← Акыда

Акыда · id 6389

تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل

الباقلاني

Полный текст (536 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

ويقام لأَجله فَإِن غلط فِي شَيْء مِنْهُ أَو عدل بِهِ عَن مَوْضِعه كَانَت الْأمة من وَرَائه لتقويمه وَالْأَخْذ لَهُ بواجبه بَاب ذكر مَا يُوجب خلع الإِمَام وَسُقُوط فرض طَاعَته إِن قَالَ قَائِل مَا الَّذِي يُوجب خلعه الإِمَام عنْدكُمْ قيل لَهُ يُوجب ذَلِك أُمُور مِنْهَا كفر بعد الْإِيمَان وَمِنْهَا تَركه إِقَامَة الصَّلَاة وَالدُّعَاء إِلَى ذَلِك وَمِنْهَا عِنْد كثير من النَّاس فسقه وظلمه بِغَصب الْأَمْوَال وَضرب الأبشار وَتَنَاول النُّفُوس الْمُحرمَة وتضييع الْحُقُوق وتعطيل الْحُدُود وَقَالَ الْجُمْهُور من أهل الْإِثْبَات وَأَصْحَاب الحَدِيث لَا ينخلع بِهَذِهِ الْأُمُور وَلَا يجب الْخُرُوج عَلَيْهِ بل يجب وعظه وتخويفه وَترك طَاعَته فِي شَيْء مِمَّا يَدْعُو إِلَيْهِ من معاصي الله وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بأخبار كَثِيرَة متظاهرة عَن النَّبِي ﷺ وَعَن أَصْحَابه فِي وجوب طَاعَة الْأَئِمَّة وَإِن جاروا واستأثروا بالأموال وَأَنه قَالَ ﷺ (اسمعوا وَأَطيعُوا وَلَو لعبد أجدع وَلَو لعبد حبشِي وصلوا وَرَاء كل بر وَفَاجِر) وَرُوِيَ أَنه قَالَ أطعهم وَإِن أكلُوا مَالك وضربوا ظهرك وأطيعوهم مَا أَقَامُوا الصَّلَاة فِي أَخْبَار كَثِيرَة وَردت

стр. 457

فِي هَذَا الْبَاب وَقد ذكرنَا مَا فِي هَذَا الْبَاب فِي كتاب إكفار المتأولين وَذكرنَا مَا رُوِيَ فِي معارضتها وَقُلْنَا فِي تَأْوِيلهَا بِمَا يغنى النَّاظر فِيهِ إِن شَاءَ الله وَمِمَّا يُوجب خلع الإِمَام أَيْضا تطابق الْجُنُون عَلَيْهِ وَذَهَاب تَمْيِيزه وبلوغه فِي ذَلِك إِلَى مُدَّة يضر الْمُسلمين زَوَال عقله فِيهَا أَو يُؤذن باليأس من صِحَّته وَكَذَلِكَ القَوْل فِيهِ إِذا صم أَو خرس وَكبر وهرم أَو عرض لَهُ أَمر يقطع عَن النّظر فِي مصَالح الْمُسلمين والنهوض بِمَا نصب لأَجله أَو عَن بعضه لِأَنَّهُ إِنَّمَا أقيم لهَذِهِ الْأُمُور فَإِذا عطل وَجب خلعه وَنصب غَيره وَكَذَلِكَ إِن حصل مأسورا فِي يَد الْعَدو إِلَى مُدَّة يخَاف مَعهَا الضَّرَر الدَّاخِل على الْأمة ويوأس مَعهَا من خلاصه وَجب الِاسْتِبْدَال بِهِ فَإِن فك أسره أَو ثاب عقله أَو برىء من مَرضه وزمانته لم يعد إِلَى أمره وَكَانَ رعية للوالي بعده لِأَنَّهُ عقد لَهُ عِنْد خلعه وَخُرُوجه من الْحق فَلَا حق لَهُ فِيهِ وَلَيْسَ مِمَّا يُوجب خلع الإِمَام حُدُوث فضل فِي غَيره وَيصير بِهِ أفضل مِنْهُ وَإِن كَانَ لَو حصل مفضولا عِنْد ابْتِدَاء العقد لوَجَبَ الْعُدُول عَنهُ إِلَى الْفَاضِل لِأَن تزايد الْفضل فِي غَيره لَيْسَ بِحَدَث مِنْهُ فِي الدّين وَلَا فِي نَفسه يُوجب خلعه وَمثل هَذَا مَا حكيناه عَن أَصْحَابنَا أَن حُدُوث الْفسق فِي الإِمَام بعد العقد لَهُ لَا يُوجب خلعه وَإِن كَانَ مِمَّا لَو حدث فِيهِ عِنْد ابْتِدَاء العقد لبطل العقد لَهُ وَوَجَب الْعُدُول عَنهُ وأمثال هَذَا فِي الشَّرِيعَة كَثِيرَة أَلا ترى أَنه لَو وجد الْمُتَيَمم المَاء قبل دُخُوله فِي الصَّلَاة لوَجَبَ عَلَيْهِ التَّوَضُّؤ بِهِ وَلَو طَرَأَ عَلَيْهِ وَهُوَ فِيهَا لم يلْزمه ذَلِك وَكَذَلِكَ لَو وَجَبت عَلَيْهِ الرَّقَبَة فِي كَفَّارَته وَهُوَ مُوسر لم يجز غَيرهَا وَلَو حدث الْيَسَار بعد مضيه فِي شَيْء من الصّيام لم يبطل حكم

стр. 458

صِيَامه وَلَا يلْزمه غير مَا دخل فِيهِ فِي أَمْثَال لهَذَا كَثِيرَة وَكَذَلِكَ حكم القَوْل فِي حُدُوث الْفضل على الإِمَام بعد العقد لَهُ بَاب الْكَلَام فِي إِمَامَة أبي بكر ﵁ إِن قَالَ قَائِل مَا الدَّلِيل على إِثْبَات إِمَامَة أبي بكر وَأَن العقد لَهُ وَقع موقعا صَحِيحا قيل لَهُ الدَّلِيل على ذَلِك أَنه بِصفة من يصلح للْإِمَامَة وَزِيَادَة عَلَيْهَا بِمَا سنصفه فِيمَا بعد إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَأَن الْعَاقِدين لَهُ الْأَمر يَوْم السَّقِيفَة من أفاضل أهل الْحل وَالْعقد مِمَّن يصلح أَيْضا لإمامة الْمُسلمين والتقدم عَلَيْهِم وهم عمر بن الْخطاب وَأَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح بِمحضر من بشير بن

стр. 459

سعد وَأسيد بن الْحضير وَعمْرَان بن الْحصين وَغَيرهم من الْأَنْصَار وَمن حضر من الْمُهَاجِرين وَأَن هَذَا العقد وَقع بِمحضر من جُمْهُور الْأمة وَأهل الْقدْوَة مِنْهُم وَلم يُنكره مُنكر وَلَا قدح فِيهِ قَادِح بل تتابعوا على الْبيعَة من ساعتهم وَبَقِيَّة يومهم وأذعنت لَهُ الْأَنْصَار وانقادت بعد خلَافهَا وغلطها فِيهِ الْمُتَّفق عَلَيْهِ لِأَنَّهَا أَرَادَت إِخْرَاج الْأَمر عَن قُرَيْش وَنصب إمامين فِي وَقت وَاحِد وَقَالَ الْحباب بن الْمُنْذر مِنْهُم منا أَمِير ومنكم أَمِير وَهَذَا غلط حاولوه بِاتِّفَاق الْمُسلمين فَلَو أَقَامُوا عَلَيْهِ وخالفوا أَبَا بكر بعد عقد من عقد لَهُ الْأَمر لوَجَبَ أَن يَكُونُوا فِي ذَلِك آثمين ولوجب حربهم وقتالهم إِلَى أَن يرجِعوا عَن الْبَغي وشق الْعَصَا لِأَن العقد قد تمّ لمن حضر وَعقد وَقد دللنا على ذَلِك من قبل فَلَا نحتاج فِي إِثْبَات إِمَامَة أبي بكر إِلَى وُقُوع الْإِجْمَاع عَلَيْهَا وَلَا نستضر وَلَا نستوحش من خلاف مُخَالف فِيهَا غير أَن الله قد وقى كل أحد من الْمُسلمين فِي ذَلِك الْوَقْت مواقعة هَذِه الْمعْصِيَة ووفر دواعي الصَّحَابَة على ذَلِك وَجمع

стр. 460

همتهم على طَاعَته والإذعان للحق الَّذِي لَزِمَهُم الانقياد لَهُ وَلَيْسَ يجوز لمُسلم اتَّقى الله أَن يضيف إِلَى عَليّ بن أبي طَالب ﵇ وَالزُّبَيْر بن الْعَوام التَّأَخُّر عَن بيعَته بأخبار آحَاد واهية مجيئها من نَاحيَة متهومة لِأَن تأخرهم عَن الْبيعَة مَعَ مَا وصفناه من صِحَة وثبوتها ضرب من الْإِثْم والعصيان وَلَيْسَ يُمكن إِضَافَة مَعْصِيّة إِلَى الصَّحَابَة بِمثل هَذَا الطَّرِيق لَا سِيمَا إِذا رووا مَعَ ذَلِك أَن أَبَا بكر ﵇ كَانَ يَدعُوهُم إِلَى الطَّاعَة وَلُزُوم الْجَمَاعَة وَيحرم عَلَيْهِم تأخرهم وَلَا يسوغهم ذَلِك وَكَذَلِكَ يجب أَن ينفى عَن عبد الله بن مَسْعُود إِخْرَاجه المعوذتين من الْمُصحف ومخالفته الْجَمَاعَة وكل أَمر رُوِيَ عَن الصَّحَابَة فِيهِ تأثيم وَقذف بعصيان فَيجب أَن نبطله وننفيه إِذا ورد وُرُود الْآحَاد لِأَن من ثَبت إيمَانه وبره وعدالته لَا يفسق بأخبار الْآحَاد وعَلى أَن نعلم بواضح النّظر كذب من ادّعى تَأَخّر عَليّ وَالْعَبَّاس وَالزُّبَيْر لِأَن مثل هَذَا الْخطب الجسيم فِي مثل هَذَا الْأَمر الْعَظِيم يجب إشهاره وظهوره وَأَن ينْقل نقل مثله فَكيف حفظت الْأمة بأسرها وَعلمت مُخَالفَة عَليّ لأبي بكر وَغَيره من الصَّحَابَة فِي حكم أم الْوَلَد والتوريث الَّذِي إِنَّمَا تعلمه الْخَاصَّة وَذهب عَنْهَا علم تَأَخره وَتَأَخر الزبير عَن الْبيعَة حَتَّى لَا يرد إِلَّا وردا شاذا ضَعِيفا وَتَكون الْأَخْبَار الْكَثِيرَة فِي معارضته ومناقضته وَالْعَادَة جَارِيَة بِلُزُوم مثل هَذَا للقلوب وَإِطْلَاق الألسن بِذكرِهِ واشتهاره وإظهاره دون طيه وكتمانه

стр. 461

والسهو عَنهُ والإغفال لَهُ وَإِن هَذَا من الْعجب العجيب الَّذِي لَا يذهب فَسَاده على ذِي تَحْصِيل هَذَا على أَن حرصنا إِنَّمَا هُوَ على نفي الشين والعار وَإِضَافَة الْعِصْيَان عَن جلة الصَّحَابَة وعليتها بالتأخر عَن بيعَة قد لَزِمَهُم الانقياد لَهَا والخنوع لصَاحِبهَا فَإِن أَبَوا ذَلِك وَلم يقنعوا إِلَّا بتصحيح الْخلاف مِنْهُم قُلْنَا لَهُم فَهَذَا إِذا من ذنوبهم وَمَا نرجوه أَن يغْفر الله لَهُم وحاشا للصحابة من ذَلِك على أَنه لَا نَعْرِف أحدا روى تَأَخّر عَليّ وَالزُّبَيْر عَن الْبيعَة أَيَّامًا إِلَّا وَقد رُوِيَ عَنهُ فِي هَذِه الْقِصَّة رجوعهما إِلَى بيعَته ودخولهما فِي صَالح مَا دخل فِيهِ الْمُسلمُونَ وأنهما قَالَا لَا تَثْرِيب يَا خَليفَة رَسُول الله مَا تأخرنا عَن الْبيعَة إِلَّا أَنا كرهنا أَلا ندخل فِي المشورة وأنهما وَصفا من فَضله وسابقته وَأَنه صَاحب الْغَار فِي كَلَام طَوِيل فَإِن قَالَ قَائِل وَمَا الدَّلِيل على أَن أَبَا بكر كَانَ بِصفة مَا ذكرْتُمْ من صَلَاحه لإمامة الْمُسلمين واجتماع خلال الْأَئِمَّة وآلتهم فِيهِ قيل لَهُ الدَّلِيل على ذَلِك سبقه إِلَى الْإِيمَان وَالْجهَاد فِي سَبِيل الله بِمَالِه وَنَفسه وإنفاقه على الرَّسُول مَاله وإيناسه لَهُ فِي الْغَار بِنَفسِهِ وتعاظم انْتِفَاع النَّبِي ﷺ بدعوة من دعاة إِلَى الْإِيمَان وَإِسْلَام من أسلم باستدعائه وبنائه مَسْجِدا يَدْعُو فِيهِ إِلَى الْإِيمَان وتصديق الرَّسُول حَتَّى قَالَ النَّاس من آمن بِدُعَاء أبي بكر أَكثر مِمَّن آمن بِالسَّيْفِ فَمنهمْ عُثْمَان وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَغَيرهم من علية الصَّحَابَة ﵃ وَإِنَّمَا أَرَادوا أَكثر قُوَّة ومنة لَا أَكثر عددا مِمَّن آمن بِالسَّيْفِ وشراؤه الْمُعَذَّبين فِي الله كبلال وعامر بن فهَيْرَة ومناضلته الْمُشْركين وَقَوله لمثل سُهَيْل بن عَمْرو لما جَاءَ مصالحا عَن قُرَيْش حَيْثُ قَالَ للنَّبِي

стр. 462

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا أرى حولك إِلَّا من لَو عضه الْحَدِيد أَو قربت الْخَيل لأسلمك فَقَالَ لَهُ اسْكُتْ عضضت ببظر اللات أَنَحْنُ نسلمه وَكَونه مَعَ النَّبِي ﷺ يَوْم بدر فِي الْعَريش وتخصصه لَهُ مَعَ الْعلم بِأَنَّهُ لَا يركن فِي مثل تِلْكَ الْحَال إِلَّا إِلَى ذِي منَّة ورأي وبصيرة وغناء وَقد دلّ على هَذَا بقوله للأعرابي حَيْثُ قَالَ لَهُ إِنَّك ضنين بصاحبك هَذَا وَقد استحر الْقَتْل فِي أَصْحَابك فَقَالَ لَهُ إِن الله أَمرنِي أَن اتَّخذهُ خَلِيلًا أَو جَلِيسا أَو أنيسا وَمَا هَذَا مَعْنَاهُ من اللَّفْظ هَذَا مَعَ علمنَا ضَرُورَة بِأَنَّهُ كَانَ مُعظما فِي الْجَاهِلِيَّة قبل الْإِسْلَام وَمن أهل الثروة والجاه مِنْهُم وَمِمَّنْ تَجْتَمِع إِلَيْهِ الْعَرَب وتسأله عَن أَيَّام النَّاس والأنساب وَالْأَخْبَار فَفَارَقَ ذَلِك أجمع إِلَى الذل وَالصغَار وَالصَّبْر على أذية أهل الْكفْر وَعلمنَا ضَرُورَة بِأَن النَّبِي ﷺ كَانَ يعظمه ويشاوره ويخلي لَهُ مَجْلِسا عَن يَمِينه لَا يجلس فِيهِ غَيره وَمِمَّا رُوِيَ من الْجِهَات الْمَشْهُورَة مِمَّا قَالَه ﵇ فِيهِ نَحْو قَوْله (اقتدوا

стр. 463

بالذين من بعدِي أبي بكر وَعمر) (وإنهما من الدّين بِمَنْزِلَة الرَّأْس من الْجَسَد) (وَمَا نَفَعَنِي مَال مَا نَفَعَنِي مَال أبي بكر) (وَإِنِّي بعثت إِلَى النَّاس كلهم فَقَالُوا كذبت وَقَالَ أَبُو بكر صدقت) فَسُمي لأجل ذَلِك صديقا وَغلب على اسْمه وكنيته وَاسم أَبِيه وَإِلَى غير هَذِه الْأَخْبَار مِمَّا قد بسطنا طرفا من ذكرهَا فِي غير هَذَا الْكتاب وَقد كَانَ أهل الْكفْر يعْرفُونَ هَذَا من أمره ويعرفون تقدمه فِي الْجَاهِلِيَّة ثمَّ فِي الْإِسْلَام وَعند النَّبِي ﷺ وَلِهَذَا صَاح أَبُو سُفْيَان بِأَعْلَى صَوته عِنْد تزاحف الصُّفُوف أَيْن أَبُو بكر بن أبي قُحَافَة أَيْن عمر بن الْخطاب يَوْم بِيَوْم فِي كَلَام طَوِيل وَلم يناد بِغَيْرِهِمَا وَلِهَذَا كَانَ النَّبِي ﷺ يقدمهُ فِي الشَّهَادَة عَلَيْهِ فِي عهوده وَكتب صلحه وَيكْتب

стр. 464

شهد عبد الله بن أبي قُحَافَة وَعمر بن الْخطاب وَفُلَان وَفُلَان وَهَذَا مِمَّا يعلم ضَرُورَة وَلَا يُمكن دَفعه غير أَن الشِّيعَة تزْعم أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ ممتحنا بِهِ وبعمر على نفاق لَهما وتقية مِنْهُمَا وَهَذِه أماني دونهَا خرط القتاد وَذَهَاب الْأَنْفس حسرات وَلَوْلَا علم النَّبِي ﷺ بِفضل سبقه وهجرته وَعلمه لم يأتم بِهِ وَلم يقدمهُ عَلَيْهِم فِي مَرضه ويعظم الْأَمر فِي بَابه وَيَقُول يَأْبَى الله وَرَسُوله والمسلمون إِلَّا أَبَا بكر وَقَوله لحفصة وَعَائِشَة (إنكن صواحبات يُوسُف) وَلَوْلَا شدَّة تعلق هَذَا الْأَمر بِأبي بكر وتخصصه بِالْفَضْلِ فِيهِ وخشية الْإِثْم فِي تقدم غَيره لم يقل إنكن صواحبات يُوسُف ويأبى الله والمسلمون إِلَّا أَبَا بكر وَالْأَمر الَّذِي التمس مِنْهُ أَمر سَائِغ لَيْسَ بإثم فِي الدّين لِأَن فضل السن فَقَط وَمَا جرى مجْرَاه لَا يُوجب التحذير بِهَذَا القَوْل هَذَا وَهُوَ ﷺ يَقُول (يؤم النَّاس خَيرهمْ) (وأئمتكم شفعاؤكم إِلَى الله فانظروا بِمن تستشفعون) وَيَقُول (من تقدم على قوم من الْمُسلمين وَهُوَ يرى أَن فيهم من هُوَ أفضل مِنْهُ فقد خَان الله وَرَسُوله وَالْمُسْلِمين) وَأما دَعْوَى الشِّيعَة أَنه خرج فَعَزله وَدفعه عَن مَوْضِعه وَأنكر تَقْدِيمه وأعظمه فَمن جنس الترهات والأماني الكاذبة لِأَن مثل هَذَا لَو كَانَ لعلمناه

стр. 465

ضَرُورَة كَمَا علمنَا أَن أَبَا بكر تقدم ضَرُورَة وَإِنَّمَا اخْتلف فِي أَن أَبَا بكر صلى بِالنَّبِيِّ ﷺ أَو صلى بِهِ النَّبِي ﷺ صَلَاة وَاحِدَة ذكر ذَلِك فِيهَا وَصلى بهم بَقِيَّة أَيَّام مرض رَسُول الله ﷺ وروى الثبت الثِّقَات أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (مَا من نَبِي يَمُوت حَتَّى يؤمه رجل من قومه) وَأَن أَبَا بكر أم رَسُول الله ﷺ وَهَذَا هُوَ الَّذِي عناه أَبُو بكر بقوله (وليتكُمْ وَلست بِخَيْرِكُمْ إِنِّي وليتكُمْ الصَّلَاة وَرَسُول الله ﷺ حَاضر) ولعمري إِنَّه لَا يجوز أَن يكون خير قوم فيهم رَسُول الله ﷺ فَلَا مُعْتَبر فِي هَذَا الْأَمر الْعَظِيم بتلفيق الْمُخَالفين وتمنيهم الأباطيل وتلقهم بروايات ترد خَاصَّة مِنْهُم وَلَهُم لَا يعلمهَا غَيرهم على أَنه لَو يعلم جَمِيع هَذَا من حَاله وَلم يتَقَدَّم لَهُ شَيْء مِمَّا ذَكرْنَاهُ من فضائله ومناقبه لَكَانَ مَا ظهر مِنْهُ بعد موت النَّبِي ﷺ من الْعلم وَالْفضل والشدة فِي القَوْل وَالْفِعْل وَتَحْصِيل مَا ذهب على غَيره دلَالَة على اجْتِمَاع خلال الْفضل والإمامة فِيهِ بل لَو لم يدل على ذَلِك من أمره إِلَّا مَا ظهر مِنْهُ من التثقيف والتقدم والتشدد وسد الْخلَل وقمع الرِّدَّة وَأَهْلهَا فِي أَيَّام نظره لَكَانَ فِي ذَلِك مقنع لمن وفْق لرشده فَأول مَا ظهر من فَضله وتسديد رَأْيه إِعْلَام النَّاس موت رَسُول الله ﷺ وكفه عمر وَغَيره مِمَّن تشَتت آراؤهم فِي مَوته وفجئتهم

стр. 466

الْمُصِيبَة بِمَوْتِهِ وَمَا كَانَ من قَوْله وَفعله فِي ذَلِك وَقَالَت عَائِشَة وَغَيرهَا من أَصْحَابه إِن النَّاس أفحموا ودهشوا حَيْثُ ارْتَفَعت الرنة وسجى رَسُول الله ﷺ الْمَلَائِكَة بِثَوْبِهِ وَذهل الرِّجَال فَكَانُوا كأجرام انتخبت مِنْهَا الْأَرْوَاح وحولهم أطواد من الْمَلأ فكذب بَعضهم بِمَوْتِهِ وأخرس بَعضهم فَمَا تكلم إِلَّا بعد الْغَد وخلط آخَرُونَ ولاثوا الْكَلَام بِغَيْر بَيَان وَبَقِي آخَرُونَ مَعَهم عُقُولهمْ فَكَانَ عمر مِمَّن كذب بِمَوْتِهِ وَعلي فِي من أقعد وَعُثْمَان فِي من أخرس وَخرج من فِي الْبَيْت وَرَسُول الله ﷺ مسجى وَخرج عمر إِلَى النَّاس فَقَالَ عمر إِن رَسُول الله ﷺ لم يمت وليرجعنه الله وليقطعن أيديا وأرجلا من الْمُنَافِقين يتمنون لرَسُول الله ﷺ الْمَوْت وَإِنَّمَا وَاعد ربه كَمَا وَاعد مُوسَى وَهُوَ آتيكم وَأما عَليّ فَإِنَّهُ قعد فَلم يبرح من الْبَيْت وَأما عُثْمَان فَجعل لَا يكلم أحدا يؤخذه بِيَدِهِ فَيذْهب ويجاء بِهِ حَتَّى جَاءَ الْخَبَر أَبَا بكر وتواتر أهل الْبَيْت إِلَيْهِ بالرسل فَلَقِيَهُ أحدهم بعد مَا مَاتَ ﷺ وَعَيناهُ تهملان وغصصه ترْتَفع كَقطع الجرة وَهُوَ فِي ذَلِك جلد الْعقل والمقالة حَتَّى دخل على رَسُول الله ﷺ فأكب عَلَيْهِ وكشف عَن وَجهه ومسحه وَقبل جَبينه وخديه وَجعل يبكي وَيَقُول بِأبي أَنْت وَأمي وَنَفس وَأَهلي طبت حَيا وَمَيتًا وَانْقطع بموتك مَا لم يَنْقَطِع بِمَوْت أحد من الْأَنْبِيَاء والنبوة فعظمت عَن الصّفة الْمُصِيبَة وجللت عَن الْبكاء وخصصت حَتَّى صرت مسلاة وعممت حَتَّى صرنا فِيك سَوَاء وَلَوْلَا أَن موتك كَانَ اخْتِيَارا مِنْك لجدنا لموتك بالنفوس وَلَوْلَا أَنَّك نهيت عَن الْبكاء لأنفذنا عَلَيْك مَاء الشؤون فَأَما مَا لَا تَسْتَطِيع نَفْيه عَنَّا فكمد وإدناف يَتَحَالَفَانِ لَا يبرحان اللَّهُمَّ فأبلغه عَنَّا اذكرنا يَا مُحَمَّد عِنْد رَبك ولنكن من بالك فلولا مَا خلفت من السكينَة لم نقم لما خلفته من الوحشة اللَّهُمَّ ابلغ نبيك عَنَّا واحفظه فِينَا ثمَّ خرج لما قضى النَّاس عبراتهم وَقَامَ خَطِيبًا فَخَطب فيهم خطْبَة جلها الصَّلَاة على النَّبِي مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 467

فَقَالَ فِيهَا أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله وَخَاتم أنبيائه وَأشْهد أَن الْكتاب كَمَا أنزل وَأَن الدّين كَمَا شرع وَأَن الحَدِيث كَمَا حدث وَأَن القَوْل كَمَا قَالَ وَأَن الله هُوَ الْحق الْمُبين فِي كَلَام طَوِيل ثمَّ قَالَ أَيهَا النَّاس من كَانَ يعبد مُحَمَّدًا فَإِن مُحَمَّدًا قد مَاتَ وَمن كَانَ يعبد الله فَإِن الله حَيّ لَا يَمُوت وَإِن الله قد تقدم إِلَيْكُم فِي أمره فَلَا تَدعُوهُ جزعا وَإِن الله قد اخْتَار لنَبيه مَا عِنْده على مَا عنْدكُمْ وَقَبضه إِلَى ثَوَابه وَخلف فِيكُم كِتَابه وَسنة نبيه فَمن أَخذ بهما عرف وَمن فرق بَينهمَا أنكر ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كونُوا قوامين بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لله وَلَو على أَنفسكُم أَو الْوَالِدين والأقربين إِن يكن غَنِيا أَو فَقِيرا فَالله أولى بهما فَلَا تتبعوا الْهوى أَن تعدلوا وَإِن تلووا أَو تعرضوا فَإِن الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرا﴾ وَلَا يشغلنكم الشَّيْطَان بِمَوْت نَبِيكُم وَلَا يفتننكم عَن دينكُمْ وعاجلوا الشَّيْطَان بالخزي تعجزوه وَلَا تستنظروه فَيلْحق بكم فَلَمَّا فرغ من خطبَته قَالَ يَا عمر أَأَنْت الَّذِي بَلغنِي أَنَّك تَقول على بَاب نَبِي الله وَالَّذِي نفس عمر بِيَدِهِ مَا مَاتَ رَسُول الله أما علمت أَن نَبِي ارقال يَوْم كَذَا كَذَا وَكَذَا وَقَالَ الله فِي كِتَابه ﴿إِنَّك ميت وَإِنَّهُم ميتون﴾ فَقَالَ وَالله لكَأَنِّي لم أسمع بهَا فِي كتاب الله قبل الْآن لما نزل بِنَا أشهد أَن الْكتاب كَمَا أنزل وَأَن الحَدِيث كَمَا حدث وَأَن الله حَيّ لَا يَمُوت وَإِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون صلوَات الله على رَسُوله وَعند الله نحتسب رَسُوله ثمَّ جلس إِلَى أبي بكر وَقد كَانَ الْعَبَّاس قل لَهُم إِن رَسُول الله

стр. 468

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد مَاتَ وَإِنِّي قد رَأَيْت فِي وَجهه مَا لم أزل أعرفهُ فِي وُجُوه بني عبد الْمطلب عِنْد الْمَوْت فَلم يرجِعوا لقَوْله حَتَّى كَانَ من أبي بكر مَا ذَكرْنَاهُ فَرَجَعُوا صابرين محتسبين بِقُوَّة نفس وَسُكُون جأش فِي الدّين وَلَو لم يظْهر مِنْهُ غير هَذَا الْفِعْل لَكَانَ كَافِيا فِي الْعلم بفضله وَمَا هُوَ عَلَيْهِ من اجْتِمَاع مَا هُوَ مفترق فِي غَيره ثمَّ مَا كَانَ من إِنْفَاذه جَيش أُسَامَة ومخالفته للكافة فِي ترك إِنْفَاذه مَعَ شدَّة خوفهم من الظفر من عدوهم وَقَوْلهمْ إِن هَذَا الْجَيْش فِيهِ الحامية من نقباء الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَأهل الرِّدَّة قد أطلعوا رؤوسهم وَسَاقُوا الْمَدِينَة فانتظر بإنفاذه انكشاف الرِّدَّة فَقَالَ وَالله لِأَن أخر من السَّمَاء فتخطفني الطير وتنهشني السبَاع أحب إِلَيّ من أَن أكون أول حَال لعقد عقده رَسُول الله ﷺ أنفذوا جَيش أُسَامَة ونادى مناديه بخروجهم وَسَأَلَ نقباء الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار عمر أَن يسْأَل أَبَا بكر أَن يصرف أُسَامَة ويولي من هُوَ أسن وأدرب بِالْحَرْبِ مِنْهُ فَسَأَلَهُ عمر ذَلِك فَوَثَبَ إِلَيْهِ وَأخذ لحيته بِيَدِهِ فهزها وَقَالَ ثكلتك أمك يَا ابْن الْخطاب وعدمتك أيوليه رَسُول الله ﷺ وتأمرني أَن أصرفه وَالله لَا يكون ذَلِك أبدا فَأَمرهمْ بِالْخرُوجِ وشيعهم أَبُو بكر حافيا وَالْعَبَّاس مَعَه وَمن بَقِي من الصَّحَابَة فِي الْمَدِينَة فَمَا زَالَ يَدْعُو لَهُم وَيَأْمُر الْعَبَّاس بالتأمين على دُعَائِهِ وَأُسَامَة يَقُول إِمَّا أَن تركب يَا خَليفَة رَسُول الله أَو أنزل وَهُوَ يَقُول لَا وَالله لَا أركب وَلَا تنزل وماذا عَليّ أَن تغبر قَدَمَايَ فِي تشييع غاز فِي

стр. 469

سَبِيل الله تَعَالَى فنفذ الْجَيْش وَفتح الله تَعَالَى لَهُم وغنم وَرجع فِي نَيف وَسِتِّينَ يَوْمًا وَلَقي بهم أهل الرِّدَّة ثمَّ مَا كَانَ مِنْهُ فِي قتال أهل الرِّدَّة وسدة ثلم الْمَدِينَة وَخُرُوجه لمناضلتهم بِنَفسِهِ وَمن مَعَه حَتَّى دفعهم قبل عود جَيش أُسَامَة وندائه فِي الْمَدِينَة أَلا يؤوي أحد أحدا من رسل أهل الرِّدَّة لما وفدوا إِلَيْهِ الْوُفُود يسألونه الصُّلْح على ترك الزَّكَاة وَقَوله لما سَأَلُوهُ رفع السَّيْف عَنْهُم وأذعنوا بأَدَاء الزَّكَاة لَا وَالله أَو يَقُولُوا إِن قتلاهم فِي النَّار وقتلانا فِي الْجنَّة ثمَّ إِنْفَاذه خَالِد بن الْوَلِيد وَمن مَعَه من الجيوش إِلَى أهل الرِّدَّة ومسيلمة وَمن بِالْيَمَامَةِ من دعاة الْكفْر حَتَّى أبادهم واستأصل خضراءهم وأيد الله بِهِ الدّين وكشف الْغُمَّة وأزال الْكُرْبَة ورد الْحق إِلَى نصابه وانحسرت بيمنه الْفِتْنَة وضعفت مِنْهُ أهل الْكفْر وفشلوا قبل لِقَاء عسكره حَتَّى قَالَ قَائِلهمْ الْمَشْهُور شعره (أَلا عللاني قبل جَيش أبي بكر ... لَعَلَّ منايانا قريب وَمَا نَدْرِي) (لَعَلَّ جيوش الْمُسلمين وخالدا ... سيطرقنا قبل الصَّباح من الْبر) فصبحتهم الْخَيل قَالَ الرَّاوِي فَكَانَ رَأس هَذَا الشَّاعِر أول رَأس رمي بِهِ تدكدك فِي باطئة الْجَمْر فَكيف لَا يصلح من هَذِه صفته لإمامة الْأمة هَذَا مَعَ مَا ظهر من علمه

стр. 470

وانتدابه لجمع الْقُرْآن وَأَنه لم يتلعثم فِي حكم نزل فِي أَيَّام نظره وَلَا رَجَعَ عَنهُ وَقد جلس مجْلِس النَّبِي وَخَلفه فِي أمته وَإِن ذَلِك لأمر عَظِيم ثمَّ مَا كَانَ من عَهده إِلَى عمر عِنْد مَوته وتسديده فِي رَأْيه وتنبيهه الْقَوْم على فضل رَأْيه وَمَكَان نظره مَا عمر بسبيله وَمَا هُوَ مَخْصُوص بِهِ مِمَّا سنذكر طرفا مِنْهُ فِي بَاب إِمَامَته وببعض هَذِه الْأَوْصَاف والخلال وتسديد التَّدْبِير والرأي والمقال يصلح وَيسْتَحق الْإِمَامَة فَإِن قَالُوا وَكَيف يكون أَبُو بكر مُسْتَحقّا لهَذَا الْأَمر مَعَ اعترافه بِأَنَّهُ مِمَّن يمِيل ويضل ويزل وَأَنه غير مَعْصُوم حَيْثُ يَقُول أَلا وَإِنِّي أَكْثَرَكُم شغلا وأثقلكم حملا فَإِن اسْتَقَمْت فَاتبعُوني وَإِن ملت فقوموني أَطِيعُونِي مَا أَطَعْت الله فِيكُم وَإِذا عصيت الله فَلَا طَاعَة لي عَلَيْكُم وَمن سَبِيل الإِمَام أَن يكون مَعْصُوما قيل لَهُم هَذَا غلط لما قد بَيناهُ فِي صدر هَذَا الْكتاب من أَنه لَا يجب أَن يكون الإِمَام مَعْصُوما كَمَا لَا يجب عصمَة أمرائه وقضاته وعماله وَأَصْحَاب جيوشه ومسائله إِذْ كَانُوا يلون من ذَلِك مَا يَلِيهِ بِنَفسِهِ وَقد أوضحنا هَذَا بِمَا نستغني عَن رده وَهَذَا الْكَلَام الَّذِي قَالَه من أدل الْأُمُور على فَضله وَأَدَاء الْأَمَانَة فِيمَا تحمل وَالْخَوْف من التَّقْصِير فِيهِ وَهُوَ ادّعى الْأُمُور إِلَى الرضى بِهِ والاجتماع على طَاعَته فَإِن قَالُوا فَكيف يسْتَحق أَبُو بكر هَذَا الْأَمر وَهُوَ يعْتَرف بِأَن لَهُ شَيْطَانا يَعْتَرِيه حَيْثُ يَقُول فِي هَذِه الْخطْبَة أَلا وَإِن لي شَيْطَانا يَعْتَرِينِي فَإِذا رَأَيْتُمْ

стр. 471

ذَلِك فَلَا تقربوني لَا أوثر فِي أَشْعَاركُم وَأَبْشَاركُمْ وَأَقل أَحْوَال الإِمَام أَن يكون عَاقِلا سليما من عوارض الشَّيْطَان يُقَال لَهُم لَيْسَ على وَجه الأَرْض ذُو عقل يرى أَن أَبَا بكر كَانَ مَجْنُونا ومعترفا فِي هَذَا القَوْل بالصرع وَالْغَلَبَة وَلَو كَانَ على هَذِه الْحَال لما خَفِي أمره على الصَّحَابَة وَلَا تركُوا بأسرهم دفْعَة عَن هَذَا الْأَمر والاحتجاج بِأَنَّهُ مَجْنُون مُحْتَاج إِلَى العلاج دون الْإِمَامَة والمناظرة فِيهَا وَإِقَامَة الْحجَّاج وَهَذَا جهل مِمَّن بلغ إِلَيْهِ كفينا مؤونة كَلَامه وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك أَبُو بكر مخبرا بِأَن الشَّيْطَان يوسوس لَهُ ويلقي إِلَيْهِ كَمَا يوسوس فِي صُدُور جَمِيع الْخلق وَأَنه لَيْسَ بمباين لَهُم فِي هَذَا الْبَاب ليتقوا وَقت غَضَبه ووسوسته وَهَذَا رَسُول الله ﷺ يَقُول (مَا من أحد إِلَّا وَله شَيْطَان) قَالُوا وَلَا أَنْت يَا رَسُول الله قَالَ وَلَا أَنا إِلَّا أَن الله قد أعانني عَلَيْهِ فَأسلم) أفترى أَن رَسُول الله ﷺ أخبر فِي هَذَا القَوْل عَن جُنُونه حاشاه من ذَلِك وجنون سَائِر الصَّحَابَة إِن هَذَا لجهل عَظِيم واقتحام طريف فَإِن قَالُوا فَكيف يكون أَبُو بكر مُسْتَحقّا لهَذَا الْأَمر وَهُوَ يَقُول فِي هَذِه الْخطْبَة وليتكُمْ وَلست بِخَيْرِكُمْ فألا علم بذلك أَن الْأَمر لمن هُوَ خير مِنْهُ وَأَنه ظَالِم فِي استبداده بِهِ قيل لَهُم فِي هَذَا أجوبة كَثِيرَة فأولها أَنه قَالَ ذَلِك محتجا على الْأَنْصَار وعَلى من ظن أَنه يتَأَخَّر عَنهُ لِأَنَّهُ قد وليهم الصَّلَاة وَرَسُول الله ﷺ حَاضر ولعمري إِنَّه لَا يجوز أَن يكون خير قوم فيهم رَسُول الله ﷺ فَكَأَنَّهُ قَالَ كَيفَ لَا أليكم بعد النَّبِي ﷺ وَقد وليتكُمْ مَعَ وجوده وَلست بِخَيْرِكُمْ إِذْ ذَلِك وَمِنْهَا أَنه يُمكن أَن يكون أَرَادَ بقوله وليتكُمْ وَلست بِخَيْرِكُمْ أَنِّي لست بِخَيْرِكُمْ قَبيلَة

стр. 472

وعشيرة وَلِأَن نَبِي هَاشم أَعلَى مِنْهُ فِي ذرْوَة النّسَب لكَي يدلهم بذلك على أَن هَذَا الْأَمر الْعَظِيم لَيْسَ يسْتَحق بعلو النّسَب وَأَنه لَيْسَ بمقصور على بني هَاشم دون غَيرهم من قُرَيْش بِظَاهِر قَوْله ﷺ (الْأَئِمَّة من قُرَيْش) وَيُمكن أَن يكون أَرَادَ بقوله وليتكُمْ وَلست بِخَيْرِكُمْ أَي إِنَّه يجوز عَليّ من السَّهْو والغلط ووساوس الصُّدُور وخواطر النُّفُوس مَا يجوز من السَّهْو عَلَيْكُم لكَي يدلهم بذلك على فَسَاد قَول من زعم أَن هَذَا الْأَمر لَا يسْتَحقّهُ إِلَّا الوافر الْمَعْصُوم وَيُمكن أَن يكون أَرَادَ بقوله وليتكُمْ وَلست بِخَيْرِكُمْ لَوْلَا أَن الله فضلني عَلَيْكُم بِحَق الْولَايَة فَأوجب عَلَيْكُم من طَاعَتي أَن صرت إِمَامًا وَأسْقط عني فرض طاعتكم وَيُمكن أَيْضا أَن يكون قد اعْتقد أَن فِي الْأمة أفضل مِنْهُ إِلَّا أَن الْكَلِمَة عَلَيْهِ أجمع وَالْأمة بنظره أصلح لكَي يدلهم على جَوَاز إِمَامَة الْمَفْضُول عِنْد عَارض يمْنَع من نصب الْفَاضِل وَلِهَذَا مَا قَالَ للْأَنْصَار وَغَيرهم قد رضيت لكم أحد هذَيْن الرجلَيْن فَبَايعُوا أَحدهمَا عمر بن الْخطاب وَأَبا عُبَيْدَة بن الْجراح وَهُوَ يعلم أَن أَبَا عُبَيْدَة دونه وَدون عُثْمَان وَعلي فِي الْفضل غير أَنه قد رأى أَن الْكَلِمَة تَجْتَمِع عَلَيْهِ وتنحسم الْفِتْنَة بنظره وَهَذَا أَيْضا مِمَّا لَا جَوَاب لَهُم عَنهُ فَإِن قَالُوا كَيفَ يكون أَبُو بكر مُسْتَحقّا لهَذَا الْأَمر وَهُوَ يَقُول أقيلوني أقيلوني قيل لَهُم لَيْسَ فِي استقالته من تحمل ثقل الْإِمَامَة لفضل دينه وخشيته وورعه مَا يقعده عَن اسْتِحْقَاقهَا وَمَا يَنْبَغِي لفاضل عرضت عَلَيْهِ أَن يظْهر المسارعة إِلَيْهَا وَالسُّرُور بهَا فَإِن ذَلِك ملق لَهُ فِي الظنة ومورط للْقَوْم فِي التُّهْمَة فَمَا قَالَ من ذَلِك إِلَى مَا يَقُوله مثله فِي الْفضل والتقدم وَلَو أقالوه وولوا غَيره لَكَانَ جَائِزا وَقد قَالَ الْقَائِلُونَ بِالنَّصِّ على إِمَامَته إِنَّه إِنَّمَا أَرَادَ بِهَذَا القَوْل وَبِقَوْلِهِ وليتكُمْ وَلست بِخَيْرِكُمْ امتحان الْقَوْم ليرى من يقبل هَذَا القَوْل ليعرف بذلك الْمُطِيع من العَاصِي وقابل النَّص عَلَيْهِ من الرَّاد لَهُ فيقومه بِمَا يقوم مثله بِهِ قَالُوا وَهَذَا بِمَنْزِلَة قَول عمر لِحُذَيْفَة لما قَالَ إِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 473

عرفه الْمُنَافِقين نشدتك بِاللَّه هَل أَنا مِنْهُم فَقَالَ لَا وَلَا أخبر بعْدك أحدا وَقد علم أَن عمر لم يشك فِي إيمَانه وَأَنه لَيْسَ بمنافق وَأَنه لَو كَانَ منافقا لَكَانَ يعلم ذَلِك من نَفسه فَلَا معنى لاستعلامه حَال نَفسه من حُذَيْفَة وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك امتحانا ليعلم صدقه من كذبه وَهَذَا أَيْضا لَيْسَ بِبَعِيد فِي التَّأْوِيل فَإِن قَالُوا كَيفَ يكون أَبُو بكر مُسْتَحقّا لهَذَا الْأَمر وَعمر يَقُول قولا ظَاهرا على الْمِنْبَر أَلا إِن بيعَة أبي بكر كَانَت فلتة وقى الله شَرها وَأمر بقتل من عَاد إِلَى مثلهَا بقوله فِي هَذَا الْخَبَر فَمن عَاد إِلَى مثلهَا فَاقْتُلُوهُ قيل لَهُم مَا شككنا فِي شَيْء فَإنَّا لَا نشك وَإِيَّاكُم فِي أَن عمر لم يكن مَجْنُونا وَلَا مخلطا وَهَذَا الْكَلَام إِن حمل على مَا قُلْتُمْ صَار فِي حكم الْجُنُون من قَائِله لِأَن عمر كَانَ يحْتَج على النَّاس فِي إِثْبَات إِمَامَته وَالدُّعَاء إِلَى طَاعَته والانقياد لَهُ فِي الْإِمَامَة بِعقد أبي بكر لَهُ الْأَمر وَعَهده إِلَيْهِ فِيهِ وَإِذا كَانَت بيعَة أبي بكر بَاطِلَة يجب قتل صَاحبهَا وَمن عَاد إِلَى مثلهَا وَجب أَن يكون عَهده إِلَى عمر بَاطِلا كعهد أبي بكر وموجبا لقتل عمر وَقتل من نظر فِي أُمُور الْمُسلمين بعدهمْ من إِمَام فَكَانَ يجب أَن تَقول لَهُ الصَّحَابَة فَأَنت أَيْضا مِمَّن يجب قَتلك وَلَا يجب الْعَمَل على عَهْدك فِي الشورى وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا الْكَلَام لما عهد إِلَيْهِم فِي الشورى على الْمِنْبَر وَكَانَ يجب أَن يُقَال لَهُ أَيْضا قد قلت فِيمَن هَذَا وَصفه وددت أَن أكون شعره فِي صَدره وَمَا سابقته إِلَى خير قطّ إِلَّا سبقني إِلَيْهِ

стр. 474

وَكَانَ وَالله من خيرنا يَوْم توفّي رَسُول الله ﷺ وأمثال هَذِه الْأَقَاوِيل وَهَذَا الاختلال لَا يتهم عمر بِهِ إِلَّا مخلط جَاهِل فَإِن قَالُوا فَمَا معنى الْخَبَر قيل لَهُم إِن عمر كَانَ يعْتَقد أَن أَبَا بكر كَانَ أفضل الْأمة ومبرزا فيهم بِالْفَضْلِ وَغير مشتكل الْأَمر وَأَنه كَانَ يسْتَحق أَخذهَا بالمناظرة عَلَيْهَا وَأَن من بعْدهَا متقاربون فِي الرُّتْبَة وَالْفضل لَا يستحقونها على ذَلِك الْوَجْه وَلذَلِك جعلهَا شُورَى فِي سِتَّة وَقَوله كَانَت فلته أى تمت على غير إِعْمَال فكر وَلَا روية بل استوثقت فجاءة وَقَوله وقى الله شَرها يَعْنِي شَرّ الْخلاف عَلَيْهَا وشق الْعَصَا عِنْد تَمامهَا فَإِنَّهُ بعيد عِنْده أَن يتم ذَلِك مَعَ مَا رأى من توَاثب الْأَنْصَار عَلَيْهَا واطلاع الْفِتْنَة رَأسهَا وَقَوله فَمن عَاد إِلَى مثلهَا فَاقْتُلُوهُ إِنَّمَا أَرَادَ إِلَى مثل قَول الْأَنْصَار وَمَا حُكيَ عَن الْأَنْصَار من إرادتهم نصب إمامين فِي وَقت وَاحِد بقَوْلهمْ منا أَمِير ومنكم أَمِير ولإخراجهم الْأَمر من قُرَيْش إِلَى غَيرهم وَهَذَانِ الْأَمْرَانِ حرَام فعلهمَا فِي الدّين وجالبان الْفِتْنَة وَإِنَّمَا عظم غلط الْأَنْصَار فيهمَا فَقَالَ لأهل الشورى وَغَيرهم لما عهد إِلَيْهِم فِيهَا إِن من عَاد إِلَى مثل قَول الْأَنْصَار فَاقْتُلُوهُ وَيُمكن أَن يكون أَرَادَ من حاول أَخذهَا بالمناظرة عَلَيْهَا وَإِظْهَار التَّقَدُّم والتبريز بِالْفَضْلِ على وَجه مَا فعله أَبُو بكر وَعرف ذَلِك من أمره فَاقْتُلُوهُ لِأَنَّهُ لم يبْق فِي هَذِه الْأمة من هَذِه مَنْزِلَته وَإِذا كَانَ كَذَلِك سقط مَا تعلقوا بِهِ وَصَحَّ بِهَذِهِ الْجُمْلَة إِمَامَة أبي بكر ﵁ ونضر وَجهه بَاب الْكَلَام فِي أُمَامَة عمر ﵁ إِن قَالَ قَائِل مَا الدَّلِيل على إِثْبَات إِمَامَة عمر قيل لَهُ الدَّلِيل على ذَلِك أَن أَبَا بكر عهد إِلَيْهِ بِمحضر من جلة الصَّحَابَة بعد تقدمه إِلَيْهِم وَأمره بِالنّظرِ فِي أُمُورهم والتشاور فِي إمامتهم وردهم الْأَمر إِلَى نظره ورأيه فَقَالَ سأخبركم باختياري وَخرج معصوبا رَأسه فَخَطب خطبَته الْمَشْهُورَة فوصف فِيهَا عمر بصفاته ونعته بأخلاقه وَذكر شدته فِي غير عنف وَلينه من غير ضعف

стр. 475

وَقدرته على الْأَمر ثمَّ أجَاب طَلْحَة لما قَالَ لَهُ تولي علينا فظا غليطا مَاذَا تَقول لِرَبِّك إِذا لَقيته قد فركت لي عَيْنَيْك ودلكت لي عقبيك وجئتني تلفتني عَن رَأْيِي وتصدني عَن ديني وَالله لتتركن عضيهته أَو لأنفينك فِي كَلَام لَهُ طَوِيل أَقُول إِذا سَأَلَني وليت عَلَيْهِم خيرا أهلك ثمَّ قَالَ وَالله لتألمن النّوم على الصُّوف الأذربي كَمَا يألم أحدكُم النّوم على حسك السعدان يَا هادي الطَّرِيق جزت إِنَّمَا هُوَ الْبَحْر أَو الْفجْر فِي كَلَام لَهُ قد ذَكرْنَاهُ فِي غير هَذَا الْموضع وَقد اعْترف طَلْحَة بصواب رَأْيه وَوصف عمر لما شاورهم بِالْخرُوجِ بِنَفسِهِ إِلَى مُلُوك نهاوند بِمَا وَصفه أَبُو بكر وفوقه وَقَالَ لَهُ فِي كَلَام مَشْهُور لقد استقامت الْعَرَب عَلَيْك وَفتح الله على يَديك فسر بِنَا فَإنَّا لَا نستعصي عَلَيْك وَمَا هَذَا مَعْنَاهُ من قَول طَلْحَة وَقد قَالَ طَلْحَة وَعُثْمَان وَعبد الرَّحْمَن

стр. 476

لأبي بكر امْضِ لشأنك وأنفذ أَمرك واعهد إِلَى عمر فَإِنَّهُ أهل لَهَا وَمَا هَذَا نَحوه وَقَالَ عُثْمَان لقد أحضرني أَبُو بكر وَقَالَ لي اكْتُبْ هَذَا مَا عهد بِهِ أَبُو بكر عبد الله بن قُحَافَة آخر عَهده بالدنيا وَقت يسلم فِيهَا الْكَافِر ويبر فِيهَا الْفَاجِر وَثقل لِسَانه فَلم يبن عَن نَفسه فَكتبت إِلَى عمر فَلَمَّا أَفَاق قَالَ لي من كتبت قَالَ عُثْمَان قلت عمر فَقَالَ أصبت مَا فِي نَفسِي وَلَو كتبت نَفسك لَكُنْت لَهَا موضعا مطيبا لنَفسِهِ وتوخيا لرضاه وتركا للتعسف والجبرية فَلم يخب فِي عمر رَأْيه وَلَا خَابَ ظَنّه بل زَاد على مَا أمله مِنْهُ وَقدره فِيهِ وَظهر من جلده وشدته فِي الله وصرامته مَا لَا خَفَاء بِهِ فَافْتتحَ الْفتُوح وجند الأجناد ومصر الْأَمْصَار واستأصل الْمُلُوك وَاسْتولى على دِيَارهمْ وأبعدهم عَن ممالكهم وَتَنَاول نفوس أَكْثَرهم وَصلح بنظره الْحَاضِر والبادي والقاصي والداني وقومهم بِالدرةِ دون السَّيْف وَأقَام الدعْوَة وَقَالَ لَئِن عِشْت للْمُسلمين ليبلغن الرَّاعِي حَقه بعدن من هَذَا المَال متواضعا فِي جَمِيع ذَلِك لرَبه خَاشِعًا لأَمره غير وان فِي شَيْء مِمَّا يلْزمه الْقيام بِهِ لَا تغيره الإمرة وَلَا تبطره النِّعْمَة وَلَا يستطيل على مُؤمن بسلطانه وَلَا يحابي أحدا فِي الْحق لعظم شَأْنه وَلَا يدع استخراجه للضعيف لضَعْفه وَلَا تَأْخُذهُ فِي الله لومة لائم يحمل الجرة بِنَفسِهِ ويلبس المرقع ويباشر نَفَقَة الأرامل وَأهل الْمنَازل بِنَفسِهِ وَيَطوف عَلَيْهِم فِي ليله ونهاره حَتَّى سمع فِي بعض اللَّيَالِي قَول امْرَأَة لبَعض أهل الْبعُوث تَقول (تطاول هَذَا اللَّيْل وازور جَانِبه ... وأرقني أَلا حبيب ألاعبه) (فوَاللَّه لَوْلَا الله لَا شَيْء غَيره ... لزعزع من هَذَا السرير جوانبه) فَعرف الدَّار وصاحبها فَقَالَ لحفصة وَأهل التجربة من النِّسَاء كم أَكثر مَا يصبر النِّسَاء عَن أَزوَاجهنَّ فَقُلْنَ لَهُ أَرْبَعَة أشهر فَكَانَ لَا يحبس الْبَعْث أَكثر من أَرْبَعَة أشهر وَحَتَّى قَالَت عَائِشَة وَعبد الرَّحْمَن وَعَمْرو بن

стр. 477

الْعَاصِ وَغَيرهم من الصَّحَابَة مِمَّن وَصفه إِن عمر أبدت لَهُ الدُّنْيَا زينتها وزخرفها وَأَلْقَتْ إِلَيْهِ أفلاذ كَبِدهَا يَعْنِي كنوز الذَّهَب فَمشى ضحضاحها وَخرج مِنْهَا سليما مَا ابتلت قدماه فِي أَمْثَال هَذِه الْأَقَاوِيل ثمَّ يُحَاسب عماله

стр. 478

ويتفقد أُمُورهم ويسترجع مَال الله تَعَالَى وَلَا يوليهم أَكثر من سنة ويلين لمن خنع مِنْهُم ويعنف على من تجبر ثمَّ ينزل إِلَى تَدْبِير آرائهم وَأمر متاجرهم وَأَوْلَادهمْ وضياعهم وَيَقُول لَهُم تمعددوا وَاخْشَوْشنُوا واقطعوا الركب وانزوا على الْخَيل نَزْوًا واحفوا وَانْتَعِلُوا فَإِنَّكُم لَا تَدْرُونَ مَتى تكون الجفلة وَيكْتب إِلَى أهل الْبَصْرَة علمُوا أَوْلَادكُم العوم ورووهم مَا سَار من الْمثل وَلَا تنهكوا الأَرْض فَإِن شحمتها فِي وَجههَا وَقد كنت نَهَيْتُكُمْ عَن الْبُنيان فَإذْ قد فَعلْتُمْ فعلوا الْجدر وقاربوا بَين الْخشب وباعدوا الحشوش عَن الْمجَالِس وَيَقُول للنَّاس إِذا اشتريتم بَعِيرًا فاشتروه ضخما فَإِن أَخطَأ خَبرا لم يخطىء سوقا وَيَقُول لأبي عُبَيْدَة بن الْجراح وَقد قَالَ لَهُ لما رَآهُ فِي بعض طرق الشَّام وَقد انحط عَن بعيره وردم الخطام على عُنُقه وحسر عَن سَاقيه ليعبر

стр. 479

ضحضاحا وَهُوَ يَقُود بعيره يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أتفعل هَذَا وَلَك الكفاة من أَصْحَابك وَأَنت بِإِزَاءِ عَدو يدل بمنة وقدرة فَقَالَ عمر اسْكُتْ يَا ابْن عَامر أَو يَا ابْن أخي عَامر وَالله مَا أعزكم الله بعد الذلة وكثركم بعد الْقلَّة إِلَّا بالخنوع والاستكانة فَإِن تروموا الْعِزّ بغَيْرهَا تهلكوا فِي يَد عَدوكُمْ وَيكْتب إِلَى أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ آس بَين النَّاس فِي مجلسك ونظرك حَتَّى لَا يطْمع شرِيف فِي حيفك وَلَا ييأس ضَعِيف من إنصافك وَلَا يمنعنك قَضَاء قَضيته راجعت فِيهِ رَأْيك وهديت فِيهِ لرشدك أَن ترجع إِلَى الْحق فَإِن الرُّجُوع إِلَى الْحق خير من التَّمَادِي فِي الْبَاطِل الْفَهم الْفَهم وَيَقُول للنَّاس أَمِير الْمُؤمنِينَ أَخُو الْمُؤمنِينَ فَإِن لم يكن أَخا الْمُؤمنِينَ فَهُوَ عَدو للْمُؤْمِنين وَيَقُول رحم الله أمرأ أهْدى إِلَيْنَا عيوبنا وَيَقُول فِي جَوَاب الْمَرْأَة الَّتِي راجعته فِي النَّهْي عَن الْمُبَالغَة فِي مُهُور النِّسَاء وَقَوْلها لَهُ لم تَمْنَعنَا مِمَّا قد جعل الله لنا وَالله يَقُول ﴿وَإِن أردتم استبدال زوج مَكَان زوج وَآتَيْتُم إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئا أتأخذونه بهتانا وإثما مُبينًا﴾ فَقَالَ امْرَأَة أَصَابَت وَرجل أَخطَأ وأمير ناضل فنضل واسترجع وَقَالَ كل النَّاس أفقه مِنْك يَا عمر وَيَقُول إِذا تأدى إِلَيْهِ الْخَبَر عَن رَسُول الله ﷺ (لَوْلَا هَذَا لقضينا فِيهِ برأينا وكدنا أَن نقضي

стр. 480

فِيهِ برأينا) وَيَقُول (لَوْلَا عَليّ لضل عمر وَلَوْلَا معَاذ لهلك عمر) وَلَا ينفذ الْأَحْكَام إِلَّا بمجمع من أَصْحَابه وحضورهم ومشاورتهم مَعَ فَضله وفقهه وَحسن بصيرته بمأخذ الْأَحْكَام وطرق الْقيَاس وَمَعْرِفَة الْآثَار وَلَو لم يظْهر ذَلِك من أَفعاله وَلم يعلم من سَرِيرَته وأخلاقه لكفى فِي بَابه وَالْعلم بفضله وتقدمه مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ فِيهِ نَحْو قَوْله (لما اسْتَأْذن على النَّبِي ﷺ وَعِنْده نفر من نِسَائِهِ وغيرهن وَقد علت أصواتهن فِي مُخَاطبَة النَّبِي ﷺ حَتَّى اسْتَأْذن عمر وعرفن صَوته ابتدرن الْحجاب فَلَمَّا دخل على رَسُول الله ﷺ ضحك فَقَالَ لَهُ عمر مِم تبسمك أضْحك الله سنك فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ عجبت من هَؤُلَاءِ اللائي كن يضحكن فَلَمَّا سمعن صَوْتك ابتدرن بالحجاب فحول عمر وَجهه نَحْو الْبَيْت الَّذِي هن فِيهِ وَقَالَ أَي عدوات أنفسهم أتهبنني وَلَا تهبن رَسُول الله ﷺ فوَاللَّه إِنَّه لأحق أَن تهبنه فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لَا تلمهن يَا عمر واخفض عَنْهُن فوَاللَّه مَا سلكت فجا قطّ إِلَّا وسلك الشَّيْطَان فجا غير فجك يَا عمر) وَقَوله (لَو لم أبْعث فِيكُم لبعث عمر) و (لَو كَانَ بعدِي نَبِي لَكَانَ عمر) و (إِن الله ضرب الْحق على لِسَان عمر وَقَلبه يَقُول الْحق وَإِن كَانَ مرا) وَقَوله (إِن مِنْكُم لمحدثين ومتكلمين وَإِن عمر لمنهم) وَقَوله (عمر قفل الْإِسْلَام) وَقَوله (اللَّهُمَّ أعز الْإِسْلَام وأيد هَذَا الدّين بِأحد هذَيْن

стр. 481

الرجلَيْن عمر بن الْخطاب أَو بِأبي جهل بن هِشَام) فسبقت الدعْوَة فِي عمر وَأظْهر الله الدّين وأعز بِهِ الْمُؤمنِينَ وَقَوله (لَا يعبد الله سرا بعد هَذَا الْيَوْم) وَكَانَ يَقُول لأهل مَكَّة إِذْ ذَاك وَالله لَئِن بلغت عدتنا مائَة لتتركونها لنا أَو نتركها لكم) يُرِيد أَنه كَانَ ينصب راية الْحَرْب بِمَكَّة ويحاربهم على إِقَامَة الْحق وتتبع فضائله ومناقبه واستيعاب قَول النَّبِي ﷺ فِيهِ وَقَول الصَّحَابَة نَحْو قَوْلهم كَانَ وَالله عمر لِلْإِسْلَامِ حصنا حصينا يدْخل النَّاس فِيهِ وَلَا يخرجُون مِنْهُ فَلَمَّا مَاتَ انثلم وانهدم ذَلِك الْحصن وَالله مَا صلينَا ظَاهِرين حَتَّى أسلم عمر إِلَى مِثَال ذَلِك مِمَّا قَالُوهُ نظما ونثرا مِمَّا يطول وَيكثر فَبَان بِهَذِهِ الْجُمْلَة أَنه بِصفة من يصلح الْعَهْد إِلَيْهِ والابتداء بِالْعقدِ لَهُ وَفَوق صفة الْإِمَامَة الَّتِي يتوخاها ويبتغيها العاقدون بَاب الدّلَالَة على صِحَة الْعَهْد من أبي بكر إِلَى عمر وَمن كل إِمَام عدل إِلَى من يصلح لهَذَا الْأَمر فَإِن قَالَ قَائِل قد أوضحتم أَن عمر بِصفة من يصلح لإمامة الْمُسلمين وَابْتِدَاء العقد لَهُ فَمَا الدَّلِيل على صِحَة عهد أبي بكر إِلَيْهِ وَأَنه جَار مجْرى العقد لَهُ قيل لَهُ الدَّلِيل على صِحَة ذَلِك أَن أَبَا بكر عهد إِلَيْهِ بِمحضر من الصَّحَابَة وَالْمُسْلِمين على صفة مَا ذَكرْنَاهُ فأقروا جَمِيعًا عَهده وصوبوا رَأْيه وَلم

стр. 482

يقل قَائِل مِنْهُم لم تعهد فِي أَمر مَا جعل الله لَك الْعَهْد فِيهِ وَلَا قَالَ ذَلِك قَائِل فِي غير مَجْلِسه وَلَا بعد وَفَاته وَلَو كَانَ عَهده إِلَى عمر خطأ فِي الدّين لسارعوا إِلَى تَعْرِيفه ذَلِك وموافقته عَلَيْهِ ولكان أَجْدَر من قَول قَائِلهمْ أتولي علينا فظا غليظا إِذْ كَانَ لَيْسَ لَهُ أَن يولي عَلَيْهِم أحدا لَا فظا وَلَا رَفِيقًا وَكَانَ تنبيهه على ذَلِك وادكاره بِهِ ومطالبته بِتَرْكِهِ أولى من خوضهم فِي صفة من يعْهَد إِلَيْهِ لِأَن الْكَلَام فِي صفة من يعْهَد إِلَيْهِ فرع للْكَلَام فِي صفة الْعَهْد أَولا وَإِذا لم يَصح الْعَهْد جملَة سقط الْخَوْض فِيهِ فِي صفة الْمَعْهُود إِلَيْهِ وزالت المؤونة وَمثل هَذَا الْخَطَأ والتفريط الظَّاهِر لَا يجوز على كَافَّة لمسلمين وقادة الْأَنْصَار والمهاجرين لِأَن الْأمة لن تَجْتَمِع فِي عصر الصَّحَابَة وَلَا فِي غَيره على خطأ وإمساك عَن إِنْكَار مَا من سَبيله أَن يُنكر حَتَّى لَا يكون فِيهَا إِلَّا متدين بِصِحَّة الْعَهْد من الإِمَام إِلَى غَيره وَقَائِل بِهِ ومصوب لَهُ لِأَن القَوْل بالعهد وَفعله خطأ من فَاعله الرضي بِهِ وَالْإِقْرَار لَهُ خطأ من الْمقر لَهُ إِذْ كَانَ الْعَهْد خطأ فِي الدّين وَالْأمة لَا تَجْتَمِع على خطأ وَيدل عَلَيْهِ أَيْضا إِجْمَاع أهل الِاخْتِيَار الَّذين هم أهل الْحق فِي القَوْل بِالْإِمَامَةِ أَن للْإِمَام أَن يعْهَد إِلَى إِمَام بعده ولسنا نَعْرِف مِنْهُم من يُنكر ذَلِك وَلَا يثبت عَن أحد مِنْهُم بِرِوَايَة شَاذَّة ومقالة مروية أَنه لم يكن قَائِلا بهَا وَلَا ذَاهِبًا إِلَيْهَا وَيدل على ذَلِك أَيْضا ويوضحه علمنَا أَن الإِمَام الْعدْل لَو لم يكن إِمَامًا وَكَانَ رجلا من الرّعية لَكَانَ لَهُ أَن يبتدىء العقد لمن يصلح للْإِمَامَة وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك فكونه إِمَامًا لَا يحطه عَن هَذِه الرُّتْبَة فَوَجَبَ أَن يكون لَهُ أَن يعْقد على إِمَام بعده ويعهد إِلَيْهِ كَمَا كَانَ لَهُ أَن يبتدىء العقد لَهُ لِأَن العقد فِي الْحَقِيقَة عقد على صفة فصح بذلك مَا قُلْنَاهُ فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا أنكرتم من تَحْرِيم الْعَهْد من الإِمَام لغيره لموْضِع التُّهْمَة من العاهد وتجويز ميله إِلَى الْمَعْهُود إِلَيْهِ وإيثاره لولايته قيل لَهُ هَذِه التُّهْمَة مَعْصِيّة لله مِمَّن جناها وظنها بِإِمَام الْمُسلمين إِذا كَانَ عفيفا مَشْهُورا ظَاهر الْعَدَالَة منصفا للْأمة لم تكن مِنْهُ خِيَانَة لَهُم فِي مُدَّة أَيَّام نظره وَلَا مخاتلة وَلَا جبرية فَهُوَ بألا يتهم بعد الْمَوْت ويحتقب عَظِيم الْإِثْم فِي تسليط ظَالِم

стр. 483

عَلَيْهِم أَو جَاهِل بأمورهم أولى وَفِي هَذَا مَا يُوجب أَن يكون ظن الْمُسلمين بإمامهم الَّذِي لم يعرفوه إِلَّا بالصلاح والاستقامة والتهمة لَهُ ذَنبا مِنْهُم تجب التَّوْبَة وَالِاسْتِغْفَار مِنْهُ وَلَا يجوز أَن يبطل الْعَهْد مِنْهُ إِلَى من عهد إِلَيْهِ وَإِن كَانَ مِمَّن يصلح أَن يبتدىء العقد على غَيره لأجل هَذِه التُّهْمَة وعَلى أَن هَذَا الْمَعْنى قَائِم فِي الْعَاقِد كوجوده فِي العاهد فَيجب أَيْضا أَن يبطل عقد الْعَاقِد لغيره لِأَنَّهُ قد يجوز أَن يعقل لمن يمِيل إِلَى نظره ويؤثر ولَايَته ويرجو الِاعْتِدَاد وَالِانْتِفَاع بِهِ مَعَ الْعلم بِأَنَّهُ غير مقصر فِي هَذَا الشَّأْن فَلَمَّا لم يجز إبِْطَال العقد بِهَذِهِ التُّهْمَة لم يجز إبِْطَال الْعَهْد فَصحت بِهَذِهِ الْجُمْلَة إِمَامَة عمر ﵁ وَأَنه بِصفة من يصلح الْعَهْد إِلَيْهِ وَابْتِدَاء العقد لَهُ وَكَانَ الْعَاقِد لَهُ إِمَامًا عدلا رضى بِصفة من لَهُ أَن يعْهَد إِلَى غَيره بَاب الْكَلَام فِي إِمَامَة عُثْمَان ﵁ وَصِحَّة فعل عمر فِي الشورى إِن سَأَلَ سَائل فَقَالَ مَا الدَّلِيل على إِثْبَات إِمَامَة عُثْمَان ﵁ قيل لَهُ الدَّلِيل على ذَلِك أَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عقدهَا لَهُ بِمحضر من أهل الشورى سوى طَلْحَة وَأَن طَلْحَة بَايعه لما قدم وَعلم ضَرُورَة من حَاله رِضَاهُ بإمامته وَأَن عُثْمَان فِي فَضله وسابقته وقرابته وجهاده بِنَفسِهِ وَمَاله وَمَا هُوَ بسبيله من الْإِحَاطَة بِحِفْظ الْقُرْآن وَمَعْرِفَة الإحكام والحلال وَالْحرَام وَقد كملت لَهُ الْخلال الَّتِي يصلح مَعهَا التَّقَدُّم لإمامة الْمُسلمين هَذَا مَعَ مَا قد عرف من كَثْرَة مناقبه وَفضل جهاده وإنعامه وَأَنه مجهز جَيش الْعسرَة ومشتري بِئْر رومة وموسع مَسْجِد النَّبِي ﷺ من مَاله

стр. 484

وَكَونه من الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين وتزويج النَّبِي ﷺ ابْنَتَيْهِ مِنْهُ وَقَوله (لَو كَانَت لنا ثَالِثَة لزوجناك) وَقَوله فِي خبر آخر (لَو أمدنا الله بالبنات لأمددناك بالأزواج) وَقَوله (عُثْمَان أخي ورفيقي فِي الْجنَّة) وَقَوله لما ستر رُكْبَتَيْهِ عِنْد دُخُول عُثْمَان عَلَيْهِ (أَلا أستحي مِمَّن تَسْتَحي مِنْهُ الْمَلَائِكَة) وَقَوله فِيهِ وَفِي عَليّ لما أَتَيَاهُ فِي شَيْء حمل إِلَى النَّبِي ﷺ بعد أَن طرح عَليّ جُبَّة شعر (هَكَذَا تدخلان الْجنَّة وَلَا يحبكما إِلَّا مُؤمن وَلَا يبغضكما إِلَّا مُنَافِق) وَحكمه لَهُ بِأَنَّهُ يقتل شَهِيدا وَأمره إِيَّاه بألا يخلع ثوبا كَسَاه الله إِيَّاه فِي أَخْبَار كَثِيرَة يطول تعدادها مَعَ تَسْبِيح الْحَصَى فِي يَده وَقَوله (اسكن حراء فَمَا عَلَيْك إِلَّا نَبِي وصديق وشهيد) وَفِي بعض الْأَخْبَار شهيدان فَوَجَبَ بذلك أجمع أَن يكون

стр. 485

بِصفة من يصلح لهَذَا الشَّأْن فَإِن قَالُوا فَمَا الدَّلِيل على أَن لعمر أَن يَجْعَلهَا شُورَى فِي نفر من الْمُسلمين قيل لَهُم لَيْسَ الْكَلَام فِي تَصْحِيح الشورى مِمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي إِثْبَات إِمَامَة عُثْمَان لِأَن السِّتَّة الَّذين هم أَهلهَا كَانُوا أفضل الْأمة وأحق النَّاس بِهَذَا الْأَمر وبالنظر فِيهِ فَلَو أَنهم اجْتَمعُوا بِأَنْفسِهِم ونظروا فِي أَمر إمامتهم وَعقد عبد الرَّحْمَن أَو غَيره لوَاحِد مِنْهُم لتمت بيعَته وَلزِمَ الإنقياد لَهُ فَلَو اعترفنا بغلط عمر فِي جعله شُورَى فيهم لم يضر ذَلِك بِصِحَّة عقد عبد الرَّحْمَن بن عَوْف لعُثْمَان ﵄ غير أَن الْبَرَاهِين الْوَاضِحَة ودلت على صَوَابه وتسديد رَأْيه وَشدَّة احتياطه للْأمة لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ أَن يعْهَد إِلَى وَاحِد مِنْهُم فَلَمَّا ترجح الْأَمر فِي نَفسه وأشكل عَلَيْهِ وَلم يرد صَلَاح الْأمة على أَيهمْ يكون أَكثر وَخَافَ هرجا وَفَسَادًا بعهده وَعلم أَنهم أفاضل الْأمة وبلغه أَن قوما يَخُوضُونَ فِي أَمر الْإِمَامَة يُرِيدُونَ إخْرَاجهَا عَن جَمِيع السِّتَّة وَأخْبرهُ بذلك عبد الرَّحْمَن وَغَيره فَقَامَ فِي النَّاس خَطِيبًا بفضلهم وَأخْبرهمْ أَن الْأَمر لَا يعدوهم وَأَنه فيهم فَقَالَ لَهُم فِي خطبَته الْمَشْهُورَة أَلا وَأَنِّي رَأَيْت كَأَن ديكا نقرني نقرة أَو نقرتين وَمَا أَظن ذَلِك إِلَّا اقتراب أَجلي أَلا وَإِنِّي جعلت الْأَمر شُورَى فِي هَؤُلَاءِ السِّتَّة الرَّهْط الَّذين توفّي رَسُول الله ﷺ وَهُوَ عَنْهُم رَاض وَقد بَلغنِي أَن قوما يَقُولُونَ لَئِن مَاتَ عمر لنولين فلَانا أُولَئِكَ أَعدَاء الله الضلال الْجُهَّال وَالله لقد جالدتهم بيَدي هَذِه على الْإِسْلَام

стр. 486

وَهَذَا غَايَة مَا يكون من الإحتياط للْأمة وحسم مَادَّة الْفِتْنَة وإطماع من طمع فِي هَذَا الْأَمر من غير أَهله وتنبيهه للْمُسلمين على فضل فاضلهم والتوقيف على مراشدهم ومصالحهم وَقد كَانُوا قَالُوا لعمر أَلا تعهد فَقَالَ إِن أَعهد فقد عهد من هُوَ خير مني يَعْنِي أَبَا بكر وَإِن أترك فقد ترك من هُوَ خير مني يَعْنِي رَسُول الله ﷺ وَذكر لَهُ عبد الله ابْنه لأجل فَضله وَعلمه ونسكه وَكَثْرَة الرِّضَا بِمثلِهِ فَقَالَ لم أكن بِالَّذِي أتحملها حَيا وَمَيتًا وَقَالَ يَكْفِي آل الْخطاب أَن يسْأَل مِنْهُم رجل وَاحِد وَقَالَ أما إِنَّه لَو حضرني سَالم مولى أبي حُذَيْفَة لرأيت أَنِّي قد أصبت الرَّأْي وَمَا تداخلني فِيهِ الشكوك وَفِي خبر آخر أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح أَو سَالم يُرِيد مُشَاورَة سَالم وَأخذ رَأْيه دون العقد لَهُ لِأَنَّهُ أحد

стр. 487

المحتجين على الْأَنْصَار بقول النَّبِي ﷺ (الْأَئِمَّة من قُرَيْش) وَهَذَا مَا لَا مطلب وَرَاءه من الِاحْتِيَاط وَلَا احْتِيَاط بعده وَيَا لَيْت شعري مَا الَّذِي حظر على عمر جعلهَا شُورَى وإخبار الْمُسلمين أَنهم أفضل الْأمة وَأَن الْإِمَامَة لَا تعدوهم وَقد أجمع الْمُسلمُونَ على مَا ذكر هَذَا مَعَ خَوفه مِمَّا أنهِي إِلَيْهِ من طمع من لَيْسَ من أهل هَذَا الْأَمر ثمَّ مَنعهم من أَن يُصَلِّي بِالنَّاسِ وَاحِد مِنْهُم خوفًا من أَن يظنّ أَو يقدر أَنه كالنص عَلَيْهِ وَأَن رَأْيه فِيهِ وَأَن يصير ذَلِك حجَّة لمن اعْتقد مِنْهُم تَعْظِيم نَفسه وَأَنه أولى بِالْأَمر مِنْهُم أَو لِأَن لَا يكرههُ كَارِه أَو ينفر عِنْد تقدمه نافر فتهيج فتْنَة تعود بتفريق الْكَلِمَات وشتات الرَّأْي وَخُرُوج الْأَمر عَن نصابه وَقدم لَهُم من لَا يَشكونَ فِي أَمَانَته وصلاحه وَهُوَ صُهَيْب فصلى بهم أَيَّام مشورتهم حَتَّى قَالَ شَاعِرهمْ (صلى صُهَيْب ثَلَاثًا ثمَّ أرسلها ... على ابْن عَفَّان ملكا غير مقسور) وَقَالَ لَا تنتظروا طَلْحَة أَكثر من ثَلَاثَة أَيَّام فَإِن قدم وَإِلَّا فأنفذوا أَمركُم وَقَالَ لَهُم فَإِن انقسم الْقَوْم شطرين فكونوا فِي حيّز عبد

стр. 488

الرَّحْمَن بن عَوْف لعلمه بأمانته وثقته وَأَنه مرضِي عِنْد الكافة وأزهدهم فِي هَذَا الْأَمر على أَن هَذِه الرِّوَايَة شَاذَّة غير مَعْلُومَة وَلم يكن يبعد إِذا اعْتقد هَذَا أجمع فِي عبد الرَّحْمَن أَن ينص عَلَيْهِ أَو يعْهَد إِلَيْهِ وَظَاهر الْفِعْل الْمُتَّفق عَلَيْهِ يدل على اعتدالهم فِي نَفسه وتقاربهم فِي الْمنزلَة وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من صَلَاح الْأمة وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك وَكَانَ عمر بِمَا قدمْنَاهُ إِمَامًا عدلا مرضيا وَقد خَالف من الْأَمر مَا وَصفه وَعلم احتياطه وَجب أَن يكون جعله لَهَا شُورَى إِحْدَى فضائله ومناقبه ومضافا إِلَى مَا سلف من إنعام نظره للْمُسلمين ونصحه إيَّاهُم فَإِن قَالُوا كَيفَ يجوز أَنه يكون قَاصِدا للْمصْلحَة وَحسن النّظر للْأمة بِهَذَا القَوْل مَعَ مَا رُوِيَ عَنهُ من ذمَّة لجَمِيع أهل الشورى وَوَصفه لَهُم بِأَنَّهُم لَا يقومُونَ بِالْإِمَامَةِ وَلَا يصلحون لَهَا نَحْو مَا رُوِيَ عَنهُ أَنه أَمر بهم يَوْمًا وهم مجتمعون فَأقبل عَلَيْهِم وَقَالَ لَهُم أكلكم يطْمع فِي هَذَا الْأَمر أما قَول وَأَن طَلْحَة قَالَ لَهُ إِن رَأَيْت أَن تكف عَنَّا القَوْل فافعل فَإنَّك لَا تَقول خيرا وَأَن الزبير قَالَ لَهُ قل وَمَا عساك أَن تَقول فَقَالَ لطلْحَة مَا أَنْت فَمَا أعرفك مُنْذُ أَن شلت يَمِينك مَعَ رَسُول الله ﷺ من البأو وَالْكبر الَّذِي أحدثته وَلَقَد مَاتَ رَسُول الله ﷺ وَهُوَ عَلَيْك غَضْبَان لما قلت مَا قلت حَتَّى نزلت آيه الْحجاب ثمَّ قَالَ للزبير وَأما أَنْت فَإنَّك مُؤمن الرِّضَا كَافِر الْغَضَب يَوْمًا شَيْطَان وَيَوْما إِنْسَان فَمن للْمُسلمين يَوْم تكون شَيْطَانا وَأَقْبل على عُثْمَان فَقَالَ لَهُ أما أَنْت فوَاللَّه لَئِن وليت هَذَا الْأَمر لتحملن بني أبي معيط على رِقَاب النَّاس وليأكلن مَال الله ولتسيرن الْعَرَب إِلَيْك ولتقتلنك وَالله لَئِن فعلت ليفعلن ثمَّ أَخذ لحيته فهزها ثمَّ قَالَ اذْكُرْنِي إِذا كَانَ ذَلِك يَا ابْن عَفَّان ثمَّ أقبل على عَليّ فَقَالَ لَهُ وَأما أَنْت يَا عَليّ فلئن وليتهم لتحملنهم على المحجة الْبَيْضَاء وَالطَّرِيق الْمُسْتَقيم وَمَا يقعدك عَن هَذَا إِلَّا دعابة فِيك وَأَنَّك

стр. 489

كثير البطالة ثمَّ قَالَ لسعد وَأما أَنْت فَصَاحب قنص وقوس وسهام وَلست بِصَاحِب الجسيم من أَمرهم ثمَّ أقبل على عبد الرَّحْمَن فَقَالَ لَهُ وَأما أَنْت فَلَو وزن إيمانك بِنصْف إِيمَان الْمُؤمنِينَ لوفى عَلَيْهِ إِلَّا أَنه يقعدك عَن هَذَا الْأَمر الْعَجز وَمَا زهرَة وَهَذَا الْأَمر وَقَوله فِي خبر آخر فِي رِوَايَة ابْن عَبَّاس عَنهُ أَنه قَالَ لَهُ لما دخل عَلَيْهِ فَوَجَدَهُ على سَرِير مرمول قلقا متململا فَسلم عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ وَالله لقد فرحت بدخولك عَليّ لقرابتك وَفضل رَأْيك وَلَقَد أرقت ليلِي وقلقت يومي فِي أَمر الْأمة وَمَا أَدْرِي مَا أصنع بِأَمْر الْمُؤمنِينَ فَقلت لَهُ وَلم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَهَذَا الْأَمر إِلَيْك وَمَا هَذَا نَحوه فَقَالَ لي فأشر وَقل مَا عنْدك قَالَ فَقلت إِن بدأت بعلي فَيَقُول جَاءَنَا بِابْن عَمه قَالَ فَقلت عُثْمَان فصاح وَقَالَ وَالله وَالله لَئِن فعلت ليحملن بني أُميَّة على رِقَاب النَّاس ولصارت الْعَرَب إِلَيْهِ فَقتلته قَالَ فَقلت طَلْحَة فَقَالَ إِنَّه كثمر البأو وَلَا يمر الذُّبَاب على أَنفه وَمَا كنت بِالَّذِي أجمع على الْمُسلمين بَين كبره أَو تيهه وإمرته قَالَ فَقلت الزبير قَالَ فَقَالَ ذَلِك ضرس شرس لَو ولي هَذَا الْأَمر لألفي بالبطحاء يلاطم على مد شعير أَو صَاع من تمر وَفِي بعض الْأَخْبَار أَو قَعْب من لبن قَالَ فَقلت سعد قَالَ فَقَالَ فِيهِ مثل مَا قَالَ فِي الْخَبَر الأول قلت فعبد الرَّحْمَن فَقَالَ فِيهِ مثل مقَالَته الَّتِي قدمناها فَقلت فعلي فَقَالَ إِنَّه وَإنَّهُ يقرظه لَوْلَا دعابة فِيهِ وَفِي خبر آخر لَوْلَا أَنه كثير البطالة فِي أَمْثَال لهَذِهِ الْأَقَاوِيل رويت عَنهُ فيهم فيكف يكون مَعَ هَذَا الرَّأْي مصيبا فِي ردهَا إِلَيْهِم يُقَال لَهُم لَيْسَ من شَأْن أهل الْعلم وَمن أَرَادَ الله ببحثه وفحصه أَن يتْرك الظَّاهِر الْمَعْلُوم من حَال الصَّحَابَة مِمَّا يُوجب إعظام بَعضهم بَعْضًا إِلَى القَوْل بِمَجْهُول من أَمرهم والمصير إِلَى رِوَايَات شَاذَّة فِي ذمّ بَعضهم بَعْضًا وَلَا سِيمَا إِذا عارضها مَا هُوَ أقوى مِنْهَا وَأثبت فَهَذِهِ الْأَخْبَار أَكْثَرهَا كذب مَوْضُوع لَا محَالة وَإِن جَازَ أَن تكون اللَّفْظَة واللفظتان مِنْهَا صَحِيحَة لأَنا علمنَا ضَرُورَة من حَال عمر أَنه عظمهم وقرظهم وَأَنه جعل الْأَمر فيهم وَأمر الْأمة بالانقياد وَأخْبر أَنهم أفضل من بَقِي وَهَذَا الثَّابِت الْمَعْلُوم لَا يردهُ ظَاهر هَذِه الرِّوَايَات والأقاويل الَّتِي رويتموها

стр. 490

فَوَجَبَ دَفعهَا واطراحها وَكَيف يجوز أَن يظنّ بعمر فِي فَضله وتيقظه وصرامته وثاقب رَأْيه وَعلمه بمواقع الْخطاب وأحوال الْكَلَام وموارد الْأُمُور ومصادرها أَن يُنَاقض بِمثل هَذِه المناقضات فِي كَلَامه وَهُوَ من أعلمهم بضبط الصَّحَابَة وتحصيلهم واستدراكهم للدقيق اللَّطِيف فضلا عَن المناقضة الظَّاهِرَة وَإِن كَانَ قَاصِدا بِهَذَا الْكَلَام الْقدح فِي فَضلهمْ وَكَيف لم يعرف أَن الْقَوْم يعلمُونَ بِأَن الْكثير البطالة والدعابة لَا يحمل النَّاس على المحجة الْبَيْضَاء وَالطَّرِيق الْمُسْتَقيم وَأَن حملهمْ على هَذَا الْمِنْهَاج ضد البطالة والدعابة وتقيضها فَلَو لم نعلم ضَرُورَة بالروايات الْمُعَارضَة لهَذِهِ الْأَخْبَار الْوَارِدَة عَنهُ فِي تقريظهم وتعظيمهم لوَجَبَ أَن ينفى عَنهُ مثل هَذِه المناقضات فَكيف وَالْأَمر بِخِلَاف ذَلِك وَكَيف يجوز أَن يقبل مثل هَذَا فِي طَلْحَة مَعَ مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ من تفضيله لَهُ وَقَوله هَذَا يَوْم كُله لطلْحَة وَلَوْلَا أَنه قَالَ حس لطار مَعَ الْمَلَائِكَة وَقَوله للصحابة وَقد أَحدقُوا بِهِ لأخذ درعه وَحط السِّلَاح عَنهُ عَلَيْكُم بطلحة فِي أَمْثَال لهَذِهِ الْأَخْبَار مَعْلُومَة ثَابِتَة وَيكون قَاصِدا بقوله للزبير مَا قَالَه للتحذير لَهُ من التشدد والمضايقة وَلم بِصفة بالبخل فِي نَفسه لِأَن الْإِنْسَان قد يكون أسخى من الرّيح الهبوب مَعَ تشدده ومضايقته فِي الْمُعَامَلَة وعَلى أَنه لم يقل فِيهِ إِنَّه قد فعل ذَلِك أَو يَفْعَله وَإِنَّمَا قَالَ لألفي فَاعِلا على مَذْهَب التحذير وعَلى ذَلِك تَأْوِيل قَوْله إِنَّه ضرس شرس وَأما قَوْله يَوْمًا شَيْطَان وَيَوْما إِنْسَان وَإنَّهُ مُؤمن الرِّضَا كَافِر الْغَضَب فَإِنَّهُ أَيْضا يصف فِيهِ لين أخلاقه تَارَة وَحسن رضَا أَو شدَّة غَضَبه تَارَة وتعسفه والتحذير لَهُ من ذَلِك إِن ولى الْأَمر وَكَذَلِكَ قَوْله فِي سعد إِنَّه صَاحب قنص وقوس وسهام وَإنَّهُ صَاحب مقنب من مقانبهم وَلَيْسَ بِصَاحِب الجسيم من أَمرهم إِنَّه خرج مخرج التحذير لَهُ من أَن يكون بِهَذِهِ الصّفة إِن ولي الْأَمر وَالدُّعَاء لَهُ إِلَى ترك الِاشْتِغَال

стр. 491

بذلك أَحْيَانًا والانتصاب إِلَى النّظر فِي مصَالح الْأمة وَكَيف يكون هَذَا الْخَبَر صَحِيحا وَهُوَ يستكفيه ويؤمره على الأقاليم وَيَقُول عِنْد مَوته أوصِي الْخَلِيفَة من بعدِي أَن يولي سَعْدا فَإِنِّي لم أصرفه عَن خِيَانَة وَلَا موجدة وَكَذَلِكَ قَوْله فِي عَليّ وَأَنه لكثير البطالة والدعابة لَو صحت هَذِه الرِّوَايَة أَيْضا إِنَّمَا المُرَاد بِهِ النَّهْي والتحذير وَالدُّعَاء إِلَى ترك المزح فِي بعض الْأَوْقَات وَهَذَا كُله لَا يُوجب الْفُجُور وَإِسْقَاط الْعَدَالَة وَإِخْرَاج من لَهُ هَذِه الْأَوْصَاف أَو شَيْء مِنْهَا عَن اسْتِحْقَاق الْإِمَامَة وَأما قَوْله فِي عبد الرَّحْمَن وَمَا زهرَة وَهَذَا الْأَمر إِنَّمَا هُوَ على مَذْهَب التحذير من الْعَجز إِن صَحَّ وَلَقَد ظهر من صرامة عبد الرَّحْمَن وشدته وَجمع الْقَوْم للنَّظَر فِي هَذَا الْأَمر مَعَه شاكا سلاحه مَا يدل على نفي الْعَجز عَنهُ وَبعده مِنْهُ وَهَذَا مَعَ اجْتِمَاع الْقَوْم على الرِّضَا بِهِ والاعتماد على رَأْيه وَمَعَ مَا علم من زهده فِيهِ وإخراجه نَفسه عَنهُ مَعَ صَلَاحه لَهُ وتمكنه من الْقيام بِهِ فَمن ظن أَن عمر أَرَادَ غير مَا ذَكرْنَاهُ إِن صَحَّ الحَدِيث فقد ظن بَعيدا وَمن قدر أَنا نَتْرُك الظَّاهِر الْمَعْلُوم من إعظام عمر لَهُم وَحسن ثنائه عَلَيْهِم إِلَى هَذِه الرِّوَايَات فقد ظن عَجزا وتفريطا عَظِيما واعتقد شططا بَاب ذكر الدّلَالَة على صِحَة عقد عبد الرَّحْمَن لعُثْمَان بن عَفَّان ﵄ فَإِن قَالَ قَائِل مَا الدَّلِيل على صِحَة عقد عبد الرَّحْمَن لعُثْمَان قيل لَهُ الدَّلِيل على ذَلِك أَنهم تشاوروا ليَالِي وأياما ونظروا فِي أَمرهم وَرَضوا بِعَبْد الرَّحْمَن أَمينا ومشيرا فِي هَذَا الْبَاب وَعلمنَا ضَرُورَة أَنه عقد لعُثْمَان وَأَن البَاقِينَ

стр. 492

مِنْهُم وَمن سَائِر الْأمة انقادوا لعُثْمَان وخاطبوه بأمير الْمُؤمنِينَ وَعُثْمَان بِصفة من يصلح العقد لَهُ والعهد إِلَيْهِ وَعبد الرَّحْمَن فِي فَضله ونبله وسابقته وَعلمه وَمَا لَا حَاجَة لنا إِلَى الإطالة فِي ذكره من فضائله مِمَّن يصلح لعقد هَذَا الْأَمر بل هُوَ من جلة أهل الْحل وَالْعقد وَقد ظهر من تبرئه مِنْهَا وزهده فِيهَا مَعَ كَونه مرضيا عِنْدهم وَعند سَائِر الْأمة مَا يدل على قُوَّة إيمَانه وَشدَّة خَوفه وحذره وعظيم مناصحته للْأمة فَهُوَ أبعد النَّاس من التُّهْمَة فِي هَذَا الْبَاب وأشدهم إيثارا وتوخيا لأَدَاء الْأَمَانَة وَحسن النّظر للْأمة هَذَا مَعْلُوم من حَاله وَفعله وَمَا بعد ذَلِك من الرِّوَايَات الَّتِي لَا تلِيق بِمَا وصفناه ملغاة مطرحة فَإِن قَالُوا أفليس قد رُوِيَ أَن عليا قَالَ لعبد الرَّحْمَن لما عقد لعُثْمَان أغدر هَذَا يَا عبد الرَّحْمَن وَأنكر مَا كَانَ مِنْهُ قيل لَهُم هَذَا من الوساوس وَحَدِيث النَّفس لِأَن الْمَعْلُوم الَّذِي لَا شكّ فِيهِ مبايعة عَليّ لعُثْمَان وتصرفه مَعَه وإقامته الْحُدُود بَين يَدَيْهِ حَتَّى قَالَ كثير من الشِّيعَة إِنَّهُم جهلوا الْحَد فَقَامَ يعلمهُمْ وَقَالَ آخَرُونَ إِنَّه كَانَ فِي تقية مِنْهُم وَهَذَا كُله بَاطِل لَا سَبِيل إِلَى علمه فَلَا يجوز ترك هَذَا الظَّاهِر بِمثل هَذِه الرِّوَايَات هَذَا لَو لم يعارضها من رِوَايَة أهل الثبت والثقات مَا يُطَابق الظَّاهِر من فعل عَليّ وانقياده فَكيف وَقد ورد ذَلِك بِمَا لَا قبل لأحد بِدَفْعِهِ وَذَلِكَ أَن الصَّحِيح فِي هَذَا مَا رُوِيَ أَن عليا ﵇ قَالَ لعبد الرَّحْمَن بن عَوْف بعد أَن عرض عَلَيْهِ الْبيعَة على شَرط مَا رُوِيَ عَنهُ أَنه شَرطه فأباه عَليّ وَالْتَزَمَهُ عُثْمَان فَقَالَ لَهُ عَليّ ﵇ بَايع أَخَاك فقد أعْطى الرِّضَا من نَفسه واستخر بِاللَّه واصفق على يَده وَهَذَا أشبه بقول عَليّ وَفعله وَكَذَلِكَ إِن قَالُوا أفليس قد رُوِيَ أَن عليا ﵇ كَانَ يَقُول أَيَّام الشورى نشدتكم بِاللَّه هَل فِيكُم من قَالَ فِيهِ النَّبِي ﷺ (من كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ) مناديا بذلك ورافعا صَوته غَيْرِي فَكيف يكون رَاضِيا بِمَا صنعوه قيل لَهُم إِن هَذِه الرِّوَايَة من جنس روايتكم أَنه تَأَخّر عَن بيعَة أبي بكر وَأَن عمر رفض فَاطِمَة وَأَنَّهَا سَقَطت وَأَنَّهُمْ أحضروا عليا إِلَى

стр. 493

الْبيعَة فِي حَبل أسود يسحبه عمر فِي أَمْثَال هَذِه الرِّوَايَات وَلَيْسَ يجب ترك الظَّاهِر الْمَعْلُوم من حَال عَليّ وَسَائِر الصَّحَابَة لأجل هَذِه الرِّوَايَة الْمَرْدُودَة وَكَيف يكون ذَلِك صَحِيحا مَعَ مَا رُوِيَ عَنهُ من قَوْله بَايع أَخَاك فقد أَعْطَاك الرِّضَا من نَفسه وَمَعَ قَوْله الظَّاهِر بِالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَة وَالشَّام وَالله مَا قتلت عُثْمَان وَلَا مالأت على قَتله وَقَوله اللَّهُمَّ الْعَن قتلة عُثْمَان فِي الْبر وَالْبَحْر وَقَوله لَو رضيت مني بَنو أُميَّة أَن أَحْلف لَهَا عِنْد الْحجر الْأسود أَنِّي مَا قتلت عُثْمَان لحلفت فِي أَمْثَال هَذِه الْأَخْبَار وَلَو كَانَ مَا رويتموه من احتجاجه على أهل الشورى بقوله من كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ صَحِيحا وَكَانَ يرى أَن هَذَا القَوْل من النَّبِي ﷺ نَص عَلَيْهِ لوَجَبَ أَن يكون عَالما بِأَن عُثْمَان بَاغ مُسْتَحقّ الْقَتْل وَلم يجز أَن يلعن قَتله إِذا كَانَ بَاغِيا مُسْتَحقّا للْقَتْل وَهَذَا مِمَّا لَا يُمكن أَن يعْتَقد فِي مثله مَعَ فَضله ونبله وَعلمه وقرابته وسابقته وثاقب رَأْيه فَبَان بذلك سُقُوط مَا تعلقوا بِهِ وَإِن قَالُوا وَكَيف يكون عقد عبد الرَّحْمَن لعُثْمَان صَحِيحا وَقد عقد لَهُ على شَرط تَقْلِيده فِي الْأَحْكَام لأبي بكر وَعمر وَمَا رُوِيَ عَنهُ من أَنه قَالَ لعَلي نُبَايِع لَك ونعقد لَك هَذَا الْأَمر على أَن تحكم بِكِتَاب الله وَسنة نبيه وَسنة الشَّيْخَيْنِ من بعده وَأَن عليا قَالَ لَيْسَ مثلي من استظهر عَلَيْهِ وَلَكِن أجتهد رَأْيِي وَأَنه عرض ذَلِك على عُثْمَان فَرضِي بِالشّرطِ وَضَمنَهُ وَعقد لَهُ عَلَيْهِ وَقد اتفقنا على أَن التَّقْلِيد من الْعَالم لغيره حرَام فِي الدّين يُقَال لَهُم هَذَا الْخَبَر أَيْضا من أَخْبَار الْآحَاد وَلَيْسَ هُوَ مِمَّا يعلم صِحَّته ضَرُورَة وَلَا بِدَلِيل فَإِن كَانَ التَّقْلِيد حَرَامًا فَإِن الصَّحَابَة قد كَانَت أعلم بذلك وَأتقى لله من أَن

стр. 494

تدخل فِي الْحَرَام على غير إِنْكَار لَهُ وَكَانَ يجب على عَليّ ﵇ مَعَ امْتِنَاعه من قبُول الشَّرْط أَن يَقُول هَذَا حرَام فِي الدّين لَا يحل فعله وَلَيْسَ لنا أَن نطعن على الصَّحَابَة بِشَيْء نضيفه إِلَيْهِم لَا نجيزه علينا بروايات الْآحَاد فَسقط أَيْضا التَّعَلُّق بِهَذِهِ الرِّوَايَات وَيُمكن أَيْضا إِن كَانَت هَذِه الرِّوَايَة صَحِيحَة أَلا يكون عبد الرَّحْمَن أَرَادَ بِسنة الشَّيْخَيْنِ اتباعهما على التَّقْلِيد فِي الْأَحْكَام وَإِنَّمَا أَرَادَ السِّيرَة بِالْعَدْلِ والإنصاف وَألا يكون قَالَ ذَلِك أَيْضا على شكّ مِنْهُ فِي أَن عليا سيحكم بالإنصاف وَالْعدْل إِن صَار الْأَمر إِلَيْهِ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك على مَذْهَب التَّقْرِير لَهُ والتأكيد والتبرئة لَهُ ليَقَع الرِّضَا من الْجَمَاعَة وتزول الْفِتْنَة ويستميل بذلك قُلُوب السامعين لَهُ فَيكون عبد الرَّحْمَن مصيبا فِي اشْتِرَاطه وَتَقْرِيره وتأكيد الْأَمر وَيكون عَليّ مصيبا فِي الِامْتِنَاع مِنْهُ وَيكون عُثْمَان مصيبا أَيْضا فِي قبُول الِاشْتِرَاط لما علمه من أَن عبد الرَّحْمَن مَا قصد إِلَّا التَّأْكِيد والتقرير وَاشْتِرَاط السِّيرَة بِالْعَدْلِ وَيدل على ذَلِك ويؤكده علمنَا وَعلم سَائِر النَّاس أَن أَحْكَام أبي بكر وَعمر فِي كثير من الفقهيات مُخْتَلفَة كتوريث الْجد والمفاضلة فِي الْعَطاء من عمر وتسوية أبي بكر بَين النَّاس فِيهِ وَغير ذَلِك وَأَن عُثْمَان لَا يُمكنهُ وَلَا يجوز أَن يحكم بحكميهما الْمُخْتَلِفين فَدلَّ ذَلِك على أَنه إِنَّمَا أَرَادَ اشْتِرَاط السِّيرَة بِالْعَدْلِ والإنصاف وَقد يُمكن أَيْضا إِن كَانَت هَذِه الرِّوَايَة أَلا يكون عبد الرَّحْمَن اشْترط على عُثْمَان ترك التَّقْلِيد فِي الْأَحْكَام لِأَن سيرة أبي بكر وَعمر ترك التَّقْلِيد فيهمَا وَالنَّهْي عَن ذَلِك فَذَلِك لم يُقَلّد عمر أَبَا بكر بل خَالفه وَلَا قلد أَبُو بكر عمر فِي شَيْء من مسَائِل الْحَلَال وَالْحرَام وَقد علم أَن من سيرتهما اجْتِهَاد الإِمَام وَترك التَّقْلِيد لغيره فَكيف يَدعُوهُ عبد الرَّحْمَن إِلَى التَّقْلِيد وَترك الِاجْتِهَاد وَهَذَا وَهَذَا ضد سنتهما فَبَان أَنه لم يَدعه إِلَّا إِلَى مَا ذَكرْنَاهُ وَأَن عليا قدر فِيهِ أَنه دَعَاهُ إِلَى التَّقْلِيد فَأصَاب فِي امْتِنَاعه من قبُول الشَّرْط

стр. 495

وَقد قَالَ قوم من الْفُقَهَاء إِن تَقْلِيد الْعَالم للْعَالم وَالْحكم بالتقليد جَائِز سَائِغ فِي الدّين وَهِي مَسْأَلَة اجْتِهَاد أَعنِي تَقْلِيد الْعَالم للْعَالم فَلَعَلَّ عُثْمَان وَعبد الرَّحْمَن كَانَا يريان جَوَاز التَّقْلِيد وَالْحكم بِهِ وَعلي ﵇ لَا يرى ذَلِك فأصابا فِيمَا تعاقدا عَلَيْهِ وَأصَاب عَليّ فِي امْتِنَاعه من غير قدح فِي العقد لِأَنَّهُ لَا يحرم ذَلِك على من رَآهُ وَإِن وَجب عَلَيْهِ أَلا يَفْعَله لِأَنَّهُ لَيْسَ من رَأْيه واجتهاده فَبَان بذلك أجمع زَوَال مَا تعلقوا بِهِ فِي هَذَا الْفَصْل فَإِن قَالُوا كَيفَ يكون عقد عبد الرَّحْمَن صَحِيحا وَهُوَ قد أنكر على عُثْمَان ونقم كثيرا من أَفعاله وَقَالَ للصحابة لما قَالَ لَهُ بَعضهم هَذَا من عَمَلك حَيْثُ عقدت لهَذَا الظَّالِم الْجَبَّار فَقَالَ لَهُم مَا علمت وَإِذا شِئْتُم أخذت سَيفي على عَاتِقي وأخذتم أسيافكم وقتلنا هَذَا الطاغية وأزلناه عَن الْأَمر وَنَحْو ذَلِك يُقَال لَهُم هَذَا أَيْضا من الرِّوَايَات الْمُخْتَلفَة لِأَن الثَّابِت الْمَعْلُوم من حَال عبد الرَّحْمَن رِضَاهُ بِهِ واختياره لَهُ وَقَوله خَطِيبًا بذلك إِنِّي رَأَيْت النَّاس لَا يعدلُونَ بعثمان أحدا فوليته فِي نَظَائِر لهَذِهِ الرِّوَايَات مِمَّا يقتضى مُوالَاة عبد الرَّحْمَن لعُثْمَان فَلَا وَجه لترك ذَلِك والتعلق بالتعاليل والأباطيل على أَنه لَو صَحَّ عَن عبد الرَّحْمَن أَنه قَالَ إِنِّي خلعت عُثْمَان فَاقْتُلُوا هَذَا الطاغية أَو سِيرُوا لِخَلْعِهِ لم ينخلع عُثْمَان لهَذَا القَوْل من عبد الرَّحْمَن وَلَا من غَيره لِأَن الْإِمَامَة إِذا ثبتَتْ بِعقد صَحِيح مَأْذُون فِيهِ لم ينخلع صَاحبهَا بخلع الْعَاقِد لَهُ بعد ذَلِك وَلَا بخلع غَيره وَلَا بذم أحد لَهُ وَلَا ينخلع بالقرف وَلَا بالتأويل عَلَيْهِ وَإِنَّمَا ينخلع بالجلي الْمَعْلُوم من الْأَحْدَاث الثَّابِتَة الظَّاهِرَة فَيجب أَن نَنْظُر فِيمَا أنكرهُ عبد الرَّحْمَن بعد عقده وَمَا نقمه الْقَوْم عَلَيْهِ فَإِن كَانَ مَا يُوجب خلع الْولَايَة وَسُقُوط الطَّاعَة صرنا إِلَيْهِ وطالبناه بِمُوجبِه وَإِن كَانَ غَلطا فِي التَّأْوِيل وقرفا بِالْبَاطِلِ أضربنا عَنهُ وَلم نحفل بِهِ فَإِن لم تقنع الشِّيعَة وأبت إِلَّا إبِْطَال إِمَامَة عُثْمَان بِهَذَا التَّأْوِيل وَالرِّوَايَات
следующие страницы →