← Акыда

Акыда · id 6392

التوحيد لمحمد عبده

محمد عبده

Полный текст (106 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَمد لله رب الْعَالمين الرَّحْمَن الرَّحِيم مَالك يَوْم الدّين إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين وَبعد فَلَمَّا كنت فِي بيروت من أَعمال سورية أَيَّام بعدى عَن مصر عقب حوادث سنة ١٢٩٩ هجرية ودعيت فِي سنة ١٣٠٣ إِلَى تدريس بعض الْعُلُوم فِي الْمدرسَة السُّلْطَانِيَّة وَمِنْهَا كَانَ علم التَّوْحِيد رَأَيْت أَن المختصرات فِي هَذَا الْفَنّ رُبمَا لَا تأتى على الْغَرَض من إِفَادَة التلامذة والمطولات تعلوعلى أفهامهم والمتوسطات ألفت لزمن غير زمانهم فَرَأَيْت من الْأَلْيَق أَن أمْلى عَلَيْهِم مَا هُوَ أمس بحالهم فَكَانَت آمالى مُخْتَلفَة تتغاير بتغاير طبقاتهم أقربها إِلَى كِفَايَة الطَّالِب مَا أمْلى على الْفرْقَة الأولى فِي أسلوب لَا يصعب تنَاوله وَإِن لم يعْهَد تداوله تمهيد مُقَدمَات وسير مِنْهَا إِلَى المطالب من غير نظر إِلَّا إِلَى صِحَة الدَّلِيل وَإِن جَاءَ فِي التَّعْبِير على خلاف مَا عهد من هَيْئَة التَّأْلِيف راميا إِلَى الْخلاف من مَكَان بعيد حَتَّى رُبمَا لَا يُدْرِكهُ إِلَّا الرجل الرشيد غير أَن تِلْكَ الأمالى لم تحفظ إِلَّا فِي دفاتر التلامذة وَلم أستبق لنفسى مِنْهَا شَيْئا وَعرض بعد ذَلِك مَا استقدمنى إِلَى مصر وَكَانَ من تَقْدِير الله أَن أشتغل بِغَيْر التَّعْلِيم حَتَّى أَتَى النسْيَان على مَا أمليت وَذهب عَن الخاطر جَمِيع مَا القيت إِلَى أَن خطر لى من مُدَّة أشهر خاطر الْعود إِلَى مَا تهواه نفسى ويصبو إِلَيْهِ عقلى وحسى وَأَن أشغل أَوْقَات فراغى بمدارسة شَيْء من علم التَّوْحِيد علما منى أَنه ركن الْعلم الشَّديد فَذكرت سَابق الْعَمَل وَتعلق بِمثلِهِ الأمل وعزمت أَن أكتب إِلَى بعض التلامذة ليرسل إِلَى مَا تَلقاهُ بَين يدى لكيلا أنْفق من الزَّمن مَا أَنا فِي أَشد الْحَاجة إِلَيْهِ فِي إنْشَاء مَا أرى التعويل عَلَيْهِ وَذكرت ذَلِك لأخى فأخبرنى أَنه نسخ مَا أمْلى على الْفرْقَة الأولى

стр. 2

فطلبته وقرأته فَإِذا هُوَ قريب مِمَّا أحب قد يحْتَاج إِلَيْهِ الْقَاصِر وَرُبمَا لَا يسْتَغْنى عَنهُ المكاثر على اخْتِصَار فِيهِ مَقْصُود ووقوف عِنْد حد من القَوْل مَحْدُود قد سلك فِي العقائد مَسْلَك السّلف وَلم يعب فِي سيره آراء الْخلف وَبعد عَن الْخلاف بَين الْمذَاهب بعد ممليه عَن أعاصير المشاغب وَلَكِن وجدت فِيهِ إيجازا فِي بعض الْمَوَاضِع رُبمَا لَا ينفذ مِنْهُ ذهن الْمطَالع وإغفالا لبَعض مَا تمس الْحَاجة إِلَيْهِ وَزِيَادَة عَمَّا يجب فِي مُخْتَصر مثله أَن يقْتَصر عَلَيْهِ فبسطت بعض عباراته وحررت مَا غمض من مقدماته وزدت مَا أغفل وحذفت مَا فضل وتوكلت على الله فِي نشره راجيا أَن لَا يكون فِي قصره مَا يحمل على إغفال أمره أَو يغض من قدره فَمَا من أحد بِدُونِ أَن يعين وَلَا بفوق أَن يعان وَالله وَحده ولى الْأَمر وَهُوَ الْمُسْتَعَان

стр. 3

مُقَدمَات التَّوْحِيد علم يبْحَث فِيهِ عَن وجود الله وَمَا يجب أَن يثبت لَهُ من صِفَات وَمَا يجوز أَن يُوصف بِهِ وَمَا يجب أَن ينفى عَنهُ وَعَن الرُّسُل لإِثْبَات رسالتهم وَمَا يجب أَن يَكُونُوا عَلَيْهِ وَمَا يجوز أَن ينْسب إِلَيْهِم وَمَا يمْتَنع أَن يلْحق بهم أصل معنى التَّوْحِيد اعْتِقَاد أَن الله وَاحِد لَا شريك لَهُ وسمى هَذَا الْعلم بِهِ تَسْمِيَة لَهُ بأهم أَجْزَائِهِ وَهُوَ إِثْبَات الْوحدَة لله فِي الذَّات وَالْفِعْل فِي خلق الأكوان وَأَنه وَحده مرجع كل كَون ومنتهى كل قصد وَهَذَا الْمطلب كَانَ الْغَايَة الْعُظْمَى من بعثة النبى ﷺ كَمَا تشهد بِهِ آيَات الْكتاب الْعَزِيز وسيأتى بَيَانه وَقد يُسمى علم الْكَلَام إِمَّا لِأَن أشهر مَسْأَلَة وَقع فِيهَا الْخلاف بَين عُلَمَاء الْقُرُون الأولى هِيَ أَن كَلَام الله المتلو حَادث أَو قديم وَإِمَّا لِأَن مبناه الدَّلِيل العقلى وأثره يظْهر من كل مُتَكَلم فِي كَلَامه وقلما يرجع فِيهِ إِلَى النَّقْل اللَّهُمَّ إِلَّا بعد تَقْرِير الْأُصُول الأولى ثمَّ الِانْتِقَال مِنْهَا إِلَى مَا هُوَ أشبه بالفرع عَنْهَا وَإِن كَانَ أصلا لما يأتى بعْدهَا وَإِمَّا لِأَنَّهُ فِي بَيَانه طرق الِاسْتِدْلَال على أصُول الدّين أشبه بالْمَنْطق فِي تبيينه مسالك الْحجَّة فِي عُلُوم أهل النّظر وأبدل الْمنطق بالْكلَام للتفرقة بَينهمَا هَذَا النَّوْع من الْعلم علم تَقْرِير العقائد وَبَيَان مَا جَاءَ فِي النبوات كَانَ مَعْرُوفا عِنْد الْأُمَم قبل الْإِسْلَام ففى كل أمة كَانَ القائمون بِأَمْر الدّين يعْملُونَ لحفظه وتأييده وَكَانَ الْبَيَان من أول وسائلهم إِلَى ذَلِك لكِنهمْ كَانُوا قَلما ينحون فِي بيانهم نَحْو الدَّلِيل العقلى وَبِنَاء آرائهم وعقائدهم على مَا فِي طبيعة الْوُجُود أَو مَا يشْتَمل عَلَيْهِ نظام الْكَوْن بل كَانَت مُنَازع الْعُقُول فِي الْعلم ومضارب الدّين فِي الْإِلْزَام بالعقائد وتقريبها من مشاعر الْقُلُوب على طرفى نقيض وَكَثِيرًا مَا صرح الدّين على لِسَان رؤسائه أَنه عَدو الْعقل نتائجه ومقدماته

стр. 4

فَكَانَ جلّ مَا فِي عُلُوم الْكَلَام تَأْوِيل وَتَفْسِير وإدهاش بالمعجزات أَو إلهاء بالخيالات يعلم ذَلِك من لَهُ إِلْمَام بأحوال الْأُمَم قبل الْبعْثَة الإسلامية جَاءَ الْقُرْآن فنهج بِالدّينِ منهجا لم يكن عَلَيْهِ مَا سبقه من الْكتب المقدسة منهجا يُمكن لأهل الزَّمن الذى أنزل فِيهِ وَلمن يأتى بعدهمْ أَن يقومُوا عَلَيْهِ فَلم يقصر الِاسْتِدْلَال على نبوة النبى ﷺ بِمَا عهد الِاسْتِدْلَال بِهِ على النبوات السَّابِقَة بل جعل الدَّلِيل فِي حَال النبى مَعَ نزُول الْكتاب عَلَيْهِ فِي شَأْن من البلاغة يعجز البلغاء عَن محاكاته فِيهِ وَلَو فِي مثل أقصر سُورَة مِنْهُ وقص علينا من صِفَات الله مَا أذن الله لنا أَو مَا أوجب علينا أَن نعلم لَكِن لم يطْلب التَّسْلِيم بِهِ لمُجَرّد أَنه جَاءَ بحكايته وَلكنه أَقَامَ الدَّعْوَى وَبرهن وَحكى مَذَاهِب الْمُخَالفين وكر عَلَيْهَا بِالْحجَّةِ وخاطب الْعقل واستنهض الْفِكر وَعرض نظام الأكوان وَمَا فِيهَا من الْأَحْكَام والأتقان على أنظار الْعُقُول وطالبها بالإمعان فِيهَا لتصل بذلك إِلَى الْيَقِين بِصِحَّة مَا أدعاه ودعا إِلَيْهِ حَتَّى أَنه فِي سِيَاق قصَص أَحْوَال السَّابِقين كَانَ يُقرر لِلْخلقِ سنة لَا تغير وَقَاعِدَة لَا تتبدل فَقَالَ سنة الله الَّتِى خلت من قبل وَلنْ تَجِد لسنة الله تبديلا وَصرح ﴿إِن الله لَا يُغير مَا بِقوم حَتَّى يُغيرُوا مَا بِأَنْفسِهِم﴾ ﴿فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا لَا تَبْدِيل لخلق الله﴾ واعتضد بِالدَّلِيلِ حَتَّى فِي بَاب الْأَدَب فَقَالَ ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أحسن فَإِذا الَّذِي بَيْنك وَبَينه عَدَاوَة كَأَنَّهُ ولي حميم﴾ وتآخى الْعقل وَالدّين لأوّل مرّة فِي كتاب مقدس على لِسَان نبى مُرْسل بتصريح لَا يقبل التَّأْوِيل وتقرر بَين الْمُسلمين كَافَّة إِلَّا من لاثقة بعقله وَلَا بِدِينِهِ أَن من قضايا الدّين مَالا يُمكن الِاعْتِقَاد بِهِ إِلَّا من طَرِيق الْعقل كَالْعلمِ بِوُجُود الله وبقدرته على إرْسَال الرُّسُل وَعلمه بِمَا يُوحى بِهِ إِلَيْهِم وإرادته لاختصاصهم برسالته وَمَا يتبع ذَلِك مِمَّا يتَوَقَّف عَلَيْهِ فهم معنى الرسَالَة وكالتصديق بالرسالة نَفسهَا كَمَا أَجمعُوا على أَن الدّين إِن جَاءَ بشىء قد يَعْلُو عَن الْفَهم فَلَا يُمكن أَن يأتى بِمَا يَسْتَحِيل عِنْد الْعقل جَاءَ الْقُرْآن يصف الله بِصِفَات وَإِن كَانَت أقرب إِلَى التَّنْزِيه مِمَّا وصف

стр. 5

بِهِ فِي مخاطبات الأجيال السَّابِقَة فَمن صِفَات الْبشر مَا يشاركها فِي الإسم أَو فى الْجِنْس كالقدرة وَالِاخْتِيَار والسمع وَالْبَصَر وَعزا إِلَيْهِ أمورا يُوجد مَا يشبهها فِي الْإِنْسَان كالاستواء على الْعَرْش وكالوجه وَالْيَدَيْنِ ثمَّ أَفَاضَ فِي الْقَضَاء السَّابِق وفى الِاخْتِيَار الممنوح للْإنْسَان وجادل الغالين من أهل المذهبين ثمَّ جَاءَ بالوعد والوعيد على الْحَسَنَات والسيئات ووكل الْأَمر فِي الثَّوَاب وَالْعِقَاب إِلَى مَشِيئَة الله وأمثال ذَلِك مِمَّا لَا حَاجَة إِلَى بَيَانه فِي هَذِه الْمُقدمَة فأعتبار حكم الْعقل مَعَ وُرُود أَمْثَال هَذِه المشابهات فِي النَّقْل فسح مجالا للناظرين خُصُوصا ودعوة الدّين إِلَى الْفِكر فِي الْمَخْلُوقَات لم تكن محدودة بِحَدّ وَلَا مَشْرُوطَة بِشَرْط للْعلم بِأَن كل نظر صَحِيح فَهُوَ مؤد إِلَى الِاعْتِقَاد بِاللَّه على مَا وَصفه بِلَا غلو فِي التَّجْرِيد وَلَا دنو من التَّحْدِيد مضى زمن النبى ﷺ وَهُوَ الْمرجع فِي الْحيرَة والسراج فِي ظلمات الشُّبْهَة وَقضى الخليفتان بعده مَا قدر لَهما من الْعُمر فِي مدافعة الْأَعْدَاء وَجمع كلمة الْأَوْلِيَاء وَلم يكن للنَّاس من الْفَرَاغ مَا يخلون فِيهِ مَعَ عُقُولهمْ ليبتلوها بالبحث فِي مبانى عقائدهم وَمَا كَانَ من اخْتِلَاف قَلِيل رد إِلَيْهِمَا وَقضى الْأَمر فِيهِ بحكمهما بعد استشارة من جاورهما من أهل الْبَصَر بِالدّينِ إِن كَانَت حَاجَة إِلَى الاستشارة وأغلب الْخلاف كَانَ فِي فروع الْأَحْكَام لَا فى أصُول العقائد ثمَّ كَانَ النَّاس فِي الزمنين يفهمون إشارات الْكتاب ونصوصه ويعتقدون بالتنزيه ويفوضون فِيمَا يُوهم التَّشْبِيه وَلَا يذهبون وَرَاء مَا يفهمهُ ظَاهر اللَّفْظ كَانَ الْأَمر على ذَلِك إِلَى أَن حدث مَا حدث فِي عهد الْخَلِيفَة الثَّالِث وأفضى إِلَى قَتله هوى بِتِلْكَ الْأَحْدَاث ركن عَظِيم من هيكل الْخلَافَة واصطدام الْإِسْلَام وَأَهله صدمة زحزحتهم عَن الطَّرِيق الَّتِى استقاموا عَلَيْهَا وبقى الْقُرْآن قَائِما على صراطه ﴿إِنَّا نَحن نزلنَا الذّكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون﴾ وَفتح للنَّاس بَاب لتعدى الْحُدُود الَّتِى حَدهَا الدّين فقد قتل الْخَلِيفَة بِدُونِ حكم شرعى وأشعر الْأَمر قُلُوب الْعَامَّة أَن شهوات تلاعبت بالعقول فِي أنفس من لم يملك الْإِيمَان قُلُوبهم وَغلب الْغَضَب على كثير من الغالين فِي دينهم وتغلب هَؤُلَاءِ وَأُولَئِكَ على أهل الْأَصَالَة مِنْهُم فَقضيت أُمُور غير مَا يحبونَ

стр. 6

وَكَانَ من العاملين فِي تِلْكَ الْفِتْنَة عبد الله بن سبأ يهودى أسلم وغلا فِي حب على كرم الله وَجهه حَتَّى زعم أَن الله حل فِيهِ وَأخذ يَدْعُو إِلَى أَنه الأحق بالخلافة وَطعن على عُثْمَان فنفاه فَذهب إِلَى الْبَصْرَة وَبث فِيهَا فتنته فَأخْرج مِنْهَا فَذهب إِلَى الْكُوفَة وَنَفث مَا نفث من سم الْفِتْنَة فنفى مِنْهَا فَذهب إِلَى الشَّام فَلم يجد فِيهَا مَا يُرِيد فَذهب إِلَى مصر فَوجدَ فِيهَا أعوانا على فتنته إِلَى أَن كَانَ مَا كَانَ مِمَّا ذَكرْنَاهُ ثمَّ ظهر بمذهبه فى عهد على فنفاه إِلَى الْمَدَائِن وَكَانَ رَأْيه جرثومة لما حدث من مَذَاهِب الغلاة من بعده توالت الْأَحْدَاث بعد ذَلِك وَنقض بعض الْمُبَايِعين للخليفة الرَّابِع مَا عقدوا وَكَانَت حروب بَين الْمُسلمين انْتهى فِيهَا أَمر السُّلْطَان إِلَى الأمويين غير أَن بِنَاء الْجَمَاعَة قد انصدع وانفصمت عرى الْوحدَة بَينهم وَتَفَرَّقَتْ بهم الْمذَاهب فِي الْخلَافَة وَأخذت الْأَحْزَاب فِي تأييد آرائهم كل ينصر رَأْيه على رأى خَصمه بالْقَوْل وَالْعَمَل وَكَانَت نشأة الاختراع فِي الرِّوَايَة والتأويل وغلا كل قبيل فافترق النَّاس إِلَى شيعَة وخوارج ومعتدلين وغلا الْخَوَارِج فَكَفرُوا من عداهم ثمَّ اسْتمرّ عنادهم وطلبهم لحكومة أشبه بالجمهورية وتكفيرهم لمن خالفهم زَمنا طَويلا إِلَى أَن اتضعضع أَمرهم بعد حروب أكلت كثيرا من الْمُسلمين وانتشرت فأرتهم فِي أَطْرَاف الْبِلَاد وَلم يكفوا عَن شعال الْفِتَن وَبقيت مِنْهُم بَقِيَّة إِلَى الْيَوْم فِي أَطْرَاف أفريقيا وناحية من جَزِيرَة الْعَرَب وغلا بعض الشِّيعَة فَرفعُوا عليا أَو بعض ذُريَّته إِلَى مقَام الألوهية أَو مَا يقرب مِنْهُ وَتبع ذَلِك خلاف فِي كثير من العقائد غير أَن شَيْئا من ذَلِك لم يقف فِي سَبِيل الدعْوَة الإسلامية وَلم يحجب ضِيَاء الْقُرْآن عَن الْأَطْرَاف المتسائية عَن مثار النزاع وَكَانَ النَّاس يدْخلُونَ فِيهِ أَفْوَاجًا من الْفرس والسوريين وَمن جاورهم والمصريين والإفريقيين وَمن يليهم واستراح جُمْهُور عَظِيم من الْعَمَل فِي الدفاع عَن سُلْطَان الْإِسْلَام وآن لَهُم أَن يشتغلوا فِي اصول العقائد وَالْأَحْكَام بِمَا هدَاهُم إِلَيْهِ سير الْقُرْآن اشتغالا بحرص فِيهِ على النَّقْل وَلَا يهمل فِيهِ اعْتِبَار الْعقل وَلَا يغض فِيهِ من نظر الْفِكر

стр. 7

وَوجد من أهل الْإِخْلَاص من انتدب للنَّظَر فِي الْعلم وَالْقِيَام بفريضة التَّعْلِيم وَمن أشهرهم الْحسن البصرى فَكَانَ لَهُ مجْلِس للتعليم والإفادة فِي الْبَصْرَة يجْتَمع إِلَيْهِ الطالبون من كل صوب وتمتحن فِيهِ الْمسَائِل من كل نوع وَكَانَ قد التحف بِالْإِسْلَامِ وَلم يتبطنه أنَاس من كل مِلَّة دَخَلُوهُ حاملين لما كَانَ عِنْدهم راغبين أَن يصلوا بَينه وَبَين مَا وجدوه فثارت الشُّبُهَات بَعْدَمَا هبت على النَّاس أعاصير الْفِتَن وَاعْتمد كل نَاظر على مَا صرح بِهِ الْقُرْآن من إِطْلَاق الْعَنَان للفكر وشارك الدخلاء من حق لَهُم السَّبق من العرفاء وبدت رُءُوس المشاقين تعلو بَين الْمُسلمين وَكَانَت أول مَسْأَلَة ظهر الْخلاف فِيهَا مَسْأَلَة الأختيار واستقلال الْإِنْسَان بإرادته وأفعاله الأختيارية وَمَسْأَلَة من ارْتكب الْكَبِيرَة وَلم يتب اخْتلف فِيهَا وأصل بن عَطاء وأستاذه الْحسن البصرى واعتزله يعلم أصولا لم يكن أَخذهَا عَنهُ غير أَن كثيرا من السّلف وَمِنْهُم الْحسن على قَول كَانَ على رأى أَن العَبْد مُخْتَار فِي أَعماله الصادرة عَن علمه وإرادته وَقَامَ يُنَازع هَؤُلَاءِ أهل الْجَبْر الَّذين ذَهَبُوا إِلَى أَن الْإِنْسَان فِي عمله الإرادى كأغصان الشَّجَرَة فِي حركاتها الأضطرارية كل ذَلِك وأرباب السُّلْطَان من بنى مَرْوَان لَا يحفلون بِالْأَمر وَلَا يعنون برد النَّاس إِلَى أصل وجمعهم على أَمر يشملهم ثمَّ يذهب كل إِلَى مَا شَاءَ سوى أَن عمر بن عبد الْعَزِيز أَمر الزهرى بتدوين مَا وصل إِلَيْهِ من الحَدِيث وَهُوَ أول من جمع الحَدِيث ثمَّ لم يقف الْخلاف عِنْد الْمَسْأَلَتَيْنِ السابقتين بل امْتَدَّ إِلَى إِثْبَات صِفَات الْمعَانى للذات الإلهية أَو نَفيهَا عَنْهَا وَإِلَى تَقْرِير سلطة الْعقل فِي معرفَة جَمِيع الْأَحْكَام الدِّينِيَّة حَتَّى مَا كَانَ مِنْهَا فروعا وعبادات غلوا فِي تأييد خطة الْقُرْآن أَو تَخْصِيص تِلْكَ السلطة بالأصول الأولى على مَا سبق بَيَانه ثمَّ غالى آخَرُونَ وهم الأقلون فمحوها بالمرة وخالفوا فِي ذَلِك طَريقَة الْكتاب عنادا للأولين وَكَانَت الآراء فِي الْخُلَفَاء والخلافة تسير مَعَ الآراء فِي العقائد كَأَنَّهَا مبْنى من مبانى الِاعْتِقَاد الإسلامى

стр. 8

تَفَرَّقت السبل بِاتِّبَاع وَاصل وتناولوا من كتب اليونان مالاق بعقولهم وظنوا من التَّقْوَى أَن تؤيد العقائد بِمَا أثْبته الْعلم بِدُونِ تَفْرِقَة بَين مَا كَانَ مِنْهُ رَاجعا إِلَى أوليات الْعقل وَمَا كَانَ سرابا فِي نظر الْوَهم فخلطوا بمعارف الدّين مَالا ينطبق على أصل من أصُول النّظر ولجوا فِي ذَلِك حَتَّى صَارَت شيعهم تعد بالعشرات أيدتهم الدولة العباسية وَهِي فِي ريعان الْقُوَّة فغلب رَأْيهمْ وابتدأ علماؤهم يؤلفون الْكتب فَأخذ المتمسكون بمذاهب السّلف يناضلونهم معتصمين بِقُوَّة الْيَقِين وَإِن لم يكن لَهُم عضد من الْحَاكِمين عرف الْأَولونَ من العباسيين مَا كَانَ من الْفرس فِي إِقَامَة دولتهم وقلب دولة الأمويين واعتمدوا على طلب الْأَنْصَار فيهم وَأَعدُّوا لَهُم منصات الرّفْعَة بَين وزرائهم وحواشيهم فعلا أَمر كثير مِنْهُم وهم لَيْسُوا من الدّين فِي شَيْء وَكَانَ فيهم المانوية واليزدية وَمن لادين لَهُ وَغير أُولَئِكَ من الْفرق الفارسية فَأخذُوا ينفثون من أفكارهم ويشيرون بحالهم وبمقالهم إِلَى من يرى مثل آرائهم أَن يقتدوا بهم فَظهر الْإِلْحَاد وتطلعت رُءُوس الزندقة حَتَّى صدر أَمر الْمَنْصُور بِوَضْع كتب لكشف شبهاتهم وَإِبْطَال مزاعمهم فِيمَا حوالى هَذَا الْعَهْد كَانَت نشأة هَذَا الْعلم نبتا لم يتكامل نموه وَبِنَاء لم يتشامخ علوه وَبَدَأَ علم الْكَلَام كَمَا انْتهى مشوبا بمبادىء النّظر فِي الكائنات جَريا على مَا سنه الْقُرْآن من ذَلِك وَحدثت فتْنَة القَوْل بِخلق الْقُرْآن أَو أزليته وانتصر للْأولِ جمع من خلفاء العباسيين وَأمْسك عَن القَوْل أَو صرح بالأزلية عدد غفير من المتمسكين بظواهر الْكتاب وَالسّنة أَو المتعففين عَن النُّطْق بِمَا فِيهِ مجاراة الْبِدْعَة وأهين فِي ذَلِك رجال من أهل الْعلم وَالتَّقوى وسفكت فِيهِ دِمَاء بِغَيْر حق وَهَكَذَا تعدى الْقَوْم حُدُود الدّين باسم الدّين على هَذَا كَانَ النزاع بَين مَا تطرف من نظر الْعقل وَمَا توَسط أَو غلا من الإستمساك بِظَاهِر الشَّرْع وَالْكل على وفَاق على أَن الْأَحْكَام الدِّينِيَّة وَاجِبَة

стр. 9

الإتباع مَا تعلق مِنْهَا بالعبادات والمعاملات وَجب الْوُقُوف عِنْده وَمَا مس بواطن الْقُلُوب وملكات النُّفُوس فرض توطين النَّفس عَلَيْهِ وَكَانَ وَرَاء هَؤُلَاءِ قوم من أهل الْحُلُول أَو الدهريين طلبُوا أَن يحملوا الْقُرْآن على مَا حملوه عِنْد التحاقهم بِالْإِسْلَامِ وأفرطوا فِي التَّأْوِيل وحولوا كل عمل ظَاهر إِلَى سر بَاطِن وفسروا الْكتاب بِمَا يبعد عَن تنَاول الْخطاب بعد الْخَطَأ عَن الصَّوَاب وَعرفُوا بالباطنية أَو الإسماعيلية وَلَهُم أَسمَاء أخر تعرف فِي التَّارِيخ فَكَانَت مذاهبهم غائلة الدّين وزلزال الْيَقِين وَكَانَت لَهُم فتن مَعْرُوفَة وحوادث مَشْهُورَة مَعَ اتِّفَاق السّلف وخصومهم فِي مقارعة هَؤُلَاءِ الزَّنَادِقَة وأشياعهم كَانَ أَمر الْخلاف بَينهم جللا وَكَانَت الْأَيَّام بَينهم دولا وَلَا يمْنَع ذَلِك من أَخذ بَعضهم عَن بعض واستفادة كل فريق من صَاحبه إِلَى أَن جَاءَ الشَّيْخ أَبُو الْحسن الأشعرى فِي أَوَائِل الْقرن الرَّابِع وسلك مسلكه الْمَعْرُوف وسطا بَين موقف السّلف وتطرف من خالفهم وَأخذ يُقرر العقائد على أصُول النّظر وارتاب فِي أمره الْأَولونَ وَطعن كثير مِنْهُم على عقيدته وكفره الْحَنَابِلَة واستباحوا دَمه وَنَصره جمَاعَة من أكَابِر الْعلمَاء كأبى بكر الباقلانى وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ والإسفراينى وَغَيرهم وَسموا رَأْيه بِمذهب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة فَانْهَزَمَ من بَين أيدى هَؤُلَاءِ الأفاضل قوتان عظيمتان قُوَّة الواقفين عِنْد الظَّوَاهِر وَقُوَّة الغالين فِي الجرى خلف مَا تزينه الخواطر وَلم يبْق من أُولَئِكَ وَهَؤُلَاء بعد نَحْو من قرنين إِلَّا فئات قَليلَة فِي أَطْرَاف الْبِلَاد الإسلامية غير أَن الناصرين لمَذْهَب الأشعرى بعد تقريرهم مَا بنى رَأْيه عَلَيْهِ من نواميس الْكَوْن أوجبوا على المعتقد أَن يُوقن بِتِلْكَ الْمُقدمَات ونتائجها كَمَا يجب عَلَيْهِ الْيَقِين بِمَا تُؤَدّى إِلَيْهِ من عقائد الْإِيمَان ذَهَابًا مِنْهُم إِلَى أَن عدم الدَّلِيل يُؤدى إِلَى عدم الْمَدْلُول وَمضى الْأَمر على ذَلِك إِلَى أَن جَاءَ الإِمَام الغزالى وَالْإِمَام الرازى وَمن أَخذ مأخذهما فخالفوهم فِي ذَلِك وقرروا أَن دَلِيلا وَاحِدًا

стр. 10

أَو أَدِلَّة كَثِيرَة قد يظْهر بُطْلَانهَا وَلَكِن قد يسْتَدلّ على الْمَطْلُوب بِمَا هُوَ أقوى مِنْهَا فَلَا وَجه للحجز فِي الإستدلال أما مَذَاهِب الفلسفة فَكَانَت تستمد آراءها من الْفِكر الْمَحْض وَلم يكن من هم أهل النّظر من الفلاسفة إِلَّا تَحْصِيل الْعلم وَالْوَفَاء بِمَا تنْدَفع إِلَيْهِ رَغْبَة الْعقل من كشف مَجْهُول أَو استسكناه مَعْقُول وَكَانَ يُمكنهُم أَن يبلغُوا من مطالبهم مَا شَاءُوا وَكَانَ الْجُمْهُور من أهل الدّين يكنفهم بحمايته ويدع لَهُم من إِطْلَاق الْإِرَادَة مَا يتمتعون بِهِ فِي تَحْصِيل لَذَّة عُقُولهمْ وإفادة الصِّنَاعَة وتقوية أَرْكَان النظام الْبُشْرَى بِمَا يكشفون من مساتير الْأَسْرَار المكنونة فِي ضمائر الْكَوْن فَمَا أَبَاحَ الله لنا أَن نتناوله بعقولنا وأفكارنا فِي قَوْله ﴿خلق لكم مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا﴾ إِذْ لم يسْتَثْن من ذَلِك ظَاهرا وَلَا خفِيا وَمَا كَانَ عَاقل من عقلاء الْمُسلمين ليَأْخُذ عَلَيْهِم الطَّرِيق أَو يضع العقبات فِي سبيلهم إِلَى مَا هُدُوا إِلَيْهِ بعد مَا رفع الْقُرْآن من شَأْن الْعقل وَمَا وَضعه من المكانة بِحَيْثُ يَنْتَهِي إِلَيْهِ أَمر السَّعَادَة والتمييز بَين الْحق وَالْبَاطِل والضار والنافع وَبعد مَا صَحَّ من قَوْله ﵇ أَنْتُم أعلم بشئون دنياكم وَبعد ماسن لنا فِي غَزْوَة بدر من سنة الْأَخْذ بِمَا صدق من التجارب وَصَحَّ من الآراء لَكِن يظْهر أَن أَمريْن غلبا على غالبهم الأول الْإِعْجَاب بِمَا نقل إِلَيْهِم عَن فلاسفة اليونان خُصُوصا أرسطو وأفلاطون ووجدان اللَّذَّة فِي تقليدهما لبادىء الْأَمر والثانى الشَّهْوَة الْغَالِبَة على النَّاس فِي ذَلِك الْوَقْت وَهُوَ أشأم الْأَمريْنِ زجوا بِأَنْفسِهِم فِي المنازعات الَّتِى كَانَت قَائِمَة بَين أهل النّظر فِي الدّين واصطدموا بعلومهم فِي قلَّة عَددهمْ مَعَ مَا انطبعت عَلَيْهِ نفوس الكافة فَمَال حماة العقائد عَلَيْهِم وَجَاء الغزالى وَمن على طَرِيقَته فَأخذُوا جَمِيع مَا وجد فِي كتب الفلاسفة مِمَّا يتَعَلَّق بالإلهيات وَمَا يتَّصل بهَا من الْأُمُور الْعَامَّة وَأَحْكَام الْجَوَاهِر والأعراض ومذاهبهم فِي الْمَادَّة وتركيب الْأَجْسَام وَجَمِيع مَا ظَنّه المشتغلون بالْكلَام يمس شَيْئا من مبانى الدّين واشتدوا فِي نَقده وَبَالغ الْمُتَأَخّرُونَ مِنْهُم

стр. 11

فِي تأثرهم حَتَّى كَاد يصل بهم السّير إِلَى مَا وَرَاء الإعتدال فَسَقَطت مَنْزِلَتهمْ من النُّفُوس ونبذتهم الْعَامَّة وَلم تحفل بهم الْخَاصَّة وَذهب الزَّمَان بِمَا كَانَ ينْتَظر الْعَالم الإسلامى من سَعْيهمْ هَذَا هُوَ السَّبَب فِي خلط مسَائِل الْكَلَام بمذاهب الفلسفة فِي كتب الْمُتَأَخِّرين كَمَا ترَاهُ فِي كتب البيضاوى والعضد وَغَيرهم وَجمع عُلُوم نظرية شَتَّى وَجعلهَا جَمِيعًا علما وَاحِدًا والذهاب بمقدماته ومباحثه إِلَى مَا هُوَ أقرب إِلَى التَّقْلِيد من النّظر فَوقف الْعلم عَن التَّقَدُّم ثمَّ جَاءَت فتن طلاب الْملك من الأجيال الْمُخْتَلفَة وتغلب الْجُهَّال على الْأَمر وفتكوا بِمَا بقى من أثر الْعلم النظرى النابع من عُيُون الدّين الإسلامى فانحرفت الطَّرِيق بسالكيها وَلم يعد بَين الناظرين فِي كتب السَّابِقين إِلَّا تحاور فِي الْأَلْفَاظ أَو تناظر فِي الأساليب على أَن ذَلِك فِي قَلِيل من الْكتب أختارها الضعْف وفضلها الْقُصُور ثمَّ انتشرت الفوضى الْعَقْلِيَّة بَين الْمُسلمين تَحت حماية الجهلة من ساستهم فجَاء قوم ظنُّوا فِي أنفسهم مالم يعْتَرف بِهِ الْعلم لَهُم فوضعوا مالم يعد لِلْإِسْلَامِ قبل باحتماله غير أَنهم وجدوا من نقص المعارف أنصارا وَمن الْبعد عَن ينابيع الدّين أعوانا فشردوا بالعقول عَن مواطنها وتحكموا فِي التضليل والتكفير وغلوا فِي ذَلِك حَتَّى قلدوا بعض من سبق من الْأُمَم فِي دَعْوَى الْعَدَاوَة بَين الْعلم وَالدّين وَقَالُوا لما تصف ألسنتهم الْكَذِب هَذَا حَلَال وَهَذَا حرَام وَهَذَا كفر وَهَذَا إِسْلَام وَالدّين من وَرَاء مَا يتوهمون وَالله جلّ شَأْنه فَوق مَا يظنون وَمَا يصفونَ وَلَكِن مَاذَا أصَاب الْعَامَّة فِي عقائدهم ومصادر أَعْمَالهم من أنفسهم بعد طول الْخبط وَكَثْرَة الْخَلْط شَرّ عَظِيم وخطب عميم هَذَا مُجمل من تَارِيخ هَذَا الْعلم ينبئك كَيفَ أسس على قَوَاعِد من الْكتاب الْمُبين وَكَيف عبثت بِهِ فِي نِهَايَة الْأَمر أيدى المفرقين حَتَّى خَرجُوا بِهِ عَن قَصده وبعدوا بِهِ عَن حَده والذى علينا اعْتِقَاده أَن الدّين الإسلامى دين تَوْحِيد فِي العقائد لَا دين تَفْرِيق فِي الْقَوَاعِد الْعقل من أَشد أعوانه وَالنَّقْل من أقوى أَرْكَانه وَمَا وَرَاء

стр. 12

ذَلِك فنزغات شياطين وشهوات سلاطين وَالْقُرْآن شَاهد على كل بِعَمَلِهِ قَاض عَلَيْهِ فِي صَوَابه وخطله الْغَايَة من هَذَا الْعلم الْقيام بغرض مجمع عَلَيْهِ وَهُوَ معرفَة الله تَعَالَى بصفاته الْوَاجِب ثُبُوتهَا لَهُ مَعَ تنزيهه عَمَّا يَسْتَحِيل اتصافه بِهِ والتصديق برسله على وَجه الْيَقِين الذى تطمئِن بِهِ النَّفس اعْتِمَادًا على الدَّلِيل لَا استرسالا مَعَ التَّقْلِيد حَسْبَمَا أرشدنا إِلَيْهِ الْكتاب فقد أَمر بِالنّظرِ وَاسْتِعْمَال الْعقل فِيمَا بَين أَيْدِينَا من ظواهر الْكَوْن وَمَا يُمكن النّفُوذ إِلَيْهِ من دقائقه تحصيلا لليقين بِمَا هدَانَا إِلَيْهِ ونهانا عَن التَّقْلِيد بِمَا حكى عَن أَحْوَال الْأُمَم فِي الْأَخْذ بِمَا عَلَيْهِ آباؤهم وتبشيع مَا كَانُوا عَلَيْهِ من ذَلِك واستتباعه لهدم معتقداتهم وإمحاء وجودهم الملى وَحقّ مَا قَالَ فَإِن التَّقْلِيد كَمَا يكون فِي الْحق يأتى فِي الْبَاطِل وكما يكون فِي النافع يحصل فِي الضار فَهُوَ مضلة يعْذر فِيهَا الْحَيَوَان وَلَا تجمل بِحَال الْإِنْسَان أَقسَام الْمَعْلُوم يقسمون الْمَعْلُوم إِلَى ثَلَاثَة أَقسَام مُمكن لذاته وواجب لذاته ومستحيل لذاته ويعرفون المستحيل بِمَا عَدمه لذاته من حَيْثُ هِيَ أما الْوَاجِب فَهُوَ مَا كَانَ يُوجد لموجد ويعدم لعدم سَبَب وجوده وَقد يعرض لَهُ الْوُجُوب والاستحالة لغيره وَإِطْلَاق الْمَعْلُوم على المستحيل ضرب من الْمجَاز فَإِن الْمَعْلُوم حَقِيقَة لَا بُد أَن يكون لَهُ كَون فِي الْوَاقِع ينطبق عَلَيْهِ الْعلم والمستحيل لَيْسَ من هَذَا الْقَبِيل كَمَا ترَاهُ فِي أَحْكَامه وَإِنَّمَا المُرَاد مَا يُمكن الحكم عَلَيْهِ وَإِن كَانَ فِي صُورَة يخترعها لَهُ الْعقل ليتوصل بهَا إِلَى الْحِكَايَة عَنهُ حكم المستحيل وَحكم المستحيل لذاته أَن لَا يطْرَأ عَلَيْهِ وجود فَإِن الْعَدَم من لَوَازِم ماهيته من حَيْثُ هى فَلَو طَرَأَ الْوُجُود عَلَيْهِ لسلب لَازم الْمَاهِيّة من حَيْثُ هِيَ

стр. 13

عَنْهَا وَهُوَ يُؤدى إِلَى سلب الْمَاهِيّة عَن نَفسهَا بالبداهة فالمستحيل لَا يُوجد فَهُوَ لَيْسَ بموجود قطعا بل لَا يُمكن لِلْعَقْلِ أَن يتَصَوَّر لَهُ مَاهِيَّة كائنة كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ فَهُوَ لَيْسَ بموجود لَا فى الْخَارِج وَلَا فِي الذِّهْن أَحْكَام الْمُمكن من أَحْكَام الْمُمكن لذاته أَن لَا يُوجد إِلَّا بِسَبَب وَأَن لَا يَنْعَدِم إِلَّا بِسَبَب وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا وَاحِد من الْأَمريْنِ لَهُ لذاته فنسبتهما إِلَى ذَاته على السوَاء فَإِن ثَبت لَهُ أَحدهمَا بِلَا سَبَب لزم رُجْحَان أحد المتساويين على الآخر بلامر جح وَهُوَ محَال بالبداهة وَمن أَحْكَامه أَنه إِن وجد يكون حَادِثا لِأَنَّهُ قد ثَبت أَنه لَا يُوجد إِلَّا بِسَبَب فإمَّا أَن يتَقَدَّم وجوده على وجود سَببه أَو يقارنه أَو يكون بعده وَالْأول بَاطِل وَإِلَّا لزم تقدم الْمُحْتَاج على مَا إِلَيْهِ الْحَاجة وَهُوَ إبِْطَال لِمَعْنى الْحَاجة وَقد سبق الِاسْتِدْلَال على ثُبُوتهَا فيؤدى إِلَى خلاف الْمَفْرُوض والثانى كَذَلِك وَإِلَّا لزم تساويهما فِي رُتْبَة الْوُجُود فَيكون الحكم على أَحدهمَا بِأَنَّهُ أثر والثانى مُؤثر تَرْجِيحا بِلَا مُرَجّح وَهُوَ مِمَّا لَا يسوغه الْعقل على أَن عَلَيْهِ أَحدهمَا ومعلولية الآخر رُجْحَان بِلَا مُرَجّح وَهُوَ محَال بالبداهة فَتعين الثَّالِث وَهُوَ أَن يكون وجوده بعد وجود سَببه فَيكون مَسْبُوقا بِالْعدمِ فِي مرتبَة وجود السَّبَب فَيكون حَادِثا إِذْ الْحَادِث مَا سبق وجوده بِالْعدمِ فَكل مُمكن حَادث الْمُمكن يحْتَاج فِي عَدمه إِلَى سَبَب وجودى لِأَنَّهُ الْعَدَم سلب وَالسَّلب لَا يحْتَاج إِلَى إِيجَاد بداهة فَيكون عدم الْمُمكن لعدم التَّأْثِير فِيهِ أَو لعدم مَا كَانَ سَببا فِي بَقَائِهِ أما فِي وجوده فَيحْتَاج إِلَى سَبَب وجودى ضَرُورَة لِأَن الْعَدَم لَا يكون مصدرا للوجود فالموجود إِن حدث فَإِنَّمَا يكون حُدُوثه بإيجاد وَذَلِكَ كُله بديهى كَمَا يحْتَاج الْمُمكن إِلَى السَّبَب فِي وجوده ابْتِدَاء يحْتَاج إِلَيْهِ فِي الْبَقَاء لما بَينا أَن ذَات الْمُمكن لَا تقتضى الْوُجُود وَلَا يرجح لَهَا الْوُجُود عَن الْعَدَم إِلَّا للسبب

стр. 14

الخارجى الوجودى فَذَلِك لَازم من لَوَازِم مَاهِيَّة الْإِمْكَان لَا يفارقها من حَيْثُ هِيَ فَلَا يكون للممكن حَالَة يقتضى فِيهَا الْوُجُود لذاته فَيكون فِي جَمِيع أَحْوَاله مُحْتَاجا إِلَى مُرَجّح الْوُجُود عَن الْعَدَم لَا فرق بَين الِابْتِدَاء والبقاء معنى السَّبَب على مَا ذكرنَا منشأ الإيجاد ومعطى الْوُجُود وَهُوَ الذى يعبر عَنهُ بالموجد وبالعلة الموجدة وبالعلة الفاعلة وبالفاعل الحقيقى وَنَحْو ذَلِك من الْعبارَات الَّتِى تخْتَلف مبانيها وَلَا تتباين مَعَانِيهَا وَقد يُطلق السَّبَب أَحْيَانًا على الشَّرْط أَو الْمعد الذى يهيء الْمُمكن لقبُول الإيجاد من موجده وَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنى قد يحْتَاج إِلَيْهِ فِي الإبتدء ويستغنى عَنهُ فِي الْبَقَاء وَقد تكون الْحَاجة إِلَى وجوده ثمَّ عَدمه وَمن هَذَا الْقَبِيل وجود الْبناء فَإِنَّهُ شَرط فِي وجود الْبَيْت وَقد يَمُوت الْبناء وَيبقى بِنَاؤُه وَلَيْسَ الْبناء واهب الْوُجُود للبيت وَإِنَّمَا حركات يَدَيْهِ وحركات ذهنه وأطوار إِرَادَته شَرط لوُجُود الْبَيْت على هَيئته الْخَاصَّة بِهِ وَبِالْجُمْلَةِ فيوجد فرق بَين توقف الْمُمكن على شىء وَبَين استفادته الْوُجُود من شىء فالتوقف قد يكون على وجود ثمَّ عدم كَمَا فِي توقف الخطوة الثَّانِيَة على الأولى فَإِن الأولى لَيست واهبة الْوُجُود للثَّانِيَة وَإِلَّا وَجب وجودهَا مَعهَا مَعَ أَن الثَّانِيَة لَا تُوجد إِلَّا إِذا انعدمت الأولى وَأما استفادة الْوُجُود فتقتضى سبق مَالك للوجود يُعْطِيهِ للمستفيد مِنْهُ وَأَن يكون وجود المستفيد مستمدا من وجود الْوَاهِب لَا يقوم إِلَّا بِهِ فَلَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ دونه فِي حَال من الْأَحْوَال الْمُمكن مَوْجُود قطعا نرى أَشْيَاء تُوجد بعد أَن لم تكن وَأُخْرَى تنعدم بعد أَن كَانَت كأشخاص النباتات والحيوانات فَهَذِهِ الكائنات إِمَّا مستحيلة أَو وَاجِبَة أَو مُمكنَة لَا سَبِيل إِلَى الأول لِأَن المستحيل لَا يطْرَأ عَلَيْهِ الْوُجُود وَلَا إِلَى الثانى لِأَن الْوَاجِب لَهُ الْوُجُود من ذَاته وَمَا بِالذَّاتِ لَا يَزُول فَلَا يطْرَأ عَلَيْهِ الْعَدَم وَلَا يسْبقهُ كَمَا سيجىء فِي أَحْكَام الْوَاجِب فهى مُمكنَة فالممكن مَوْجُود قطعا

стр. 15

وجود الْمُمكن يقتضى بِالضَّرُورَةِ وجود الْوَاجِب جملَة الممكنات الْمَوْجُودَة مُمكنَة بداهة وكل مُمكن مُحْتَاج إِلَى سَبَب يُعْطِيهِ الْوُجُود فجمله الممكنات الْمَوْجُودَة محتاجة بِتَمَامِهَا إِلَى موجد لَهَا فإمَّا أَن يكون عينهَا وَهُوَ محَال لاستلزامه تقدم الشَّيْء على نَفسه وَإِمَّا أَن يكون جزأها وَهُوَ محَال لاستلزامه أَن يكون الشىء سَببا لنَفسِهِ وَلما سبقه إِن لم يكن الأول ولنفسه فَقَط إِن فرض أول وبطلانه ظَاهر فَوَجَبَ أَن يكون السَّبَب وَرَاء جملَة الممكنات وَالْمَوْجُود الذى لَيْسَ بممكن هُوَ الْوَاجِب إِذْ لَيْسَ وَرَاء الْمُمكن إِلَّا المستحيل وَالْوَاجِب والمستحيل لَا يُوجد فَيبقى الْوَاجِب فَثَبت أَن للممكنات الْمَوْجُودَة موجدا وَاجِب الْوُجُود وَأَيْضًا الممكنات الْمَوْجُودَة سَوَاء كَانَت متناهية أَو غير متناهية قَائِمَة بِوُجُود فَذَلِك الْوُجُود إِمَّا أَن يكون مصدره ذَات الْإِمْكَان وماهيات الممكنات وَهُوَ بَاطِل لما سبق فِي أَحْكَام الْمُمكن من أَنه لَا شىء من الماهيات الممكنة بمقتض للوجود فَتعين أَن يكون مصدره سواهَا وَهُوَ الْوَاجِب بِالضَّرُورَةِ أَحْكَام الْوَاجِب الْقدَم والبقاء وَنفى التَّرْكِيب من أَحْكَام الْوَاجِب أَن يكون قَدِيما أزليا لِأَنَّهُ لَو لم يكن كَذَلِك لَكَانَ حَادِثا والحادث مَا سبق وجوده بِالْعدمِ فَيكون وجوده مَسْبُوقا بِعَدَمِ وكل مَا سبق بِالْعدمِ يحْتَاج إِلَى عِلّة تعطيه الْوُجُود وَإِلَّا لزم رُجْحَان الْمَرْجُوح بِلَا سَبَب وَهُوَ محَال فَلَو لم يكن الْوَاجِب قَدِيما لَكَانَ مُحْتَاجا فِي وجوده إِلَى موجد غَيره وَقد سبق أَن الْوَاجِب مَا كَانَ وجوده لذاته فَلَا يكون مَا فرض وَاجِبا وَهُوَ تنَاقض محَال وَمن أَحْكَامه أَن يطْرَأ عَلَيْهِ عدم إِلَّا لزم سلب مَا هُوَ للذات عَنْهَا وَهُوَ يعود إِلَى سلب الشىء عَن نَفسه وَهُوَ محَال بالبداهة من أَحْكَامه أَن لَا يكون مركبا إِذْ لَو تركب لتقدم وجود كل جُزْء من

стр. 16

أَجْزَائِهِ على وجود جملَته الَّتِى هى ذَاته وكل جُزْء من أَجْزَائِهِ غير ذَاته بِالضَّرُورَةِ فَيكون وجود جملَته مُحْتَاجا إِلَى وجود غَيره وَقد سبق أَن الْوَاجِب مَا كَانَ وجوده لذاته وَلِأَنَّهُ لَو تركب لَكَانَ الحكم لَهُ بالوجود مَوْقُوفا على الحكم بِوُجُود أَجْزَائِهِ وَقد قُلْنَا إِنَّه لذاته من حَيْثُ هِيَ ذَاته وَلِأَنَّهُ لَا مزجح لِأَن يكون الْوُجُوب لَهُ دون كل جُزْء من أَجْزَائِهِ بل يكون الْوُجُوب لَهَا أرجخ فَتكون هِيَ الْوَاجِبَة دونه نفى التَّرْكِيب فِي الْوَاجِب شَامِل لما يسمونه حَقِيقَة عقلية أَو خارجية فَلَا يُمكن لِلْعَقْلِ أَن يحاكى ذَات الْوَاجِب بمركب فَإِن الْأَجْزَاء الْعَقْلِيَّة لَا بُد لَهَا من منشأ انتزاع فِي الْخَارِج فَلَو تركبت الْحَقِيقَة الْعَقْلِيَّة لكَانَتْ الْحَقِيقَة مركبة فِي الْخَارِج وَإِلَّا كَانَ مَا فرض حَقِيقَة عقلية اعْتِبَارا كَاذِب الصدْق لَا حَقِيقَة كَمَا لَا يكون الْوَاجِب مركبا لَا يكون قَابلا للْقِسْمَة فِي أحد الامتدادات الثَّلَاث أَي لَا يكون لَهُ امتداد لِأَنَّهُ لَو قبل الْقِسْمَة لعاد بهَا إِلَى غير وجوده الأول وَصَارَ إِلَى وجودات مُتعَدِّدَة وهى وجودات الْأَجْزَاء الْحَاصِلَة من الْقِسْمَة فكون ذَلِك قبولا للعدم أَو تركبا وَكِلَاهُمَا محَال كَمَا سبق الْحَيَاة معنى الْوُجُود وَإِن كَانَ بديهيا عِنْد الْعقل وَلكنه يتَمَثَّل لَهُ بالظهور ثمَّ الثَّبَات والاستقرار وَكَمَال الْوُجُود وقوته بِكَمَال هَذَا الْمَعْنى وقوته بالبداهة كل مرتبَة من مَرَاتِب الْوُجُود تستتبع بِالضَّرُورَةِ من الصِّفَات الوجودية مَا هُوَ كَمَال لتِلْك الْمرتبَة فِي الْمَعْنى السَّابِق ذكره وَإِلَّا كَانَ الْوُجُود لمرتبة سواهَا وَقد فرض لَهَا مَا يتجلى للنَّفس من مثل الْوُجُود لَا ينْحَصر وأكمل مِثَال فِي أى مراتبه كَانَ مَقْرُونا بالنظام والكون على وَجه لَيْسَ فِيهِ خلل وَلَا تشويش فَإِن كَانَ ذَلِك النظام بِحَيْثُ يستتبع وجودا مستمرا وَإِن فِي النَّوْع كَانَ أدل على كَمَال الْمَعْنى الوجودى فى صَاحب الْمِثَال

стр. 17

فَإِن تجلت للنَّفس مرتبَة من مَرَاتِب الْوُجُود أَن تكون مصدرا لكل نظام كَانَ ذَلِك عنوانا على أَنَّهَا أكمل الْمَرَاتِب وأعلاها وأرفعها وأقواها وجود الْوَاجِب هُوَ مصدر كل وجود مُمكن كَمَا قُلْنَا وَظهر بالبرهان الْقَاطِع فَهُوَ بِحكم ذَلِك أقوى الوجودات وأعلاها فَهُوَ يستتبع من الصِّفَات الوجودية مَا يلائم تِلْكَ الْمرتبَة الْعليا وكل مَا تصَوره الْعقل كمالا فِي الْوُجُود من حَيْثُ مَا يُحِيط بِهِ من معنى الثَّبَات والاستقرار والظهور وَأمكن أَن يكون لَهُ وَجب أَن يثبت لَهُ وَكَونه مصدرا للنظام وتصريف الْأَعْمَال على وَجه لَا اضْطِرَاب فِيهِ يعد من كَمَال الْوُجُود كَمَا ذكرنَا فَيجب أَن يكون ذَلِك ثَابتا لَهُ فالوجود الْوَاجِب يستتبع من الصِّفَات الوجودية الَّتِى تقتضيها هَذِه الْمرتبَة مَا يُمكن أَن يكون لَهُ فمما يجب أَن يكون لَهُ صفة الْحَيَاة وهى صفة تستتبع الْعلم والإرادة وَذَلِكَ أَن الْحَيَاة مِمَّا يعْتَبر كمالا للوجود بداهة فَإِن الْحَيَاة مَعَ مَا يتبعهَا مصدر النظام وناموس الْحِكْمَة وهى فِي أى مراتبها مبدأ الظُّهُور والاستقرار فِي تِلْكَ الْمرتبَة فهى كَمَال وجودى وَيُمكن أَن يَتَّصِف بهَا الْوَاجِب وكل كَمَال وجودى يُمكن أَن يَتَّصِف بِهِ وَجب أَن يثبت لَهُ فَوَاجِب الْوُجُود حى وَإِن باينت حَيَاته الممكنات فَإِن مَا هُوَ كَمَال للوجود إِنَّمَا هُوَ مبدأ الْعلم والإرادة وَلَو لم تثبت لَهُ هَذِه الصّفة لَكَانَ فِي الممكنات فَإِن مَا هُوَ كَمَال للوجود إِنَّمَا هُوَ مبدأ الْعلم والإرادة وَلَو لم تثبت لَهُ هَذِه الصّفة لَكَانَ فِي الممكنات مَا هُوَ أكمل مِنْهُ وجودا وَقد تقدم أَنه أَعلَى الموجودات وأكملها فِيهِ وَالْوَاجِب هُوَ واهب الْوُجُود وَمَا يتبعهُ فَكيف لَو كَانَ فاقدا للحياة يُعْطِيهَا فالحياة لَهُ كَمَا أَنه مصدرها الْعلم وَمِمَّا يجب لَهُ صفة الْعلم وَيُرَاد بِهِ مَا بِهِ انكشاف شىء عِنْد من ثبتَتْ لَهُ تِلْكَ الصّفة أى مصدر ذَلِك الانكشاف مِنْهُ لِأَن الْعلم من الصِّفَات الوجودية الَّتِى تعد كمالا فِي الْوُجُود وَيُمكن أَن تكون للْوَاجِب وكل مَا كَانَ كَذَلِك وَجب أَن يثبت لَهُ فَوَاجِب الْوُجُود عَالم

стр. 18

ثمَّ البداهة قاضية بِأَن الْعلم كَمَال فِي الموجودات الممكنة وَمن الممكنات من هُوَ عَالم فَلَو لم يكن الْوَاجِب عَالما لَكَانَ فِي الموجودات الممكنة مَا هُوَ أكمل من الْمَوْجُود الْوَاجِب وَهُوَ محَال كَمَا قدمنَا ثمَّ هُوَ واهب الْعلم فِي عَالم الْإِمْكَان وَلَا يعقل أَن مصدر الْعلم يفقده علم الْوَاجِب من لَوَازِم وجوده كَمَا ترى فيعلو على الْعُلُوم علو وجوده عَن الوجودات فَلَا يتَصَوَّر فِي الْعُلُوم مَا هُوَ أَعلَى مِنْهُ فَيكون محيطا بِكُل مَا يُمكن علمه وَإِلَّا تصور الْعقل علما اشمل وَهُوَ إِنَّمَا يكون لوُجُود أكمل وَهُوَ محَال مَا هُوَ لَازم لوُجُود الْوَاجِب يغنى بغناه وَيبقى بِبَقَائِهِ وَعلم الْوَاجِب من لَوَازِم وجوده فَلَا يفْتَقر إِلَى شَيْء مَا وَرَاء ذَاته فَهُوَ أزلى أبدى غنى عَن الْآلَات وجولات الْفِكر وأفاعيل النّظر فيخالف عُلُوم الممكنات بِالضَّرُورَةِ مَا يُوجد من الممكنات فَهُوَ مُوَافق لما انْكَشَفَ بذلك الْعلم وَإِلَّا لم يكن علما من أَدِلَّة ثُبُوت الْعلم للْوَاجِب مَا نشاهده فِي نظام الممكنات من الإحكام والإتقان وَوضع كل شىء فِي مَوْضِعه وَقرن كل مُمكن بِمَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي وجوده وبقائه وَذَلِكَ ظَاهر لجلى النّظر بِمَا يُشَاهد فِي الْأَعْيَان كبيرها وصغيرها علويها وسفليها فَهَذِهِ الروابط بَين الْكَوَاكِب وَالنّسب الثَّابِتَة بَينهَا وتقديرحركاتها على قَاعِدَة تكفل لَهَا الْبَقَاء على الْوَضع الذى قدر لَهَا وإلزام كل كَوْكَب بمدار لَو خرج مِنْهُ لاختل نظام عالمه أَو الْعَالم بأسره وَغير ذَلِك مِمَّا فصل فِي عُلُوم الْهَيْئَة الفلكية كل ذَلِك يشْهد بِعلم صانعه وَحِكْمَة مُدبرَة اعْتبر بِمَا ترَاهُ جزئيات النباتات والحيوانات من توفيتها قواها وإيتائها مَا تحْتَاج إِلَيْهِ فِي تَقْوِيم وجودهَا من الْآلَات والأعضاء وَوضع ذَلِك فِي موَاضعه من أبدانها وإيداع غير الحساس مِنْهَا كالنبات قُوَّة الْميل إِلَى تنَاول مَا يُنَاسِبه من الْغذَاء دون مَا يلائمه فترى بزْرَة الحنظل تدفن بجوار حَبَّة الْبِطِّيخ فِي أَرض وَاحِدَة ثمَّ تسقى بِمَاء وَاجِد وتنمى بعناية وَاحِدَة وَلَكِن تِلْكَ تمتص من الْموَاد مَا يغذى المر الزعاق وَهَذِه تتَنَاوَل مَا يغذى حُلْو المذاق وإرشاد الحساس مِنْهَا

стр. 19

إِلَى اسْتِعْمَال مَا منح من تِلْكَ الأدوات والأعضاء وسوق كل قُوَّة من قواه إِلَى مَا قدرت لَهُ فَهُوَ الذى يعلم حَالَة الْجَنِين وَهُوَ نُطْفَة أَو علقَة وَيعلم حَاجته مَتى تَكَامل خلقه وأنشأه نشأة الحى المستقل فى عمله إِلَى الأيدى والأرجل والأعين والمشام والآذان وَبَقِيَّة المشاعر الْبَاطِنَة ليستعمل ذَلِك فِيمَا يُقيم وجوده وَبَقِيَّة من العوادى عَلَيْهِ وَحَاجته إِلَى الْمعدة وَالْقلب والكبد والرئة وَنَحْوهَا من الْأَعْضَاء الَّتِى لَا غنى عَنْهَا فِي النمو والبقاء إِلَى الْأَجَل الْمَحْدُود للشَّخْص أَو للنوع هُوَ الذى يعلم حَالَة الجروة من الْكلاب مثلا وَأَنَّهَا مَتى كَبرت تَلد أَجزَاء مُتعَدِّدَة فيمنحها أطباء متكثرة وَغير ذَلِك مِمَّا لَا يُسْتَطَاع إحصاؤه وَقد فصل الْكثير مِنْهُ فِي كتب النباتات وحياة الْحَيَوَان وَمَا يُسمى التَّارِيخ الطبيعى وفنون مَنَافِع الْأَعْضَاء والطب وَمَا يتبعهُ على أَن الباحثين فِي كل ذَلِك بعد مَا بذلوا من الْجهد وماصرفوا من الهمم وَمَا كشفوا من الْأَسْرَار لم يزَالُوا فِي أول الْبَحْث هَذَا الصَّنِيع الذى إِنَّمَا تتفاضل الْعُقُول فى فهم أسراره وَالْوُقُوف على دقائق حكمه أَلا يدل على أَن مصدره هُوَ الْعَالم بِكُل شىء الذى أعْطى كل شىء خلقه ثمَّ هدى هَل يُمكن لمُجَرّد الِاتِّفَاق الْمُسَمّى بِالصَّدَقَةِ أَن يكون ينبوعا لهَذَا النظام وواضعا لتِلْك الْقَوَاعِد الَّتِى يقوم عَلَيْهَا وجود الأكوان عظيمها وحقيرها كلا بل مبدع ذَلِك كُله هُوَ من لَا يعزب عَن علمه مِثْقَال ذرة فِي الأَرْض وَلَا فى السَّمَاء وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم الْإِرَادَة مِمَّا يجب لواجب الْوُجُود الْإِرَادَة وهى صفة تخصص فعل الْعَالم بِأحد وجوهه الممكنة بعد مَا ثَبت أَن واهب وجود الممكنات هُوَ الْوَاجِب وَأَنه عَالم وَأَن مَا يُوجد من الْمُمكن لَا بُد أَن يكون على وفْق علمه ثَبت بِالضَّرُورَةِ أَنه مُرِيد لِأَنَّهُ إِنَّمَا يفعل على حسب علمه ثمَّ إِن كل مَوْجُود فَهُوَ على قدر مَخْصُوص وَصفَة مُعينَة

стр. 20

وَله وَقت وَمَكَان محدودان وَهَذِه وُجُوه قد خصصت لَهُ دون بَقِيَّة الْوُجُوه الممكنة وتخصيصها كَانَ على وفْق الْعلم بِالضَّرُورَةِ وَلَا معنى للإرادة إِلَّا هَذَا أما مَا يعرف من معنى الْإِرَادَة وَهُوَ مَا بِهِ يَصح للْفَاعِل أَن ينفذ مَا قَصده وَأَن يرجع عَنهُ فَذَلِك محَال فى جَانب الْوَاجِب فَإِن هَذَا الْمَعْنى من الهموم الكونية والعزائم الْقَابِلَة للْفَسْخ وهى من تَوَابِع النَّقْص فِي الْعلم فتتغير على حسب تغير الحكم وَتردد الْفَاعِل بَين البواعث على الْفِعْل وَالتّرْك الْقُدْرَة وَمِمَّا يجب لَهُ الْقُدْرَة وهى صفة بهَا الإيجاد والإعدام وَلما كَانَ الْوَاجِب هُوَ مبدع الكائنات على مُقْتَضى علمه وإرادته فَلَا ريب يكون قَادِرًا بالبداهة لِأَن فعل الْعَالم المريد فِيمَا علم وَأَرَادَ إِنَّمَا يكون بسلطة لَهُ على الْفِعْل وَلَا معنى للقدرة إِلَّا هَذَا السُّلْطَان الإختيار ثُبُوت هَذِه الصِّفَات الثَّلَاث يسْتَلْزم بِالضَّرُورَةِ ثُبُوت الأختيار إِذْ لَا معنى لَهُ إِلَّا إصدار الْأَثر بِالْقُدْرَةِ على مُقْتَضى الْعلم وعَلى حكم الْإِرَادَة فَهُوَ الْفَاعِل الْمُخْتَار لَيْسَ من أَفعاله وَلَا من تصرفه فِي خلقه مَا يصدر عَنهُ بالعلية الْمَحْضَة والاستلزام الوجودى بِدُونِ شُعُور وَلَا إِرَادَة وَلَيْسَ من مصَالح الْكَوْن مَا يلْزمه مراعاته لُزُوم تَكْلِيف بِحَيْثُ لَو لم لم يراعه لتوجه عَلَيْهِ النَّقْد فيأتيه تنزها عَن اللائمة تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا وَلَكِن نظام الْكَوْن ومصالحه الْعُظْمَى إِنَّمَا تقررت لَهُ بِحكم أَنه أثر الْوُجُود الْوَاجِب الذى هُوَ أكمل الوجودات وأرفعها فالكمال فِي الْكَوْن إِنَّمَا هُوَ تَابع لكَمَال المكون وإتقان الإبداع إِنَّمَا هُوَ مظهر لسمو مرتبَة الْمُبْدع وَبِهَذَا الْوُجُود الْبَالِغ أَعلَى غايات النظام تعلق الْعلم الشَّامِل والإرادة الْمُطلقَة فصدر ويصدر على هَذَا النمط الرفيع

стр. 21

﴿أفحسبتم أَنما خَلَقْنَاكُمْ عَبَثا وأنكم إِلَيْنَا لَا ترجعون﴾ وَهَذَا هُوَ معنى قَوْلهم إِن أَفعاله لَا تعلل بالأغراض وَلكنهَا تتنزه عَن الْعَبَث ويستحيل أَن تَخْلُو من الحكم وَإِن خفى شىء من حكمتها عَن أنظارنا الْوحدَة وَمِمَّا يجب لَهُ صفة الْوحدَة ذاتا ووصفا ووجودا وفعلا أما الْوحدَة الذاتية فقد أثبتناها فِيمَا تقدم بنفى التَّرْكِيب فِي ذَاته خَارِجا وعقلا وَأما الْوحدَة فى الصّفة أى أَنه لَا يُسَاوِيه فى صِفَاته الثَّابِتَة لَهُ مَوْجُود فَلَمَّا بَينا من أَن الصّفة تَابِعَة لمرتبة الْوُجُود وَلَيْسَ فِي الموجودات مَا يساوى وَاجِب الْوُجُود فى مرتبَة الْوُجُود فَلَا يُسَاوِيه فِيمَا يتبع الْوُجُود من الصِّفَات وَأما الْوحدَة فِي الْوُجُود وفى الْفِعْل ونعنى بهَا التفرد بِوُجُوب الْوُجُود وَمَا يتبعهُ من إِيجَاد الممكنات فهى ثَابِتَة لِأَنَّهُ لَو تعدد وَاجِب الْوُجُود لَكَانَ لكل من الواجبين تعين يُخَالف تعين الآخر بِالضَّرُورَةِ والالم يتَحَصَّل معنى التَّعَدُّد وَكلما اخْتلفت التعينات اخْتلفت الصِّفَات الثَّابِتَة للذوات المتعينة لِأَن الصّفة إِنَّمَا تتَعَيَّن وتنال تحققها الْخَاص بهَا بتعين مَا ثبتَتْ لَهُ بالبداهة فيختلف الْعلم الْإِرَادَة باخْتلَاف الذوات الْوَاجِبَة إِذْ يكون لكل وَاحِدَة مِنْهَا علم وَإِرَادَة يباينان علم الْأُخْرَى وإرادتها وَيكون لكل وَاحِدَة علم وَإِرَادَة يلائمان ذَاتهَا وتعينها الْخَاص بهَا هَذَا التخالف ذاتى لِأَن علم الْوَاجِب وإرادته لازمان لذاته من ذَاته لَا لأمر خَارج فَلَا سَبِيل إِلَى التَّغَيُّر والتبدل فيهمَا كَمَا سبق وَقد قدمنَا أَن فعل الْوَاجِب إِنَّمَا يصدر عَنهُ على حسب علمه وَحكم إِرَادَته فَيكون فعل كل صادرا على حكم يُخَالف الآخر مُخَالفَة ذاتية فَلَو تعدد الواجبون لتخالفت أفعالهم بتخالف علومهم وإرادتهم وَهُوَ خلاف يَسْتَحِيل مَعَه الْوِفَاق وكل وَاحِد بِمُقْتَضى وجوب وجوده وَمَا يتبعهُ من الصِّفَات لَهُ السلطة على الإيجاد فِي عَامَّة الممكنات فَكل لَهُ التَّصَرُّف فِي كل مِنْهَا على حسب علمه وإرادته وَلَا مُرَجّح لنفاذ إِحْدَى القدرتين دون الْأُخْرَى فتتضارب أفعالهم حسب التضارب فى علومهم

стр. 22

وإرادتهم فَيفْسد نظام الْكَوْن بل يَسْتَحِيل أَن يكون لَهُ نظام بل يَسْتَحِيل وجود مُمكن من الممكنات لِأَن كل مُمكن لَا بُد أَن يتَعَلَّق بِهِ الإيجاد على حسب الْعُلُوم والإرادات الْمُخْتَلفَة فَيلْزم أَن يكون للشىء الْوَاحِد وجودات مُتعَدِّدَة وَهُوَ محَال فَلَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا لَكِن الْفساد مُمْتَنع بالبداهة فَهُوَ جلّ شَأْنه وَاحِد فِي ذَاته وَصِفَاته لَا شريك لَهُ فِي وجوده وَلَا فِي أَفعاله الصِّفَات السمعية الَّتِى يجب الإعتقاد بهَا مَا قدمنَا من الصِّفَات الَّتِى يجب الِاعْتِقَاد بثبوتها لواجب الْوُجُود هى مَا أرشد إِلَيْهِ الْبُرْهَان وَجَاءَت الشَّرِيعَة الإسلامية وَمَا تقدمها من الشَّرَائِع المقدسة لتأييده والدعوة إِلَيْهِ بِلِسَان نَبينَا مُحَمَّد ﷺ ولسان من سبقه من الْأَنْبِيَاء صلوَات الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ وَمن الصِّفَات مَا جَاءَ ذكره على لِسَان الشَّرْع وَلَا يحيله الْعقل إِذا حمل على مَا يَلِيق بِوَاجِب الْوُجُود وَلَكِن لَا يهتدى إِلَيْهِ النّظر وَحده وَيجب الِاعْتِقَاد بِأَنَّهُ جلّ شَأْنه متصف بهَا اتبَاعا لما قَرَّرَهُ الشَّرْع وَتَصْدِيقًا لما أخبر بِهِ فَمن تِلْكَ الصِّفَات صفة الْكَلَام فقد ورد أَن الله كلم بعض انبيائه ونطق الْقُرْآن بِأَنَّهُ كَلَام الله فمصدر الْكَلَام المسموع عَنهُ سُبْحَانَهُ لَا بُد أَن يكون شَأْنًا من شؤونه قَدِيما بقدمه أما الْكَلَام المسموع نَفسه الْمعبر عَن ذَلِك الْوَصْف الْقَدِيم فَلَا خلاف فِي حُدُوثه وَلَا فى أَنه خلق من خلقه وخصص بالاسناد إِلَيْهِ لاختياره لَهُ سُبْحَانَهُ فِي الدّلَالَة على مَا أَرَادَ إبلاغه لخلقه وَلِأَنَّهُ صادر عَن مَحْض قدرته ظَاهرا وَبَاطنا بِحَيْثُ لَا مدْخل لوُجُود آخر بِوَجْه من الْوُجُوه سوى أَن من جَاءَ على لِسَانه مظهر لصدوره وَالْقَوْل بِخِلَاف ذَلِك مصادرة للبداهة وتجرؤ على مقَام الْقدَم بِنِسْبَة التَّغَيُّر والتبدل إِلَيْهِ فَإِن الْآيَات الَّتِى يقْرؤهَا القارىء تحدث وتفنى بالبداهة كلما تليت وَالْقَائِل بقدم الْقُرْآن المقروء أشنع حَالا وأضل اعتقادا من كل مِلَّة جَاءَ

стр. 23

الْقُرْآن نَفسه بتضليلها والدعوة إِلَى مخالفتها وَلَيْسَ فى القَوْل بِأَن الله أوجد الْقُرْآن بِدُونِ دخل لكسب بشر فى وجوده مَا يمس شرف نسبته بل ذَلِك غَايَة مَا دَعَا الدّين إِلَى اعْتِقَاده فَهُوَ السّنة وَهُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ النبى وَأَصْحَابه وكل مَا خَالفه فَهُوَ بِدعَة وضلالة أما مَا نقل إِلَيْنَا من ذَلِك الْخلاف الذى فرق الْأمة وأحدث فِيهَا الْأَحْدَاث خُصُوصا فِي أَوَائِل الْقرن الثَّالِث من الْهِجْرَة وإباء بعض الْأَئِمَّة أَن ينْطق بِأَن الْقُرْآن مَخْلُوق فقد كَانَ منشؤه مُجَرّد التحرج وَالْمُبَالغَة فى التأدب من بَعضهم وَإِلَّا فيجل مقَام مثل الإِمَام ابْن حَنْبَل عَن أَن يعْتَقد أَن الْقُرْآن المقروء قديم وَهُوَ يتلوه كل لَيْلَة بِلِسَانِهِ ويكفيه بِصَوْتِهِ وَمِمَّا ثَبت لَهُ بِالنَّقْلِ صفة الْبَصَر وهى مَا بِهِ تنكشف المبصرات وَصفَة السّمع وهى مَا بِهِ تنكشف المسموعات فَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير لَكِن علينا أَن نعتقد أَن هَذَا الانكشاف لَيْسَ بِآلَة وَلَا جارحة وَلَا حدقة وَلَا باصرة كَلِمَات فِي الصِّفَات إِجْمَالا أبتدىء الْكَلَام فِيمَا أقصده بِذكر حَدِيث إِن لم يَصح فكتاب الله بجملته وتفصيله يُؤَيّد مَعْنَاهُ وَهُوَ قَوْله ﷺ تَفَكَّرُوا فى خلق الله وَلَا تَفَكَّرُوا فى ذَاته فَتَهْلكُوا إِذا قَدرنَا عقل الْبشر قدره وجدنَا غَايَة مَا ينتهى إِلَيْهِ كَمَاله إِنَّمَا هُوَ الْوُصُول إِلَى معرفَة عوارض بعض الكائنات الَّتِى تقع تَحت الْإِدْرَاك الإنسانى حسا كَانَ أَو وجدانا أَو تعقلا ثمَّ التَّوَصُّل بذلك إِلَى معرفَة مناشئها وَتَحْصِيل كليات لأنواعها والإحاطة بِبَعْض الْقَوَاعِد لعروض مَا يعرض لَهَا أما الْوُصُول إِلَى كنه حَقِيقَة مَا فمما لَا تبلغه قوته لِأَن اكتناه المركبات إِنَّمَا هُوَ باكتناه مَا تركبت مِنْهُ وَذَلِكَ ينتهى إِلَى الْبَسِيط الصّرْف وَهُوَ لَا سَبِيل إِلَى اكتناهة بِالضَّرُورَةِ وَغَايَة مَا يُمكن عرفانه مِنْهُ هُوَ عوارضه وآثاره خُذ أظهر الْأَشْيَاء وأجلاها كالضوء

стр. 24

قرر الناظرون فِيهِ لَهُ أحكاما كَثِيرَة فصلوها فى علم خَاص بِهِ وَلَكِن لم يسْتَطع نَاظر أَن يفهم مَا هُوَ وَلَا أَن يكتنه معنى الإضاءة نَفسه وَإِنَّمَا يعرف من ذَلِك مَا يعرفهُ كل بَصِير لَهُ عينان وعَلى هَذَا الْقيَاس ثمَّ إِن الله لم يَجْعَل للْإنْسَان حَاجَة تَدْعُو إِلَى اكتناه شىء من الكائنات وَإِنَّمَا حَاجته إِلَى معرفَة الْعَوَارِض والخواص وَلَذَّة عقله إِن كَانَ سليما إِنَّمَا هى تَحْقِيق نِسْبَة تِلْكَ الْخَواص إِلَى مَا اخْتصّت بِهِ وَإِدْرَاك الْقَوَاعِد الَّتِى قَامَت عَلَيْهَا تِلْكَ النّسَب فالاشتغال بالاكتناه أضاعة الْوَقْت وَصرف للقوة إِلَى غير مَا سيقت إِلَيْهِ اشْتغل الْإِنْسَان بتحصيل الْعلم بأقرب الْأَشْيَاء إِلَيْهِ وهى نَفسه أَرَادَ أَن يعرف بعض عوارضها وَهل هى عرض أَو جَوْهَر هَل هى قبل الْجِسْم أَو بعده هَل هى فِيهِ أَو مُجَرّدَة عَنهُ كل هَذِه صِفَات لم يصل الْعقل إِلَى اثبات شىء مِنْهَا يُمكن الِاتِّفَاق عَلَيْهِ وَإِنَّمَا مبلغ جهده أَنه عرف أَنه مَوْجُود حى لَهُ شُعُور وَإِرَادَة وكل مَا أحَاط بِهِ بعد ذَلِك من الْحَقَائِق الثَّابِتَة فَهُوَ رَاجع إِلَى تِلْكَ الْعَوَارِض الَّتِى وصل إِلَيْهَا ببديهته أماكنه شىء من ذَلِك بل وَكَيْفِيَّة اتصافه بِبَعْض صِفَاته فَهُوَ مَجْهُول عِنْده وَلَا يجد سَبِيلا للْعلم بِهِ هَذَا حَال الْعقل الإنسانى مَعَ مَا يُسَاوِيه فى الْوُجُود أَو ينحط عَنهُ بل وَكَذَلِكَ شَأْنه فِيمَا يظنّ من الْأَفْعَال أَنه صادر عَنهُ كالفكر وارتباطه بالحركة والنطق فَمَا يكون من أمره بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَلِك الْوُجُود إِلَّا على مَاذَا يكون اندهاشه بل انْقِطَاعه إِذا وَجه نظره إِلَى مَالا يتناهى من الْوُجُود الأزلى الأبدى النّظر فى الْخلق يهدى بِالضَّرُورَةِ إِلَى الْمَنَافِع الدُّنْيَوِيَّة ويضىء للنَّفس طريقها إِلَى معرفَة من هَذِه آثاره وَعَلَيْهَا تجلت أنواره وَإِلَى اتصافه بِمَا لولاه لما صدرت عَنهُ هَذِه الْآثَار على مَا هى عَلَيْهِ من النظام وتخالف الأنظار فى الْكَوْن إِنَّمَا هُوَ من تصارع الْحق وَالْبَاطِل وَلَا بُد أَن يظفر الْحق ويعلو على الْبَاطِل بتعاون الأفكار أَو صولة القوى مِنْهَا على الضَّعِيف

стр. 25

أما الْفِكر فى ذَات الْخَالِق فَهُوَ طلب للأكتناه من جِهَة وَهُوَ مُمْتَنع على الْعقل الْبُشْرَى لما علمت من انْقِطَاع النِّسْبَة بَين الوجودين ولاستحالة التركب فى ذَاته وتطاول إِلَى مَالا تبلغه الْقُوَّة البشرية من جِهَة أُخْرَى فَهُوَ عَبث ومهلكه عَبث لِأَنَّهُ سعى إِلَى مَالا يدْرك ومهلكة لِأَنَّهُ يُؤدى إِلَى الْخبط فى الِاعْتِقَاد لِأَنَّهُ تَحْدِيد لما لَا يجوز تحديده وَحصر لما لَا يَصح حصره لَا ريب أَن هَذَا الحَدِيث وَمَا أَتَيْنَا عَلَيْهِ من الْبَيَان كَمَا يأتى فى الذَّات من حَيْثُ هى يأتى فِيهَا مَعَ صفاتها فالنهى واستحالة الْوُصُول إِلَى الاكتناه شاملان لَهَا فيكفينا من الْعلم بهَا أَن نعلم أَنه متصف بهَا أما مَا وَرَاء ذَلِك فَهُوَ مِمَّا يستأثر هُوَ بِعِلْمِهِ وَلَا يُمكن لعقولنا أَن تصل إِلَيْهِ وَلِهَذَا لم يَأْتِ الْكتاب الْعَزِيز وَمَا سبقه من الْكتب إِلَّا بتوجيه النّظر إِلَى الْمَصْنُوع لينفذ مِنْهُ إِلَى معرفَة وجود الصَّانِع وَصِفَاته الكمالية أما كَيْفيَّة الاتصاف فَلَيْسَ من شَأْننَا أَن نبحث فِيهِ فالذى يُوجِبهُ علينا الْإِيمَان هُوَ ان نعلم أَنه مَوْجُود لَا يشبه الكائنات أزلى أبدى حى عَالم مُرِيد قَادر متفرد فى وجوب وجوده وفى كَمَال صِفَاته وفى صنع خلقه وَأَنه مُتَكَلم سميع بَصِير وَمَا يتبع ذَلِك من الصِّفَات الَّتِى جَاءَ الشَّرْع بِإِطْلَاق أسمائها عَلَيْهِ أما كَون الصِّفَات زَائِدَة على الذَّات وَكَون الْكَلَام صفة غير مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ الْعلم من معانى الْكتب السماوية وَكَون السّمع وَالْبَصَر غير الْعلم بالمسموعات والمبصرات وَنَحْو ذَلِك من الشئون الَّتِى اخْتلف عَلَيْهَا النظار وَتَفَرَّقَتْ فِيهَا الْمذَاهب فمما لَا يجوز الْخَوْض فِيهِ إِذْ لَا يُمكن لعقول الْبشر أَن تصل إِلَيْهِ وَالِاسْتِدْلَال على شىء مِنْهُ بالألفاظ الْوَارِدَة ضعف فى الْعقل وتغرير بِالشَّرْعِ لِأَن اسْتِعْمَال اللُّغَة لَا ينْحَصر فى الْحَقِيقَة وَلَئِن انحصر فِيهَا فَوضع اللُّغَة لَا تراعى فِيهِ الوجودات بكنهها الحقيقى وَإِنَّمَا تِلْكَ مَذَاهِب فلسفة إِن لم يصل فِيهَا أمثلهم فَلم يهتد فِيهَا فريق إِلَى مقنع فَمَا علينا إلاالوقوف عِنْدَمَا تبلغه عقولنا وَأَن نسْأَل الله أَن يغْفر لمن آمن بِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ رسله مِمَّن تقدمنا

стр. 26

أَفعَال الله جلّ شَأْنه أَفعَال الله صادرة عَن علمه وإرادته كَمَا سبق تَقْرِيره وكل مَا صدر عَن علم وَإِرَادَة فَهُوَ عَن الِاخْتِيَار وَلَا شىء مِمَّا يصدر عَن الِاخْتِيَار بِوَاجِب على الْمُخْتَار لذاته فَلَا شىء من أَفعاله بِوَاجِب الصُّدُور عَنهُ لذاته فَجَمِيع صِفَات الْأَفْعَال من خلق ورزق وَإِعْطَاء وَمنع وتعذيب وتنعيم مِمَّا يثبت لَهُ تَعَالَى بالإمكان الْخَاص فَلَا يَطُوفَن بعقل عَاقل بعد تَسْلِيم أَنه فَاعل عَن علم وَإِرَادَة أَن يتَوَهَّم أَن شَيْئا من أَفعاله وَاجِب عَنهُ لذاته كَمَا هُوَ الشَّأْن فِي لَوَازِم الماهيات أَو فى اتصاف الْوَاجِب بصفاته مثلا فَإِن ذَلِك هُوَ التَّنَاقُض البديهى الاستحالة كَمَا سبق الْإِشَارَة إِلَيْهِ بقيت علينا جَوْلَة نظر فى تِلْكَ المقالات الحمقى الَّتِى اختبط فِيهَا الْقَوْم اختباط إخْوَة تَفَرَّقت بهم الطّرق فى السّير إِلَى مقصد وَاحِد حَتَّى إِذا الْتَقَوْا فى غسق اللَّيْل صَاح كل فريق بِالْآخرِ صَيْحَة المستخبر فَظن كل أَن الآخر عَدو يُرِيد مقارعته على مَا بِيَدِهِ فاستحر بَينهم الْقِتَال وَلَا زَالُوا يتجالدون حَتَّى تساقط جلهم دون الْمطلب وَلما اسفر الصُّبْح وتعارفت الْوُجُوه رَجَعَ الرشد إِلَى من بقى وهم الناجون وَلَو تعارفوا من قبل لتعاونوا جَمِيعًا على بُلُوغ مَا أملوا وَلَو وافتهم الْغَايَة إخْوَانًا بِنور الْحق مهتدين نُرِيد تِلْكَ المقالات المضطربة فى أَنه يجب على الله رِعَايَة الْمصلحَة فى أَفعاله وَتَحْقِيق وعيده فِيمَن تعدى حُدُوده من عبيده وَمَا يَتْلُو ذَلِك من وُقُوع أَعماله تَحت الْعِلَل والأغراض فقد بَالغ قوم فى الْإِيجَاب حَتَّى ظن النَّاظر فى مزاعمهم أَنهم عدوه وَاحِدًا من الْمُكَلّفين يفْرض عَلَيْهِ أَن يجْهد للْقِيَام بِمَا عَلَيْهِ من الْحُقُوق وتأدية مَا لزمَه من الْوَاجِبَات تَعَالَى عَن ذَلِك علوا كَبِيرا وغلا آخَرُونَ فى نفى التَّعْلِيل عَن أَفعاله حَتَّى خبل للممعن فى مقالاتهم أَنهم لَا يرضونه إِلَّا قلبا يبرم الْيَوْم مَا نقضه بالْأَمْس وَيفْعل غَدا مَا أخبر بنقيضه الْيَوْم أَو غافلا لَا يشْعر بِمَا يستتبعه عمله سُبْحَانَ رَبك رب الْعِزَّة عَمَّا يصفونَ

стр. 27

وَهُوَ أحكم الْحَاكِمين وأصدق الْقَائِلين جبرون الله وطهارة دينه أَعلَى وَأَرْفَع من هَذَا كُله اتّفق الْجَمِيع على أَن أَفعاله تَعَالَى لَا تَخْلُو من حِكْمَة وَصرح الغلاة والمقصرون جَمِيعًا بِأَنَّهُ تَعَالَى منزه عَن الْعَبَث فى أَفعاله وَالْكذب فى أَقْوَاله ثمَّ بعد هَذَا أخذُوا يتنابذون بالألفاظ ويتمارون فى الأوضاع وَلَا يدرى إِلَى أى غَايَة يقصدون فلنأخذ مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ ولنرد إِلَى حَقِيقَة وَاحِدَة مَا اخْتلفُوا فِيهِ حِكْمَة كل عمل مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ مِمَّا يحْتَفظ نظاما أَو يدْفع فَسَادًا خَاصّا كَانَ أَو عَاما لَو كشف لِلْعَقْلِ من أى وَجه لعقله وَحكم بأى الْعَمَل لم يكن عَبَثا وَلَعِبًا وَمن يزْعم للحكمة معنى لَا يرجع إِلَى هَذَا حاكمناه إِلَى أوضاع اللُّغَة وبداهة الْعقل لَا يُسمى مَا يَتَرَتَّب على الْعَمَل حِكْمَة وَلَا يتَمَثَّل عِنْد الْعقل بمثالها إِلَّا إِذا كَانَ مَا يتبع الْعَمَل مرَادا لفَاعِله بِالْفِعْلِ وَإِلَّا لعدم النَّائِم حكيما فِيمَا لَو صدرت عَنهُ حَرَكَة فى نَومه قتلت عقربا كَاد يلسع طفْلا أَو دفعت صَبيا عَن حُفْرَة كَاد يسْقط فِيهَا بل لوسم بالحكمة كثير من العجماوات إِذا استتبعت حركاتها بعض الْمَنَافِع الْخَاصَّة أَو الْعَامَّة والبداهة تأباه من الْقَوَاعِد الصَّحِيحَة الْمسلمَة عِنْد جَمِيع الْعُقَلَاء أَن أَفعَال الْعَاقِل تصان عَن الْعَبَث وَلَا يُرِيدُونَ من الْعَاقِل إِلَّا الْعَالم بِمَا يصدر عَنهُ بإرادته ويريدون من صونها عَن الْبَعْث أَنَّهَا لَا تصدر إِلَّا لأمر يَتَرَتَّب عَلَيْهَا يكون غَايَة لَهَا وَإِن كَانَ هَذَا الْعَاقِل الْحَادِث فَمَا ظَنك بمصدر كل عقلى ومنتهى الْكَمَال فى الْعلم وَالْحكم هَذِه كلهَا مسلمات لَا يُنَازع فِيهَا أحد صنع الله الذى أتقن كل شىء وَأحسن خلقه مشحون بضروب الحكم فَفِيهِ مَا قَامَت بِهِ السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا وَحفظ بِهِ نظام الْكَوْن بأسره وَمَا صانه عَن الْفساد الذى يفضى بِهِ إِلَى الْعَدَم وَفِيه مَا استقامت بِهِ مصلحَة كل مَوْجُود على حَدثهُ خُصُوصا مَا هُوَ من الموجودات الْحَيَّة كالنبات وَالْحَيَوَان وَلَوْلَا هَذِه الْبَدَائِع من الحكم مَا تيَسّر لنا الِاسْتِدْلَال على علمه

стр. 28

فَهَذِهِ الحكم الَّتِى نعرفها الْآن بِوَضْع كل شىء فى مَوْضِعه وإيتاء كل مُحْتَاج مَاله إِلَيْهِ الْحَاجة إِمَّا أَن تكون مَعْلُومَة لَهُ مُرَادة مَعَ الْفِعْل أم لَا لَا يُمكن القَوْل بالثانى وَإِلَّا لَكَانَ قولا بقصور الْعلم إِن لم تكن مَعْلُومَة أَو بالغفلة إِن لم تكن مُرَادة وَقد سبق تَحْقِيق أَن علمه وسع كل شىء واستحالة غيبه أثر من آثاره عَن إِرَادَته فَهُوَ يُرِيد الْفِعْل وَيُرِيد مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ من الْحِكْمَة وَلَا معنى لهَذَا إِلَّا إِرَادَته للحكمة من حَيْثُ هى تَابِعَة للْفِعْل وَمن الْمحَال أَن تكون الْحِكْمَة غير مُرَادة بِالْفِعْلِ مَعَ الْعلم بارتباطها بِهِ فَيجب الِاعْتِقَاد بِأَن أَفعاله يَسْتَحِيل أَن تكون خَالِيَة من الْحِكْمَة وَبِأَن الْحِكْمَة يَسْتَحِيل أَن تكون غير مُرَادة إِذْ لَو صَحَّ توهم أَن مَا يَتَرَتَّب على الْفِعْل غير مُرَاد لم يعد ذَلِك من الْحِكْمَة كَمَا سبق فوجوب الْحِكْمَة فى أَفعاله تَابع لوُجُوب الْكَمَال فى علمه وإرادته وَهُوَ مِمَّا لَا نزاع فِيهِ بَين جَمِيع المتخالفين وَهَكَذَا يُقَال فى وجوب تحقق مَا وعد وأوعد بِهِ فَإِنَّهُ تَابع لكَمَال علمه وإرادته وَصدقه وَهُوَ أصدق الْقَائِلين وَمَا جَاءَ فى الْكتاب أَو السّنة مِمَّا قد يُوهم خلاف ذَلِك يجب إرجاعه إِلَى بَقِيَّة الْآيَات وَسَائِر الْآثَار حَتَّى ينطبق الْجَمِيع على مَا هدت إِلَيْهِ البديهيات السَّابِق إيرادها وعَلى مَا يَلِيق بِكَمَال الله وَبَالغ حكمته وجليل عَظمته والآصل الذى يرجع إِلَيْهِ كل وَارِد فى هَذَا الْبَاب قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا خلقنَا السَّمَاء وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا لاعبين لَو أردنَا أَن نتَّخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إِن كُنَّا فاعلين بل نقذف بِالْحَقِّ على الْبَاطِل فيدمغه فَإِذا هُوَ زاهق وَلكم الويل مِمَّا تصفون﴾ وَقَوله ﴿لاتخذناه﴾ من لدنا أى لصدر عَن ذاتنا المنفردة بالكمال الْمُطلق الذى لَا يشوبه نقص وَهُوَ محَال وَإِن فى قَوْله إِن كُنَّا فاعلين نَافِيَة وَهُوَ نتيجة الْقيَاس السَّابِق بقى أَن الناظرين فى هَذِه الْحَقَائِق ينقسمون إِلَى قسمَيْنِ فَمنهمْ من يطْلب علمهَا لِأَنَّهُ شَهْوَة الْعقل وَفِيه لذته فَهَذَا الْقسم يُسمى الْمعَانى بأسمائها وَلَا يبالى جوز الشَّرْع إِطْلَاقهَا فى جَانب الله أم لم يجوز فيسمى الْحِكْمَة غَايَة وغرضا وَعلة

стр. 29

غائية ورعاية للْمصْلحَة وَلَيْسَ من رَأْيه أَن يَجْعَل لقلمه عنانا يردهُ عَن إِطْلَاق اسْم مَتى صَحَّ عِنْده مَعْنَاهُ وَقد يعبر بِالْوَاجِبِ عَلَيْهِ بدل الْوَاجِب لَهُ غير مبال بِمَا يُوهِمهُ اللَّفْظ وَمِنْهُم من يطْلب علمهَا مَعَ مُرَاعَاة أَن ذَلِك دين يتعبد بِهِ واعتقاد بشئون لإله عَظِيم يعبد بالتحميد والتعظيم وَيجب الِاحْتِيَاط فى ينزيهه حَتَّى بعفة اللِّسَان عَن النُّطْق بِمَا يُوهم نقصا فى جَانِبه فيتبرأ من تِلْكَ الْأَلْفَاظ مفردها ومركبها فَإِن الْوُجُوب عَلَيْهِ يُوهم التَّكْلِيف والإلزام وَبِعِبَارَة أُخْرَى يُوهم الْقَهْر والتأثر بالأغيار ورعاية الْمصلحَة توهم إِعْمَال النّظر وإجالة الْفِكر وهما من لَوَازِم النَّقْص فى الْعلم والغاية وَالْعلَّة الغائية وَالْغَرَض توهم حَرَكَة فى نفس الْفَاعِل من قبل البدء فى الْعَمَل إِلَى نهايته وفيهَا مَا فى سوابقها وَلَكِن الله أكبر هَل يَصح ان تكون سَعَة المجال أَو التعفف فى الْمقَال سَببا فى التَّفْرِقَة بَين الْمُؤمنِينَ وتماريهم فى الْجِدَال حَتَّى ينتهى بهم التَّفَرُّق إِلَى مَا صَارُوا إِلَيْهِ من سوء الْحَال أَفعَال الْعباد كَمَا يشْهد سليم الْعقل والحواس من نَفسه أَنه مَوْجُود وَلَا يحْتَاج فى ذَلِك إِلَى دَلِيل يهديه وَلَا معلم يرشده كَذَلِك يشْهد أَنه مدرك لأعماله الإختيارية يزن نتائجها بعقله ويقدرها بإرادته ثمَّ يصدرها بقدرة مافيه ويعد إِنْكَار شىء من ذَلِك مُسَاوِيا لإنكار وجوده فى مجافاته لبداهة الْعقل كَمَا يشْهد بذلك فى نَفسه يشهده أَيْضا فى بنى نَوعه كَافَّة مَتى كَانُوا مثله فى سَلامَة الْعقل والحواس وَمَعَ ذَلِك فقد يُرِيد إرضاء خَلِيل فيغضبه وَقد يطْلب كسب رزق فيفوته وَرُبمَا سعى إِلَى منجاة فَسقط فى مهلكة فَيَعُود باللائمة على نَفسه إِن كَانَ لم يحكم النّظر فى تَقْدِير فعله ويتخذ من خيبته أول مرّة مرشدا لَهُ فى الآخرى فيعاود الْعَمَل من طَرِيق أقوم وبوسائل أحكم ويتقد غيظه على من حَال بَينه وَبَين مَا يشتهى إِن كَانَ سَبَب الإخفاق فى الْمَسْعَى مُنَازعَة

стр. 30

منافس لَهُ فى مطلبه لوجدانه من نَفسه أَنه الْفَاعِل فى حرمانه فينبرى لمناضلته وَتارَة يتَّجه إِلَى أَمر أسمى من ذَلِك إِن لم يكن لتَقْصِيره أَو لمنافسة غَيره دخل فِيمَا لقى من مصير عمله كَأَن هَب ريح فأغرق بضاعته أَو نزل صاعق فَأحرق مَاشِيَته أَو علق أمله بِمعين فَمَاتَ أَو بذى منصب فعزل يتَّجه من ذَلِك إِلَى أَن فى الْكَوْن قُوَّة أسمى من أَن تحيط بهَا قدرته وَأَن وَرَاء تَدْبيره سُلْطَانا لَا تصل إِلَيْهِ سلطته فَإِن كَانَ قد هداه الْبُرْهَان وتقويم الدَّلِيل إِلَى أَن حوادث الْكَوْن بأسره مستندة إِلَى وَاجِب وجود وَاحِد يصرفهُ على مُقْتَضى علمه وإرادته خشع وخضع ورد الْأَمر إِلَيْهِ فِيمَا لقى وَلَكِن مَعَ ذَلِك لَا ينسى نصِيبه فِيمَا بقى فالمؤمن كَمَا يشْهد بِالدَّلِيلِ وبالعيان أَن قدرَة مكون الكائنات أسمى من قوى الممكنات يشْهد بالبداهة أَنه فى أَعماله الاختيارية عقلية كَانَت أَو جسمانية قَائِم بتصريف ماوهب الله لَهُ من المدارك والقوى فِيمَا خلقت لأَجله وَقد عرف الْقَوْم شكر الله على نعْمَة فَقَالُوا هُوَ صرف العَبْد جَمِيع مَا أنعم الله بِهِ عَلَيْهِ إِلَى مَا خلق لأَجله على هَذَا قَامَت الشَّرَائِع وَبِه استقامت التكاليف وَمن أنكر شَيْئا مِنْهُ قد أنكر مَكَان الْإِيمَان من نَفسه وَهُوَ عقله الذى شرفه الله بِالْخِطَابِ فى أوامره ونواهيه أما الْبَحْث فِيمَا وَرَاء ذَلِك من التَّوْفِيق بَين مَا قَامَ عَلَيْهِ الدَّلِيل من أحاطة علم الله وإرادته وَبَين مَا تشهد بِهِ البداهة من عمل الْمُخْتَار فِيمَا وَقع عَلَيْهِ الِاخْتِيَار فَهُوَ من طلب سر الْقدر الذى نهينَا عَن الْخَوْض فِيهِ واشتغال بِمَا لَا تكَاد تصل الْعُقُول إِلَيْهِ وَقد خَاضَ فِيهِ الغالون من كل مِلَّة خُصُوصا من المسيحيين وَالْمُسْلِمين ثمَّ لم يزَالُوا بعد طول الْجِدَال وقوفا حَيْثُ ابتدءوا وَغَايَة مَا فعلوا أَن فرقوا وشتتوا فَمنهمْ الْقَائِل بسلطة العَبْد على جَمِيع أَفعاله واستقلالها الْمُطلق وَهُوَ غرور ظَاهر وَمِنْهُم من قَالَ بالجبر وَصرح بِهِ وَمِنْهُم من قَالَ بِهِ وتبرأ من اسْمه وَهُوَ هدم للشريعة ومحو للتكاليف وَإِبْطَال لحكم الْعقل البديهى وَهُوَ عماد الْإِيمَان وَدَعوى أَن الِاعْتِقَاد بكسب العَبْد لأفعاله يُؤدى إِلَى الْإِشْرَاك بِاللَّه وَهُوَ الظُّلم الْعَظِيم دَعْوَى من لم يلْتَفت إِلَى معنى الاشراك على مَا جَاءَ بِهِ الْكتاب

стр. 31

وَالسّنة فالإشراك اعْتِقَاد أَن لغير الله أثرا فَوق مَا وهبه الله من الْأَسْبَاب الظَّاهِرَة وَأَن لشىء من الْأَشْيَاء سُلْطَانا على مَا خرج عَن قدرَة المخلوقين وَهُوَ اعْتِقَاد من يعظم سوى الله مستعينا بِهِ فِيمَا لَا يقدر العَبْد عَلَيْهِ كالاستنصار فى الْحَرْب بِغَيْر قُوَّة الجيوش والاستشفاء من الْأَمْرَاض بغيرالأدوية الَّتِى هدَانَا الله إِلَيْهَا والاستعانة على السَّعَادَة الأخروية أَو الدُّنْيَوِيَّة بِغَيْر الطّرق وَالسّنَن الَّتِى شرعها الله لنا هَذَا هُوَ الشّرك الذى كَانَ عَلَيْهِ الوثنيون وَمن ماثلهم فَجَاءَت الشَّرِيعَة الإسلامية بمحوه ورد الْأَمر فِيمَا فَوق الْقُدْرَة البشرية والأسباب الكونية إِلَى الله وَحده وَتَقْرِير أَمريْن عظيمين هما ركنا السَّعَادَة وقوام الْأَعْمَال البشرية الأول أَن العَبْد يكْسب بإرادته وَقدرته مَا هُوَ وَسِيلَة لسعادته والثانى أَن قدرَة الله هى مرجع لجَمِيع الكائنات وَأَن من آثارها مَا يحول بَين العَبْد وَبَين إنقاذ مَا يُريدهُ وَأَن لَا شىء سوى الله يُمكن لَهُ أَن يمد العَبْد بالمعونة فِيمَا لم يلبغه كَسبه جَاءَت الشَّرِيعَة لتقرير ذَلِك وَتَحْرِيم أَن يَسْتَعِين العَبْد بِأحد غير خالقه فى توفيقه إِلَى إتْمَام عمله بعد إحكام البصيرة فِيهِ وتكليفه بِأَن يرفع همته إِلَى استمداد العون مِنْهُ وَحده بعد أَن يكون قد أفرغ مَا عِنْده من الْجهد فِي تَصْحِيح الْفِكر وإجادة الْعَمَل وَلَا يسمح الْعقل وَلَا الدّين لأحد أَن يذهب إِلَى غير ذَلِك وَهَذَا الذى قَرَّرْنَاهُ قد اهْتَدَى إِلَيْهِ سلف الْأمة فَقَامُوا من الْأَعْمَال بِمَا عجبت لَهُ الْأُمَم وعول عَلَيْهِ من متأخرى أهل النّظر إِمَام الْحَرَمَيْنِ الجوينى ﵀ وَإِن أنكر عَلَيْهِ بعض من لم يفهمهُ أكرر القَوْل بِأَن الْإِيمَان بوحدانية الله لَا يقتضى من الْمُكَلف إِلَّا اعْتِقَاد أَن الله صرفه فى قواه فَهُوَ كاسب كإيمانه وَلما كلفه الله بِهِ من بَقِيَّة الْأَعْمَال واعتقاد أَن قدرَة الله فَوق قدرته وَلها وَحدهَا السُّلْطَان الْأَعْلَى فى إتْمَام مُرَاد العَبْد بِإِزَالَة الْمَوَانِع أَو تهيئة الْأَسْبَاب المتممة مِمَّا لَا يُعلمهُ وَلَا يدْخل تَحت إِرَادَته أما التطلع إِلَى مَا هُوَ أغمض من ذَلِك فَلَيْسَ من مُقْتَضى الْإِيمَان كَمَا بَينا وَإِنَّا هُوَ من شَره الْعُقُول فى طلب رفع الأستار عَن الْأَسْرَار وَلَا أنكر أَن قوما قد وصلوا بِقُوَّة الْعلم والمثابرة على مجاهدة المدارك إِلَى مَا أطمأنت بِهِ نُفُوسهم

стр. 32

وتقشعت بِهِ حيرتهم وَلَكِن قَلِيل مَا هم على أَن ذَلِك نور يقذفه الله فى قلب من شَاءَ ويخص بِهِ أهل الْولَايَة والصفاء وَكثير ماضل قوم وأضلوا وَكَانَ لمقالاتهم أَسْوَأ الْأَثر فِيمَا عَلَيْهِ حَال الْأمة الْيَوْم لَو شِئْت لقربت الْبعيد فَقلت إِن من بَالغ الحكم فى الْكَوْن أَن تتنوع الْأَنْوَاع على مَا هى عَلَيْهِ فى العيان وَلَا يكون النَّوْع ممتازا عَن غَيره حَتَّى تلْزمهُ خواصه وَكَذَا الْحَال فى تميز الْأَشْخَاص فواهب الْوُجُود يهب الْأَنْوَاع والأشخاص وجودهَا على مَا هى عَلَيْهِ ثمَّ كل وجود مَتى حصل كَانَت لَهُ توابعه وَمن تِلْكَ الْأَنْوَاع الْإِنْسَان وَمن مميزاته حَتَّى يكون غير سَائِر الْحَيَوَانَات ان يكون مفكرا مُخْتَارًا فى عمله على مُقْتَضى فكره فوجوده الْمَوْهُوب مستتبع لمميزاته هَذِه وَلَو سلب شَيْء مِنْهَا لَكَانَ إِمَّا ملكا أَو حَيَوَانا آخر وَالْفَرْض أَنه الْإِنْسَان فهبة الْوُجُود لَهُ لاشىء فِيهَا من الْقَهْر على الْعَمَل ثمَّ علم الْوَاجِب مُحِيط بِمَا يَقع من الْإِنْسَان بإرادته وَبِأَن عمل كَذَا يصدر فى وَقت كَذَا وَهُوَ خير يُثَاب عَلَيْهِ وَأَن عملا آخر شَرّ يُعَاقب عَلَيْهِ عِقَاب الشَّرّ والأعمال فى جَمِيع الْأَحْوَال حَاصِلَة عَن الْكسْب والإختيار فَلَا شىء فى الْعلم بسالب للتَّخْيِير فى الْكسْب وَكَون مَا فى الْعلم يَقع لَا محَالة إِنَّمَا جَاءَ من حَيْثُ هُوَ الْوَاقِع وَالْوَاقِع لَا يتبدل وَلنَا فى علومنا الكونية أقرب الْأَمْثَال شخص من أهل العناد يعلم علم الْيَقِين أَن عصيانه لأميره بِاخْتِيَارِهِ يحل عُقُوبَته لَا محَالة لكنه مَعَ ذَلِك يعْمل الْعَمَل وَيسْتَقْبل الْعقُوبَة وَلَيْسَ لشىء من علمه وانطباقه على الْوَاقِع أدنى أثر فى اخْتِيَاره لَا بِالْمَنْعِ وَلَا بالإلزام فانكشاف الْوَاقِع للْعَالم لَا يَصح فى نظر الْعقل ملزما وَلَا مَانِعا وَإِنَّمَا يُرِيك الْوَهم تَغْيِير الْعبارَات وتشعب الْأَلْفَاظ وَلَو شِئْت لزدت فى بَيَان ذَلِك ورجوت أَن لَا يبعد عَن عقل ألف النّظر الصَّحِيح وَلم تفْسد فطرته بالمماحكات اللفظية لَكِن يمنعنى عَن الإطالة فِيهِ عدم الْحَاجة إِلَيْهِ فى صِحَة الْإِيمَان وتقاصر عقول الْعَامَّة عَن إِدْرَاك الْأَمر فى ذَاته مهما بَالغ الْمعبر فى الْإِيضَاح عَنهُ والتياث قُلُوب الْجُمْهُور من الْخَاصَّة بِمَرَض التَّقْلِيد فهم يَعْتَقِدُونَ الْأَمر ثمَّ يطْلبُونَ الدَّلِيل عَلَيْهِ وَلَا يريدونه إِلَّا مُوَافقا لما يَعْتَقِدُونَ فَإِن جَاءَهُم بِمَا يُخَالف مَا اعتقدوا

стр. 33

قيدوه ولجوا فى مقاومته وَإِن أدّى ذَلِك إِلَى جحد الْعقل برمتِهِ فأكثرهم يعْتَقد فيستدل وقلما نجد بَينهم من يسْتَدلّ ليعتقد فَإِن صَاح بهم صائح من عماق سرائرهم ويل للخابط ذَلِك قلب لسنة الله فى خلقه وتحريفلهدية وتحريف لهدية فى شَرعه عرتهم هزة من الْجزع ثمَّ عَادوا إِلَى السّكُون محتجين بِأَن هَذَا هُوَ المألوف وَمَا أَقَمْنَا إِلَّا على مَعْرُوف وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه العلى الْعَظِيم حسن الْأَفْعَال وقبحها الْأَفْعَال الإنسانية الإختيارية لَا تخرج عَن أَن تكون من الأكوان الْوَاقِعَة تَحت مداركنا وَمَا تنفعل بِهِ نفوسنا عِنْد الإحساس بهَا أَو استحضار صورها يشابه كل المشابهة مَا تنفعل بِهِ عِنْد وُقُوع بعض الكائنات تَحت حواسنا أَو حُضُورهَا فى مخيلاتنا وَذَلِكَ بديهى لَا يحْتَاج إِلَى دَلِيل نجد فى أَنْفُسنَا بِالضَّرُورَةِ تمييزا بَين الْجَمِيل من الْأَشْيَاء والقبيح مِنْهَا فان اخْتلفت مشارب الرِّجَال فى فهم جمال النِّسَاء أَو مشارب النِّسَاء فى معنى جمال الرِّجَال فَلم يخْتَلف أحد فى جمال ألوان الأزهار وتنضيد اوراق النباتات وَالْأَشْجَار خُصُوصا إِذا كَانَت أوضاع الزهر على أشكال تمثل الائتلاف والتناسب بَين تِلْكَ الألوان بَعْضهَا مَعَ بعض وَلَا فى قبح الصُّورَة الممثل بهَا بتهشيم بعض أَجْزَائِهَا وَانْقِطَاع الْبَعْض الآخر على غير نظام وانفعال أَنْفُسنَا من الْجَمِيل بهجة أَو إعجاب وَمن الْقَبِيح اشمئزاز أَو جزع وكما يَقع هَذَا التَّمْيِيز فى المبصرات يَقع فى غَيرهَا من المسموعات والملموسات والمذوقات والمشمومات كَمَا هُوَ مَعْرُوف لكل حساس من بنى آدم بِإِحْدَى تِلْكَ الْحَواس لَيْسَ هَذَا مَوضِع تَحْدِيد مَا هُوَ الْجمال وَمَا هُوَ الْقبْح فى الْأَشْيَاء وَلَكِن لَا يخالفنا أحد فى أَن من خَواص الْإِنْسَان بل وَبَعض الْحَيَوَان التَّمْيِيز بَينهمَا وعَلى هَذَا قَامَت الصناعات على اخْتِلَاف أَنْوَاعهَا وَبِه ارْتقى الْعمرَان فى أطواره

стр. 34

إِلَى الْحَد الذى نرَاهُ عَلَيْهِ الْآن وَإِن اخْتلفت الأذواق ففى الْأَشْيَاء جمال وقبح هَذَا فى المحسوسات وَاضح كَمَا سبق وَلَعَلَّه لَا ينزل عَن تِلْكَ الدرجَة فى الوضوح مالم بِهِ الْعقل من الموجودات المعقولة وَإِن اخْتلف اعْتِبَار الْجمال فِيهَا فالكمال فى المعقولات كالوجود الْوَاجِب والأرواح اللطيفة وصفات النُّفُوس البشرية لَهُ جمال تشعر بِهِ أنفس عارفيه وتنبهر لَهُ بصائر لاحظية وللقص قبح لَا تنكره المدارك الْعَالِيَة وَإِن اخْتلف أثر الشُّعُور بِبَعْض أطواره فى الوجدان عَن اثر الإحساس بالقبيح فى المحسوسات وَهل فى النَّاس من يُنكر قبح النَّقْص فى الْعقل أَو السُّقُوط فى الهمة وَضعف الْعَزِيمَة ويكفى أَن أَرْبَاب هَذِه النقائص المعنوية يجاهدون فى إخفائها ويفخرون أَحْيَانًا بِأَنَّهُم متصفون بأضدادها وَقد يجمل الْقبْح بِجَمَال أَثَره ويقبح الْجَمِيل بقبح مَا يقْتَرن بِهِ فالمر قَبِيح مستشبع وَلذَلِك الدميم المشوه ألخلقه ينبو عَنهُ النّظر لَكِن أثر المر فى معالجة الْمَرَض وَعدل الدميم فى رَعيته أَو إحسانه إِلَيْك فى خَاصَّة نَفسك يُغير من حالتك النفسة عِنْد حُضُور صورته فَإِن جمال الْأَثر يلقى على صَاحبه أشعة من بهائه فَلَا يشْعر الوجدان مِنْهُ إِلَّا بالجميل وَمثل ذَلِك يُقَال فى قبح الحلو إِذا أضرّ واشمئزاز النَّفس من الْجَمِيل إِذا ظلم وأصر هَل يُمكن لعاقل أَن لَا يَقُول فى الْأَفْعَال الأختيارية كَمَا قَالَ فى الموجودات الكونية مَعَ أَنَّهَا نوع مِنْهَا وَتَقَع تَحت حواسنا ومداركنا الْعَقْلِيَّة إِمَّا بِنَفسِهَا وَإِمَّا بآثرها وتنفعل بِمَا يلم بهَا مِنْهَا كَمَا تنفعل بِمَا يرد عَلَيْهَا من صور الكائنات كلا بل هى قسم من الموجودات حكمهَا فى ذَلِك حكم سائرها بالبداهة فَمن الْأَفْعَال الاختيارية مَا هُوَ معجب فى نَفسه تَجِد النَّفس مِنْهُ مَا تَجِد من جمال الْخلق كالحركات العسكرية المنتظمة وتقلب المهرة من اللاعبين فى الألاعيب الْمَعْرُوفَة الْيَوْم وبالجمتاستيك كإيقاع النغمات على القوانين الموسيقية من العازف بهَا وَمِنْهَا مَا هُوَ قَبِيح فى نَفسه يحس مِنْهُ مَا يحس من رُؤْيَة الْخلق المشوه كتخبط ضعفاء النُّفُوس عِنْد الْجزع وكولولة النائحات ونقع المذعورين

стр. 35

وَمِنْهَا مَا هُوَ قَبِيح لما يعقبه من الْأَلَم وَمَا هُوَ حسن لما يجلب من اللَّذَّة أَو دفع الْأَلَم فَالْأول كالضرب وَالْجرْح وكل مَا يؤلم من أَفعَال الْإِنْسَان والثانى كَالْأَكْلِ على جوع وَالشرب على عَطش وكل مَا يحصل لَذَّة أَو يدْفع ألما مِمَّا لَا يُحْصى عده وفى هَذَا الْقسم يكون الْحسن بِمَعْنى مَا يلذ والقبيح بِمَعْنى المؤلم وقلما يخْتَلف تَمْيِيز الْإِنْسَان لِلْحسنِ والقبيح من الْأَفْعَال بالمعنيين السَّابِقين عَن تَمْيِيز الْحَيَوَانَات المرتقبة فى سلسلة الْوُجُود اللَّهُمَّ إِلَّا فى قُوَّة الوجدان وتحديد مرتبَة الْجمال والقبح وَمن الْأَفْعَال الاختيارية مَا يحسن بِاعْتِبَار مَا يجلب من النَّفْع وَمَا يقبح بِمَا يجر إِلَيْهِ من الضَّرَر وَيخْتَص الْإِنْسَان بالتمييز بَين الْحسن والقبيح بِهَذَا الْمَعْنى إِذا أَخذ من أكمل وجهانه وقلما يُشَارِكهُ فِيهِ حَيَوَان آخر اللَّهُمَّ إِلَّا من أحط جهانه وَهُوَ خَاصَّة الْعقل وسر الْحِكْمَة الإلهية فى هبة الْفِكر فَمن اللذيذ مَا يقبح لشئوم عاقبته كالإفراط فى تنَاول الطَّعَام وَالشرَاب والإنقطاع إِلَى سَماع الأغانى والجرى فى أعقاب الشَّهَوَات فَإِن ذَلِك مفْسدَة للصِّحَّة مضيعة لِلْعَقْلِ متلفة لِلْمَالِ مدعاة للعجز والذل وَإِنَّمَا قبح اللذيذ فى هَذَا الْموضع لقصر مدَّته وَطول مُدَّة مَا يجر إِلَيْهِ عَادَة من الآلام الَّتِى قد لَا تنتهى إِلَّا بِالْمَوْتِ على أَسْوَأ حالاته ولضعف النِّسْبَة بَين مَتَاع اللَّذَّة ومقاساة شَدَائِد الْأَلَم وَمن المؤلم مَا يحسن كتجشم مشاق التَّعَب فى الْأَعْمَال لكسب الرزق وتأمين النَّفس حاجاته فى أَوْقَات الضعْف ومجاهدة الشَّهَوَات ومقاساة الحرمان من بعض اللَّذَّات حينا من الزَّمن ليتوفر للقوى الْبَدَنِيَّة والعقلية حظها من التَّمَتُّع بِمَا قدر لَهَا من اللذائذ على وَجه ثَابت لَا يخالطه اضْطِرَاب أَو على نمط يُخَفف من رزايا الْحَيَاة إِن عدت الْحَيَاة مثارا لَهَا وَمن المؤلم الذى عده الْعقل الْبُشْرَى حسنا مقارعة الْإِنْسَان عدوه سَوَاء كَانَ من نَوعه أَو من غَيره للمدافعة عَن نَفسه أَو عَن أنصاره وَمِنْهُم بَنو أَبِيه أَو قبيلته أَو شعبه أَو أمته حسب ارتقائه فى الإحساس ومخاطرته حَتَّى بحياته فى

стр. 36

سَبِيل ذَلِك كَأَنَّهُ يرى فى بذل هَذِه الْحَيَاة أمنا على حَيَاة أُخْرَى تشعر بهَا نَفسه وَإِن لم يحددها عقله وَمِنْه معاناة التَّعَب فى كشف مَا عمى عَن علمه من حقائق الْكَوْن كَأَنَّهُ لَا يرى الْمَشَقَّة فِي ذَلِك شَيْئا بِالْقِيَاسِ إِلَى مَا يحصل من لَذَّة الاطمئنان على الْحق بِقدر مَاله من الِاسْتِطَاعَة وعد من اللذيذ المستقبح مد الْيَد إِلَى مَا كَسبه الْغَيْر بسعيه واستشفاء ألم الحقد بِإِتْلَاف نفس المحقود عَلَيْهِ أَو مَاله لما فى ذَلِك من جلب المخافة الْعَامَّة حَتَّى على ذَات المتعدى ويمكنك من نَفسك استحضار مَا يتبع الْوَفَاء بالعهود والعقود والغدر فِيهَا كل هَذَا عرفه الْعقل الْبُشْرَى وَفرق فِيهِ بَين الضار والنافع وسمى الأول فعل الشَّرّ والثانى عمل الْخَيْر وَهَذَا التَّفْرِيق هُوَ منبت التَّمْيِيز بَين الْفَضِيلَة والرذيلة وَقد حددهما النّظر الفكرى على تفَاوت فى الْإِجْمَال وَالتَّفْصِيل للتفاوت فى دَرَجَات عقول الناظرين وناط بهما سَعَادَة الْإِنْسَان وشقاءه فى هَذِه الْحَيَاة كَمَا ربط بهما نظام الْعمرَان الْبُشْرَى وفساده وَعزة الْأُمَم وذلتها وضعفها وقوتها وَإِن كَانَ المحددون لذَلِك والآخذون فِيهِ بحظ من الصَّوَاب هم الْعدَد الْقَلِيل من عقلاء الْبشر كل هَذَا من الأوليات الْعَقْلِيَّة لم يخْتَلف فِيهِ ملى وَلَا فيلسوف فللأعمال الاختيارية حسن وقبح فى نَفسهَا أَو بِاعْتِبَار أَثَرهَا فى الْخَاصَّة أَو فى الْعَامَّة والحس أَو الْعقل قَادر على تَمْيِيز مَا حسن مِنْهَا وَمَا قبح بالمعانى السَّابِقَة بِدُونِ توقف على سمع وَالشَّاهِد على ذَلِك مَا نرَاهُ فى بعض أَصْنَاف الْحَيَوَان وَمَا نشهده فى أفاعيل الصّبيان قبل تعقل مَا معنى الشَّرْع وَمَا وصل إِلَيْنَا من تَارِيخ الْإِنْسَان وَمَا عرف عَنهُ فى جاهليته وَمِمَّا يحسن ذكره هُنَا مَا شَاهده بعض الناظرين فى أَحْوَال النَّمْل قَالَ كَانَت جمَاعَة من النَّمْل تشتغل فى بَيت لَهَا فَجَاءَت نملة كَأَنَّهَا الْقَائِمَة بمراقبة الْعَمَل فرأت المشتغلات قد وضعت السّقف على أقل من الِارْتفَاع الْمُنَاسب فَأمرت بهدمه

стр. 37

فهدم وَرفع الْبُنيان إِلَى الْحَد الْمُوَافق وَوضع السّقف على أرفع مِمَّا كَانَ وَذَلِكَ من أنقاض السّقف الْقَدِيم وَهَذَا هُوَ التَّمْيِيز بَين الضار والنافع فَمن زعم أَن لَا حسن وَلَا قبح فى الْأَعْمَال على الْإِطْلَاق فقد سلب نَفسه الْعقل بل عدهَا أَشد حمقا من النَّمْل سبق لنا أَن وَاجِب الْوُجُود وَصِفَاته الكمالية تعرف بِالْعقلِ فَإِذا وصل مستدل ببرهان إِلَى إِثْبَات الْوَاجِب وَصِفَاته الْغَيْر السمعية وَلم تبلغه بذلك رِسَالَة كَمَا حصل لبَعض أَقوام من الْبشر ثمَّ انْتقل من النّظر فى ذَلِك وفى أطوار نَفسه إِلَى أَن مبدأ الْعقل فى الْإِنْسَان يبْقى بعد مَوته كَمَا وَقع لقوم آخَرين ثمَّ انْتقل من هَذَا مخطئا أَو مصيبا إِلَى أَن بَقَاء النَّفس البشرية بعد الْمَوْت يستدعى سَعَادَة لَهَا فِيهِ أَو شقاء ثمَّ قَالَ إِن سعادتها إِنَّمَا تكون بِمَعْرِِفَة الله وبالفضائل وَإِنَّهَا إِنَّمَا تسْقط فى الشَّقَاء بِالْجَهْلِ بِاللَّه وبارتكاب الرذائل وَبنى على ذَلِك أَن من الْأَعْمَال مَا هُوَ نَافِع للنَّفس بعد الْمَوْت بتحصيل السَّعَادَة وَمِنْهَا مَا هُوَ ضار لَهَا بعده بإيقاعها فى الشَّقَاء فأى مَانع عقلى أَو شرعى يحظر عَلَيْهِ أَن يَقُول بعد ذَلِك بِحكم عقله إِن معرفَة الله وَاجِبَة وَإِن جَمِيع الْفَضَائِل وَمَا يتبعهَا من الْأَعْمَال مَفْرُوضَة وَأَن الرذائل وَمَا يكون عَنْهَا محظورة وَأَن يضع لذَلِك مَا يَشَاء من القوانين ليدعو بَقِيَّة الْبشر إِلَى الإعتقاد بِمثل مَا يعْتَقد وَإِلَى أَن يَأْخُذ من الْأَعْمَال بِمثل مَا أَخذ بِهِ حَيْثُ لم يُوجد شرع يُعَارضهُ أما أَن يكون ذَلِك حَالا لعامة النَّاس يعلمُونَ بعقولهم أَن معرفَة الله وَاجِبَة وَأَن الْفَضَائِل منَاط السَّعَادَة فى الْحَيَاة الْأُخْرَى والرذائل مدَار الشَّقَاء فِيهَا فمما لَا يَسْتَطِيع عَاقل أَن يَقُول بِهِ والمشهود من حَال الْأُمَم كَافَّة يضلل الْقَائِل بِهِ فى رَأْيه لَو كَانَت حاجات الْإِنْسَان ومخاوفه محدودة كَمَا هِيَ حاجات فيل أَو أَسد مثلا وَكَانَ مَا وهب لَهُ من الْفِكر وَاقِفًا عِنْد حد مَا إِلَيْهِ الْحَاجة لاهتدى إِلَى الْمَنَافِع واتقاء المضار على وَجه لَا يخْتَلف فِيهِ أَفْرَاده واسعدت حَيَاته وتخلص كل من شَرّ الآخر وَنَجَا بَقِيَّة الْحَيَوَانَات من غائلة الْجَمِيع

стр. 38

لَكِن قضى عَلَيْهِ حكم نَوعه بِأَن لَا يكون لِحَاجَتِهِ حد وَلَا تخْتَص معيشته بجو من الأجواء وَلَا بِوَضْع من الأوضاع وَأَن يُوهب من القوى المدركة مَا يَكْفِيهِ اسْتِعْمَاله فى سد عوزه وتوفير لذاته فى أَي إقليم وعَلى أَي حَال وَأَن يخْتَلف ظُهُور هَذِه المدارك فى أطوارها وآثارها باخْتلَاف أصنافه وشعوبه وأشخاصه اخْتِلَافا لَا تنتهى درجاته وَلَوْلَا هَذَا لما اخْتلف عَن بَقِيَّة الْحَيَوَانَات إِلَّا باستقامة الْقَامَة وَعرض الْأَظْفَار وهب الله الْإِنْسَان أَو سلط عَلَيْهِ ثَلَاث قوى لم يساوه فِيهَا حَيَوَان الذاكرة والمخيلة والمفكرة فالمذكرة تثير من صور الماضى مَا ستره الِاشْتِغَال بالحاضر فتستحضر من صور المرغوبات والمكروهات مَا تنبه إِلَيْهِ الْأَشْبَاه أَو الأضداد الْحَاضِرَة فقد يذكر الشىء بشبهه وَقد يذكرهُ بضده كَمَا هُوَ بديهى والخيال يجسم من الْمَذْكُور وَمَا يُحِيط بِهِ من الْأَحْوَال حَتَّى يصير كَأَنَّهُ شَاهد ثمَّ ينشىء لَهُ مِثَال لَذَّة أَو ألم فِي الْمُسْتَقْبل يحاكى مَا ذهب بِهِ الماضى ويهمز للنَّفس فى طلبه أَو الْهَرَب مِنْهُ فتلجأ إِلَى الْفِكر فى تَدْبِير الْوَسِيلَة إِلَيْهِ على هَذِه القوى الثَّلَاث مستوى سَعَادَة الْإِنْسَان وَمِنْهَا ينبوع بلائه فَمن النَّاس معتدل الذّكر هادىء الخيال صَحِيح الْفِكر ينظر مثلا فى حَال مُسْرِف أنْفق مَاله فى غير نَافِع وَضَاقَتْ يَده عَمَّا يُقيم معيشته فيذكر ألما لحَاجَة مَضَت ثمَّ يتخيل المَال ومنافعه وَمَا تتمتع بِهِ النَّفس من اللَّذَّة بِهِ سَوَاء فى سد حاجاته أَو فى دفع الْأَلَم الذى يحدثه مشْهد الْفَاقَة فى غَيره بِإِعْطَاء الْمُضْطَر مَا يذهب بضرورته ثمَّ يتخيل ذَلِك المَال آتِيَا من وجوهه الَّتِى لَا يتَعَلَّق بهَا حق من حُقُوق غَيره وَعند ذَلِك يُوَجه فكره لطلب الْوَسِيلَة إِلَيْهِ من تِلْكَ الْوُجُوه بِالْعَمَلِ القويم فى اسْتِخْدَام مَا وهبه الله من القوى فى نَفسه وَمَا سَخَّرَهُ لَهُ من قوى الْكَوْن الْمُحِيط بِهِ وَمن النَّاس منحرف عَن سنَن الِاعْتِدَال يرى مَالا مثلا فى يَد غَيره فيتذكر لَذَّة ماضيه أَصَابَهَا بِمثل هَذَا المَال ويعظم لَهُ الخيال لَذَّة مثلهَا فى الْمُسْتَقْبل

стр. 39

وَلَا يزَال يعظم فى تِلْكَ اللَّذَّة والتمتع بهَا حَتَّى يَقع ظلّ الخيال على طَرِيق الْفِكر فَيسْتر عَنهُ مَا طَابَ من وُجُوه الْكسْب وَإِنَّمَا يعمد إِلَى اسْتِعْمَال قوته أَو حيلته فى سلب المَال من يَد مَالِكه لينفقه فِيمَا تخيل من الْمَنْفَعَة فَيكون قد عطل بذلك قواه الْمَوْهُوبَة لَهُ وأخل بالأمن الذى أفاضه الله بَين عباده وَسن سنة الاعتداء فَلَا يسهل عَلَيْهِ وَلَا على غَيره الْوُصُول إِلَى الرَّاحَة من أَعمال المقترفين لمثل عمله وخفيف من النّظر فى أَعمال الْبشر يجليها جَمِيعهَا على نَحْو مَا بَينا فى المثالين فلقوة الذاكرة وضعفها وحدة الخيال واعتداله واعوجاج الْفِكر واستقامته أعظم أثر فى التَّمْيِيز بَين النافع والضار فى أشخاص الْأَعْمَال وللأمزجة والأجواء وَمَا يحتف بالشخص من أهل وعشيرة ومعاشرين مدْخل عَظِيم فى التخيل والفكر بل وفى الذّكر فَالنَّاس متفقون على أَن من الْأَعْمَال مَا هُوَ نَافِع وَمِنْهَا مَا هُوَ ضار وَبِعِبَارَة أُخْرَى مِنْهَا مَا هُوَ حسن وَمِنْهَا مَا هُوَ قَبِيح وَمن عقلائهم وَأهل النّظر الصَّحِيح والمزاج المعتدل مِنْهُم من يُمكنهُ إِصَابَة وَجه الْحق فى معرفَة ذَلِك ومتفقون كَذَلِك على أَن الْحسن مَا كَانَ أدوم فَائِدَة وَإِن كَانَ مؤلما فى الْحَال وَأَن الْقَبِيح مَا جر إِلَى فَسَاد فى النظام الْخَاص بالشخص أَو الشَّامِل لَهُ وَلمن يتَّصل بِهِ وَإِن عظمت لذته الْحَاضِرَة وَلَكنهُمْ يَخْتَلِفُونَ فى النّظر إِلَى كل عمل بِعَيْنِه اخْتلَافهمْ فى أمزجتهم وسحنهم ومناشئهم وَجَمِيع مَا يكتنف بهم فَلذَلِك ضربوا إِلَى الشَّرّ فى كل وَجه وكل يظنّ أَنه إِنَّمَا يطْلب نَافِعًا ويتقى ضارا فالعقل الْبُشْرَى وَحده لَيْسَ فى استطاعته أَن يبلغ بِصَاحِبِهِ مَا فِيهِ سعادته فى هَذِه الْحَيَاة اللَّهُمَّ إِلَّا فى قَلِيل مِمَّن لم يعرفهُمْ الزَّمن فان كَانَ لَهُم من الشَّأْن الْعَظِيم مَا بِهِ عرفهم أَشَارَ إِلَيْهِم الدَّهْر بأصابع الأجيال وَقد سبقت الْإِشَارَة إِلَيْهِم فِيمَا مر وَلَيْسَت عقول النَّاس سَوَاء فى معرفَة الله تَعَالَى وَلَا فى معرفَة حَيَاة بعد هَذِه الْحَيَاة فهم وَإِن اتَّفقُوا فى الخضوع لقُوَّة أسمى من قواهم وَشعر معظمهم بِيَوْم بعد هَذَا الْيَوْم وَلَكِن أفسدت الوثنية عُقُولهمْ وانحرفت بهَا عَن مَسْلَك السَّعَادَة فَلَيْسَ فى سَعَة الْعقل الإنسانى فى الْأَفْرَاد كَافَّة أَن يعرف من الله مَا يجب أَن

стр. 40

يعرف وَلَا أَن يفهم من الْحَيَاة الْآخِرَة مَا ينبغى أَن يفهم وَلَا أَن يُقرر لكل نوع من الْأَعْمَال جزاءه فى تِلْكَ الدَّار الْآخِرَة وَإِنَّمَا قد تيَسّر ذَلِك لقَلِيل مِمَّن اختصه الله بِكَمَال الْعقل وَنور البصيرة وَإِن لم ينل شرف الِاقْتِدَاء بهدى نبوى وَلَو بلغه لَكَانَ أسْرع النَّاس إِلَى اتِّبَاعه وَهَؤُلَاء رُبمَا يصلونَ بأفكارهم إِلَى الْعرْفَان من وَجه غير مَا يَلِيق فى الْحَقِيقَة أَن ينظر مِنْهُ إِلَى الْجلَال الإلهي ثمَّ من أَحْوَال الْحَيَاة الْأُخْرَى مَالا يُمكن لعقل بشرى أَن يصل إِلَيْهِ وَحده وَهُوَ تَفْصِيل اللذائذ والآلام وطرق المحاسبة على الْأَعْمَال وَلَو بِوَجْه مَا وَمن الْأَعْمَال مَالا يُمكن أَن يعرف وَجه الْفَائِدَة فِيهِ لَا فى هَذِه الْحَيَاة وَلَا فِيمَا بعْدهَا كصور الْعِبَادَات كَمَا يرى فى أعداد الرَّكْعَات وَبَعض الْأَعْمَال فِي الْحَج فى الدّيانَة الإسلامية وكبعض الاحتفالات فى الدّيانَة الموسوية وضروب التوسل والزهادة فى الدّيانَة العيسوية كل ذَلِك مِمَّا لَا يُمكن لِلْعَقْلِ الْبُشْرَى أَن يسْتَقلّ بِمَعْرِِفَة وَجه الْفَائِدَة فِيهِ وَيعلم الله أَن فِيهِ سعادته لهَذَا كُله كَانَ الْعقل الإنسانى مُحْتَاجا فى قيادة القوى الإدراكية والبدنية إِلَى مَا هُوَ خير لَهُ فى الحياتين إِلَى معِين يَسْتَعِين بِهِ فى تَحْدِيد أَحْكَام الْأَعْمَال وَتَعْيِين الْوَجْه فى الِاعْتِقَاد بِصِفَات الألوهية وَمَعْرِفَة مَا ينبغى أَن يعرف من أَحْوَال الْآخِرَة وَبِالْجُمْلَةِ فى وَسَائِل السَّعَادَة فى الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَلَا يكون لهَذَا الْمعِين سُلْطَان على نَفسه حَتَّى يكون من بنى جنسه ليفهم مِنْهُ أَو عَنهُ مَا يَقُول وَحَتَّى يكون ممتازا على سَائِر الْأَفْرَاد بِأَمْر فائق على مَا عرف فى الْعَادة وَمَا عرف فى سنة الخليقة وَيكون بذلك مبرهنا على أَنه يتَكَلَّم عَن الله الذى يعلم مصَالح الْعباد على مَا هى عَلَيْهِ وَيعلم صِفَاته الكمالية وَمَا ينبغى أَن يعرف مِنْهَا والحياة الْآخِرَة وَمَا أعد فِيهَا فَيكون الْفَهم عَنهُ والثقة بِأَنَّهُ يتَكَلَّم عَن الْعَلِيم الْخَبِير معينا لِلْعَقْلِ على ضبط مَا تشَتت عَلَيْهِ أَو دَرك مَا ضعف عَن إِدْرَاكه وَذَلِكَ الْمعِين هُوَ النبى ﷺ النُّبُوَّة تحدد مَا ينبغى أَن يلحظ فى جَانب وَاجِب الْوُجُود من الصِّفَات وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْبشر كَافَّة من ذَلِك وتشير إِلَى خاصتهم بِمَا يُمكن لَهُم أَن يفضلوا
следующие страницы →