Полный текст (536 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
أَن يسْأَله المستحيل فِي صفته كَمَا يَسْتَحِيل أَن يَقُول لَهُ رب كن عبدا مربوبا ومألوها مخلوقا
لِأَن ذَلِك أجمع استخفاف بِاللَّه سُبْحَانَهُ سَوَاء سَأَلَهُ السَّائِل لنَفسِهِ أَو سَأَلَهُ لغيره
وَلَيْسَ يجوز على الْأَنْبِيَاء الاستخفاف برَبهمْ وَلَا أَن يكون أسلاف الْمُعْتَزلَة وأخلافها أعلم من الرُّسُل بِمَا يجوز على الله تَعَالَى وَمَا يَسْتَحِيل فِي صفته
فَدلَّ مَا وصفناه على صِحَة رُؤْيَته
بَاب آخر
فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا الدَّلِيل على وجوب رُؤْيَته لَا محَالة فِي الْآخِرَة
قيل لَهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وُجُوه يَوْمئِذٍ ناضرة إِلَى رَبهَا ناظرة﴾
وَالنَّظَر فِي كَلَام الْعَرَب إِذا قرن بِالْوَجْهِ وَلم يضف الْوَجْه الَّذِي قرن بِذكرِهِ إِلَى قَبيلَة وَلَا عشيرة وعدي بِحرف الْحر وَلم يعد إِلَى مفعولين فَالْمُرَاد بِهِ النّظر بالبصر لَا غير ذَلِك
أَلا ترى إِلَى قَوْلهم انْظُر إِلَى زيد بِوَجْهِك يعنون بِالْعينِ الَّتِي فِي وَجهك
مَسْأَلَة
فَإِن قَالُوا أفليس قد تمدح بقوله تَعَالَى ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾ كَمَا تمدح بقوله ﴿بديع السَّمَاوَات وَالْأَرْض أَنى يكون لَهُ ولد وَلم تكن لَهُ صَاحِبَة﴾ فَكيف يجوز أَن تَزُول عَنهُ
стр. 282
قيل لَهُم إِنَّمَا تمدح بقوله ﴿وَهُوَ يدْرك الْأَبْصَار﴾ وَلم يتمدح باستحالة إِدْرَاكه بالأبصار
لِأَن الطعوم والروائح وَأكْثر الْأَعْرَاض لَا يجوز عنْدكُمْ أَن ترى بالأبصار وَلَيْسَت ممدوحة بذلك
فَإِن قَالُوا فَمَا أنكرتم أَن يكون إِنَّمَا تمدح بِأَنَّهُ يدْرك الْأَبْصَار وَأَنَّهَا لَا تُدْرِكهُ
قيل لَهُم هَذَا بَاطِل لِأَن الوصفين اللَّذين يتمدح بهما لَا بُد أَن يكون فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا مدح بِمُجَرَّدِهِ نَحْو قَوْله ﴿إِنَّه عَزِيز حَكِيم﴾ و ﴿عليم قدير﴾ وكل وَاحِد من الوصفين مِدْحَة فِي نَفسه تجرد أَو انْضَمَّ إِلَى
وَلما لم يكن كَون الْمَعْدُوم غير مدرك بالبصر مدحا لَهُ عندنَا وعندكم بَطل مَا قُلْتُمْ
لِأَن أَكثر الموجودات عنْدكُمْ لَا يجوز أَن يدْرك بالأبصار وكل المعدومات عندنَا وعندكم لَا يدْرك بالأبصار وَلَيْسَت بذلك ممدوحات
أَلا ترى أَنه لَو قَالَ الله إِنِّي عَالم مَعْلُوم وموجد مَوْجُود لَكَانَ متمدحا بقوله إِنِّي عَالم موجد وَلم يكن متمدحا بِمَا ضامه من كَونه مَعْلُوما وموجودا إِذا شَاركهُ عندنَا وعندكم فِي هذَيْن الوصفين مَا لَيْسَ بممدوح بهما فَكَذَلِك الْمَدْح فِي قَوْله ﴿وَهُوَ يدْرك الْأَبْصَار﴾ دون قَوْله ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾
стр. 283
فَإِن قَالُوا أفليس قد تمدح بقوله ﴿لَا تَأْخُذهُ سنة وَلَا نوم﴾ و ﴿مَا اتخذ الله من ولد﴾ وَلم يجب أَن يكون كل من شركه فِي ذَلِك ممدوحا من الْأَعْرَاض والموات
قيل لَهُم إِنَّمَا تمدح جلّ اسْمه بِنَفْي الْآفَات عَنهُ مَعَ جَوَازهَا على غَيره من الْأَحْيَاء وكل حَيّ يمْتَنع ذَلِك عَلَيْهِ فَإِنَّهُ ممدوح بِهِ وممدوح أَيْضا بِكَوْنِهِ حَيا لَيْسَ بميت
فَنحْن إِذا قُلْنَا إِنَّه متمدح بِكَوْنِهِ حَيا وَأَن السّنة وَالنَّوْم لَا تَأْخُذهُ فقد مدحناه بالأمرين
وَالْمُعْتَمد فِي هَذَا أَنه سُبْحَانَهُ ذكر السّنة وَالنَّوْم تَنْبِيها على أَن جَمِيع الْأَعْرَاض ودلالات الْحُدُوث لَا تجوز عَلَيْهِ وَلم يرد نفي السّنة وَالنَّوْم فَقَط
وَفِي الْأَعْرَاض وَالْمَيِّت والجماد من دَلَائِل الْحُدُوث مثل مَا فِي النَّائِم والوسنان
وَإِنَّمَا يمدح الشَّيْء بِنَفْي مَا يدل على الْحُدُوث إِذا لم يكن فِيهِ مَا يَنُوب فِي الدّلَالَة مَنَابه
فَسقط بذلك مَا اعْترضُوا عَلَيْهِ
وَيُمكن أَن يكون وَجه التمدح بقوله ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾ أَنه تَعَالَى يدْرك الْأَشْيَاء وَأَنه مَوْجُود يَصح أَن يدْرك وَأَنه قَادر على أَن يمنعنا من إِدْرَاكه وَأَن كل من يَرَانَا يُمكن أَن نرَاهُ من الْخلق وَأَنه هُوَ تَعَالَى قد منعنَا من الْإِدْرَاك لَهُ إِن كَانَ مدْركا لنا وَأَنه لَيْسَ فِيمَن يدركنا ببصره من يُمكنهُ أَن يخلق فِينَا مَا يضاد رُؤْيَته وينفيها
فَيكون متمدحا بقدرته على خلق مَا يضاد رُؤْيَته
وَكَونه قَادِرًا على خلق ضد رُؤْيَته لَازم لَهُ أبدا لَا يتَغَيَّر عَنهُ وَكَونه خَالِقًا لما يضاد رُؤْيَته تمدح بِبَعْض أَفعاله
стр. 284
وَيحْتَمل أَيْضا أَن يكون وَجه التمدح فِي قَوْله ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾ أَنَّهَا لَا تُدْرِكهُ جسما مصورا متحيزا وَلَا حَالا فِي شَيْء على مَا يَقُوله النَّصَارَى وَلَا مشبها لشَيْء على مَا يَقُوله أهل التَّشْبِيه وَلَا تُدْرِكهُ والدا وَلَا مولودا على صفة من يلد أَو يُولد تَعَالَى عَن ذَلِك وَيكون الْقَصْد بذلك الرَّد على من وَصفه بِهَذِهِ الصِّفَات
وَلَيْسَ لأحد من الْمُعْتَزلَة التَّعَلُّق بِهَذِهِ الْآيَة لِأَن الله تَعَالَى إِنَّمَا نفي عِنْدهم من إِدْرَاك الْأَبْصَار مَا أثْبته لنَفسِهِ فِي قَوْله ﴿وَهُوَ يدْرك الْأَبْصَار﴾
وَلم يعن بذلك عِنْد الْبَصرِيين أَنه يرى الْأَبْصَار وَهُوَ تَعَالَى عِنْدهم لَا يدْرك الْأَبْصَار لِأَنَّهَا مِمَّا لَا يَصح أَن يدْرك وَلَا يرى أَيْضا شَيْئا بتة عِنْد البغداديين
وَإِنَّمَا عني عِنْدهم أَنه يعلم الْأَبْصَار فَيجب عَلَيْهِم أَن يكون إِنَّمَا نفى بقوله ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾ علمنَا بِهِ تَعَالَى
مَسْأَلَة
فَإِن قَالُوا فَمَا معنى قَوْله ﴿لن تراني﴾
قيل لَهُم أَرَادَ فِي الدُّنْيَا لِأَنَّهُ إِنَّمَا سَأَلَ ربه أَن يرِيه نَفسه فِي
стр. 285
الدُّنْيَا فَقَوله ﴿لن تراني﴾ جَوَاب هَذَا السُّؤَال
وَلَو لم يكن جَوَابا لَكَانَ أَيْضا مَخْصُوصًا بقوله ﴿إِلَى رَبهَا ناظرة﴾
مَسْأَلَة
فَإِن قَالُوا فَمَا معنى قَوْله ﴿تبت إِلَيْك﴾
قيل لَهُم لم يقل جلّ اسْمه إِنَّه تَابَ من مَسْأَلته إِيَّاه الرُّؤْيَة
فَيمكن أَن يكون ذكر ذنوبا لَهُ قد قدم التَّوْبَة مِنْهَا فجدد التَّوْبَة عِنْد ذكرهَا لهول مَا رأى كَمَا يُسَارع النَّاس إِلَى التَّوْبَة ويجددونها عِنْد مُشَاهدَة الْأَهْوَال والآيات
وَيحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى فِي قَوْله تبت إِلَيْك من ترك استيذاني لَك فِي هَذِه الْمَسْأَلَة الْعَظِيمَة وَمثلهَا مَا لَا يكون مَعَه تَكْلِيف لمعرفتك وَالْعلم بك
وَيحْتَمل أَن يكون أَرَادَ بقوله تبت إِلَيْك أَي تبت إِلَيْك أَن أَسأَلك الرُّؤْيَة لهول مَا أصابني لَا لِأَنَّهَا مستحيلة عَلَيْك وَلَا لِأَنِّي عَاص فِي سُؤَالِي كَمَا يَقُول الْقَائِل تبت من كَلَام فلَان ومعاملته وَمن ركُوب الْبَحْر وَمن الْحَج مَاشِيا إِذْ ناله فِي ذَلِك تَعب وَنصب وَشدَّة وَإِن كَانَ ذَلِك مُبَاحا حسنا جَائِزا
وَالتَّوْبَة هِيَ الرُّجُوع عَن الشَّيْء وَمن ذَلِك سمي الإقلاع عَن الذُّنُوب وَالْعود إِلَى طَاعَة الله تَعَالَى تَوْبَة مِنْهَا
стр. 286
وَمعنى المُرَاد بقوله ﴿ثمَّ تَابَ عَلَيْهِم ليتوبوا﴾ أَي رَجَعَ بهم إِلَى التفضل والامتنان ليرجعوا عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ
فَقَوله تبت إِلَيْك أَي رجعت عَن سُؤَالِي إياك الرُّؤْيَة
وَهَذَا هُوَ أصل التَّوْبَة وَلَيْسَ الرُّجُوع عَن الشَّيْء يَقْتَضِي كَونه عصيانا
فَبَطل تعلقهم بِالْآيَةِ
مَسْأَلَة
فَإِن سَأَلُوا عَن معنى قَوْله ﴿فَلَمَّا تجلى ربه للجبل جعله دكا﴾ وَعَن تَأْوِيل ذَلِك وَمَا معنى التجلي مِنْهُ
قيل لَهُم معنى ذَلِك أَنه أرى نَفسه للجبل فتدكدك وَصَارَ قطعا قطعا لما أحب تَعَالَى من إِعْلَام مُوسَى صلى الله عَلَيْهِ أَن أحدا لَا يرَاهُ فِي الدُّنْيَا إِلَّا لحقه مَا لحق الْجَبَل لحكمه تَعَالَى بِجعْل الدُّنْيَا دَار تَكْلِيف وإيمان بِالْغَيْبِ
وَمعنى قَوْله تجلى أَي أَنه رفع عَن الْجَبَل الآفة الْمَانِعَة لَهُ من رُؤْيَته تَعَالَى وأحياه وَخلق فِيهِ الْإِدْرَاك لَهُ فَرَآهُ
وَقد يكون التجلي ظهورا أَو خُرُوجًا من وَرَاء السواتر والحجب
وَذَلِكَ من صِفَات الْأَجْسَام وَالله يتعالى عَن ذَلِك
وَقد يكون التجلي بِمَعْنى رفع الْآفَات الْمَانِعَة من الْإِدْرَاك
وَمن ذَلِك قَوْلهم تجلت لي الألوان وتجلت للضرير المبصرات إِذا أبْصر
стр. 287
المرئيات وتجلى لي الْأَمر إِذا زَالَت عوارض الشّبَه مِنْهُ
وَأما الْحجاب فقد يكون بِمَعْنى السَّاتِر الْمَانِع وَقد يكون آفَة مَوْضُوعَة فِي الْبَصَر تمنع من إِدْرَاك المرئيات
وأصل الْحجب الْمَنْع
وَمِنْه سمي حَاجِب الْأَمِير حاجبا لمَنعه مِنْهُ وَدفعه عَن الْوُصُول إِلَيْهِ
وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿كلا إِنَّهُم عَن رَبهم يَوْمئِذٍ لمحجوبون﴾ يَعْنِي الْكفَّار أَي إِنَّهُم ممنوعون بالآفات الْمَوْضُوعَة فِي أَبْصَارهم من رُؤْيَته تَعَالَى إهانة لَهُم وَتَفْرِيقًا بَينهم وَبَين الْمُؤمنِينَ
مَسْأَلَة
فَإِن قَالُوا مَا أنكرتم أَن يكون مُوسَى ﵇ إِنَّمَا أَرَادَ بقوله ﴿رب أَرِنِي أنظر إِلَيْك﴾ أَي عرفني نَفسك اضطرارا أَو أَرِنِي آيَة من آيَات السَّاعَة
قيل لَهُم أَنْكَرْنَا ذَلِك لِأَنَّهُ غير جَائِز فِي اللُّغَة
لِأَن الْقَائِل لَا يجوز أَن يَقُول لمن يسمع كَلَامه ويعرفه وَلَا يشك فِيهِ أَرِنِي أنظر إِلَيْك وَهُوَ يُرِيد عرفني نَفسك أَو أَرِنِي فعلا من أفعالك
هَذَا غير مُسْتَعْمل فِي اللِّسَان
وَلِأَن النّظر إِذا أطلق فَلَيْسَ مَعْنَاهُ إِلَّا رُؤْيَة الْعين
وَإِن أُرِيد بِهِ الْعلم فبدليل وَلِأَن النّظر الَّذِي فِي الْآيَة معدى بقوله إِلَيْك وَالنَّظَر المعدى ب إِلَى لَا يجوز فِي كَلَام الْعَرَب أَن يُرَاد بِهِ إِلَّا نظر الْعين
فَبَطل مَا قَالُوا
مَسْأَلَة
وَإِن سَأَلُوا عَن قَوْله يَسْأَلك أهل الْكتاب أَن تنزل
стр. 288
عَلَيْهِم كتابا من السَّمَاء فقد سَأَلُوا مُوسَى أكبر من ذَلِك فَقَالُوا أرنا الله جهرة) وَعَن قَوْله وقلتم يَا مُوسَى لن نؤمن لَك حَتَّى نرى الله جهرة وَعَن معنى إِنْكَار الله لذَلِك من سُؤَالهمْ
قيل لَهُم لم يُنكر الله تَعَالَى مَسْأَلَة أخلاف بني إِسْرَائِيل أَن ينزل عَلَيْهِم كتابا من السَّمَاء وَمَسْأَلَة أسلافهم أَن يرَوا الله جهرة لِاسْتِحَالَة ذَلِك
وَإِنَّمَا أنكرهُ لأَنهم سَأَلُوا ذَلِك على طَرِيق العناد لمُوسَى وَمُحَمّد صلى الله عَلَيْهِمَا وَالشَّكّ فِي نبوتهما والتقدم بَين أَيْدِيهِمَا والامتناع من فعل مَا أوجب عَلَيْهِم من الْإِيمَان بِاللَّه حَتَّى يفعل مَا يؤثرونه ويقتاتونه
فَأنْكر الله ذَلِك من فعلهم وَقَوْلهمْ كَمَا أنكر سُؤَالهمْ إِنْزَال كتاب من السَّمَاء لَا لِاسْتِحَالَة ذَلِك فِي قدرته
وكما أنكر قَول من قَالَ ﴿لن نؤمن لَك حَتَّى تفجر لنا من الأَرْض ينبوعا﴾ إِلَى قَوْله ﴿أَو ترقى فِي السَّمَاء وَلنْ نؤمن لرقيك﴾
لِأَن هَذَا أجمع إِنَّمَا كَانَ على وَجه الاستخفاف بالرسل والتمرد لَا على طلب الزِّيَادَة فِي الْعلم
وَيجب الِاعْتِمَاد فِي تَخْصِيص قَوْله ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾ وَقَوله ﴿لن تراني﴾ على قَوْله ﴿وُجُوه يَوْمئِذٍ ناضرة إِلَى رَبهَا ناظرة﴾ من حَيْثُ ثَبت أَنه لَا يجوز أَن يكون مَعْنَاهُ إِلَّا رُؤْيَة الْأَبْصَار
وَكَذَلِكَ يجب أَن يعْتَمد فِي أَنه لَا يجوز أَن يكون عني بقوله ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾ وَقَوله ﴿لن تراني﴾ وَقَوله
стр. 289
﴿فَأَخَذتهم الصاعقة﴾ الدّلَالَة على إِحَالَة رُؤْيَته تَعَالَى لِأَن نفي الشَّيْء لَا يدل على استحالته
لِأَنَّهُ قد ينفى عَنهُ الْجَائِز أَحْيَانًا وينفى المستحيل الْمُمْتَنع فِي صفته
وَلما صَحَّ أَن قَوْله ﴿وُجُوه يَوْمئِذٍ ناضرة إِلَى رَبهَا ناظرة﴾ يَقْتَضِي النّظر إِلَيْهِ بالأبصار لِأَن النّظر فِي كَلَام الْعَرَب يحْتَمل وُجُوهًا مِنْهَا نظر الِانْتِظَار وَمِنْهَا الْفِكر وَالِاعْتِبَار وَمِنْهَا الرَّحْمَة والتعطف وَمِنْهَا الْإِدْرَاك بالأبصار وَإِذا قرن النّظر بِذكر الْوَجْه وعدي بِحرف الْجَرّ وَلم يضف الْوَجْه إِلَى قَبيلَة وعشيرة الْوَجْه الْجَارِحَة الَّتِي تُوصَف بالنضارة الَّتِي تخْتَص بِالْوَجْهِ الَّذِي فِيهِ العينان فَمَعْنَاه رُؤْيَة الْأَبْصَار
أَلا ترى إِلَى قَوْله ﴿فَانْظُر إِلَى طَعَامك وشرابك لم يتسنه﴾ أَي اُنْظُرْهُ بِعَيْنِك
وَلما لم يرد بقوله تَعَالَى ﴿فناظرة بِمَ يرجع المُرْسَلُونَ﴾ نظر الْعين لم يعده ب إِلَى وَلَا قرنه بِالْوَجْهِ
وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿مَا ينظرُونَ إِلَّا صَيْحَة وَاحِدَة﴾ لما أَرَادَ بِهِ الِانْتِظَار دون نظر الْأَبْصَار لم ينطه بِالْوَجْهِ وَلَا عداهُ ب إِلَى
قَالَ الشَّاعِر
(فَإِن يَك صدر هَذَا الْيَوْم ولى ... فَإِن غَدا لناظره قريب) فَلم يقرن النّظر بِذكر الْوَجْه وَلَا عداهُ ب إِلَى لما أَرَادَ الِانْتِظَار
стр. 290
فَإِن قَالُوا فَمَا معنى قَول جميل بن معمر
(إِنِّي إِلَيْك لما وعدت لناظر ... نظر الذَّلِيل إِلَى الْعَزِيز القاهر) قيل لَهُم مَعْنَاهُ نظر الْعين المقرون بالذل والانكسار لِأَنَّهُ نظر إِلَيْهِ ببصره مقتضيا متنجزا لوعده نظر الذَّلِيل إِلَى الْعَزِيز القاهر
فَإِن قَالُوا فَمَا معنى قَول حسان بن ثَابت
(وُجُوه ناظرات يَوْم بدر ... إِلَى الرَّحْمَن يَأْتِي بالفلاح) قيل لَهُم أَرَادَ نظر الْأَبْصَار إِلَى سَمَاء الرَّحْمَن وترقب النَّصْر عِنْد رميهم بالأبصار إِلَى الْجِهَة الَّتِي مِنْهَا يُرْجَى النَّصْر وَقَوله إِلَى الرَّحْمَن يَعْنِي بِهِ إِلَى سَمَاء الرَّحْمَن وجهة الرَّغْبَة إِلَيْهِ وَلم يرد الِانْتِظَار
فَإِن قَالُوا فَمَا أنكرتم أَيْضا أَن يكون الله تَعَالَى إِنَّمَا أَرَادَ بقوله ﴿إِلَى رَبهَا ناظرة﴾ أَي إِنَّهَا إِلَى جنان رَبهَا وأفعاله وعظيم مَا
стр. 291
أعده لأولئك ناظرة
قيل لَهُم هَذَا التَّأْوِيل يَجْعَل الْآيَة مجَازًا وَلَيْسَ لنا فعل ذَلِك إِلَّا بِحجَّة
فَإِن قَالُوا مَا أنكرتم أَن تكون الْحجَّة فِي ذَلِك إِحَالَة الْعُقُول لرُؤْيَته
قيل لَهُم الْعُقُول عندنَا تجيز رُؤْيَته وَتبطل دعواكم وَقد بَينا ذَلِك فِيمَا سلف وسنفسد مَا تتعلقون بِهِ فِيمَا بعد إِن شَاءَ الله
فَإِن قَالُوا فَمَا معنى قَول الشَّاعِر
(وَيَوْم بِذِي قار رَأَيْت وُجُوههم ... إِلَى الْمَوْت من وَقع السيوف نواظر) وَالْمَوْت لَا يرى وَلَا ينظر إِلَيْهِ
قيل لَهُم مَا أَرَادَ الشَّاعِر إِلَّا رُؤْيَة الْأَبْصَار وَإِنَّمَا أَرَادَ بِالْمَوْتِ الضَّرْب والطعن وفلق الْهَام
لِأَن ذَلِك يُسمى فِي اللُّغَة موتا لِأَنَّهُ من أَسبَاب الْمَوْت وَمَا يَقع عِنْده غَالِبا وَالشَّيْء عِنْدهم يُسمى باسم سَببه
وَيُمكن أَيْضا أَن يكون أَرَادَ بِذكر الْمَوْت الْأَبْطَال الَّذين يُوجد الْمَوْت عِنْد كرها وإقدامها
قَالَ جرير
(أَنا الْمَوْت الَّذِي خبرت عَنهُ ... فَلَيْسَ لهارب مني نجاء)
стр. 292
وَقَالَ آخر
(يأيها الرَّاكِب المزجى مطيته ... سَائل بني أَسد مَا هَذِه الصَّوْت)
(وَقل لَهَا بَادرُوا بالعذر والتمسوا ... قولا يبرئكم إِنِّي أَنا الْمَوْت) يُرِيد بِهِ البطل الَّذِي يكون عِنْد فعله الْمَوْت فَإِن قيل فَمَا معنى قَول الآخر
(وُجُوه بهَا ليل الْحجاز على النَّوَى ... إِلَى ملك ركن المغارب ناظرة) قيل لَهُم هَذَا شعر لَا يعرفهُ أحد من أهل الْعلم فَلَا حجَّة
فِيهِ وَإِن صَحَّ لم يفْسد مَا قُلْنَاهُ لأننا قد قُلْنَا إِن الْوُجُوه المقرونه بِذكر الْبَلدة وَالْعشيرَة إِنَّمَا يُرَاد بِهِ سادة النَّاس
وَالله تَعَالَى وصف الْوُجُوه الَّتِي هِيَ الْجَوَارِح بِأَنَّهَا تنظر إِلَيْهِ لِأَنَّهُ تَعَالَى وصفهَا بِمَا لَا يجوز أَن يُوصف بِهِ إِلَّا الْجَارِحَة حَيْثُ قَالَ ﴿وُجُوه يَوْمئِذٍ ناضرة﴾
والنضارة لَا تكون إِلَّا فِي الْجَارِحَة الَّتِي هِيَ الْوَجْه
مَسْأَلَة
فَإِن قَالُوا مَا أنكرتم من أَنه لَو رئي بالأبصار لوَجَبَ أَن يكون جسما أَو جوهرا أَو عرضا أَو محدودا أَو حَالا فِي مَحْدُود أَو مُقَابلا للمكان أَو مباينا للمكان أَو مُتَّصِلا بِهِ الشعاع أَو مُتَّصِلا بمكانه أَو متخيلا متمثلا متصورا بالقلوب عِنْد غيبته وَأَن يكون من جنس المرئيات لأننا لم نعقل
стр. 293
مرئيا بالبصر إِلَّا كَذَلِك
يُقَال لَهُم لَو وَجب هَذَا لوَجَبَ إِذا كَانَ مَعْلُوما بالقلوب وموجودا أَن يكون جسما أَو جوهرا أَو عرضا وَفِي الْعَالم أَو غَيره من الْأَمَاكِن أَو مَا يقدر تَقْدِير الْأَمَاكِن لأننا لم نعقل مَعْلُوما إِلَّا كَذَلِك وَإِذا كَانَ شَيْئا أَن لَا يَخْلُو من أَن يكون جسما أَو جوهرا أَو عرضا لأننا لم نعقل شَيْئا إِلَّا كَذَلِك وَإِذا كَانَ عَالما قَادِرًا سميعا بَصيرًا أَن يكون جسما مجتمعا ذَا حيّز فِي الْوُجُود لأننا لم نعقل حَيا عَالما قَادِرًا رائيا إِلَّا كَذَلِك
فَإِن مروا على ذَلِك تركُوا التَّوْحِيد وَإِن أَبوهُ أبطلوا مَا سَأَلُوا عَنهُ
وَأما قَوْلهم إِنَّه لَو رئي بالأبصار لوَجَبَ أَن يكون متمثلا متخيلا فَإِنَّهُم إِن أَرَادوا بِهِ أَنه إِذا تعدم رُؤْيَته نتخيل لَهُ شكلا أَو جسما ونعتقد أَنا رَأينَا ذَا هَيْئَة وشكل فَإِن ذَلِك بَاطِل لقِيَام الدَّلِيل على أَن الْقَدِيم سُبْحَانَهُ لَيْسَ من جنس المرئيات
وَإِن عنوا بِهِ أَنا نعلم بعد رُؤْيَته أننا رَأينَا شَيْئا لَيْسَ كمثله شَيْء فَإِن ذَلِك صَحِيح
وَتَسْمِيَة هَذَا الْعلم تخيلا وتمثلا بَاطِل بِالْإِجْمَاع
مَسْأَلَة
فَإِن قَالُوا مَا أنكرتم من أَنه لَو جَازَ أَن يرى لرأيناه السَّاعَة لِأَن الْمَوَانِع الْمَانِعَة من رُؤْيَة مَا يجوز أَن يرى منتفية عَنهُ وَهِي الرقة واللطافة والحجاب والبعد وَذَلِكَ مُسْتَحِيل على الله تَعَالَى
فَوَجَبَ أَن نرَاهُ لَو كَانَ مِمَّا يجوز أَن يرى
يُقَال لَهُم لَيْسَ فِيمَا ذكرْتُمْ شَيْء يمْنَع من رُؤْيَة المرئي
لأَنا نرى
стр. 294
اللَّطِيف مَعَ لطافته عِنْد زِيَادَة الْإِدْرَاك ونرى الْبعيد مَعَ بعده ونرى المحجوب إِذا قوي الْإِدْرَاك وَزَاد الشعاع عنْدكُمْ فأنفذ خروقه
والمحتضر بِالْمَوْتِ يرى ملك الْمَوْت وَنحن لَا نرَاهُ وَإِن كُنَّا بِحَضْرَتِهِ
وَكَذَلِكَ الرَّسُول ﷺ كَانَ يرى جِبْرِيل ﵇ وَالصَّحَابَة لَا ترَاهُ
وَكَذَلِكَ الْمَلَائِكَة يرى بَعضهم بَعْضًا مَعَ رقتهم وَنحن لَا نراهم
وَمَا منع من رُؤْيَة الشَّيْء لَا يجوز أَن يقارن الرُّؤْيَة لَهُ
فَوَجَبَ أَن لَا يكون فِيمَا ذكرتموه شَيْء يمْنَع من رُؤْيَة المرئيات كَمَا أَن الْجَهْل الْمَانِع من الْعلم بالشَّيْء لَا يجوز أَن يقارنه الْعلم بِحَال
فَإِن قَالُوا فَمَا الْمَانِع من رُؤْيَة هَذِه الْأُمُور
قيل لَهُم هُوَ وجود مَا يضاد إِدْرَاكهَا فِي أبصارنا وَلَو رَفعه تَعَالَى أدركناها
وَهَذَا الْمَانِع هُوَ الَّذِي يمْنَع من رُؤْيَة الله تَعَالَى فِي هَذَا الْوَقْت
فَإِن قَالُوا فأجيزوا أَن يخلق الله فِيكُم إِدْرَاك ذرة ويمنعكم من إِدْرَاك فيل إِلَى جنبها
قيل لَهُم هَذَا جَائِز عندنَا فِي قدرَة الله تَعَالَى
فَإِن قَالُوا فأجيزوا السَّاعَة ذَلِك وَشَكوا فِي أَن بحضرتكم فيلة وجمالا وأنهارا جَارِيَة وَأَنْتُم لَا ترَوْنَ ذَلِك وَإِن كُنْتُم ترَوْنَ مَا هُوَ أَصْغَر مِنْهُ
стр. 295
قيل لَهُم لَوْلَا أننا مضطرون إِلَى الْعلم بِأَن ذَلِك لَيْسَ بموجود لأجزناه
وَلَيْسَ يجب أَن نشك الْيَوْم فِي أَن الله تَعَالَى قد فعل كل مَقْدُور عِنْده كَمَا لَا يجب أَن نشك فِي أَنه قد خلق الْيَوْم إنْسَانا لَا من أبوين وفرسا لَا من نتاج وَنَارًا غير محرقة لشَيْء وَتَمْرًا لَا من نخل ولبنا لَا من ضرع وَأَنه قد أَحْيَا الْأَمْوَات بِسَائِر الأقطار وعرج بِنَا البارحة إِلَى ملكوت السَّمَوَات ثمَّ ردنا إِلَى مضاجعنا وَأَنه قد أمات كل من فارقناه يَوْمًا أَو سَاعَة من أقاربنا وأصدقائنا ألف مرّة ثمَّ أحياهم بعد ذَلِك وَإِن كَانَ ذَلِك أجمع مَقْدُورًا لله تَعَالَى
فَبَطل بذلك مَا سَأَلْتُم عَنهُ
بَاب القَوْل فِي أَن الله تَعَالَى مُرِيد لجَمِيع الْمَخْلُوقَات
إِن قَالَ قَائِل فَلم قُلْتُمْ إِن الله تَعَالَى مُرِيد للطاعة وَالْمَعْصِيَة وَسَائِر الْحَوَادِث
قيل لَهُ لِأَن الله تَعَالَى قَالَ فِي كِتَابه فعال لما يُرِيد
وَقد
стр. 296
قَامَ الدَّلِيل على أَنه فعال لسَائِر أَفعَال الْخلق وَجَمِيع الْحَوَادِث فَوَجَبَ أَنه مُرِيد لذَلِك أجمع
وَلقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو شَاءَ الله مَا فَعَلُوهُ﴾ وَقَوله ﴿وَلَو شَاءَ رَبك لآمن من فِي الأَرْض كلهم جَمِيعًا﴾ فَأخْبر أَنه لَو لم يرد مِنْهُم الْعِصْيَان والتكذيب وَالْخلاف لما كَانَ وَلَا فَعَلُوهُ وَأَنه لَو شَاءَ أَن يُؤمنُوا جَمِيعًا لآمنوا
فَإِن قَالُوا مَا أنكرتم أَن يكون إِنَّمَا أَرَادَ أَنه لَو أَرَادَ ذَلِك على سَبِيل الْإِكْرَاه والإلجاء لَكَانَ لَا محَالة
قيل لَهُم لَو جَازَ أَن يُرِيد الْإِيمَان مِنْهُم طَوْعًا فَلَا يكون وَلَا يلْحقهُ عجز وَلَا تَقْصِير عَن بُلُوغ مُرَاده لجَاز أَن يُريدهُ مِنْهُم على سَبِيل الإلجاء وَالْإِكْرَاه وَلَا يكون وَلَا يلْحقهُ عجز وَلَا تَقْصِير عَن بُلُوغ مُرَاده
فَإِن قَالُوا لَو لم يتم مَا أَرَادَ مِنْهُم على سَبِيل الإلجاء لدل ذَلِك على عَجزه عَن فعل سَبَب يلجئهم بِهِ إِلَى الْإِيمَان من ترهيب وإحضار نكال وَغير ذَلِك وَالْعجز غير جَائِز عَلَيْهِ
قيل لَهُم وَلَو لم يتما مَا أَرَادَهُ من إِيمَانهم طَوْعًا واختيارا لدل ذَلِك على عَجزه عَن فعل لطف وَسبب من الْأَسْبَاب يختارون عِنْد فعله الْإِيمَان وَذَلِكَ مُنْتَفٍ عَنهُ
стр. 297
فَإِن قَالُوا قد لَا يكون فِي الْمَعْلُوم شَيْء يُؤمنُونَ عِنْده فَلَا يلْحق الْعَجز بفقد الْقُدْرَة عَلَيْهِ
قيل لَهُم وَقد لَا يكون فِي الْمَعْلُوم شَيْء يلتجئون عِنْد فعله بهم إِلَى الْإِيمَان بِهِ وَإِن يقطعوا إربا إربا وَأنزل عَلَيْهِم أعظم الْعَذَاب والنكال والآلام بِأَن يعلم أَنهم لَا يختارون عِنْد شَيْء من ذَلِك فعل الْإِيمَان
فَلَا يجب بِنَفْي الْقُدْرَة عَلَيْهِ إِثْبَات عجز عَنهُ
وَلَا جَوَاب عَن هَذَا
وَمِمَّا يدل على أَن الله تَعَالَى مُرِيد لجَمِيع أَفعَال الْعباد أَنه لَو كَانَ فِي سُلْطَانه مِنْهَا مَا لَيْسَ بمريد لكَونه للحقه الْعَجز وَالتَّقْصِير عَن بُلُوغ المُرَاد
وَكَذَلِكَ لَو أَرَادَ مِنْهَا مَا لم يكن كَمَا أَنه لَو أَرَادَ من فعل نَفسه مَا لم يكن أَو كَانَ مِنْهُ عندنَا وَعِنْدهم مَا لم يردهُ وَهُوَ مِمَّا يَصح أَن يكون مرَادا لدل ذَلِك على عَجزه وتقصيره وَتعذر الْأَشْيَاء عَلَيْهِ
فَلَا فرق فِي ذَلِك بَين فعل نَفسه وَفعل خلقه الَّذِي جعله لَهُم كسبا كَمَا أَنه لَا فرق بَين أَن يكون من فعل نَفسه مَا لَا يعلم وَلَا يكون مِنْهُ مَا علم أَنه يكون وَبَين أَن لَا يكون من خلقه مَا يعلم أَنه يكون وَبَين أَن يكون مِنْهُم مَا علم أَنه لَا يكون فِي إِيجَابه لتجهيله تَعَالَى عَن ذَلِك
فَإِن قَالُوا فَيجب إِذا كَانَ من خلقه مَا لم يَأْمُرهُم بِهِ أَن يدل ذَلِك على عَجزه
قيل لَهُم هَذَا سَاقِط بِاتِّفَاق لِأَنَّهُ قد كَانَت أَكثر أَفعاله وَلم يَأْمر بهَا أحدا من خلقه وَلم يلْحقهُ الْعَجز
فَكَذَلِك حكم فعل خلقه لَهُ
وَلِأَنَّهُ إِذا
стр. 298
لم يكن مَا أَمر بِكَوْنِهِ وَكَانَ مَا لم يَأْمر بِهِ وَهُوَ تَعَالَى مُرِيد لكَون مَا لم يَأْمر بِهِ وَغير مُرِيد لما أَمرهم بِهِ لم يلْحقهُ عجز وَلَا تَقْصِير
لِأَن ذَلِك إِنَّمَا يلْحق من خُولِفَ فِي أمره إِذا أَرَادَ مَا أَمر بِهِ وَكره مَا نهى عَنهُ فَسقط مَا سَأَلْتُم عَنهُ
مَسْأَلَة
فَإِن قَالُوا فَكيف يكون آمرا بِمَا لَا يُريدهُ وَيكون بذلك حكيما
قيل لَهُم هَذَا مِمَّا قد ورد بِهِ الْقُرْآن وَاتفقَ عَلَيْهِ سلف الْأمة
لِأَن الله تَعَالَى أَمر إِبْرَاهِيم بِذبح إِسْمَاعِيل ﵉ وَلم يرد ذَلِك مِنْهُ بل نَهَاهُ عَنهُ بعد أمره بِهِ وفداه مِمَّا أمره بِفِعْلِهِ من ذبحه
وَلَو كَانَ قد فعل الذّبْح لم يكن لافتدائه معنى
وَلَو كَانَ إِنَّمَا أمره بالإضجاع وإمرار السكين فَقَط دون الذّبْح لم يكن ذَلِك امتحانا مِنْهُ وَلم يكن لقَوْله ﴿إِن هَذَا لَهو الْبلَاء الْمُبين﴾ معنى وَلَا كَانَ لافتدائه من إضجاع قد وَقع معنى
وَكَذَلِكَ لَو ذبحه ثمَّ التحم لم يكن للْفِدَاء معنى وَلَا لبلائه معنى
وَكَذَلِكَ لَو كَانَ قد مَنعه من ذبحه بقلب صفحة عُنُقه نُحَاسا على مَا يَقُوله بعض جهالهم لَكَانَ عِنْدهم بذلك سَفِيها ومكلفا للْفِعْل مَعَ الْعَجز عَنهُ وَالْمَنْع مِنْهُ وَذَلِكَ عِنْدهم بَاطِل
стр. 299
مَسْأَلَة
فَإِن قَالُوا وجدنَا كل مُرِيد للقبح والسفه سَفِيها عابثا
فَلَو كَانَ الْبَارِي تَعَالَى مرِيدا للسفه لَكَانَ عابثا سَفِيها
قيل لَهُم لم قُلْتُمْ هَذَا وَمَا أنكرتم أَن يكون مُرِيد السَّفه منا سَفِيها إِذا كَانَ مَنْهِيّا عَن إِرَادَة السَّفه والباري تَعَالَى لَا يجوز ذَلِك عَلَيْهِ وَلِهَذَا لم يكن الطِّفْل وَالْمَجْنُون سفيهين بإرادتهما للسفه إِذا لم يَكُونَا عَن فعل الْإِرَادَة لذَلِك منهيين
ثمَّ يُقَال لَهُم فَيجب على اعتلالكم أَن يكون بإرادته الطَّاعَة وَالصَّلَاح والتقى مُطيعًا صَالحا تقيا لأننا وَإِيَّاكُم لم نجد مرِيدا للطاعة إِلَّا طَائِعا
فَإِن مروا على ذَلِك تركُوا دينهم وَإِن أَبوهُ أبطلوا سُؤَالهمْ
وَإِن قَالُوا مُرِيد الطَّاعَة منا مُطِيع لِأَنَّهُ مَأْمُور بِفعل إِرَادَة الطَّاعَة وَالله يتعالى عَن ذَلِك
قيل لَهُم ومريد السَّفه منا سَفِيه لِأَنَّهُ مَنْهِيّ عَن فعل إِرَادَة السَّفه وَالله يتعالى عَن ذَلِك
مَسْأَلَة
فَإِن قَالُوا فَمَا معنى ذمّ الله للْكَافِرِينَ فِي قَوْله وَقَالَ الَّذين
стр. 300
أشركوا لَو شَاءَ الله مَا أشركنا وَلَا آبَاؤُنَا) الْآيَة
قيل لَهُم معنى ذَلِك أَنهم قَالُوا ذَلِك على جِهَة الْهزْل والاستهزاء بالرسل وَالْمُؤمنِينَ فِي قَوْلهم وَلَو شَاءَ الله لهداكم وَلَو شَاءَ لآمنتم
فَقَالُوا فِي جَوَاب هَذَا مستهزئين ﴿لَو شَاءَ الله مَا أشركنا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ منكرين بذلك لما قَالَه الرُّسُل والمؤمنون
وَهَذَا جَوَاب على حد مَا تقولونه أَنْتُم أبدا لنا لَو شَاءَ الله أَن نؤمن لآمَنَّا وَلَو قدر وَقضى لنا الطَّاعَة لأطعنا مستهزئين بذلك ومنكرين لقَضَاء الله وَقدره ومشيئته
وعَلى هَذَا النَّحْو جَاءَ قَوْله فِي إِنْكَاره على الْمُنَافِقين فِي قَوْلهم للنَّبِي ﷺ إِنَّك لرَسُول الله حَيْثُ قَالَ ﴿إِذا جَاءَك المُنَافِقُونَ قَالُوا نشْهد إِنَّك لرَسُول الله وَالله يعلم إِنَّك لرَسُوله وَالله يشْهد إِن الْمُنَافِقين لَكَاذِبُونَ﴾
فَأنْكر الله ذَلِك عَلَيْهِم لكَوْنهم غير معتقدين لصِحَّة مَا قَالُوهُ
وكما أنكر على من قَالَ ﴿أنطعم من لَو يَشَاء الله أطْعمهُ﴾ لقَولهم هَذَا على سَبِيل الِاسْتِهْزَاء والهزل بالرسل لما أخبروهم أَن الله تَعَالَى لَو شَاءَ أَن يُطعمهُمْ لأطعمهم
مَسْأَلَة
فَإِن قَالُوا كَيفَ يجوز أَن يُرِيد الله الْفَوَاحِش وَقد ذمّ من أحب ﴿أَن تشيع الْفَاحِشَة فِي الَّذين آمنُوا﴾
قيل لَهُم الله إِنَّمَا ذمّ من وصف أهل الطَّهَارَة بِمَا لَيْسَ فيهم
стр. 301
وَأحب كَون ذَلِك حَقًا وصوابا
وَالله تَعَالَى لم يرد أَن يكون قذف الْمُحْصنَات حَقًا وصوابا فَلم يرد من ذَلِك مَا أَرَادوا
وَلِأَنَّهُم أَيْضا قد نهوا عَن إِرَادَة ذَلِك
وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك وَكَانَ النَّهْي لله عَن كَونه مرِيدا محالا فِي صفته فَبَطل مَا قَالُوهُ
بَاب الْكَلَام فِي الِاسْتِطَاعَة
فَإِن قَالَ قَائِل فَهَل تَقولُونَ إِن الْإِنْسَان مستطيع لكسبه
стр. 302
قيل لَهُ أجل
فَإِن قَالَ وَلم قُلْتُمْ ذَلِك قُلْنَا لِأَن الْإِنْسَان يعرف من نَفسه فرقا بَين قِيَامه وقعوده وَكَلَامه إِذا كَانَ وَاقعا بِحَسب اخْتِيَاره وقصده وَبَين مَا يضْطَر إِلَيْهِ مِمَّا لَا قدرَة لَهُ عَلَيْهِ من الزمانة وَالْمَرَض وَالْحَرَكَة من الفالج وَغير ذَلِك
وَلَيْسَ يفْتَرق الشيئان فِي ذَلِك لجنسهما وَلَا للْعلم بهما وَلَا لاخْتِلَاف مَحلهمَا وَلَا للإرادة لأَحَدهمَا
فَوَجَبَ أَن يحصل مَعَ كَسبه على هَذِه الصّفة لكَونه قَادِرًا عَلَيْهِ
مسالة
فَإِن قَالَ فَهَل تَزْعُمُونَ أَنه يَسْتَطِيع أَن يكْتَسب بِنَفسِهِ أَو بقدرة
قُلْنَا لَا بل بقدرة تحدث لَهُ
وَالدَّلِيل على ذَلِك كَونه قَادِرًا على الْحَرَكَة مرّة وَغير قَادر عَلَيْهَا أُخْرَى وعَلى مَا هُوَ مثلهَا وَمن جِنْسهَا مرّة أُخْرَى
مَسْأَلَة
فَإِن قَالَ فَهَل تَزْعُمُونَ أَنه يَسْتَطِيع الْفِعْل قبل اكتسابه أَو فِي حَال اكتسابه
стр. 303
قُلْنَا لَا بل فِي حَالَة اكتسابه وَلَا يجوز أَن يقدر عَلَيْهِ قبل ذَلِك
فَإِن قَالَ لم قُلْتُمْ ذَلِك قيل لَهُ لأمور
مِنْهَا أَن الْقُدْرَة على الْكسْب عرض لَا يَصح أَن يبْقى
فَلَو وجد الْفِعْل فِي ثَانِي حَال حدوثها وَهِي مَعْدُومَة فِي تِلْكَ الْحَال لَكَانَ قد وجد بقدرة مَعْدُومَة قد كَانَت وفنيت
وَلَو جَازَ ذَلِك لجَاز وُقُوع الإحراق بحرارة مَعْدُومَة كَانَت وفنيت والبطش بيد مَعْدُومَة وَذَلِكَ أجمع محَال بِاتِّفَاق
وَلِأَن الْإِنْسَان لَو كَانَ يَسْتَطِيع أَن يفعل الْفِعْل قبل كَونه لَكَانَ فِي حَال اكتسابه لَهُ ومستغنيا عَن ربه وَغير مُحْتَاج إِلَيْهِ فِي أَن يُعينهُ على الْفِعْل
وَلَو جَازَ أَن يَسْتَغْنِي عَن مَعُونَة الله فِي حَال الْفِعْل لَكَانَ بالاستغناء عَنهُ إِذا لم يكن فَاعِلا أولى
وَذَلِكَ محَال بِاتِّفَاق
فَوَجَبَ أَن الِاسْتِطَاعَة مَعَ الْفِعْل للْفِعْل
بَاب
فَإِن قَالَ قَائِل وَلم قُلْتُمْ إِنَّه لَا يجوز أَن تبقى إِلَى حِين وجود الْفِعْل وَلَا شَيْء من الْأَعْرَاض
قيل لَهُ لِأَنَّهُ لَو جَازَ بَقَاؤُهَا لكَانَتْ إِنَّمَا تبقى لنَفسهَا أَو لعِلَّة
وَلَو بقيت لنَفسهَا لبقيت فِي حَال حدوثها وَذَلِكَ محَال
وَلَو بقيت لعِلَّة لوَجَبَ أَن تقوم بهَا الْعِلَل وَذَلِكَ يُوجب أَن تكون جسما أَو جوهرا لَيْسَ بِعرْض وَذَلِكَ فَاسد لما قدمْنَاهُ من قبل
مَسْأَلَة
فَإِن قَالُوا فَإِذا جَازَ أَن يقدر الْقَادِر على الشَّيْء فِي حَال حُدُوثه
стр. 304
ووجوده فأجيزوا أَن يقدر فِي تِلْكَ الْحَال على ضِدّه أَو تَركه
قيل لَهُم لَا يجب مَا قلتموه لِأَن الدَّلِيل قد قَامَ على أَن الْقُدْرَة الْوَاحِدَة المحدثة لَا يَصح أَن يقدر الْقَادِر بهَا على مقدورين لَا مثلين وَلَا مُخْتَلفين غيرين وَلَا ضدين وَلَا خلافين ليسَا بضدين
فَلَو صَحَّ أَن يقدر الْقَادِر منا على الْفِعْل قبل حَال حُدُوثه لم يجب أَيْضا أَن يكون قَادِرًا على تَركه
مَسْأَلَة
فَإِن قَالُوا لَو جَازَ أَن يقدر الْقَادِر على الشَّيْء فِي حَال حُدُوثه وَهُوَ مَوْجُود فِي تِلْكَ الْحَال لصَحَّ أَن يقدر عَلَيْهِ فِي الثَّانِي وَالثَّالِث من حَال حُدُوثه مَعَ اتِّصَال وجوده وَذَلِكَ محَال بِاتِّفَاق
يُقَال لَهُم لَو وَجب مَا قُلْتُمْ لوَجَبَ إِذا جَازَ أَن يقدر الْقَادِر على الشَّيْء قبل حَال حُدُوثه بِوَقْت ووقتين أَن يقدر عَلَيْهِ قبل حَال حُدُوثه بِسنة وسنتين لِأَن مَعْدُوم فِي سَائِر هَذِه الْأَزْمَان ولجاز أَن يقدر على الشَّيْء بعد عَدمه وتقضيه لِأَنَّهُ مَعْدُوم فِي تِلْكَ الْحَال كَمَا جَازَ أَن يقدر عَلَيْهِ قبل حَال حُدُوثه لِأَنَّهُ مَعْدُوم فِي تِلْكَ الْحَال والعدم فِي سَائِر هَذِه الْأَحْوَال متساو غير متزايد
فَإِن لم يجب هَذَا لم يجب مَا قُلْتُمْ
وَيُقَال لَهُم لَو لزم مَا قُلْتُمْ للَزِمَ إِذا كَانَ الْفَاعِل للشَّيْء فَاعِلا لَهُ فِي حَال حُدُوثه وَهُوَ مَوْجُود فِي تِلْكَ الْحَال أَن يَصح كَونه فَاعِلا لَهُ
стр. 305
فِي ثَانِي حَال حُدُوثه وَثَالِثهَا مَعَ اتِّصَال وجوده لِأَنَّهُ مَوْجُود فِي هَذِه الْأَحْوَال
فَإِن لم يجب هَذَا أجمع عندنَا وعندكم لم يجب أَيْضا مَا سَأَلْتُم عَنهُ
مَسْأَلَة
فَإِن قَالُوا لَو كَانَت الْقُدْرَة مَعَ الْفِعْل فِي حَالَة وَاحِدَة لم يكن أَحدهمَا بِأَن يكون قدرَة على صَاحبه أولى من الآخر
قيل لَهُم لم قُلْتُمْ ذَلِك ثمَّ يُقَال لَهُم لَو كَانَ الْجَوْهَر مَوْجُودا مَعَ الْكَوْن فِي حَالَة وَاحِدَة لم يكن أَحدهمَا بِأَن يكون كونا لصَاحبه أولى من الآخر
وَكَذَلِكَ لَو كَانَت حَرَكَة الْيَد مَعَ حَرَكَة الْخَاتم وَدخُول الْحجر فِي الْقدح مَعَ خُرُوج المَاء مِنْهُ والإرادة مَعَ المُرَاد وَالْعلم بالألم مَعَ وجود الْأَلَم لم يكن السَّبَب بِأَن يكون سَببا أولى من أَن يكون مسببا وَلَا كَانَت الْإِرَادَة بِأَن تكون إِرَادَة أولى من أَن تكون مرَادا وَلَا كَانَ الْعلم بالألم بِأَن يكون علما بِهِ أولى من الْمَعْلُوم
فَإِن لم يجب ذَلِك عندنَا وعندكم بَطل مَا قلتموه
مَسْأَلَة
فَإِن قَالُوا مَتى اسْتَطَاعَ أَن يُطلق الْمُطلق زَوجته وَيعتق الْمُعْتق عَبده اسْتَطَاعَ ذَلِك فِي حَال الْعتْق وَالطَّلَاق أم قبله
فَإِن قُلْتُمْ إِنَّه مستطيع لذَلِك فِي حَال الْعتْق وَالطَّلَاق وَالْمَرْأَة لَيست بِزَوْجَة فِي حَال الطَّلَاق وَالْمُعتق لَيْسَ بِعَبْد فِي حَال الْعتْق فَإِنَّمَا اسْتَطَاعَ أَن يُطلق من لَيست بِزَوْجَة لَهُ وَيعتق من لَيْسَ بِعَبْد لَهُ
стр. 306
وَإِن قُلْتُمْ إِنَّه قدر على الطَّلَاق وَالْعِتْق قبل وجودهما أقررتم بِمَا نقُول
قيل لَهُم الْمُطلق وَالْمُعتق إِنَّمَا يَسْتَطِيع الطَّلَاق وَالْعتاق فِي حَال وجودهما وَقدر فِي تِلْكَ الْحَال على طَلَاق من لَيست بِزَوْجَة لَهُ فِي حَال الطَّلَاق وَقد كَانَت زَوْجَة لَهُ قبل ذَلِك كَمَا أَنا وَأَنْتُم نقُول إِنَّمَا يُطلق الْمُطلق فِي حَال وجود الطَّلَاق من لَيست زَوْجَة لَهُ فِي تِلْكَ الْحَال وَقد كَانَت زَوْجَة لَهُ قبل ذَلِك
وَهَذَا هُوَ الْجَواب عَن سُؤَالهمْ عَن الْقُدْرَة على إِلْقَاء الْعَصَا وَكسر الْكوز والانتقال من الظل إِلَى الشَّمْس وكل مَا يوردونه من هَذَا الْجِنْس
ثمَّ يقلب هَذَا السُّؤَال عَلَيْهِم فَيُقَال لَهُم مَتى طلق الْمُطلق زَوجته وَأعْتق الْمُعْتق عَبده أطلقها فِي حَال وجود الطَّلَاق أم قبل ذَلِك
فَإِن قَالُوا طَلقهَا قبل وجود الطَّلَاق خلطوا وصاروا إِلَى أَن الْمَرْأَة تطلق قبل وجود طَلاقهَا
وَإِن قَالُوا إِنَّمَا طلق فِي حَال وجود الطَّلَاق مِنْهُ
قيل لَهُم فَإِذا كَانَت الْمَرْأَة عندنَا وعندكم فِي تِلْكَ الْحَال لَيست بِزَوْجَة فَإِنَّمَا طلق من لَيست بِزَوْجَة لَهُ
وكل جَوَاب تعاطوه فَهُوَ جَوَابنَا عَمَّا سَأَلُوا عَنهُ
مَسْأَلَة
فَإِن قَالُوا فَمَا معنى قَوْله تَعَالَى ﴿لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا﴾ و ﴿لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا مَا آتاها﴾
стр. 307
قيل لَهُم المُرَاد بذلك وَالله أعلم أَنه لم يُكَلف أحدا من نفقات الزَّوْجَات إِلَّا مَا وجد وَتمكن مِنْهُ دون مَا لَا تناله يَده
وَلم يرد بِهِ إِثْبَات الِاسْتِطَاعَة قبل الْفِعْل
مَسْأَلَة
فَإِن قَالُوا فَمَا معنى قَوْله ﴿وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ فديَة﴾
قيل لَهُم معنى ذَلِك على الَّذين يُطِيقُونَ الصّيام إِن أرادوه وتكلفوه وَعدلُوا عَن الْإِفْطَار
وَالْآيَة مَنْسُوخ حكمهَا على هَذَا التَّأْوِيل
وَيُمكن أَن يكون المُرَاد وعَلى الَّذين يُطِيقُونَ الْإِطْعَام وَلَا يقدرُونَ على الصّيام فديَة إِذا أفطروا
وَقد قرىء وعَلى الَّذين يطوقونه فديَة يَعْنِي يؤمرون بِهِ وَيُكَلِّفُونَهُ وَلم يعرض على هَذِه الْقِرَاءَة لذكر الْقُدْرَة والطاقة
مَسْأَلَة
فَإِن قَالُوا فَمَا معنى قَوْله تَعَالَى ﴿وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾
قيل لَهُم مَعْنَاهُ أَن الله أوجب الْحَج على كل من وجد زادا
стр. 308
وراحلة
وَقد سُئِلَ رَسُول الله ﷺ عَن هَذِه الِاسْتِطَاعَة فَقَالَ (زَاد وراحلة)
وَنحن لَا ننكر تقدم الْأَجْسَام للْفِعْل
وَكَذَلِكَ تَأْوِيل قَوْله ﴿وسيحلفون بِاللَّه لَو استطعنا لخرجنا مَعكُمْ﴾
وذم تَعَالَى القاعدين عَن الْجِهَاد والحالفين أَنهم غير مستطيعين إِنَّمَا ينْصَرف إِلَى الِاسْتِطَاعَة الَّتِي هِيَ الظّهْر وَالْمَال دون استطاعة الْأَبدَان
مَسْأَلَة
فَإِن قَالُوا فَمَا معنى قَوْله ﴿قَالَ عفريت من الْجِنّ أَنا آتِيك بِهِ قبل أَن تقوم من مقامك وَإِنِّي عَلَيْهِ لقوي أَمِين﴾
قيل لَهُم أَرَادَ هَذَا العفريت أَنه قوي عَلَيْهِ فِي حَال حمله إِن قواه الله على حسب مَا جرت بِهِ عَادَته كَمَا يَقُول الْقَائِل أَنا أقدر أَن آتِيك وأخاطبك فِي آخر الْيَوْم وَآخر الشَّهْر على تَأْوِيل إِن أقدرني الله على ذَلِك وعَلى أَنه يقدر فِي غَالب الْأَحْوَال
فَإِن لم يكن العفريت عني ذَلِك فقد كذب وافترى فِي دَعْوَاهُ بقدم قدرته والغنى عَن ربه
وَلَعَلَّ سُلَيْمَان صلى الله عَلَيْهِ قد أنكر عَلَيْهِ وأدبه
فَلَا حجَّة فِي دَعْوَى العفاريت
стр. 309
مَسْأَلَة
فَإِن قَالُوا فَمَا معنى قَوْله تَعَالَى ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم﴾
قيل لَهُم مَعْنَاهُ مَا كُنْتُم مستطيعين للْفِعْل أَو لتَركه غير مؤوفين وَلَا عاجزين
مَسْأَلَة
فَإِن قَالُوا فَمَا معنى قَوْله ﴿فَمن لم يسْتَطع فإطعام سِتِّينَ مِسْكينا﴾
قيل لَهُم مَعْنَاهُ أَن من لم يسْتَطع الصّيام لعجز أَو آفَة فَعَلَيهِ الْإِطْعَام دون من لم يستطعه لإيثار تَركه
مَسْأَلَة
فَإِن قَالُوا فَإِذا قُلْتُمْ إِن الْقَادِر منا على الْفِعْل لَا يقدر عَلَيْهِ إِلَّا فِي حَال حُدُوثه وَلَا يقدر على تَركه وَفعل ضِدّه لزمكم أَن يكون فِي حكم المطبوع الْمُضْطَر إِلَى الْفِعْل
قيل لَهُم لَا يجب مَا قُلْتُمْ لِأَنَّهُ لَيْسَ هَا هُنَا مطبوع على كَون شَيْء أَو تولد عَنهُ
وَأما الْمُضْطَر إِلَى الشَّيْء فَهُوَ الْمُكْره الْمَحْمُول على الشَّيْء الَّذِي يُوجد بِهِ شَاءَ أم أَبى
والقادر على الْفِعْل يؤثره ويهواه وَلَا
стр. 310
يسْتَنْزل عَنهُ برغبة وَلَا رهبة
فَلم يجز أَن يكون مُضْطَرّا مَعَ كَونه مؤثرا مُخْتَارًا
وَلَو كَانَ الْأَمر على مَا وصفتموه لوَجَبَ أَن يكون الْفَاعِل للشَّيْء مُضْطَرّا إِلَيْهِ فِي حَاله لِأَنَّهُ فِي تِلْكَ الْحَال غير قَادر عندنَا وعندكم على تَركه
فَبَطل مَا سَأَلْتُم عَنهُ
مَسْأَلَة
فَإِن قَالَ قَائِل فَجَمِيع الَّذين لم يَفْعَلُوا مَا أمروا بِهِ غير قَادِرين على ذَلِك
قيل لَهُ أجل هم غير قَادِرين عَلَيْهِ لتركهم لَهُ لَا لعجزهم عَنهُ
مَسْأَلَة
فَإِن قَالَ قَائِل أتزعمون أَن الله يُكَلف عباده مَا لَا يُطِيقُونَ
قيل لَهُ هَذَا كَلَام على أَمريْن
فَإِن أردْت بِعَدَمِ الطَّاقَة عدم الْقُدْرَة على الْفِعْل فَذَلِك جَائِز
وَإِن أردْت بِعَدَمِ الطَّاقَة وجود ضدها من الْعَجز فَلَا يجوز ذَلِك
لِأَن الْعَجز يخرج عَن الشَّيْء وضده وَلَا وَجه لتكليف من هَذَا سَبيله
وَعدم الْقُدْرَة على الشَّيْء لَا يُوجب ذَلِك
مَسْأَلَة
فَإِن قَالَ قَائِل تَقولُونَ إِن الله يُكَلف عباده مَا لَا يُطِيقُونَ حسب مَا ذكرْتُمْ
فَمَا الدَّلِيل على جَوَاز هَذَا التَّكْلِيف وَحسنه من الْقَدِيم
стр. 311
قيل لَهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سمعا﴾
والسمع هَا هُنَا الْقبُول بِاتِّفَاق لِأَن الْكفَّار قد كَانُوا يسمعُونَ مَا يؤمرون بِهِ وَينْهَوْنَ عَنهُ ويدركون دَعْوَة الرُّسُل
وَهُوَ مَحْمُول على تَأْوِيل قَوْلهم فلَان لَا يسمع مَا يُقَال لَهُ وَلَا يسمع مِمَّا نقُوله شَيْئا أَي لَا يقبل ذَلِك
وَلَيْسَ يُرِيدُونَ أَنه لَا يدْرك الْأَصْوَات
وَيدل على ذَلِك أَيْضا قَوْله ﴿وَلنْ تستطيعوا أَن تعدلوا بَين النِّسَاء وَلَو حرصتم﴾
وَقد أَمر الله بِالْعَدْلِ بَينهُنَّ وأوجبه مَعَ إخْبَاره أَنا لَا نستطيع ذَلِك
وَيدل على صِحَة ذَلِك من الْقَدِيم وَأَنه عدل وَحِكْمَة إخْبَاره عَمَّن أحسن الثَّنَاء عَلَيْهِ والمدح لَهُ أَنهم رَغِبُوا إِلَيْهِ فِي أَن لَا يحملهم مَا لَا طَاقَة لَهُم بِهِ
فَقَالَ إِخْبَارًا عَنْهُم ﴿رَبنَا وَلَا تحملنا مَا لَا طَاقَة لنا بِهِ﴾
فَلَو كَانَ تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق ظلما وعبثا وقبيحا من الله تَعَالَى لكانوا قد رَغِبُوا إِلَيْهِ فِي أَن لَا يظلمهم وَلَا يسفه عَلَيْهِم وَلَا يُوجب من الْأَوَامِر مَا يخرج بِهِ عَن حد الْحِكْمَة
وَالله أجل من أَن يثني على قوم أَجَازُوا ذَلِك عَلَيْهِ
فَدلَّ هَذَا أَيْضا على مَا وصفناه
بَاب
فَإِن قَالَ قَائِل وَهل يحسن مثل هَذَا التَّكْلِيف منا أَو يسوغ لنا قيل لَهُ أجل لأَنا قد نكلف الْقَاعِد الْقيام وَالتَّصَرُّف فِي حَال قعوده
стр. 312
وَهُوَ لَا يقدر فِي تِلْكَ الْحَال على مَا نكلفه لما قد أوضحناه من الدَّلِيل فَوَجَبَ صِحَة ذَلِك من فعلنَا
بَاب الْكَلَام فِي إبِْطَال التولد
قَالَ أَبُو بكر فَإِن قَالَ قَائِل خبرونا عَن الْأَلَم الْمَوْجُود عِنْد الضَّرْب وَالْكَسْر الْحَادِث عِنْد الزج وَذَهَاب الْحجر الْمَوْجُود عِنْد الدفعة والألم واللذة الحادثين عِنْد الحكة وَغير ذَلِك من الْحَوَادِث الْمَوْجُودَة عِنْد
стр. 313
وجود حوادث أخر هَل هِيَ عنْدكُمْ كسب للضارب الدَّافِع على سَبِيل التولد أم مخترعة لله وَغير كسب لأحد من الْخلق
قيل لَهُ بل هِيَ عندنَا مِمَّا ينْفَرد الله تَعَالَى بخلقها وَلَيْسَت بكسب للعباد
فَإِن قَالَ وَلم أنكرتم أَن تكون من أَفعَال الْعباد وواقعة مِنْهُم على سَبِيل التولد عَن الْأَسْبَاب الَّتِي يكتسبونها فِي أنفسهم من الحركات والاعتمادات
قيل لَهُ أَنْكَرْنَا ذَلِك لأجل أَنه لَو كَانَت هَذِه الْحَوَادِث اكتسابا للْعَبد لم تخل من أَن يكون فاعلها من الْخلق قَادِرًا عَلَيْهَا أَو غير قَادر عَلَيْهَا
فَإِن كَانَ غير قَادر عَلَيْهَا صَحَّ وُقُوع جَمِيع أَفعاله مِنْهُ وَهُوَ غير قَادر عَلَيْهَا
لِأَنَّهُ لَيْسَ بعض الْأَفْعَال بالغنى عَن كَون فاعلها قَادِرًا عَلَيْهِ بِأولى من غنى سائرها عَن ذَلِك
كَمَا أَنه لَو جَازَ وَأمكن وُقُوع بعض الْأَفْعَال لَا من فَاعل لجَاز ذَلِك فِي جَمِيعهَا وَلم يكن بَعْضهَا بالغنى عَن فَاعل أولى من بعض
وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك لم يجز أَن يكون فَاعل هَذِه الْأُمُور من الْخلق غير قَادر عَلَيْهَا
وَإِن كَانَ الْفَاعِل لَهَا قَادِرًا عَلَيْهَا فَلَا يَخْلُو أَن يكون قدر عَلَيْهَا فِي حَال وجودهَا أَو فِي حَال وجود أَسبَابهَا الَّتِي تقدمتها
стр. 314
فَإِن كَانَ قَادِرًا عَلَيْهَا فِي حَال وجودهَا فَلَا يَخْلُو أَن يكون قدر عَلَيْهَا بِالْقُدْرَةِ على سبيهَا الْمُتَقَدّم على وجود الْمُسَبّب أَو بقدرة تُوجد مَعهَا فِي حَالهَا
فَإِن كَانَ قَادِرًا عَلَيْهَا بِالْقُدْرَةِ على سبيهَا وَقد تكون مُخَالفَة لأسبابها فسد ذَلِك من وَجْهَيْن
أَحدهمَا مَا ذكرنَا وبيناه قبل هَذَا الْبَاب من اسْتِحَالَة تقدم الْقُدْرَة على الْفِعْل ووجودها مَعَ عَدمه وَكَونهَا قدرَة على مَا يُوجد بعد وجودهَا
وَالْوَجْه الآخر مَا ذكرنَا أَيْضا سالفا من اسْتِحَالَة تعلق الْقُدْرَة المحدثة بمقدورين مثلين أَو ضدين أَو خلافين ليسَا بضدين
وَإِذا فسد ذَلِك بِمَا شرحناه اسْتَحَالَ أَن تكون هَذِه الْحَوَادِث مقدورة للْعَبد بِالْقُدْرَةِ على مَا هُوَ عِنْد الْقَوْم سَبَب لَهما
وَإِن كَانَ العَبْد قَادِرًا على هَذِه الْحَوَادِث بقدرة تقارنها وتوجد مَعهَا وَتَكون قدرَة عَلَيْهَا كالقدرة على الْمُبَاشرَة من الْأَفْعَال بَطل ذَلِك من وُجُوه على قَوْلنَا وَقَوْلهمْ
فَأَما وَجه بُطْلَانه على قَوْلنَا فَهُوَ أَنه لَو صَحَّ أَن يقدر منا على هَذِه الْحَوَادِث بقدرة تُوجد مَعهَا لم يحْتَج مَعَ وجود تِلْكَ الْقُدْرَة عَلَيْهَا إِلَى وجود سَبَب لَهَا تتولد عَنهُ ولصح أَن يَفْعَلهَا بِالْقُدْرَةِ مَعَ عدم الْأَسْبَاب كَمَا لَا يحْتَاج فِي كَونه مكتسبا للمقدورات المباشرات من مقدوراته فِي نَفسه إِلَى وجود أَسبَاب لَهَا تتولد عَنْهَا
لِأَنَّهُ لَا دَلِيل يلجىء إِلَى ذَلِك ويوجبه
стр. 315
مَعَ وجود الْقُدْرَة عَلَيْهَا كَمَا أَنه لَا دَلِيل يُوجب أَن لَا يفعل العَبْد المباشرات من مقدوراته فِي نَفسه إِلَّا بِأَسْبَاب تتولد عَنْهَا وكما أَنه لَا دَلِيل أَيْضا يُوجب أَن لَا يفعل الْقَدِيم مَا قدر عَلَيْهِ إِلَّا بِأَسْبَاب تولده وتوجبه
وَهَذَا يبطل كَونهَا مُتَوَلّدَة ويدخلها فِي معنى الْمُبَاشرَة من الْأَفْعَال
وَالْوَجْه الآخر أَنه لَو كَانَ الْفَاعِل لهَذِهِ الْأَسْبَاب قَادِرًا عَلَيْهَا بقدرة تقارنها لصَحَّ أَيْضا أَن يقدر على أضدادها بَدَلا من الْقُدْرَة عَلَيْهَا بقدرة تقارنها
فَكَانَ يجب أَن تصح قدرَة العَبْد على تسكين الْحجر والسهم وحبسهما مَتى لم يكن قَادِرًا على تحريكهما وَأَن لَا يَصح خلوه من فعل الْحَرَكَة والسكون فِي جسم غَيره إِذا لم يكن مَيتا وَلَا عَاجِزا
لِأَن من صحت قدرته على الشَّيْء وَقدرته على ضِدّه لم يَنْفَكّ من القدرتين جَمِيعًا على الضدين إِلَّا بِالْعَجزِ عَنْهُمَا أَو بِالْمَوْتِ الْمخْرج للْمَيت عَن صِحَة كَونه قَادِرًا على شَيْء أصلا
وَفِي الْعلم بِأَن العَبْد قد يَخْلُو من الْقُدْرَة على تَحْرِيك جسم غَيره وتسكينه مَعَ كَونه حَيا سليما غير عَاجز وَلَا مؤوف دلَالَة على فَسَاد هَذَا القَوْل
وعَلى أَنه لَو صَحَّ أَن يقدر العَبْد على تَحْرِيك مَا قرب مِنْهُ من الْأَجْسَام وعَلى تسكينه بِغَيْر سَبَب لصَحَّ أَن يقدر على تَحْرِيك الْجِسْم وتسكينه بِغَيْر سَبَب إِذا كَانَ هُوَ بِمَدِينَة السَّلَام والجسم بأقصى تخوم خُرَاسَان
وَلَو صحت قدرته على ذَلِك لصحت قدرته على ذَلِك فِي سَائِر الْأَجْسَام وَلم يكن بَعْضهَا أولى من بعض
وَفِي فَسَاد ذَلِك دَلِيل على سُقُوط هَذَا القَوْل
стр. 316
وَأما مَا يدل على فَسَاد ذَلِك على قَوْلهم فَهُوَ أَنه إِذا قدر على الْمُتَوَلد بقدرة تُوجد مَعَه صحت الْقُدْرَة على الْمَوْجُود فِي حَال وجوده وَذَلِكَ بَاطِل عِنْدهم وَخرجت هَذِه الْحَوَادِث أَيْضا عَن أَن تكون مُتَوَلّدَة وَلَحِقت بِالْمُبَاشرَةِ من الْأَفْعَال إِذا لم يكن هَا هُنَا دَلِيل يلجىء إِلَى حَاجَتهَا إِلَى الْأَسْبَاب مَعَ وجود الْقُدْرَة عَلَيْهَا
وكما أَنه لَا تحْتَاج عِنْدهم فِي حَال وجودهَا إِلَى قدرَة عَلَيْهَا فَكَذَلِك لَا تحْتَاج إِلَى سَبَب يولدها
وَلَو لم تحتج إِلَى الْأَسْبَاب لصَحَّ أَن أحرك الْجِسْم وَإِن لم أفعل سَببا لتحريكه ولوجب أَن أسْكنهُ إِذا لم أحركه وَذَلِكَ بَاطِل
وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك فقد فسد كَون الْقَادِر منا قَادِرًا على هَذِه الْحَوَادِث بقدرة تُوجد مَعهَا أَو قبلهَا
فَإِذا فسد ذَلِك بَطل أَن تكون أفعالا للْعَبد إِذا كَانَ لَا بُد من كَونه قَادِرًا على مَا هُوَ فعل لَهُ
وَهَذَا يبطل مَا قَالُوهُ بطلانا ظَاهرا
ثمَّ يُقَال لَهُم مَا الدَّلِيل على أَن هَذِه الْحَوَادِث أَفعَال للعباد
فَإِن قَالُوا الدَّلِيل على ذَلِك أَنا نجدها وَاقعَة عِنْد وجود هَذِه الْأَسْبَاب وبمقدار قصد العَبْد إِلَيْهَا وبحسب قدرته عَلَيْهَا وَكَونهَا تَابِعَة فِي الْوُجُود لأسبابها
لِأَن الْإِنْسَان إِذا أَرَادَ الْيَسِير من إيلام غَيره وحركته دفعا يَسِيرا وضربه ضربا رَفِيقًا
وَإِذا أَرَادَ الْكثير من إيلامه وتحريكه ضَرْبَة الضَّرْب الشَّديد فَكَانَ عِنْد ذَلِك الْأَلَم الْكثير
وَإِذا قصد إِلَى ذهَاب الْحجر فِي جِهَة مِنْهُ دَفعه فِي تِلْكَ وَلم يَدْفَعهُ فِي غَيرهَا
وكل هَذَا يدل على
стр. 317
أَن هَذِه الْحَوَادِث فعل للْعَبد الْفَاعِل لما يكون عِنْده من هَذِه الْأُمُور
يُقَال لَهُم لم قُلْتُمْ ذَلِك وَمَا دليلكم عَلَيْهِ فَفِي نفس هَذَا خالفناكم فَلَا تَجِدُونَ فِيهِ مُتَعَلقا سوى الدَّعْوَى
ثمَّ يُقَال لَهُم فَيجب على مَوْضُوع اعتلالكم لَو أجْرى الله الْعَادة بِفعل سُكُون الْحَبل وَحبس الْحجر فِي مكانهما عِنْد مباينة يَد الْإِنْسَان لَهما وَترك اعْتِمَاده عَلَيْهِمَا وَفعل تحريكهما وخروجهما عَن الْمَكَان عِنْد مماسة يَد الْإِنْسَان لَهما واعتماده عَلَيْهِمَا حَتَّى يحبس الْحجر فِي مَكَانَهُ ويسكنه كلما فَارقه العَبْد وباينه ويخرجه عَن الْمَكَان وَيفْعل ذَهَابه كلما ماسه وَاعْتمد عَلَيْهِ وَقصد حَبسه فِي الْمَكَان أَن يكون ذهَاب الْحجر عَن الْمَكَان وحركته متولدا عَن مباينة يَده لَهُ وَترك اعْتِمَاده عَلَيْهِ وذهابه وَخُرُوجه عَن الْمَكَان متولدا عَن مماسة يَده لَهُ واعتماده عَلَيْهِ فِي جِهَة الْمَكَان وقصده إِلَى حَبسه فِيهِ إِذا فعل الله ذَلِك أبدا على وتيرة وَاحِدَة وأجرى بِهِ الْعَادة لِأَن ذَلِك مَقْدُور عندنَا وعندكم
وَكَذَلِكَ لَو أجْرى الْعَادة بِأَن يفعل الْأَلَم الشَّديد الْعَظِيم عِنْد الضَّرْب الْيَسِير وَلَا يفعل الْأَلَم الْعَظِيم الْكثير عِنْد شَدِيد الضَّرْب بل يفعل مَا يُنَافِيهِ من اللَّذَّات لوَجَبَ أَن يكون يسير الضَّرْب مولدا لعَظيم الْأَلَم وشديده مولدا ليسيره
وَلَو أجْرى الْعَادة بِأَن يفعل اجْتِمَاع أَجزَاء الْكَوْن ومجاورتها عِنْد الزجة وتفرق أَبْعَاضه ومباينتها عِنْد إِمْسَاكه الرفيق فِي الْيَد
стр. 318
وحبسه لوَجَبَ أَن يكون الْكسر متولدا عَن حَبسه فِي الْيَد وَالصِّحَّة والاجتماع والمجاورة متولدا عَن دَفعه وزجه إِذا أجْرى الْعَادة بِأَن يَجْعَل ذَلِك على وتيرة وَاحِدَة
فَإِن مروا على هَذَا تجاهلوا وَتركُوا قَوْلهم وَإِن أَبوهُ وَقَالُوا لَو أجْرى الْعَادة بِفعل ذَلِك لم تكن هَذِه الْأَسْبَاب مولدة لما سَأَلْتُم عَنهُ أبطلوا دليلهم إبطالا ظَاهرا
وَإِن قَالُوا هَذَا مِمَّا لَا يجوز أَن يَفْعَله الله لِأَن فِيهِ لَو فعله إفسادا للأدلة
قيل لَهُم هَذَا جهل عَظِيم مِنْكُم لِأَنَّهُ لَو كَانَ مَا ذكرتموه دَلِيلا عقليا صَحِيحا لم يجز فَسَاده بِفعل من الْأَفْعَال يخرج إِلَى الْوُجُود كَمَا أَنه لَا يجوز إِفْسَاد دلَالَة تعاقب الْأَعْرَاض على الْأَجْسَام على حدوثها بِفعل يخرج إِلَى الْوُجُود
وكل مَا جَوَّزنَا فَسَاده يَوْمًا مَا من الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة خرج عَن أَن يكون دَلِيلا
ثمَّ يُقَال لَهُم وَيجب على اعتلالكم هَذَا أَن يكون حُدُوث الْمَوْت عِنْد ضرب الْعُنُق واللذة عِنْد الحكة واللون عِنْد الضَّرْب وَالْبَيَاض والصلابة فِي الدبس عِنْد سَوْطه وَالصِّحَّة عِنْد الشد والجبر
стр. 319
وحدوث النَّمَاء عِنْد السَّقْي والتسميد فعلا لضارب الْعُنُق وفاعل الحكة وسائط الدبس ومسقي الزَّرْع ومسمده
وَكَذَلِكَ الشِّبَع والري والإسكار يجب أَن يكون فعلا للآكل والشارب
فَإِن مروا على هَذَا أجمع تركُوا قَوْلهم لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُم من يجمع بَين جَمِيع هَذِه الْأَقَاوِيل
وَإِن أَبوهُ أَو شَيْئا مِنْهُ نقضوا اعتلالهم نقضا ظَاهرا
وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
بَاب الْكَلَام فِي خلق الْأَفْعَال
إِن قَالَ قَائِل لم قُلْتُمْ إِن الْبَارِي خَالق لجَمِيع أَفعَال الْعباد
стр. 320
قيل لَهُ الدَّلِيل على ذَلِك من جِهَة الْعُقُول أَنه تَعَالَى قَادر على جَمِيع الْأَجْنَاس الَّتِي يكتسبها الْعباد
فَإِذا ثَبت من قَوْلنَا جَمِيعًا أَنه قَادر على فعل مثل مَا يكتسبه الْعباد على الْوَجْه الَّذِي يُوجد عَلَيْهِ كسبهم وَجب أَنه قَادر على نفس كسبهم
لِأَنَّهُ لَو لم يقدر عَلَيْهِ مَعَ قدرته على مثله لوَجَبَ عَجزه عَنهُ واستحالة قدرته على مثله
فَثَبت بذلك أَن أَفعَال الْخلق مقدورة لَهُ فَإِذا وجدت كَانَت أفعالا لَهُ
لِأَن الْقَادِر على الْفِعْل إِنَّمَا يكون فَاعِلا لَهُ إِذا حصل مقدوره مَوْجُودا وَلَيْسَ يحصل الْمَقْدُور مَفْعُولا إِلَّا لِخُرُوجِهِ إِلَى الْوُجُود فَقَط
فَدلَّ مَا قُلْنَاهُ على خلق الْأَفْعَال
وَمِمَّا يدل أَيْضا على خلق أَعمال الْعباد علمنَا بوقوعها على أَحْكَام وأوصاف وحقائق لَا يعلمهَا الْعباد من نَحْو كَونهَا أعراضا وأجناسا مُخْتَلفَة وأدلة على مَا هِيَ أَدِلَّة عَلَيْهِ وموجودة على صفة دون صفة مَعَ الْعلم بجحد كثير مِنْهُم للأعراض وإنكار الْأَدِلَّة عَلَيْهَا وَالْجهل بحقائق مَا وَقعت عَلَيْهِ الْأَفْعَال وَالصِّفَات الَّتِي هِيَ عَلَيْهَا
وَلَيْسَ يجوز أَن يخلقها على الْحَقَائِق وَالْأَحْكَام والأوصاف الَّتِي قدمنَا ذكرهَا الساهي عَنْهَا وَالْجَاهِل بحقائقها وَمن لَيْسَ بقاصد إِلَى إيجادها
لِأَن ذَلِك لَو جَازَ لجَاز وُقُوع جَمِيع الْمَخْلُوقَات من فَاعل هَذِه سَبيله ولاستغنى جَمِيعهَا عَن أَن يكون فاعلها عَالما قَاصِدا كَمَا أَنه لَو جَازَ وُقُوع بَعْضهَا من غير فَاعل لجَاز ذَلِك فِي جَمِيعهَا
وَهَذَا يُوجب بطلَان دلَالَة شَيْء من الْخلق على علم فَاعله وقصده تَعَالَى عَن ذَلِك فَثَبت أَن الْخَالِق لضروب الْأَفْعَال هُوَ الله الْعَالم بحقائقها والقاصد إِلَى إيجادها
следующие страницы →