← Акыда

Акыда · id 6389

تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل

الباقلاني

Полный текст (536 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

قَالُوا الَّذِي تزندق وتهود غير الَّذِي كَانَ مجوسيا قيل لَهُم فعلى هَذَا مَا انْتقل أحد قطّ عَن حق اعتقده والمعتقد للمجوسية على مَا هُوَ عَلَيْهِ وَإِن صَار إِلَى التدين باليهودية والزندقة لم يُفَارق مَا اعتقده قطّ وَلَا برىء مِنْهُ وَهَذَا جحد الضَّرُورَة والحس لِأَن الْإِنْسَان يجد من نَفسه اعتقادا لغير مَا كَانَ مُعْتَقدًا لَهُ وذمه لما كَانَ عَلَيْهِ بعد مدحه لَهُ فَلَا معنى لمناظرة من انْتهى إِلَى هَذَا الْحَد بَاب الْكَلَام على النَّصَارَى فِي قَوْلهم إِن الله تَعَالَى جَوْهَر يُقَال لَهُم لم قُلْتُمْ إِن الله سُبْحَانَهُ جَوْهَر وَمَا دليلكم على ذَلِك فَإِن قَالُوا الدَّلِيل على ذَلِك أننا وجدنَا الْأَشْيَاء كلهَا فِي الشَّاهِد والوجود

стр. 72

لَا تَخْلُو من أَن تكون جَوَاهِر وأعراضا وَقد اتفقنا على أَن الْقَدِيم لَيْسَ بِعرْض فَوَجَبَ أَن يكون جوهرا أَو قَالُوا الدَّلِيل على ذَلِك أَنا وجدنَا الْأَشْيَاء كلهَا لَا تخرج عَن قسمَيْنِ إِمَّا قَائِم بِنَفسِهِ أَو قَائِم بِغَيْرِهِ والقائم بِغَيْرِهِ هُوَ الْعرض والقائم بِنَفسِهِ هُوَ الْجَوْهَر فَلَمَّا فسد من قَوْلنَا وقولكم أَن يكون قَائِما بِغَيْرِهِ وَأَن يكون عرضا ثَبت أَنه قَائِم بِنَفسِهِ وَأَنه جَوْهَر من الْجَوَاهِر أَو قَالُوا الدَّلِيل على ذَلِك أَنا وجدنَا الْأَشْيَاء كلهَا على ضَرْبَيْنِ فَضرب مِنْهَا يَصح مِنْهُ الْأَفْعَال وَهُوَ الْجَوْهَر وَضرب تتعذر وتمتنع مِنْهُ الْأَفْعَال وَهُوَ الْعرض فَلَمَّا ثَبت أَن الْقَدِيم فَاعل وَمِمَّنْ تَأتي مِنْهُ الْأَفْعَال ثَبت أَنه جَوْهَر أَو قَالُوا الدَّلِيل على ذَلِك أَنا وجدنَا الْأَشْيَاء على ضَرْبَيْنِ شرِيف وَهُوَ الْجَوْهَر الْقَائِم بِنَفسِهِ المستغني فِي الْوُجُود عَن غَيره وخسيس قَائِم بِغَيْرِهِ ومحتاج إِلَيْهِ وَهُوَ الْعرض فَلَمَّا لم يجز أَن يكون الْقَدِيم من قبيل الخسيس ثَبت أَنه شرِيف وَأَنه قَائِم بِنَفسِهِ

стр. 73

فَيُقَال لَهُم لم زعمتم أَولا أَنكُمْ إِذا لم تَجدوا الْأَشْيَاء فِي الشَّاهِد إِلَّا على مَا وصفتم وَجب الْقَضَاء على الْغَائِب بِمُجَرَّد الشَّاهِد وَأَن الْمَوْجُود فِي الْغَائِب لَا يَنْفَكّ من أَصْنَاف الموجودات فِي الشَّاهِد وَمَا حجتكم على ذَلِك فَإِن الْخلاف فِي جِهَة استدلالكم أعظم والغلط وَالْخَطَأ فِيهِ أفحش ثمَّ يُقَال لَهُم فَأنْتم أَيْضا لم تَجدوا حَادِثا إِلَّا وَقَبله حَادث وَلَا شَيْئا إِلَّا عَن شَيْء وَلَا جسما إِلَّا وَبعده جسم وفوقه جسم وَتَحْته جسم وَمن عَن يَمِينه وشماله وتجاهه وَخَلفه جسم وَلَا وجدْتُم فَاعِلا اخترع الْأَجْسَام وأحدث الْأَفْعَال بِغَيْر أدوات وآلات وجوارح وعلاج فاقضوا بذلك على قدم الْعَالم وَنفي النِّهَايَة عَنهُ وَأَن الْحَوَادِث لَا أول لَهَا وَأَن الْأَجْسَام لَا كل لَهَا وَلَا غَايَة وَألا إِنْسَان إِلَّا من نُطْفَة إِلَّا من إِنْسَان وَلَا طَائِر إِلَّا من بَيْضَة وَلَا بَيْضَة إِلَّا من طَائِر أبدا إِلَى غير نِهَايَة وَهَذَا لُحُوق بِأَهْل الدَّهْر وَكَذَلِكَ فاقضوا على أَنه لَا فَاعل لأجسام الْعَالم وَأَن الْفَاعِل لأغراضه يَفْعَلهَا بآلات وأدوات وأوجبوا على من نَشأ فِي بلد الزنج فَلم يجد بهَا مَاء إِلَّا عذبا وَلَا إنْسَانا إِلَّا أسود وَلَا زرعا إِلَّا أَخْضَر أَن يقْضِي على أَنه لَا مَاء إِلَّا عذب وَلَا إِنْسَان إِلَّا كَمَا وجد وَشَاهد حَتَّى يوجبوا الْقَضَاء بِالْجَهْلِ الَّذِي يعلم بُطْلَانه اضطرارا فَإِن مروا على ذَلِك أجمع لَحِقُوا بِأَهْل الدَّهْر والجهالات وَإِن امْتَنعُوا مِنْهُ نقضوا استدلالهم

стр. 74

ثمَّ يُقَال لَهُم أفليس قد اتفقنا على أَنه لَا مَوْجُود مَعْلُوم فِي الشَّاهِد والمعقول إِلَّا مُحدث مَوْجُود عَن عدم فَإِذا قَالُوا أجل قيل لَهُم فَيجب أَن يكون صانع الْعَالم جلّ ذكره مَوْجُودا مُحدثا قِيَاسا على الشَّاهِد فَإِن مروا على ذَلِك تركُوا مَذْهَبهم وَإِن أَبوهُ نقضوا دليلهم ثمَّ يُقَال لَهُم فَهَل وجدْتُم جوهرا فِي الشَّاهِد إِلَّا متحيزا قَابلا للأعراض من جنس هَذِه الْجَوَاهِر المعقولة فَإِذا قَالُوا بلَى قيل لَهُم فَيجب عَلَيْكُم إِذا كَانَ الْقَدِيم تَعَالَى جوهرا أَن يكون كالجواهر المعقولة وَمن جِنْسهَا وقابلا للأعراض كقبولها فَإِن مروا على ذَلِك تركُوا دينهم وَإِن أَبوهُ قيل لَهُم فَمَا أنكرتم أَن يكون الْقَدِيم سُبْحَانَهُ مَوْجُودا لَيْسَ بجوهر وَلَا عرض وَلَا كالموجودات فِي الشَّاهِد كَمَا أَنه لَيْسَ كالجواهر وَلَا فصل فِي ذَلِك أبدا ثمَّ يُقَال لَهُم على سَائِر أدلتهم الَّتِي قدمنَا ذكرهَا مَا أنكرتم أَن يكون الْقَدِيم حَامِلا للأعراض بِمثل كل دَلِيل ذكرتموه وَذَلِكَ أَنا وجدنَا الْأَشْيَاء كلهَا على ضَرْبَيْنِ فَضرب فعال شرِيف قَائِم بِنَفسِهِ لَيْسَ بِعرْض وَهُوَ الْحَامِل للأعراض وَضرب آخر لَيْسَ قَائِما بِنَفسِهِ وَلَا فعالا وَلَا شريفا وَهُوَ الْعرض فَلَمَّا ثَبت أَن الْقَدِيم فعال قَائِم بِنَفسِهِ شرِيف لَيْسَ بخسيس ثَبت أَنه حَامِل للأعراض ذُو حيّز وشغل فَإِن مروا على ذَلِك تركُوا دينهم وَإِن أَبوهُ أبطلوا استدلالهم إبطالا ظَاهرا ثمَّ يُقَال لَهُم إِنَّكُم قد أخطأتم فِي قسْمَة الْأَشْيَاء المعقولة الْمَوْجُودَة

стр. 75

لِأَن مِنْهَا الفعال الشريف الْقَائِم بِنَفسِهِ الَّذِي هُوَ الْجِسْم الْمُؤلف وَلَيْسَ بِشَيْء وَاحِد وَمِنْهَا الشريف الْقَائِم بِنَفسِهِ الَّذِي هُوَ الْجَوْهَر الَّذِي لَيْسَ بمؤلف فَمَا أنكرتم أَن يكون الْبَارِي سُبْحَانَهُ جسما فَإِن قَالُوا لأننا لم نعقل جسما إِلَّا متغايرا مؤتلفا مصورا وَهَذِه الْأُمُور من صِفَات الْحَدث والباري سُبْحَانَهُ لَا يجوز عَلَيْهِ ذَلِك فَبَطل أَن يكون جسما يُقَال لَهُم أَيْضا فَمَا أنكرتم من اسْتِحَالَة كَونه جوهرا لأننا لم نعقل جوهرا إِلَّا شاغلا متحيزا قَابلا للحوادث من جنس هَذِه الْجَوَاهِر وَهَذِه الْأُمُور دَالَّة على حدث من جَازَت عَلَيْهِ فَلَمَّا لم يجز أَن يكون الْقَدِيم سُبْحَانَهُ مُحدثا لم يجز أَن يكون جوهرا فَإِن قَالُوا الْجَوَاهِر ضَرْبَان شرِيف وخسيس فالخسيس هُوَ الْقَابِل مِنْهَا للأعراض الَّذِي يتَمَيَّز ويشغل الْمَكَان والشريف هُوَ مَا لَا يجوز ذَلِك عَلَيْهِ مِنْهَا فَوَجَبَ أَن يكون غير متميز وَلَا قَابل للأعراض قيل لَهُم مَا أنكرتم أَيْضا أَن تكون الْأَجْسَام على ضَرْبَيْنِ جسم خسيس وَهُوَ المتميز الْقَابِل لصورة والتأليف والحوادث وَضرب شرِيف لَا يقبل شَيْئا من ذَلِك وَلَا يجوز عَلَيْهِ وَالْقَدِيم سُبْحَانَهُ شرِيف فَوَجَبَ أَنه جسم لَيْسَ بِذِي صُورَة وَلَا مَكَان وَلَا قَابلا للأعراض وَلَا جَوَاب لَهُم عَن شَيْء من ذَلِك

стр. 76

الْكَلَام عَلَيْهِم فِي الأقانيم يُقَال لَهُم لم زعمتم أَن الْبَارِي سُبْحَانَهُ ثَلَاثَة أقانيم دون أَن تَقولُوا إِنَّه أَرْبَعَة وَعشرَة وَأكْثر من ذَلِك فَإِن قَالُوا من قبل أَنه قد ثَبت أَن الْبَارِي سُبْحَانَهُ مَوْجُود جَوْهَر وَثَبت أَنه حَيّ وَأَنه عَالم فَوَجَبَ أَنه جَوْهَر وَاحِد ثَلَاثَة أقانيم مِنْهَا الْجَوْهَر الْمَوْجُود وَمِنْهَا الْعلم والحياة لِأَن الْحَيّ الْعَالم لَا يكون حَيا عَالما حَتَّى يكون ذَا حَيَاة وَعلم فَوَجَبَ أَن الأقانيم ثَلَاثَة فَيُقَال لَهُم مَا أنكرتم من أَن تكون الأقانيم أَرْبَعَة لأننا نقُول إِن الْقَدِيم مَوْجُود حَيّ عَالم قَادر والقادر لَا بُد لَهُ من قدرَة فَوَجَبَ أَن تكون الأقانيم أَرْبَعَة فَإِن قَالُوا الْقُدْرَة هِيَ الْحَيَاة فهما أقنوم وَاحِد قيل لَهُم فَمَا أنكرتم أَن يكون الْعلم هُوَ الْحَيَاة فَوَجَبَ أَن يكون الْبَارِي سُبْحَانَهُ أقنومين فَإِن قَالُوا قد ينقص الْعلم وَيزِيد وَيُوجد ويعدم والحياة بَاقِيَة بِحَالِهَا فَوَجَبَ أَن يكون الْعلم لَيْسَ من معنى الْحَيَاة فِي شَيْء قيل لَهُم فَكَذَلِك قد تنقص الْقُدْرَة وتزيد وتعدم جملَة ثمَّ تُوجد والحياة بِحَالِهَا فَوَجَبَ أَن تكون الْقُدْرَة غير الْحَيَاة وَبِخِلَاف مَعْنَاهُ

стр. 77

فَإِن قَالُوا قد يبطل الْعلم جملَة فِي حَالَة النّوم والغشي وَالْإِنْسَان حَيّ قيل لَهُم وَكَذَلِكَ قد تبطل الْقُدْرَة جملَة حَتَّى لَا يقدر الْإِنْسَان على تَحْرِيك يَده أَو لِسَانه أَو إِيمَاء بعض جوارحه وَهُوَ حَيّ فِي تِلْكَ الْحَال فَوَجَبَ أَن تكون الْقُدْرَة غير الْحَيَاة وَأَن الأقانيم أَرْبَعَة فَإِن قَالُوا دُخُول حرف الْمُبَالغَة فِي صفة الْعَالم فِي قَوْلنَا عَالم وَأعلم مِنْهُ واستحالة الْمُبَالغَة فِي صفة الْحَيّ والتفضيل بَين الْحَيَّيْنِ دَلِيل على أَن الْعلم لَيْسَ من الْحَيَاة فِي شَيْء قيل لَهُم فَقولُوا لأجل هَذَا بِعَيْنِه إِن الْقُدْرَة غير الْحَيَاة لأننا قد نبالغ فِي صفة الْقَادِر ونقول قَادر وأقدر مِنْهُ وَلَا نقُول حَيّ وَأَحْيَا مِنْهُ فَوَجَبَ أَن تكون الْقُدْرَة غير الْحَيَاة وَكَذَلِكَ يُقَال لَهُم مَا أنكرتم أَن تكون الأقانيم خَمْسَة وَعشرَة لأننا نقُول إِن الْبَارِي مَوْجُود حَيّ عَالم قَادر ونقول إِنَّه مُرِيد وباق وَسميع وبصير ومتكلم وَالْبَاقِي السَّمِيع الْبَصِير الْمُتَكَلّم المريد لَا يكون كَذَلِك إِلَّا لوُجُود بَقَاء وَإِرَادَة وَسمع وبصر وَكَلَام فَإِن قَالُوا الْبَقَاء هُوَ هُوَ قيل لَهُم والحياة وَالْعلم هما هُوَ فَقولُوا إِنَّه أقنوم وَاحِد فَإِن قَالُوا الْكَلَام والإرادة فعل من أَفعَال الْمُتَكَلّم المريد قيل لَهُم وَكَذَلِكَ الْعلم فعل من أَفعَال الْعَالم فَقولُوا إِنَّه أقنومان فَإِن قَالُوا قد يعلم بِالْعلمِ من لم يَفْعَله قيل لَهُم وَقد يُرِيد بالإرادة وَيتَكَلَّم بالْكلَام من لَا يَفْعَله وَكَذَلِكَ إِن قَالُوا سمع الْبَارِي سُبْحَانَهُ وبصره هُوَ نفس علمه فَوَجَبَ أَنَّهُمَا لَيْسَ

стр. 78

بأقنومين غير الْعلم قيل لَهُم وَكَذَلِكَ علم الْبَارِي سُبْحَانَهُ هُوَ حَيَاته فَوَجَبَ أَن يكون أقنومين وَلَا جَوَاب لَهُم عَن شَيْء من ذَلِك فَإِن قَالَ مِنْهُم قَائِل الأقنومية إِنَّمَا ثَبت للباري بِصفة ترجع إِلَى نَفسه لَا تعلق لَهَا بِغَيْرِهِ وَهِي كَونه مَوْجُودا وجوهرا يرجع إِلَى نَفسه وَكَونه حَيا يرجع إِلَيْهِ وَلَا تعلق لَهُ بِغَيْرِهِ وَكَونه عَالما بِنَفسِهِ صفة يرجع بهَا إِلَى نَفسه وَإِنَّمَا لَهُ أقنوم بِكَوْنِهِ عَالما بِنَفسِهِ لَا بِغَيْرِهِ قيل لَهُم وَكَذَلِكَ هُوَ قديم بِنَفسِهِ وَلَيْسَ كل مَوْجُود جوهرا قَدِيما بِنَفسِهِ فَوَجَبَ أَن يكون كَونه قَدِيما أقنوما رَابِعا وَكَذَلِكَ كَونه بَاقِيا صفة هُوَ شَيْء مَوْجُود بِنَفسِهِ وجوهر بِنَفسِهِ فَيجب أَن يكون كَونه شَيْئا مَوْجُودا أقنوما وَكَونه جوهرا أقنوما لِأَنَّهُ لَيْسَ كل مَوْجُود جوهرا يرجع إِلَى نَفسه لَا تعلق لَهُ بِغَيْرِهِ وَلَيْسَ كل مَوْجُود بَاقِيا فَيجب أَن يكون كَونه بَاقِيا أقنوما خَامِسًا وَلَا جَوَاب لَهُم عَن ذَلِك وَفِيه ترك التَّثْلِيث مَسْأَلَة عَلَيْهِم فِي الأقانيم يُقَال لَهُم خبروني عَن الْجَوْهَر الْعَام الْجَامِع للأقانيم الَّذِي هَذِه

стр. 79

الأقانيم لَهُ أقانيم أهوَ عنْدكُمْ الأقانيم أم غَيرهَا فَإِن قَالَت اليعقوبية والنسطورية لَيْسَ الْجَوْهَر بِغَيْر الأقانيم قيل أفليس الْجَوْهَر غير مُخْتَلف من حَيْثُ كَانَ جوهرا وَمن حَيْثُ لم يكن معدودا وَمن حَيْثُ لم تكن لَهُ

стр. 80

خَواص متباينة الْمَعْنى فَإِن قَالُوا أجل وَهُوَ قَوْلهم قيل لَهُم أفليس الأقانيم مُخْتَلفَة من حَيْثُ هِيَ خَواص متباينة الْمَعْنى وَمن حَيْثُ هِيَ مَعْدُودَة وَمن حَيْثُ هِيَ أقانيم وَمن حَيْثُ أَن الابْن مِنْهَا تدرع واتحد بجسد الْمَسِيح ﵇ دون الرّوح فَإِن قَالُوا نعم وَلَا بُد من ذَلِك قيل لَهُم فَإِذا كَانَ الْجَوْهَر هُوَ الأقانيم والأقانيم مُخْتَلفَة مَعْدُودَة متباينة فِي الِاخْتِصَاص وَمِنْهَا المتحد وَهِي نفس الْجَوْهَر فَنَفْس الْجَوْهَر إِذا مُخْتَلفَة مَعْدُودَة متباينة متحدة بناسوت الْمَسِيح ﵇ فَيجب أَن يكون نفس الْجَوْهَر الَّذِي لَيْسَ بمعدود وَلَا مُخْتَلف وَلَا مُتحد وَلَا متباين الْمَعْنى هُوَ نفس الْمُخْتَلف الْمَعْدُود المتباين الْمَعْنى المتحد وَهَذَا جهل مِمَّن صَار إِلَيْهِ وَلَيْسَ ذَلِك من قَوْلهم فِي الْجَوْهَر وَلَا خلاص لَهُم مِنْهُ فَإِن قَالَت الملكية مِنْهُم وهم الرّوم إِن الْجَوْهَر غير الأقانيم قيل لَهُم فَإِذا كَانَ الْجَوْهَر آلها والأقانيم الثَّلَاثَة آلِهَة وَهِي غَيره فالآلهة إِذا أَرْبَعَة جَوْهَر وَثَلَاثَة أقانيم غَيره وَهَذَا يبطل قَوْلكُم بالتثليث وَإِن قَالُوا الْآلهَة ثَلَاثَة أقانيم وَالرَّابِع جَوْهَر لَيْسَ بإله غير الثَّلَاثَة قيل لَهُم فَلَا فرق إِذا بَين قَول الأقانيم ثَلَاثَة وَلَا جَوْهَر هُنَاكَ يجمعها وَتَكون لَهُ وَبَين قَول إِن هُنَاكَ ثَلَاثَة أقانيم وجوهرا جَامعا لَهَا فَيجب أَن يكون وجود الرَّابِع كَعَدَمِهِ وإثباته كنفيه وَهَذَا جهل مِمَّن صَار إِلَيْهِ وَيُقَال لَهُم إِن جَازَ أَن يكون الرَّابِع من الثَّلَاثَة ثَلَاثَة فَقَط فَمَا

стр. 81

أنكرتم أَن يكون الرّوح وَالْعلم مَعَ الْإِلَه الْمَوْجُود وَاحِدًا فَقَط وَأَن يكون أقنوما وَاحِد وَلَا يكون الثَّانِي وَالثَّالِث شَيْئا يزِيد على الْوَاحِد كَمَا لم يكن الرَّابِع شَيْئا يزِيد على الثَّالِث فَتكون الثَّلَاثَة الأقانيم هِيَ جَوْهَر وَاحِد كَمَا كَانَت الْأَرْبَعَة الَّتِي مِنْهَا الْجَوْهَر ثَلَاثَة وَلَا جَوَاب عَن ذَلِك وَكَذَلِكَ يُقَال لَهُم وللنسطورية واليعقوبية فِي قَوْلهم إِن الْأَب إِلَه وَإِن الابْن إِلَه وَإِن الرّوح إِلَه وَإِن الْآلهَة مَعَ ذَلِك وَاحِد لِأَنَّهُ إِذا كَانَ كل وَاحِد مِنْهُم إِلَهًا فهم ثَلَاثَة آلِهَة وَلَا معنى لقَولهم إِلَه وَاحِد وهم قد جعلُوا الإلهية لكل وَاحِد مِنْهُم مَسْأَلَة أُخْرَى على الملكية يُقَال لَهُم خبرونا عَن الْجَوْهَر الَّذِي هُوَ عنْدكُمْ غير الأقانيم أهوَ مَعَ ذَلِك مُخَالف لَهَا أَو مُوَافق لَهَا فَإِن قَالُوا إِنَّه مُوَافق لَهَا قيل لَهُم

стр. 82

فَيجب أَن يكون أقانيم مثلهَا وَأَن يكون الْجَوْهَر ابْنا من حَيْثُ وَافق الابْن وَأَن يكون روحا من حَيْثُ وَافق الرّوح وَأَن يكون أقنوما وخاصا لجوهر آخر خَامِس كَمَا أَن الأقانيم خَواص لجوهر وَيجب أَيْضا أَن تكون نَفسه متباينة الْمَعْنى مُخْتَلفَة من حَيْثُ أشبهت أقانيم مُخْتَلفَة الْمعَانِي وَأَن يكون ابْن نَفسه وروح نَفسه لِأَنَّهُ مثل ابْنه وروحه وبمعناهما وَهَذَا جهل عَظِيم وَترك لقَولهم إِن صَارُوا إِلَيْهِ وَإِن قَالُوا لَيْسَ الْجَوْهَر مُوَافقا للأقانيم من كل جِهَة وَإِنَّمَا يُوَافِقهَا بالجوهرية لِأَن جوهرها من جوهره وَإِنَّمَا يُخَالِفهَا فِي القنومية قيل لَهُم فالجهة الَّتِي وافقها بهَا وَهِي الجوهرية هِيَ الْجِهَة الَّتِي خالفها بهَا وَهِي القنومية فَإِن قَالُوا نعم جعلُوا معنى الجوهرية هُوَ معنى القنومية وَقيل لَهُم فَمَا أنكرتم أَن يكون الْجَوْهَر أقنوما لجوهر آخر ولنفسه وَذَلِكَ ترك قَوْلهم فَإِن قَالُوا جِهَة الِاخْتِلَاف بَينهمَا وَهِي القنومية غير جِهَة الِاتِّفَاق الَّتِي هِيَ الجوهرية قيل لَهُم فَيجب أَن يكون هُنَاكَ خلاف ثَابت بَين الْجَوْهَر والأقانيم فِي القنومية وَأَن يكون ذَلِك الْخلاف لَا يعدو أَن يكون جوهرا أَو عرضا وَإِلَّا وَجب أَن يُوَافِقهَا بِنَفسِهِ فِي الجوهرية ويخالفها بِنَفسِهِ فِي القنومية وَإِن جَازَ ذَلِك جَازَ أَن يكون وفَاق الشَّيْئَيْنِ هُوَ خلافهما وَأَن يكون

стр. 83

قدمه هُوَ حُدُوثه وَأَن يكون قَدِيما مُحدثا لنَفسِهِ وَفِي فَسَاد ذَلِك دَلِيل على بطلَان مَا قَالُوا فَإِن قَالَ مِنْهُم قَائِل أفليس قد قُلْتُمْ أَنْتُم فِي صِفَات الْبَارِي سُبْحَانَهُ إِنَّهَا لَيست بموافقة لَهُ وَلَا مُخَالفَة لَهُ فَمَا أنكرتم أَيْضا أَن يكون الْجَوْهَر غير مُوَافق للأقانيم وَلَا مُخَالفا لَهَا قيل لَهُم إِنَّمَا سألناكم عَن هَذَا لأجل قَوْلكُم إِن الْجَوْهَر غير الأقانيم وَنحن فَلَا نقُول إِن الله سُبْحَانَهُ غير صِفَاته فَلَا يلْزم مَا قُلْتُمْ وعَلى أننا لَو قُلْنَا إِن الله تَعَالَى مُخَالف لصفاته فِي مَعْنَاهَا بِمَعْنى أَنه يجوز عَلَيْهَا مَا يَسْتَحِيل عَلَيْهِ وَأَنه لَا يسد مسدها وَلَا يَنُوب منابها لم يدْخل علينا مثل مَا لزمكم من كَون الْمُتَّفق بِنَفسِهِ مُخْتَلفا بِنَفسِهِ وَكَون جِهَة الِاتِّفَاق هِيَ جِهَة الِاخْتِلَاف لأننا لَا نزعم أَن الله سُبْحَانَهُ مُوَافق لصفاته فِي جِهَة من الْجِهَات وَأَنْتُم تَزْعُمُونَ أَن الْجَوْهَر مُوَافق للأقانيم بالجوهرية فَإِنَّهُ مُوَافق لَهَا بِنَفسِهِ ومخالف لَهَا أَيْضا فِي القنومية بِنَفسِهِ فشتان بَين قَوْلنَا وقولكم وَإِن قَالُوا لَا نقُول إِنَّه مُوَافق لَهَا وَلَا مُخَالف لَهَا قيل لَهُم فَلَا بُد أَن يسد مسدها فيوافقها أَو لَا يسد مسدها فيخالفها وَهَذَا الْمَعْنى بِنَفسِهِ هُوَ الَّذِي نعنيه بالِاتِّفَاقِ وَالِاخْتِلَاف فَلَا معنى للمراوغة وَإِن قَالُوا أَلَيْسَ لَا يُقَال إِن يَد الْإِنْسَان من الْإِنْسَان مُخَالفَة لَهُ وَلَا مُوَافقَة لَهُ وَكَذَلِكَ الْوَاحِد من

стр. 84

الْعشْرَة وَالْبَيْت من القصيدة وَالْآيَة من السُّورَة فَمَا أنكرتم من مثل ذَلِك فِي الْجَوْهَر والأقانيم قيل لَهُم إِنَّمَا لم يجز إِطْلَاق الْخلاف والوفاق فِيمَا ذكرْتُمْ لِأَن قَوْلنَا إِنْسَان وَاقع على الْجُمْلَة الَّتِي مِنْهَا الْيَد وَكَذَلِكَ الْعشْرَة وَالْوَاحد مِنْهَا وَالْبَيْت من القصيدة وَالْآيَة من السُّورَة وَمن الْمحَال أَن يكون الشَّيْء مثل نَفسه أَو غَيره أَو خلاف نَفسه وَقَوْلنَا جَوْهَر لَيْسَ بواقع عنْدكُمْ على الْجَوْهَر والأقانيم الَّتِي هِيَ خواصه وَلَا من أَسمَاء الْجمل فَسقط مَا سَأَلْتُم عَنهُ ذكر اخْتلَافهمْ فِي معنى الأقانيم زعم قوم مِنْهُم أَن معنى الأقانيم الَّتِي هِيَ الْخَواص أَنَّهَا صِفَات للجوهر فَيُقَال لَهُم إِذا اسْتَحَالَ أَن تكون أقانيم وخواص لأنفسها وَإِنَّمَا تكون صِفَات وأقانيم لشَيْء آخر هُوَ غَيرهَا وَلَا يُقَال إِنَّه هِيَ فَهَذَا يُوجب إِثْبَات أَرْبَعَة معَان مِنْهَا جَوْهَر وَثَلَاث خَواص لَهُ وَهَذَا ترك التَّثْلِيث وَإِن قَالُوا هِيَ خَواص لأنفسها وأقانيم لأنفسها قيل لَهُم فَيجب أَن يكون الابْن ابْن نَفسه وَالروح روح نَفسه وَالصّفة صفة نَفسهَا وَهَذَا جهل عَظِيم وَيجب بطلَان مَا هِيَ خَواص لَهُ ونفيه وَألا يكون هُنَاكَ مَخْصُوصًا بِهَذِهِ الْخَواص وَهَذَا إبِْطَال للجوهر وَزعم قوم مِنْهُم أَن معنى الأقانيم والخواص أَنَّهَا أشخاص فَيُقَال لَهُم

стр. 85

أَهِي شخاص لأنفسها أم لجوهر يجمعها فَإِن قَالُوا لأنفسها تركُوا قَوْلهم وَإِن قَالُوا لجوهر جَامع لَهَا أبطلوا التَّثْلِيث وَقَالَ بَعضهم معنى الأقانيم أَنَّهَا خَواص فَقَط فَيُقَال لَهُم أَهِي خَواص لأنفسها أم لجوهر جَامع لَهَا هِيَ خَواص لَهُ ويكلمون فِي ذَلِك بِمَا كلما بِهِ من زعم أَنَّهَا أشخاص وصفات وَلَا جَوَاب لَهُم عَن ذَلِك مَسْأَلَة أُخْرَى عَلَيْهِم فِي الأقانيم وَيُقَال لَهُم إِذا كَانَت الأقانيم جوهرا وَاحِدًا وَكَانَ الْأَب جوهره جَوْهَر الابْن وجوهر الرّوح من جوهرهما فَلم كَانَ الابْن وَالروح بِأَن يَكُونَا ابْنا وروحا خاصين للْأَب أولى من أَن يكون كل وَاحِد مِنْهُمَا أَبَا وَأَن يكون الْأَب خَاصّا لَهما إِذا كَانَ الرّوح وَالِابْن جوهرين لأنفسهما وَكَانَ جوهرهما من جَوْهَر الْأَب وَكَانَ الْأَب جوهرا لنَفسِهِ وَكَانَ قَدِيما لنَفسِهِ وَكَانَا أَيْضا قديمين لأنفسهما وَلم يكن الْأَب قبل الأقانيم والخواص وَلَا أسبق فِي الْوُجُود وَلَا الْخَواص أسبق مِنْهُ فَمَا الَّذِي جعله بِأَن يكون أَبَا لَهما أولى من أَن يكون كل وَاحِد مِنْهُمَا أَبَا لما جعلتموه أَبَا لَهُ وَأَن يكون الْأَب خَاصّا فَلَا يَجدونَ إِلَى تَصْحِيح تحكمهم سَبِيلا الْكَلَام عَلَيْهِم فِي معنى الِاتِّحَاد وَقد اخْتلفت عباراتهم عَن معنى الِاتِّحَاد فَقَالَ مِنْهُم معنى الِاتِّحَاد أَن الْكَلِمَة الَّتِي هِيَ الابْن حلت جَسَد الْمَسِيح عَلَيْهِ

стр. 86

السَّلَام وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى وهم اليعاقبة وَكثير مِنْهُم إِن الِاتِّحَاد هُوَ اخْتِلَاط وامتزاج وَزَعَمت اليعقوبية أَن كلمة الله انقلبت لَحْمًا ودما بالاتحاد وَزعم كثير مِنْهُم أَعنِي اليعقوبية والنسطورية أَن اتِّحَاد الْكَلِمَة بالناسوت اخْتِلَاط وامتزاج كاختلاط المَاء وامتزاجه بِالْخمرِ وَاللَّبن إِذا صب فيهمَا ومزج بهما وَزعم قوم مِنْهُم أَن معنى اتِّحَاد الْكَلِمَة بالناسوت الَّذِي هُوَ الْجَسَد هُوَ اتحادها لَهُ هيكلا ومحلا وتدبيرها الْأَشْيَاء عَلَيْهِ وظهورها فِيهِ دون غَيره وَاخْتلفُوا فِي معنى ظُهُور الْكَلِمَة فِي الهيكل وادراعها لَهُ وَإِظْهَار التَّدْبِير عَلَيْهِ فَقَالَ أَكْثَرهم معنى ذَلِك أَنَّهَا حلته ومازجته واختلطت بِهِ اخْتِلَاط الْخمر وَاللَّبن بِالْمَاءِ عِنْد امتزاجهما وَقَالَ قوم مِنْهُم إِن ظُهُور الْكَلِمَة فِي الْجَسَد واتحادها بِهِ لَيْسَ على معنى المزاج والاختلاط وَلَكِن على سَبِيل ظُهُور صُورَة الْإِنْسَان فِي الْمرْآة والأجسام الصقيلة النقية عِنْد مقابلتها من غير حُلُول صُورَة الْإِنْسَان فِي الْمرْآة وكظهور نقش الْخَاتم وكل طَابع فِي الشمع والطين وكل ذِي قَابل للطبع من الْأَجْسَام من غير حُلُول نقس الْخَاتم والرسم فِي الشمع والطين وَالتُّرَاب وَقَالَ بَعضهم أَقُول إِن الْكَلِمَة اتّحدت بجسد الْمَسِيح ﵇ على معنى أَنَّهَا حلته من غير مماسة وَلَا ممازجة وَلَا مُخَالطَة كَمَا أَقُول أَن الله سُبْحَانَهُ حَال فِي السَّمَاء وَلَيْسَ بمماس لَهَا وَلَا مخالط

стр. 87

وكما أَقُول إِن الْعقل جَوْهَر حَال فِي النَّفس وَهُوَ مَعَ ذَلِك غير مخالط للنَّفس وَلَا مماس لَهَا وَزَعَمت الرّوم وَهِي الملكية أَن معنى اتِّحَاد الْكَلِمَة بالجسد أَن الِاثْنَيْنِ صَارا وَاحِدًا وَصَارَت الْكَثْرَة قلَّة وَصَارَت الْكَلِمَة وَمَا اتّحدت بِهِ وَاحِدًا وَكَانَ هَذَا الْوَاحِد بالاتحاد اثْنَيْنِ قبل ذَلِك هَذَا جملَة الْمَشْهُور عَنْهُم فِي معنى الِاتِّحَاد فَأَما من زعم مِنْهُم أَن معنى الِاتِّحَاد هُوَ ظُهُور الابْن فِي الْجَسَد وادراعه لَهُ على سَبِيل ظُهُور الْوَجْه فِي الْمرْآة والنقش فِي المطبوع من غير حُلُول الْوَجْه فِي الْمرْآة وانتقال النقش إِلَى الشمع فَلَا معنى لَهُ لِأَن الْوَجْه لَيْسَ يظْهر فِي الْمرْآة وَلَا صُورَة مثله وَلَا ينْتَقل إِلَيْهَا وَلَا يُوجد على صفحتها وَلَا ممازجا لَهَا وَإِنَّمَا يدْرك الْإِنْسَان وَجه نَفسه عِنْد مُقَابلَة الْأَجْسَام الصافية الصقيلة بِإِدْرَاك يحدث لَهُ بجري الْعَادة عِنْد مُقَابلَة الْأَجْسَام بانعكاس الشعاع على مَا يذهب إِلَيْهِ بعض الْمُتَكَلِّمين فيظن عِنْد إِدْرَاكه لنَفسِهِ ومقابلة الْجِسْم الصَّقِيل أَن فِي الْمرْآة صُورَة هِيَ وَجه أَو مثل وَجه وَلَيْسَ كَذَلِك وَقد بَينا هَذَا فِي غير مَوضِع بِمَا يُغني النَّاظر فِيهِ وَإِذا ثَبت أَنه لَا شَيْء يظْهر فِي الْمرْآة وَلَا يخْتَص بهَا بَطل بِنَاء الِاتِّحَاد عَلَيْهِ وَأما تشبيههم ذَلِك بِظُهُور نقش الطَّبْع فِي الشمع والطين فَإِنَّهُ بَاطِل

стр. 88

وتخليط من قَائِله وَذَلِكَ أَن الظَّاهِر فِي الشمع شَيْء مثل نقش الْخَاتم وَهُوَ غَيره لِأَن الْحُرُوف الْمَوْجُودَة بالشمع هِيَ بعض لَهُ وجزء من أَجْزَائِهِ وَمَا فِي الطابع من الْحُرُوف هُوَ بعض الطابع وَمن جملَته وهما غيران يَصح وجود أَحدهمَا مَعَ عدم الآخر فظنهم أَن نفس النقش الَّذِي فِي الشمع هُوَ نفس الطابع جهل وتخليط فَيجب على هَذَا إِن لم تكن الْكَلِمَة هِيَ نَفسهَا الظَّاهِرَة فِي جَسَد الْمَسِيح أَن يكون الظَّاهِر فِيهِ غَيرهَا وَهُوَ شَيْء مثلهَا وَأَن يكون لله سُبْحَانَهُ ابْنَانِ وكلمتان أَحدهمَا لَا يحل الْأَجْسَام وَلَا يتخذها هيكلا ومكانا وَالْآخر حَال فِي جَسَد الْمَسِيح وَهَذَا قَول بأَرْبعَة أقانيم وَترك القَوْل بالتثليث وَأما من قَالَ إِن الِاتِّحَاد إِنَّمَا هُوَ حُلُول الْكَلِمَة فِي المتحد بِهِ واختلاطها بِهِ وممازجتها لَهُ فَإِنَّهُ يُقَال لَهُ إِذا جَازَ على الْكَلِمَة الْحُلُول فِي الْجَسَد الْمَخْلُوق وممازجتها لَهُ واختلاطها بِهِ وَهِي مَعَ ذَلِك قديمَة فَمَا أنكرتم من اجتماعها مَعَ الْجَسَد ومماستها لَهُ وَإِذا جَازَ على الْقَدِيم سُبْحَانَهُ المماسة والمجاورة والمخالطة للمحدث والممازجة لَهُ فَلم لَا يجوز عَلَيْهِ مُقَابلَة الْمُحدث ومحاذاته وَلم لَا يجوز عَلَيْهِ الظُّهُور والكمون وَالْحَرَكَة والبعد والقرب والشغل والتفريغ والتصوير والتركيب فَإِن راموا فِي ذَلِك فصلا لم يجدوه وَإِن مرو على ذَلِك قيل لَهُم فَإِذا جَازَ أَن يكون مَا هَذِه صفته قَدِيما وَقد كَانَ فِي الْقدَم غير مماس وَلَا ممازج وَلَا مخالط فَمَا أنكرتم أَن يكون سَائِر الْأَجْسَام المماسة المختلطة المتحركة الساكنة قديمَة وَمَا الَّذِي جعل الْكَلِمَة الَّتِي هَذِه صفتهَا بالقدم أولى مِنْهَا بِالْحَدَثِ وَمَا

стр. 89

الَّذِي جعل الْأَجْسَام بالحدوث أولى من الْكَلِمَة وَيُقَال لليعقوبية إِذا جَازَ أَن يَنْقَلِب مَا لَيْسَ بِلَحْم وَلَا دم لنَفسِهِ وَمَا هُوَ مُخَالف للدم وَاللَّحم لنَفسِهِ لَحْمًا ودما بالاتحاد فَلم لَا يجوز أَن تنْقَلب الْكَلِمَة الَّتِي تخَالف المحدثات لنَفسهَا وَلَيْسَت بمحدثة لنَفسهَا محدثة بالاتحاد فَيصير الْقَدِيم لنَفسِهِ بالاتحاد مُحدثا عِنْد اتحاده كَمَا صَار لَحْمًا ودما عِنْد اتحاده وَلم لَا يصير الْمُحدث لنَفسِهِ قبل اتِّحَاد الْقَدِيم بِهِ قَدِيما عِنْد اتِّحَاد الْقَدِيم بِهِ فَيخرج عَن أَن يكون لَحْمًا ودما عِنْد اتحاده فِي المتحد بِهِ فَتَصِير الطبيعتان وَاحِدَة وَيصير مَا لَيْسَ بِلَحْم وَدم لَحْمًا ودما وَمَا هُوَ لحم وَدم غير لحم وَلَا دم فَلَا يَجدونَ إِلَى دفع ذَلِك سَبِيلا وَأما قَول من قَالَ إِن الِاتِّحَاد هُوَ حُلُول الْكَلِمَة فِي الناسوت من غير مماسة وَأَنه كحلول الْبَارِي سُبْحَانَهُ فِي السَّمَاء وكحلوله على الْعَرْش من غير مماسة لَهما فَإِنَّهُ بَاطِل غير مَعْقُول وَذَلِكَ أَن الْبَارِي سُبْحَانَهُ لَيْسَ فِي السَّمَاء وَلَا هُوَ مستو على عَرْشه بِمَعْنى حُلُوله على الْعَرْش لِأَنَّهُ لَو كَانَ حَالا فِي أَحدهمَا ومستويا على الآخر بِمَعْنى الْحُلُول لوَجَبَ أَن يكون مماسا لَهما لَا محَالة وَأما قَوْلهم إِن الْعقل جَوْهَر حَال فِي النَّفس مماس لَهَا فَإِنَّهُ بَاطِل لِأَن الْجَوْهَر لَا يحل فِي الْعرض وَإِنَّمَا يحل فِي الْجِسْم على معنى المماسة لَهُ والاعتماد عَلَيْهِ واتخاذه مَكَانا يعتمده ويحيط بِهِ من جهاته

стр. 90

كحلول المَاء فِي الْجب والدهن فِي القارورة وَإِذا لم يعقل الْحُلُول إِلَّا مماسة وملاصقة وَكَانَت الْمُجَاورَة والاجتماع من صِفَات الْأَجْسَام وَكَانَت كلمة الله غير جسم لم يجز عَلَيْهَا الِاتِّحَاد والحلول فِي الْأَمَاكِن وَأما قَول الرّوم إِن الِاتِّحَاد هُوَ أَن يصير الْكثير قَلِيلا والاثنان وَاحِدًا فَإِنَّهُ قَول جَمِيعهم لأَنهم كلهم يَزْعمُونَ أَن الِاتِّحَاد أَن يصير الْكثير قَلِيلا وَالروم توَافق اليعاقبة والنسطورية فِي أَن الِاتِّحَاد لَا يكون إِلَّا بامتزاج واختلاط فَيُقَال لَهُم إِذا لم يجز أَن يحصل الِاتِّحَاد وَأَن يصير الِاثْنَان وَاحِدًا إِلَّا بالاختلاط والامتزاج وَكُنَّا قد بَينا أَن ذَلِك مماسة وملاصقة وَأَنه بِمَنْزِلَة الْحَرَكَة والسكون والظهور والكمون وَأَن هَذِه الْأُمُور أجمع تخْتَص بالأجسام وَلَا تجوز إِلَّا عَلَيْهِمَا لم يَصح الِاتِّحَاد على الْكَلِمَة الْقَدِيمَة وَلَا أَن يصير الِاثْنَان وَاحِدًا أبدا لِأَنَّهُ مُعَلّق بمحال لَا يَصح وَهُوَ مماسة مَا لَيْسَ بجسم وَذَلِكَ مُمْتَنع محَال وَيُقَال للروم إِذا جَازَ أَن يتحد قديم بمحدث فيصيران وَاحِدًا وَقد كَانَا اثْنَيْنِ قبل الِاتِّحَاد فَمَا أنكرتم أَن يتحد مُحدث بمحدث إِذا خالطه ومازجه فيصيران بذلك وَاحِدًا وَمَا أنكرتم أَن يصير الرطلان والقدحان اللَّذَان أَحدهمَا خمر وَالْآخر مَاء إِذا اختلطا وامتزجا رطلا وَاحِدًا وَقَدحًا وَاحِدًا وَمَا أنكرتم أَيْضا من أَن يصير العرضان إِذا وجدا فِي مَحل وَاحِد عرضا وَاحِدًا جِنْسا وَاحِدًا وَإِن كَانَ أَحدهمَا حَرَكَة وَالْآخر سوادا وَمَا أنكرتم من أَن تتكثر الْقلَّة فَتَصِير الطينة الْوَاحِدَة وَالشَّيْء الْوَاحِد الَّذِي لَا بعض لَهُ وَلَا نصف وَلَا تأليف فِيهِ وَلَا صُورَة لَهُ مائَة ألف شَيْء وَذَا أبعاض وأبعاد وأقطار

стр. 91

وصور مُتَغَايِرَة وأشكال مُخْتَلفَة على حد مَا يَقُوله بعض الفلاسفة فَإِن مروا على هَذَا أجمع تركُوا قَوْلهم وتجاهلوا وَإِن أَبوهُ لم يَجدوا فصلا وَيُقَال للروم أَيْضا إِذا كَانَ من دينكُمْ مُخَالفَة النسطورية واليعاقبة فِي قَوْلهم إِن الْكَلِمَة اتّحدت بِإِنْسَان وَاحِد جزئي دون غَيره وكنتم تَزْعُمُونَ أَن الابْن إِنَّمَا اتَّحد بالإنسان الْكُلِّي وَهُوَ الْجَوْهَر الْجَامِع لسَائِر أشخاص النَّاس لكَي يخلص الْجَوْهَر الْجَامِع لسَائِر النَّاس من الْمعْصِيَة وَهُوَ إِذا اتَّحد بالإنسان الْكُلِّي صَار مَعَه وَاحِدًا فَيجب أَن يصير الْجَوْهَر الْكُلِّي جزئيا وأقنوما وَاحِدًا لِأَن الابْن أحد الأقانيم وَلَيْسَ هُوَ كل الأقانيم والخواص فَهُوَ من حَيْثُ القنومة شخص وَاحِد جزئي فَإِذا صَار عِنْد الِاتِّحَاد بالإنسان الْكُلِّي الَّذِي هُوَ الْجَوْهَر الْجَامِع لكل النَّاس شَيْئا وَاحِدًا وَجب أَن يكون كليا جزئيا لِأَنَّهُ كلي من حَيْثُ كَانَ جوهرا جَامعا لسَائِر النَّاس وجزئي من حَيْثُ كَانَ خَاصّا وقنوما للجوهر الْعَام فَيجب أَن يكون كليا جزئيا وَهَذَا غَايَة الإحالة فصل فِي قَول النَّصَارَى إِن الِاتِّحَاد فعل وَقد أطبقت النَّصَارَى على أَن الِاتِّحَاد فعل من الْأَفْعَال صَار بِهِ المتحد متحدا والمسيح مسيحا فَيُقَال لَهُم خبرونا عَن الِاتِّحَاد بالإنسان المتحدة بِهِ الْكَلِمَة إِذا كَانَ فعلا فَهَل لَهُ عنْدكُمْ فَاعل أم لَا فَإِن قَالُوا لَا فَاعل لَهُ قيل لَهُم فَمَا أنكرتم من أَن يكون سَائِر الْأَفْعَال والحوادث لَا فَاعل لَهَا وَلَيْسَ ذَلِك من قَوْلهم وَإِن قَالُوا الِاتِّحَاد فعل لفاعل فعله وَكَانَ بِهِ متحدا قيل لَهُم فَمن فَاعله أهوَ الْجَوْهَر الْجَامِع للأقانيم دون الأقانيم أم الأقانيم الثَّلَاثَة دونه أم هُوَ وَالثَّلَاثَة الأقانيم أم الْفَاعِل لَهُ وَاحِد من الأقانيم فَإِن

стр. 92

قَالُوا هُوَ الْجَوْهَر الْعَام الْجَامِع للأقانيم قيل فَيجب أَن يكون الْجَوْهَر هُوَ المتحد بالجسد وَالْإِنْسَان الْكُلِّي أَو الجزئي على مَا تختارونه لِأَن المتحد عنْدكُمْ هُوَ من فعل الِاتِّحَاد دون من لم يَفْعَله وَيجب أَيْضا أَن يكون هُوَ الْإِلَه الْمُسْتَحق لِلْعِبَادَةِ لِأَنَّهُ هُوَ الفعال لَهَا وَكَذَلِكَ إِن قَالُوا الْجَوْهَر والأقانيم فعلوا الِاتِّحَاد قيل لَهُم فَيجب أَن يكون هُوَ وَالثَّلَاثَة الأقانيم متحدين بالإنسان وَلَا معنى لقولكم إِن الابْن وَحده هُوَ المتحد دون الْأَب وَالروح وَدون الْجَوْهَر الْعَام الْجَامِع للأقانيم وَهَذَا نقض قَوْلكُم إِن الِاتِّحَاد للِابْن فَقَط وَكَذَلِكَ إِن قَالُوا إِنَّمَا فعل الِاتِّحَاد الأقانيم الثَّلَاثَة دون الْجَوْهَر قيل لَهُم فَيجب أَن يكون الرّوح أَيْضا متحدا وَألا يكون الابْن وَحده من خَواص الْجَوْهَر متحدا وَإِن قَالُوا فَاعل الِاتِّحَاد إِنَّمَا هُوَ الابْن وَحده ولإنفراده بِفعل الِاتِّحَاد كَانَ متحدا دون الرّوح قيل لَهُم فَإِذا جَازَ أَن ينْفَرد الابْن بِفعل حَادث هُوَ الِاتِّحَاد دون الرّوح وَالْأَب وَدون الْجَوْهَر الْعَام فَلم لَا يجوز أَن ينْفَرد الرّوح بِفعل حَادث وحوادث أخر وَأَن ينْفَرد كل أقنوم من الأقانيم بعوالم وأفعال لَا يَفْعَلهَا الآخر وينفرد الْجَوْهَر الْجَامِع بِفعل غير فعلهَا وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك جَازَ أَن تتمانع وتختلف وَيُقَال هم إِذا كَانَت الأقانيم تفعل كَمَا أَن الْجَوْهَر الْجَامِع لَهَا يفعل فَلم صَار بِأَن يكون جَامعا لَهَا وَأَن تكون خَواص لَهُ أولى من أَن يكون هُوَ خَاصّا لَهَا وَهِي

стр. 93

جَامِعَة لَهُ فَيكون أقنوما من أقانيمها فَلَا يَجدونَ لذَلِك مدفعا مَسْأَلَة فِي الِاتِّحَاد وَيُقَال لَهُم كَيفَ اتّحدت الْكَلِمَة الَّتِي هِيَ الابْن بجسد الْمَسِيح دون الْأَب وَالروح مَعَ قَوْلكُم بِأَنَّهُ غير مباين لَهما وَلَا مُنْفَصِل عَنْهُمَا وَإِن جَازَ ذَلِك فَمَا أنكرتم من أَن يكون المَاء الممازج للخمر الْمُخْتَلط بِهِ مشروبا دون الْخمر أَو الْخمر مشروبا دون المَاء وَإِن كَانَا غير منفصلين وَلَا متباينين وَإِذا اسْتَحَالَ هَذَا عنْدكُمْ وَجب أَن يكون شَارِب الْخمر الممتزج بِالْمَاءِ شاربا للخمر وَالْمَاء إِذا كَانَا غير منفصلين وَلَا متباينين فَمَا أنكرتم من أَن يجب إِذا كَانَ الابْن متحدا وَهُوَ غير مُنْفَصِل من الرّوح وَالْأَب وَلَا مباين لَهما أَن يكون الْأَب وَالروح متحدين بِهِ كَمَا أَن الابْن مُتحد بِهِ فَإِن قَالُوا إِن الْكَلِمَة إِنَّمَا اتّحدت بالإنسان الْكُلِّي فِي الجزئي الَّذِي وَلدته مَرْيَم ﵉ قيل لَهُم فَيجب أَيْضا أَن يكون الْأَب وَالروح متحدين بالكلي فِي الجزئي الَّذِي وَلدته مَرْيَم لأننا لسنا نقصد بِهَذَا السُّؤَال الْكَلَام فِي الْإِنْسَان الَّذِي اتّحدت بِهِ الْكَلِمَة وَهل هُوَ جزئي أَو كلي أَو اتِّحَاد بالكلي فِي الجزئي الَّذِي وَلدته مَرْيَم وَإِنَّمَا الْكَلَام فِي كَيفَ يُمكن أَن يكون الابْن متحدا بِمَا اتَّحد بِهِ كلي أَو جزئي دون الْأَب وَالروح وَهُوَ غير مباين لَهما وَلَا مُنْفَصِل عَنْهُمَا فأجيبوا عَن هَذَا إِن كُنْتُم قَادِرين

стр. 94

ثمَّ يُقَال لَهُم إِن كَانَت الْكَلِمَة اتّحدت بالإنسان الْكُلِّي فَلَا يَخْلُو أَن تكون اتّحدت بِهِ فِي مَكَان أَو لَا فِي مَكَان فَإِن كَانَت اتّحدت بِهِ لَا فِي مَكَان فَلَيْسَ بَينهَا وَبَين الْجَسَد الْمَوْلُود الْمَأْخُوذ من مَرْيَم إِلَّا مَا بَينه وَبَين سَائِر أجسام النَّاس وَسَائِر الأجساد وَلَا مزية لِمَرْيَم وَلَا للجسد الْمَأْخُوذ مِنْهَا إِذا لم يكن للِابْن اتِّحَاد بِهِ وَلَا بِغَيْرِهِ وَيجب أَن يكون الْقَتْل والصلب جاريين على الْجَسَد فَقَط لَا على الابْن وَلَا على الْمَسِيح لِأَن الْجَسَد الَّذِي لَا اتِّحَاد للِابْن بِهِ لَيْسَ بمسيح فَكيف يكون الْمَسِيح مقتولا مصلوبا وَإِن كَانَ اتِّحَاد الابْن بالكلي اتحادا بِهِ فِي مَكَان مَا هُوَ الْجَسَد الْمَأْخُوذ من مَرْيَم أَو غَيره من الْأَجْسَام فَيجب أَن يكون الْكُلِّي محصورا فِي ذَلِك الْمَكَان الجزئي وَأَن يكون الجزئي حاويا محيطا بالكلي ومكانا لَهُ وَإِن كَانَ جُزْءا مِنْهُ وَهَذَا عكس مَا فِي الْعقل وَقَلبه لِأَن ذَلِك لَو جَازَ لجَاز اشْتِمَال الْعدَد الْقَلِيل على الْعدَد الْكثير وزيادته عَلَيْهِ ولجاز أَن يكون الصَّغِير من الْأَجْسَام محيطا بالعظيم وحاويا لَهُ وَإِذا علمنَا بأوائل الْعُقُول فَسَاد ذَلِك علمنَا أَيْضا اسْتِحَالَة اتِّحَاد الابْن بالكلي إِن كَانَ هَا هُنَا كلي فِي مَكَان صَغِير جزئي مَسْأَلَة على الملكية يُقَال لَهُم خبرونا كَيفَ ولدت مَرْيَم الابْن دون الْأَب وروح الْقُدس وَهُوَ غير مباين لَهما وَلَا مُنْفَصِل عَنْهُمَا فَيكون المتحد بالجسد حملا فِي بطن مَرْيَم وَالْأَب وَالروح والجوهر الْجَامِع للأقانيم لَا فِي بطن مَرْيَم وهما مَعَ

стр. 95

ذَلِك غير متباينين وَلَا منفصلين مِمَّا هُوَ حَال فِي الْجَسَد فِي بطن مَرْيَم فَمَا لَا ينْفَصل وَلَا يتَمَيَّز من الذَّات كَيفَ يكون مِنْهُ مَوْلُود وَمِنْه غير مولد وَمِنْه غير مُتحد لَوْلَا الْجَهْل وَالْعجز مَسْأَلَة أُخْرَى على الملكية يُقَال لَهُم خبرونا عَن مَرْيَم أَهِي إِنْسَان كلي أم إِنْسَان جزئي فَإِن قَالُوا إِنَّهَا كلي تجاهلوا وَقيل لَهُم فَمَا أنكرتم أَن يكون كل ذكر وَأُنْثَى من النَّاس إنْسَانا كليا فَإِن قَالُوا هُوَ كَذَلِك تركُوا قَوْلهم وَقيل لَهُم فَأَي هُوَ الْإِنْسَان الجزئي وكل جزئي تشيرون إِلَيْهِ على قَوْلكُم هَذَا فَهُوَ كلي فَلَا يَجدونَ إِلَى إِثْبَات الجزئي سَبِيلا وَفِي هَذَا هدم مَذْهَبهم وَإِن قَالُوا مَرْيَم ﵍ إِنْسَان جزئي قيل لَهُم فالإنسان الَّذِي وَلدته أَلَيْسَ هُوَ الَّذِي اتَّحد الابْن بولادته وَإِذا قَالُوا نعم قيل لَهُم فخبرونا عَن الْإِنْسَان الَّذِي وَلدته مَرْيَم أكلي هُوَ أم جزئي فَإِن قَالُوا جزئي تركُوا قَوْلهم بِأَن الابْن مُتحد بالإنسان الْكُلِّي الَّذِي أَرَادَ خلاصه وصاروا إِلَى قَول النسطورية واليعاقبة وَإِن قَالُوا الْإِنْسَان الْمَأْخُوذ من مَرْيَم هُوَ ابْن مَرْيَم فَإِذا قَالُوا أجل قيل لَهُم فَهُوَ كلي وَأمه الَّتِي هِيَ مَرْيَم إِنْسَان جزئي فَيجب على قَوْلكُم أَن يكون الْإِنْسَان الْكُلِّي ابْن الْإِنْسَان الجزئي وَهَذَا طريف جدا لأننا لَو فَرضنَا عِنْدهم عدم مَرْيَم لم يعْدم الْإِنْسَان الْكُلِّي وَلَو فَرضنَا عدم الْإِنْسَان الْكُلِّي لم تكن مَرْيَم وَلَا غَيرهَا من جزئيات الْإِنْسَان وَكَيف يكون

стр. 96

الْكُلِّي ابْن مَا لَا يجب أَن يعْدم بِعَدَمِهِ ويرتفع بارتفاعه وَيكون الجزئي حاويا للكلي وَيُقَال لَهُم أَنْتُم تَقولُونَ إِن الْجَوْهَر الْكُلِّي وكل مَا تَقولُونَ إِنَّه كلي لَا تصح وِلَادَته وَلَا أَن يحويه مَكَان دون مَكَان والمولود من مَرْيَم كَانَ فِي بَطنهَا وَكَانَ مَكَانَهُ مِنْهَا حاويا لَهُ فَكيف يكون كليا فَإِن جَازَ أَن يكون الْكُلِّي ابْن الجزئي فَلم لَا يجوز أَن تكون مَرْيَم ابْنة عِيسَى الْمَوْلُود مِنْهَا وَأَن يكون آدم ونوح ابْني مَرْيَم الَّتِي هِيَ ابْنة لَهما هَذَا تجاهل عَظِيم لَا يبلغهُ صَاحب تَحْصِيل مَسْأَلَة على جَمِيعهم وَيُقَال لَهُم خبرونا عَن اتِّحَاد الابْن بالجسد أَكَانَ بَاقِيا مَوْجُودا فِي حَال وُقُوع الْقَتْل والصلب بِهِ أم لَا فَإِن قَالُوا كَانَ بَاقِيا مَوْجُودا قيل لَهُم فَالَّذِي مَاتَ مسيح من طبيعتين لاهوت وَهُوَ الابْن وناسوت وَهُوَ الْجَسَد فَيجب أَن يكون ابْن الله الْقَدِيم قد مَاتَ كَمَا قتل وصلب لِأَن جَوَاز الْقَتْل والصلب عَلَيْهِ كجواز الْمَوْت وَإِذا صَار الابْن عِنْد الْقَتْل مَيتا لم يجز أَن يكون فِي تِلْكَ الْحَال إِلَهًا لِأَن الْإِلَه لَا يكون مَيتا وَلَا نَاقِصا وَلَا مِمَّن يجوز عَلَيْهِ الْمَوْت وَلَو جَازَ ذَلِك عَلَيْهِ لجَاز موت الْأَب وَالروح وَهَذَا ترك قَوْلهم وَإِن قَالُوا الِاتِّحَاد بَطل عِنْد الْقَتْل والصلب قيل لَهُم فَيجب انتفاض الِاتِّحَاد عِنْد الْقَتْل والصلب وَهَذَا ترك قَوْلهم وَيجب أَيْضا أَلا يكون

стр. 97

الْمَقْتُول مسيحا لِأَن الْجَسَد عِنْد انتفاض الِاتِّحَاد ومفارقة المتحد بِهِ لَيْسَ بمسيح وَإِنَّمَا يكون الْجَسَد وَمَا اتَّحد بِهِ مسيحا مَعَ ثُبُوت الِاتِّحَاد ووجوده فَإِذا بَطل كَانَ الْمَقْتُول المصلوب الْوَاقِع عَلَيْهِ الْمَوْت إنْسَانا وَلَا معنى لقولكم إِن الْمَسِيح قتل وصلب مَسْأَلَة أُخْرَى على جَمِيعهم فِي الِاتِّحَاد يُقَال لَهُم لم قُلْتُمْ إِن كلمة الله اتّحدت بجسد الْمَسِيح دون جَسَد مُوسَى وَإِبْرَاهِيم وَغَيرهمَا من النَّبِيين فَإِن قَالُوا لأجل مَا ظهر عل يَد عِيسَى من فعل الْآيَات واختراع المعجزات الَّتِي لَا يقدر الْبشر على مثلهَا من نَحْو إحْيَاء الْمَوْتَى وإبراء الأكمه والأبرص وَجعل الْقَلِيل كثيرا وقلب المَاء خمرًا وَالْمَشْي على المَاء وصعود السَّمَاء وإبراء الزَّمن وَإِقَامَة المقعد وَغير ذَلِك من عَجِيب الْآيَات فَوَجَبَ أَن يكون إِلَهًا وَأَن الْكَلِمَة متحدة بِهِ يُقَال لَهُم لم زعمتم أَن عِيسَى فَاعل لما وصفتم من الْآيَات ومخترع لَهَا وَمَا أنكرتم أَن يكون غير قَادر على قَلِيل من ذَلِك وَلَا كثير وَأَن يكون الله تَعَالَى هُوَ الَّذِي فعل جَمِيع مَا ظهر على يَده من ذَلِك وَتَكون حَاله فِيهِ حَال سَائِر الْأَنْبِيَاء فِيمَا ظهر عَلَيْهِم من الْآيَات ثمَّ يُقَال لَهُم مَا أنكرتم أَن يكوم مُوسَى ﵇ إِلَهًا وَأَن تكون الْكَلِمَة متحدة بِهِ لما فعله من الْآيَات البديعة نَحْو قلب الْعَصَا حَيَّة ذَات فَم وعينين وخروق وَلم تكن من قبل حَيَّة وَلَا فِيهَا رسم عينين وَلَا فَم

стр. 98

وَنَحْو فلق الْبَحْر وَإِخْرَاج يَده بَيْضَاء وَغير ذَلِك وَمَا أَتَى بِهِ من الْجَرَاد وَالْقمل والضفادع وَالدَّم وَغير ذَلِك مِمَّا لَا يقدر عَلَيْهِ الْبشر فَإِن قَالُوا مُوسَى لم يكن مخترعا لشَيْء من ذَلِك وَإِنَّمَا كَانَ يَدْعُو ويرغب إِلَى الله تَعَالَى فِي أَن يظْهر على يَدَيْهِ ذَلِك يُقَال لَهُم فَمَا أنكرتم أَن تكون هَذِه حَال عِيسَى وَأَنه كَانَ يرغب إِلَى خالقه وربه ومالكه فِي أَن يظْهر الأيات على يَده وَقد نطق الْإِنْجِيل بذلك لِأَن فِي الْإِنْجِيل أَن عِيسَى ﵇ بَكَى فَقَالَ رب إِن كَانَ فِي مشيئتك أَن تصرف هَذِه الكأس عَن أحد فاصرفها عني وَأَنه أَرَادَ أَن يحيي كهلا فَقَالَ يَا أبي أَدْعُوك كَمَا كنت أَدْعُوك فتستجيب لي وَإِنَّمَا أَدْعُوك من أجل هَؤُلَاءِ ليعلموا وَقَالَ يَا أبي أَنا أحمدك وَقَالَ وَهُوَ على الْخَشَبَة وَقت الصلب بزعمهم إلهي إلهي لم تَرَكتنِي وَهَذَا فَوق دُعَاء مُوسَى وتضرعه وابتهاله فَوَجَبَ أَنه عبد مربوب ومحدث مَخْلُوق كموسى وَغَيره من الرُّسُل ﵇ وَإِن قَالُوا عِيسَى كَانَ يَدْعُو ويرغب بِهَذَا الدُّعَاء عل سَبِيل التَّعْلِيم للأتباع والتلاميذ وَإِلَّا فقد يخترع الْآيَات اختراعا وَيَأْمُر أَن

стр. 99

يكون فَيكون قيل لَهُم فَمَا أنكرتم من أَن يكون دُعَاء مُوسَى ورغبته إِنَّمَا وَقع على سَبِيل التَّعْلِيم وَإِلَّا فقد كَانَ يخترع فلق الْبَحْر وَإِخْرَاج الْيَد بَيْضَاء وقلب الْعَصَا ثعبانا وتظليلهم بالغمام واختراع الْمَنّ والسلوى وَيَأْمُر بِأَن يكون ذَلِك فَيكون فَلَا يَجدونَ إِلَى ذَلِك مدفعا فَإِن قَالُوا قَوْلنَا مسيح اسْم لمعنيين لاهوت هُوَ إِلَه وناسوت هُوَ إِنْسَان مَخْلُوق فَمَا كَانَ من تضرع وَدُعَاء فَإِنَّمَا وَقع من الْإِنْسَان الَّذِي هُوَ الناسوت وَمَا كَانَ من إِحْدَاث آيَة وَإِظْهَار معْجزَة فَهُوَ وَاقع من الْإِلَه دون الْإِنْسَان يُقَال لَهُم فَمَا أنكرتم من أَن يكون مُوسَى أَيْضا إسما لمعنيين إِلَه وإنسان فَمَا كَانَ من دُعَاء ورغبة فَإِنَّهُ وَاقع من الناسوت وَمَا كَانَ من اختراع آيَة أَو إبداع معْجزَة فَإِنَّهُ من اللاهوت دون الناسوت وَلَا فصل فِي ذَلِك فَإِن قَالُوا كل وَاحِد من هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاء قد أقرّ بِلِسَانِهِ بِأَنَّهُ مَخْلُوق وَعبد مربوب مألوه مُرْسل من عِنْد الله والمسيح لم يقر بذلك قيل لَهُم وَكَذَلِكَ الْمَسِيح قد اعْترف بِأَنَّهُ نَبِي مُرْسل وَعبد مَخْلُوق لِأَن الْإِنْجِيل ينْطق بِأَنَّهُ قَالَ إِنِّي عبد الله وَأرْسلت معلما وَقَالَ فَكَمَا بَعَثَنِي أبي فَكَذَلِك أبعثكم عَمدُوا النَّاس وغسلوهم باسم الْأَب وَالِابْن وَالروح الْقُدس قَالَ فِي الْإِنْجِيل إِن النَّبِي لَا يكرم فِي مدينته فِي نَظَائِر

стр. 100

هَذِه الإقرارات عَنهُ كَثِيرَة بِأَنَّهُ نَبِي وَعبد مُرْسل ومألوه مُدبر فَوَجَبَ أَنه لَيْسَ بإله فَإِن قَالُوا هَذِه الإقرارات وَاقعَة من ناسوت الْمَسِيح دون لاهوته قيل لَهُم فَمَا أنكرتم أَن يكون كل إِقْرَار سمع من نَبِي بِأَنَّهُ خلق وَعبد وَنَبِي فَإِنَّهُ إِقْرَار ناسوته دون لاهوته فَهَل تَجِدُونَ فِي ذَلِك فصلا وَإِن قَالُوا إِنَّمَا قُلْنَا إِن الْمَسِيح إِلَه لِأَن الله قَالَ فِي الْكتب إِنَّه إِلَه وَسَماهُ بذلك فَقَالَ الْعَذْرَاء البتول تحمل وتلد ابْنا يدعى أَو يُسمى إِلَهًا يُقَال لَهُم فقد قُلْتُمْ قَالَ الله لمُوسَى إِنِّي قد جعلتك إِلَهًا لهارون وجعلتك إِلَه فِرْعَوْن على معنى أَنَّك مُدبر لَهُ وآمر لَهُ وواجب عَلَيْهِ طَاعَتك فقد كَانَت هَذِه لُغَة ثمَّ يُقَال لَهُم لم يخبر الله تَعَالَى بِأَنَّهُ هُوَ سَمَّاهُ أَو يُسَمِّيه إِلَهًا وَإِنَّمَا قَالَ يدعى اسْمه إِلَهًا فَيمكن أَن يكون أَرَادَ أَن قوما يغلون فِي تَعْظِيمه ويدعونه بذلك ويتجاوزون بِهِ الْحَد ويكذبون فِي ذَلِك ويفترون فَمن أَيْن لكم مَا سمي بِهِ من ذَلِك وَاجِب صَحِيح فَلَا يَجدونَ إِلَى ذَلِك سَبِيلا وَإِن هم قَالُوا إِنَّمَا قُلْنَا إِن عِيسَى إِلَه وَإِن الْكَلِمَة اتّحدت بِهِ لِأَنَّهُ ولد

стр. 101

لَا من فَحل وَلَيْسَ كَذَلِك من ذكرتموه من الرُّسُل فَيُقَال لَهُم فَيجب على قياسكم أَن يكون آدم ﵇ إِلَهًا لِأَنَّهُ وجد لَا من ذكر وَلَا أُنْثَى فَهُوَ أبعد عَن صفة الْمُحدث لِأَنَّهُ لم يحل بطن مَرْيَم وَلَا غَيرهَا وَلَا كَانَ من مَعْدن ولد وَلَا مَوضِع حمل وَكَذَلِكَ يجب أَن تكون حَوَّاء رَبًّا لِأَنَّهَا خلقت من ضلع آدم من غير ذكر وَلَا أُنْثَى فَهُوَ أبعد وَكَذَلِكَ الْمُطَالبَة عَلَيْهِم فِي وجوب كَون الْمَلَائِكَة آلِهَة لأَنهم لَا من ذكر وَلَا أُنْثَى وَلَا على وَجه التبني فَإِن قَالُوا إِنَّمَا وَجب الْقَضَاء على ربوبيته لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْإِنْجِيل وَهُوَ الصَّادِق المصدوق فِي قَوْله أَنا وَأبي وَاحِد وَمن رَآنِي فقد رأى أبي يُقَال لَهُم مَا أنكرتم أَن يكون معنى ذَلِك أَن من أَطَاعَنِي فقد أطَاع أبي أَي مرسلي ومعلمي الْحِكْمَة وَمن عَصَانِي فقد عَصَاهُ فَيكون معنى أبي أَي إِنَّه معلمي ومرسلي وَقَوله فَمن رَآنِي فقد رَآهُ مَعْنَاهُ فَكَأَنَّهُ قد رَآهُ وَسمع كَلَامه وَأمره وَنَهْيه لِأَنَّهُ لَو كَانَ هُوَ وَأَبوهُ وَاحِدًا لوَجَبَ أَن تكون الْولادَة وَالْحمل وَالْقَتْل والصلب وَالْأكل وَالشرب وَالْحَرَكَة الْجَارِيَة عَلَيْهِ كل ذَلِك جَارِيا على الْأَب وَإِذا كَانَ هُوَ

стр. 102

المتحد بالجسد أَن يكون الْأَب متحدا بِهِ فَهَذَا كُله ترك لقَولهم إِن ركبوه فَإِن قَالُوا إِنَّمَا وَجَبت آلهية الْمَسِيح لِأَنَّهُ قَالَ وَهُوَ الصَّادِق فِي قَوْله أَنا قبل إِبْرَاهِيم وَهُوَ إِنْسَان من ولد إِبْرَاهِيم فَعلمنَا بذلك أَنه قبل إِبْرَاهِيم بلاهوته وَابْنه بناسوته يُقَال لَهُم فَمَا أنكرتم أَن يكون المُرَاد بقوله أَنا قبل إِبْرَاهِيم أَن كثيرا من ديني وشرعي كَانَ متعبدا بِهِ مَشْرُوعا قبل إِبْرَاهِيم على لِسَان بعض الرُّسُل أَو مَا أنكرتم أَن يكون أَرَادَ بقوله أَنا قبل إِبْرَاهِيم أَي مَكْتُوب عِنْد الله وَأَنا مَعْرُوف قبل إِبْرَاهِيم عِنْد قوم من الْمَلَائِكَة أَو أَنا مَبْعُوث إِلَى الْمَحْشَر قبل إِبْرَاهِيم إِذْ لَا يجوز إِثْبَات الربوبية بجسد أكل الطَّعَام ومشي فِي الْأَسْوَاق وَالْقَوْل بِأَن اللاهوت اتَّحد بِهِ قَول بعيد لَا يحْتَمل التَّأْوِيل وَفِي سفر الْأَمْثَال وَقد قَالَ سُلَيْمَان ﵇ فِي كِتَابه أَنا قبل الدُّنْيَا وَكنت مَعَ الله سُبْحَانَهُ حَيْثُ مد الأَرْض وَكنت صَبيا أَلعَب بَين يَدي الله تَعَالَى وَلم يجب أَن يكون سُلَيْمَان قبل الدُّنْيَا أَو مَعَ الله سُبْحَانَهُ حَيْثُ مد الأَرْض بلاهوته وَأَن يكون ابْنا لداود بناسوته فَإِن

стр. 103

قَالُوا أَرَادَ أَن إسمي عِنْد الله قبل خلق الدُّنْيَا وَفِي علمه وَعِنْده حَيْثُ مد الأَرْض وَالْعلم بإرسالي وتمليكي أَو غير ذَلِك من التأويلات قيل لَهُم مثله فِيمَا احْتَجُّوا بِهِ وَلَا جَوَاب عَنهُ

стр. 104

بَاب الْكَلَام على البراهمة وَقد افْتَرَقت البراهمة على قَوْلَيْنِ فَمنهمْ من جحد الرُّسُل وَزعم أَنه لَا يجوز فِي حِكْمَة الله

стр. 105

سُبْحَانَهُ وَصفته أَن يبْعَث رَسُولا إِلَى خلقه وَأَنه لَا وَجه من ناحيته يَصح تلقي الرسَالَة عَن الْخَالِق سُبْحَانَهُ وَقَالَ الْفَرِيق الآخر إِن الله تَعَالَى مَا أرسل رَسُولا سوى آدم ﵇ وكذبوا كل مُدع للنبوة سواهُ وَقَالَ قوم مِنْهُم بل مَا بعث الله تَعَالَى غير إِبْرَاهِيم وَحده وأنكروا نبوة من سواهُ وَهَذَا جملَة قَوْلهم فَيُقَال لمن أحَال من الله سُبْحَانَهُ إِنْفَاذ رسله إِلَى خلقه لم قلت ذَلِك وَمَا دليلك عَلَيْهِ فَإِن قَالَ لعلمه سُبْحَانَهُ بِأَن الرَّسُول من جنس الْمُرْسل إِلَيْهِ وَأَن جوهرهما وَاحِد وَأَن تَفْضِيل أحد المتماثلين المتساويين على مثله ونوعه وَمن هُوَ بصفتة حيف ومحاباة وميل وَخُرُوج عَن الْحِكْمَة وَذَلِكَ غير جَائِز على الْحَكِيم يُقَال لَهُم لم قُلْتُمْ إِن تَفْضِيل الله سُبْحَانَهُ بعض الْجِنْس على بعض وَرفع بَعضهم إِذا كَانَ مُحَابَاة للمتفضل عَلَيْهِ وَجب أَن يكون ظلما وخروجا عَن الْحِكْمَة وَمَا أنكرتم أَن يكون لله سُبْحَانَهُ

стр. 106

أَن يخْتَص بفضله من يَشَاء من خلقه وَله التَّسْوِيَة بَين سَائِرهمْ فَإِن ذَلِك أجمع عدل مِنْهُ وصواب من تَدْبيره فَإِن قَالُوا لِأَن تَفْضِيل أحد المتجانسين على الآخر فِي الشَّاهِد سفه منا فَوَجَبَ الْقَضَاء بذلك على الْقَدِيم تَعَالَى قيل لَهُم وَلم قُلْتُمْ إِن ذَلِك سفه وَمَا أنكرتم من أَنه جَائِز لنا وصواب فِي حكمتنا أَن نحبو بعض عبيدنا وأصدقائنا والمتصرفين مَعنا كتصرف غَيره بِأَكْثَرَ مِمَّا مِمَّا نحبو بِهِ غَيره ونفضله بعطاء وتشريف لَا يسْتَحقّهُ أَكثر مِمَّا نحبو بِهِ غَيره فَلم قُلْتُمْ إِن هَذَا سفه وقبيح من فعلنَا وَيُقَال لَهُم نَحن نمنعكم أَشد الْمَنْع من أَن يكون فِي الْعقل بِمُجَرَّدِهِ طَرِيق لقبح فعل أَو لحسنة أَو حظره أَو إِبَاحَته أَو إِيجَابه ونقول إِن هَذِه الْأَحْكَام بأسرها لَا تثبت للأفعال إِلَّا بِالشَّرْعِ دون قَضِيَّة الْعقل وسنتكلم على هَذَا الْبَاب وَمَا يتَّصل بِهِ فِي بَاب التَّعْدِيل والتجوير من كتَابنَا هَذَا إِن شَاءَ الله فَإِن قَالُوا لَو حسن من الله مَا قُلْتُمْ لحسن من الله أَن يشْكر ويثنى على من لم يعْمل شَيْئا أَو من قل فعل الْبر مِنْهُ بِأَكْثَرَ مِمَّا يشْكر ويثني على الْعَامِل الزَّاهِد الْمُجْتَهد قيل لَهُم لم قُلْتُمْ ذَلِك ثمَّ يُقَال لَهُم مَا أنكرتم أَن يكون الْفرق بَينهمَا أَن الشُّكْر وَالثنَاء على الْمَرْء بِمَا لم يكن مِنْهُ كذب وَالْكذب مُسْتَحِيل على الله تَعَالَى إِذْ كَانَ الصدْق من صِفَات نَفسه ولغير ذَلِك كَمَا يَسْتَحِيل عَلَيْهِ الْجَهْل وَالْعجز والتفضل على من لم يعْمل أَو على من عمل أقل من عمل غَيره بِأَكْثَرَ من التفضل

стр. 107

على الْعَامِل إنعام وإحسان وَلَيْسَ ذَلِك بقبيح وَلَا من الْكَذِب بسبيل فَبَطل مَا قُلْتُمْ ثمَّ يُقَال لَهُم مَا أنكرتم على من قَالَ من مثبتي نبوة الرُّسُل إِن الله تَعَالَى لَيْسَ يفضل أحد الشخصين على الآخر المجانس لَهُ ابْتِدَاء وَلَا لأجل جنسه وَلَكِن لأجل أَنه مُسْتَحقّ للتفضيل بالرسالة وَغَيرهَا بِعَمَلِهِ وَالْإِخْلَاص فِي الِاجْتِهَاد كَمَا أَن الله تَعَالَى يفضل الْمُنِيب وقابل الْحجَج الْعَقْلِيَّة عنْدكُمْ على من لم يقبلهَا لَا لجنسه وَلَا لابتدائه بذلك وَلَا لغير عِلّة وَلَكِن لِأَنَّهُ مُسْتَحقّ للتعظيم وَالشُّكْر وَالثنَاء عنْدكُمْ لما كَانَ من بره وطاعته فَيكون التَّفْضِيل بالرسالة إِذا أَرَادَ الله سُبْحَانَهُ إرْسَال بعض عباده إِلَى باقيهم مُسْتَحقّا لِأَنَّهُ أفضلهم وَأَكْثَرهم عملا فَلَا يَجدونَ لذَلِك مدفعا وَيُقَال لَهُم أَيْضا مَا أنكرتم من أَنه لَا يجوز فِي عدل الْقَدِيم سُبْحَانَهُ وحكمته على مَوْضُوع دليلكم أَن يخلق فِي بعض عباده الْجَهْل وَفِي بَعضهم الْعلم وَفِي بَعضهم الْعَمى والبكم والخرس والزمانة وَفِي بَعضهم الْقُوَّة والتمكين وَصِحَّة الْآلَة وَكَمَال الْعقل والنحيزة الطبيعية لِأَن ذَلِك تَفْضِيل بعض الْجِنْس على بعض فَإِن قَالُوا عطيته الْعلم والحياة وَكَمَال الْعقل والحواس لبَعْضهِم وَمنعه لغَيرهم مصلحَة للمعطى والممنوع وسبيل لَهُم إِلَى نفع عَظِيم هُوَ سُبْحَانَهُ أعلم بِهِ قيل لَهُم فَمَا أنكرتم أَن يكون إرْسَاله بعض الْخلق

стр. 108

وَجعله رَاعيا وَجعل باقيهم رعية مصلحَة لِلرَّاعِي والرعية وَلِلرَّسُولِ والمرسل إِلَيْهِ ولطفا لَهُم فِي النّظر فِي حجج الْعُقُول الَّتِي أَمرهم بِالرُّجُوعِ إِلَيْهَا وَالْعَمَل على مُوجبهَا وَيُقَال لَهُم إِن بنيتم الْأَمر على قبح ذَلِك فِي الشَّاهِد بزعمكم فَيجب أَن تقضوا على أَن الْفَاعِل للْعَالم لَا يَفْعَله إِلَّا لاجتلاب مَنْفَعَة أَو دفع مضرَّة وداع دَعَاهُ إِلَى الْفِعْل وَبَعثه عَلَيْهِ وَأَنه تَعَالَى جسم مؤلف ذُو حيّز وَقبُول للأعراض وَفِي مَكَان دون مَكَان لأنكم لم تعقلوا فَاعِلا فِي الشَّاهِد إِلَّا كَذَلِك فَإِن مروا على هَذَا أبطلوا الْحُدُوث والمحدث وسيقت عَلَيْهِم مطالبات الدهرية وَإِن أَبوهُ نقضوا استدلالهم بِمُجَرَّد الشَّاهِد والوجود عِلّة أُخْرَى لَهُم فَإِن قَالُوا الدَّلِيل على أَنه لَا يجوز أَن يُرْسل الله تَعَالَى رَسُولا إِلَى خلقه أَنا وجدنَا الرَّسُول فِي الشَّاهِد والمعقول من جنس الْمُرْسل فَلَمَّا لم يجز أَن يكون الْقَدِيم من جنس الْمَخْلُوقَات بِذَاتِهِ ثَبت أَنه لَا يجوز أَن يُرْسل رَسُولا إِلَى خلقه فَيُقَال لَهُم فَيجب على اعتلالكم هَذَا أَلا يكون الله سُبْحَانَهُ محتجا على الْخلق بعقولهم وَلَا آمرا لَهُم بِمَا وَضعه فِيهَا عنْدكُمْ من وجوب فعل الْحسن وَترك الْقَبِيح وَاسْتِعْمَال النّظر وَفعل التَّوْحِيد لله والمعرفة بِهِ وَالشُّكْر لنعمه لِأَن المحتج الْآمِر فِي الشَّاهِد من جنس الْمَأْمُور المحتج عَلَيْهِ فَإِن مروا على ذَلِك تركُوا التَّوْحِيد وَلَحِقُوا بِأَهْل التعطيل وَإِن أَبوهُ وراموا فصلا نقضوا استدلالهم وَيُقَال لَهُم فَيجب على

стр. 109

موضوعكم أَلا يكون الْقَدِيم سُبْحَانَهُ شَيْئا وَلَا فَاعِلا وَلَا عَالما حَيا قَادِرًا لِأَن ذَلِك يُوجب أَن يكون من جنس الْأَشْيَاء المعقولة لِأَن الشَّيْء فِي الشَّاهِد والوجود لَا يَنْفَكّ من أَن يكون جسما أَو جوهرا أَو عرضا والحي الْعَالم الْقَادِر لَا يكون إِلَّا جسما وجواهر مجتمعة وَالْفَاعِل منا لَا يفعل إِلَّا فِي نَفسه أَو فِي غَيره بِسَبَب يحدثه فِي نَفسه فَإِن لم يجب هَذَا أجمع سقط مَا تعلقتم بِهِ قَول آخر لَهُم وَاسْتَدَلُّوا أَيْضا على منع إرْسَال الرُّسُل بِأَن قَالُوا لم نجد وَجها من قبله يَصح تلقي الرسَالَة عَن الْخَالِق جلّ ذكره وَذَلِكَ أَنه لَيْسَ مِمَّن يدْرك بالأبصار ويشاهد بالحواس فيتولى مُخَاطبَة الرَّسُول بِنَفسِهِ من حَيْثُ يرَاهُ ويعلمه مُخَاطبا لَهُ حسب الرائيين أَحدهمَا للْآخر وَإِنَّمَا يَدعِي الرَّسُول الْعلم بالرسالة من جِهَة صَوت يسمعهُ أَو كتاب يَقع ١٥ إِلَيْهِ أَو سَماع شخص ماثل بَين يذكر أَنه بعض مَلَائِكَة ربه قَالُوا وَذَلِكَ كَالَّذي ادَّعَاهُ مُوسَى بن عمرَان من أَن الله تَعَالَى كَلمه وَتَوَلَّى خطابه بِلَا وَاسِطَة وَلَا ترجمان قَالُوا وَلم يدع مَعَ ذَلِك رُؤْيَة ربه سُبْحَانَهُ وَإِنَّمَا أخبر عَن صَوت سَمعه فِيمَا يدريه لَعَلَّ صَاحب ذَلِك الصَّوْت ومكلمه

стр. 110

بعض الْمَلَائِكَة أَو الْجِنّ أَو مستتر عَنهُ من الْإِنْس وَلَا لَهُ إِلَى أَن يعلم أَن مُتَوَلِّي خطابه هُوَ الله رب الْعَالمين مَعَ علمه بِأَن فِي الْعَالم أرواحا ناطقة بِمثل مَا سَمعه وَمن جنسه وعَلى صفته وَكَذَلِكَ زَعَمُوا أَن قَول الرَّسُول إِن الَّذِي أدّى إِلَيْهِ الرسَالَة عَن ربه ملك مقرب قَول لَا سَبِيل لَهُ إِلَى الْعلم بِهِ وَلَعَلَّ الَّذِي خاطبه عفريت من العفاريت أَو بعض السَّحَرَة والمخيلين فَأَما التعويل على كتاب يظنّ أَنه من عِنْد ربه فَهُوَ أبعد الْأُمُور من أَن يعلم أَن ذَلِك الْكتاب لَيْسَ من عمل الْبشر ونظمهم وَلَو أَنه أَيْضا سقط عَلَيْهِ من نَحْو السَّمَاء لم يدر لَعَلَّه مِمَّا طَرحه عفريت من العفاريت أَو مِمَّا أرسل مَعَ الرّيح أَو حَملته فألقته إِلَيْهِ وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك فَلَا سَبِيل إِذا للرسول إِلَى تلقي الرسَالَة عَن الْخَالِق تَعَالَى وَفِي فَسَاد الطَّرِيق إِلَى ذَلِك فَسَاد القَوْل بنبوة الرُّسُل ﵈ فَيُقَال لَهُم مَا أنكرتم من سُقُوط مَا تعلقتم بِهِ وَذَلِكَ أَن مُوسَى ﵇ وكل من تولى الله خطابه بِلَا وَاسِطَة وَلَا ترجمان يعلم أَن خَالق الْعَالم هُوَ الْمُتَوَلِي لخطابه من أَرْبَعَة أوجه أَحدهَا أَن كَلَام الله سُبْحَانَهُ الَّذِي يُخَاطب بِهِ من يَشَاء من خلقه لَيْسَ من جنس كَلَام الْآدَمِيّين وَلَا مشبها لكَلَام المخلوقين بل هُوَ مُخَالف لسَائِر الْأَجْنَاس والأصوات وأبنية اللُّغَات وَإِن كَانَ مسموعا بحاسة السّمع لما قَامَ عندنَا من الدَّلِيل على قدمه واستحالة خلقه وَأَنه صفة من صِفَات ذَات الْمُتَكَلّم بِهِ وسنوضح ذَلِك بِمَا يُوضح الْحق فِي بَاب القَوْل فِي الصِّفَات
следующие страницы →