وَأَنه من جِهَته نجم وَمن

стр. 158

قبله ظهر وَمَتى لم يعلم ذَلِك لم يُعلمهُ معجزا لَهُ وحافظ الْقُرْآن إِذا ادَّعَاهُ آيَة لم يلبث سامع دَعْوَاهُ مَعَ أدنى بحث حَتَّى يعلم أَنه ظَاهر لغيره فَسقط احتجاجه بِهِ وَالْوَجْه الآخر أَن الله تَعَالَى إِذا علم ذَلِك من حَال من حفظه أنساه إِيَّاه وَذهب بحفظه من قلبه أَو خلق لسامعه الْقُدْرَة على حفظه من أَوله إِلَى آخِره حَتَّى يَقُول لمن أَتَى بِهِ هَذَا أَمر حفظناه وعرفناه ولعلك عني أَخَذته فَسقط التَّعَلُّق بِهَذَا مَسْأَلَة فِي الإعجاز فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل فَإِن قَالُوا مَا أنكرتم أَن تكون التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل معجزا قيل لَهُم أَنْكَرْنَا ذَلِك لعدم الْعلَّة الَّتِي لَهَا كَانَ الْقُرْآن معجزا وَهِي عجز الْعَرَب عَن مُعَارضَة مورده مَعَ حرصهم على تَكْذِيبه وَمَا عره وغض مِنْهُ وإيثارهم لقَتله وبلوغ كل غَايَة فِي مكارهه وفض الْجمع من حوله فَلَو تحدى مُوسَى وَعِيسَى ﵉ أعداءهما بِمثل التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَغَيرهم من أهل الْأَهْوَاء والملحدين فعجزوا عِنْد التحدي عَن ذَلِك لوَجَبَ أَن يكون مَا أَتَيَا بِهِ من ذَلِك معجزا وَإِذا لم يكن ذَلِك كَذَلِك لم يجب مَا قلتموه

стр. 159

مَسْأَلَة فِي لُزُوم حجَّة الْقُرْآن عِنْد غير الْعَرَب فَإِن قَالُوا كَيفَ لَزِمت حجَّة الْقُرْآن الْهِنْد وَالتّرْك وهم لَا يعْرفُونَ أَن مَا أَتَى بِهِ معجز قيل لَهُم من حَيْثُ إِنَّهُم إِذا فتشوا علمُوا أَن الْعَرَب الَّذين بعث فيهم النَّبِي ﷺ كَانُوا أفْصح النَّاس وأقدرهم على نظم الْكَلَام الْعَرَبِيّ وَأَنَّهُمْ النِّهَايَة فِي هَذَا الْبَاب وَأَنَّهُمْ مَعَ ذَلِك أحرص النَّاس على تَكْذِيبه ﷺ وَأَنه نَشأ مَعَهم وَأَنَّهُمْ يعْرفُونَ دخيلته وَأهل مُجَالَسَته فِي ظعنه وإقامته وَأَنه مَا كَانَ يَتْلُو من قبله من كتاب وَلَا يخطه بِيَمِينِهِ وَأَنه مَعَ ذَلِك كُله أجمع تحداهم بِمثلِهِ أَو بِسُورَة من مثله مُجْتَمعين أَو مفترقين فعجزوا عَن ذَلِك أجمع كَمَا أَن حجَّة مُوسَى وَعِيسَى ﵉ قَائِمَة على من لَيْسَ بساحر وَلَا طَبِيب لعلمه بِأَنَّهُمَا تحديا أطب النَّاس وأعظمهم سحرًا بِمثل مَا أَتَيَا بِهِ فعجزوا عَن ذَلِك مَعَ الْحِرْص على تكذيبهما والإتيان بِمثل مَا أَتَيَا بِهِ مَسْأَلَة فِي مُعَارضَة مُسَيْلمَة لِلْقُرْآنِ فَإِن قَالَ قَائِل مَا أنكرتم أَن يكون مُسَيْلمَة قد عَارض الْقُرْآن وقابله

стр. 160

بقوله يَا ضفدع بنت ضفدعين نقي فكم تنقين لَا المَاء تغيرين وَلَا الشَّارِب تمنعين وَقَوله والزارعات زرعا فالحاصدات حصدا والطاحنات طحنا وأمثال ذَلِك من الْكَلَام الركيك السخيف قيل لَهُ هَذَا الْكَلَام دَال على جهل مورده وَضعف عقله ورأيه وَمَا يُوجب السخرية مِنْهُ والهزء بِهِ وَلَيْسَ هُوَ مَعَ ذَلِك خَارِجا عَن وزن رَكِيك السجع وسخيفه وَمَا زَاد على ذَلِك قَلِيلا خرج إِلَى وزن الشّعْر كَقَوْل بَعضهم فِي شعره (وقرا مُعْلنا ليصدع قلبِي ... والهوى يصدع الْفُؤَاد السقيما) (أَرَأَيْت الَّذِي يكذب بِالدّينِ ... فَذَاك الَّذِي يدع اليتيما) وعَلى أَن هَذَا الْكَلَام لَو كَانَ معجزا لتعلقت الْعَرَب وَأهل الرِّدَّة بِهِ ولعرف أَتبَاع النَّبِي ﷺ أَنه عرُوض لَهُ ولوقع لَهُم الْعلم الْيَقِين بِأَنَّهُ قد قوبل وَفِي عدم ذَلِك دَلِيل على جهل مدعى ذَلِك وعَلى أَن مُسَيْلمَة لم يدع هَذَا الْكَلَام معجزا وَلَا تحدى الْعَرَب بِمثلِهِ فعجزوا عَنهُ بل كَانَ فِي نَفسه وَنَفس كل سامع لَهُ أخف وأسخف وأذل من أَن يتَعَلَّق بِهِ وَلذَلِك لَا نجد لَهُ نبأ وَلَا أحدا من الْعَرَب تعلق بِهِ

стр. 161

مَسْأَلَة فِي الْعلم بالتحدي فَإِن قَالَ قَائِل من أهل الْملَل وَغَيرهم من أَيْن يعلم أَن النَّبِي ﷺ تحدى الْعَرَب أَن تَأتي بِمثلِهِ وطالبهم بذلك قيل لَهُم يعلم ذَلِك اضطرارا من دينه وَقَوله كَمَا نعلم وجوده وظهوره وكما نعلم وجود الْقُرْآن نَفسه اضطرارا هَذَا على أَنه فِي نَص التِّلَاوَة نَحْو قَوْله ﴿فَأتوا بِسُورَة من مثله﴾ و ﴿قل لَئِن اجْتمعت الْإِنْس وَالْجِنّ على أَن يَأْتُوا بِمثل هَذَا الْقُرْآن لَا يأْتونَ بِمثلِهِ﴾ وَهَذَا غَايَة التحدي والتقريع وَقد وصل قَوْله ﴿فَأتوا بِسُورَة من مثله﴾ بقوله ﴿وَادعوا شهداءكم من دون الله﴾ فَلَا مُتَعَلق لأحد فِي هَذَا الْبَاب ويقلب السُّؤَال على من سَأَلَ عَنهُ من الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس المدعين لنبوة زرادشت فَيُقَال لَهُم من أَيْن علمْتُم أَن مُوسَى وَعِيسَى وزرادشت تحدوا قَومهمْ بِمثل شَيْء مِمَّا أَتَوا بِهِ وَمَا أنكرتم أَن يكون ذَلِك قد ظهر من غير احتجاج مِنْهُم وَلَا تحد إِلَى مثله فَكل شَيْء تعلقوا بِهِ فَهُوَ جَوَابنَا عَمَّا سَأَلُوا عَنهُ مَسْأَلَة فِي إبِْطَال دَعْوَى الْمُعَارضَة فَإِن قَالُوا كَيفَ تبطلون حجَّة من أَتَى بِكَلَام منظوم وَزعم أَنه مثل الْقُرْآن

стр. 162

وعروضه قيل لَهُ لعلمنا بِأَنَّهُ لَيْسَ بِمثل لَهُ وَلَا من جنس نظمه فَإِن قدر على ذَلِك قَادر فليأت بِهِ لنريه أَنه خلاف لَهُ ونعلم ذَلِك بعجز الْعَرَب أَيْضا عَن مُعَارضَة الْقُرْآن مَعَ الْعلم بِأَنَّهُم أفْصح الفصحاء وأبلغ البلغاء وأشعر وأخطب من على وَجه الأَرْض مِمَّن تكلم بلسانهم بعدهمْ فتعلم بذلك تعذر معارضته على من بعدهمْ وعَلى أَن من النَّاس من يزْعم أَن الله سُبْحَانَهُ إِنَّمَا أعجز الْعَرَب أَيْضا عَن معارضته وَقت التحدي بالإتيان بِمثلِهِ لكَي يخرق بذلك الْعَادة لصَاحبه وَيدل على صدقه وَقد يجوز أَن يقدرهم بعد موت النَّبِي ﷺ على مثله وَمِنْهُم أَيْضا من يَقُول قد كَانَت الْعَرَب قادرة قبل التحدي على الْإِتْيَان بِمثلِهِ وَإِنَّمَا أعجزهم الله سُبْحَانَهُ عَن ذَلِك وَقت تحدي الرَّسُول ﷺ وَنقض عَادَتهم ليدل على صدقه ولعمري إِن ذَلِك لَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ آيَة عَظِيمَة وخرقا للْعَادَة كَمَا أَن نَبيا لَو تحدى قومه بتحريك أَيْديهم وَالْخُرُوج عَن أماكنهم إِلَى أقرب الْمَوَاضِع إِلَيْهَا فمنعوا الْقُدْرَة على ذَلِك وَقد اعتادوا الاقتدار عَلَيْهِ ثمَّ أقدروا عَلَيْهِ ثَانِيَة بعد تقضي تحديه لَكَانَ خرق الْعَادة بإيجاد الْقُدْرَة على ذَلِك وإعدامها على خلاف المتعالم المألوف آيَة عَظِيمَة وَحجَّة بَيِّنَة فَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك سقط مَا سَأَلُوا عَنهُ

стр. 163

مَسْأَلَة فِي وُجُوه الإعجاز فَإِن قَالَ قَائِل فَهَل فِي الْقُرْآن وَجه من وُجُوه الإعجاز غير مَا ذكرتموه من بديع نظمه وَعَجِيب رصفه وتأليفه قيل لَهُ أجل فِيهِ وَجْهَان آخرَانِ من وُجُوه الإعجاز أَحدهمَا مَا انطوى عَلَيْهِ من أَخْبَار الغيوب الَّتِي يعلم كل عَاقل عجز الْخلق عَن مَعْرفَتهَا والتوصل إِلَى إِدْرَاكهَا نَحْو قَوْله ﴿لتدخلن الْمَسْجِد الْحَرَام إِن شَاءَ الله آمِنين مُحَلِّقِينَ رؤوسكم وَمُقَصِّرِينَ لَا تخافون﴾ فدخلوه كَمَا وعدهم وَأخْبرهمْ وَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿سَيهْزمُ الْجمع وَيُوَلُّونَ الدبر﴾ فَكَانَ ذَلِك كَمَا أخبر وَقَوله ﴿لِيظْهرهُ على الدّين كُله وَلَو كره الْمُشْركُونَ﴾ وَقد أظهره الله وَأَعْلَى دَعوته وأذل الْمُلُوك المحاولة لأبطاله الَّتِي كَانَت حول صَاحب الدعْوَة إِلَيْهِ وَقَوله تَعَالَى ﴿وعد الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَعمِلُوا الصَّالِحَات ليَستَخْلِفنهم فِي الأَرْض كَمَا اسْتخْلف الَّذين من قبلهم﴾ وَكَانَ من ذَلِك مَا وعدهم الله تَعَالَى واستخلف الْأَرْبَعَة الْأَئِمَّة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وَقَوله للْيَهُود قل إِن كَانَت لكم الدَّار الْآخِرَة عِنْد الله خَالِصَة من دون النَّاس فتمنوا الْمَوْت إِن كُنْتُم صَادِقين وَلنْ يَتَمَنَّوْهُ أبدا بِمَا

стр. 164

قدمت أَيْديهم) فَأخْبر أَنهم إِن تمنوا الْمَوْت مَاتُوا وَأَنَّهُمْ لن يَتَمَنَّوْهُ فَلم يَتَمَنَّوْهُ على مَا أخبر بِهِ علما مِنْهُم بصدقه وَأَنَّهُمْ لَو تمنوا الْمَوْت لماتوا لَا محَالة وَكَذَلِكَ امْتنع النَّصَارَى عَن مباهلته عِنْد دُعَائِهِ لَهُم إِلَيْهَا ومطالبته بهَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَقل تَعَالَوْا نَدع أبناءنا وأبناءكم وَنِسَاءَنَا ونساءكم وأنفسنا وَأَنْفُسكُمْ ثمَّ نبتهل فَنَجْعَل لعنة الله على الْكَاذِبين﴾ فامتنعوا عَن المباهلة خوفًا من النكال وأليم الْعقَاب وَأَن ينزل بهم مَا توعدهم بِهِ وَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا لعلمهم بصدقه وَثُبُوت نبوته وَمن أَخْبَار الغيوب قَوْله تَعَالَى ﴿الم غلبت الرّوم فِي أدنى الأَرْض وهم من بعد غلبهم سيغلبون﴾ فَغلبَتْ الرّوم فَارس فِي بضع السنين كَمَا أخبر تَعَالَى فِي نَظَائِر هَذَا مِمَّا يكثر تتبعه واتفاق الصَّوَاب فِي هَذَا أجمع على سَبِيل التخمين وَالظَّن مُمْتَنع مُتَعَذر فَدلَّ ذَلِك على أَنه من أَخْبَار علام الغيوب سُبْحَانَهُ وَالْوَجْه الآخر مَا عَلَيْهِ الْقُرْآن من قصَص الْأَوَّلين وسير الماضين وَأَحَادِيث الْمُتَقَدِّمين وَذكر مَا شجر بَينهم وَكَانَ فِي أعصارهم مِمَّا لَا يجوز حُصُول علمه إِلَّا لمن كثر لقاؤه لأهل السّير ودرسه لَهَا وعنايته بهَا ومجالسته لأَهْلهَا وَكَانَ مِمَّن يَتْلُوا الْكتب ويستخرجها مَعَ الْعلم بِأَن النَّبِي ﷺ لم يكن يَتْلُو كتابا وَلَا يخطه بِيَمِينِهِ وَأَنه لم يكن مِمَّن يعرف بدراسة الْكتب

стр. 165

ومجالسة أهل السّير وَالْأَخْذ عَنْهُم وَلَا لَقِي إِلَّا من لقوه وَلَا عرف إِلَّا من عرفوه وَأَنَّهُمْ يعْرفُونَ دأبه وديدنه ومنشأه وتصرفه فِي حَال إِقَامَته بَينهم وظعنه عَنْهُم فَدلَّ ذَلِك على أَن الْمخبر لَهُ عَن هَذِه الْأُمُور هُوَ الله سُبْحَانَهُ علام الغيوب فَهَذَا وَجه الإعجاز فِي الْقُرْآن بَاب الْكَلَام على الْيَهُود فِي الْأَخْبَار وَقد افْتَرَقت الْيَهُود فِي الأَصْل على فرْقَتَيْن فَزَعَمت الشمعنية مِنْهُم أَن نسخ الشَّرَائِع وإرسال نَبِي بعد مُوسَى ﵇ لنسخ شَرِيعَته جَائِز من طَرِيق الْعقل وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا منعُوا نسخ شريعتهم على يَد نَبِي بعد نَبِيّهم من جِهَة تَوْقِيف الله جلّ اسْمه فِي التَّوْرَاة وعَلى لِسَان مُوسَى ﵇ أَنه لَا ينسخها وَلَا يبْعَث نَبِي بتبديلها بِأَلْفَاظ سنذكر بَعْضهَا وَزَعَمت الْعِنَايَة مِنْهُم أَن نسخ الشَّرَائِع محَال من جِهَة الْعقل وَأَن السّمع أَيْضا قد ورد بتأكيد مَا فِي الْعقل من ذَلِك وَأَجْمعُوا إِلَّا فريقا مِنْهُم على أَن نسخ الشَّيْء قبل امتثاله وَوقت فعله بداء

стр. 166

وَدلَالَة على الْجَهْل إِلَّا فريقا مِنْهُم فَإِنَّهُم أَجَازُوا نسخ الْعِبَادَة بِمَا هُوَ أغْلظ مِنْهَا وأشق على سَبِيل الْعقُوبَة للمكلف وَقَالَت السامرية مِنْهُم بنبوة مُوسَى وَهَارُون ويوشع بن نون وَأنْكرت بنبوة غَيرهم من الرُّسُل الَّذين بعدهمْ كسليمان وحزقيل وَالْيَسع وَغَيرهم وَقَالَ الْبَاقُونَ مِنْهُم بنبوة كل من ظَهرت الْأَعْلَام على يَده

стр. 167

بعد مُوسَى وَأَن مُحَمَّدًا وَعِيسَى ﵉ ليسَا نبيين وَأَن الَّذِي أظهراه إِمَّا أَن يكون لَا أصل لَهُ أَو يكون من الْحِيَل والمخاريق وَأَن عِيسَى الَّذِي هُوَ الْمَسِيح الَّذِي أخبروا بنبوته لم يَأْتِ بعد وَأَنه سَيَأْتِي وَأَنه نَبِي صَادِق وَزَعَمت العيسوية مِنْهُم أَصْحَاب أبي عِيسَى الْأَصْبَهَانِيّ أَن مُحَمَّدًا وَعِيسَى ﵉ نبيان صادقان وأنهما أرسلا إِلَى قومهما وَلم يرسلا بتبديل شَرِيعَة مُوسَى فَيُقَال لَهُم جَمِيعًا مَا الدَّلِيل على إِثْبَات نبوة مُوسَى ﵇ فَإِن قَالُوا مَا ظهر على يَده من الْأَعْلَام المعجزة كفلق الْبَحْر وَإِخْرَاج الْيَد الْبَيْضَاء وَغير ذَلِك من أَعْلَامه قيل لَهُم وَمَا الدَّلِيل على صِحَة هَذِه الْأَعْلَام وثبوتها مَعَ علمكُم بِخِلَاف من يُخَالف فِيهَا من البراهمة وَالْمَجُوس والملحدين وَأهل التنجيم وَغَيرهم من الجاحدين فَإِن قَالُوا

стр. 168

الدَّلِيل على ذَلِك نقل الْيَهُود خلفا عَن سلف وهم قوم بهم تقوم الْحجَّة لما هم عَلَيْهِ من كَثْرَة الْعدَد وتفرق الدَّوَاعِي والهمم وتباين الأوطان وتباعد الديار وَاخْتِلَاف الْمذَاهب وَالْكذب مُمْتَنع على مثلهم أَن مُوسَى ﵇ أَتَى بِهَذِهِ الْأَعْلَام الَّتِي ذَكرنَاهَا فَوَجَبَ الْعلم بِصِحَّتِهَا يُقَال لَهُم أَلَيْسَ قد أنكر جَمِيع من قدمنَا ذكره من الْمَجُوس والبراهمة وَغَيرهم صِحَة مَا نَقله أسلافكم وأخلافكم فَكيف يكون النَّقْل مُوجبا للْعلم مَعَ إِنْكَار من أنكرهُ وَطعن من طعن فِيهِ فَإِن قَالُوا إِذا اسْتَوَى أول الْخَبَر وطرفاه من آخِره ووسطه ثبتَتْ صِحَّته وَوَجَب الْعلم بِصدق نقلته وَإِن خَالف فِي ذَلِك مخالفون يُقَال لَهُم مَا أنكرتم أَن يكون مُحَمَّد ﷺ نَبيا وَأَن يكون مَا أثْبته الْمُسلمُونَ من أَعْلَامه صَحِيحا بِنَقْل من نقل ذَلِك من الْمُسلمين وَذَلِكَ أَن الْمُسلمين فِي وقتنا هَذَا قوم ببعضهم يثبت التَّوَاتُر وَتقوم الْحجَّة وَقد نقلوا خلفا عَن سلف مَعَ كَثْرَة عَددهمْ وتنافر طباعهم وتباين أغراضهم ودواعيهم وَاخْتِلَاف آرائهم ومذاهبهم وتفرق أوطانهم وَامْتِنَاع جَوَاز الْكَذِب على مثلهم أَن مُحَمَّدًا ﷺ أَتَى بالأعلام الباهرة والبراهين اللائحة فَمِنْهَا مَا قد أطبقوا جَمِيعًا وَسَائِر أهل الْملَل على نَقله وَالْعلم بِهِ كالقرآن وَمِنْهَا مَا أخْبرت الْحجَّة من الْمُسلمين أَنَّهَا أَخَذته عَن حجَّة وَالْحجّة عَن مثلهَا حَتَّى يَنْتَهِي ذَلِك إِلَى قوم نقلوه بِحَضْرَة جمَاعَة الصَّحَابَة

стр. 169

وأضافوه إِلَى مشاهدتهم وَعَلمُوا تصديقهم لما ادعِي عَلَيْهِم وإقرارهم بِصِحَّتِهِ كَالَّذي نقل من أَعْلَام مُوسَى وادعي فِيهِ مُشَاهدَة من سلف مِمَّن عاصره فَوَجَبَ الْقَضَاء بنبوة مُحَمَّد ﷺ وَإِن قَالُوا سلف الْمُسلمين الَّذين أَخذ النَّقْل عَنْهُم كَانُوا قلَّة وَنَفَرًا يجوز على مثلهم الْكَذِب وَإِن كَانَ خَلفهم الْيَوْم بِخِلَاف هَذِه الصّفة فَلذَلِك لم يجب الْعلم بصدقهم قيل لَهُم فَمَا أنكرتم أَن يكون السّلف الَّذين نقلوا فِي الأَصْل أَعْلَام مُوسَى ﵇ قلَّة وَنَفَرًا يجوز على مثلهم الْكَذِب فَلذَلِك لم يجب ثُبُوتهَا وَعلم البراهمة وَالْمَجُوس بِصِحَّتِهَا فَإِن قَالُوا قد أخْبرت الْيَهُود وهم الْيَوْم حجَّة أَنهم أخذُوا هَذَا النَّقْل عَن قوم هم حجَّة كهم وَعَمن نقل بِحَضْرَة الْحجَّة وَادّعى حضورهم لإِخْرَاج الْيَد بَيْضَاء ومشاهدتهم لذَلِك فأمسكوا عَن إِنْكَاره قيل لَهُم فَكَذَلِك الْمُسلمُونَ وهم الْيَوْم حجَّة بل بَعضهم يخبرون أَنهم أخذُوا نقلهم عَن حجَّة كهم وَمِمَّنْ نقل بِحَضْرَة الْحجَّة فَلم يُنكر مَا نَقله مَعَ ادعائه حضورهم فَإِن قَالُوا لَو كَانَ ذَلِك كَمَا يدعونَ لعلمنا صدقهم فِيمَا نقلوه ضَرُورَة قيل لَهُم أول مَا فِي هَذَا تجويزكم الْكَذِب على عدد الْمُسلمين الْيَوْم فِي قَوْلهم إِنَّمَا أخذُوا ذَلِك عَن حجَّة وَإِن جَازَ الْكَذِب عَلَيْهِم فِي هَذِه الدَّعْوَى جَازَ عَلَيْهِم فِي جَمِيع مَا يَدعُونَهُ وينقلونه وَجَاز أَيْضا على

стр. 170

أمثالهم من الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس ونقلة الْبلدَانِ وَفِي ذَلِك التعطيل للْأَخْبَار وَالْعلم بِشَيْء من جِهَتهَا أصلا وتجويز أَن تكون الْيَهُود الْيَوْم كَاذِبَة فِي قَوْلهَا إِن النَّقْل أَخَذته عَن حجَّة كهي وَذَلِكَ مَا لَا خلاص مِنْهُ وَيُقَال لَهُم لَو كَانَ مَا تنقله الْيَهُود الْيَوْم وتدعيه صَحِيحا ومأخوذا عَن مثلهَا من سلف هم حجَّة لعلم الْمُلْحِدُونَ والبراهمة وَأهل التَّثْنِيَة وَالْمَجُوس وَأَصْحَاب الطبائع والفلاسفة والمنجمون صِحَة نقلهم اضطرارا فَلَمَّا لم تكن ذَلِك كَذَلِك وَكَانَ سَائِر من ذَكَرْنَاهُمْ يجْحَد نقلهم بَطل أَن يكون صَحِيحا فَإِن قَالُوا هم يعلمُونَ ذَلِك ضَرُورَة وَلَكنهُمْ يجحدون مَا يعلمُونَ قيل لَهُم وَكَذَلِكَ أَنْتُم وَسَائِر النَّصَارَى عالمون بِصِحَّة نقل الْمُسلمين لأعلام نَبِيّهم غير أَنكُمْ تجحدون ذَلِك على علم مِنْكُم لصِحَّته فَإِن قَالُوا نجد أَنْفُسنَا بِخِلَاف مَا تدعون قيل لَهُم وَكَذَلِكَ تزْعم البراهمة وَالْمَجُوس والفلاسفة وَأهل الْإِلْحَاد أَنهم يَجدونَ أنفسهم غير عَالمين بِصِحَّة نقلكم فَلم يجب تصديقكم وَلَا جَوَاب لَهُم عَن ذَلِك وَإِن هم قَالُوا لَيْسَ نعلم صدق السّلف الَّذين نقلوا أَعْلَام مُوسَى واضطرارا وَإِنَّمَا نعلم ذَلِك من أَمرهم اسْتِدْلَالا لسكوت من سكت عَن إِنْكَار مَا نقلوه مَعَ ادِّعَاء حضورهم ومشاهدتهم وَمن صد عَن النّظر فِي

стр. 171

ذَلِك جهل الْحق فِيمَا نقلوه قيل لَهُم مثل ذَلِك فِي الْعلم بِصِحَّة كثير من أَعْلَام النَّبِي ﷺ وَأَنَّهَا مَعْلُومَة بِمثل هَذَا الِاسْتِدْلَال وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا جهلوا لتركهم النّظر فِيمَا يدل على صِحَّته فَإِن قَالُوا إِنَّمَا وَجب صِحَة نقل أَعْلَام مُوسَى والانقياد لَهُ لإطباق أهل الْأَدْيَان الْمُخْتَلفَة عَلَيْهِ كاليهود وَالنَّصَارَى وَالْمُسْلِمين وَهَذِه الْعلَّة مفقودة من خبركم قيل لَهُم لم وَجب ذَلِك دون أَن يجب بُطْلَانه وتكذيبه لِاجْتِمَاع أهل الْأَدْيَان الْمُخْتَلفَة على تَكْذِيبه ورده كالبراهمة وَالْمَجُوس والفلاسفة وضروب الدهرية فَإِن كَانَ إطباق الْمُخْتَلِفين فِي دياناتهم على تَكْذِيب الْمخبر لَا يدل على كذبه فَمَا أنكرتم أَن يكون إطباق الْمُخْتَلِفين فِي دياناتهم على تَصْدِيق المخبرين لَا يدل على صدقهم ثمَّ يُقَال لَهُم فَمَا أنكرتم من وجوب ثُبُوت خبر الْمُسلمين وَصدقهمْ لإطباقهم وإطباق العيسوية مِنْكُم على تصديقهم وهم أهل دينين مُخْتَلفين وملتين متباينتين فَإِن قَالُوا العيوسية إِنَّمَا أخذُوا نقل أَعْلَام مُحَمَّد ﷺ عَنْكُم وَأَنْتُم فِي الأَصْل فرقة وَاحِدَة قيل لَهُم وَكَذَلِكَ الْمُسلمُونَ وَالنَّصَارَى إِنَّمَا أخذُوا نقل أَعْلَام مُوسَى ﵇ عَن أسلافكم وعنكم وَأَنْتُم فِي الأَصْل فرقة وَاحِدَة فَلَا تجب الْحجَّة بنقلكم ثمَّ يُقَال لَهُم فَيجب على مَوْضُوع اعتلالكم تَصْحِيح آيَات الْمَسِيح ﵇ لإطباقنا وَالنَّصَارَى والعيسوية على صِحَّتهَا فَإِن أجابوا إِلَى ذَلِك تركُوا دينهم وَإِن أَبوهُ تركُوا اعتلالهم

стр. 172

فَإِن قَالُوا قد ضمت النَّصَارَى إِلَى نقلهم أَعْلَام الْمَسِيح مَا تحبله الْعُقُول من التَّثْلِيث قيل لَهُم إِن النَّصَارَى لم تنقل التَّثْلِيث فَيفْسد نقلهَا وَإِنَّمَا تأولته واستدلت عَلَيْهِ عِنْد أَنْفسهَا وَضربت للحلول والاتحاد والأقانيم والجوهر الْأَمْثَال وغلطت وأخطأت فِي اجتهادها وتأويلها وَذَلِكَ لَا يُوجب غلطها فِي نقلهَا أَن الْمَسِيح أَبْرَأ الأكمه والأبرص وَمَشى على المَاء وَنَحْو ذَلِك فَبَطل مَا قُلْتُمْ وَيُقَال لَهُم فَيجب تَصْحِيح أَعْلَام الْمَسِيح صلى الله عَلَيْهِ وعَلى نَبينَا وَسلم بنقلنا وَنقل العيسوية وَنقل الْمُوَحدَة من النَّصَارَى من رُؤُوس الأروسية الَّذين يَقُولُونَ إِن عِيسَى ابْن الله على جِهَة الِاخْتِصَاص وَالْإِكْرَام وَلَا يَجدونَ لذَلِك مدفعا ثمَّ يُقَال لَهُم فَيجب أَيْضا أَن يكون نقل الْيَهُود لأعلام مُوسَى كذبا بَاطِلا لأَنهم قد ضمُّوا إِلَى نقل ذَلِك مَا تحيله الْعُقُول من قَوْلهم بالتشبيه والتجسيم وَأَن الله تَعَالَى جسم ذُو صُورَة ومتناه مَحْدُود أَبيض الرَّأْس واللحية وَأَنه مهموم محزون بِمَا عَلَيْهِ الْعباد من الظُّلم وَالْفساد فِي الأَرْض وَأَنه تَعَالَى عَن قَوْلهم نَدم على الطوفان وتغريق الْعَالم وَقَالَ لن أَعُود إِلَى إغراق الأَرْض أبدا وتخطوا فِي الْجَهْل إِلَى حد لن تبلغه النَّصَارَى فِي التَّثْلِيث والاتحاد

стр. 173

وَإِن قَالُوا لَيْسَ كل الْيَهُود يَقُولُونَ ذَلِك قيل لَهُم وَلَا كل النَّصَارَى يَقُولُونَ بالتثليث وَإِثْبَات النُّبُوَّة على حد مَا تذْهب إِلَيْهِ الملكية واليعاقبة والنسطورية وَنحن إِنَّمَا نحتج بقول الْمُوَحدَة مِنْهُم فَإِن قَالُوا لَيْسَ فِي النَّصَارَى إِلَّا قَائِل بالتثليث الَّذِي تحيله الْعُقُول قيل لَهُم وَلَا فِي الْيَهُود إِلَّا قَائِل بالتشبيه والتجسيم الَّذِي تحيله الْعُقُول وَلَا جَوَاب عَن ذَلِك ثمَّ يُقَال لَهُم خبرونا عَن نقلكم أَعْلَام مُوسَى ﵇ هَل كَانَت الْحجَّة قَائِمَة بِهِ قبل وجود النَّصَارَى وَالْمُسْلِمين وإطباقهم مَعكُمْ على النَّقْل مَعَ خلاف البراهمة لكم وَسَائِر من ذَكرْنَاهُ فَإِن قَالُوا لَا تركُوا دينهم وأوجبوا سُقُوط فرض شَرِيعَة مُوسَى عَن كل برهمي ومجوسي وملحد وفلسفي وَأَنه لَا حجَّة عَلَيْهَا قبل نقل الْمُسلمين وَالنَّصَارَى لأعلام مُوسَى وَلَيْسَ ذَلِك من قَوْلهم وَإِن قَالُوا قد كَانَت الْحجَّة لَازِمَة بِنَقْل الْيَهُود وحدهم مَعَ خلاف من خالفهم مَعَ كَثْرَة عَددهمْ وَاخْتِلَاف دياناتهم قيل لَهُم فَمَا أنكرتم من قيام الْحجَّة بِنَقْل الْمُسلمين لأعلام نَبِيّهم ﷺ مَعَ خلاف من خالفهم من أهل الْملَل فَلَا يَجدونَ بدا من ترك مَا تعلقوا بِهِ ثمَّ يُقَال لَهُم هَل يَخْلُو نقل الْمُسلمين وَالنَّصَارَى لأعلام مُوسَى عَلَيْهِ

стр. 174

السَّلَام من أَن يكون مأخوذا فِي الأَصْل عَنْكُم أَو عَن عِيسَى وَمُحَمّد اللَّذين لم يأخذا عَنْكُم وَإِنَّمَا أخذا عَن الله تَعَالَى فَإِن كَانُوا إِنَّمَا أخذُوا ذَلِك عَنْكُم وَأَنْتُم فِي الأَصْل طبقَة وَاحِدَة وَالْحجّة بقول الطَّبَقَة الْوَاحِدَة غير ثَابِتَة وَإِن كَانُوا أخذُوا ذَلِك عَن عِيسَى وَمُحَمّد اللَّذين لم يأخذا عَنْكُم فقد أخذُوا عَن الله سُبْحَانَهُ وَهَذَا إِقْرَار مِنْكُم بنبوتهما فَإِن قَالُوا إِنَّمَا وَجب صِحَة نقل الْيَهُود لأَنهم فِي دَار ذلة وَمِمَّنْ تُؤْخَذ مِنْهُم الْجِزْيَة وَلَيْسَ كَذَلِك الْمُسلمُونَ لأَنهم لَيْسُوا فِي دَار ذلة وَلَا مِمَّن يُؤَدِّي الْجِزْيَة فَيُقَال لَهُم فَلَا يجب على قَوْلكُم إِثْبَات صِحَة خبر نقلة الْبلدَانِ وَالسير لِأَنَّهُ لَيْسَ بوارد عَن أهل ذلة وَمِمَّنْ يُؤَدِّي جِزْيَة وَيجب لهَذِهِ الْعلَّة صِحَة نقل النَّصَارَى لأعلام عِيسَى ﵇ لأَنهم فِي دَار ذلة وَمِمَّنْ يُؤَدِّي الْجِزْيَة فَلَا يَجدونَ من ذَلِك بدا أَو يتْركُوا اعتلالهم وَيُقَال لَهُم فَيجب سُقُوط فرض اعْتِقَاد نبوة مُوسَى ﵇ وَصِحَّة مَا جَاءَ بِهِ قبل أَن يحصوا فِي دَار ذلة وَتُؤْخَذ مِنْهُم الْجِزْيَة فَإِن مروا على ذَلِك تركُوا دينهم وَإِن أَبوهُ أبطلوا هَذَا الشَّرْط فِي صِحَة الْأَخْبَار وَيُقَال لَهُم فَيجب صِحَة أَعْلَام الْمَسِيح لإطباقهم والعيسوية وَنحن مَعَهم على نقلهَا لِأَن الْفَرِيقَيْنِ يؤدون جِزْيَة وَهِي فِي دَار ذلة وَكَذَلِكَ يجب

стр. 175

صِحَة نقل الْمُسلمين لأعلام مُحَمَّد ﷺ لإطباق العيسوية على نقلهَا وهم أهل ذلة وَمِمَّنْ يُؤَدِّي الْجِزْيَة فَإِن قَالُوا عَنْكُم أخذُوا هَذَا النَّقْل وَأَنْتُم فِي الأَصْل فرقة وَاحِدَة قيل لَهُم وَكَذَلِكَ الْمُسلمُونَ وَالنَّصَارَى وَمُحَمّد وَعِيسَى ﵉ إِنَّمَا أخذُوا النَّقْل لأعلام مُوسَى عَنْكُم وَأَنْتُم فِي الأَصْل طبقَة وَاحِدَة وَنقل الْفرْقَة عنْدكُمْ لَا تقوم بِهِ الْحجَّة فَبَطل نقلكم فَإِن قَالُوا قد شهدتم وَشهِدت النَّصَارَى لنا بِصِحَّة أَعْلَام مُوسَى وَذَلِكَ كالبينة على دعوانا وَلم نشْهد لكم بِصِحَّة أَعْلَام نَبِيكُم قيل لَهُم وشهاداتنا وَشَهَادَة النَّصَارَى هِيَ شَهَادَة على شهادتكم وَأَنْتُم فِي الأَصْل فرقة وَاحِدَة وَكَثْرَة الشَّهَادَات على شَهَادَة وَاحِدَة من وَاحِد أَو فرقة وَاحِدَة لَيست بِحجَّة وَلَا بَيِّنَة ثمَّ يُقَال لَهُم وَكَذَلِكَ قد شَهِدنَا نَحن والعيسوية بِصِحَّة أَعْلَام عِيسَى ﵇ فَيجب إِثْبَاتهَا عنْدكُمْ فَإِن قَالُوا شَهَادَتهم على ذَلِك شَهَادَة على شهادتكم وَهِي شَهَادَة وَاحِدَة فِي الأَصْل قيل لَهُم مثل ذَلِك فِيمَا تعلقوا بِهِ فَإِن قَالُوا إِنَّمَا وَجب القَوْل بِثُبُوت أَعْلَام مُوسَى ﵇ لِأَن الناقلة لَهَا لم يحملوا على نقلهم بِالسَّيْفِ ونقلة أَعْلَام مُحَمَّد ﵇ محمولون على النَّقْل بِالسَّيْفِ قيل لَهُم وَلم زعمتم أَنا محمولون على النَّقْل للأعلام بِالسَّيْفِ وَمَا دليلكم على ذَلِك وَمَا أنكرتم أَن تكون هَذِه الدَّعْوَى كذبا لأننا لم نحمل أحدا أسلم وَأقر بِالشَّهَادَتَيْنِ على نقل أَعْلَام نَبينَا ﵇ وَلَو اعْترض معترض جُمْهُور الْأمة لم نجد عِنْدهَا

стр. 176

من نقل هَذِه الْأَعْلَام شَيْئا وَلَا معرفَة بِكَثِير مِنْهَا وَإِنَّمَا نطالبهم بِالدُّخُولِ فِي الدّين بعد قيام الْحجَّة فَقَط ثمَّ يُقَال لَهُم أَلَيْسَ مُوسَى ﵇ كَانَ من دينه وشريعته أَن يقتل من ارْتَدَّ عَن دينه وَفَارق مِلَّته بعد الدُّخُول فِيهَا فَإِذا قَالُوا نعم قيل لَهُم فَمَا أنكرتم أَن تَكُونُوا محمولين على نقل أَعْلَام مُوسَى ﵇ بِالسَّيْفِ وَأَن يكون أسلافكم الَّذين كَانَت مِنْهُم الْمِنَّة والرئاسة إِنَّمَا دخلُوا فِي دين مُوسَى رَغْبَة وحبا لأسباب الدُّنْيَا والترأس فِيهَا وَضمن لَهُم ذَلِك فَلَمَّا دخلُوا فِي الدّين لم يُمكنهُم الْخُرُوج مِنْهُ خوفًا من الْقَتْل فصاروا محمولين على النَّقْل فَإِن قَالُوا لم يكن أسلافنا يحملون النَّاس على الدُّخُول فِي الدّين وَإِن حملوهم على الْمقَام عَلَيْهِ بعد الدُّخُول فِيهِ فَلم يَكُونُوا لذَلِك محمولين قيل لَهُم وَكَذَلِكَ نَحن لَا نقْتل من دخل فِي ديننَا إِذا لم ينْقل أَعْلَام نَبينَا وَلَا نقْتل أَيْضا من أدّى الْجِزْيَة وَأقَام على دينه وَلم يدْخل فِي ديننَا إِذا لم ينْقل أَعْلَام نَبينَا أَو كَانَ من أهل الْعَهْد وَالصُّلْح فَلم يجز أَن يَكُونُوا محمولين على نقل أَعْلَام نَبينَا ﵇ وَيُقَال لَهُم أَيْضا فَيجب صِحَة نقل أَعْلَام مُحَمَّد بِنَقْل العيسوية وهم أمة عَظِيمَة لِأَنَّهَا لم تحمل على ذَلِك بِالسَّيْفِ وَكَذَلِكَ يجب صِحَة نقل أَعْلَام الْمَسِيح ﵇ لنقلهم وَنقل العيسوية لَهَا وهم غير محمولين على النَّقْل بِالسَّيْفِ فَإِن قَالُوا النَّصَارَى مَحْمُولَة على النَّقْل بِالسَّيْفِ قيل لَهُم وَكَذَلِكَ أَنْتُم محمولون وَقيل لَهُم فالعيسوية غير مَحْمُولَة على نقل أَعْلَام

стр. 177

الْمَسِيح فَيجب إِثْبَات أَعْلَامه بنقلهم وَيُقَال لِلنَّصَارَى إِن قَالُوا لنا أَنْتُم محمولون على نقلكم بِالسَّيْفِ مَا أنكرتم أَن تَكُونُوا أَيْضا محمولين على نقلكم بِالسَّيْفِ فَإِن قَالُوا النَّصَارَى مفترقون فِي الْبِلَاد والمهامة وبطون الأودية ورؤوس الْجبَال والصوامع وأطراف السَّنَد والهند فَكيف يكونُونَ محمولين على النَّقْل بِالسَّيْفِ وَلَا أحد فِي هَذِه الْبِقَاع يحملهم قيل لَهُم ولليهود وَكَذَلِكَ الْمُسلمُونَ منتشرون فِي البراري والقفار والبحار والرباطات وأطراف الْبِلَاد وَفِي دَار مملكتكم وَتَحْت غلبتكم بقسطنطينية وعمورية ورومية وَفِي قلاعكم ومطاميركم وَفِي أسركم مِنْهُم خلق عَظِيم لَا يحصي عَددهمْ إِلَّا الله تَعَالَى كلهم ينقلون أَعْلَام النَّبِي ﷺ ويدينون بِدِينِهِ فَكيف يكون من ذَكرْنَاهُ مَحْمُولا على تَصْدِيق مُحَمَّد ﷺ وَنقل أَعْلَامه فَإِن قَالُوا جَمِيع من ذكرْتُمْ إِنَّمَا أخذُوا النَّقْل فِي الأَصْل عَن قوم محمولين عَلَيْهِ قيل لَهُم وَكَذَلِكَ جَمِيع من ذكرتموه من النَّصَارَى وَالْيَهُود فِي سَائِر الأقطار إِنَّمَا أخذُوا النَّقْل عَن قوم محمولين عَلَيْهِ فِي الأَصْل أَو عَمَّن حمل عَلَيْهِ وألجىء إِلَيْهِ بِالسَّيْفِ وَلَا جَوَاب لَهُم عَن ذَلِك ثمَّ يُقَال لَهُم خبرونا عَن الْحَامِل للْمُسلمين على النَّقْل أهم

стр. 178

الحاملون لأَنْفُسِهِمْ أم غَيرهم مِمَّن باين ملتهم وَكذب نَبِيّهم حملهمْ على نقل أَعْلَامه بِالسَّيْفِ فَإِن قَالُوا غَيرهم حملهمْ مَعَ تكذيبهم لنبيهم تجاهلوا وَتركُوا قَوْلهم وَمَا توجبه قَضِيَّة الْعقل وَالْعَادَة وَإِن قَالُوا هم الحاملون لأَنْفُسِهِمْ على نقل أَعْلَام نَبِيّهم قيل لَهُم فَكيف يحمل الْحَامِل نَفسه على الشَّيْء إِلَّا من حَيْثُ لَو آثروا ترك النَّقْل لصاروا إِلَيْهِ وَوَقع مِنْهُم فَهَذَا يعود إِلَى أَنهم نقلوا ذَلِك مختارين للنَّقْل وَإِن قَالُوا إِنَّمَا صَارُوا محمولين على النَّقْل بِأَن حمل بَعضهم بَعْضًا يُقَال لَهُم فَلَا بُد أَن تكون فيهم فرقة غير مَحْمُولَة هِيَ الحاملة لغَيْرهَا فَإِذا قَالُوا هُوَ كَذَلِك قيل لَهُم فَمَا أنكرتم أَن تكون أَعْلَام مُحَمَّد ﷺ صَحِيحَة ثَابِتَة بِنَقْل تِلْكَ الطَّبَقَة الَّتِي هِيَ غير مَحْمُولَة أصلا وَهَذَا يبطل تعلقهم بِالْحملِ وَإِن قَالُوا هَذِه الْفرْقَة الَّتِي لَيست بمحمولة يقصر عَددهَا عَن عدَّة من يُوجب خَبره الْعلم قيل لَهُم وَكَذَلِكَ الأَصْل فِي الَّذين نقلوا أَعْلَام مُوسَى وأخذتم النَّقْل عَنْهُم فرقة يقصر عَددهَا عَن عدَّة من يُوجب خَبره الْعلم فَإِن قَالُوا قد أخْبرت الْيَهُود الْيَوْم وهم أهل تَوَاتر أَن سلفهم

стр. 179

كخلفهم فَوَجَبَ صدقهم فِي ذَلِك قيل لَهُم فَمَا بَال البراهمة وَالْمَجُوس وَأهل الْإِلْحَاد والتنجيم والفلاسفة لَا يعلمُونَ ذَلِك ويجحدونه وينكرونه فَإِن قَالُوا هم يعلمُونَ ذَلِك وَلَكنهُمْ يكابرون قيل لَهُم فَكَذَلِك الْمُسلمُونَ قد أخبروا الْيَوْم وهم أهل تَوَاتر أَنهم أخذُوا النَّقْل عَن سلف كخلفهم وَمن آحَاد نقلوا بِحَضْرَة من هُوَ كخلفهم وَادعوا حضورهم وسلموا نقلهم فَوَجَبَ صدقهم وَأَنْتُم وكل وَاحِد تعلمُونَ ذَلِك وَلَكِنَّكُمْ تجحدون وتعاندون وَلَا جَوَاب عَن ذَلِك فَإِن قَالُوا لَيْسَ تنكر البراهمة وَالْمَجُوس والفلاسفة والملحدة ظُهُور هَذِه الْأُمُور على يَد مُوسَى وَإِنَّمَا يدعونَ أَنَّهَا حيل ومخاريق قيل لَهُم لَيْسَ كَذَلِك كَمَا تَقولُونَ لأَنهم جَمِيعًا يُنكرُونَ فلق الْبَحْر وَخُرُوج الْيَد بَيْضَاء ونبع المَاء من الصَّخْرَة جملَة وَإِنَّمَا يستضعفون بعض من يسلمُونَ لَهُ ذَلِك جدلا طَمَعا فِي انتهاز فرصته وَإِظْهَار عَجزه من كل وَجه وَقيل لَهُم وَكَذَلِكَ أَنْتُم لَا تنكرون إِذا خلوتم بِأَنْفُسِكُمْ أَن يكون مُحَمَّد ﷺ أَتَى بِهَذِهِ المعجزات الخارقة للْعَادَة وَإِنَّمَا تظنون أَنَّهَا حيل ومخاريق فَإِن قَالُوا لسنا نقُول ذَلِك قيل لَهُم وَكَذَلِكَ البراهمة وَالْمَجُوس وَأهل الْإِلْحَاد لَا يقرونَ بِوُجُود شَيْء مِمَّا تَدعُونَهُ لمُوسَى ﵇ وَلَا جَوَاب عَن ذَلِك وَقد زعم كثير من الْيَهُود أَن من شَرط الْخَبَر الْمُوجب للْعلم الْقَاطِع للْعُذْر أَن تكون الناقلة لَا يحصرهم عدد وَلَا يحويهم بلد وَلَا يجوز

стр. 180

على مثلهم التكاتب والتراسل وَأَن تتغاير آباؤهم وتختلف أنسابهم وتتفرق دواعيهم وهممهم وأغراضهم وَأَن تخْتَلف مللهم ودياناتهم وَألا يحملوا على نقلهم بِالسَّيْفِ وَلَا يضموا إِلَى خبرهم مَا تحيله الْعُقُول وَأَن يَكُونُوا فِي دَار ذلة وَمِمَّنْ تُؤْخَذ مِنْهُم الْجِزْيَة قَالُوا وكل هَذِه الشَّرَائِط مَوْجُودَة فِي نقل الْيَهُود دون الْمُسلمين وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس لِأَن الْمُسلمين محمولون على نقلهم بِالسَّيْفِ وَالْمَجُوس يَقُولُونَ بقدم اثْنَيْنِ وَعبادَة النُّور وَهُوَ شخص مَحْدُود وَالنَّصَارَى يَقُولُونَ بالتثليث وكل هَذَا تحيله الْعُقُول وتدفعه فَوَجَبَ الْقَضَاء بِصِحَّة أَعْلَام مُوسَى ﵇ دون أَعْلَام مُحَمَّد وَعِيسَى وزرادشت وَقد تكلمنا عَلَيْهِم فِي الْحمل على نقل الْأَعْلَام بِمَا يُغني عَن رده وَكَذَلِكَ قد قدمنَا القَوْل فِي اشتراطهم كَون النقلَة فِي دَار ذلة وَمِمَّنْ تُؤْخَذ مِنْهُم الْجِزْيَة وَفِي ضم مَا تحيله الْعُقُول إِلَى النَّقْل فِي تَوْثِيق الْخَبَر بإطباق أهل الْملَل الْمُخْتَلفَة عَلَيْهِ وَبينا أَنه لَا تعلق لَهُم فِي شَيْء مِمَّا ذَكرُوهُ فَأَما تغاير الْآبَاء وَاخْتِلَاف الْأَنْسَاب وتباعد الأوطان والديار فَإِنَّهُ لَا معنى لَهُ وَلَا لاشتراطه لِأَنَّهُ لَو نقل إِلَيْنَا خَبرا عَن مُشَاهدَة أهل بَلْدَة وَاحِدَة وَبَنُو أَب وَاحِد وَأهل نسب وَاحِد وَأهل دين وَاحِد وهم أهل تَوَاتر لوَجَبَ الْعلم بصدقهم وَصِحَّة نقلهم وَكَذَلِكَ لَو كَانَت حرفتهم وَاحِدَة وَأما اشتراطهم أَلا يضموا إِلَى خبرهم مَا تحيله الْعُقُول فَإِنَّهُ بَاطِل لِأَن
следующие страницы →