← Акыда

Акыда · id 6389

تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل

الباقلاني

Полный текст (536 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

رَوَاحَة وَعَمْرو بن الْعَاصِ وَلأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَعَمْرو بن حزم وَغير هَؤُلَاءِ من أمرائه وقضاته حَتَّى لم يذهب علمه على أحد من أهل الْعلم وَالْأَخْبَار وَالنَّص مِنْهُ على إِمَام على صفة مَا تدعيه الشِّيعَة من التَّصْرِيح والإظهار أعظم وأخطر من تَوْلِيَة الْأُمَرَاء والقضاة وتوفر الدَّوَاعِي على نقلة أَكثر وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك وَجب لَو كَانَ الْأَمر على مَا قَالُوهُ أَن يغلب نقل النَّص من الكافة على كِتْمَانه وَأَن يظْهر وينقله خلف عَن سلف إِلَى وقتنا هَذَا نقلا شَائِعا ذائعا يكون أول نقلته ووسطهم وَآخرهمْ سَوَاء فِي أَنهم جَمِيعًا حجَّة يجب الْعلم عِنْد

стр. 422

نقلهم وَلَو كَانَ ذَلِك كَذَلِك لوَجَبَ أَن يعلم ضَرُورَة صدق الشِّيعَة فِيمَا نَقله من النَّص وَألا يُوجد لَهُم مُخَالف من الْأمة يُوفي على عَددهمْ يُنكر النَّص ويجحد علمه كَمَا لم يُوجد فِيهَا من يُنكر فرض الصَّلَاة وَالصِّيَام وإمرة أُسَامَة بن زيد وَزيد بن حَارِثَة وَفِي الْعلم بِبُطْلَان هَذَا وَوُجُود أَنْفُسنَا غير مضطرة بِهِ وَلَا عَالِمَة بِهِ وَعلمنَا بِأَن جُمْهُور الْأمة والسواد الْأَعْظَم مِنْهَا يُنكر ذَلِك ويجحده وَيبرأ من الدَّائِن بِهِ ورأينا أَكثر الْقَائِلين بِفضل عَليّ ﵇ من الزيدية ومعتزلة البغاديين وَغَيرهم يُنكر النَّص عَلَيْهِ ويجحده مَعَ تفضيله عليا على غَيره وَزَوَال التُّهْمَة عَنهُ فِي بَابه أوضح دَلِيل على سُقُوط مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ وبطلانه فَإِن قَالُوا وَلم قُلْتُمْ إِن مَا هَذِه سَبيله من النَّقْل يُوجب علم الِاضْطِرَار قيل لَهُم قد بَينا ذَلِك فِيمَا قبل بِمَا يغنى عَن رده وَإِذا لم ينْقل خبر الشِّيعَة نقل مثله مِمَّا وَقع شَائِعا ذائعا فِي الأَصْل وَلَا وَجب الْعلم بِهِ كوجوب نظيرة مِمَّا يعم فَرْضه والبلوى بِهِ وَلَا اترفعت الشكوك والشبه فِيهِ كارتفاعها عَن نَظِيره وَمَا جرى مجْرَاه من تأمير النَّبِي ﷺ لمن أمره وَعقد الْقَضَاء لمن عقده بل مَا يَدعُونَهُ فَوق هَذَا الْبَاب وَلَا حصل علم ذَلِك لأكْثر الشِّيعَة والزيدية المفضلين لعَلي ﵇ على غَيره من الْأَئِمَّة والمختصين علما بفضائله ومناقبه والمبرئين من التُّهْمَة فِي بَابه عِنْد الْفَرِيقَيْنِ وَلَا وَجب علمنَا بِمَا قَالُوهُ ضَرُورَة وَلَا حصل أَيْضا علمه لمن لَيْسَ من أَهله مَعَ بَحثه عَنهُ مِمَّن يُخَالف الْأمة كحصول علم الْيَهُود وَالنَّصَارَى بِمِقْدَار فرض صلواتنا وصيامنا عِنْد تلقيهم لنا وسماعهم لأخبارنا وَجب الْقَضَاء على إبِْطَال خبرهم عَن النَّص بِأَكْثَرَ الْأَدِلَّة

стр. 423

الدَّالَّة على فَسَاد الْأَخْبَار وَهَذَا بَين لمن نصح نَفسه وَإِن كَانَ الرَّسُول ﷺ إِنَّمَا نَص عَلَيْهِ النَّص الَّذِي يَدعُونَهُ بِمحضر من الْوَاحِد والاثنين وَمن يجوز الْكَذِب والسهو عَلَيْهِ وَلم يذع ذَلِك ويشعه فَلَا سَبِيل إِذا لنا إِلَى الْعلم وَالْقطع على أَن النَّبِي ﷺ نَص على رجل بِعَيْنِه وألزم فرض طَاعَته دون غَيره إِذْ كَانَ إِنَّمَا نقل ذَلِك فِي الأَصْل عَن الرَّسُول ﷺ من لَا يجب الْعلم بصدقه وَمن يجوز دُخُول الْغَلَط والسهو عَلَيْهِ وَكُنَّا نَحن وَأَنْتُم قد اتفقنا على أَن أَخْبَار الْآحَاد لَا توجب علم الِاضْطِرَار وَإِن كَانَ الآخذون عَنْهُم مِمَّن عَددهمْ كعدد الْقطر والرمل فَلم يقارن أَيْضا خبر ذَلِك الْوَاحِد عَن النَّبِي ﷺ مَا يدل على صدقه بِأَن يخبر الله تَعَالَى عَن ذَلِك الْوَاحِد فِي نَص كِتَابه أَنه لَا يكذب فِي شَيْء من أخباره أَو يخبر بذلك الرَّسُول ﷺ من أمره أَو تجمع الْأمة على تلقي خَبره بِالْقبُولِ والمصير إِلَى الْعلم بِمُوجبِه وَالْقطع عَلَيْهِ وَلَا كَانَت الْعُقُول دَالَّة على وجوب النَّص من الله وَرَسُوله على ذَلِك الرجل بِعَيْنِه ومقتضية لصدق المخبرين عَن النَّص عَلَيْهِ وَلَا ادّعى ذَلِك الْوَاحِد والآحاد على سَائِر الْأمة أَو على من لَا يجوز عَلَيْهِ فِيهَا الْكَذِب والافتعال والإمساك عَن إِنْكَار كذب يدعى عَلَيْهِم أَنهم حَضَرُوا نَص النَّبِي ﷺ على من ادعِي النَّص عَلَيْهِ وسمعوه كَمَا سَمعه فَإِذا قد عري خبر الْوَاحِد عَن النَّص عَن كل شَيْء يدل على صدق أَخْبَار الْآحَاد فَوَجَبَ أَلا نقطع بذلك وَلَا نصير إِلَى علمه بِخَبَر الْوَاحِد وعَلى أَنه لَو كَانَ النَّص قد رَوَاهُ وَاحِد وآحاد عَن النَّبِي ﷺ فِي صدر الْأمة وَادّعى مَعَ روايتهم حضورهم لَهُ وسماعهم فَالْوَاجِب أَن يَقع لنا الْعلم ضَرُورَة بِأَن هَذَا الْأَمر الخطير والشأن الْعَظِيم قد ادَّعَاهُ وَرَوَاهُ راو فِي صدر الْإِسْلَام وَأَنه قد اسْتشْهد عَلَيْهِ وأيده بِدَعْوَاهُ حُضُور الْقَوْم لَهُ وسماعهم إِيَّاه لِأَن توفر الدَّوَاعِي على نقل ذَلِك لَو كَانَ صَحِيحا أَشد من توفرها على نقل خلاف الْأَنْصَار فِي الْإِمَامَة وَقَول قَائِلهَا أَنا جذيلها المحكك وعذيقها

стр. 424

المرجب وَنقل رِوَايَة من روى قَول النَّبِي ﷺ (الْأَئِمَّة من قُرَيْش) وَأَن مُحَمَّدًا ﷺ رأى ربه بعيني رَأسه

стр. 425

وَخلاف من خَالف فِيهِ إِلَى نَظَائِر ذَلِك مِمَّا رَوَاهُ وَقَالَهُ الْآحَاد وَظهر واشتهر ظُهُور مثله على مَا جرت الْعَادة بِمثل رِوَايَة الْآحَاد فِي الصَّدْر الأول للنَّص من النَّبِي ﷺ على إِمَام بِعَيْنِه لَا بُد أَن تتلقاه الْأَئِمَّة بِالْقبُولِ أَو برده بأسرها أَو يُنكره بَعْضهَا ويصححه الْآخرُونَ مِنْهَا وَيَقَع التشاجر بَينهم فِي ذَلِك لِأَنَّهُ لَيْسَ يجوز إغفاله وَقلة الإحفال بِهِ وَترك الْبَحْث والتأمل لروايته وَحَال رَاوِيه بل كَانَ يجب أَن نعلم ضَرُورَة أَن هَذَا قد ادعِي فِي صدر الْإِسْلَام وَاسْتدلَّ عَلَيْهِ بِبَعْض الِاحْتِجَاج وَكَيف جرى أَمر الْأمة فِي قبُوله أَو رده أَو الِاخْتِلَاف فِيهِ وَألا يرد ذَلِك ورودا خَاصّا تفتعله الشِّيعَة بَينهم وتضيفه إِلَى عمار والمقداد وَغَيرهم من أَصْحَابه ويمنون أنفسهم الأباطيل فِيهِ بل يجب أَن تعلمه الْعَذْرَاء فِي خدرها من الْمُسلمين وَمن لَيْسَ من أهل الْإِسْلَام أَيْضا من أهل السّير وكل ذَلِك يدل على بطلَان دَعْوَى من ادّعى مِنْهُم أَن النَّص نَقله وَاحِد وآحاد فِي الأَصْل فَإِن قَالَ مِنْهُم قَائِل فاجعلوا خبر الشِّيعَة عَن النَّص بِمَنْزِلَة أَخْبَار الْآحَاد الَّتِي تَعْمَلُونَ بهَا فِي الشَّرِيعَة وَإِن لم تقطعوا على صِحَّتهَا وَخبر الشِّيعَة عَن

стр. 426

النَّص فِيهِ عمل من الْأَعْمَال فِي الشَّرِيعَة فصيروا إِلَى الْعَمَل بِهِ قيل لَهُ قد قُلْنَا فِيمَا قبل إِنَّا إِنَّمَا نعمل بأخبار الْآحَاد إِذا كَانَت على صِفَات مَخْصُوصَة وعريت مِمَّا يدل على فَسَادهَا أَو معارضتها وَثبتت عَدَالَة نقلتها وَنحن لَا نَعْرِف أحدا قَالَ بِالنَّصِّ على عَليّ ﵇ إِلَّا وَهُوَ يتبرأ من أبي بكر وَعمر وَسَائِر أهل الشورى سوى عَليّ ويشتم الصَّحَابَة ويزري على أفعالهم وَيَزْعُم أَنهم ارْتَدُّوا بعد الْإِسْلَام على أَعْقَابهم ويضيف إِلَى ذَلِك مَذَاهِب أخر نرغب عَن ذكرهَا لِئَلَّا يظنّ قارىء كتَابنَا أَنا نقصد الشناعة عَلَيْهِم دون الِاحْتِجَاج على فَسَاد قَوْلهم وببعض هَذِه الْأُمُور تسْقط الْعَدَالَة وتزول الثِّقَة وَالْأَمَانَة لِأَن هَذَا الدّين عِنْدهم لَا يتم إِلَّا بِالْوَلَاءِ والبراء وَمِنْهُم من يرى الشَّهَادَة لموافقة على خَصمه والشريعة إِنَّمَا أوجبت الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد إِذا كَانَ عدلا مرضيا وَلَيْسَ هَذِه صفة الْقَائِلين بِالنَّصِّ وَلَا صفة الْآحَاد الَّذين رووا لَهُم ذَلِك فِي الأَصْل على دَعوَاهُم لأَنهم يَزْعمُونَ أَن رَاوِي هَذِه الْأَخْبَار لَهُم كَانَ من الْقَائِلين بِولَايَة عَليّ وَمِمَّنْ يرى فِي الصَّحَابَة رَأْيهمْ ويدين بِالْبَرَاءَةِ مِنْهُم فَلَا يجب أَن يقبل خبر هَذَا السّلف وَلَا يقبل الْخلف لما قد ثَبت من إِيمَان من دانوا بإكفاره وعدالة من دانوا بتفسيقه والبراءة مِنْهُ فَإِن زَعَمُوا أَن رُوَاة النَّص فِي الأَصْل لم يَكُونُوا مِمَّن يدين بِالنَّصِّ على

стр. 427

عَليّ ﵇ قيل لَهُم فهم إِذا فساق عندنَا وعندكم فَوجه فسقهم عنْدكُمْ تدينهم بترك مَا علموه وَرَوَوْهُ من النَّص وتوليتهم الظلمَة والفساق وَوجه تفسيقهم عندنَا روايتهم لما لَا أصل لَهُ عِنْدهم وَلما قد علمُوا بُطْلَانه وَترك الْعَمَل بِهِ وأوهموه النَّاس بُطْلَانه فَلَا مُعْتَبر بِخَبَر من هَذِه صفته عندنَا وعندكم فَهَذَا هَكَذَا وَلِأَن هَذِه الْأَخْبَار الَّتِي هِيَ أَخْبَار الْآحَاد الَّتِي تدعونها فِي النَّص على عَليّ أَخْبَار قد عارضها إِجْمَاع الْمُسلمين فِي الصَّدْر الأول على إِبْطَالهَا وَترك الْعَمَل بهَا لِأَن الْأمة كلهَا انقادت لأبي بكر وَعمر ﵄ ودانت بِوُجُوب طاعتهما والسكون تَحت رايتهما وَفِيهِمْ عَليّ وَالْعَبَّاس وعمار والمقداد وَأَبُو ذَر وَالزُّبَيْر بن الْعَوام وكل من ادعِي لَهُ النَّص وَرُوِيَ لَهُ وَهَذَا الظَّاهِر الْمَعْلُوم من حَال الصَّحَابَة ﵃ لَا يمكننا وَلَا أحدا من

стр. 428

الشِّيعَة دَفعه وَلِهَذَا قَالُوا إِن التقية ديننَا وَرَوَاهُ عَن ولد عَليّ أَنهم قَالُوا إِن التقية ديننَا وَدين آبَائِنَا فَلَا يجوز أَن يعْمل بِخَبَر الْوَاحِد وَنحن نتيقن ترك رُوَاته لَهُ وإظهاره فَوَجَبَ ترك الْعَمَل على هَذِه الْأَخْبَار لتدينهم بخلافة وَترك من روى النَّص عَلَيْهِ وتكذيبه بِهِ لِأَن الْإِجْمَاع الظَّاهِر فِي الْمَعْلُوم يتْرك لَهُ مَا هُوَ أقوى من هَذِه الْأَخْبَار فَوَجَبَ أَيْضا ترك الْعَمَل على هَذِه الْأَخْبَار وَلَوْلَا كَانَت مروية على أَنا إِنَّمَا نعمل بِخَبَر الْوَاحِد من الشَّرِيعَة إِذا لم يُعَارضهُ خبر بضد مُوجبه وَهَذَا الْخَبَر الَّذِي ادَّعَتْهُ الشِّيعَة فقد عَارضه خبر البكرية والراوندية وكل من قَالَ بِالنَّصِّ على أبي بكر وَالنَّص على الْعَبَّاس وروايتهم فِي ذَلِك أظهر وَأثبت وَالْعَمَل فِي صدر الْأمة مُوَافق لرِوَايَة النَّص على أبي بكر ﵇ فَهُوَ إِذا أقوى وَأثبت فَيجب إِذا ترك الأضعف بالأقوى فَإِن لم نَفْعل ذَلِك فَلَا أقل من اعْتِقَاد تعَارض هَذِه الْأَخْبَار وتكافئها وَتعذر الْعَمَل بِشَيْء مِنْهَا ورجوعنا إِلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ من أَن الأَصْل أَلا نَص إِلَى أَن يثبت أَمر نعود إِلَيْهِ وأنى لأحد بذلك وكل مَا يسْتَدلّ بِهِ على بطلَان الْخَبَر الْوَاحِد مَوْجُود فِي هَذِه الرِّوَايَة وَفِي بعض هَذِه الْجُمْلَة كِفَايَة فِي إبِْطَال النَّص وَإِذا بَطل النَّص ثَبت الِاخْتِيَار ثبوتا لَا يُمكن دَفعه وإنكاره فَإِن قَالَ من الشِّيعَة المنكرين صَرِيح النَّص على عَليّ ﵇ مَا أنكرتم أَن يكون النَّبِي ﷺ قد نَص على عَليّ رَضِي الله عَنهُ

стр. 429

بقوله من كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ لِأَن النَّبِي ﷺ قررهم على وجوب طَاعَته وَأَنه أولى بهم من أنفسهم ثمَّ قَالَ بعد قَوْله لَهُم أَلَسْت أولى بِالْمُؤْمِنِينَ من أنفسهم فَمن كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ فَأوجب لعَلي من وجوب الطَّاعَة والانقياد لَهُ وَأَنه أولى بهم مَا أوجبه لنَفسِهِ يُقَال لَهُم لَا يجب مَا قُلْتُمْ لِأَن مَا أثْبته لنَفسِهِ من كَونه أولى بهم لَيْسَ هُوَ من معنى مَا أوجبه لعَلي بسبيل لِأَنَّهُ قَالَ من كنت مولاة فعلي مَوْلَاهُ فَأوجب الْمُوَالَاة لنَفسِهِ ولعلي وَأوجب لنَفسِهِ كَونه أولى بهم مِنْهُم بِأَنْفسِهِم وَلَيْسَ معنى أولى من معنى مولى فِي شَيْء لِأَن قَوْله مولى يحْتَمل فِي اللُّغَة وُجُوهًا لَيْسَ فِيهَا معنى أولى فَلَا يجب إِذا عقب كَلَام بِكَلَام لَيْسَ من مَعْنَاهُ أَن يكون مَعْنَاهُمَا وَاحِدًا أَلا ترَوْنَ أَنه لَو قَالَ أَلَسْت نَبِيكُم والمخبر لكم بِالْوَحْي عَن ربكُم وناسخ شرائع من كَانَ قبلكُمْ ثمَّ قَالَ فَمن كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ لم يُوجب ذَلِك أَن يكون قد أثبت لعَلي من النُّبُوَّة وتلقى الْوَحْي وَنسخ الشَّرَائِع على لِسَانه مَا أوجبه فِي أول الْكَلَام لنَفسِهِ وَلَا أَمر باعتقاد ذَلِك فِيهِ من حَيْثُ ثَبت أَنه لَيْسَ معنى نَبِي معنى مولى فَكَذَلِك إِذا ثَبت أَنه لَيْسَ معنى أولى معنى مولى لم يجب أَن يكون قد أثبت لعَلي مَا أثْبته لنَفسِهِ وَإِنَّمَا دخلت عَلَيْهِم الشُّبْهَة من حَيْثُ ظنُّوا أَن معنى مولى معنى أولى وأحق وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك فَإِن قَالُوا وَلم أنكرتم أَن يكون معنى مولى معنى أولى قيل لَهُم لِأَن هَذَا الَّذِي تَدعُونَهُ لُغَة وَلَا يجوز ثُبُوته إِلَّا بتوقيف من أَهلهَا عَلَيْهِ بِنَقْل يُوجب الْعلم مثله وَيَنْقَطِع الْعذر بِهِ وَمَتى لم نجد ذَلِك فِي اللُّغَة كَمَا ادعيتم بَطل مَا قلتموه كَمَا أَنه إِذا لم يكن معنى مولى معنى نَبِي لم يجب إِثْبَات النّوبَة لعَلي بِمثل هَذَا الْكَلَام فَإِن قَالُوا مَا أنكرتم أَن يكون معنى قَوْله مولى معنى معنى أولى فِي اللُّغَة بِدلَالَة قَوْله تَعَالَى مأوكم النَّار هِيَ مولكم يُرِيد أولى بكم وبدلالة قَول النَّبِي ﷺ (إيما امْرَأَة نكحت

стр. 430

بِغَيْر إِذن وَليهَا فنكاحها بَاطِل يُرِيد بِغَيْر إِذن مَوْلَاهَا الْمَالِك لأمرها وبدلالة قَول الأخطل (فَأَصْبَحت مَوْلَاهَا من النَّاس كلهم ... وَأَحْرَى قُرَيْش أَن تهاب وتحمدا) يَقُول أَصبَحت وَليهَا فَجعل مَوْلَاهَا بِمَعْنى وَليهَا يُقَال لَهُم لَيْسَ فِيمَا ذكرتموه مَا يدل على أَن معنى مولى معنى أولى لِأَن قَوْله هِيَ مولكم المُرَاد بِهِ مكانهم وقرارهم وَكَذَلِكَ فسره النَّاس وَأما قَوْله بِغَيْر إِذن وَليهَا

стр. 431

فَلَيْسَ وَليهَا من مَوْلَاهَا فِي شَيْء لِأَن أَبَا الْمَرْأَة وَأُخُوَّتهَا وَبني عَمها أولياؤها وَلَيْسوا بمول لَهَا وَإِن كَانَ ولي الْأمة مولى لَهَا لِأَنَّهُ لم يكن مولى لَهَا من حَيْثُ كَانَ وَليهَا لِأَن مَا ذَكرْنَاهُ ولي وَلَيْسَ بمولى وَقَول الأخطل فَأَصْبَحت مَوْلَاهَا إِنَّمَا اراد ناصرها والحامي عَنْهَا لِأَن الْمولى يكون بِمَعْنى النَّاصِر وَكَانَ عبد الْملك بن مَرْوَان إِذْ ذَاك أقدر على نصرها وأشدها تمَكنا من ذَلِك فَلهَذَا قَالَ وَأَحْرَى قُرَيْش أَن تهاب وتحمدا أَي إِنَّك أقدرها على إعزاز ونصرة وإجلال وإهابة وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك بَطل مَا قُلْتُمْ وعَلى أَنه لَو ثَبت أَن معنى مَوْلَاهُ معنى أولى وَإِن كَانَ مُحْتملا لوجوه أخر لم يجب أَن يكون المُرَاد بقوله فَمن كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ من كنت أولى بِهِ وَإِن نسق بعض الْكَلَام على بعض وَكَانَ ظَاهره يَقْتَضِي ذَلِك لدَلِيل صرفه عَمَّا يَقْتَضِيهِ وَهُوَ أَن الْأمة مجمعة على أَن النَّبِي ﷺ أوجب مَا أوجبه بقوله (مَا كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ) فِي وَقت وُقُوع هَذَا القَوْل فِي طول أَيَّام حَيَاة النَّبِي ﷺ فَلَو كَانَ إِنَّمَا أثبت لَهُ الْولَايَة عَلَيْهِم وَجعله أولى بهم وألزمهم طَاعَته والانقياد لأوامره لوَجَبَ أَن يكون قد أثْبته إِمَامًا وَأوجب الطَّاعَة لَهُ آمرا وناهيا فيهم مَعَ وجوده سَائِر مدَّته ﷺ فَلَمَّا أَجمعت الْأمة على فَسَاد ذَلِك وَإِخْرَاج قَائِله من الدّين ثَبت أَنه لم يرد بِهِ فَمن كنت مَوْلَاهُ من كنت أولى بِهِ وَلم يرد بقوله فعلي مَوْلَاهُ أَنه أولى بِهِ وَيدل على ذَلِك أَيْضا ويؤكده مَا يَرْوُونَهُ من قَول عمر أَصبَحت مولَايَ وَمولى كل مُؤمن فَأخْبر أَنه قد ثَبت كَونه مولى لَهُ وَلكم مُؤمن فَلم يُنكر

стр. 432

ذَلِك النَّبِي ﷺ فَدلَّ أَنه قد أثبت لَهُ فِي ذَلِك الْوَقْت مَا أثْبته لنَفسِهِ وَلَيْسَ هُوَ الْولَايَة عَلَيْهِم وَلُزُوم طاعتهم لَهُ فَهَذِهِ دلَالَة تصرف الْكَلَام عَن مُقْتَضَاهُ لَو كَانَ معنى مولى معنى أولى وَكَانَ نسق الْكَلَام يَقْتَضِي ذَلِك فَسقط مَا تعلقوا بِهِ فَإِن قَالُوا فَمَا معنى مولى عنْدكُمْ وَمَا الَّذِي أثْبته النَّبِي ﷺ بِهَذَا الْكَلَام لعَلي وَقصد بِهِ قيل لَهُم أما معنى مولى فَإِنَّهُ يتَصَرَّف على وُجُوه فَمِنْهَا الْمولى بِمَعْنى النَّاصِر وَمِنْهَا الْمولى بِمَعْنى ابْن الْعم وَمِنْهَا الْمولى بِمَعْنى الموَالِي الْمُحب وَمِنْهَا الْمولى بِمَعْنى الْمَكَان والقرار وَمِنْهَا الْمولى بِمَعْنى الْمُعْتق الْمَالِك للولاء وَمِنْهَا الْمولى بِمَعْنى الْمُعْتق الَّذِي ملك ولاءه وَمِنْهَا الْمولى بِمَعْنى الْجَار وَمِنْهَا الْمولى بِمَعْنى الصهر وَمِنْهَا الْمولى بِمَعْنى الْحلف فَهَذَا جَمِيع مَا يحْتَملهُ قَوْله مولى وَلَيْسَ من معنى هَذِه اللَّفْظَة أَن الْمولى إِمَام وَاجِب الطَّاعَة قَالَ الله تَعَالَى فِي الْمولى بِمَعْنى النَّاصِر ﴿وَإِن تظاهرا عَلَيْهِ فَإِن الله هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيل وَصَالح الْمُؤمنِينَ﴾ يَعْنِي ناصره وَقَالَ الأخطل (فَأَصْبَحت مَوْلَاهَا من النَّاس كلهم ... وَأَحْرَى قُرَيْش أَن تهاب وتحمدا) أَي فَأَصْبَحت ناصرها وحامي ذمارها وَأما الْمولى بِمَعْنى ابْن الْعم فمشهور قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِنِّي خفت الموَالِي من ورائي﴾ يَعْنِي

стр. 433

بني الْعم قَالَ الْفضل بن الْعَبَّاس بن عتبَة بن أبي لَهب يُخَاطب بني أُميَّة (مهلا بني عمنَا مهلا موالينا ... لَا تنبتوا بَيْننَا مَا كَانَ مَدْفُونا) (لَا تحسبوا أَن تهينونا ونكرمكم ... وَأَن نكف الْأَذَى عَنْكُم وتؤذونا) (الله يعلم أَنا لَا نحبكم ... وَلَا نلومكم أَلا تحبونا) وَأما الْمولى بِمَعْنى الْمُعْتق وَالْمُعتق فأظهر من أَن يكْشف يُقَال فلَان مولى فلَان يَعْنِي مُعْتقه وَمَالك ولائه وَفُلَان مولى لفُلَان يُرَاد بِهِ مُعتق لَهُ وَأما الْمولى بِمَعْنى الموالى الْمُحب فَظَاهر فِي اللُّغَة يُقَال فلَان مولى فلَان أَي محب لَهُ وَولي لَهُ وَقد رُوِيَ فِي قَول النَّبِي ﷺ (مزينة وجهينة وَأسلم وغفار موَالِي الله وَرَسُوله) أَي محبون موالون لَهما وَأما الْمولى بِمَعْنى الْجَار فمعروف فِي اللُّغَة قَالَ مربع بن دعدعة وَكَانَ جاور كُلَيْب ابْن يَرْبُوع فَأحْسنُوا جواره (جزى الله خيرا وَالْجَزَاء بكفه ... كُلَيْب بن يَرْبُوع وَزَادَهُمْ حمدا) (هم خلطونا بالنفوس وألجموا ... إِلَى نصر مَوْلَاهُم مسومة جردا) أَي إِلَى نصر جارهم وَأما الْمولى بِمَعْنى الصهر فمعروف أَيْضا قَالَ أَبُو الْمُخْتَار يزِيد بن قيس الْكلابِي فِي ظلامته إِلَى عمر فِي أمرائه (فَلَا تنسين النافعين كليهمَا ... وَهَذَا الَّذِي فِي السُّوق مولى بني بدر) وَكَانَ الرجل صهرا لبني بدر وَأما الْمولى بِمَعْنى الحليف فمذكور أَيْضا قَالَ بعض الشُّعَرَاء

стр. 434

(موَالِي حلف لَا موَالِي قرَابَة ... وَلَكِن قطينا يعصرون الصنوبرا) فَأَما مَا قصد بِهِ النَّبِي ﷺ بقوله (من كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ) فَإِنَّهُ يحْتَمل أَمريْن أَحدهمَا من كنت ناصره على دينه وحاميا عَنهُ بظاهري وباطني وسري وعلانيتي فعلي ناصره على هَذَا السَّبِيل فَتكون فَائِدَة ذَلِك الْإِخْبَار عَن أَن بَاطِن عَليّ وَظَاهره فِي نصْرَة الدّين وَالْمُؤمنِينَ سَوَاء وَالْقطع على سَرِيرَته وعلو رتبته وَلَيْسَ يعْتَقد ذَلِك فِي كن نَاصِر للْمُؤْمِنين بِظَاهِرِهِ لِأَنَّهُ قد ينصر النَّاصِر بِظَاهِرِهِ طلب النِّفَاق والسمعة وابتغاء الرفد ومتاع الدُّنْيَا فَإِذا أخبر النَّبِي ﷺ أَن نصْرَة بعض الْمُؤمنِينَ فِي الدّين وَالْمُسْلِمين كنصرته هُوَ ﷺ قطع على طَهَارَة سَرِيرَته وسلامة بَاطِنه وَهَذِه فَضِيلَة عَظِيمَة وَيحْتَمل أَيْضا أَن يكون المُرَاد بقوله فَمن كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ أَي من كنت محبوبا عِنْده ووليا لَهُ على ظاهري وباطني فعلي مَوْلَاهُ أَي إِن ولاءه ومحبته من ظَاهره وباطنه وَاجِب كَمَا أَن ولائي ومحبتي على هَذَا السَّبِيل وَاجِب فَيكون قد أوجب مولاته على ظَاهره وباطنه ولسنا نوالي كل من ظهر مِنْهُ الْإِيمَان على هَذِه السَّبِيل بل إِنَّمَا نواليهم فِي الظَّاهِر دون الْبَاطِن فَإِن قيل فَمَا وَجه تَخْصِيصه بِهَذَا القَوْل وَقد كَانَ عنْدكُمْ فِي الصَّحَابَة خلق عَظِيم ظَاهِرهمْ كباطنهم قيل لَهُ يحْتَمل أَن يكون بلغَة ﷺ قدح قَادِح فِيهِ أَو ثلب ثالب أَو أخبر أَن قوما من أهل النِّفَاق والشراة سيطعنون عَلَيْهِ ويزعمون أَنه فَارق الدّين وَحكم فِي أَمر الله تَعَالَى الْآدَمِيّين ويسقطون بذلك ولَايَته ويزيلون ولاءه فَقَالَ ذَلِك فِيهِ لينفي ذَلِك عَنهُ فِي وقته وَبعده لِأَن الله تَعَالَى لَو علم أَن عليا سيفارق الدّين بالتحكيم أَو غَيره على مَا قرف بِهِ لم يَأْمر نبيه أَن يَأْمر النَّاس باعتقاد ولَايَته ومحبته على ظَاهره وباطنه وَالْقطع على طَهَارَته وَهُوَ يعلم أَنه يخْتم عمله بمفارقة الدّين لِأَن من هَذِه سَبيله فِي مَعْلُوم الله تَعَالَى فَإِنَّهُ لم يكن قطّ وليا لله وَلَا مِمَّن يسْتَحق الْولَايَة والمحبة

стр. 435

وَفِي أَمر رَسُول الله ﷺ بموالاة عَليّ على ظَاهره وباطنه دَلِيل على سُقُوط مَا قرفه أهل النِّفَاق والضلال بِهِ فَإِن قَالُوا فَإِذا كَانَ هَذَا هُوَ الَّذِي أَرَادَهُ فَلم لم يقل عَليّ مُؤمن الظَّاهِر وَالْبَاطِن نقي السريرة وَخَاتم لعمله بِالْبرِّ وَالطَّاعَة فيزيل الْإِشْكَال قيل لَهُم لَيْسَ لنا الِاعْتِرَاض على النَّبِي ﷺ فِي تخير الْأَلْفَاظ وَلَعَلَّه أوحى إِلَيْهِ أَن إذاعة هَذَا الْكَلَام وَجمع النَّاس لَهُ وَتَقْدِيم التَّقْرِير لوُجُوب طَاعَته لطف لعَلي ﵇ وَأَنه أجمع للقلوب على محبته وموالاته فَلَا سُؤال علينا فِي ذَلِك ثمَّ يُقَال لَهُم فَلَو كَانَ الرَّسُول ﷺ إِنَّمَا أَرَادَ بِهَذَا القَوْل النَّص عَلَيْهِ فَلم لم يقل هَذَا إمامكم بعدِي الْوَاجِبَة طَاعَته فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطيعُوا فيزيل الْوَهم والإشكال فَكل شَيْء أجابوا بِهِ فَهُوَ جَوَاب لَهُم فِيمَا سَأَلُوا عَنهُ دَلِيل آخر فَإِن قَالُوا مَا أنكرتم أَن يكون النَّبِي ﷺ نَص على عَليّ ﵇ بقوله (أَنْت مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى إِلَّا أَنه لَا نَبِي بعدِي) قيل لَهُم لَا يجب ذَلِك لِأَن معنى ذَلِك أَنِّي أستخلفك على أَهلِي وعَلى الْمَدِينَة إِذا تَوَجَّهت إِلَى هَذِه الْغَزْوَة لِأَنَّهُ إِنَّمَا قَالَ ذَلِك فِي غَزْوَة تَبُوك لما خَلفه بِالْمَدِينَةِ وماج أهل النِّفَاق وَأَكْثرُوا وَقَالُوا قد أبْغض عليا وقلاه وَقَالَ سعد بن أبي وَقاص وَهُوَ الْعُمْدَة فِي روايه هَذَا الحَدِيث فلحق عَليّ

стр. 436

بِالنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله أتتركني مَعَ الأخلاف فَقَالَ أما ترْضى أَن تكون مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى إِلَّا أَنه لَا نَبِي بعدِي أَي إِنِّي لم أخلفك بغضا وَلَا قلى كَمَا أَن مُوسَى لم يخلف أَخَاهُ هَارُون فِي بني إِسْرَائِيل لما توجه لكَلَام ربه بغضا وَلَا قلى وَمِمَّا يدل على أَن هَذَا الْمَعْنى هُوَ الَّذِي قَصده بقوله ﷺ علمنَا أَنه كَانَ لهارون من مُوسَى منَازِل مِنْهَا أَنه كَانَ أَخَاهُ وَمِنْهَا أَنه كَانَ شَرِيكا لَهُ فِي النُّبُوَّة وَمِنْهَا أَنه خَلفه فِي قومه لما توجه لكَلَام ربه وَلَيْسَ مِنْهَا أَنه خَلفه بعد مَوته لِأَن هَارُون مَاتَ قبل مُوسَى بسنين كَثِيرَة وَإِنَّمَا خلف مُوسَى بعد مَوته يُوشَع بن نون فَلَا يجوز أَن يكون النَّبِي ﷺ إِنَّمَا عَنى بقوله (أَنْت مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى) أَي إِنَّك أخي لأبي وَأمي وَلَا أَنَّك تخلفني بعد موتِي لِأَن هَذِه منزلَة لم تكن لهارون من مُوسَى فَثَبت أَنه إِنَّمَا أَرَادَ خليفتي على أَهلِي وعَلى الْمَدِينَة عِنْد تَوَجُّهِي إِلَى هَذِه الْغَزْوَة كَمَا خلف مُوسَى أَخُوهُ هَارُون فِي قومه عِنْد توجهه لكَلَام ربه

стр. 437

فَإِن قَالُوا فَمَا معنى قَوْله ﷺ إِلَّا إِنَّه لَا نَبِي بعدِي وَكَيف يجوز أَن يَقُول أما ترْضى أَن تخلفني فِي قومِي وَفِي أَيَّام حَياتِي إِلَّا أَنه لَا نَبِي بعدِي قيل لَهُم لم يرد بقوله بعدِي بعد وفاتي وَإِنَّمَا أَرَادَ لَا نبوة بعد نبوتي وَلَا معي وَلَا بعدِي وَهَذَا كَمَا يقل الْقَائِل لَا نَاصِر لَك بعد فلَان وَلَا بَيَان لَك بعد هَذَا الْكَلَام يُرِيد أَنه لَا نصْرَة لَك بعد نصْرَة فلَان لَا فِي حباته وَلَا بعد مَوته وَكَذَلِكَ قَوْلهم لَا بَيَان لَهُم بعد هَذَا الْكَلَام يُرِيد لَا بَيَان مَعَه يزِيد عَلَيْهِ وَلَا بعده فَإِن قَالُوا حمل الْكَلَام على هَذَا التَّأْوِيل يَجعله مجَازًا لِأَن قَوْله لَا نَبِي بعدِي يَقْتَضِي بعد عينه وَأَنْتُم تَقولُونَ بعد نبوته ونبوته غَيره قيل لَهُم هَذَا هُوَ مَفْهُوم الْكَلَام الَّذِي هُوَ أولى بِهِ من مَعْنَاهُ فَهُوَ إِذا كَانَ كَذَلِك حَقِيقَة فالمعقول مِنْهُ أولى بِهِ من حمله على مَا لَيْسَ من مَفْهُومه ثمَّ يُقَال لَهُم وَأَنْتُم أَيْضا قد تركْتُم الظَّاهِر وحملتم الْكَلَام على الْمجَاز لأنكم تَزْعُمُونَ أَنه أَرَادَ بقوله لَا نَبِي بعدِي أَي بعد موتِي وَمَوْت النَّبِي ﷺ غَيره كَمَا أَن حركته وسكونه ولونه غَيره وَأَنْتُم بِمَنْزِلَة من قَالَ لَا نَبِي بعد حركتي وَصفَة من صفاتي وَذَلِكَ تجوز فِي الْكَلَام وَإِذا كَانَ لَا بُد من ترك الظَّاهِر فَتَركه إِلَى الْمَعْقُول من مَعْنَاهُ من اسْتِعْمَال أهل اللُّغَة أولى فَإِن قَالُوا فَإِذا زعمتم أَن النَّبِي ﷺ أَرَادَ بِهَذَا القَوْل استخلافه على أهل الْمَدِينَة فَهُوَ على ولَايَته إِلَى أَن يصرفهُ النَّبِي ﷺ وَمَا روى أحد صرفه قيل لَهُم هَذَا من التعاليل لِأَن تولي النَّبِي ﷺ للأمور والإنفاذ لَهَا والاستبداد بِالنّظرِ فِيهَا عِنْد رُجُوعه إِلَى الْمَدِينَة صرف لَهُ مَعَ أَنه لَيْسَ فِي الْأمة من يَقُول إِن النّظر وَالْحكم وَالتَّوْلِيَة كَانَ لعَلي ﵇ فِي الْمَدِينَة عِنْد عود النَّبِي ﷺ إِلَيْهَا من هَذِه الْغَزْوَة فَلَا مُتَعَلق لأحد فِي هَذَا ثمَّ يُقَال لَهُم فقد كَانَ رَسُول الله ﷺ ولى فِي أَيَّام

стр. 438

حَيَاته عدَّة من الْوُلَاة على الْمَوْسِم والبلدان والأطراف وَولى قُضَاة وحكاما مِنْهُم أَبُو بكر الصّديق فَإِنَّهُ ولاه الْمَوْسِم وَإِقَامَة الْحَج سنة تسع من الْهِجْرَة وَولى عمر صدقَات قُرَيْش وَولى زيد بن حَارِثَة وَولى أُسَامَة بن زيد عِنْد مَوته الْجَيْش الَّذِي أنفذه أَبُو بكر إِلَى الشَّام وَولى عَمْرو بن الْعَاصِ وَأَبا عبيده بن الْجراح فِي غَزْوَة ذَات السلَاسِل وَولى خَالِد بن الْوَلِيد

стр. 439

وَولى معَاذًا على الْيمن وَولى أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَولى عَمْرو بن حزم فَيجب أَن يكون هَؤُلَاءِ على ولاياتهم وإمرتهم وحكمهم وقضائهم لِأَنَّهُ لم يرو عَن النَّبِي ﷺ صرف وَاحِد مِنْهُم فَإِن مروا على

стр. 440

هَذَا قيل لَهُم فَيجب أَن تَقولُوا لَيْسَ لعَلي ﵇ ولَايَة على أحد من هَؤُلَاءِ وَهَذَا خلاف دينكُمْ وَإِن أَبوهُ وَقَالُوا لم تكن هَذِه الولايات مُؤَبّدَة من النَّبِي ﷺ وَأَنَّهَا مُنْقَطِعَة بِمَوْتِهِ وَأَن النَّبِي ﷺ تولى هَذِه الْأَحْكَام بِنَفسِهِ بعد تَوليته لمن ولاه قيل لَهُم مثل ذَلِك فِي تأميره عليا على الْمَدِينَة دَلِيل آخر فَإِن قَالُوا مَا أنكرتم أَن يكون النَّبِي ﷺ قد نَص على عَليّ بقوله (أَنْت أخي وخليفتي فِي أَهلِي وقاضي ديني ومنجز عداتي) قيل لَهُم لَيْسَ فِي هَذَا أَيْضا لَو ثَبت نَص على إِمَامَته لِأَنَّهُ إِذا أَرَادَ بقوله أخي التَّعْظِيم لم يكن هَذَا عهدا فِي الْإِمَامَة وَلَا من النَّص على ولَايَته فِي شَيْء وَإِن كَانَ ذَلِك خَبرا لَهُ عَن فَضله وعظيم مَحَله مِنْهُ وأمانته فِي نَفسه وَهُوَ أَيْضا خَلِيفَته على أَهله وهم فَاطِمَة وَوَلدهَا ﵈ وَقَوله

стр. 441

وقاضي ديني مُتَوَجّه إِلَى أَنه أمره بِقَضَاء دينه أَو كَانَ قد قضي عَنهُ قبل هَذَا القَوْل وَلَيْسَ هَذَا من قَوْله أَنْت الإِمَام بعدِي فِي شَيْء وَلِهَذَا مَا لَو قَالَ خَليفَة الْأمة فِي هَذَا الْوَقْت زيد هَذَا أخي وخليفتي فِي أَهلِي وقاضي ديني لم يكن هَذَا عهدا إِلَيْهِ فِي الْإِمَامَة وَلَا من النَّص على ولَايَته فِي شَيْء وَإِن كَانَ ذَلِك خَبرا عَن فَضله عِنْده وعظيم مَحَله مِنْهُ وأمانته وثقته فَلَا مُتَعَلق أَيْضا فِي هَذَا القَوْل ثمَّ يُقَال لَهُم فَيجب أَن تثبتوا النَّص على أبي بكر وَعمر ﵄ بِمثل هَذَا القَوْل لِأَنَّهُ قد روى مُسلم بن إِبْرَاهِيم عَن قزعة بن سُوَيْد عَن ابْن أبي مليكَة عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (أَبُو بكر وَعمر مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى) فَيجب النَّص عَلَيْهِمَا بِهَذَا القَوْل فَإِن قَالُوا هَذَا من أَخْبَار الْآحَاد الَّتِي لَا نعلمها ضَرُورَة وَلَا بِدَلِيل قيل إِن جَازَت لَهُم هَذِه الدَّعْوَى جَازَ لخصمكم أَن يزْعم أَن جَمِيع مَا رويتموه وتعلقتم بِهِ فِي النَّص والتفضيل من أَخْبَار الْآحَاد الَّتِي لَا نعلمها ضَرُورَة وَلَا بِدَلِيل فَلم يلْزم القَوْل بهَا وَلَا جَوَاب لَهُم عَن ذَلِك ثمَّ يُقَال لَهُم كَيفَ لم تعلمُوا أَن جَمِيع مَا رويتموه لَيْسَ بِنَصّ على عَليّ وَلَا عهدا إِلَيْهِ بترك عَليّ الْمُطَالبَة بذلك والاحتجاج بِهِ فِي السَّقِيفَة وعَلى أهل الْبَصْرَة وَمُعَاوِيَة وَفِي كل مقَام كَانَ يسوغ ذكره والاحتجاج بِهِ وعدوله

стр. 442

إِلَى أَن يَقُول بِالْبَصْرَةِ بايعاني بِالْمَدِينَةِ وخلعاني بالعراق وتعلمون أَن مَا ظهر مِنْهُ من الانقياد لأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَالْأَخْذ لغنيمتهم والموطىء للحنفيه من سَبْيهمْ وتزويجه ابْنَته من عمر بن الْخطاب وإقامته حدا بِحَضْرَة عُثْمَان وقتاله مَعَ أبي بكر ﵃ أجميعن وَمَا كَانَ من ثنائه عَلَيْهِمَا وَقَوله فِي عمر وَالله مَا أحد ألْقى الله بصحيفته

стр. 443

أحب إِلَى من هَذَا المسجى وَقَوله فِي رِوَايَة سُوَيْد بن غَفلَة والجم الْغَفِير من أَصْحَابه أَلا إِن خير هَذِه الْأمة بعد نبيها أَبُو بكر ثمَّ بعد أبي بكر عمر ثمَّ الله أعلم بِالْخَيرِ حَيْثُ هُوَ وَرِوَايَته عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لَهما (هَذَانِ سيدا كهول أهل الْجنَّة من الْأَوَّلين والآخرين إِلَّا النَّبِيين وَالْمُرْسلِينَ) وَقَوله مَا حَدثنِي أحد عَن رَسُول الله ﷺ إِلَّا أحلفته إِلَّا أَبَا بكر وحَدثني أَبُو بكر وَصدق أَبُو بكر فِي نَظَائِر هَذِه الْأَقَاوِيل الْمَشْهُورَة عَنهُ فِي مدحهم وتقريظهم وحس الثَّنَاء عَلَيْهِم وَأَنه رَاض بإمامتهم وَأَنه لَو كَانَ الرَّسُول ﷺ قد نَص عَلَيْهِ وَقطع الْعذر فِي بَابه لم يجز أَنه يَقُول فِيمَن غصبه وجحده حَقه هَذِه الْأَقَاوِيل وَتَكون أَفعاله مَعَهم واقتداؤه بهم مَا ذكرنَا فَكيف تركْتُم هَذَا الظَّاهِر الْمَعْلُوم من قَوْله وَفعله إِلَى تَعْلِيل النُّفُوس وشهواتها وتسويفها للأماني فَإِن قَالُوا كل هَذَا الَّذِي ظهر مِنْهُ على سَبِيل التقية والإرهاب وَالْخَوْف مِنْهُم قيل لَهُم وَمَا الْحجَّة فِي ذَلِك مَعَ مَا فِيهِ من الْقدح وَسُوء القَوْل فِي أُمِّي وَالْمُؤمنِينَ فَلَا يَجدونَ فِي ذَلِك مُتَعَلقا ثمَّ يُقَال لَهُم كَيفَ لم تستدلوا على إِثْبَات النَّص لأبي بكر ﵁ بقوله ﷺ (يؤم النَّاس أَبُو بكر) وَقَوله (يَأْبَى الله وَرَسُوله والمسلمون إِلَّا أَبَا بكر) وَقَوله لعَائِشَة (إنكن صواحبات يُوسُف يَأْبَى الله إِلَّا أَبَا بكر) وَقَوله (اقتدوا باللذين من بعدِي أبي بكر وَعمر)

стр. 444

وَقَوله (لَا يَنْبَغِي لقوم يكون فيهم أَبُو بكر أَن يتقدمهم غَيره وَقَوله (إيتوني بِدَوَاةٍ وكتف أكتب لأبي بكر كتابا لَا يخْتَلف عَلَيْهِ اثْنَان) وَقَوله ﷺ (أَنْتُمَا من الدّين بِمَنْزِلَة السّمع وَالْبَصَر من الرَّأْس) وَقَوله (لَو كنت متخذا خَلِيلًا لاتخذت أَبَا بكر خَلِيلًا وَلَكِن صَاحبكُم خَلِيل الرَّحْمَن) وَقَوله (إِن تولوها أَبَا بكر تَجِدُوهُ ضَعِيفا فِي بدنه قَوِيا فِي أَمر الله وَإِن تولوها عمر تَجِدُوهُ قَوِيا فِي بدنه قَوِيا فِي أَمر الله وَإِن تولوها عليا تَجِدُوهُ هاديا مهديا) وَعَلمُوا بِهَذِهِ البنية وَالتَّرْتِيب أَنه قصد التَّنْبِيه على النَّص عَلَيْهِ وَبِقَوْلِهِ (الْخلَافَة بعدِي إِلَى ثَلَاثِينَ) وَقَوله (إِن يطع النَّاس أَبَا بكر وَعمر رشدوا) ورشدت أمتهم وَإِن يعصوهما غووا وغوت أمتهم) وَقَوله (خير أمتِي أَبُو بكر ثمَّ عمر) وَقَوله (من أفضل من أبي بكر زَوجنِي ابْنَته وجهزني بِمَالِه وجاهد معي سَاعَة الْخَوْف) وَقَوله فِي عمر (لَو كَانَ بعدِي نَبِي لَكَانَ عمر) و (لَو لم أبْعث فِيكُم لبعث عمر) و (إِن الله ضرب بِالْحَقِّ على لِسَان عمر وَقَلبه يَقُول الْحق وَإِن كَانَ مرا) و (إِن مِنْكُم لمحدثين ومكلمين وَإِن عمر مِنْهُم) فِي نَظَائِر هَذِه الْأَخْبَار والفضائل الَّتِي يطول تتبعها فَكيف لم تَقولُوا بِالنَّصِّ عَلَيْهِمَا

стр. 445

فَإِن قَالُوا كل هَذِه الْأَخْبَار آحَاد غير ثَابِتَة قيل لَهُم فَمَا الَّذِي يمْنَع خصومكم على هَذِه الدَّعْوَى فِي أخباركم يَجدونَ فصلا ثمَّ يُقَال لَهُم فكأنكم قد عزمتم على إِنْكَار جَمِيع مَا نرويه لكم وتكذيبه ومطالبتنا بِالْإِقْرَارِ والإذعان لجَمِيع مَا تروونه وكأنكم إِنَّمَا تَقولُونَ لنا سلمُوا لنا مَذْهَبنَا واتركوا الظَّاهِر الْمَعْلُوم من قَول النَّبِي ﷺ فِي أبي بكر وَعمر وَقَول عَليّ فيهمَا واحملوا ذَلِك على التقية مِنْهُ وَهَذَا من حَدِيث النُّفُوس وَمَا لَا سَبِيل لكم إِلَى الْمصير إِلَيْهِ بَاب الْكَلَام فِي حكم الِاخْتِيَار فَإِن قَالُوا فَإِذا فسد النَّص على إِمَام بِعَيْنِه فَكيف طَرِيق إِثْبَات الْإِمَامَة وبماذا يصير الإِمَام إِمَامًا قيل لَهُم إِنَّمَا يصير الإِمَام إِمَامًا بِعقد من يعْقد لَهُ الْإِمَامَة من أفاضل الْمُسلمين الَّذين هم من أهل الْحل وَالْعقد والمؤتمنين على هَذَا الشَّأْن لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهَا طَرِيق إِلَّا النَّص أَو الِاخْتِيَار وَفِي فَسَاد النَّص دَلِيل على ثُبُوت الِاخْتِيَار الَّذِي نَذْهَب إِلَيْهِ بَاب القَوْل فِي الْعدَد الَّذِي تَنْعَقِد بِهِ الْإِمَامَة فَإِن قَالَ قَائِل فبكم يتم عقد الْإِمَامَة عنْدكُمْ قيل لَهُ تَنْعَقِد وتتم بِرَجُل وَاحِد من أهل الْحل وَالْعقد إِذا عقدهَا لرجل على صفة مَا يجب أَن يكون عَلَيْهِ الْأَئِمَّة فَإِن قَالُوا وَمَا الدَّلِيل على ذَلِك قيل لَهُم الدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه إِذا صَحَّ أَن فضلاء الْأمة هم وُلَاة عقد الْإِمَامَة وَلم يقم دَلِيل على أَنه يجب أَن يعقدها سائرها وَلَا عدد مِنْهُم مَخْصُوص لَا تجوز الزِّيَادَة عَلَيْهِ وَالنُّقْصَان مِنْهُ ثَبت بفقد الدَّلِيل على تعْيين الْعدَد وَالْعلم بِأَنَّهُ لَيْسَ بموجود فِي الشَّرِيعَة وَلَا فِي أَدِلَّة الْعُقُول أَنَّهَا تَنْعَقِد بِالْوَاحِدِ فَمَا فَوْقه

стр. 446

فَإِن قيل أَلا جعلتم العقد إِلَى كل فضلاء الْأمة فِي كل عصر من أعصار الْمُسلمين قيل لَهُ أجمع أهل الِاخْتِيَار على بطلَان ذَلِك ولعلمنا بِأَن الله قد فرض علينا فعل العقد على الإِمَام وطاعته إِذا عقد لَهُ وَأَن اجْتِمَاع سَائِر أهل الْحل وَالْعقد فِي سَائِر أَمْصَار الْمُسلمين بصقع وَاحِد وإطباقهم على الْبيعَة لرجل وَاحِد مُتَعَذر مُمْتَنع وَأَن الله تَعَالَى لَا يُكَلف فعل الْمحَال الْمُمْتَنع الَّذِي لَا يَصح فعله وَلَا تَركه ولعلمنا بِأَن سلف الْأمة لم يراعوا فِي العقد لأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي حُضُور جَمِيع أهل الْحل وَالْعقد فِي أَمْصَار الْمُسلمين وَلَا فِي الْمَدِينَة أَيْضا وَأَن عمر رد الْأَمر إِلَى سِتَّة نفر فَقَط وَإِن كَانَ فِي غَيرهم من يصلح للْعقد فَوَجَبَ بِهَذِهِ الْجُمْلَة صِحَة مَا قُلْنَاهُ ويوضح ذَلِك أَيْضا أَن أَبَا بكر عقدهَا لعمر فتمت إِمَامَته وَسلم عَهده بعقده لَهُ وسنتكلم فِي بَيَان ذَلِك وَصِحَّته عِنْد انْتِهَاء كتَابنَا إِلَى القَوْل فِي إِمَامَة عمر بِمَا يُوضح الْحق إِن شَاءَ الله سُؤال لَهُم فَإِن قَالُوا فَهَل يجب عنْدكُمْ أَن يحضر العقد للْإِمَام قوم من الْمُسلمين قيل لَهُم أجل وَلَيْسَ يجب أَن يكون لمن يحضر العقد مِنْهُم حد فَإِذا حضر نفر من الْمُسلمين تمت الْبيعَة وَقد قَالَ قوم إِن أقل مَا يجب أَن يحضر أَرْبَعَة نفر بعد الْعَاقِد والمعقود لَهُ قِيَاسا على فعل عمر فِي الشورى وَهَذَا لَيْسَ بِوَاجِب لِأَن عمر لم يقْصد بجعلها شُورَى فِي سِتَّة تَحْدِيد عدد الْحَاضِرين للْعقد وَإِنَّمَا جعلهَا فيهم دون غَيرهم لأَنهم أفاضل الْأمة وَقد أخبر بذلك عَن نَفسه بقوله أما إِنَّه لَو حضرني سَالم مولى أبي حُذَيْفَة لرأيت أَنِّي قد أصبت الرَّأْي

стр. 447

وَمَا تداخلني فِيهِ الشكوك يُرِيد من أَخذ رَأْيه ومشورته فَبَطل مَا قَالُوهُ وَإِنَّمَا يمْنَع أَن يعْقد الرجل لغيره مستسرا للْعقد وخاليا بِهِ لِئَلَّا يَدعِي ذَلِك كل أحد وَأَنه قد كَانَ عقد لَهُ سرا فَيُؤَدِّي ذَلِك إِلَى الْهَرج وَالْفساد سُؤال لَهُم فَإِن قَالَ قَائِل فَهَل تملك الْأمة فسخ العقد على الإِمَام من غير حدث يُوجب خلعه كَمَا أَنَّهَا تملك العقد لَهُ قيل لَهُ لَا فَإِن قيل فَكيف يملك العقد من لَا يملك فَسخه قيل لَهُ هَذَا فِي الشَّرِيعَة أَكثر من أَن يُحْصى أَلا ترى أَن الْعَاقِد على وليته لَا يملك فسخ النِّكَاح من حَيْثُ كَانَ يملك عقده وَكَذَلِكَ الْعَاقِد البيع على سلْعَته لَا يملك حلّه وَإِن ملك عقده وَكَذَلِكَ يملك عقد الصّيام إِلَى مُدَّة وَلَا يملك فَسخه وَكَذَلِكَ يملك كِتَابَة عَبده وتدبيره والمتطوع بالصيام وَالصَّلَاة إِذا دخل فيهمَا لَا يملك حل شَيْء من ذَلِك فَبَطل مَا سَأَلْتُم عَنهُ سُؤال آخر لَهُم فَإِن قَالُوا فَهَل يملك الرجل من أهل الْحل وَالْعقد عقد الْإِمَامَة لنَفسِهِ كَمَا يملك ذَلِك لغيره قيل لَهُم لَا فَإِن قَالُوا كَيفَ يعقل هَذَا قيل من حَيْثُ عقل أَمْثَاله من الشَّرِيعَة وعقلته الْأمة أَلا ترى أَن الْإِنْسَان يملك العقد على وليته لغيره وَلَا يملك عقد بيعهَا عَلَيْهَا لنَفسِهِ وَكَذَلِكَ الْعَاقِد على سلْعَته يملك عقد بيعهَا على غَيره وَلَا يملك عقد بيعهَا على نَفسه وَكَذَلِكَ الْإِنْسَان يملك كِتَابَة عَبده وتدبيره وعتقه وَلَا يجب أَن يملك تَدْبِير نَفسه وكتابتها وعتقها مَعَ نَظَائِر لذَلِك فَسقط مَا سَأَلْتُم عَنهُ

стр. 448

سُؤال آخر لَهُم فَإِن قَالُوا فَمَا تَقولُونَ إِذا عقد جماعات من أهل الْحل وَالْعقد لعدة أَئِمَّة فِي بلدان مُتَفَرِّقَة وَكَانُوا كلهم يصلحون للْإِمَامَة وَكَانَ العقد لسائرهم وَاقعا مَعَ عدم إِمَام وَذي عهد من إِمَام مَا الحكم فيهم عنْدكُمْ وَمن أولى بِالْإِمَامَةِ مِنْهُم قيل لَهُم إِذا اتّفق مثل هَذَا تصفحت الْعُقُود وتؤملت وَنظر أيه السَّابِق فأقرت الْإِمَامَة فِيمَن بدىء بِالْعقدِ لَهُ وَقيل للباقين انزلوا عَن الْأَمر فَإِن فعلوا وَإِلَّا قوتلوا على ذَلِك وَكَانُوا عصاة فِي الْمقَام عَلَيْهَا وَإِذا لم يعلم أَيهَا تقدم على الآخر وَادّعى كل وَاحِد مِنْهُم أَن العقد سبق لَهُ أبطلت سَائِر الْعُقُود واستؤنف العقد لوَاحِد مِنْهُم أَو من غَيرهم وَإِن أَبُو ذَلِك قَاتلهم النَّاس عَلَيْهِ فَإِن تمكنوا وَإِلَّا فهم فِي غَلَبَة وفتنة وَعذر فِي ترك إِمَامَة الإِمَام وَإِن تمكن من العقد لغَيرهم فعل ذَلِك وَكَانَ الإِمَام الْمَعْقُود لَهُ حَربًا لسَائِر هَؤُلَاءِ حَتَّى يذعنوا ويرجعوا إِلَى الطَّاعَة والسداد وَإِن تؤملت الْعُقُود وَوجدت كلهَا وَقعت فِي وَقت وَاحِد أبطل أَيْضا جَمِيعهَا واستؤنف العقد لرجل مِنْهُم أَو من غَيرهم وَنَظِير ذَلِك من الشَّرِيعَة عقد وُلَاة الْمَرْأَة عَلَيْهَا وَوُجُوب تَسْلِيمهَا إِلَى من سبق بِالْعقدِ لَهُ فَإِن أشكل ذَلِك وتنازع الْأزْوَاج وعدمت الْبَيِّنَة أبطلت الْعُقُود بأسرها وَإِن انْكَشَفَ أَن جَمِيع أوليائها عقدوا عَلَيْهَا فِي حَالَة وَاحِدَة فسخت أَيْضا وَكَذَلِكَ القَوْل فِي الْإِمَامَة سُؤال لَهُم آخر فَإِن قَالُوا فَمَا تَقولُونَ إِذا كَانَت الْأمة مفترقة على مَذَاهِب مُخْتَلفَة وآراء متضادة وَالْحق مِنْهَا فِي وَاحِد وَادّعى كل وَاحِد مِنْهُم أَنهم وُلَاة هَذَا الْأَمر دون غَيرهم وتمانعوا فِيهِ مَا الحكم فيهم وَمن أولى مِنْهُم بِعقد هَذَا الْأَمر قيل لَهُم إِن كَانَ مَا اخْتلف فِيهِ من الْمسَائِل الشَّرْعِيَّة الَّتِي الْحق عندنَا فِي جَمِيعهَا وَالْإِثْم مَوْضُوع عَن المخطىء فِيهَا على قَول غَيرنَا فكلهم وُلَاة هَذَا الْأَمر فَأَيهمْ سبق بِالْعقدِ لرجل تمت بيعَته ولزمت طَاعَته وَصَارَ الْمُخَالف عَلَيْهِ بَاغِيا يجب حربه وَإِن كَانَ مَا اخْتلفت فِيهِ الْأمة مِمَّا يُوجب التَّكْفِير والتفسيق والتضليل فعقد

стр. 449

الْإِمَامَة لأهل الْحق مِنْهُم دون غَيرهم مِمَّن كفر أَو فسق وضل بتأويله الْخَطَأ فِي الدّين وَقد قَامَ الدَّلِيل على أَن هَذِه الْفرْقَة هم أَصْحَابنَا دون الْمُعْتَزلَة والنجارية وَغَيرهم من الْفرق المنسوبة إِلَى الْأمة فَإِن تمَكنا من ذَلِك حملناهم على الانقياد لمن نعقد لَهُ فَإِن دفعونا عَنهُ وعقدوا لبَعض موافقيهم فَلَيْسَ لَهُ إِمَامَة ثَابِتَة وَلَا طَاعَة وَاجِبَة وَكُنَّا نَحن فِي دَار قهر وَغَلَبَة وَإِن تقاومت الْفرق وتمانعت فَتلك فتْنَة يقوم الْعذر بهَا فِي ترك العقد وَإِن انحاز أهل الْحق إِلَى فِئَة ونصبوا حَربًا وَرَايَة وعقدوا لرجل مُهِمّ كَانَ هُوَ الإِمَام دون غَيره من أهل الضلال فَلَيْسَ هَذَا التمانع إِن اتّفق أكبر من تمانع الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمُسْلِمين إِذا حصلوا فِي دَار وَاحِدَة وتمانعوا وحاول أهل كل دين مِنْهُم إِقَامَة الرياسة لَهُم وتنفيذ أحكامهم فِي الدَّار وَلَا بِأَعْجَب من غَلَبَة النَّبِي ﷺ وصحابه بِمَكَّة وَتعذر إِقَامَة الْحق فِيهَا قبل الْفَتْح وَالْهجْرَة فَذَلِك حكم تغالب فرق الْأمة وقهرهم الْفرْقَة الهادية إِن اتّفق ذَلِك وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق بَاب الْكَلَام فِي صفة الإِمَام الَّذِي يلْزم العقد لَهُ فَإِن قَالَ قَائِل فخبرونا مَا صفة الإِمَام الْمَعْقُود لَهُ عنْدكُمْ قيل لَهُم يجب أَن يكون على أَوْصَاف مِنْهَا أَن يكون قرشيا من الصميم وَمِنْهَا أَن يكون من الْعلم بِمَنْزِلَة من يصلح أَن يكون قَاضِيا من قُضَاة الْمُسلمين وَمِنْهَا أَن يكون ذَا بَصِيرَة بِأَمْر الْحَرْب وتدبير الجيوش والسرايا وسد الثغور وحماية الْبَيْضَة وَحفظ الْأمة والانتقام من ظالمها وَالْأَخْذ لمظلومها وَمَا يتَعَلَّق بِهِ من مصالحها وَمِنْهَا أَن يكون مِمَّن لَا تلْحقهُ رقة وَلَا هوادة فِي إِقَامَة الْحُدُود وَلَا جزع لضرب الرّقاب والأبشار وَمِنْهَا أَن يكون من أمثلهم فِي الْعلم وَسَائِر هَذِه الْأَبْوَاب الَّتِي يُمكن التَّفَاضُل فِيهَا إِلَّا أَن يمْنَع عَارض من إِقَامَة الْأَفْضَل فيسوغ نصب الْمَفْضُول وَلَيْسَ من صِفَاته أَن يكون مَعْصُوما وَلَا عَالما بِالْغَيْبِ وَلَا أَفرس الْأمة وأشجعهم وَلَا أَن يكون من بني هَاشم فَقَط دون غَيرهم من قبائل قُرَيْش فَإِن قَالَ قَائِل وَمَا الدَّلِيل على مَا وصفتم قيل لَهُ أما مَا يدل على أَنه لَا يجوز إِلَّا من قُرَيْش فأمور مِنْهَا قَول النَّبِي ﷺ (الْأَئِمَّة

стр. 450

من قُرَيْش مَا بَقِي مِنْهُم اثْنَان) وَقَوله للْعَبَّاس حَيْثُ وصّى بالأنصار فِي الْخطْبَة الْمَشْهُورَة وَكَانَت آخر خطْبَة خطبهَا لما قَالَ للرسول ﷺ (توصي لقريش) فَقَالَ لَهُ (إِنَّمَا أوصى قُريْشًا بِالنَّاسِ وَبِهَذَا الْأَمر وَإِنَّمَا النَّاس تبع لقريش فبر النَّاس تبع لبرهم وفاجرهم تبع لفاجرهم فِي نَظَائِر هَذِه الْأَخْبَار أَو الْأَلْفَاظ الَّتِي قد استفاضت وتواترت واتفقت على الْمَعْنى وَإِن اخْتلفت ألفاظها وَيدل على ذَلِك وعَلى صِحَة هَذِه الْأَخْبَار أَيْضا احتجاج أبي بكر وَعمر على الْأَنْصَار فِي السَّقِيفَة بهَا وَمَا رُوِيَ عَن الْعَبَّاس من ذكره لَهَا وَالْأَمر باعتماد عَلَيْهَا وَمَا كَانَ من إذعان الْأَنْصَار ورجوعهم لموجبها عِنْد سماعهَا وإدكارهم بهَا والاستشهاد عَلَيْهِم بهَا وَلَوْلَا علمهمْ بِصِحَّتِهَا لم يَلْبَثُوا أَن يقدحوا فِيهَا ويتعاطوا ردهَا وَلَا كَانَت قُرَيْش بأسرها بِالَّتِي تقر كذبا يدعى عَلَيْهَا وَلها لِأَن الْعَادة جَارِيَة فِيمَا لم يثبت من الْأَخْبَار أَن يَقع الْخلاف فِيهِ والقدح عِنْد التَّنَازُع وَالْحجاج لَا سِيمَا إِذا احْتج بِهِ فِي مثل هَذَا الْأَمر الْعَظِيم الجسيم مَعَ إشهار السيوف واختلاط القَوْل ومحاولة الإمرة والميل إِلَى الرياسة وَالْعَادَة أصل فِي الْأَخْبَار فصح بذلك ثُبُوت هَذَا الْأَمر وَيدل على مَا قُلْنَاهُ إطباق الْأمة فِي الصَّدْر الأول من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار بعد الِاخْتِلَاف الَّذِي شجر بَينهم على أَن الْإِمَامَة لَا تصح إِلَّا فِي قُرَيْش وَقَول سعد بن أبي عبَادَة لأبي بكر وَعمر عِنْد الِاحْتِجَاج بِهَذِهِ الْأَخْبَار وادكاره بهَا

стр. 451

نَحن الوزراء وَأَنْتُم الْأُمَرَاء فَثَبت أَن الْحق فِي اجتماعها وَأَنه لَا مُعْتَبر بقول ضرار وَغَيره مِمَّن حدث بعد هَذَا الْإِجْمَاع وَأما مَا يدل على أَنه يجب أَن يكون من الْعلم بِمَنْزِلَة مَا وصفناه فأمور مِنْهَا إِجْمَاع الْأمة على ذَلِك مِمَّن قَالَ بِالنَّصِّ وَالِاخْتِيَار وَمِنْهَا أَنه الَّذِي يولي الْقُضَاة والحكام وَينظر فِي أحكامهم وَمَا يُوجب صرفهم وجرحهم وَنقض أحكامهم وَلنْ يملك علمه بذلك وتمكنه مِنْهُ إِلَّا بِأَن يكون كهم فِي الْعلم أَو فَوْقهم وَمِنْهَا إِجْمَاع الْأمة على أَن للْإِمَام أَن يُبَاشر الْقَضَاء وَالْأَحْكَام بِنَفسِهِ وَلَا يسْتَخْلف قَاضِيا مَا اسْتغنى بِنَفسِهِ وَنَظره وَلنْ يصلح للْحكم إِلَّا من صلح أَن يكون قَاضِيا من قُضَاة الْمُسلمين فصح بذلك مَا قُلْنَاهُ وَأما مَا يدل على أَنه لَا بُد أَن يكون من الصرامة وَسُكُون الجأش وَقُوَّة النَّفس وَالْقلب بِحَيْثُ لَا تروعه إِقَامَة الْحُدُود وَلَا يهوله ضرب الرّقاب وَتَنَاول النُّفُوس فَهُوَ أَنه إِذا لم يكن بِهَذِهِ الصّفة قصر عَمَّا لأَجله أقيم من إِقَامَة الْحَد واستخراج الْحق وأضر فشله فِي هَذَا الْأَمر بِمَا نصب لَهُ وَأما مَا يدل على وجوب كَونه عَالما بِأَمْر الْحَرْب وتدبير الجيوش وسد الثغور وحماية الْبَيْضَة وَمَا يتَّصل بذلك من الْأَمر فَهُوَ أَنه إِذا لم يكن عَالما بذلك لحق الْخلَل فِي جَمِيعه وتعدى الضَّرَر بجهله بذلك إِلَى الْأمة وطمع فِي الْمُسلمين عدوهم وَكثر تغالبهم ووقفت أحكامهم وَأدّى إِلَى إبِْطَال مَا أقيم لأَجله فَوَجَبَ بذلك مَا قُلْنَاهُ وَأما مَا يدل على أَنه يجب أَن يكون أفضلهم مَتى لم يكن هُنَاكَ

стр. 452

عَارض يمْنَع من إِقَامَة الْأَفْضَل فالأخبار المتظاهرة عَن النَّبِي ﷺ فِي وجوب تقدمة الْأَفْضَل وَمِنْهَا قَوْله ﷺ (يؤم الْقَوْم أفضلهم) وَقَوله (أئمتكم شفعاؤكم فانظروا بِمن تستشفعون) وَقَوله فِي خبر آخر (أئمتكم شفعاؤكم إِلَى الله فقدموا خَيركُمْ) وَقَوله (من تقدم على قوم من الْمُسلمين يرى أَن فيهم من هُوَ أفضل مِنْهُ فقد خَان الله وَرَسُوله وَالْمُسْلِمين) فِي أَمْثَال هَذِه الْأَخْبَار مِمَّا قد تَوَاتَرَتْ على الْمَعْنى وَإِن اخْتلفت ألفاظها وَقد اتّفق الْمُسلمُونَ على أَن أعظم الْإِمَامَة الإمامه الْكُبْرَى وَأَن إِمَام الْأمة الْأَعْظَم لَهُ أَن يتَقَدَّم فِي الصَّلَاة فَيجب لأجل ذَلِك أجمع أَن يكون أفضلهم وَيدل على ذَلِك أَيْضا إِجْمَاع الْأمة فِي الصَّدْر الأول على طلب الْأَفْضَل وتمثيلهم بَين أهل الشورى وَقَول عبد الرَّحْمَن لم أرهم يعدلُونَ بعثمان

стр. 453

أحدا وَقَول أبي عُبَيْدَة لعمر حِين قَالَ مد يدك أبايع لَك أَتَقول هَذَا وَأَبُو بكر حَاضر وَالله مَا كَانَ لَك فِي الْإِسْلَام فهة غَيرهَا وَترك الكافة الْإِنْكَار عَلَيْهِ وَقبُول عمر لهَذَا مِنْهُ وإضرابه عَن مُرَاجعَته وَإِنَّمَا استجاز عمر قبُول ذَلِك خشيَة الْفِتْنَة وَأَن لَا تستقيم الْأمة على أفضلهَا وَلذَلِك قَالَ وقى الله شَرها وَأما مَا يدل على جَوَاز العقد للمفضول وَترك الْأَفْضَل لخوف الْفِتْنَة والتهارج فَهُوَ أَن الإِمَام إِنَّمَا ينصب لدفع الْعَدو وحماية الْبَيْضَة وسد الْخلَل وَإِقَامَة الْحُدُود واستخراج الْحُقُوق فَإِذا خيف بِإِقَامَة أفضلهم الْهَرج وَالْفساد والتغالب وَترك الطَّاعَة وَاخْتِلَاف السيوف وتعطيل الْأَحْكَام والحقوق وطمع عَدو الْمُسلمين فِي اهتضامهم وتوهين أَمرهم صَار ذَلِك عذرا وَاضحا فِي الْعُدُول عَن الْفَاضِل إِلَى الْمَفْضُول وَيدل على ذَلِك علم عمر ﵁ وَسَائِر الصَّحَابَة وَالْأمة بِأَن فِي السِّتَّة فَاضلا ومفضولا وَقد أجَاز العقد لكل وَاحِد مِنْهُم إِذا أدّى إِلَى صَلَاحهمْ وَجمع كلمتهم من غير إِنْكَار أحد عَلَيْهِ ذَلِك فَثَبت أَيْضا مَا قُلْنَاهُ وَأما مَا يدل على أَنه لَا يجب أَن يكون من بني هَاشم دون غَيرهَا من قبائل قُرَيْش فَهُوَ أَن ظَاهر الْخَبَر لَا يَقْتَضِي ذَلِك وَلَا الْعقل يُوجِبهُ وَظَاهر قَوْله ﷺ (الْأَئِمَّة من قُرَيْش) يُوجب كَونهَا شائعة فِي سَائِرهمْ فَإِن قَالَ قَائِل هلا قُلْتُمْ إِنَّهَا تجوز فِي موَالِي قُرَيْش لقَوْل النَّبِي ﷺ (موَالِي الْقَوْم مِنْهُم) قيل لَهُ هَذَا إِنَّمَا قَالَه مجَازًا واتساعا وتألفا للموالي

стр. 454

وإكراما لَهُم وَمُطلق قَوْله من قُرَيْش يُوجب أَن يكون من الصميم دون الموَالِي وَأما مَا يدل على أَنه لَا يجب أَن يكون مَعْصُوما عَالما بِالْغَيْبِ وَلَا بِجَمِيعِ الدّين حَتَّى لَا يشذ عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْء فَهُوَ أَن الإِمَام إِنَّمَا ينصب لإِقَامَة الْأَحْكَام وحدود وَأُمُور قد شرعها الرَّسُول ﷺ وَقد تقدم علم الْأمة بهَا وَهُوَ فِي جَمِيع مَا يَتَوَلَّاهُ وَكيل للْأمة ونائب عَنْهَا وَهِي من وَرَائه فِي تسديده وتقويمه وإذكاره وتنبيهه وَأخذ الْحق مِنْهُ إِذا وَجب عَلَيْهِ وخلعه والاستبدال بِهِ مَتى اقْتَرَف مَا يُوجب خلعه فَلَيْسَ يحْتَاج مَعَ ذَلِك إِلَى أَن يكون مَعْصُوما كَمَا لَا يحْتَاج أميره وقاضيه وجابي خراجه وصدقاته وَأَصْحَاب مسَائِله وحرسه إِلَى أَن يَكُونُوا معصومين وَهُوَ فَلَيْسَ يَلِي بِنَفسِهِ شَيْئا أَكثر مِمَّا يَلِيهِ خلفاؤه من هَذِه الْأُمُور فَإِن قَالُوا فَهُوَ الْمولي لخلفائه فَيجب أَن يكون لذَلِك مَعْصُوما من الْخَطَأ قيل لَهُم وَكَذَلِكَ أمراؤه وقضاته وعمال خَارجه يولون خلفائهم فَيجب أَن يَكُونُوا لذَلِك معصومين وَيدل على هَذَا اعْتِرَاف الْخُلَفَاء الرَّاشِدين بِأَنَّهُم غير معصومين وَترك إِنْكَار الْأمة أَو وَاحِد مِنْهُم تولى الْآمِر مَعَ اعترافهم يَنْفِي الْعِصْمَة عَنْهُم هَذَا أَبُو بكر يَقُول أَطِيعُونِي مَا أَطَعْت الله فَإِذا عصيت الله فَلَا طَاعَة لي عَلَيْكُم إِلَى قَوْله لَا أوثر فِي أَشْعَاركُم وَأَبْشَاركُمْ وَهَذَا عمر يَقُول رحم الله امْرَءًا أهْدى إِلَيْنَا عيوبنا وَلَوْلَا عَليّ لهلك عمر وَلَوْلَا معَاذ لهلك عمر وَهَذَا عُثْمَان يَقُول أَحَلَّتْهُمَا آيَة وحرمتهما آيَة يَعْنِي فِي

стр. 455

الْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ بِملك الْيَمين وَهَذَا عَليّ يرى الرَّأْي ثمَّ يرجع عَنهُ كَالَّذي قيل لَهُ فِي بيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد أجمع رَأْيِي ورأي عمر على أَلا يبعن وَقد رَأَيْت بيعهنَّ وَيسْأل عَن مسَائِل فِي الْأَحْكَام وَيطْلب الرِّوَايَات كطلبهم وَيَقُول فِيمَا بلي بِهِ من الْحَرْب والهرج وتشتت الآراء عَلَيْهِ (لقد زللت زلَّة لَا أعْتَذر ... سَوف أَكيس بعْدهَا وأنشمر) (وَأجْمع الرَّأْي الشتيت الْمُنْتَشِر ... ) وَفِي غير ذَلِك مِمَّا حُكيَ عَنهُ مِمَّا تقر الشِّيعَة أَنه لَيْسَ بصواب فِي الدّين كَفعل التَّحْكِيم وَبيعه السَّبي على مصقلة بن هُبَيْرَة واحتماله المَال وتوليته من خَان الله والمسليمن وخانه وَلحق باالمنابذين لَهُ والخارجين عَلَيْهِ وادعائهم فِي ذَلِك التقية وَمَعَ مَا أعلمهُ النَّبِي ﷺ بِمَا يؤول الْأَمر إِلَيْهِ وَهَذَا بَاطِل مَتْرُوك بِالظَّاهِرِ الْمَعْلُوم وَإِن كَانَ هَذَا أجمع لَيْسَ بخطأ من فعله عندنَا لما قد بَيناهُ فِي غير هَذَا الْكتاب بَاب ذكر مَا أقيم الإِمَام لأَجله فَإِن قَالُوا فَهَل تحْتَاج الْأمة إِلَى علم الإِمَام وَبَيَان شَيْء خص بِهِ دونهم وكشف مَا ذهب علمه عَنْهُم قيل لَهُم لَا لِأَنَّهُ هُوَ وهم فِي علم الشَّرِيعَة وَحكمهَا سيان فَإِن قَالُوا فلماذا يُقَام الإِمَام قيل لَهُم لأجل مَا ذَكرْنَاهُ من قبل من تَدْبِير الجيوش وسد الثغور وردع الظَّالِم وَالْأَخْذ للمظلوم وَإِقَامَة الْحُدُود وَقسم الْفَيْء بَين الْمُسلمين وَالدَّفْع بهم فِي حجهم وغزوهم فَهَذَا الَّذِي يَلِيهِ

стр. 456

ويقام لأَجله فَإِن غلط فِي شَيْء مِنْهُ أَو عدل بِهِ عَن مَوْضِعه كَانَت الْأمة من وَرَائه لتقويمه وَالْأَخْذ لَهُ بواجبه بَاب ذكر مَا يُوجب خلع الإِمَام وَسُقُوط فرض طَاعَته إِن قَالَ قَائِل مَا الَّذِي يُوجب خلعه الإِمَام عنْدكُمْ قيل لَهُ يُوجب ذَلِك أُمُور مِنْهَا كفر بعد الْإِيمَان وَمِنْهَا تَركه إِقَامَة الصَّلَاة وَالدُّعَاء إِلَى ذَلِك وَمِنْهَا عِنْد كثير من النَّاس فسقه وظلمه بِغَصب الْأَمْوَال وَضرب الأبشار وَتَنَاول النُّفُوس الْمُحرمَة وتضييع الْحُقُوق وتعطيل الْحُدُود وَقَالَ الْجُمْهُور من أهل الْإِثْبَات وَأَصْحَاب الحَدِيث لَا ينخلع بِهَذِهِ الْأُمُور وَلَا يجب الْخُرُوج عَلَيْهِ بل يجب وعظه وتخويفه وَترك طَاعَته فِي شَيْء مِمَّا يَدْعُو إِلَيْهِ من معاصي الله وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بأخبار كَثِيرَة متظاهرة عَن النَّبِي ﷺ وَعَن أَصْحَابه فِي وجوب طَاعَة الْأَئِمَّة وَإِن جاروا واستأثروا بالأموال وَأَنه قَالَ ﷺ (اسمعوا وَأَطيعُوا وَلَو لعبد أجدع وَلَو لعبد حبشِي وصلوا وَرَاء كل بر وَفَاجِر) وَرُوِيَ أَنه قَالَ أطعهم وَإِن أكلُوا مَالك وضربوا ظهرك وأطيعوهم مَا أَقَامُوا الصَّلَاة فِي أَخْبَار كَثِيرَة وَردت

стр. 457

فِي هَذَا الْبَاب وَقد ذكرنَا مَا فِي هَذَا الْبَاب فِي كتاب إكفار المتأولين وَذكرنَا مَا رُوِيَ فِي معارضتها وَقُلْنَا فِي تَأْوِيلهَا بِمَا يغنى النَّاظر فِيهِ إِن شَاءَ الله وَمِمَّا يُوجب خلع الإِمَام أَيْضا تطابق الْجُنُون عَلَيْهِ وَذَهَاب تَمْيِيزه وبلوغه فِي ذَلِك إِلَى مُدَّة يضر الْمُسلمين زَوَال عقله فِيهَا أَو يُؤذن باليأس من صِحَّته وَكَذَلِكَ القَوْل فِيهِ إِذا صم أَو خرس وَكبر وهرم أَو عرض لَهُ أَمر يقطع عَن النّظر فِي مصَالح الْمُسلمين والنهوض بِمَا نصب لأَجله أَو عَن بعضه لِأَنَّهُ إِنَّمَا أقيم لهَذِهِ الْأُمُور فَإِذا عطل وَجب خلعه وَنصب غَيره وَكَذَلِكَ إِن حصل مأسورا فِي يَد الْعَدو إِلَى مُدَّة يخَاف مَعهَا الضَّرَر الدَّاخِل على الْأمة ويوأس مَعهَا من خلاصه وَجب الِاسْتِبْدَال بِهِ فَإِن فك أسره أَو ثاب عقله أَو برىء من مَرضه وزمانته لم يعد إِلَى أمره وَكَانَ رعية للوالي بعده لِأَنَّهُ عقد لَهُ عِنْد خلعه وَخُرُوجه من الْحق فَلَا حق لَهُ فِيهِ وَلَيْسَ مِمَّا يُوجب خلع الإِمَام حُدُوث فضل فِي غَيره وَيصير بِهِ أفضل مِنْهُ وَإِن كَانَ لَو حصل مفضولا عِنْد ابْتِدَاء العقد لوَجَبَ الْعُدُول عَنهُ إِلَى الْفَاضِل لِأَن تزايد الْفضل فِي غَيره لَيْسَ بِحَدَث مِنْهُ فِي الدّين وَلَا فِي نَفسه يُوجب خلعه وَمثل هَذَا مَا حكيناه عَن أَصْحَابنَا أَن حُدُوث الْفسق فِي الإِمَام بعد العقد لَهُ لَا يُوجب خلعه وَإِن كَانَ مِمَّا لَو حدث فِيهِ عِنْد ابْتِدَاء العقد لبطل العقد لَهُ وَوَجَب الْعُدُول عَنهُ وأمثال هَذَا فِي الشَّرِيعَة كَثِيرَة أَلا ترى أَنه لَو وجد الْمُتَيَمم المَاء قبل دُخُوله فِي الصَّلَاة لوَجَبَ عَلَيْهِ التَّوَضُّؤ بِهِ وَلَو طَرَأَ عَلَيْهِ وَهُوَ فِيهَا لم يلْزمه ذَلِك وَكَذَلِكَ لَو وَجَبت عَلَيْهِ الرَّقَبَة فِي كَفَّارَته وَهُوَ مُوسر لم يجز غَيرهَا وَلَو حدث الْيَسَار بعد مضيه فِي شَيْء من الصّيام لم يبطل حكم

стр. 458

صِيَامه وَلَا يلْزمه غير مَا دخل فِيهِ فِي أَمْثَال لهَذَا كَثِيرَة وَكَذَلِكَ حكم القَوْل فِي حُدُوث الْفضل على الإِمَام بعد العقد لَهُ بَاب الْكَلَام فِي إِمَامَة أبي بكر ﵁ إِن قَالَ قَائِل مَا الدَّلِيل على إِثْبَات إِمَامَة أبي بكر وَأَن العقد لَهُ وَقع موقعا صَحِيحا قيل لَهُ الدَّلِيل على ذَلِك أَنه بِصفة من يصلح للْإِمَامَة وَزِيَادَة عَلَيْهَا بِمَا سنصفه فِيمَا بعد إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَأَن الْعَاقِدين لَهُ الْأَمر يَوْم السَّقِيفَة من أفاضل أهل الْحل وَالْعقد مِمَّن يصلح أَيْضا لإمامة الْمُسلمين والتقدم عَلَيْهِم وهم عمر بن الْخطاب وَأَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح بِمحضر من بشير بن

стр. 459

سعد وَأسيد بن الْحضير وَعمْرَان بن الْحصين وَغَيرهم من الْأَنْصَار وَمن حضر من الْمُهَاجِرين وَأَن هَذَا العقد وَقع بِمحضر من جُمْهُور الْأمة وَأهل الْقدْوَة مِنْهُم وَلم يُنكره مُنكر وَلَا قدح فِيهِ قَادِح بل تتابعوا على الْبيعَة من ساعتهم وَبَقِيَّة يومهم وأذعنت لَهُ الْأَنْصَار وانقادت بعد خلَافهَا وغلطها فِيهِ الْمُتَّفق عَلَيْهِ لِأَنَّهَا أَرَادَت إِخْرَاج الْأَمر عَن قُرَيْش وَنصب إمامين فِي وَقت وَاحِد وَقَالَ الْحباب بن الْمُنْذر مِنْهُم منا أَمِير ومنكم أَمِير وَهَذَا غلط حاولوه بِاتِّفَاق الْمُسلمين فَلَو أَقَامُوا عَلَيْهِ وخالفوا أَبَا بكر بعد عقد من عقد لَهُ الْأَمر لوَجَبَ أَن يَكُونُوا فِي ذَلِك آثمين ولوجب حربهم وقتالهم إِلَى أَن يرجِعوا عَن الْبَغي وشق الْعَصَا لِأَن العقد قد تمّ لمن حضر وَعقد وَقد دللنا على ذَلِك من قبل فَلَا نحتاج فِي إِثْبَات إِمَامَة أبي بكر إِلَى وُقُوع الْإِجْمَاع عَلَيْهَا وَلَا نستضر وَلَا نستوحش من خلاف مُخَالف فِيهَا غير أَن الله قد وقى كل أحد من الْمُسلمين فِي ذَلِك الْوَقْت مواقعة هَذِه الْمعْصِيَة ووفر دواعي الصَّحَابَة على ذَلِك وَجمع

стр. 460

همتهم على طَاعَته والإذعان للحق الَّذِي لَزِمَهُم الانقياد لَهُ وَلَيْسَ يجوز لمُسلم اتَّقى الله أَن يضيف إِلَى عَليّ بن أبي طَالب ﵇ وَالزُّبَيْر بن الْعَوام التَّأَخُّر عَن بيعَته بأخبار آحَاد واهية مجيئها من نَاحيَة متهومة لِأَن تأخرهم عَن الْبيعَة مَعَ مَا وصفناه من صِحَة وثبوتها ضرب من الْإِثْم والعصيان وَلَيْسَ يُمكن إِضَافَة مَعْصِيّة إِلَى الصَّحَابَة بِمثل هَذَا الطَّرِيق لَا سِيمَا إِذا رووا مَعَ ذَلِك أَن أَبَا بكر ﵇ كَانَ يَدعُوهُم إِلَى الطَّاعَة وَلُزُوم الْجَمَاعَة وَيحرم عَلَيْهِم تأخرهم وَلَا يسوغهم ذَلِك وَكَذَلِكَ يجب أَن ينفى عَن عبد الله بن مَسْعُود إِخْرَاجه المعوذتين من الْمُصحف ومخالفته الْجَمَاعَة وكل أَمر رُوِيَ عَن الصَّحَابَة فِيهِ تأثيم وَقذف بعصيان فَيجب أَن نبطله وننفيه إِذا ورد وُرُود الْآحَاد لِأَن من ثَبت إيمَانه وبره وعدالته لَا يفسق بأخبار الْآحَاد وعَلى أَن نعلم بواضح النّظر كذب من ادّعى تَأَخّر عَليّ وَالْعَبَّاس وَالزُّبَيْر لِأَن مثل هَذَا الْخطب الجسيم فِي مثل هَذَا الْأَمر الْعَظِيم يجب إشهاره وظهوره وَأَن ينْقل نقل مثله فَكيف حفظت الْأمة بأسرها وَعلمت مُخَالفَة عَليّ لأبي بكر وَغَيره من الصَّحَابَة فِي حكم أم الْوَلَد والتوريث الَّذِي إِنَّمَا تعلمه الْخَاصَّة وَذهب عَنْهَا علم تَأَخره وَتَأَخر الزبير عَن الْبيعَة حَتَّى لَا يرد إِلَّا وردا شاذا ضَعِيفا وَتَكون الْأَخْبَار الْكَثِيرَة فِي معارضته ومناقضته وَالْعَادَة جَارِيَة بِلُزُوم مثل هَذَا للقلوب وَإِطْلَاق الألسن بِذكرِهِ واشتهاره وإظهاره دون طيه وكتمانه
следующие страницы →