← Акыда

Акыда · id 6389

تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل

الباقلاني

Полный текст (536 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الْمُسْتَحقّين للنَّفس وَلَكِن لأجل قيام الدَّلِيل على أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا سَاد مسد الآخر وناب مَنَابه وَكَذَلِكَ اشْتِرَاك الشَّيْئَيْنِ فِي الاسمين المشتقين من مَعْنيين لَا يُوجب تشابه مَا اشتقا مِنْهُ فَلذَلِك لم يجب اشْتِبَاه صِفَات الْقَدِيم سُبْحَانَهُ وصفاتنا وَإِن كَانَت توجب الِاشْتِقَاق على وَجه وَاحِد وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق فِي نفي خلق الْقُرْآن قَالَ أَبُو بكر وَالَّذِي يدل على نفي خلق الْقُرْآن من الْقُرْآن قَوْله تَعَالَى إِنَّمَا قَوْلنَا لشَيْء إِذا أردناه أَن نقُول لَهُ كن فَيكون فَلَو كَانَ الْقُرْآن مخلوقا لَكَانَ مخلوقا بقول آخر وَذَلِكَ يُوجب أَن لَا يُوجد من الله تَعَالَى فعل أصلا إِذا كَانَ لَا بُد أَن يُوجد قبله أَفعَال هِيَ أقاويل لَا غَايَة لَهَا وَذَلِكَ محَال بِاتِّفَاق منا وَمِنْهُم دَلِيل آخر وَهُوَ أَنه لَو كَانَ الْقُرْآن مخلوقا لَكَانَ لَا يَخْلُو أَن يكون جسما قَائِما بِنَفسِهِ أَو عرضا مَفْعُولا فِي غَيره ويستحيل أَن يكون جسما كَمَا أَنه لَا يجوز أَن يكون بِنَفسِهِ قَائِما وَأَن يكون كلَاما لَا لمتكلم لِأَن الْجِسْم لَيْسَ لَهُ تعلق بِغَيْرِهِ كتعلق الصِّفَات وَلِأَن الْأَجْسَام كلهَا من جنس وَاحِد فَلَو كَانَ بَعْضهَا كلَاما لخالق أَو مَخْلُوق لوَجَبَ أَن تكون جَمِيعًا كلَاما وَفِي فَسَاد ذَلِك دَلِيل على أَن الْكَلَام لَا يجوز أَن يكون جسما

стр. 247

ويستحيل أَيْضا أَن يكون عرضا لِأَنَّهُ لَو كَانَ عرضا مَفْعُولا لم يخل أَن يكون الْبَارِي سُبْحَانَهُ فَاعِلا لَهُ فِي نَفسه أَو فِي غَيره أَو لَا فِي مَكَان ويستحيل من قَوْلنَا جَمِيعًا أَن يَفْعَله فِي نَفسه تَعَالَى لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمحل للحوادث ويستحيل أَن يَفْعَله لَا فِي شَيْء كَمَا يَسْتَحِيل فعل حَرَكَة ولون وحياة لَا فِي شَيْء وَلِأَنَّهُ لَو فعله لَا فِي شَيْء لصَحَّ أَن يحمل الصِّفَات لِأَن الشَّيْء إِنَّمَا جَازَ قيام الصِّفَات بِهِ لاستغنائه فِي الْوُجُود عَن شَيْء يُوجد بِهِ وَلذَلِك لم يجز أَن تحمل الصِّفَات الصِّفَات وَإِذا اسْتَحَالَ كَون الْكَلَام حَامِلا للصفات اسْتَحَالَ قِيَامه بِنَفسِهِ ويستحيل أَيْضا أَن يخلقه فِي غَيره لِأَن ذَلِك يُوجب أَن يكون صفة وكلاما لمن خلق فِيهِ كَمَا أَن الْعلم والإرادة المخلوقين فِي الْأَجْسَام صفتان لمن وجدا بِهِ دون الْخَالِق بهما وَلما لم يجز أَن يكون كَلَام الْبَارِي صفة لغيره وكلاما لغيره لم يجز أَن يكون مخلوقا فِي غَيره وَإِذا اسْتَحَالَ أَن يخلقه تَعَالَى فِي نَفسه أَو فِي غَيره أَو قَائِما بِنَفسِهِ اسْتَحَالَ أَن يكون خَالِقًا لَهُ إِذْ لَو خلقه لم يخل من ذَلِك دَلِيل آخر وَهُوَ أَنه لَو كَانَ كَلَام الله سُبْحَانَهُ مخلوقا وَلَيْسَ من جنس الْأَجْسَام عندنَا وَعِنْدهم لوَجَبَ أَن يكون عرضا وَلَو كَانَ عرضا لوَجَبَ أَن يكون فانيا فِي الثَّانِي من حَال حُدُوثه وَأَن لَا يكون الْبَارِي سُبْحَانَهُ فِي وقتنا هَذَا آمرا بِشَيْء وَلَا ناهيا عَنهُ وَلَا واعدا وَلَا

стр. 248

متوعدا وَلَا مرعبا وَلَا مخبرا وَفِي إِجْمَاع الْأمة على أَن الله ﵎ آمُر لخلقه فِي هَذَا الْوَقْت بِطَاعَتِهِ وناه لَهُم عَن مَعْصِيَته وَأَنه مُتَكَلم بِالْأَمر وَالنَّهْي لخلقه دَلِيل على أَنه لَا يجوز أَن يكون متكلما بِكَلَام عرض مَخْلُوق لِأَن الدّلَالَة قد دلّت على اسْتِحَالَة بَقَاء الْأَعْرَاض دَلِيل آخر وَهُوَ أَن كَلَام الله تَعَالَى لَو كَانَ مخلوقا لَكَانَ من جنس كَلَام المخلوقين وَغير خَارج عَن حُرُوف المعجم ولوجب أَن تكون الْألف مِنْهُ مثل الْألف من كلامنا وَكَذَلِكَ الدَّال وَالْوَاو وَغَيرهَا من الْحُرُوف ولوجب أَن يكون الْخلق قَادِرين على مثله وَمَا هُوَ من جنسه من حَيْثُ صحت قدرتهم على ضروب الْكَلَام الَّذِي لَا تخرج جملَته من حُرُوف المعجم وَقد أكذب الله تَعَالَى من قَالَ ذَلِك حَيْثُ يَقُول ﴿قل لَئِن اجْتمعت الْإِنْس وَالْجِنّ على أَن يَأْتُوا بِمثل هَذَا الْقُرْآن لَا يأْتونَ بِمثلِهِ﴾ وأبطل قَول من قَالَ ﴿إِن هَذَا إِلَّا قَول الْبشر﴾ وسحر يُؤثر وَإنَّهُ أساطير الْأَوَّلين والمعتزلة تزيد على ذَلِك أجمع لأَنهم يَقُولُونَ إِنَّهُم يقدرُونَ على مَا هُوَ أفْصح وَأحسن وأوجز من كَلَام الله وَإِن الْقُدْرَة على الخطابة والنثر وَالنّظم وضروب كَلَام الْبشر هِيَ الْقُدْرَة على مثل كَلَام الله تَعَالَى فَيُقَال لَهُم فَمَا يؤمننا أَن يَأْتِي بِمثلِهِ وَبِمَا هُوَ أفْصح مِنْهُ بعض الْبشر إِذا قصد ذَلِك وتوفرت دواعيه على التعمق فِي طلب الْعلم بنظمه

стр. 249

فَإِن قَالُوا يؤمننا من ذَلِك جهل الْخلق بكيفية نظم مثله قيل لَهُم فلعلهم أَو أَكْثَرهم سيكتسبون الْعلم بذلك ثمَّ يَفْعَلُونَهُ أَو لَعَلَّه سيتفق لَهُم فعله لِأَن فيهم الْقُدْرَة عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُم غير مضطرين إِلَى الْجَهْل بنظمه لَا من فعل الله تَعَالَى وَلَا من فعل غَيره لِأَن الْجَهْل قَبِيح وَالله تَعَالَى عنْدكُمْ لَا يفعل الْقَبِيح وَإِذا كَانَ الْجَهْل بِهِ من فعلهم وَفِيهِمْ الْقُدْرَة على اكْتِسَاب الْعلم بِهِ صَحَّ مِنْهُم ترك الْجَهْل وَفعل الْعلم فَلَا يَجدونَ لذَلِك مدفعا وَفِيه ترك الْإِسْلَام والطعن على الرسَالَة دَلِيل آخر قَوْله ﴿أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر تبَارك الله﴾ ف فصل بَين الْخلق وَالْأَمر فَلَو كَانَ الْقُرْآن مخلوقا لَكَانَ خلقا لِأَن الْخلق هُوَ الْمَخْلُوق فَيصير الْكَلَام فِي تَقْدِير القَوْل أَلا لَهُ الْخلق والخلق وَذَلِكَ عي من الْكَلَام مستهجن مستغث وَالله يتعالى عَن التَّكَلُّم والإخبار بِمَا لَا فَائِدَة فِيهِ فَدلَّ ذَلِك على أَن الْأَمر لَيْسَ بِخلق فصل فَإِن قَالُوا فَمَا وَجه الِاسْتِدْلَال على نفي خلق الْقُرْآن بِمَا قدمتموه من قَوْله إِنَّمَا قَوْلنَا لشَيْء إِذا أردناه أَن نقُول لَهُ كن فَيكون قيل لَهُم وَجه التَّعَلُّق بِهِ هُوَ أَنه أخبر تَعَالَى أَنه يَقُول لما يخلقه كن فَلَو كَانَ كَلَامه مخلوقا لَكَانَ قَائِلا لَهُ كن وَذَلِكَ محَال بِاتِّفَاق الْأمة فَبَطل أَن يكون قَوْله كن مخلوقا فَإِن قَالُوا من أَيْن اسْتَحَالَ أَن يكون قَائِلا لقَوْله

стр. 250

قيل لَهُم لِأَنَّهُ لَو كَانَ قَائِلا لَهُ لم يخل من أَن يَقُول لَهُ بِنَفسِهِ تَعَالَى أَو لَا بِنَفسِهِ وَلَا بقول آخر أَو بقول آخر أَو بِنَفسِهِ أَعنِي بِنَفس القَوْل فيستحيل أَن يَقُول لَهُ بِنَفسِهِ تَعَالَى لِأَن ذَلِك يُوجب أَن تكون نَفسه قولا وَأَن يكون قَائِلا لكل شَيْء بِنَفسِهِ وَأَن تكون نَفسه لم تزل متكلمة كَمَا أَنه لَو كَانَ عَالما بِنَفسِهِ لوَجَبَ أَن تكون نَفسه لم تزل عَالِمَة وَهَذَا مَا أَبوهُ وكرهوه ويستحيل أَن يكون قَائِلا لقَوْله لَا بِنَفسِهِ وَلَا بقول آخر كَمَا يَسْتَحِيل أَن يكون قَائِلا لكل شَيْء كَلمه وَقَالَ لَهُ لَا بِنَفسِهِ وَلَا بقول ويستحيل أَن يكون قَائِلا لَهُ بقول آخر لِأَن ذَلِك يُوجب تعلق كل قَول بقول إِلَى غير غَايَة وَذَلِكَ مِمَّا اتفقنا على فَسَاده وإحالته ويستحيل أَن يكون قَائِلا لقَوْله بِنَفس قَوْله لِأَن ذَلِك يُوجب أَن يكون قَوْله مخلوقا وَأَن يكون كل قَول هُوَ كن من جنسه مقولا لَهُ بِنَفسِهِ وَذَلِكَ محَال لِأَنَّهُ قد يَقُول كن من لَا يعْتَقد أَن لَهُ كلَاما أصلا إِذا كَانَ مِمَّن يَنْفِي الْأَعْرَاض فَكيف يَقُول لقَوْله بِنَفس قَوْله من لَا يعْتَقد أَن لَهُ قولا وَإِذا فسد ذَلِك اسْتَحَالَ أَن يخلق الله سُبْحَانَهُ كَلَامه وَأَن يَقُول لقَوْله

стр. 251

مَسْأَلَة فَإِن قَالُوا مَا أنكرتم أَن يكون قَوْله أَن نقُول لَهُ كن مجَازًا واتساعا وَهُوَ بِمَنْزِلَة قَوْله ﴿أَتَيْنَا طائعين﴾ وَقَوله ﴿جدارا يُرِيد أَن ينْقض﴾ وبمثابة قَول الشَّاعِر (وَقَالَت لَهُ العينان سمعا وَطَاعَة ... وأحدرتا كالدر لما ينضد) وَقَول الآخر (وتخبرني العينان مَا الْقلب كاتم ... ) وَقَول الآخر (يشكو إِلَيّ جملي طول السرى ... صبرا جميلا فكلانا مبتلى) وَقَول الآخر (فازور من وَقع القنا بلبانه ... وشكا إِلَيّ بعبرة وتحمحم) وَقَوْلهمْ (إمتلأ الْخَوْض وَقَالَ قطني ... مهلا رويدا قد مَلَأت بَطْني) فِي أَمْثَال هَذَا مِمَّا ورد مجَازًا واتساعا قيل لَهُم أَنْكَرْنَا ذَلِك لأمور أَحدهمَا أَن هَذِه الْأُمُور الَّتِي وصفت بالْكلَام وَالْقَوْل والإخبار مِنْهَا جماد يَسْتَحِيل أَن يتَكَلَّم عنْدكُمْ وَمِنْهَا حَيَوَان

стр. 252

يعلم بِدَلِيل قَاطع أَنه غير نَاطِق فَوَجَبَ صرف وصفهَا بالْقَوْل والإخبار والشكوى إِلَى الْمجَاز والباري سُبْحَانَهُ حَيّ لَا يَسْتَحِيل عندنَا وعندكم أَن يكون قَائِلا متكلما فَوَجَبَ أَن يكون وَصفه لنَفسِهِ بالْقَوْل مَحْمُولا على الْحَقِيقَة دون الْمجَاز وَلِأَنَّهُ لَو جَازَ أَن يكون وَصفه لنَفسِهِ بالْقَوْل مجَازًا ومقيسا على هَذِه الْأُمُور لوَجَبَ أَن يكون وَصفه لنَفسِهِ بالإرادة وَالْعلم وَالْقُدْرَة مجَازًا واتساعا وعَلى معنى أَنه فَاعل فَقَط وَأَن الْأَشْيَاء لَا تتعذر عَلَيْهِ قِيَاسا على هَذِه المجازات الَّتِي ذكرتموها فَإِن لم يجب هَذَا لِأَن الْمجَاز لَا يُقَاس عَلَيْهِ لم يجب مَا قُلْتُمْ وعَلى أَن قَوْله ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طائعين﴾ حَقِيقَة عندنَا فَلَا تعلق فِيهِ وَإِنَّمَا يَسْتَحِيل تكلم الجماد بالْكلَام الَّذِي يُوجد بِالنَّفسِ مُقَارنًا للقصد والتمييز وَمِمَّا يدل على أَنه لَا يجوز أَن يكون قَوْله ﴿أَن نقُول لَهُ كن فَيكون﴾ مجَازًا واتساعا وعَلى معنى أَنه يكونه من غير أَن يَقُول لَهُ اتِّفَاق أهل الْعَرَبيَّة على أَن الْعَرَب إِذا ذكرت الْمصدر وأكدت بِهِ الْفِعْل وَجب أَن يكون حَقِيقَة كَقَوْلِهِم كَلمته تكليما وضربته ضربا وَأَنه لذَلِك لم يجز أَن يؤكدوا شَيْئا من الْمجَاز الَّذِي سَأَلْتُم عَنهُ فيقولوا قَالَ الْحَائِط قولا وتخبرني العينان إِخْبَارًا لِأَن ذَلِك يُوجب أَن تكون هَذِه الْأَوْصَاف حقائق فِيمَا أجريت عَلَيْهِ وَلذَلِك صَار قَوْله وكلم الله مُوسَى

стр. 253

تكليما) حَقِيقَة وَدلَالَة على أَنه متول لكَلَامه بِنَفسِهِ لما أكد وَصفه بِكَلَامِهِ لَهُ بِالْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ قَوْله تكليما وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك وَجب أَن يكون قَوْله ﴿أَن نقُول لَهُ كن فَيكون﴾ حَقِيقَة لِأَن قَوْلنَا مصدر أول وَأَن نقُول لَهُ مصدر ثَان قد وكد بِهِ الْمصدر الأول فَلم يجز أَن يكون مجَازًا وَثَبت أَنه حَقِيقَة مَسْأَلَة فَإِن قَالُوا فَمَا أنكرتم أَن يكون قَوْله أَن نقُول لَهُ كن فَيكون يُرَاد بِهِ كل مَا يخلقه إِلَّا قَوْله كن من جملَة مخلوقاته لِأَن الْعُمُوم لَا صِيغَة لَهُ عنْدكُمْ قيل لَهُم من أَصْحَابنَا من أجراه على الْعُمُوم فَسقط السُّؤَال وعَلى أَنا أَنْكَرْنَا ذَلِك لإِجْمَاع الْأمة على بطلَان هَذَا التَّأْوِيل وَذَلِكَ أَن الْأمة بَين قائلين إِمَّا قَائِل يَقُول إِن الله سُبْحَانَهُ قَائِل لكل مخلوقاته على الْعُمُوم كن وَبَين قَائِل يَقُول بِأَنَّهُ لَا يَقُول لشَيْء مِمَّا يخلقه أصلا كن وَإِن قَوْله أَن نقُول لَهُ مجَاز فَمَا سَأَلْتُم عَنهُ مَدْفُوع بِالْإِجْمَاع مَسْأَلَة فَإِن قَالُوا فَمَا أنكرتم أَن يكون قَوْله أَن نقُول لَهُ كن فَيكون دلَالَة على حدث الْكَلَام لِأَنَّهُ يُوجب أَن يكون المكون كَائِنا عقيب القَوْل لَهُ

стр. 254

كن بِحَق قَوْله فَيكون لِأَن الْفَاء مَوْضُوع فِي اللُّغَة للتعقيب وَقد اتفقنا على أَن مَا لم يسْبق الْمُحدث إِلَّا بِقدر زمَان وَاحِد أَو أزمان متناهية فمحدث مَخْلُوق قيل لَهُم لَا يجب مَا قُلْتُمْ لِأَن الْفَاء وَإِن كَانَ إِذا جَاءَ للنسق أوجب التَّرْتِيب والتعقيب فَإِنَّهُ لَا يُوجب ذَلِك فِي جَوَاب الْأَمر وَجَوَاب جملَة تقدّمت وَلَا فِي الْجَزَاء أَيْضا لِأَن الْقَائِل إِذا قَالَ لَا تسؤني فأسؤك لَيْسَ يُرِيد بِهِ التعقيب وَإِنَّمَا يقْصد الْإِخْبَار عَن إِيقَاع المجازاة فَقَط وَكَذَلِكَ لم يُوجب قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن عَاد فينتقم الله مِنْهُ﴾ التعقيب وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿فيسحتكم بِعَذَاب﴾ لَا يُوجب التعقيب فَأَما الْفَاء الدَّاخِل فِي جَوَاب الْأَمر وَجَوَاب جملَة الْكَلَام فَلَا خلاف بَينهم فِي أَنه لَا يُوجب التعقيب لِأَن الْقَائِل إِذا قَالَ لعَبْدِهِ إِذا دخلت مَكَّة فاشتر لي عبدا وبعيرا وثوبا فَلَيْسَ يُرِيد تعقيب شِرَاء العَبْد بِدُخُولِهِ وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم وَأَيْدِيكُمْ﴾ لم يرد بِهِ تعقيب الْقيام بِغسْل الْوَجْه دون غَيره من الْأَعْضَاء وَكَذَلِكَ قَوْله أَن نقُول لَهُ كن فَيكون جَوَاب قَوْله كن وَهُوَ الْأَمر فَلم يقتض التعقيب لِأَن لَيْسَ هَذَا فَاء التعقيب وَيدل على

стр. 255

ذَلِك أَيْضا أَن الْعَرَب تَقول إِنَّمَا جَاءَك زيد مَعَ عَبده أَن يَأْمُرهُ بِالْفِعْلِ فيفعله وَهُوَ لَا يُرِيد بذلك تعقيب إِيقَاع الْفِعْل عقيب الْأَمر لِأَنَّهُ قد يَأْمُرهُ بِأَن يفعل الْفِعْل بعد حول وَشهر وَلَا يَقْتَضِي الْأَمر تعقيب الْأَمر بِهِ معجلا لِأَن ذَلِك عصيان وَإِنَّمَا المُرَاد بقَوْلهمْ فيفعل الْإِخْبَار عَن طَاعَته وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك بَطل مَا توهموه من كَون الْفَاء مُوجبا للتعقيب فِي كل مَكَان مَسْأَلَة فَإِن قَالُوا فَمَا أنكرتم أَن يكون قَوْله أَن نقُول لَهُ كن فَيكون دلَالَة على حدث الْكَلَام واستئنافه لِأَن أهل الْعَرَبيَّة قَالُوا أَن الْخَفِيفَة إِذا دخلت مَعَ الْفِعْل كَانَت مَعَه بِمَنْزِلَة الْمصدر فَإِن كَانَ الْفِعْل مَاضِيا كَانَ معنى الْمصدر مَاضِيا كَقَوْلِك سرني أَن قُمْت مَعْنَاهُ سرني قيامك وَإِن دخلت على فعل مضارع كَانَ الْمصدر للاستقبال كَقَوْلِك يُعجبنِي أَن تقوم فَيكون مَعْنَاهُ يُعجبنِي قيامك فِي الْمُسْتَقْبل وَيحسن فِيهِ ذكر غَدا وَيحسن فِي الْمصدر لما مضى ذكر أمس وَلَا يجوز أَن يكون الْفِعْل الْوَاقِع بعد أَن الْخَفِيفَة للْحَال فَوَجَبَ أَن يكون قَوْله تَعَالَى ﴿أَن نقُول لَهُ كن فَيكون﴾ دلَالَة على اسْتِقْبَال القَوْل وحدوثه

стр. 256

يُقَال لَهُم لعمري إِن أهل الْعَرَبيَّة قد قَالُوا إِن أَن الْخَفِيفَة مَعَ الْفِعْل بِمَنْزِلَة الْمصدر وَلذَلِك صَار قَوْله وَأَن تَصُومُوا خير لكم بِمَعْنى وَالصِّيَام خير لكم فَأَما ادعاؤكم أَن الْفِعْل الْوَاقِع بعد أَن الْخَفِيفَة لَا يصلح أَن يكون فعل الْحَال فَبَاطِل غير مُسلم وَمن قَالَ هَذَا من النُّحَاة سألناه عَنهُ وَعَن الْحجَّة عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بمحكي عَن الْعَرَب حِكَايَة اللُّغَة وَإِنَّمَا هُوَ رَأْي قوم من النَّحْوِيين فَيُقَال لمن قَالَ ذَلِك مِنْهُم لم قلت هَذَا وَمَا دليلك عَلَيْهِ فَإِن قَالَ لِأَن الْحَال إِنَّمَا يكون بِالِاسْمِ نَحْو قَوْله جَاءَنِي زيد ضَاحِكا وماشيا وراكبا وَضربت عمرا مشدودا فالحال إِنَّمَا يكون بأسماء الفاعلين والمفعولين فَإِذا وَقع الْفِعْل موقع الِاسْم لم يجز أَن يدْخل عَلَيْهِ شَيْء من عوامل الْأَفْعَال لِأَن عَامل الْفِعْل لَا يدْخل على الِاسْم وَأَن الْخَفِيفَة من عوامل الْأَفْعَال فَيُقَال لَهُ مَا أنْكرت من أَن لَا يجب مَا قلته لأجل أَن الْفِعْل الْمُضَارع قد وَقع موقع الِاسْم فِي مَوَاضِع مِنْهَا أَنه وَقع موقعة فِي خبر الِابْتِدَاء كَقَوْلِك زيد يقوم فَهُوَ بِمَنْزِلَة قَوْلك زيد قَائِم وَمِنْهَا أَنه قد وَقع موقعة فِي الصّفة كَقَوْلِك مَرَرْت بِرَجُل يقوم فَهُوَ بِمَنْزِلَة قَوْلك مَرَرْت بِرَجُل قَائِم

стр. 257

وَمِنْهَا أَن لَام الِابْتِدَاء يدْخل عَلَيْهِ كَمَا يدْخل على الِاسْم كَقَوْلِك إِن زيدا ليقوم فَهُوَ بِمَنْزِلَة قَوْلك إِن زيدا لقائم وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿إِن رَبك ليحكم بَينهم﴾ أَي إِنَّه لحَاكم بَينهم فقد وَقع الْفِعْل الْمُضَارع موقع الِاسْم فِي هَذِه الْمَوَاضِع وَلم يمْنَع ذَلِك من أَن يدْخل عَلَيْهِ عوامل الْأَفْعَال أَلا ترى أَنَّك تَقول زيد لن يقوم فنصبته بلن وَلم يمْنَع وُقُوعه موقع الِاسْم من أَن يدْخل عَلَيْهِ عَامل الْفِعْل فينصبه على الأَصْل الَّذِي يجب فِي حكم إِعْرَاب الْأَفْعَال وَهَذَا مُبْطل لاعتمادهم إبطالا ظَاهرا وَمِمَّا يدل على بطلَان ذَلِك وفساده أَن الْخَلِيل بن أَحْمد وَغَيره من جلة أهل الْعَرَبيَّة قَالُوا إِن الْفِعْل الَّذِي فِي أَوله الزَّوَائِد الْأَرْبَعَة مضارع للاسم من الْوُجُوه الَّتِي ذَكرنَاهَا وَقَالُوا إِنَّه مضارع وَإِن وَقع بعد أَن الْخَفِيفَة وَقَالَ الْخَلِيل إِن الْفِعْل الْمُضَارع يصلح أَنِّي كَون للْحَال وَيصْلح أَن يكون للاستقبال فَبِهَذَا الْوَجْه أَيْضا ضارع قَوْلك رجل الَّذِي يصلح أَن تُرِيدُ بِهِ زيدا وَيصْلح أَن تُرِيدُ بِهِ عمرا وَلم يقل إِن دُخُول أَن الْخَفِيفَة عَلَيْهِ يُخرجهُ عَن هَذِه المضارعة وَإِنَّمَا قَالَ إِن السِّين وسوف يخرجانه عَن الْحَال إِلَى الِاسْتِقْبَال فَمن ادّعى أَن أَن الْخَفِيفَة فِي هَذَا الْبَاب بِمَنْزِلَة السِّين وسوف وَأَنَّهَا مبطلة للمضارعة كَانَ عَلَيْهِ الدّلَالَة على

стр. 258

ذَلِك لِأَن ذَلِك غير محكي عَن الْعَرَب حِكَايَة اللُّغَة وَقد أفسدنا مَا احْتج بِهِ الْقَائِلُونَ بذلك من النُّحَاة فَبَطل قَوْلهم مَسْأَلَة فَإِن قَالُوا فَمَا معنى قَوْله ﴿مَا يَأْتِيهم من ذكر من رَبهم مُحدث﴾ قيل لَهُم مَعْنَاهُ مَا يَأْتِيهم من وعظ من النَّبِي ﷺ ووعد وتخويف ﴿إِلَّا استمعوه وهم يَلْعَبُونَ﴾ لِأَن وعظ النَّبِي ﷺ ووعيده وتحذيره ذكر قَالَ الله ﵎ ﴿فَذكر إِنَّمَا أَنْت مُذَكّر﴾ وَيُقَال فلَان فِي مجْلِس الذّكر وَهَذَا أولى لِأَن قُريْشًا لم تضحك وتلعب بِالْقُرْآنِ وَلَكِن أفحمت عِنْد سَمَاعه وتشتت فِيهِ أهواؤهم وآراؤهم وَيحْتَمل أَن يكون أَرَادَ مَا يَأْتِيهم من نَبِي بعد نَبِي إِلَّا اسْتَمعُوا قَوْله ولعبوا وأعرضوا عَنهُ وَقد سمى الله تَعَالَى الرَّسُول ذكرا فَقَالَ ﴿ذكرا رَسُولا يَتْلُو عَلَيْكُم آيَات الله﴾ وَأَيْضًا فَإِن الله تَعَالَى لم يقل مَا يَأْتِيهم من ذكر من رَبهم إِلَّا كَانَ مُحدثا وَفِي الْآيَة دلَالَة على أَن فِي الذّكر مَا لَيْسَ بمحدث لأجل نَعته للذّكر بالحدوث وَلَو كَانَ لَا ذكر إِلَّا مُحدث لم يكن لقَوْله من ذكر من رَبهم مُحدث معنى كَمَا أَنه لَا معنى لقَوْل الْقَائِل مَا يأتيني من رجل ذكر إِلَّا أكرمته وَلَا هاشمي شرِيف إِلَّا قَدمته إِذا كَانَ الرجل لَا يكون

стр. 259

إِلَّا ذكرا والهاشمي لَا يكن إِلَّا شريفا فَوَجَبَ أَن يكون نعت الذّكر بالحدوث دلَالَة على أَنه مِنْهُ مَا لَيْسَ بمحدث فَيجب أَن يكون هُوَ الْقُرْآن للْإِجْمَاع على أَن كل ماعداه من الذّكر مُحدث واختلافنا فِي كَلَام الله سُبْحَانَهُ وَالْآيَة بِأَن تدل على قَوْلنَا أقرب مَسْأَلَة فَإِن قَالُوا فَمَا معنى قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَانَ أَمر الله مَفْعُولا﴾ و ﴿قدرا مَقْدُورًا﴾ قيل لَهُم أَرَادَ تَعَالَى عِقَابه وانتقامه من الْكَافرين وَنَصره للْمُؤْمِنين وَمن حكم بِهِ وَقدره من الْأَفْعَال وَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى (جَاءَ أمرنَا) وَقَوله وَمَا أَمر فِرْعَوْن برشيد يَعْنِي شَأْنه وأفعاله وطرائقه قَالَ الشَّاعِر لَهَا أمرهَا حَتَّى إِذا مَا تبوأت ... بأخفافها مرعى تبوأ مضجعا) وَقَالَ آخر (فَقلت لَهَا أَمْرِي إِلَى الله كُله ... وَإِنِّي إِلَيْهِ فِي الإياب لراجع) يَعْنِي شؤوني وأفعالي وَلم يرد بذلك الْأَمر الَّذِي هُوَ القَوْل وَجمع هَذَا أُمُور وَجمع الْأَمر من القَوْل أوَامِر وَلَوْلَا الْعَجز لم يلجأوا إِلَى مثل هَذَا التمويه

стр. 260

مَسْأَلَة فَإِن قَالُوا فَمَا معنى قَوْله ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيا﴾ قيل لَهُم معنى ذَلِك إِنَّا جعلنَا الْعبارَة عَنهُ بِلِسَان الْعَرَب وأفهمنا أَحْكَامه وَالْمرَاد بِهِ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيّ وسميناه عَرَبيا لِأَن الْجعل قد يكون بِمَعْنى التَّسْمِيَة وَالْحكم قَالَ الله ﴿الَّذين جعلُوا الْقُرْآن عضين﴾ يَعْنِي سموهُ كذبا وحكموا عَلَيْهِ بذلك وَلم يرد أَنهم خلقوه وَقَالَ ﴿وَجعلُوا الْمَلَائِكَة الَّذين هم عباد الرَّحْمَن إِنَاثًا﴾ يَعْنِي سموهم بذلك وحكموا لَهُم بِهِ وَلم يرد أَنهم خلقوهم إِنَاثًا والجعل إِذا عدي إِلَى مفعول وَاحِد كَانَ بِمَعْنى الْفِعْل لَا محَالة وَإِذا عدي إِلَى مفعولين صَار بمعتى الحكم وَالتَّسْمِيَة فِي أَكثر الِاسْتِعْمَال مثل قَوْله تَعَالَى ﴿وَجَعَلنَا ابْن مَرْيَم وَأمه آيَة وآويناهما﴾ وَهَذَا بِمَعْنى الْخلق وَمثل قَوْله ﴿وَجَعَلنَا اللَّيْل وَالنَّهَار آيَتَيْنِ﴾ وَأما الَّذِي يعدى إِلَى مفعول وَاحِد فَمثل قَوْله ﴿الْحَمد لله الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَجعل الظُّلُمَات والنور﴾ وَلذَلِك لم يجز أَن يَقُول قَائِل جعلت النَّجْم وَالرجل وَيقطع حَتَّى يصله بقوله جعلت النَّجْم هاديا ودليلا وَجعلت الرجل صديقا ومتألفا وَقَوله ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيا﴾ مُتَعَدٍّ إِلَى مفعولين فَصَارَ بِمَعْنى الحكم وَالتَّسْمِيَة

стр. 261

مَسْأَلَة فَإِن قَالُوا فَيجب على كل حَال أَن تَقولُوا إِن كَلَام الله أصوات وحروف متبعض متغاير لأنكم لم تعقلوا كلَاما إِلَّا كَذَلِك وَيجب أَن تَقولُوا إِن الْأَمر مِنْهُ غير النَّهْي وَالْخَبَر غير الاستخبار يُقَال لَهُم لَو وَجب مَا قلتموه لأجل الشَّاهِد لوَجَبَ إِذا كَانَ الْقَدِيم سُبْحَانَهُ مَوْجُودا أَن يكون جسما أَو جوهرا أَو عرضا وَإِذا كَانَ بِنَفسِهِ قَائِما أَن يكون جوهرا ذَا حيّز فِي الْوُجُود وَإِذا كَانَ متكلما أَن يكون الْكَلَام مَوْجُودا بِهِ أَو أَسبَاب الْكَلَام وَإِذا كَانَ حَيا عَالما قَادِرًا أَن يكون ذَا حَيَاة وَعلم وقدرة لأنكم لم تعلقوا شَيْئا إِلَّا كَذَلِك وَلَا متكلما حَيا عَالما قَادِرًا إِلَّا كَمَا ذَكرْنَاهُ ولوجب أَيْضا عَلَيْكُم أَن لَا يكون الْبَارِي سُبْحَانَهُ حَيا عَالما قَادِرًا سميعا بَصيرًا بِنَفسِهِ لأنكم لم تَجدوا نفسا وَاحِدَة تسْتَحقّ هَذِه الْأَوْصَاف لنَفسهَا فَكل هَذَا الَّذِي تقولونه خلاف الشَّاهِد والوجود ثمَّ يُقَال لَهُم قد وهمتم علينا فِي قَوْلكُم إِنَّا لم نعقل كلَاما إِلَّا حروفا وأصواتا لأننا لم نعقل قطّ ذَلِك لِأَن الْكَلَام فِيمَا بَيْننَا إِنَّمَا هُوَ معنى قَائِم بِالنَّفسِ يعبر عَنهُ بِهَذِهِ الْأَصْوَات المسموعة تَارَة وبغيرها أُخْرَى وَلذَلِك مَا يخْتَلف النَّاس فِي الفصاحة والبلاغة فِي الْعبارَة عَن الْكَلَام الَّذِي هُوَ فِي النَّفس مَعَ اتفاقه وَاخْتِلَاف الْعبارَة عَنهُ بالإطالة مرّة والاختصار أُخْرَى

стр. 262

قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَيَقُولُونَ فِي أنفسهم لَوْلَا يعذبنا الله بِمَا نقُول﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿سَوَاء مِنْكُم من أسر القَوْل وَمن جهر بِهِ﴾ وَيَقُول الْعَرَب فِي نَفسِي كَلَام أُرِيد أَن أبديه لَك وَقَالَ الأخطل (لَا يعجبنك من أثير حَظه ... حَتَّى يكون مَعَ الْكَلَام أصيلا) إِن الْكَلَام من الْفُؤَاد وَإِنَّمَا ... جعل اللِّسَان على الْفُؤَاد دَلِيلا) فَأخْبر أَن الْكَلَام فِي النَّفس يكون وَإِن عبر عَنهُ بِاللِّسَانِ وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِذا جَاءَك المُنَافِقُونَ قَالُوا نشْهد إِنَّك لرَسُول الله وَالله يعلم إِنَّك لرَسُوله وَالله يشْهد إِن الْمُنَافِقين لَكَاذِبُونَ﴾ أَرَادَ بِهِ فبمَا فِي نُفُوسهم لَا قَوْلهم للنَّبِي ﷺ فقد بَطل توهمكم وَزَالَ تعلقكم وَهَذَا كَاف فِي هَذَا الْبَاب يتلوه الْخَبَر الثَّانِي من بَاب الْكَلَام على الْمُعْتَزلَة بَاب فِي بَيَان آراء الْمُعْتَزلَة وَهَذَا الْكَلَام الَّذِي قدمْنَاهُ على الْمُعْتَزلَة لأَنهم جَمِيعًا يَزْعمُونَ أَنه لَا حَيَاة لله وَلَا علم وَلَا قدرَة وَلَا سمع وَلَا بصر

стр. 263

... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .

стр. 264

وَزعم البغداديون مِنْهُم أَنه لَا إِرَادَة لَهُ تَعَالَى وَجحد معمر شيخ من شيوخهم أَن يكون لله سُبْحَانَهُ كَلَام وَزعم أَن الْكَلَام الَّذِي سَمعه مُوسَى ﵇ كَلَام للشجرة الَّتِي وجد بهَا لم يَأْمر قطّ وَلم ينْه عَن شَيْء وَلَا رغب فِي شَيْء وَلَا زجر عَنهُ وَلَا كلم أحدا وَلَا أخبر بِخَبَر بتة وَزَعَمُوا جَمِيعًا أَنه لَا وَجه لله تَعَالَى مَعَ قَوْله ﴿وَيبقى وَجه رَبك ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام﴾ وَأَنه لَا يَد لَهُ مَعَ قَوْله

стр. 265

عز وَجل ﴿بل يَدَاهُ مبسوطتان﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿مَا مَنعك أَن تسْجد لما خلقت بيَدي﴾ وَزعم أَبُو الْهُذيْل شيخ الْمُعْتَزلَة والمقدم فِيهَا أَن الله سُبْحَانَهُ لَيْسَ بمخالف لخلقه لِأَن الْمُخَالف زعم مَا حلّه الْخلاف وَذَلِكَ لَا يجوز إِلَّا على الْأَجْسَام وَزعم البغداديون مِنْهُم أَن لله تَعَالَى لَيْسَ بسميع وَلَا بَصِير وَإِنَّمَا يُوصف بِأَنَّهُ يسمع الْأَصْوَات ويبصر الْأَشْخَاص على معنى أَنه يعلم ذَلِك لَا مزية لَهُ فِي هذَيْن الوصفين على الضَّرِير والأصم الَّذِي لَا يسمع وَلَا يبصر وَقَالَت الْمُعْتَزلَة بأسرها إِن كلمة الله تَعَالَى مخلوقة يخلقها فِي الشَّجَرَة وَغَيرهَا من الْأَجْسَام اتبَاعا مِنْهُم لِلنَّصَارَى فِي قَوْلهم إِن كلمة الله مخلوقة من وَجه وَحَالَة فِي جَسَد مَخْلُوق وَقَالُوا بأسرهم إِن كَلَام الله تَعَالَى من جنس كَلَام الْبشر وَمثل لَهُ

стр. 266

وَإِنَّهُم يقدرُونَ على الْإِتْيَان بِمثلِهِ وَمَا هُوَ أحكم مِنْهُ وَإِن منعُوا من ذَلِك وقتا مَا لفقد الْعلم بِهِ أَو لشر غَيره وَزعم شيخ من رؤوسائهم وَهُوَ الجبائي أَن الله تَعَالَى أحبل مَرْيَم بنت عمرَان بخلقه الْحَبل فِيهَا وَكَذَلِكَ هُوَ محبل لسَائِر نسَاء الْعَالمين اسْتِخْفَافًا مِنْهُ بِالدّينِ وتجاوزا لما قالته النَّصَارَى فِي رب مَرْيَم وَعِيسَى وَسَائِر الْعَالمين وَزَعَمُوا بأسرهم أَن الله سُبْحَانَهُ لَا يقدر على قَلِيل من أفعالهم وَلَا على كثير مِنْهَا وَأَنه قد يقدرهم على مَا لَا يقدر عَلَيْهِ وَأَنَّهُمْ أقدر من رَبهم وَقَالُوا جَمِيعًا إِلَّا رجلا مِنْهُم يعرف ببشر بن الْمُعْتَمِر أَن الله

стр. 267

تَعَالَى لَيْسَ فِي سُلْطَانه وَلَا فِي خزائنه شَيْء يقدر أَن يَفْعَله بِمن يعلم أَنه يَمُوت كَافِرًا فَيُؤمن عِنْده وَأَن العَبْد نَفسه يقدر أَن يُؤمن وَأَن الله سُبْحَانَهُ لَا يقدر أَن يفعل بِهِ مَا يُؤمن عِنْده وَأَنه سُبْحَانَهُ يقدر أَن يفعل بِجَمِيعِ الْخلق مَا يكفرون عِنْد وجوده ويفسدون ويعطبون وَلَا يقدر على فعل مَا يُؤمنُونَ عِنْده وَإنَّهُ يقدر على استفسادهم وَلَا يقدر على استصلاحهم وَزعم النظام وَهُوَ شيخهم الْمُعظم وَكَبِيرهمْ الْمُقدم أَن الله

стр. 268

سُبْحَانَهُ لَا يُوصف بِالْقُدْرَةِ على طرح بعض الْأَطْفَال فِي النَّار وَلَا على قطع الثَّوَاب وَإِبْطَال الْعقَاب وَأَن بعض الْإِنْس وَالشَّيَاطِين يقدر من طرح طِفْل أَو مَجْنُون فِي جَهَنَّم على مَا لَا يقدر الله عَلَيْهِ لِأَن ذَلِك عِنْده ظلم وَلَو قدر عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ على أَصله لم يَأْمَن وُقُوعه مِنْهُ وَزعم أَبُو الْهُذيْل العلاف أَيْضا أَن لنعيم أهل الْجنَّة وعقاب أهل النَّار وَسَائِر أَفعَال الْقَدِيم سُبْحَانَهُ آخرا لَا يُوصف الله بِالْقُدْرَةِ إِذا فعله وَوَقع مِنْهُ على قَلِيل الْأَفْعَال وَلَا على كثيرها وَلَا يَصح حِينَئِذٍ الرَّغْبَة إِلَيْهِ وَلَا الرهبة مِنْهُ لِأَنَّهُ لَا يقدر إِذا ذَاك على خير وَلَا شَرّ وَلَا نفع وَلَا ضرّ قَالَ وَيبقى أهل الْجنَّة خمودا سكُوتًا لَا يفيضون بِكَلِمَة وَلَا يتحركون

стр. 269

بحركة وَلَا يلتذون بلذة وَلَا يقدرُونَ وَلَا رَبهم على شَيْء من ذَلِك لِأَن الْحَوَادِث زعم كَمَا لَا بُد لَهَا من أول تَنْتَهِي إِلَيْهِ لم يكن قبل شَيْء فَكَذَلِك لَا بُد لَهَا من آخر تَنْتَهِي إِلَيْهِ لَا يكون بعده شَيْء وَزعم النظام أَن النَّبِي ﷺ لم يره أحد قطّ وَلَا شَاهده وَإِنَّمَا شوهد ظرفه الَّذِي هُوَ الشَّخْص الظَّاهِر لِأَن النَّبِي ﷺ إِنَّمَا هُوَ الرّوح وَرَاء الْجِسْم الظَّاهِر وَزعم الجبائي أَن حَالفا لَو حلف بِاللَّه ليعطين زيدا حَقه غَدا إِن شَاءَ الله ثمَّ جَاءَ الْغَد وَلم يُعْطه مَعَ التَّمَكُّن مِنْهُ كَانَ خانثا لِأَن الله تَعَالَى قد شَاءَ أَن يدْفع إِلَيْهِ الْحق وَكره مطله وَأَن الْكَفَّارَة تلْزمهُ خلافًا للْأمة وتقحما لمشاقتها وَزَعَمُوا بأسرهم أَنهم يخلقون كخلق الله ويصنعون كصنعه من الحركات والسكون والإرادات والعلوم مُوَافقَة مِنْهُم لمن جعل مَعَ الله شَرِيكا يخلق كخلقه قَالَ الله تَعَالَى أم جعلُوا لله شُرَكَاء خلقُوا كخلقه فتشابه الْخلق عَلَيْهِم وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين يدعونَ من دون الله لَا يخلقون شَيْئا وهم يخلقون﴾ وَقَالَ ﴿هَل من خَالق غير الله﴾ فنص على تكذيبهم فِي ادعائهم خَالِقًا غَيره

стр. 270

وَزعم البغداديون مِنْهُم والنظام من الْبَصرِيين أَيْضا أَن الْقَدِيم سُبْحَانَهُ قد استصلح عباده بغاية مَا يقدر عَلَيْهِ من الصّلاح وَأَنه لَيْسَ فِي خزائنه وَلَا فِي سُلْطَانه وَلَا يتَوَهَّم مِنْهُ صَلَاح يقدر عَلَيْهِ أَكثر مِمَّا قد استصلحهم بِهِ فِي دينهم ودنياهم وَزعم البصريون مِنْهُم خَاصَّة أَنه تَعَالَى قد استصلح عباده بغاية مَا فِي قدرته من الصّلاح فِي بَاب دينهم خَاصَّة وَأَنه لَا يقدر على صَلَاح لَهُم فِي بَاب الدّين أصلح مِمَّا فعله بهم فأوجبوا جَمِيعًا تناهي مقدوراته وَأَنه يقدر على صَلَاح لَا يقدر على مثله وَلَا على الزِّيَادَة عَلَيْهِ وَزعم البصريون والبغداديون أَنه يكون فِي سُلْطَانه مَا يكرههُ وَلَا يُريدهُ وَأَنه يكون شاءه أم أَبَاهُ وَأَنه يُرِيد أبدا مَا لَا يكون وَيكون مَا لَا يُرِيد ردا لما اتّفق عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ من أَن مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن وَقَالُوا جَمِيعًا إِلَّا من شَذَّ مِنْهُم إِن الله تَعَالَى لَا يرى فِي الْمعَاد ردا لِلْقُرْآنِ وجحدا للسنن والْآثَار قَالَ الله تَعَالَى ﴿وُجُوه يَوْمئِذٍ ناضرة إِلَى رَبهَا ناظرة﴾ وَقَالَ ﴿فَإِن اسْتَقر مَكَانَهُ فَسَوف تراني﴾ وَقَالَ النَّبِي ﷺ (ترَوْنَ ربكُم كَمَا ترَوْنَ الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر وَكَيف بكم إِذا رَأَيْتُمْ الله فِي أَخْبَار يطول ذكرهَا

стр. 271

وَقَالُوا كلهم بتخليد كل من اقْتَرَف كَبِيرَة وَمَات مصرا عَلَيْهَا وَإِن كَانَ مُسلما موحدا مُصدقا لله تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ ﷺ وَلِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ من عِنْده عَالما بِأَن مَا رَكبه حرَام مَحْظُور فَإِن الله يبطل بذلك ثَوَاب توحيده وتصديقه وصلواته وَسَائِر طاعاته وَلَا يثيبه على شَيْء أمره بِفِعْلِهِ فَفعله بل يَأْخُذهُ بالذنب الْوَاحِد الَّذِي هُوَ شرب جرعة من خمر أَو منع خَمْسَة دَرَاهِم من الزَّكَاة الْوَاجِبَة فِي مَاله أَو غصب عشرَة دَرَاهِم على حسب اخْتلَافهمْ فِي الْوَعيد ردا لقَوْله إِن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات وَقَوله تَعَالَى ﴿من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ خير مِنْهَا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ عشر أَمْثَالهَا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿أَنِّي لَا أضيع عمل عَامل مِنْكُم من ذكر أَو أُنْثَى﴾ فِي نَظَائِر لهَذِهِ الْآيَات وَاتَّفَقُوا بأسرهم على أَنه لَا شَفَاعَة للنَّبِي ﷺ فِي أحد يسْتَحق أقل الْعقَاب فِي الْآخِرَة وَأَنه إِن سَأَلَ الله تَعَالَى لم يقبل شَفَاعَته وَلم يجب مَسْأَلته وَلَو تتبعت ذكر ضلالتهم وقبح مذاهبهم وشنيع مَا أدخلُوا فِي الدّين وخالفوا بِهِ تَوْقِيف السّنَن وَقَول كَافَّة الْمُسلمين وَسَائِر السّلف الصَّالِحين لطال بذلك الْكتاب ولخرجنا بِذكرِهِ عَمَّا لَهُ قصدنا وَلم نأت مَعَ الإسهاب فِيهِ إِلَّا على الْقَلِيل مِنْهُ وَإِنَّمَا ذكرت طرفا من ذَلِك لسيدنا الْأَمِير

стр. 272

أَطَالَ الله بَقَاءَهُ ليعرف مفارقتهم للدّين وعدولهم عَن السَّبِيل وَأَنَّهُمْ أضرّ فرقة على هَذِه الْأمة وأشدها جَرَاءَة على الله فَإلَى الله المشتكى وَإِلَيْهِ نرغب فِي كشف الْبلوى ثمَّ رَجَعَ بِنَا القَوْل إِلَى إِثْبَات صِفَات الله تَعَالَى لذاته

стр. 273

أَبْوَاب شَتَّى فِي الصِّفَات بَاب فِي أَن الله وَجها ويدين فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا الْحجَّة فِي أَن لله وَجها ويدين

стр. 274

قيل لَهُ قَوْله تَعَالَى لله ﴿وَيبقى وَجه رَبك ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام﴾ وَقَوله ﴿مَا مَنعك أَن تسْجد لما خلقت بيَدي﴾ فَأثْبت لنَفسِهِ وَجها ويدين فَإِن قَالُوا فَمَا أنكرتم أَن يكون الْمَعْنى فِي قَوْله ﴿خلقت بيَدي﴾ أَنه خلقه بقدرته أَو بنعمته لِأَن الْيَد فِي اللُّغَة قد تكون

стр. 275

بِمَعْنى النِّعْمَة وَبِمَعْنى الْقُدْرَة كَمَا يُقَال لي عِنْد فلَان يَد بَيْضَاء يُرَاد بِهِ نعْمَة وكما يُقَال هَذَا الشَّيْء فِي يَد فلَان وَتَحْت يَد فلَان يُرَاد بِهِ أَنه تَحت قدرته وَفِي ملكه وَيُقَال رجل أيد إِذا كَانَ قَادِرًا وكما قَالَ الله تَعَالَى ﴿خلقنَا لَهُم مِمَّا عملت أَيْدِينَا أنعاما﴾ يُرِيد عَملنَا بقدرتنا وَقَالَ الشَّاعِر (إِذا مَا راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة بِالْيَمِينِ) فَكَذَلِك قَوْله ﴿خلقت بيَدي﴾ يَعْنِي بِقُدْرَتِي أَو نعمتي يُقَال لَهُم هَذَا بَاطِل لِأَن قَوْله ﴿بيَدي﴾ يَقْتَضِي إِثْبَات يدين هما صفة لَهُ فَلَو كَانَ المُرَاد بهما الْقُدْرَة لوَجَبَ أَن يكون لَهُ قدرتان وَأَنْتُم فَلَا تَزْعُمُونَ أَن للباري سُبْحَانَهُ قدرَة وَاحِدًا فَكيف يجوز أَن تثبتوا لَهُ قدرتين وَقد أجمع الْمُسلمُونَ من مثبتي الصِّفَات والنافين لَهَا على أَنه لَا يجوز أَن يكون لَهُ تَعَالَى قدرتان فَبَطل مَا قُلْتُمْ وَكَذَلِكَ لَا يجوز أَن يكون الله تَعَالَى خلق آدم بنعمتين لِأَن نعم الله تَعَالَى على آدم وعَلى غَيره لَا تحصى وَلِأَن الْقَائِل لَا يجوز أَن يَقُول رفعت الشَّيْء بيَدي أَو وَضعته بيَدي أَو تَوليته بيَدي وَهُوَ يَعْنِي نعْمَته وَكَذَلِكَ لَا يجوز أَن يُقَال لي عِنْد فلَان يدان يَعْنِي نعمتين وَإِنَّمَا يُقَال لي عِنْده يدان بيضاوان لِأَن القَوْل يَد لَا يسْتَعْمل إِلَّا فِي الْيَد الَّتِي هِيَ صفة للذات

стр. 276

وَيدل على فَسَاد تأويلهم أَيْضا أَنه لَو كَانَ الْأَمر على مَا قَالُوهُ لم يغْفل عَن ذَلِك إِبْلِيس وَعَن أَن يَقُول وَأي فضل لآدَم عَليّ يَقْتَضِي أَن أَسجد لَهُ وَأَنا أَيْضا بِيَدِك خلقتني الَّتِي هِيَ قدرتك وبنعمتك خلقتني وَفِي الْعلم بِأَنَّهُ الله تَعَالَى فضل آدم عَلَيْهِ بخلقه بيدَيْهِ دَلِيل على فَسَاد مَا قَالُوهُ فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا أنكرتم أَن يكون وَجهه وَيَده جارحة إِذْ كُنْتُم لم تعقلوا يَد صفة وَوجه صفة لَا جارحة يُقَال لَهُ لَا يحب ذَلِك كَمَا لَا يجب إِذا لم نعقل حَيا عَالما قَادِرًا إِلَّا جسما أَن نقضي نَحن وَأَنْتُم على الله تَعَالَى بذلك وكما لَا يجب مَتى كَانَ قَائِما بِذَاتِهِ أَن يكون جوهرا أَو جسما لأَنا وَإِيَّاكُم لم نجد قَائِما بِنَفسِهِ فِي شاهدنا إِلَّا كَذَلِك وَكَذَلِكَ الْجَواب لَهُم إِن قَالُوا فَيجب أَن يكون علمه وحياته وَكَلَامه وَسَائِر صِفَاته لذاته أعراضا أَو أجناسا أَو حوادث أَو أغيارا لَهُ أَو حَالَة فِيهِ أَو محتاجة لَهُ إِلَى قلب وَاعْتَلُّوا بالوجود بَاب تَفْصِيل صِفَات الذَّات من صِفَات الْأَفْعَال فَإِن قَالَ قَائِل ففصلوا لي صِفَات ذَاته من صِفَات أَفعاله لأعرف ذَلِك قيل لَهُ صِفَات ذَاته هِيَ الَّتِي لم يزل وَلَا يزَال مَوْصُوفا بهَا وَهِي

стр. 277

الْحَيَاة وَالْعلم وَالْقُدْرَة والسمع وَالْبَصَر وَالْكَلَام والإرادة والبقاء وَالْوَجْه والعينان وَالْيَدَانِ وَالْغَضَب والرضى وهما الْإِرَادَة على مَا وصفناه وَهِي الرَّحْمَة والسخط وَالْولَايَة والعداوة وَالْحب والإيثار والمشيئة وإدراكه تَعَالَى لكل جنس يُدْرِكهُ الْخلق من الطعوم والروائح والحرارة والبرودة وَغير ذَلِك من المدركات وصفات فعله هِيَ الْخلق والرزق وَالْعدْل وَالْإِحْسَان والتفضل والإنعام وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب والحشر والنشر وكل صفة كَانَ مَوْجُودا قبل فعله لَهَا غير أَن وَصفه لنَفسِهِ بِجَمِيعِ ذَلِك قديم لِأَنَّهُ كَلَامه الَّذِي هُوَ قَوْله إِنِّي خَالق رَازِق باسط وَهُوَ تَعَالَى لم يزل متكلما بِكَلَام غير مُحدث وَلَا مَخْلُوق بَاب الْبَقَاء من صِفَات ذَاته فَإِن قَالَ قَائِل وَمَا الدَّلِيل على أَن الْبَقَاء من صِفَات ذَاته قُلْنَا من قبل أَنه لم يزل بَاقِيا إِذْ كَانَ كَائِنا من غير حُدُوث وَالْبَاقِي منا لَا يكون بَاقِيا إِلَّا بِبَقَاء دَلِيل ذَلِك اسْتِحَالَة بَقَاء الشَّيْء فِي حَال حُدُوثه فَلَو بَقِي لنَفسِهِ كَانَ بَاقِيا فِي حَال حُدُوثه وَذَلِكَ محَال بِاتِّفَاق فصح أَنه بَاقٍ بِبَقَاء إِذْ كَانَ قَدِيما يَسْتَحِيل أَن تكون ذَاته بَقَاء أَو فِي معنى الصِّفَات

стр. 278

بَاب فَإِن قَالَ قَائِل فخبرونا عَن الله سُبْحَانَهُ مَا هُوَ قيل لَهُ إِن أردْت بِقَوْلِك مَا هُوَ مَا جنسه فَلَيْسَ هُوَ بِذِي جنس لما وصفناه قبل هَذَا وَإِن أردْت بِقَوْلِك مَا هُوَ مَا اسْمه فاسمه الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَيّ القيوم وَإِن أردْت بِقَوْلِك مَا هُوَ مَا صنعه فصنعه الْعدْل وَالْإِحْسَان والإنعام وَالسَّمَوَات وَالْأَرْض وَجَمِيع مَا بَينهمَا وَإِن أردْت بِقَوْلِك مَا هُوَ مَا الدّلَالَة على وجوده فالدلالة على وجوده جَمِيع مَا نرَاهُ ونشاهده من مُحكم فعله وَعَجِيب تَدْبيره وَإِن أردْت بِقَوْلِك مَا هُوَ أَي أَشِيرُوا إِلَيْهِ حَتَّى أرَاهُ فَلَيْسَ هُوَ الْيَوْم مرئيا لخلقه ومدركا لَهُم فنريكه بَاب فَإِن قَالَ قَائِل وَكَيف هُوَ قيل لَهُ إِن أردْت بالكيفية التَّرْكِيب وَالصُّورَة والجنسية فَلَا صُورَة لَهُ وَلَا جنس فنخبرك عَنهُ وَإِن أردْت بِقَوْلِك كَيفَ هُوَ أَي على أَي صفة هُوَ فَهُوَ حَيّ عَالم قَادر سميع بَصِير وَإِن أردْت بِقَوْلِك كَيفَ هُوَ أَي كَيفَ صنعه إِلَى خلقه فصنعه إِلَيْهِم الْعدْل وَالْإِحْسَان بَاب فَإِن قَالَ قَائِل أَيْن هُوَ قيل لَهُ الأين سُؤال عَن الْمَكَان وَلَيْسَ هُوَ

стр. 279

مِمَّن يجوز أَن يحويه مَكَان وَلَا تحيط بِهِ أقطار غير أَنا نقُول إِنَّه على عَرْشه لَا على معنى كَون الْجِسْم بالملاصقة والمجاورة تَعَالَى عَن ذَلِك علوا كَبِيرا بَاب فَإِن قَالَ قَائِل فَمَتَى كَانَ قيل لَهُ سؤالك عَن هَذَا يَقْتَضِي كَونه فِي زمَان لم يكن قبله لِأَن مَتى سُؤال عَن الزَّمَان وَقد عرفناك أَنه قديم كَائِن قبل الزَّمَان وَأَنه الْخَالِق للمكان وَالزَّمَان وموجود قبلهمَا وتوقيت وجود الشَّيْء بعام أَو مائَة ألف عَام يُفِيد أَن الموقت وجوده مَعْدُوم قبل الزَّمَان الَّذِي وَقت بِهِ وَذَلِكَ مِمَّا يَسْتَحِيل عَلَيْهِ تَعَالَى بَاب الْكَلَام فِي جَوَاز رُؤْيَة الله تَعَالَى بالأبصار فَإِن قَالَ قَائِل فَهَل يجوز أَن يرى الْقَدِيم سُبْحَانَهُ بالأبصار قيل

стр. 280

لَهُ أجل فَإِن قَالَ فَمَا الْحجَّة فِي ذَلِك قيل لَهُ الْحجَّة على ذَلِك أَنه مَوْجُود تَعَالَى وَالشَّيْء إِنَّمَا يَصح أَن يرى من حَيْثُ كَانَ مَوْجُودا إِذا كَانَ لَا يرى لجنسه لأَنا لَا نرى الْأَجْنَاس الْمُخْتَلفَة وَلَا يرى لحدوثه إِذْ قد نرى الشَّيْء فِي حَال لَا يَصح أَن يحدث فِيهَا وَلَا لحدوث معنى فِيهِ إِذْ قد ترى الْأَعْرَاض الَّتِي لَا تحدث فِيهَا الْمعَانِي فَإِن قَالَ فَمَا الدَّلِيل على أَنه يجوز أَن يرى من جِهَة الْقُرْآن قيل لَهُ قَوْله تَعَالَى مخبرا عَن مُوسَى ﵇ ﴿رب أَرِنِي أنظر إِلَيْك﴾ فَلَو كَانَت الرُّؤْيَة تستحيل عَلَيْهِ كَمَا قَالَت الْمُعْتَزلَة كَمَا يَسْتَحِيل أَن يكون مُحدثا مربوبا وعبدا مخلوقا لاستحال على نبيه وأمينه على وحيه وَمن جعله وَاسِطَة بَينه وَبَين خلقه ومتحملا لرسالته

стр. 281

أَن يسْأَله المستحيل فِي صفته كَمَا يَسْتَحِيل أَن يَقُول لَهُ رب كن عبدا مربوبا ومألوها مخلوقا لِأَن ذَلِك أجمع استخفاف بِاللَّه سُبْحَانَهُ سَوَاء سَأَلَهُ السَّائِل لنَفسِهِ أَو سَأَلَهُ لغيره وَلَيْسَ يجوز على الْأَنْبِيَاء الاستخفاف برَبهمْ وَلَا أَن يكون أسلاف الْمُعْتَزلَة وأخلافها أعلم من الرُّسُل بِمَا يجوز على الله تَعَالَى وَمَا يَسْتَحِيل فِي صفته فَدلَّ مَا وصفناه على صِحَة رُؤْيَته بَاب آخر فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا الدَّلِيل على وجوب رُؤْيَته لَا محَالة فِي الْآخِرَة قيل لَهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وُجُوه يَوْمئِذٍ ناضرة إِلَى رَبهَا ناظرة﴾ وَالنَّظَر فِي كَلَام الْعَرَب إِذا قرن بِالْوَجْهِ وَلم يضف الْوَجْه الَّذِي قرن بِذكرِهِ إِلَى قَبيلَة وَلَا عشيرة وعدي بِحرف الْحر وَلم يعد إِلَى مفعولين فَالْمُرَاد بِهِ النّظر بالبصر لَا غير ذَلِك أَلا ترى إِلَى قَوْلهم انْظُر إِلَى زيد بِوَجْهِك يعنون بِالْعينِ الَّتِي فِي وَجهك مَسْأَلَة فَإِن قَالُوا أفليس قد تمدح بقوله تَعَالَى ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾ كَمَا تمدح بقوله ﴿بديع السَّمَاوَات وَالْأَرْض أَنى يكون لَهُ ولد وَلم تكن لَهُ صَاحِبَة﴾ فَكيف يجوز أَن تَزُول عَنهُ

стр. 282

قيل لَهُم إِنَّمَا تمدح بقوله ﴿وَهُوَ يدْرك الْأَبْصَار﴾ وَلم يتمدح باستحالة إِدْرَاكه بالأبصار لِأَن الطعوم والروائح وَأكْثر الْأَعْرَاض لَا يجوز عنْدكُمْ أَن ترى بالأبصار وَلَيْسَت ممدوحة بذلك فَإِن قَالُوا فَمَا أنكرتم أَن يكون إِنَّمَا تمدح بِأَنَّهُ يدْرك الْأَبْصَار وَأَنَّهَا لَا تُدْرِكهُ قيل لَهُم هَذَا بَاطِل لِأَن الوصفين اللَّذين يتمدح بهما لَا بُد أَن يكون فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا مدح بِمُجَرَّدِهِ نَحْو قَوْله ﴿إِنَّه عَزِيز حَكِيم﴾ و ﴿عليم قدير﴾ وكل وَاحِد من الوصفين مِدْحَة فِي نَفسه تجرد أَو انْضَمَّ إِلَى وَلما لم يكن كَون الْمَعْدُوم غير مدرك بالبصر مدحا لَهُ عندنَا وعندكم بَطل مَا قُلْتُمْ لِأَن أَكثر الموجودات عنْدكُمْ لَا يجوز أَن يدْرك بالأبصار وكل المعدومات عندنَا وعندكم لَا يدْرك بالأبصار وَلَيْسَت بذلك ممدوحات أَلا ترى أَنه لَو قَالَ الله إِنِّي عَالم مَعْلُوم وموجد مَوْجُود لَكَانَ متمدحا بقوله إِنِّي عَالم موجد وَلم يكن متمدحا بِمَا ضامه من كَونه مَعْلُوما وموجودا إِذا شَاركهُ عندنَا وعندكم فِي هذَيْن الوصفين مَا لَيْسَ بممدوح بهما فَكَذَلِك الْمَدْح فِي قَوْله ﴿وَهُوَ يدْرك الْأَبْصَار﴾ دون قَوْله ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾

стр. 283

فَإِن قَالُوا أفليس قد تمدح بقوله ﴿لَا تَأْخُذهُ سنة وَلَا نوم﴾ و ﴿مَا اتخذ الله من ولد﴾ وَلم يجب أَن يكون كل من شركه فِي ذَلِك ممدوحا من الْأَعْرَاض والموات قيل لَهُم إِنَّمَا تمدح جلّ اسْمه بِنَفْي الْآفَات عَنهُ مَعَ جَوَازهَا على غَيره من الْأَحْيَاء وكل حَيّ يمْتَنع ذَلِك عَلَيْهِ فَإِنَّهُ ممدوح بِهِ وممدوح أَيْضا بِكَوْنِهِ حَيا لَيْسَ بميت فَنحْن إِذا قُلْنَا إِنَّه متمدح بِكَوْنِهِ حَيا وَأَن السّنة وَالنَّوْم لَا تَأْخُذهُ فقد مدحناه بالأمرين وَالْمُعْتَمد فِي هَذَا أَنه سُبْحَانَهُ ذكر السّنة وَالنَّوْم تَنْبِيها على أَن جَمِيع الْأَعْرَاض ودلالات الْحُدُوث لَا تجوز عَلَيْهِ وَلم يرد نفي السّنة وَالنَّوْم فَقَط وَفِي الْأَعْرَاض وَالْمَيِّت والجماد من دَلَائِل الْحُدُوث مثل مَا فِي النَّائِم والوسنان وَإِنَّمَا يمدح الشَّيْء بِنَفْي مَا يدل على الْحُدُوث إِذا لم يكن فِيهِ مَا يَنُوب فِي الدّلَالَة مَنَابه فَسقط بذلك مَا اعْترضُوا عَلَيْهِ وَيُمكن أَن يكون وَجه التمدح بقوله ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾ أَنه تَعَالَى يدْرك الْأَشْيَاء وَأَنه مَوْجُود يَصح أَن يدْرك وَأَنه قَادر على أَن يمنعنا من إِدْرَاكه وَأَن كل من يَرَانَا يُمكن أَن نرَاهُ من الْخلق وَأَنه هُوَ تَعَالَى قد منعنَا من الْإِدْرَاك لَهُ إِن كَانَ مدْركا لنا وَأَنه لَيْسَ فِيمَن يدركنا ببصره من يُمكنهُ أَن يخلق فِينَا مَا يضاد رُؤْيَته وينفيها فَيكون متمدحا بقدرته على خلق مَا يضاد رُؤْيَته وَكَونه قَادِرًا على خلق ضد رُؤْيَته لَازم لَهُ أبدا لَا يتَغَيَّر عَنهُ وَكَونه خَالِقًا لما يضاد رُؤْيَته تمدح بِبَعْض أَفعاله

стр. 284

وَيحْتَمل أَيْضا أَن يكون وَجه التمدح فِي قَوْله ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾ أَنَّهَا لَا تُدْرِكهُ جسما مصورا متحيزا وَلَا حَالا فِي شَيْء على مَا يَقُوله النَّصَارَى وَلَا مشبها لشَيْء على مَا يَقُوله أهل التَّشْبِيه وَلَا تُدْرِكهُ والدا وَلَا مولودا على صفة من يلد أَو يُولد تَعَالَى عَن ذَلِك وَيكون الْقَصْد بذلك الرَّد على من وَصفه بِهَذِهِ الصِّفَات وَلَيْسَ لأحد من الْمُعْتَزلَة التَّعَلُّق بِهَذِهِ الْآيَة لِأَن الله تَعَالَى إِنَّمَا نفي عِنْدهم من إِدْرَاك الْأَبْصَار مَا أثْبته لنَفسِهِ فِي قَوْله ﴿وَهُوَ يدْرك الْأَبْصَار﴾ وَلم يعن بذلك عِنْد الْبَصرِيين أَنه يرى الْأَبْصَار وَهُوَ تَعَالَى عِنْدهم لَا يدْرك الْأَبْصَار لِأَنَّهَا مِمَّا لَا يَصح أَن يدْرك وَلَا يرى أَيْضا شَيْئا بتة عِنْد البغداديين وَإِنَّمَا عني عِنْدهم أَنه يعلم الْأَبْصَار فَيجب عَلَيْهِم أَن يكون إِنَّمَا نفى بقوله ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾ علمنَا بِهِ تَعَالَى مَسْأَلَة فَإِن قَالُوا فَمَا معنى قَوْله ﴿لن تراني﴾ قيل لَهُم أَرَادَ فِي الدُّنْيَا لِأَنَّهُ إِنَّمَا سَأَلَ ربه أَن يرِيه نَفسه فِي

стр. 285

الدُّنْيَا فَقَوله ﴿لن تراني﴾ جَوَاب هَذَا السُّؤَال وَلَو لم يكن جَوَابا لَكَانَ أَيْضا مَخْصُوصًا بقوله ﴿إِلَى رَبهَا ناظرة﴾ مَسْأَلَة فَإِن قَالُوا فَمَا معنى قَوْله ﴿تبت إِلَيْك﴾ قيل لَهُم لم يقل جلّ اسْمه إِنَّه تَابَ من مَسْأَلته إِيَّاه الرُّؤْيَة فَيمكن أَن يكون ذكر ذنوبا لَهُ قد قدم التَّوْبَة مِنْهَا فجدد التَّوْبَة عِنْد ذكرهَا لهول مَا رأى كَمَا يُسَارع النَّاس إِلَى التَّوْبَة ويجددونها عِنْد مُشَاهدَة الْأَهْوَال والآيات وَيحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى فِي قَوْله تبت إِلَيْك من ترك استيذاني لَك فِي هَذِه الْمَسْأَلَة الْعَظِيمَة وَمثلهَا مَا لَا يكون مَعَه تَكْلِيف لمعرفتك وَالْعلم بك وَيحْتَمل أَن يكون أَرَادَ بقوله تبت إِلَيْك أَي تبت إِلَيْك أَن أَسأَلك الرُّؤْيَة لهول مَا أصابني لَا لِأَنَّهَا مستحيلة عَلَيْك وَلَا لِأَنِّي عَاص فِي سُؤَالِي كَمَا يَقُول الْقَائِل تبت من كَلَام فلَان ومعاملته وَمن ركُوب الْبَحْر وَمن الْحَج مَاشِيا إِذْ ناله فِي ذَلِك تَعب وَنصب وَشدَّة وَإِن كَانَ ذَلِك مُبَاحا حسنا جَائِزا وَالتَّوْبَة هِيَ الرُّجُوع عَن الشَّيْء وَمن ذَلِك سمي الإقلاع عَن الذُّنُوب وَالْعود إِلَى طَاعَة الله تَعَالَى تَوْبَة مِنْهَا
следующие страницы →