← Акыда

Акыда · id 6389

تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل

الباقلاني

Полный текст (536 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أَن يخْتَص بفضله من يَشَاء من خلقه وَله التَّسْوِيَة بَين سَائِرهمْ فَإِن ذَلِك أجمع عدل مِنْهُ وصواب من تَدْبيره فَإِن قَالُوا لِأَن تَفْضِيل أحد المتجانسين على الآخر فِي الشَّاهِد سفه منا فَوَجَبَ الْقَضَاء بذلك على الْقَدِيم تَعَالَى قيل لَهُم وَلم قُلْتُمْ إِن ذَلِك سفه وَمَا أنكرتم من أَنه جَائِز لنا وصواب فِي حكمتنا أَن نحبو بعض عبيدنا وأصدقائنا والمتصرفين مَعنا كتصرف غَيره بِأَكْثَرَ مِمَّا مِمَّا نحبو بِهِ غَيره ونفضله بعطاء وتشريف لَا يسْتَحقّهُ أَكثر مِمَّا نحبو بِهِ غَيره فَلم قُلْتُمْ إِن هَذَا سفه وقبيح من فعلنَا وَيُقَال لَهُم نَحن نمنعكم أَشد الْمَنْع من أَن يكون فِي الْعقل بِمُجَرَّدِهِ طَرِيق لقبح فعل أَو لحسنة أَو حظره أَو إِبَاحَته أَو إِيجَابه ونقول إِن هَذِه الْأَحْكَام بأسرها لَا تثبت للأفعال إِلَّا بِالشَّرْعِ دون قَضِيَّة الْعقل وسنتكلم على هَذَا الْبَاب وَمَا يتَّصل بِهِ فِي بَاب التَّعْدِيل والتجوير من كتَابنَا هَذَا إِن شَاءَ الله فَإِن قَالُوا لَو حسن من الله مَا قُلْتُمْ لحسن من الله أَن يشْكر ويثنى على من لم يعْمل شَيْئا أَو من قل فعل الْبر مِنْهُ بِأَكْثَرَ مِمَّا يشْكر ويثني على الْعَامِل الزَّاهِد الْمُجْتَهد قيل لَهُم لم قُلْتُمْ ذَلِك ثمَّ يُقَال لَهُم مَا أنكرتم أَن يكون الْفرق بَينهمَا أَن الشُّكْر وَالثنَاء على الْمَرْء بِمَا لم يكن مِنْهُ كذب وَالْكذب مُسْتَحِيل على الله تَعَالَى إِذْ كَانَ الصدْق من صِفَات نَفسه ولغير ذَلِك كَمَا يَسْتَحِيل عَلَيْهِ الْجَهْل وَالْعجز والتفضل على من لم يعْمل أَو على من عمل أقل من عمل غَيره بِأَكْثَرَ من التفضل

стр. 107

على الْعَامِل إنعام وإحسان وَلَيْسَ ذَلِك بقبيح وَلَا من الْكَذِب بسبيل فَبَطل مَا قُلْتُمْ ثمَّ يُقَال لَهُم مَا أنكرتم على من قَالَ من مثبتي نبوة الرُّسُل إِن الله تَعَالَى لَيْسَ يفضل أحد الشخصين على الآخر المجانس لَهُ ابْتِدَاء وَلَا لأجل جنسه وَلَكِن لأجل أَنه مُسْتَحقّ للتفضيل بالرسالة وَغَيرهَا بِعَمَلِهِ وَالْإِخْلَاص فِي الِاجْتِهَاد كَمَا أَن الله تَعَالَى يفضل الْمُنِيب وقابل الْحجَج الْعَقْلِيَّة عنْدكُمْ على من لم يقبلهَا لَا لجنسه وَلَا لابتدائه بذلك وَلَا لغير عِلّة وَلَكِن لِأَنَّهُ مُسْتَحقّ للتعظيم وَالشُّكْر وَالثنَاء عنْدكُمْ لما كَانَ من بره وطاعته فَيكون التَّفْضِيل بالرسالة إِذا أَرَادَ الله سُبْحَانَهُ إرْسَال بعض عباده إِلَى باقيهم مُسْتَحقّا لِأَنَّهُ أفضلهم وَأَكْثَرهم عملا فَلَا يَجدونَ لذَلِك مدفعا وَيُقَال لَهُم أَيْضا مَا أنكرتم من أَنه لَا يجوز فِي عدل الْقَدِيم سُبْحَانَهُ وحكمته على مَوْضُوع دليلكم أَن يخلق فِي بعض عباده الْجَهْل وَفِي بَعضهم الْعلم وَفِي بَعضهم الْعَمى والبكم والخرس والزمانة وَفِي بَعضهم الْقُوَّة والتمكين وَصِحَّة الْآلَة وَكَمَال الْعقل والنحيزة الطبيعية لِأَن ذَلِك تَفْضِيل بعض الْجِنْس على بعض فَإِن قَالُوا عطيته الْعلم والحياة وَكَمَال الْعقل والحواس لبَعْضهِم وَمنعه لغَيرهم مصلحَة للمعطى والممنوع وسبيل لَهُم إِلَى نفع عَظِيم هُوَ سُبْحَانَهُ أعلم بِهِ قيل لَهُم فَمَا أنكرتم أَن يكون إرْسَاله بعض الْخلق

стр. 108

وَجعله رَاعيا وَجعل باقيهم رعية مصلحَة لِلرَّاعِي والرعية وَلِلرَّسُولِ والمرسل إِلَيْهِ ولطفا لَهُم فِي النّظر فِي حجج الْعُقُول الَّتِي أَمرهم بِالرُّجُوعِ إِلَيْهَا وَالْعَمَل على مُوجبهَا وَيُقَال لَهُم إِن بنيتم الْأَمر على قبح ذَلِك فِي الشَّاهِد بزعمكم فَيجب أَن تقضوا على أَن الْفَاعِل للْعَالم لَا يَفْعَله إِلَّا لاجتلاب مَنْفَعَة أَو دفع مضرَّة وداع دَعَاهُ إِلَى الْفِعْل وَبَعثه عَلَيْهِ وَأَنه تَعَالَى جسم مؤلف ذُو حيّز وَقبُول للأعراض وَفِي مَكَان دون مَكَان لأنكم لم تعقلوا فَاعِلا فِي الشَّاهِد إِلَّا كَذَلِك فَإِن مروا على هَذَا أبطلوا الْحُدُوث والمحدث وسيقت عَلَيْهِم مطالبات الدهرية وَإِن أَبوهُ نقضوا استدلالهم بِمُجَرَّد الشَّاهِد والوجود عِلّة أُخْرَى لَهُم فَإِن قَالُوا الدَّلِيل على أَنه لَا يجوز أَن يُرْسل الله تَعَالَى رَسُولا إِلَى خلقه أَنا وجدنَا الرَّسُول فِي الشَّاهِد والمعقول من جنس الْمُرْسل فَلَمَّا لم يجز أَن يكون الْقَدِيم من جنس الْمَخْلُوقَات بِذَاتِهِ ثَبت أَنه لَا يجوز أَن يُرْسل رَسُولا إِلَى خلقه فَيُقَال لَهُم فَيجب على اعتلالكم هَذَا أَلا يكون الله سُبْحَانَهُ محتجا على الْخلق بعقولهم وَلَا آمرا لَهُم بِمَا وَضعه فِيهَا عنْدكُمْ من وجوب فعل الْحسن وَترك الْقَبِيح وَاسْتِعْمَال النّظر وَفعل التَّوْحِيد لله والمعرفة بِهِ وَالشُّكْر لنعمه لِأَن المحتج الْآمِر فِي الشَّاهِد من جنس الْمَأْمُور المحتج عَلَيْهِ فَإِن مروا على ذَلِك تركُوا التَّوْحِيد وَلَحِقُوا بِأَهْل التعطيل وَإِن أَبوهُ وراموا فصلا نقضوا استدلالهم وَيُقَال لَهُم فَيجب على

стр. 109

موضوعكم أَلا يكون الْقَدِيم سُبْحَانَهُ شَيْئا وَلَا فَاعِلا وَلَا عَالما حَيا قَادِرًا لِأَن ذَلِك يُوجب أَن يكون من جنس الْأَشْيَاء المعقولة لِأَن الشَّيْء فِي الشَّاهِد والوجود لَا يَنْفَكّ من أَن يكون جسما أَو جوهرا أَو عرضا والحي الْعَالم الْقَادِر لَا يكون إِلَّا جسما وجواهر مجتمعة وَالْفَاعِل منا لَا يفعل إِلَّا فِي نَفسه أَو فِي غَيره بِسَبَب يحدثه فِي نَفسه فَإِن لم يجب هَذَا أجمع سقط مَا تعلقتم بِهِ قَول آخر لَهُم وَاسْتَدَلُّوا أَيْضا على منع إرْسَال الرُّسُل بِأَن قَالُوا لم نجد وَجها من قبله يَصح تلقي الرسَالَة عَن الْخَالِق جلّ ذكره وَذَلِكَ أَنه لَيْسَ مِمَّن يدْرك بالأبصار ويشاهد بالحواس فيتولى مُخَاطبَة الرَّسُول بِنَفسِهِ من حَيْثُ يرَاهُ ويعلمه مُخَاطبا لَهُ حسب الرائيين أَحدهمَا للْآخر وَإِنَّمَا يَدعِي الرَّسُول الْعلم بالرسالة من جِهَة صَوت يسمعهُ أَو كتاب يَقع ١٥ إِلَيْهِ أَو سَماع شخص ماثل بَين يذكر أَنه بعض مَلَائِكَة ربه قَالُوا وَذَلِكَ كَالَّذي ادَّعَاهُ مُوسَى بن عمرَان من أَن الله تَعَالَى كَلمه وَتَوَلَّى خطابه بِلَا وَاسِطَة وَلَا ترجمان قَالُوا وَلم يدع مَعَ ذَلِك رُؤْيَة ربه سُبْحَانَهُ وَإِنَّمَا أخبر عَن صَوت سَمعه فِيمَا يدريه لَعَلَّ صَاحب ذَلِك الصَّوْت ومكلمه

стр. 110

بعض الْمَلَائِكَة أَو الْجِنّ أَو مستتر عَنهُ من الْإِنْس وَلَا لَهُ إِلَى أَن يعلم أَن مُتَوَلِّي خطابه هُوَ الله رب الْعَالمين مَعَ علمه بِأَن فِي الْعَالم أرواحا ناطقة بِمثل مَا سَمعه وَمن جنسه وعَلى صفته وَكَذَلِكَ زَعَمُوا أَن قَول الرَّسُول إِن الَّذِي أدّى إِلَيْهِ الرسَالَة عَن ربه ملك مقرب قَول لَا سَبِيل لَهُ إِلَى الْعلم بِهِ وَلَعَلَّ الَّذِي خاطبه عفريت من العفاريت أَو بعض السَّحَرَة والمخيلين فَأَما التعويل على كتاب يظنّ أَنه من عِنْد ربه فَهُوَ أبعد الْأُمُور من أَن يعلم أَن ذَلِك الْكتاب لَيْسَ من عمل الْبشر ونظمهم وَلَو أَنه أَيْضا سقط عَلَيْهِ من نَحْو السَّمَاء لم يدر لَعَلَّه مِمَّا طَرحه عفريت من العفاريت أَو مِمَّا أرسل مَعَ الرّيح أَو حَملته فألقته إِلَيْهِ وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك فَلَا سَبِيل إِذا للرسول إِلَى تلقي الرسَالَة عَن الْخَالِق تَعَالَى وَفِي فَسَاد الطَّرِيق إِلَى ذَلِك فَسَاد القَوْل بنبوة الرُّسُل ﵈ فَيُقَال لَهُم مَا أنكرتم من سُقُوط مَا تعلقتم بِهِ وَذَلِكَ أَن مُوسَى ﵇ وكل من تولى الله خطابه بِلَا وَاسِطَة وَلَا ترجمان يعلم أَن خَالق الْعَالم هُوَ الْمُتَوَلِي لخطابه من أَرْبَعَة أوجه أَحدهَا أَن كَلَام الله سُبْحَانَهُ الَّذِي يُخَاطب بِهِ من يَشَاء من خلقه لَيْسَ من جنس كَلَام الْآدَمِيّين وَلَا مشبها لكَلَام المخلوقين بل هُوَ مُخَالف لسَائِر الْأَجْنَاس والأصوات وأبنية اللُّغَات وَإِن كَانَ مسموعا بحاسة السّمع لما قَامَ عندنَا من الدَّلِيل على قدمه واستحالة خلقه وَأَنه صفة من صِفَات ذَات الْمُتَكَلّم بِهِ وسنوضح ذَلِك بِمَا يُوضح الْحق فِي بَاب القَوْل فِي الصِّفَات

стр. 111

إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك علم من تولى الله خطابه أَن الْمُتَكَلّم لَهُ بِمَا سَمعه هُوَ الْقَدِيم الَّذِي لَيْسَ كمثله شَيْء وَأَنه الَّذِي يَنْبَغِي أَن يكون مَا سَمعه كلَاما لَهُ دون سَائِر الْخلق وَالْوَجْه الآخر أَنه لَو كَانَ مَا سَمعه الرَّسُول أَو الْملك من جنس كَلَام الْآدَمِيّين لَكَانَ الله سُبْحَانَهُ قَادِرًا على أَن يضطره إِلَى الْعلم بِأَنَّهُ هُوَ المكلم لَهُ وَأَن الْكَلَام الَّذِي سَمعه كَلَام لَهُ بِأَن يضطره أَولا إِلَى الْعلم بِذَاتِهِ ووجوده ثمَّ يضطره إِلَى الْعلم بِأَن الْكَلَام كَلَامه وَأَن مُرَاده بِهِ إِن كَانَ بِصِيغَة مَا يحْتَمل وُجُوهًا من الْكَلَام كَذَا وَكَذَا وَسقط عَن الرَّسُول تَكْلِيف مَعْرفَته وَفرض الْعلم بِوُجُودِهِ إِذا كَانَ قد اضطره إِلَى الْعلم بِهِ ويكلفه تحمل الرسَالَة وأداءها إِلَى من شَاءَ من خلقه وَلَعَلَّ فِي مَلَائكَته من هَذِه سَبِيل علمه بِهِ وبكلامه وَمرَاده لَهُ إِن لم يمْنَع من ذَلِك سمع أَو تَوْقِيف وَلَا سمع نعرفه فِي ذَلِك يمْنَع مِنْهُ وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك بَطل سؤالكم أَنه لَا سَبِيل للرسول إِلَى الْعلم بتلقي الرسَالَة عَن الْخَالِق وَمَا أنكرتم أَيْضا من أَن يَصح علم الرَّسُول بِأَن الله سُبْحَانَهُ هُوَ الْمُتَوَلِي لكَلَامه مَعَ بَقَاء المحنة عَلَيْهِ وإلزام الله سُبْحَانَهُ إِيَّاه مَعْرفَته من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن يَجْعَل الْخطاب لَهُ خَبرا عَن غيب استسره مُوسَى ﵇ واعتقده فِي نَفسه وَلم يطلع عَلَيْهِ أحدا من الْخلق ويخبره

стр. 112

عَمَّا أحبه قلبه وانطوى عَلَيْهِ ضَمِيره أَخْبَارًا مُتَّصِلَة تخرج بكثرتها عَن حد مَا يُمكن إِصَابَة الظَّان والمخمن فِيهِ لِأَن الْمَعْلُوم بمستقر الْعَادة أَن الحادس يُصِيب فِي الْخَبَر والاثنين وَالثَّلَاثَة وَلَا يُصِيب فِي الْمِائَة والمائتين وَالْألف والألفين حَتَّى لَا يغلط فِي وَاحِد مِنْهَا وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك كَانَ الله تَعَالَى مَتى أَرَادَ إِعْلَام من يتَوَلَّى خطابه أَنه الْمُتَوَلِي لكَلَامه ضمن خطابه الْإِخْبَار عَن الغيوب وَمَا أسرته النُّفُوس فَيعلم الْمُخَاطب عِنْد ذَلِك أَن الْمُتَوَلِي لكَلَامه هُوَ علام الغيوب لتقدم علمه بِأَن الْإِخْبَار عَن ذَلِك والإصابة لَهُ فِي جَمِيعه مُتَعَذر على المخلوقين وَأَن الْمُنْفَرد بِهَذَا هُوَ الله رب الْعَالمين وَهَذَا طَرِيق للْعلم بِصِحَّة الرسَالَة عَن الله وَاضح لَا إِشْكَال فِيهِ وَقد يُمكن أَن يعلم الله سُبْحَانَهُ الرَّسُول أَنه الْمُتَوَلِي لخطابه بِأَن يَقُول أَنا الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا أَنا وَآيَة ذَلِك أَنِّي أقلب الجماد حَيَوَانا وَأخرج يدك بَيْضَاء وأفلق الْبَحْر وَأخرج الْحَيَوَان من الصخر فَيعلم الرَّسُول أَن الْمُتَوَلِي لخطابه هُوَ مُحدث الْآيَات ومبدع المعجزات لتقدم علمه بِأَن الْخلق لَا قدرَة لَهُم على ذَلِك وَلَيْسَ يجوز أَن يحمل الله الرسَالَة لبَعض أنبيائه وَهُوَ مَعَ ذَلِك مِمَّن لم يتَقَدَّم علمه بِأَن أحدا من المخلوقين لَا يَسْتَطِيع الْإِخْبَار عَن الغيوب والإصابة فِيهَا وَلَا يقدر على إبداع الْأَجْسَام وإحياء الْموَات وخرق الْعَادَات بل لَا يُرْسل إِلَّا أكمل الْخلق علما بِهِ وَمَعْرِفَة لَهُ وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك سقط مَا توهمتم

стр. 113

وَكَذَلِكَ أَيْضا إِنَّمَا يتَبَيَّن الرَّسُول من الْبشر أَن الْمنزل عَلَيْهِ بالرسالة ملك من عِنْد ربه بِأَن يكون الْخطاب الَّذِي أَدَّاهُ إِلَيْهِ متضمنا لإخباره عَن الغيوب أَو بِأَن يظْهر مَعَه من الْآيَات مثل الَّذِي ظهر على أَيدي الرَّسُول عِنْد الْأَدَاء إِلَى أمثالهم من ولد آدم فَيعلم عِنْد ذَلِك أَن من ظَهرت هَذِه الْأُمُور على يَده فَلَيْسَ بساحر وَلَا شَيْطَان وَلَا متمثل من الْأَرْوَاح وكل هَذَا يبطل مَا توهموه فَأَما الْكتاب السَّاقِط على يَد الرَّسُول فَلَا بُد من أَن يكون مَعَه آيَة تظهر على يَد ملك سَوَاء يُؤَدِّيه أَو بِأَن ينْطق الله الْكتاب ويحييه حَتَّى يُؤَدِّي عَن نَفسه ويخبر بمتضمنه ويخرق الْعَادة بِمَا يظْهر مِنْهُ فَلَا تعلق لَهُم فِي ذَلِك قَول آخر لمنكري الرسَالَة وَاسْتَدَلُّوا على إبِْطَال الرسَالَة بِأَن قَالُوا وجدنَا المدعين للرسالة يَزْعمُونَ أَنه لَا طَرِيق إِلَى الْعلم بصدقهم إِلَّا وجود محالات مُمْتَنع فِي الْعقل وجودهَا من نَحْو فلق الْبَحْر وَخلق نَاقَة من صَخْرَة وقلب الْعَصَا حَيَّة وإحياء الْمَوْتَى وإبراء الأكمه والأبرص وَالْمَشْي على المَاء وإنطاق الذِّئْب والحصا وَمَا جرى مجْرى ذَلِك من ادعائهم جعل الْقَلِيل كثيرا والقليل لَا يتكثر كَمَا أَن الْكثير لَا يتقلل ويتوحد وَإِذا كَانَ كَذَلِك بَطل مَا يَدعُونَهُ فَيُقَال لَهُم مَا الَّذِي أردتم بقولكم إِن هَذِه الْأُمُور مستحيلة ممتنعة أعنيتم بذلك أَنَّهَا مستحيلة فِي الْعَادة أَو فِي قدرَة الصَّانِع تَعَالَى فَإِن قَالُوا فِي قدرَة

стр. 114

الصَّانِع ألحدوا وَتركُوا دينهم وَقيل لَهُم مَا الدَّلِيل على إِحَالَة ذَلِك وَإِن قَالُوا لأننا لم نجد أحدا فعله وَلَا يقدر عَلَيْهِ وَلَا رَأينَا ذَلِك قطّ وَلَا جرى مثل مَا تدعون قيل لَهُم فَيجب أَن تحيلوا أَيْضا أَن يخلق الله تَعَالَى الْأَجْسَام وَألا يُوجد آدم إِلَّا من ذكر وَأُنْثَى وَألا يخلق دجَاجَة إِلَّا من بَيْضَة أَو بَيْضَة إِلَّا من دجَاجَة أَو نُطْفَة إِلَّا من إِنْسَان أَو إنْسَانا إِلَّا من نطقة لِأَن ذَلِك أجمع لم يُوجد قطّ وَلم يُشَاهد فَإِن مروا على ذَلِك لَحِقُوا بِأَهْل الدَّهْر وَإِن أَبوهُ نقضوا اعتلالهم وَإِن قَالُوا عنينا أَن هَذِه الْأُمُور مستحيلة فِي الْعَادة قيل لَهُم فَمَا أنكرتم أَن ينْقض الله سُبْحَانَهُ الْعَادَات وَيظْهر المعجزات على أَيدي رسله لما أَرَادَهُ من حسن النّظر لَهُم وَلمن علم أَنه يُؤمن بهم وَيعْمل من الْعِبَادَات مَا يكون وصلَة وذريعة إِلَى إجزال ثوابهم كَمَا جَازَ وَحسن مِنْهُ أَن يحْتَج عَلَيْهِم بعقولهم فَلَا يَجدونَ إِلَى دفع ذَلِك من حَيْثُ اعتلوا مُتَعَلقا فَأَما مَا قَالُوهُ من اسْتِحَالَة كَون الْكثير قَلِيلا والقليل كثيرا فَإِنَّهُ صَحِيح على مَا ادعوهُ وَإِنَّمَا معنى قَول الْمُسلمين وكل ذِي مِلَّة إِن الرَّسُول ﷺ يَجْعَل الْقَلِيل من الطَّعَام وَالشرَاب كثيرا هُوَ أَن الله سُبْحَانَهُ يخلق عِنْد دُعَاء النَّبِي ﷺ وَوَضعه يَده فِي الطَّعَام وَالشرَاب أَمْثَال

стр. 115

ذَلِك الطَّعَام وَالشرَاب ويخترع أضعافه لَا أَن كل جُزْء فِيهِ يصير جزئين أَو أَكثر من ذَلِك لِأَن الْكثير لَا يتوجد كَمَا أَن الْوَاحِد لَا يتكثر وَكَذَلِكَ يعْدم عِنْد دُعَائِهِ ﵇ بعض الموجودات وَيبقى بَعْضهَا وَإِن كَانَ التَّأْوِيل فِي ذَلِك على مَا وَصفنَا سقط مَا توهموه قَول آخر لَهُم وَإِن قَالُوا الدَّلِيل على كذب مدعي الرسَالَة على على ربه أَنا وجدنَا كل مُدع لذَلِك يخبر عَن سُبْحَانَهُ بِإِبَاحَة مَا تحظره الْعُقُول من إيلام الْحَيَوَان وذبحه وسلخه وتسخيره وَغير ذَلِك مِمَّا يجْرِي مجْرَاه والحكيم لَا يجوز أَن يُبِيح مَا تحظره الْعُقُول وَلَا أَن يبْعَث من يتكذب عَلَيْهِ فِي إِطْلَاق ذَلِك وإباحته فَدلَّ مَا وصفناه على أَنهم لَيْسُوا من عِنْد الله سُبْحَانَهُ فَيُقَال لَهُم أول مَا فِي هَذَا أَن الَّذِي ذكرتموه إِنَّمَا فِيهِ أَن يكون مُبِيح هَذِه الْأُمُور ومدعي الْإِبَاحَة على الله سُبْحَانَهُ كَاذِبًا فِي ادِّعَاء الرسَالَة وَأَن الله تَعَالَى لَا يجوز أَن يُرْسِلهُ وَلَيْسَ فِيهِ مَا يدل على أَنه لَا يجوز أَن يُرْسل غير من ذكرْتُمْ وَلَا من يُبِيح مَحْظُورًا فِي الْعقل وَلَا يحظر

стр. 116

مُبَاحا فِيهِ فَلَيْسَ الْكَلَام مَعكُمْ فِي نبوة قوم بأعيانهم فَإِن الْكَلَام فِي ذَلِك جَار بَين أهل الْملَل والمجوزين لإرسال الله تَعَالَى الرُّسُل وَأَنْتُم تحيلون أَن يُرْسل الله رَسُولا أصلا فَلَا معنى للْكَلَام فِي تعْيين رِسَالَة فلَان دون فلَان فَإِنَّهُ خُرُوج عَن الْكَلَام وَعجز وانتقال من بَاب إِلَى بَاب ثمَّ يُقَال لَهُم مَا أنكرتم أَن يكون جَمِيع مَا ادعيتم حظره فِي الْعقل غير مَحْظُور فِيهِ وَلَا مُبَاح أَيْضا وَأَن الْحَظْر وَالْإِبَاحَة إِنَّمَا هما وُرُود القَوْل الْمُبين عَن مَالك الْأَعْيَان بِإِبَاحَة مَا أَبَاحَهُ وحظر مَا حظره فَلم قُلْتُمْ إِن فِي الْعقل إِبَاحَة وحظرا ثمَّ يُقَال لَهُم مَا أنكرتم أَن يكون الْعقل قَاضِيا على أَن لخالق الْأَعْيَان وَمَالك الذوات أَن يتلفها ويؤلمها وَأَن يُبِيح ذَلِك فِيهَا وَأَن يبتدئها باللذات بَدَلا من الآلام وبالآلآم بَدَلا من اللَّذَّات لِأَنَّهُ لَا مَالك فَوْقه وَلَا زاجر يجدد لَهُ فَلَا يَجدونَ إِلَى دفع ذَلِك سَبِيلا فَإِن قَالُوا فَمَا الدَّلِيل على أَن الله سُبْحَانَهُ ابْتَدَأَ الْحَيَوَان بالآلام من غير عوض وَلَا جرم قيل لَهُم الدَّلِيل على ذَلِك اتفاقنا وَسَائِر أهل التَّوْحِيد وَأهل الْملَل على أَن لله تَعَالَى متفضل على الْحَيَوَان بِالنعَم وَاللَّذَّات الَّتِي يبتدئهم بهَا وَأَنه مستوجب للحمد وَالشُّكْر على ذَلِك وَإِذا كَانَ هَذَا هَكَذَا وَكَانَ للمتفضل فعل التفضل وَله تَركه على وَجه مَا كَانَ لَهُ فعله وَأَن هَذَا هُوَ الْفرق بَين التفضل وَبَين الْمُسْتَحق الْوَاجِب الَّذِي يجب الظُّلم بِتَرْكِهِ ثَبت أَن لله سُبْحَانَهُ أَن يتْرك فعل اللَّذَّة فِي الْحَيَوَان على وَجه

стр. 117

مَا كَانَ لَهُ فعلهَا فَإِذا ثَبت ذَلِك وَكَانَ الدَّلِيل قد قَامَ على أَن الْحَيَوَان الْمُحْتَمل للذات والآلام المتضادة لَا يجوز أَن يَنْفَكّ مِنْهَا بأسرها كَمَا لَا يجوز أَن تنفك الْأَجْسَام من سَائِر المتضادات ثَبت أَن الله سُبْحَانَهُ إِذا ترك فعل اللَّذَّة فِي الْحَيَوَان حسن مِنْهُ ذَلِك وَكَانَ عدلا وصوابا فِي الْحِكْمَة وَلنْ يتْرك الله اللَّذَّة إِلَّا بِمَا يضادها من الْأَلَم وَذَلِكَ يُوجب أَن يكون فعل الْأَلَم بِغَيْر جرم وَلَا لعوض عدلا من الله سُبْحَانَهُ وَإِن كَانَ مثله ظلما وجورا منا إِذا كلفنا تَركه وأمرنا من هُوَ أملك بِالْحَيَوَانِ منا بترك إيلامه فَإِن قَالُوا أَو قَالَ إخْوَانهمْ من الْمُعْتَزلَة مَا أنكرتم أَن يكون لله سُبْحَانَهُ ترك التفضل من اللَّذَّة بِفعل الْمَوْت النَّافِي للألم وَاللَّذَّات وَلَيْسَ لَهُ ذَلِك بِفعل الْأَلَم وَقيل لَهُم أَنْكَرْنَا ذَلِك لأجل مَا اتفقنا عَلَيْهِ من أَنه متفضل بِفعل اللَّذَّة فِي الْجِسْم مَعَ وجود الْحَيَاة لَا مَعَ عدمهَا فَيجب أَن يكون لَهُ ترك فعل اللَّذَّة على الْوَجْه الَّذِي كَانَ لَهُ فعلهَا وَله فعلهَا مَعَ الْحَيَاة فَيجب أَن يكون لَهُ تَركهَا مَعَ الْحَيَاة وَلنْ يتْرك اللَّذَّة مَعَ وجود الْحَيَاة إِلَّا بِفعل الْأَلَم وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك سقط مَا سَأَلْتُم عَنهُ وَبَطل مَا تعلقتم بِهِ وَثَبت أَن لمَالِك الْأَعْيَان أَن يُبِيح خلقه مَا يَشَاء مِنْهَا من إِتْلَاف بعض الْحَيَوَان وإيلامه وَأَنه لَا اعْتِرَاض لمخلوق فِي حكمه وَيُقَال لَهُم لَو سلم لكم أَن ذبح الْحَيَوَان وإيلامه مَحْظُور فِي الْعقل مَا لم يبح ذَلِك فِيهَا مَالِكهَا لم يجب لأجل هَذَا أَن يكون ذَبحهَا

стр. 118

مَحْظُورًا مَعَ إِطْلَاق الْمَالِك فَإِن قَالُوا الْمَحْظُور فِي الْعقل مَحْظُورًا أبدا وَكَيف تصرفت بِهِ الْحَال قيل لَهُم لم قُلْتُمْ ذَلِك ثمَّ يُقَال لَهُم مَا أنكرتم من أَن ذَلِك كَانَ مَحْظُورًا بشريطة عدم إِذن مَالِكه فِيهِ وإطلاقه وحظره فِي الْعقل بِهَذَا الشَّرْط لَا يَنْقَلِب أبدا ثمَّ يُقَال لَهُم أَلَيْسَ الْأكل وَالشرب والاصطلاء بالنَّار والتبرد بالثلج قبيحا مَعَ الشِّبَع والري التامين اللَّذين يخَاف الضَّرَر فِيمَا يتَنَاوَل بعدهمَا وَكَذَلِكَ الاصطلاء بالنَّار مَعَ الْحمى والتبرد بالثلج مَعَ شدَّة الْبرد مَحْظُور مَعَ الْغنى عَنهُ فَإِذا قَالُوا أجل وَلَا بُد لَهُم من ذَلِك قيل لَهُم فَيجب أَن يكون ذَلِك أجمع مَحْظُورًا مَعَ حُصُول الْحَاجة إِلَيْهِ وَشدَّة لَهب الْجُوع والظمأ وَالْحر والقر وَخَوف الضَّرَر بِتَرْكِهِ فَإِن مروا على ذَلِك تركُوا دينهم وَإِن أَبوهُ وأباحوا هَذِه الْأُمُور وأوجبوها أَيْضا عِنْد الْحَاجة إِلَيْهَا قيل لَهُم فقد صَار الْمَحْظُور فِي الْعقل مُبَاحا وانقلبت قضايا الْعُقُول وَهَذَا مَا تَكْرَهُونَ وَإِن قَالُوا كل شَيْء مِمَّا سَأَلْتُم عَنهُ مُبَاح بِشَرْط الْحَاجة إِلَيْهِ ومحظور بِشَرْط الْغنى فِيهِ وَخَوف الضَّرَر بتناوله وَفعله قيل لَهُم مثل ذَلِك فِي إيلام الْحَيَوَان وَكَذَلِكَ يسْأَلُون عَمَّن هدده الْمُلْحِدُونَ بِالْقَتْلِ إِن لم يلْحد بربه ويشتمه

стр. 119

ويسيء الثَّنَاء عَلَيْهِ وَخَافَ نزُول الْقَتْل بِهِ إِن لم يفعل كلمة الْكفْر وَشتم رب الْعَالمين ورجاء الْبَقَاء والحياة إِن فعله مَا الَّذِي يجب عَلَيْهِ فَإِن قَالُوا يجب عَلَيْهِ فعل شتم رب الْعَالمين وَسُوء الثَّنَاء عَلَيْهِ يُقَال لَهُم فقد صَار الْمَحْظُور فِي الْعقل مُبَاحا وَكَذَلِكَ إِن قَالُوا يلْزمه أَلا يكفر وَإِن أدّى ذَلِك إِلَى تلف نَفسه قيل لَهُم فقد صَار قتل نَفسه وإلقاؤها فِي التَّهْلُكَة مُبَاحا بعد أَن كَانَ مَحْظُورًا وَهَذَا مَا كرهتم الْمصير إِلَيْهِ وَيُقَال لَهُم إِن قَالُوا فعل كلمة الْكفْر أولى فَمَا أنكرتم أَن يكون الْكَفّ عَن ذَلِك مَعَ الْقَتْل أولى لِأَنَّهُ يكف عَن شتم ربه وَلَيْسَ هُوَ الْقَاتِل لنَفسِهِ فَإِن قَالُوا فالكف عَمَّا قُلْتُمْ أولى قيل لَهُم مَا أنكرتم أَن يكون إِظْهَار كلمة الْكفْر أولى إِذا لم يشْرَح بالْكفْر صَدرا لحفظ نَفسه وَعلمه بِأَن الله سُبْحَانَهُ عَالم باعتقاده وَأَنه مخلص فِي وحدانيته وَأَنه لَا يستضر سُبْحَانَهُ بِإِظْهَار مَا يظهره وَأَنه هُوَ يستضر بترك إِظْهَاره ويطرق إِلَى قتل نَفسه وتعدي الْحق فِي إِتْلَاف ملك ربه وَفعل الْمَحْظُور عَلَيْهِ فعله وَلَا جَوَاب لَهُم عَن ذَلِك فَإِن هم قَالُوا إِن إِلْقَاء النَّفس فِي التَّهْلُكَة مَحْظُور فِي الْعقل إِذا لم يؤد إِلَى الْكفْر بصانعها وَجحد نعمه وَإِن أدّى إِلَى ذَلِك كَانَ مُبَاحا أَو قَالُوا إِن الْكفْر بالصانع مَحْظُور فِي الْعقل إِذا لم يؤد إِلَى تلف النَّفس فَإِن أدّى إِلَيْهِ كَانَ مُبَاحا من غير أَن يَنْقَلِب الْمُبَاح فِي الْعقل مَحْظُورًا قيل لَهُم وَكَذَلِكَ إِتْلَاف الْحَيَوَان وإيلامه

стр. 120

مَحْظُور فِي الْعقل إِن لم يبحه مَالِكه فَإِن أَبَاحَهُ لم يكن مَحْظُورًا فِي الْعقل من غير إِتْلَافه نَفسه بقضية الْعُقُول أَو كَانَ مَشْرُوطًا بِمَا كَانَ شرطا لَهُ قَول آخر فَإِن قَالُوا الدَّلِيل على أَنه لَا يجوز فِي حِكْمَة الله سُبْحَانَهُ إرْسَال الرُّسُل أَن إرْسَاله الرُّسُل إِلَى من يعلم أَنه يكفر بِهِ ويشتمه وَيرد قَوْله ويستوجب بذلك الْعقَاب الْأَلِيم سفه وَخلاف الصَّوَاب فَلَمَّا لم يجز السَّفه على الله سُبْحَانَهُ لم يجز أَن يُرْسل الرُّسُل إِلَى من حَاله مَا وَصفنَا فَيُقَال لَهُم أول مَا فِي هَذَا أَنه يجب جَوَاز إرْسَال الله تَعَالَى الرُّسُل إِلَى من يعلم قبُوله مِنْهُم وانتفاعه بهم لِأَن هَذِه الْعلَّة عَنْهُم زائلة ثمَّ يُقَال لَهُم فَيجب على اعتلالكم أَلا يخلق الله سُبْحَانَهُ من يعلم أَنه يكفر بِهِ ويجحد نعمه ويلحد فِي صِفَاته وَلَا ينْتَفع بِوُجُود نَفسه وَألا يحْتَج بالعقول وَمَا وَضعه من الْأَدِلَّة فِيهَا على أحد علم أَنه يجحدها وَلَا يستعملها وَلَا ينيب إِلَى مَا وضح فِي عقله حسنه وَلَا يحذر مِمَّا حذر مِنْهُ فَإِن مروا على ذَلِك تركُوا دينهم وَإِن أَبوهُ نقضوا اعتلالهم وَإِن قَالُوا إِنَّمَا خلق من يعلم أَنه يكفر وَاحْتج عَلَيْهِ بعقله مَعَ الْعلم بِأَنَّهُ لَا يقبل مَا كلفه بعقله تعريضا مِنْهُ للقبول وَحسن الِانْتِفَاع بِهِ إِذا كَانَ

стр. 121

مِنْهُم قيل لَهُم فَمَا أنكرتم أَيْضا أَن يُكَلف على أَلْسِنَة الرُّسُل من علم أَنه يكفر وَلَا ينْتَفع إِذا قصد بذلك تعريضه لنفع لَا يصل إِلَيْهِ إِلَّا بالتكليف السمعي وَإِن علم أَنه يُخَالف وَلَا يقبل فَإِن قَالُوا علمه بِأَنَّهُ لَا يقبل يمْنَع من حسن النّظر لَهُ بإنفاذ الرُّسُل إِلَيْهِ قيل لَهُم وَكَذَلِكَ علمه بِأَنَّهُ لَا يقبل حجج الْعُقُول وَلَا ينظر وَلَا يخْتَار إِلَّا الْإِلْحَاد وَفعل الظُّلم والعدوان يمْنَع من حسن النّظر لَهُ بِإِقَامَة حجَّة الْعقل عَلَيْهِ وتكليف الْمصير إِلَيْهَا وَلَا جَوَاب لَهُم عَن ذَلِك قَول آخر لَهُم فَإِن قَالُوا الدَّلِيل على فَسَاد الرسَالَة قبح السَّعْي بَين الصَّفَا والمروة وَالطّواف بِالْبَيْتِ وتقبيل الْحجر والجوع والعطش فِي أَيَّام الصّيام وَالْمَنْع من فعل الملاذ الَّتِي تصلح الْأَجْسَام وَأَنه لَا فرق بَين الْبَيْت الْحَرَام وَبَين غَيره وَبَين الصَّفَا والمروة وَبَين غَيرهَا من الْبِقَاع وَبَين عَرَفَة وَبَين غَيرهَا فَثَبت أَن ذَلِك أجمع لَيْسَ من أوَامِر الْحَكِيم سُبْحَانَهُ يُقَال لَهُم مَا أنكرتم أَن يكون ذَلِك أجمع حِكْمَة إِذا علم الله سُبْحَانَهُ أَن فعله والتعبد بِهِ صَلَاح لكثير من خلقه وداع لَهُم إِلَى فعل توحيده وَالثنَاء عَلَيْهِ بصفاته وَمَا هُوَ أَهله وَغير ذَلِك مِمَّا ينالون بِهِ جزيل ثَوَابه وَأَن يكون ذَلِك بِمَنْزِلَة حسن ركُوب الْبَحْر وَقطع المهمة القفر فِي طلب الرفد وَالرِّبْح وبمنزلة عَدو الْإِنْسَان بِجهْدِهِ

стр. 122

وطاقته فِي الْحزن والوعر من الأَرْض خوفًا من السَّبع وَمِمَّنْ يُرِيد قَتله وَسَفك دَمه ظلما وَأخذ مَاله وقبح ذَلِك مِنْهُ إِذا لم يَفْعَله لاجتلاب مَنْفَعَة وَلَا دفع مضرَّة وَأما قَوْلكُم إِنَّه لَا فرق بَين الصَّفَا والمروة وَالسَّعْي بَينهمَا وَبَين غَيرهمَا وَلَا بَين الْبَيْت الْحَرَام وَبَين غَيره فَهُوَ كَمَا وصفتم وَلَو شَاءَ الله أَن يتعبد بالسعي فِي كل بقْعَة والتوجه إِلَى كل جِهَة لساغ ذَلِك مِنْهُ إِذا عرض بِهِ لثوابه وَلم يكن ذَلِك ناقضا لحكمته وَيُقَال لَهُم وَكَذَلِكَ لم تَجدوا حكيما بنى أحسن الْبُنيان وصور أكمل الصُّور وَأَشْرَفهَا ثمَّ نقضهَا وَهدم صورها وقبحها وَذهب ببهجتها وشوه خلقهَا فَإِن قَالُوا إِذا كَانَ فِي ذَلِك مصلحَة الْمَخْلُوق جَازَ تَغْيِير خلقه وقلب صفته ومحو محاسنه قيل لَهُم وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ صَوْم النَّهَار وَقيام اللَّيْل وتقبيل الْحجر وَالطّواف وَالسَّعْي وَرمي الْجمار يعود بصلاح الْمُكَلف حسن تَكْلِيفه وَكَانَ ذَلِك أحسن فِي الْعقل إِن كَانَ فِيهِ حسن من إِتْلَاف نفس الْمُكَلف وَإِبْطَال حَيَاته وَهدم صورته ومحو محاسنه وَإِبْطَال عقله وحواسه وَلَا جَوَاب لَهُم عَن ذَلِك عِلّة أُخْرَى لَهُم وَإِن قَالُوا الدَّلِيل على منع إرْسَال الرُّسُل والغنى عَنْهُم أَن الله سُبْحَانَهُ أكمل الْعُقُول وَحسن فِيهَا الْحسن وقبح فِيهَا الْقَبِيح وَجعلهَا دلَالَة

стр. 123

على مراشد الْخلق ومصالحهم وَمنع بهَا من التظالم وَجعلهَا دلَالَة وذريعة إِلَى علم كل مَا يحْتَاج إِلَيْهِ وَلَيْسَ يجوز أَن يَأْتِي الرُّسُل بِغَيْر مَا وضع فِي الْعقل فَدلَّ ذَلِك على الْغنى عَنْهُم وَعدم حَاجَة الْخلق إِلَيْهِم فَيُقَال لَهُم مَا أنكرتم من أَنه لَا سَبِيل من نَاحيَة الْعقل إِلَى إِيجَاب شَيْء وَلَا إِلَى حظره وَلَا إِلَى إِبَاحَته وَأَن ذَلِك لَا يثبت فِي أَحْكَام الْأَشْيَاء إِلَّا من جِهَة السّمع وَأَن التَّعْرِيض للثَّواب لَا يَقع بالأفعال الْوَاقِعَة مَعَ فقد السّمع لِأَنَّهَا لَا تكون مَعَ فَقده طَاعَة لله سُبْحَانَهُ وَلَا قربَة إِلَيْهِ وَلَا يُثَاب صَاحبهَا وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك فَلَا بُد من سمع يَأْتِي على لِسَان رَسُول بِفعل قرر السّمع وُجُوبه فَعلم أَن الْعلم بِالْقربِ وَحُصُول الثَّوَاب عَلَيْهَا لَا يجوز أَن يثبت عقلا فقد بَطل قَوْلكُم إِن جَمِيع مَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْعباد من المراشد والمصالح مدرك من نَاحيَة الْعُقُول فدلوا على صِحَة مَا تَدعُونَهُ من إِيجَاب الْعقل لشَيْء من الْأَفْعَال وحظر شَيْء مِنْهَا وإباحته حَتَّى يسلم لكم مَا بنيتم عَلَيْهِ فَإِن قَالُوا أَو قَالَ إخْوَانهمْ من الْمُعْتَزلَة الدَّلِيل على ذَلِك علمنَا بِوُجُوب النّظر عِنْد قرع الخواطر لقلوبنا وتخويف بَعْضهَا من الضَّرَر بترك النّظر ونعلم أَيْضا وجوب شكر الْمُنعم وَترك الْكفْر بِهِ وَوُجُوب معرفَة الله وَحسن الْعدْل والإنصاف وقبح الظُّلم والعدوان فَوَجَبَ تَقْرِير الْفَرَائِض من نَاحيَة الْعُقُول يُقَال لَهُم أما قَوْلكُم إِنَّكُم تعلمُونَ وجوب النّظر اضطرارا عِنْد اخْتِلَاج الخواطر على الْقُلُوب فَإِنَّهُ بَاطِل لِأَن ذَلِك لَو كَانَ كَذَلِك لاشترك فِي علمه جَمِيع العاقلين وَلم يسع جَحده من قوم بهم ثبتَتْ الْحجَّة

стр. 124

ونضطر إِلَى صدق نقلهم فِيمَا أخبروا بِهِ عَن مُشَاهدَة واضطرار وَفِي علمنَا بِخِلَاف ذَلِك من أَنْفُسنَا وَعلمنَا أَن كثيرا من الدهرية وَأهل الْملَل يُنكر حسن النّظر جملَة وَقَول كثير من الثنوية إِنَّه بَاطِل وَإنَّهُ سفه وَشر وَإنَّهُ من تَدْبِير الظلام لِأَنَّهُ يُورث الْعَدَاوَة والأحقاد وَيخرج إِلَى الْهَرج وَالْفساد وَاسْتِحْلَال الدِّمَاء وَالْأَمْوَال دَلِيل على أَن الْعلم بِوُجُوبِهِ أبعد عَن أَن يكون اضطرارا وَكَيف يعلم وُجُوبه اضطرارا من لَا يعلم حسنه اضطرارا أَو يعْتَقد وجوب تَركه وقبحه هَذَا غَايَة البهت مِمَّن صَار إِلَيْهِ من لبراهمة والمعتزلة وَيُقَال لَهُم فِي قَوْلهم إِنَّا نعلم وجوب شكر الْمُنعم وَترك الْكفْر بِهِ اضطرارا مَا الْفرق بَيْنكُم وَبَين من قَالَ إِنَّكُم تعلمُونَ بطلَان ذَلِك اضطرارا فَلَا يَجدونَ لذَلِك مدفعا وَكَذَلِكَ يُقَال لَهُم لَو علمْتُم حسن إلذاذ غَيْركُمْ لكم إِذا قصد نفعكم وقبح إيلامه لكم إِذا قصد الاضرار بكم لوَجَبَ أَن نعلم من حسن ذَلِك أَو قبحه مَا علمْتُم من غير سمع وتوقيف على حسن ذَلِك وقبحه اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يعنوا بالْحسنِ ميل الطباع إِلَى فعل اللَّذَّات ونفورها عَن فعل الآلام فَهَذَا لعمري مَعْلُوم حسا وَلَكِن لَيْسَ ميل الطباع إِلَى الشَّيْء يَقْتَضِي شكر فَاعله وَلَا نفورها عَنهُ يَقْتَضِي قبحه وذمه على سَبِيل مَا تَدعُونَهُ فَبَطل مَا تعلقتم بِهِ وَإِن قَالُوا لَو كَانَ الْعلم بِوُجُوب هَذِه الْأُمُور وقبح الْقَبِيح الَّذِي

стр. 125

ذَكرْنَاهُ مِنْهَا وَحسن الْحسن لَا يعلم إِلَّا من طَرِيق السّمع لم يعلم قبح ذَلِك وَلَا حسنه إِلَّا من علم السّمع وعرفه فَلَمَّا كُنَّا نعلم ذَلِك ويعلمه كثير من أهل الْملَل قبل الْعلم بِصِحَّة السّمع وبلوغه إِلَيْنَا ثَبت أَن الْعلم بِمَا وَصفنَا لَيْسَ بموقوف على وُرُود السّمع يُقَال لَهُم مَا أنكرتم أَلا يعلم ذَلِك إِلَّا من علم السّمع وَعرف وُجُوبه وَأَن يكون من اعْتقد قبح الْقَبِيح وَحسن الْحسن من غير علم بِمَا لَهُ كَانَ حسنا وقبيحا فَإِنَّهُ مُعْتَقد للشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ وَإِن لم يكن اعْتِقَاده ذَلِك علما بل هُوَ ظن وتقليد وعَلى سَبِيل الْمُتَابَعَة لأهل الشَّرَائِع كَمَا أَن المعتقد للشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ من غير جِهَة الِاضْطِرَار وَالِاسْتِدْلَال غير عَالم بِهِ وَإِن كَانَ مُعْتَقدًا لَهُ على مَا هُوَ بِهِ وكما أَن المعتقد لكَون الْوَصْف وَالْحكم ثَابتا للشَّيْء مَعَ الْجَهْل بعلته الَّتِي كَانَ لَهَا غير عَالم بِهِ فِي الْحَقِيقَة وَهَذَا يبطل تعلقهم فَإِن قَالَ من الْفَرِيقَيْنِ قَائِل أَعنِي البراهمة والمعتزلة لَو كَانَ قبح هَذِه الْأُمُور وحسنها غير مَعْلُوم بِالْعقلِ بل بِالسَّمْعِ لوَجَبَ أَن يكون الْعلم بقدم الْقَدِيم وحدوث الْمُحدث وَحَقِيقَة الْجَوْهَر وَالْعرض وَالْعلم بِكُل مَعْلُوم غير مدرك من نَاحيَة الْعقل بل بِحجَّة السّمع فَلَمَّا لم يجز ذَلِك بَطل مَا قُلْتُمْ قيل لَهُم لم قُلْتُمْ هَذَا فَلَا يَجدونَ فِي ذَلِك سوى الدَّعْوَى ثمَّ يُقَال لَهُم مَا الْفَصْل بَيْنكُم وَبَين من زعم أَنه لَو جَازَ أَو وَجب أَن يعلم بعض المعلومات اضطرارا لَا اسْتِدْلَالا لجَاز أَو وَجب أَن يعلم سَائِر المعلومات اضطرارا لَا اسْتِدْلَالا وَكَذَلِكَ لَو جَازَ أَن يعلم بعض المعلومات نظرا

стр. 126

واستدلالا لَا اضطرارا لوَجَبَ أَن يعلم سَائِر المعلومات نظرا واستدلالا وَكَانَ يجب أَن يكون الْعلم بِسَائِر المشاهدات والمحسوسات علما وَاقعا عَن نظر واستدلال وَهَذَا جهل من رَاكِبه وَكَذَلِكَ يُقَال لَهُم لَو جَازَ أَو وَجب الْعلم بِبَعْض هَذِه الْأُمُور من نَاحيَة الْخَبَر كَالْعلمِ بالصين وخراسان وَالسير والممالك لجَاز أَن يكون سَائِر الْأُمُور مَعْلُومَة خَبرا وَإِذا جَازَ أَو وَجب أَن يعلم بعض الْأُمُور بِغَيْر خبر اسْتَحَالَ الْعلم بِشَيْء من جِهَة الْخَبَر أصلا فَإِن لم يجب هَذَا أجمع لم يجب إِذا علم بعض الْأُمُور عقلا أَن يعلم سائرها من هَذِه الْجِهَة وَلَا إِذا علم بعض الْأُمُور اضطرارا وَجب الْعلم بسائرها من هَذِه الطَّرِيقَة ويخص حَشْو أَصْحَاب هَذِه الْمقَالة من أَتبَاع الْمَجُوس البراهمة وهم الْمُعْتَزلَة إِن استدلوا بِهَذِهِ الدّلَالَة بِأَن يُقَال لَهُم لَو كَانَ مَا قلتموه صَحِيحا لوَجَبَ إِذا كَانَ الْعلم بِوُجُوب بعض الْوَاجِبَات وَحسن بعض المحسنات وقبح بعض المقبحات لَا يدْرك وينال إِلَّا سمعا نَحْو وجوب الصَّلَاة وتقديرها والزكوات ونصابها وَحسن إِيجَاب الدِّيَة على الْعَاقِلَة وتقبيل الْحجر وَالسَّعْي بَين الصَّفَا والمروة وقبح شرب الْخمر وَالْوَطْء بِغَيْر عقد وَلَا ملك يَمِين وقبح ترك الصَّلَوَات وَمَا جرى مجْرى ذَلِك مِمَّا لَا سَبِيل إِلَى علم وُجُوبه وقبحه وَحسنه من نَاحيَة الْعقل أَن يكون الْعلم بِوُجُوب النّظر عِنْد الخاطر وَوُجُوب الْمعرفَة وَحسن الْعدْل والإنصاف وقبح الظُّلم والعدوان وَوُجُوب شكر الْمُنعم وَترك الْكفْر بِهِ مدْركا كَالْعلمِ بسائره من جِهَة السّمع دون الْعقل فَإِن مروا على ذَلِك تركُوا قَوْلهم وَأَن أَبوهُ أبطلوا استدلالهم

стр. 127

وَإِن قَالَ الْفَرِيقَانِ وَمن تَابعهمْ الدَّلِيل على أَن قضايا الْعُقُول تحسن وتقبح علمنَا بِأَن من أمكنه التَّوَصُّل إِلَى غَرَضه بِالصّدقِ وَالْكذب وَجب عَلَيْهِ أَن يتَوَصَّل إِلَيْهِ بِالصّدقِ دون الْكَذِب وَأَنه لَا يَقع مِنْهُ إِلَّا ذَلِك وَلَيْسَ يتْرك إِلَى الْغَرَض فِي هَذِه الْأُمُور بِالْكَذِبِ إِلَى الصدْق إِلَّا لحسن الصدْق وقبح الْكَذِب فَوَجَبَ قَضَاء الْعقل على حسن الْحسن وقبح الْقَبِيح فَيُقَال لَهُم مَا أنكرتم من أَنه إِن كَانَ القاصد إِلَى التَّوَصُّل إِلَى غَرَضه مِمَّن لَا يعْتَقد تَفْضِيل الصدْق على الْكَذِب وَلَا هُوَ بَين قوم يَعْتَقِدُونَ ذَلِك وَلَا يرَوْنَ فِي الْكَذِب عارا وَلَا فِي الصدْق مدحا وَلَا تَعْظِيمًا وَلَا يفرقون فِي التَّفْضِيل بَين الْكَذِب والصدق وَبَين الْكَذِب والصدق وَلَا يدينون بذلك أَنه مُخَيّر فِي التَّوَصُّل إِلَى غَرَضه بَين الصدْق وَالْكذب كَمَا أَن المعتقد للتوصل إِلَى غَرَضه بِكُل وَاحِد من الدرهمين اللَّذين مَعَه على وَجه وَاحِد وبالكلام وَالسُّكُوت على حد غير مُخْتَلف وبحركة يَمِينه وشماله وَالدَّفْع بهما من غير مزية تحصل فِي الدّفع بِإِحْدَاهُمَا مُخَيّر بَين إِنْفَاق أَي الدرهمين شَاءَ وَبَين السُّكُوت وَالْكَلَام والتحريك بِالْيَمِينِ وَالشمَال إِذْ اسْتَوَت هَذِه الْحَال عِنْده فِي ذَلِك واعتدلت فِي نَفسه وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك سقط مَا اعتللتم بِهِ فَإِن قَالُوا بعد هَذَا يجب على هَذَا الْإِنْسَان أَن يخْتَار الصدْق على الْكَذِب لحسنه قيل لَهُم ذَلِك جهل من الْكَلَام وعدول عَن النّظر وَذَلِكَ أَنهم جعلُوا وجوب التَّوَصُّل إِلَى الْغَرَض بِفعل الصدْق دون الْكَذِب دلَالَة

стр. 128

على حسن الصدْق فَلَمَّا أبطلنا ذَلِك عَلَيْهِم رجعُوا يجْعَلُونَ الدّلَالَة على وجوب فعل الصدْق دون الْكَذِب حسنه وَهَذَا يُؤَدِّي إِلَى أَن لَا يثبت حسن الصدْق وَلَا وجوب فعله وَذَلِكَ أَنا إِذا لم نعلم وجوب فعل الصدْق إِلَّا إِذا علمنَا حسنه وَلم نعلم حسنه إِلَّا إِذا علمنَا وُجُوبه لم يكن لنا طَرِيق إِلَى الْعلم بِوُجُوبِهِ وَلَا بحسنه كَمَا أَن قَائِلا لَو قَالَ إِنِّي لَا أعلم أَن زيدا فِي الدَّار حَتَّى أعلم أَن عمرا فِيهَا وَلَا أعلم أَن عمرا فِيهَا حَتَّى أعلم أَن زيدا فِيهَا لم يجز أَن يعلم ان زيدا فِي الدَّار وَلَا عمرا لِأَنَّهُ قد جعل شَرط علمه بالشَّيْء شرطا لما هُوَ شَرط لَهُ وَذَلِكَ مَا يحِيل وُقُوع كل وَاحِد من المشروطين وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك ثَبت بِهَذِهِ الْجُمْلَة أَن الْعلم بِوُجُوب الْأَفْعَال وحظرها وإباحتها غير مدرك بقضايا الْعُقُول وَثَبت أَنه لَا بُد من سمع يكْشف عَمَّا ينَال بِهِ الثَّوَاب وَالْعِقَاب ويحظر الله تَعَالَى بِهِ الْجَهْل بِوُجُودِهِ وَترك النّظر فِيمَا يُؤَدِّي إِلَى مَعْرفَته على من كلفه ذَلِك من خلقه وَهَذَا أعظم الْأُمُور وأجسمها خطرا وَهَذَا غير مدرك علمه من جِهَة الْعُقُول فَبَطل قَول البراهمة إِن الْعقل يسْتَغْنى بِهِ فِي إِدْرَاك جَمِيع المراشد والمصالح ثمَّ يُقَال لَهُم خبرونا من أَيْن عرفت الْعُقَلَاء الأغذية من الْأَدْوِيَة والسموم القاتلة الوحية مِنْهَا وَغير الوحية وَإِنَّمَا هجموا على الْعَالم بَغْتَة وَلَيْسَ فِي دَلَائِل عُقُولهمْ مَا يعْرفُونَ بِهِ الأغذية والأدوية والسموم القاتلة وَلَا

стр. 129

فِي مشاهداتهم وَسَائِر حواسهم مَا يدل على ذَلِك أَو يحس بِهِ معرفَة مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من هَذَا الْبَاب وَلَا هُوَ مِمَّا يعرف باضطرار فَإِن قَالُوا إِنَّمَا أدْرك النَّاس ذَلِك قَدِيما وعرفوه بالامتحان والتجربة على أجسامهم وأجسام أمثالهم من نسل آدم ﵇ قيل لَهُم فَهَذَا مخرج للقديم سُبْحَانَهُ عَن الْحِكْمَة لِأَنَّهُ قد كَانَ قَادِرًا عنْدكُمْ وَعِنْدنَا أَن يعرفهُمْ السمومات ويوقفهم على الاغتذاء بِمَا فِيهِ صَلَاح أجسامهم والأدوية الَّتِي عِنْد تنَاولهَا تَزُول أمراضهم وأسقامهم فيغنيهم ذَلِك عَن إِتْلَاف أنفسهم وأمثالهم وَذَهَاب كثير مِنْهُم بالامتحان وَطول التجربة وَلَيْسَ بِحَكِيم عنْدكُمْ من قدر أَن يُوقف أَوْلَاده وضعفته وَمن يحب مصْلحَته على تجنب مَا فِيهِ هَلَكته وَتَنَاول مَا فِيهِ سَلَامَته وَبَقَاء مهجته فَلم يفعل وأحالهم على التجربة والامتحان الَّذِي فِيهِ عطب الْبَعْض مِنْهُم والبوار وَهَذَا مَا لَا حِيلَة لَهُم فِيهِ فَإِن قَالُوا إِنَّمَا أدْرك علم ذَلِك بالامتحان على أجسام غير النَّاس من الْحَيَوَان نَحْو الذئاب وَالْكلاب وأجناس الطير وَغَيرهم من الْحَيَوَان قيل لَهُم فَالْمَسْأَلَة بِحَالِهَا لِأَن إِتْلَاف جَمِيع الْحَيَوَان عنْدكُمْ قَبِيح فَإِذا أباحكم الله إِتْلَاف بعضه بالتجربة والمحنة وَهُوَ قَادر على توقيفكم على مَا يُغني عَن إِتْلَاف الْحَيَوَان فقد سفه على أوضاعكم وَخرج

стр. 130

على زعمكم عَن الْحِكْمَة وَلَا فرق بَين النَّاس فِي ذَلِك وَبَين كل حَيَوَان يلذ ويألم وَيُقَال لَهُم مَا أنكرتم من أَن لَا يحصل أَيْضا لبني آدم علم مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي هَذَا الْبَاب بالتجربة على أجسام الْحَيَوَان سوى الْإِنْسَان وَذَلِكَ أَن الْحَيَوَان مُخْتَلف الطباع والأغذية والأدوية وَأَن مِنْهُ مَا يعالج مَرضه بِمَا لَو عولج بِهِ الْإِنْسَان لتلف وَمِنْه مَا يغتذي بِمَا لَو اغتذى بِهِ الْإِنْسَان أَو أكل يسيره لتلف كالوعل الَّذِي يَأْكُل الْحَيَّات والظبي الَّذِي يرْعَى الحنظل والوحش الَّذِي لَا يعْمل فِي جسده شَيْء من خشَاش الأَرْض وكالنعم الَّذِي يقتات التِّبْن والقت والسمك الَّتِي ترعى الطين وَغَيره وَلَو أكل الْإِنْسَان بعض هَذِه الْأَشْيَاء لَأَدَّى إِلَى تلفه فَمن أَيْن لِابْنِ آدم بِالْحَيَوَانِ الَّذِي طبعه فِي التَّسْوِيَة مثل طبعه وغذاؤه مثل غذائه ودواؤه مثل دوائه مَعَ اخْتِلَاف طبائعه وتباين تركيبه وشهواته ونفوره فَلَا يَجدونَ إِلَى دفع ذَلِك سَبِيلا ثمَّ يُقَال لَهُم أَلَيْسَ قد تجرب الحشيشة على جسم بعض الْحَيَوَان فتولد حمى فِي كبده أَو ورما فِي طحاله أَو تقطعا فِي أمعائه وَغير ذَلِك من الأدواء الَّتِي يعظم شَأْنهَا وَيخَاف التّلف بهَا فَلَا يعلم مَا ولدت تِلْكَ الحشيشة وَالثَّمَرَة لِأَنَّهُ لَيْسَ بناطق يذكر مَا يجده ويخبر بِسَبَبِهِ فَمَا يؤمننا أَن يتَنَاوَل من ذَلِك شَيْئا فيولد مَرضا مثل الَّذِي وَلَده فِي جسم الْحَيَوَان فَلَا يقدرُونَ على دفع ذَلِك بِحجَّة وَكَذَلِكَ يُقَال لَهُم أَلَيْسَ من السمُوم مَا

стр. 131

يقتل لوقته وساعته وَمِنْه ليومه وَمِنْه مَا يقتل بعد شهر وحول فَإِن قَالُوا نعم قيل لَهُم فَمَا الَّذِي يؤمننا من أَن يكون تلف ذَلِك الْحَيَوَان بعد يَوْم أَو شهر أَو سنة من تَأْثِير تِلْكَ الثَّمَرَة وَعمل تِلْكَ الحشيشة وإننا لَا نَأْمَن أَن يكون مَا جربناه عَلَيْهِ قَاتلا بعد سنة فَمَا الْأمان لنا عِنْد أكله من الاستضرار والتلف بعده بِوَقْت أَو أَوْقَات فَلَا يَجدونَ سَبِيلا إِلَى الْخَلَاص من ذَلِك وَهَذَا يدل على بطلَان مَا تعلقوا بِهِ فَوَجَبَ أَن يكون الْعلم بِهَذَا الشَّأْن الجسيم والخطب الْعَظِيم غير منال وَلَا مدرك من جِهَة الْعقل وَأَن النَّاس محتاجون فِي علم ذَلِك إِلَى سمع وتوقيف وَأَن الْوَاجِب على أصولهم أَن يكون الْعلم بِأَصْل الطِّبّ موقفا عَلَيْهِ ومأخوذا من جِهَة الرُّسُل ﵈ وَإِن قيس على ذَلِك واحتذي عَلَيْهِ وعَلى هَذَا أَكثر الْأمة وَكثير مِمَّن خالفهم من أهل الْملَل وَمِمَّا يدل على صِحَة إرْسَال الله تَعَالَى الرُّسُل وجوازه هُوَ أَنه إِذا لم يكن فِي إرسالهم إِفْسَاد التَّكْلِيف وَلَا إبِْطَال المحنة وَلَا إِيجَاب قلب بعض الْأَدِلَّة وَلَا إِخْرَاج الْقَدِيم عَن قدمه وَلَا قلب لبَعض الْحَقَائِق وَلَا إِلْحَاق صفة النَّقْص بالمرسل جلّ ذكره وَكَانَ فِي إرْسَاله تَعْرِيض لخلق من الْمُكَلّفين لثواب جزيل ونفع عَظِيم صَحَّ ذَلِك فِي حكمته وَكَانَ

стр. 132

عدلا من فعله سُبْحَانَهُ وَمِمَّا يدل على جَوَاز إرْسَال الله الرُّسُل وَأَنه قد فعل ذَلِك علمنَا بِأَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمُسْلِمين قد أطبقوا على نقل أَعْلَام مُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمّد ﷺ وَعَلَيْهِم وَأَن الْكَذِب مُسْتَحِيل جَوَازه على مثلهم من نَاحيَة التراسل والتكاتب المواطأة على ذَلِك لِأَن تَمام ذَلِك وانتظامه من مثلهم محَال مُتَعَذر فِي الْعَادة ومحال أَيْضا جَوَازه على مثلهم بِأَن يجتمعوا جَمِيعًا فِي بقْعَة وَاحِدَة من حَيْثُ يُشَاهد بَعضهم بَعْضًا ويتوافقوا على الْكَذِب وَنَقله وإذاعته لِأَن اجْتِمَاع مثلهم فِي بقْعَة وَاحِدَة مُتَعَذر فِي مُسْتَقر الْعَادة وَلَو أمكن أَيْضا اجْتِمَاعهم لتعذر فِي مُسْتَقر الْعَادة تواطؤهم على الْكَذِب وَنَقله واستتار ذَلِك مِنْهُم وانكتامه عَلَيْهِم لِأَن الْعَادة مَوْضُوعَة على خلاف ذَلِك ويستحيل أَيْضا وُقُوع الْكَذِب من جمَاعَة من ذكرنَا من نَقله أَعْلَام الرُّسُل بِاتِّفَاق وُقُوعه لِأَن الْعَادة لم تجر بِاتِّفَاق وُقُوع الْكَذِب فِي مائَة ألف إِنْسَان عَن مخبر وَاحِد لداع وَاحِد ودواع مُتَفَرِّقَة وَإِن جَازَ ذَلِك من الْوَاحِد والاثنين والنفر الْيَسِير وَلَيْسَ يُمكن وُقُوع الْكَذِب من هَذِه الْجَمَاعَات إِلَّا على هَذِه الْوُجُوه فَإِذا امْتنعت فسد جَوَاز الْكَذِب عَلَيْهِم وَفِي فَسَاد ذَلِك إِيجَاب صدقهم فِيمَا نقلوه وَصِحَّة مَا إِلَيْهِ ذَهَبْنَا وَلَو أمكن وُقُوع الْكَذِب من جَمِيع مَا ذَكرْنَاهُ من نقلة أَعْلَام الرُّسُل على بعض هَذِه الْوُجُوه أَو غَيرهَا لداع وَاحِد أَو دواع متباينة لأمكن وُقُوعه من نقلة الْأَمْصَار والبلدان والممالك

стр. 133

وَالسير وَلم نَأْمَن أَلا تكون فِي الْعَالم بَلْدَة تدعى خُرَاسَان والنهروان والبردان ولجاز جحد مَا نأى وَقرب منا من الْبلدَانِ وَفِي بطلَان ذَلِك دَلِيل على صِحَة إِثْبَات نبوة الرُّسُل ﵈ وسنقول فِي الْكَلَام فِي الْأَخْبَار وأقسامها وَنصف التَّوَاتُر مِنْهَا والآحاد وَمَا يعلم صِحَة مخبره باضطرار وَمَا يعلم بِنَظَر واستدلال وأحوال المخبرين عَنهُ عِنْد انتهائنا إِلَى الْكَلَام فِي الْإِمَامَة وَالرَّدّ على الْيَهُود قولا بَينا إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَمَتى ثَبت صِحَة نَقله أَعْلَام الرُّسُل من الْمُسلمين وَغَيرهم من أهل الْملَل علم بذلك ثُبُوت نبوتهم لِأَن الله سُبْحَانَهُ لَا يظْهر المعجزات ويخرق الْعَادَات على الَّذِي يدعى النُّبُوَّة مَعَ الْعلم بدعواهم عَلَيْهِ إِلَّا للدلالة على صدقهم وَالشَّهَادَة بِثُبُوت نبوتهم فَأَما المثبتون من البراهمة لنبوة آدم الجاحدون لمن بعده من الرُّسُل والمثبتون لنبوة إِبْرَاهِيم الجاحدون لمن بعده من الرُّسُل فقد أقرُّوا بِجَوَاز إرْسَال الرُّسُل وَأَنه قد وجد وَنقل وَإِن خالفوا فِي نبوة قوم بأعيانهم وَلَيْسَ ذَلِك من قَول محيل الرسَالَة جملَة فِي شَيْء فَيُقَال

стр. 134

لَهُم مَا الدَّلِيل على إِثْبَات نبوة آدم وَإِبْرَاهِيم ﵉ فَإِن قَالُوا ظُهُور الْأَعْلَام على أَيْدِيهِمَا قيل لَهُم وَمَا الدَّلِيل على صِحَة هَذِه الْأَعْلَام وَنحن لم نشاهدها وَلَا عاصرنا أَصْحَابهَا فَإِن قَالُوا لنقل من يَسْتَحِيل عَلَيْهِ الْكَذِب لَهَا عورضوا بِمثل ذَلِك فِي نقل أَعْلَام مُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمّد ﵈ وَالْكَلَام مَعَ هَؤُلَاءِ كَالْكَلَامِ مَعَ الْيَهُود وَسَنذكر مِنْهُ مَا ينبىء عَن الْحق إِن شَاءَ الله تَعَالَى بَاب الْكَلَام على الْيَهُود فِي إِثْبَات نبوة مُحَمَّد ﷺ وَالرَّدّ على من أنكرها وَطعن فِيهَا من الْمَجُوس والصابئة وَالنَّصَارَى فَإِن قَالَ قَائِل قد دللتم على جَوَاز إرْسَال الله الرُّسُل ﵈ فَمَا الدَّلِيل على إِثْبَات نبوة نَبِيكُم مَعَ خلاف من يخالفكم

стр. 135

فِيهَا من النَّصَارَى وَالْيَهُود وَغَيرهم من أهل الْأَدْيَان قيل لَهُ الدَّلِيل على ذَلِك مَا ظهر على يَده ﷺ من الْآيَات الباهرة والمعجزات الْقَاهِرَة والحجج النيرة الخارقة للْعَادَة والخارجة عَمَّا عَلَيْهِ الْعَادة وتركيب الطبيعة وَالله سُبْحَانَهُ لَا يظْهر المعجزات وَلَا ينْقض الْعَادَات إِلَّا للدلالة على صدق صَاحبهَا وكشف قناعه وَإِيجَاب الْإِقْرَار بنبوته والخضوع لطاعته والانقياد لأوامره ونواهيه فَإِن قَالُوا وَمَا هَذِه المعجزات الدَّالَّة على صدقه قيل أُمُور

стр. 136

كَثِيرَة مِنْهَا الْقُرْآن المرسوم فِي مَصَاحِفنَا الَّذِي أَتَى بِهِ وتحدى الْعَرَب بالإتيان بِمثلِهِ وَمِنْهَا حنين الْجذع وَكَلَام الذِّئْب وَجعل قَلِيل الطَّعَام كثيرا وانشقاق الْقَمَر وتسبيح الْحَصَى فِي يَده وَكَلَام الذِّرَاع لَهُ فِي غير هَذِه الْآيَات مِمَّا يجْرِي مجْراهَا وَقد علم أَن مَجِيء مثلهَا من الْخلق مُمْتَنع مُتَعَذر وَأَنه من مقدورات الْخَالِق سُبْحَانَهُ فَإِن قَالُوا وَمَا الطَّرِيق إِلَى الْعلم بِصِحَّة هَذِه الْآيَات وظهورها على يَدَيْهِ قيل لَهُم السَّبِيل إِلَى ذَلِك من طَرِيقين أَحدهمَا الِاضْطِرَار وَالْآخر النّظر وَالِاسْتِدْلَال فَأَما الْعلم بِظُهُور الْقُرْآن على يَده ومجيئه من جِهَته وَأَنه تحدى الْعَرَب أَن تَأتي بِمثلِهِ فواقع لنا وَلكُل من خَالَفنَا باضطرار من حَيْثُ لَا يُمكن جَحده وَلَا الارتياب بِهِ كَمَا أَن الْعلم بِظُهُور النَّبِي ﷺ بِمَكَّة وَالْمَدينَة ودعوته إِلَى نَفسه وَاقع من جِهَة الِاضْطِرَار لِأَن الْمُسلمين وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس والصابئة والثنوية والزنادقة وكل منحرف عَن الْملَّة يقرونَ بِأَن الْقُرْآن المتلو فِي محاريبنا المرسوم فِي مَصَاحِفنَا من قبل النَّبِي ﷺ نجم وَمن جِهَته ظهر من غير اخْتِلَاف بَينهم فِي ذَلِك فَلَو حمل حَامِل نَفسه على ذَلِك لجحد الضَّرُورَة وَسَقَطت مُطَالبَته كَمَا لَو ادّعى مُدع أَن التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل لَيْسَ هما من جملَة مَا ظهر من قبل مُوسَى وَعِيسَى ﵉ لَكَانَ معاندا وجاحدا

стр. 137

للضَّرُورَة بل لَو جحد جَاحد مَا دون هَذَا فَزعم أَن قفا نبك لَيست من شعر امرىء الْقَيْس ودع هُرَيْرَة إِن الركب مرتحل لَيْسَ من نظم الْأَعْشَى وَنزل إِلَى جحد خطب الْحجَّاج وَزِيَاد ورسائل ابْن المقفع وإنكار كَون الْكتاب لسيبويه لوَجَبَ عناده وَسقط كَلَامه وَقد علم أَن ظُهُور الْخَبَر بمجيء الْقُرْآن من جِهَة النَّبِي ﷺ أعظم وحاله أشهر فَوَجَبَ أَن يكون مَا تَوَاتر الْخَبَر عَنهُ على هَذِه السَّبِيل وَالْعلم بِهِ اضطرارا لَا يُمكن جَحده وَلَا الشَّك فِيهِ وَلَا

стр. 138

يحْتَاج بِهِ فِي إثْبَاته إِلَى اسْتِعْمَال الرُّؤْيَة وَالنَّظَر فِي الْأَدِلَّة فَأَما سَبِيل الْعلم بِكَلَام الذِّرَاع وتسبيح الْحَصَى وحنين الْجذع وَجعل قَلِيل الطَّعَام كثيرا وَأَشْبَاه ذَلِك من أَعْلَامه ﵇ فَهُوَ نظر واستدلال لَا اضطرار فَإِن قَالَ قَائِل وَمَا الدَّلِيل على صِحَة ظُهُور هَذِه الْأُمُور على يَده مَعَ علمكُم بِخِلَاف من يُخَالف فِيهَا وإقراركم بأنكم غير مضطرين إِلَى الْعلم بِصِحَّتِهَا قيل لَهُ الدَّلِيل على ذَلِك أَنا نعلم ضَرُورَة وَجَمِيع أهل الْآثَار ونقلة الْأَخْبَار وَمَعْرِفَة السّير أَن هَذِه الْأَعْلَام قد نقلت للنَّبِي ﷺ فِي جَمِيع أعصار الْمُسلمين وَأَن الْأمة لم تخل قطّ فِي زمن من الْأَزْمَان من ناقلة لهَذِهِ الْأَعْلَام وَمَا جرى مجْراهَا وَأَنَّهَا قد أذيعت فِي الصَّدْر الأول وَرويت من حَيْثُ يسمع رواتها من شَاهد النَّبِي ﷺ وعاصره وَأَن الناقلين لَهَا وَإِن قصر عَددهمْ عَن عدد أهل التَّوَاتُر وَكَانُوا آحادا فَإِن كل وَاحِد مِنْهُم أضَاف مَا نَقله للنَّبِي ﷺ من هَذِه الْأَعْلَام إِلَى مشْهد مشهود وموقف مَعْرُوف وغزاة قد حضر أَهلهَا وبقعة أَكثر السامعين لخبره قد شَهِدَهَا ومجتمع قد عرفوه وحضروه فَقَالَ كَانَ فِي الْغُزَاة الْفُلَانِيَّة كَذَا وَكَذَا وكلم الذِّرَاع رَسُول الله ﷺ فِي مَسْجده يَوْم مُجْتَمع أَصْحَابه وَجعل قَلِيل

стр. 139

الطَّعَام كثيرا يَوْم أولم فِي قصَّة كَذَا وَكَذَا وَفِي بقْعَة كَذَا وَكَذَا وَكَذَا كل شَيْء من ذَلِك إِلَى مشْهد قد حَضَره السامعون لنقلهم ومشهد قد شهدوه فَلم ينكروا ذَلِك وَلَا أحد مِنْهُم عَلَيْهِ وَلَا ردوا نقلهم وَلَا ظهر مِنْهُم تُهْمَة للنقلة وَلَا شكّ فِي أَمرهم لَا عِنْد سماعهم وطرقه لأسماعهم وَلَا بعد ذَلِك وَقد علم بمستقر الْعَادة إمْسَاك الْعدَد الْكثير والجم الْغَفِير عَن إِنْكَار كذب يَدعِي عَلَيْهِم ويضاف إِلَى سماعهم ومشاهدتهم وعلمهم مَعَ مَا هم عَلَيْهِ من نزاهة الْأَنْفس وَكبر الهمم وَعظم الْخطر وجلالة الْقدر والتدين بِتَحْرِيم الْكَذِب والنفور عَنهُ والذم لَهُ والتبجح بِالصّدقِ وَشدَّة تمسكهم بِهِ فَلَو كَانُوا عَالمين بكذب مَا ادَّعَاهُ النقلَة عَلَيْهِم لسارع جَمِيعهم أَو الْجُمْهُور مِنْهُم وَقت سَماع الْكَذِب عَلَيْهِم وَإِضَافَة مَا لَا أصل لَهُ إِلَيْهِم وَبعد ذَلِك الْوَقْت إِلَى إِنْكَاره وتبكيت ناقليه وتكذيبه وذمه وإعلام النَّاس كذبه كَمَا أَنه لَو ادّعى فِي وقتنا هَذَا مُدع أَن من أَعْلَام مُحَمَّد ﷺ قلب الْعَصَا حَيَّة وفلق الْبَحْر وإبراء الأكمه والأبرص وَغير ذَلِك من الْآيَات الَّتِي لَيست لَهُ لم يلبث أَن نسارع إِلَى تَكْذِيبه ورد قَوْله وإعلام النَّاس بطلَان مَا أَتَى بِهِ ولقلنا لَهُ أَو أكثرنا لسنا مُحْتَاجين فِي إِثْبَات نبوة نَبينَا ﷺ إِلَى وضع هَذَا الْكَذِب الَّذِي لَا أصل لَهُ وَكَذَلِكَ لَو ادّعى مُدع بِحَضْرَة كَافَّة أهل بَغْدَاد أَو الْجَانِب الشَّرْقِي مِنْهَا

стр. 140

أَو الغربي أَو فِي محلّة من محالها أَنهم رَأَوْا مَا لم يرَوا وسمعوا مَا لم يسمعوا وشهدوا مَا لم يعاينوه لم يَلْبَثُوا أَن يردوا قَوْله ويشهدوا بكذبه ويعلموا النَّاس بطلَان مَا ادَّعَاهُ عَلَيْهِم هَذَا ثَابت فِي مُسْتَقر الْعَادة كَمَا أَنه ثَابت فِيهِ أَن اجْتِمَاع مثل عدد من ذكرنَا على نقل كذب وكتمان مَا شوهد مُمْتَنع مَعَ اسْتِمْرَار السَّلامَة فِي النَّقْل والكتمان من غير ذكر سَبَب دعاهم إِلَى ذَلِك وجمعهم عَلَيْهِ وَظُهُور الحَدِيث بِهِ وانطلاق الألسن بِذكرِهِ ولهج النُّفُوس بحفظه وكما يَسْتَحِيل فِي مَوْضُوع الْعَادة على نقلة السّير والوقائع والبلدان الْكَذِب فِيمَا نقلوه وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك دلّ إمْسَاك الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم عَن تَكْذِيب مَا نقل من هَذِه الْأَعْلَام وادعي فِيهِ مشاهدتهم وحضورهم وسماعهم على صدق مَا أضيف إِلَيْهِم وادعي عَلَيْهِم وَقَامَ إمساكهم عَن إِنْكَار ذَلِك مقَام نقلهم لمثل مَا نَقله الْآحَاد وشهادتهم من جِهَة النُّطْق بِهِ وَقَوْلهمْ قد صدقُوا فِيمَا نقلوه وَقد شاهدنا مِنْهُ مثل الَّذِي شاهدوا وَهَذِه دلَالَة ظَاهِرَة وَحجَّة قاهرة على صِحَة نقل هَذِه الْأَعْلَام وَصدق رواتها وَإِن قصروا عَن التَّوَاتُر فَإِن قَالَ قَائِل أَلَيْسَ قد يجوز عنْدكُمْ إمْسَاك الْمُخَالفين عَن القَوْل وَالْمذهب الظَّاهِر فيهم مَعَ خلافهم عَلَيْهِ واعتقادهم لفساده فَإِن لم يدل إمساكهم على توثيقهم لَهُ واعتقادهم إِيَّاه فَمَا أنكرتم أَيْضا من مثل ذَلِك فِي الْإِمْسَاك عَمَّا يَدعِي على الْجَمَاعَات الْكَثِيرَة حُضُوره ومشاهدته إِذا أَمْسكُوا عَن

стр. 141

إِنْكَار ذَلِك فِي أَنه غير دَال على توثيقهم للْخَبَر واعتقاد صِحَّته قيل لَهُ لَا يجب مَا قلته من وُجُوه أَحدهَا أَن كثيرا من الْمُسلمين يحِيل ظُهُور الْمَذْهَب بَين الْجَمَاعَات الَّتِي تعتقد فَسَاده وَخطأ الدَّائِن بِهِ والذاهب إِلَيْهِ من غير إِنْكَار مِنْهَا لَهُ وردهَا على قَائِله وَيجْعَل السُّكُوت على القَوْل الظَّاهِر فِيهَا إِجْمَاعًا على تصويبه وبمنزلة النُّطْق بتصديقه وتصحيحه وَلَا يفرقون بَين أَن يكون ذَلِك القَوْل الظَّاهِر بَين الْعلمَاء وَالْأَئِمَّة مَعَ السكت من فروع الدّين أَو من أُصُوله الَّتِي يَقع فِي مثلهَا التأثيم والتفسيق فَهَذَا الِاعْتِرَاض زائل عَن هَؤُلَاءِ وَالْجَوَاب الآخر أَن الْعَادة فِي ذَلِك مُخْتَلفَة وللسكوت على الْمَذْهَب الْمُسْتَخْرج بِالْقِيَاسِ وَالدَّلِيل علل تَقْتَضِي السكت عَنهُ لَيست فِي القَوْل الْمُدعى على النَّاس حُضُوره ومشاهدته وَالْأَصْل فِي ذَلِك أَن الْعَادة لم تجر بإمساك الْجَمَاعَات عَن إِنْكَار كذب يدعى عَلَيْهِم كَمَا لم تجر بِنَقْل الْجَمَاعَة الْكَذِب وكتمان مَا شوهد وَسمع لما بَيناهُ من قبل وَلما جعلهم الله عَلَيْهِ من تفرق الدَّوَاعِي والأغراض وَلَيْسَ كَذَلِك الْعَادة فِي الْمَذْهَب الْمَقُول من نَاحيَة الرَّأْي وَالْقِيَاس لِأَنَّهُ قد يكون المعتقد لصِحَّته عددا قَلِيلا يجوز إمْسَاك مثلهم عَن إِظْهَار مَذْهَبهم وَقد يكون الْأَكْثَر مِنْهُم عددا فِي مهلة النّظر والروية وَمِمَّنْ لم

стр. 142

تنكشف لَهُ صِحَة قَول فِي ذَلِك الْمَذْهَب وَقد يكون القَوْل الظَّاهِر مِمَّا يسوغ أَن يعْتَقد فِيهِ أَكثر الساكتين أَن كل مُجْتَهد فِيهِ مُصِيب نَحْو مسَائِل فروع الدّين وَمَا يتَعَلَّق بِالْأَحْكَامِ والحلال وَالْحرَام وَقد يسكت الْعَالم بِبُطْلَان القَوْل لاعْتِقَاده الْعَزْم على إِنْكَاره بعد ذَلِك الْوَقْت وَأَنه أولى أصوب وَلَيْسَ يُمكن فِي الْعَادة سكُوت عدد مثل أهل جَانِبي بَغْدَاد على إِنْكَار كذب يدعى فِيهِ مشاهدتهم وحضورهم وَلَا الْيَسِير مِنْهُم أَيْضا لعِلَّة من هَذِه الْعِلَل كَمَا لَا يجوز فِي الْعَادة عَلَيْهِم نقل الْكَذِب وكتمان مَا رُؤِيَ وشوهد لعِلَّة من الْعِلَل وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك بَطل هَذَا الِاعْتِرَاض سُؤال آخر على هَذَا الِاسْتِدْلَال فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا أنكرتم أَن يكون الصَّحَابَة أَو كثير مِنْهُم قد أَنْكَرُوا مُشَاهدَة مَا ادَّعَاهُ الناقلون عَلَيْهِم وسماعه وَإِن لم ينْقل ذَلِك إِلَيْنَا قيل لَهُم هَذَا بَاطِل من قبل أَن إِنْكَار هَذِه الْأَعْلَام مِمَّا يجب توفر الدَّوَاعِي على نَقله وَضَبطه وَمَعْرِفَة عين الْمُعْتَرض فِيهِ وَلَفظه حَتَّى يشْتَهر ذَلِك وَيظْهر وينتشر وينقل نقل مثله ويجرى مجْرى الْخَبَر الَّذِي هُوَ اعْتِرَاض عَلَيْهِ وإنكار هَذَا وَاجِب فِي مُسْتَقر الْعَادة ووضعها كَمَا أَن عِيسَى ومُوسَى لَو عورضا فِي نقل أعلامهما لوَجَبَ أَن ننقل الْمُعَارضَة كنقل الْأَمر

стр. 143

الْمعَارض ولحل فِي الظُّهُور والشهرة مَحَله وَكَذَلِكَ إِنْكَار نقل الْأَعْلَام يجب أَن يظْهر كظهور نقل الْأَعْلَام وَإِلَّا وَجب بُطْلَانه وَالْعلم بفساده سُؤال آخر على مَا قدمْنَاهُ فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا أنكرتم أَن يكون مَا نَقله الْآحَاد كذبا وَإِن سلمت الْجَمَاعَات نقلهم بِدلَالَة إِنْكَار الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس الَّذين عاصروا مُحَمَّدًا ﷺ وجحدهم لَهَا وَقَوْلهمْ قد رَأَيْنَاهُ وعاصرناه فَمَا ظهر على يَده مِمَّا نَقله الْآحَاد من متبعيه شَيْء وَلَو كَانَ ذَلِك صَحِيحا لم يتهيأ لَهُم جَحده وإنكاره فَدلَّ ذَلِك على بُطْلَانه يُقَال لَهُم هَذَا بَاطِل من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن نقُول لَو دلّ على إِنْكَار من ذكرْتُمْ على كذب نقل الْآحَاد مَعَ إمْسَاك الْجَمَاعَات عَن رده لدل ذَلِك أَيْضا على كذب النَّقْل وَلَو شهِدت الْجَمَاعَات بِصِحَّتِهِ بَدَلا من سكتها عَلَيْهِ إِذْ لَا فرق بَين إِِمْسَاكهَا عَن إِنْكَاره وإنكار مَا ادعِي عَلَيْهَا وَبَين تصويبها لَهُ على مَا بَيناهُ وَلَو كَانَ ذَلِك كَذَلِك لدل على إِنْكَار البراهمة وَالْمَجُوس وَأهل التَّثْنِيَة والإلحاد والتنجيم والطبائعيين لأعلام مُوسَى وَعِيسَى وَقَول من شاهدهما وعاصرهما من هَذِه الْفرق إِنَّا قد شاهدنا هذَيْن الرجلَيْن وعاصرناهما فَلم نر مِمَّا ادعِي لَهما من هَذِه الْأُمُور الَّتِي هِيَ فلق الْبَحْر وَإِخْرَاج الْيَد بَيْضَاء وإحياء ميت وإبراء أكمه وأبرص وزمن وَمن مشي على المَاء وَغير

стр. 144

ذَلِك على بطلَان مَا ادعِي وَنقل لَهما فَلَمَّا لم يكن هَذَا عندنَا وَعِنْدهم كَذَلِك لم يكن فِي إِنْكَار الْفرق لما قَامَ الدَّلِيل على صِحَّته وثبوته دَلِيل على بُطْلَانه وَكذب ناقليه فَإِن قَالُوا لَيْسَ يُنكر أحد مِمَّن ذكرْتُمْ ظُهُور هَذِه الْأُمُور على يَدي مُوسَى وَعِيسَى وَإِنَّمَا يُنكرُونَ كَونهَا معجزا وَيدعونَ أَنَّهَا حيل وتخييل ومخاريق فَبَطل مَا قلبتم بِهِ الِاعْتِرَاض علينا قيل لَهُم لَيْسَ الْأَمر على مَا ظننتم لِأَن أَكثر من ذَكرْنَاهُ بل الْكل مِنْهُم يجْحَد هَذِه الْأُمُور أصلا وَإِن تعاطى المتحذلق مِنْهُم أَحْيَانًا تَسْلِيمه جدلا والطعن فِيهِ بادعائه أَنه من ضروب السحر والحيل وَغير ذَلِك فَلَا معنى لإنكارهم لذَلِك وَشَيْء آخر يبطل مَا سَأَلْتُم عَنهُ وَهُوَ أَنا لَا ننكر تكذب الْوَاحِد والاثنين وَجحد مَا شاهدوه وطيه وكتمانه من الْمُسلمين وَغَيرهم من سَائِر الْملَل وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك وَكُنَّا نعلم أَنه لم يحضر مَعَ النَّبِي ﷺ فِي هَذِه الْمشَاهد والغزوات من الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس عدد يَنْقَطِع بهم الْعذر وَلَا يجوز عَلَيْهِم الْكَذِب وطي مَا شوهد بل لَا نعلم أَيْضا أَنه حضر فِي أَكْثَرهَا أحد مِنْهُم لما كَانَ من إبعاده إيَّاهُم وإخراجهم عَن تِلْكَ الديار وتحيزهم إِلَى حَيْثُ يُمكنهُم قتال وَنصب راية حَرْب مَعَه من الْحُصُون

стр. 145

والنواحي كخيبر وَغَيرهَا لم يجب أَن يكون إِنْكَار من أنكر ذَلِك من الْيَهُود وَالنَّصَارَى حجَّة فِي إِبْطَاله لأَنهم إِمَّا أَلا يكون حضر مَعَه فِي أَكْثَرهَا أحد مِنْهُم أصلا أَو أَن يكون حضر مِنْهُم الْوَاحِد والاثنان والخمسة أَو الْعدَد الَّذِي يجوز عَلَيْهِم الْكَذِب وعَلى مثلهم افتعاله والكتمان لما سمع وشوهد وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك بَطل هَذَا الِاعْتِرَاض بطلانا ظَاهرا فَأَما الْعلم بِظُهُور الْقُرْآن على يَده ومجيئه من جِهَته فضرورة لَا إِشْكَال فِيهَا وَلَا جِدَال فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا وَجه دلَالَة ظُهُور الْقُرْآن على يَده مِمَّا يدل على صدقه قيل لَهُ وَجه ذَلِك من طَرِيقين أَحدهمَا نظمه وبراعته وَالثَّانِي مَا انطوى عَلَيْهِ من أَخْبَار الغيوب وَعلمهَا فَأَما وَجه الدّلَالَة من جِهَة نظمه فَهُوَ أَنا نعلم أَنه ﷺ تحدى الْعَرَب بِأَن تَأتي بِمثلِهِ فِي براعته وفصاحته وَحسن تأليفه ونظمه وجزالته ورصانته وإيجازه واختصاره واشتمال اللَّفْظ الْيَسِير مِنْهُ على الْمعَانِي الْكَثِيرَة ودعاهم إِلَى ذَلِك وطالبهم بِهِ فِي أَيَّام المواسم وَغَيرهَا مُجْتَمعين وَمُتَفَرِّقِينَ فَقَالَ لَهُم فِي نَص التِّلَاوَة ﴿قل لَئِن اجْتمعت الْإِنْس وَالْجِنّ على أَن يَأْتُوا بِمثل هَذَا الْقُرْآن لَا يأْتونَ بِمثلِهِ وَلَو كَانَ بَعضهم لبَعض ظهيرا﴾ يَقُول مواليا معينا وَقَالَ ﴿فَأتوا بِعشر سور مثله مفتريات﴾ وَقَالَ ﴿فَأتوا بِسُورَة من مثله﴾ مُبَالغَة فِي تقريعهم بِالْعَجزِ عَنهُ مَعَ
следующие страницы →