← Акыда

Акыда · id 6392

التوحيد لمحمد عبده

محمد عبده

Полный текст (106 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

سَبِيل ذَلِك كَأَنَّهُ يرى فى بذل هَذِه الْحَيَاة أمنا على حَيَاة أُخْرَى تشعر بهَا نَفسه وَإِن لم يحددها عقله وَمِنْه معاناة التَّعَب فى كشف مَا عمى عَن علمه من حقائق الْكَوْن كَأَنَّهُ لَا يرى الْمَشَقَّة فِي ذَلِك شَيْئا بِالْقِيَاسِ إِلَى مَا يحصل من لَذَّة الاطمئنان على الْحق بِقدر مَاله من الِاسْتِطَاعَة وعد من اللذيذ المستقبح مد الْيَد إِلَى مَا كَسبه الْغَيْر بسعيه واستشفاء ألم الحقد بِإِتْلَاف نفس المحقود عَلَيْهِ أَو مَاله لما فى ذَلِك من جلب المخافة الْعَامَّة حَتَّى على ذَات المتعدى ويمكنك من نَفسك استحضار مَا يتبع الْوَفَاء بالعهود والعقود والغدر فِيهَا كل هَذَا عرفه الْعقل الْبُشْرَى وَفرق فِيهِ بَين الضار والنافع وسمى الأول فعل الشَّرّ والثانى عمل الْخَيْر وَهَذَا التَّفْرِيق هُوَ منبت التَّمْيِيز بَين الْفَضِيلَة والرذيلة وَقد حددهما النّظر الفكرى على تفَاوت فى الْإِجْمَال وَالتَّفْصِيل للتفاوت فى دَرَجَات عقول الناظرين وناط بهما سَعَادَة الْإِنْسَان وشقاءه فى هَذِه الْحَيَاة كَمَا ربط بهما نظام الْعمرَان الْبُشْرَى وفساده وَعزة الْأُمَم وذلتها وضعفها وقوتها وَإِن كَانَ المحددون لذَلِك والآخذون فِيهِ بحظ من الصَّوَاب هم الْعدَد الْقَلِيل من عقلاء الْبشر كل هَذَا من الأوليات الْعَقْلِيَّة لم يخْتَلف فِيهِ ملى وَلَا فيلسوف فللأعمال الاختيارية حسن وقبح فى نَفسهَا أَو بِاعْتِبَار أَثَرهَا فى الْخَاصَّة أَو فى الْعَامَّة والحس أَو الْعقل قَادر على تَمْيِيز مَا حسن مِنْهَا وَمَا قبح بالمعانى السَّابِقَة بِدُونِ توقف على سمع وَالشَّاهِد على ذَلِك مَا نرَاهُ فى بعض أَصْنَاف الْحَيَوَان وَمَا نشهده فى أفاعيل الصّبيان قبل تعقل مَا معنى الشَّرْع وَمَا وصل إِلَيْنَا من تَارِيخ الْإِنْسَان وَمَا عرف عَنهُ فى جاهليته وَمِمَّا يحسن ذكره هُنَا مَا شَاهده بعض الناظرين فى أَحْوَال النَّمْل قَالَ كَانَت جمَاعَة من النَّمْل تشتغل فى بَيت لَهَا فَجَاءَت نملة كَأَنَّهَا الْقَائِمَة بمراقبة الْعَمَل فرأت المشتغلات قد وضعت السّقف على أقل من الِارْتفَاع الْمُنَاسب فَأمرت بهدمه

стр. 37

فهدم وَرفع الْبُنيان إِلَى الْحَد الْمُوَافق وَوضع السّقف على أرفع مِمَّا كَانَ وَذَلِكَ من أنقاض السّقف الْقَدِيم وَهَذَا هُوَ التَّمْيِيز بَين الضار والنافع فَمن زعم أَن لَا حسن وَلَا قبح فى الْأَعْمَال على الْإِطْلَاق فقد سلب نَفسه الْعقل بل عدهَا أَشد حمقا من النَّمْل سبق لنا أَن وَاجِب الْوُجُود وَصِفَاته الكمالية تعرف بِالْعقلِ فَإِذا وصل مستدل ببرهان إِلَى إِثْبَات الْوَاجِب وَصِفَاته الْغَيْر السمعية وَلم تبلغه بذلك رِسَالَة كَمَا حصل لبَعض أَقوام من الْبشر ثمَّ انْتقل من النّظر فى ذَلِك وفى أطوار نَفسه إِلَى أَن مبدأ الْعقل فى الْإِنْسَان يبْقى بعد مَوته كَمَا وَقع لقوم آخَرين ثمَّ انْتقل من هَذَا مخطئا أَو مصيبا إِلَى أَن بَقَاء النَّفس البشرية بعد الْمَوْت يستدعى سَعَادَة لَهَا فِيهِ أَو شقاء ثمَّ قَالَ إِن سعادتها إِنَّمَا تكون بِمَعْرِِفَة الله وبالفضائل وَإِنَّهَا إِنَّمَا تسْقط فى الشَّقَاء بِالْجَهْلِ بِاللَّه وبارتكاب الرذائل وَبنى على ذَلِك أَن من الْأَعْمَال مَا هُوَ نَافِع للنَّفس بعد الْمَوْت بتحصيل السَّعَادَة وَمِنْهَا مَا هُوَ ضار لَهَا بعده بإيقاعها فى الشَّقَاء فأى مَانع عقلى أَو شرعى يحظر عَلَيْهِ أَن يَقُول بعد ذَلِك بِحكم عقله إِن معرفَة الله وَاجِبَة وَإِن جَمِيع الْفَضَائِل وَمَا يتبعهَا من الْأَعْمَال مَفْرُوضَة وَأَن الرذائل وَمَا يكون عَنْهَا محظورة وَأَن يضع لذَلِك مَا يَشَاء من القوانين ليدعو بَقِيَّة الْبشر إِلَى الإعتقاد بِمثل مَا يعْتَقد وَإِلَى أَن يَأْخُذ من الْأَعْمَال بِمثل مَا أَخذ بِهِ حَيْثُ لم يُوجد شرع يُعَارضهُ أما أَن يكون ذَلِك حَالا لعامة النَّاس يعلمُونَ بعقولهم أَن معرفَة الله وَاجِبَة وَأَن الْفَضَائِل منَاط السَّعَادَة فى الْحَيَاة الْأُخْرَى والرذائل مدَار الشَّقَاء فِيهَا فمما لَا يَسْتَطِيع عَاقل أَن يَقُول بِهِ والمشهود من حَال الْأُمَم كَافَّة يضلل الْقَائِل بِهِ فى رَأْيه لَو كَانَت حاجات الْإِنْسَان ومخاوفه محدودة كَمَا هِيَ حاجات فيل أَو أَسد مثلا وَكَانَ مَا وهب لَهُ من الْفِكر وَاقِفًا عِنْد حد مَا إِلَيْهِ الْحَاجة لاهتدى إِلَى الْمَنَافِع واتقاء المضار على وَجه لَا يخْتَلف فِيهِ أَفْرَاده واسعدت حَيَاته وتخلص كل من شَرّ الآخر وَنَجَا بَقِيَّة الْحَيَوَانَات من غائلة الْجَمِيع

стр. 38

لَكِن قضى عَلَيْهِ حكم نَوعه بِأَن لَا يكون لِحَاجَتِهِ حد وَلَا تخْتَص معيشته بجو من الأجواء وَلَا بِوَضْع من الأوضاع وَأَن يُوهب من القوى المدركة مَا يَكْفِيهِ اسْتِعْمَاله فى سد عوزه وتوفير لذاته فى أَي إقليم وعَلى أَي حَال وَأَن يخْتَلف ظُهُور هَذِه المدارك فى أطوارها وآثارها باخْتلَاف أصنافه وشعوبه وأشخاصه اخْتِلَافا لَا تنتهى درجاته وَلَوْلَا هَذَا لما اخْتلف عَن بَقِيَّة الْحَيَوَانَات إِلَّا باستقامة الْقَامَة وَعرض الْأَظْفَار وهب الله الْإِنْسَان أَو سلط عَلَيْهِ ثَلَاث قوى لم يساوه فِيهَا حَيَوَان الذاكرة والمخيلة والمفكرة فالمذكرة تثير من صور الماضى مَا ستره الِاشْتِغَال بالحاضر فتستحضر من صور المرغوبات والمكروهات مَا تنبه إِلَيْهِ الْأَشْبَاه أَو الأضداد الْحَاضِرَة فقد يذكر الشىء بشبهه وَقد يذكرهُ بضده كَمَا هُوَ بديهى والخيال يجسم من الْمَذْكُور وَمَا يُحِيط بِهِ من الْأَحْوَال حَتَّى يصير كَأَنَّهُ شَاهد ثمَّ ينشىء لَهُ مِثَال لَذَّة أَو ألم فِي الْمُسْتَقْبل يحاكى مَا ذهب بِهِ الماضى ويهمز للنَّفس فى طلبه أَو الْهَرَب مِنْهُ فتلجأ إِلَى الْفِكر فى تَدْبِير الْوَسِيلَة إِلَيْهِ على هَذِه القوى الثَّلَاث مستوى سَعَادَة الْإِنْسَان وَمِنْهَا ينبوع بلائه فَمن النَّاس معتدل الذّكر هادىء الخيال صَحِيح الْفِكر ينظر مثلا فى حَال مُسْرِف أنْفق مَاله فى غير نَافِع وَضَاقَتْ يَده عَمَّا يُقيم معيشته فيذكر ألما لحَاجَة مَضَت ثمَّ يتخيل المَال ومنافعه وَمَا تتمتع بِهِ النَّفس من اللَّذَّة بِهِ سَوَاء فى سد حاجاته أَو فى دفع الْأَلَم الذى يحدثه مشْهد الْفَاقَة فى غَيره بِإِعْطَاء الْمُضْطَر مَا يذهب بضرورته ثمَّ يتخيل ذَلِك المَال آتِيَا من وجوهه الَّتِى لَا يتَعَلَّق بهَا حق من حُقُوق غَيره وَعند ذَلِك يُوَجه فكره لطلب الْوَسِيلَة إِلَيْهِ من تِلْكَ الْوُجُوه بِالْعَمَلِ القويم فى اسْتِخْدَام مَا وهبه الله من القوى فى نَفسه وَمَا سَخَّرَهُ لَهُ من قوى الْكَوْن الْمُحِيط بِهِ وَمن النَّاس منحرف عَن سنَن الِاعْتِدَال يرى مَالا مثلا فى يَد غَيره فيتذكر لَذَّة ماضيه أَصَابَهَا بِمثل هَذَا المَال ويعظم لَهُ الخيال لَذَّة مثلهَا فى الْمُسْتَقْبل

стр. 39

وَلَا يزَال يعظم فى تِلْكَ اللَّذَّة والتمتع بهَا حَتَّى يَقع ظلّ الخيال على طَرِيق الْفِكر فَيسْتر عَنهُ مَا طَابَ من وُجُوه الْكسْب وَإِنَّمَا يعمد إِلَى اسْتِعْمَال قوته أَو حيلته فى سلب المَال من يَد مَالِكه لينفقه فِيمَا تخيل من الْمَنْفَعَة فَيكون قد عطل بذلك قواه الْمَوْهُوبَة لَهُ وأخل بالأمن الذى أفاضه الله بَين عباده وَسن سنة الاعتداء فَلَا يسهل عَلَيْهِ وَلَا على غَيره الْوُصُول إِلَى الرَّاحَة من أَعمال المقترفين لمثل عمله وخفيف من النّظر فى أَعمال الْبشر يجليها جَمِيعهَا على نَحْو مَا بَينا فى المثالين فلقوة الذاكرة وضعفها وحدة الخيال واعتداله واعوجاج الْفِكر واستقامته أعظم أثر فى التَّمْيِيز بَين النافع والضار فى أشخاص الْأَعْمَال وللأمزجة والأجواء وَمَا يحتف بالشخص من أهل وعشيرة ومعاشرين مدْخل عَظِيم فى التخيل والفكر بل وفى الذّكر فَالنَّاس متفقون على أَن من الْأَعْمَال مَا هُوَ نَافِع وَمِنْهَا مَا هُوَ ضار وَبِعِبَارَة أُخْرَى مِنْهَا مَا هُوَ حسن وَمِنْهَا مَا هُوَ قَبِيح وَمن عقلائهم وَأهل النّظر الصَّحِيح والمزاج المعتدل مِنْهُم من يُمكنهُ إِصَابَة وَجه الْحق فى معرفَة ذَلِك ومتفقون كَذَلِك على أَن الْحسن مَا كَانَ أدوم فَائِدَة وَإِن كَانَ مؤلما فى الْحَال وَأَن الْقَبِيح مَا جر إِلَى فَسَاد فى النظام الْخَاص بالشخص أَو الشَّامِل لَهُ وَلمن يتَّصل بِهِ وَإِن عظمت لذته الْحَاضِرَة وَلَكنهُمْ يَخْتَلِفُونَ فى النّظر إِلَى كل عمل بِعَيْنِه اخْتلَافهمْ فى أمزجتهم وسحنهم ومناشئهم وَجَمِيع مَا يكتنف بهم فَلذَلِك ضربوا إِلَى الشَّرّ فى كل وَجه وكل يظنّ أَنه إِنَّمَا يطْلب نَافِعًا ويتقى ضارا فالعقل الْبُشْرَى وَحده لَيْسَ فى استطاعته أَن يبلغ بِصَاحِبِهِ مَا فِيهِ سعادته فى هَذِه الْحَيَاة اللَّهُمَّ إِلَّا فى قَلِيل مِمَّن لم يعرفهُمْ الزَّمن فان كَانَ لَهُم من الشَّأْن الْعَظِيم مَا بِهِ عرفهم أَشَارَ إِلَيْهِم الدَّهْر بأصابع الأجيال وَقد سبقت الْإِشَارَة إِلَيْهِم فِيمَا مر وَلَيْسَت عقول النَّاس سَوَاء فى معرفَة الله تَعَالَى وَلَا فى معرفَة حَيَاة بعد هَذِه الْحَيَاة فهم وَإِن اتَّفقُوا فى الخضوع لقُوَّة أسمى من قواهم وَشعر معظمهم بِيَوْم بعد هَذَا الْيَوْم وَلَكِن أفسدت الوثنية عُقُولهمْ وانحرفت بهَا عَن مَسْلَك السَّعَادَة فَلَيْسَ فى سَعَة الْعقل الإنسانى فى الْأَفْرَاد كَافَّة أَن يعرف من الله مَا يجب أَن

стр. 40

يعرف وَلَا أَن يفهم من الْحَيَاة الْآخِرَة مَا ينبغى أَن يفهم وَلَا أَن يُقرر لكل نوع من الْأَعْمَال جزاءه فى تِلْكَ الدَّار الْآخِرَة وَإِنَّمَا قد تيَسّر ذَلِك لقَلِيل مِمَّن اختصه الله بِكَمَال الْعقل وَنور البصيرة وَإِن لم ينل شرف الِاقْتِدَاء بهدى نبوى وَلَو بلغه لَكَانَ أسْرع النَّاس إِلَى اتِّبَاعه وَهَؤُلَاء رُبمَا يصلونَ بأفكارهم إِلَى الْعرْفَان من وَجه غير مَا يَلِيق فى الْحَقِيقَة أَن ينظر مِنْهُ إِلَى الْجلَال الإلهي ثمَّ من أَحْوَال الْحَيَاة الْأُخْرَى مَالا يُمكن لعقل بشرى أَن يصل إِلَيْهِ وَحده وَهُوَ تَفْصِيل اللذائذ والآلام وطرق المحاسبة على الْأَعْمَال وَلَو بِوَجْه مَا وَمن الْأَعْمَال مَالا يُمكن أَن يعرف وَجه الْفَائِدَة فِيهِ لَا فى هَذِه الْحَيَاة وَلَا فِيمَا بعْدهَا كصور الْعِبَادَات كَمَا يرى فى أعداد الرَّكْعَات وَبَعض الْأَعْمَال فِي الْحَج فى الدّيانَة الإسلامية وكبعض الاحتفالات فى الدّيانَة الموسوية وضروب التوسل والزهادة فى الدّيانَة العيسوية كل ذَلِك مِمَّا لَا يُمكن لِلْعَقْلِ الْبُشْرَى أَن يسْتَقلّ بِمَعْرِِفَة وَجه الْفَائِدَة فِيهِ وَيعلم الله أَن فِيهِ سعادته لهَذَا كُله كَانَ الْعقل الإنسانى مُحْتَاجا فى قيادة القوى الإدراكية والبدنية إِلَى مَا هُوَ خير لَهُ فى الحياتين إِلَى معِين يَسْتَعِين بِهِ فى تَحْدِيد أَحْكَام الْأَعْمَال وَتَعْيِين الْوَجْه فى الِاعْتِقَاد بِصِفَات الألوهية وَمَعْرِفَة مَا ينبغى أَن يعرف من أَحْوَال الْآخِرَة وَبِالْجُمْلَةِ فى وَسَائِل السَّعَادَة فى الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَلَا يكون لهَذَا الْمعِين سُلْطَان على نَفسه حَتَّى يكون من بنى جنسه ليفهم مِنْهُ أَو عَنهُ مَا يَقُول وَحَتَّى يكون ممتازا على سَائِر الْأَفْرَاد بِأَمْر فائق على مَا عرف فى الْعَادة وَمَا عرف فى سنة الخليقة وَيكون بذلك مبرهنا على أَنه يتَكَلَّم عَن الله الذى يعلم مصَالح الْعباد على مَا هى عَلَيْهِ وَيعلم صِفَاته الكمالية وَمَا ينبغى أَن يعرف مِنْهَا والحياة الْآخِرَة وَمَا أعد فِيهَا فَيكون الْفَهم عَنهُ والثقة بِأَنَّهُ يتَكَلَّم عَن الْعَلِيم الْخَبِير معينا لِلْعَقْلِ على ضبط مَا تشَتت عَلَيْهِ أَو دَرك مَا ضعف عَن إِدْرَاكه وَذَلِكَ الْمعِين هُوَ النبى ﷺ النُّبُوَّة تحدد مَا ينبغى أَن يلحظ فى جَانب وَاجِب الْوُجُود من الصِّفَات وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْبشر كَافَّة من ذَلِك وتشير إِلَى خاصتهم بِمَا يُمكن لَهُم أَن يفضلوا

стр. 41

بِهِ غَيرهم فى مقامات عرفانهم لَكِنَّهَا لَا تحتم إِلَّا مَا فِيهِ الْكِفَايَة للعامة فَجَاءَت النبوات مُطَالبَة بالاعتقاد بِوُجُود الله وبوحدانيته وبالصفات الَّتِى أثبتناها على الْوَجْه الذى بَيناهُ وأرشدت إِلَى طرق الِاسْتِدْلَال على ذَلِك فوجوب الْمعرفَة على هَذَا الْوَجْه الْمَخْصُوص وَحسن الْمعرفَة وحظر الْجَهَالَة أَو الْجُحُود بشىء مِمَّا أوجبه الشَّرْع فى ذَلِك وقبحه مِمَّا لَا يعرف إِلَّا من طَرِيق الشَّرْع معرفَة تطمئِن بهَا النَّفس وَلَو اسْتَقل عقل بشرى بذلك لم يكن على الطَّرِيق الْمَطْلُوب من الْجَزْم وَالْيَقِين والاقتناع الذى هُوَ عماد الطُّمَأْنِينَة فان زيد على ذَلِك أَن الْعرْفَان على مَا بَينه الشَّرْع يسْتَحق المثوبة الْمعينَة فِيهِ وضده يسْتَحق الْعقُوبَة الَّتِى نَص عَلَيْهَا كَانَت طَرِيق معرفَة الْوُجُوب شَرْعِيَّة مَحْضَة غير أَن ذَلِك لَا ينافى أَن معرفَة الله على هَذِه الصّفة حَسَنَة فى نَفسهَا وَإِنَّمَا جَاءَ الشَّرْع مُبينًا للْوَاقِع فَهُوَ لَيْسَ مُحدث الْحسن ونصوصه تؤيد ذَلِك وأذكر مِثَالا من كثير قَالَ تَعَالَى على لِسَان يُوسُف أأرباب متفرقون خير أم الْوَاحِد القهار يُشِير بذلك اشارة وَاضِحَة إِلَى أَن تفرق الْآلهَة يفرق بَين الْبشر فى وجهة قُلُوبهم إِلَى أعظم سُلْطَان يتخذونه فَوق قوتهم وَهُوَ يذهب بِكُل فريق إِلَى التعصب لما وَجه قلبه إِلَيْهِ وفى ذَلِك فَسَاد نظامهم كَمَا لَا يخفى أما اعْتِقَاد جَمِيعهم بإله وَاحِد فَهُوَ تَوْحِيد لمنازع نُفُوسهم إِلَى سُلْطَان وَاحِد يخضع الْجَمِيع لحكمه وفى ذَلِك نظام أخوتهم وهى قَاعِدَة سعاتهم وإليها مآلهم فِيمَا أعتقد وَإِن طَال الزَّمن فَكَمَا جَاءَ الشَّرْع مطالبا بالاعتقاد جَاءَ هاديا لوجه الْحسن فِيهِ النُّبُوَّة تحدد أَنْوَاع الْأَعْمَال الَّتِى تناط بهَا سَعَادَة الْإِنْسَان فى الدَّاريْنِ وتطالبه عَن الله بِالْوُقُوفِ عِنْد الْحُدُود الَّتِى حددتها وَكَثِيرًا مَا تبين لَهُ مَعَ ذَلِك وُجُوه الْحسن أَو الْقبْح فِيمَا أَمر بِهِ أَو نهى عَنهُ فوجوب عمل من الْمَأْمُور بِهِ أَو النّدب إِلَيْهِ وحظر عمل كَرَاهَته من المنهى عَنهُ الذى على الْوَجْه الذى حددته الشَّرِيعَة وعَلى أَنه مثاب عَلَيْهِ بِأَجْر كَذَا ومجازى عَلَيْهِ بعقوبة كَذَا مِمَّا لَا يسْتَقلّ الْعقل بمعرفته بل طَريقَة مَعْرفَته شَرْعِيَّة وَهُوَ لَا ينافى أَيْضا أَن يكون الْمَأْمُور بِهِ حسنا فى ذَاته بِمَعْنى أَنه مِمَّا يُؤدى إِلَى مَنْفَعَة دنيوية أَو أخروية بِاعْتِبَار أَثَره فى أَحْوَال

стр. 42

الْمَعيشَة أَو فى صِحَة الْبدن أَو فى حفظ النَّفس أَو المَال أَو الْعرض أَو فى زِيَادَة تعلق الْقلب بِاللَّه جلّ شَأْنه كَمَا هُوَ مفصل فى الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وَقد يكون من الْأَعْمَال الشَّرْعِيَّة وَقد يكون من الْأَعْمَال مَالا يُمكن دَرك حسنه وَمن المنهيات مَالا يعرف وَجه قبحه وَهَذَا النَّوْع لَا حسن لَهُ إِلَّا الْأَمر وَلَا قبح إِلَّا النهى وَالله أعلم الرسَالَة الْعَامَّة نُرِيد من الرسَالَة الْعَامَّة بعثة الرُّسُل لتبليغ شىء من العقائد وَالْأَحْكَام عَن الله خَالق الْإِنْسَان وموفيه مَالا غنى لَهُ عَنهُ كَمَا وفى غَيره من الكائنات سداد حاجاتها ووفاء وجودهَا على الْقدر الذى حدد لَهَا فى رُتْبَة نوعها من الْوُجُود وَالْكَلَام فى هَذَا الْبَحْث من وَجْهَيْن الأول وَهُوَ أيسرهما على الْمُتَكَلّم وَجه أَن الِاعْتِقَاد ببعثة الرُّسُل ركن من أَرْكَان الْإِيمَان فَيجب على كل مُؤمن ومؤمنة أَن يعْتَقد بِأَن الله أرسل رسلًا من الْبشر مبشرين بثوابه ومنذرين بعقابه قَامُوا بتبليغ أممهم مَا أَمرهم بتبليغه من تَنْزِيه لذاته وتبيين لسلطانه القاهر على عباده وتفصيل لأحكامه فى فَضَائِل أَعمال وصفات يطالبهم بهَا وفى مثالب الْأَفْعَال وخلائق ينهاهم عَنْهَا وَأَن يعْتَقد بِوُجُوب تصديقهم فى أَنهم يبلغون ذَلِك عَن الله وَوُجُوب الِاقْتِدَاء بهم فى سيرهم والائتمار بِمَا أمروا بِهِ والكف عَمَّا نهواعنه وَأَن يعْتَقد بِأَن مِنْهُم من أنزل الله عَلَيْهِ كتبا تشْتَمل على مَا أَرَادَ أَن يبلغوه من الْخَبَر عَنهُ وَمن الْحُدُود وَالْأَحْكَام الَّتِى علم الْخَيْر لِعِبَادِهِ فى الْوُقُوف عِنْدهَا وَأَن هَذِه الْكتب الَّتِى أنزلت عَلَيْهِم حق وَأَن يُؤمن بِأَنَّهُم مؤيدون من الْعِنَايَة الإلهية بِمَا لَا يعْهَد للعقول وَلَا للاستطاعة البشرية وَأَن هَذَا الْأَمر الْفَائِق لمعروف للبشر هُوَ المعجزة الدَّالَّة على صدق النبى فى دَعْوَاهُ فَمَتَى ادّعى الرَّسُول النُّبُوَّة وَاسْتدلَّ عَلَيْهَا بالمعجزة وَجب التَّصْدِيق برسالته وَمن لَوَازِم ذَلِك بِالضَّرُورَةِ وجوب الِاعْتِقَاد بعلو فطرتهم وَصِحَّة عُقُولهمْ وَصدقهمْ فى أَقْوَالهم وأمانتهم فى تَبْلِيغ مَا عهد اليهم أَن يبلغوه وعصمتهم

стр. 43

من كل مَا يشوه السِّيرَة البشرية وسلامة أبدانهم مِمَّا تنبوا عَنهُ الابصار وتنفر مِنْهُ الأذواق السليمة وَأَنَّهُمْ منزهون عَمَّا يضاد شَيْئا من هَذِه الصِّفَات الْمُتَقَدّمَة وَأَن أَرْوَاحهم ممدودة من الْجلَال الإلهى بِمَا لَا يُمكن مَعَه لنَفس إنسانية أَن تسطو عَلَيْهَا سطوة روحانية اما فِيمَا عدا ذَلِك فهم بشر يعتريهم مَا يعترى سَائِر أَفْرَاده يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ وينامون ويسهون وينسون فِيمَا لَا علاقَة لَهُ بتبليغ الْأَحْكَام ويمرضون وتمتد إِلَيْهِم أيدى الظلمَة وينالهم الاضطهاد وَقد يقتلُون المعجزة لَيست من نوع المستحيل عقلا فَإِن مُخَالفَة السّير الطبيعى الْمَعْرُوف فى الإيجاد مِمَّا لم يقم دَلِيل على استحالته بل ذَلِك مِمَّا يَقع كَمَا يُشَاهد فى حَال الْمَرِيض يمْتَنع عَن الْأكل مُدَّة لَو لم يَأْكُل فِيهَا وَهُوَ صَحِيح لمات مَعَ وجود الْعلَّة الَّتِى تزيد الضعْف وتساعد الْجُوع على الْإِتْلَاف فَإِن قيل إِن ذَلِك لَا بُد أَن يكون تَابعا لناموس آخر طبيعى قُلْنَا إِن وَاضع الناموس هُوَ موجد الكائنات فَلَيْسَ من الْمحَال عَلَيْهِ أَن يضع نواميس خَاصَّة بخوارق الْعَادَات غَايَة مَا فى الْأَمر أننا لَا نعرفها وَلَكنَّا نرى أَثَرهَا على يَد من اختصه الله بِفضل من عِنْده على أننا بعد الِاعْتِقَاد بِأَن صانع الْكَوْن قَادر مُخْتَار يسهل علينا الْعلم بِأَنَّهُ لَا يمْتَنع عَلَيْهِ أَن يحدث الْحَادِث على أى هَيْئَة وتابعا لأى سَبَب إِذا سبق فى علمه أَنه يحدثه كَذَلِك المعجزة لَا بُد أَن تكون مقرونة بالتحدى عِنْد دَعْوَى النُّبُوَّة وظهورها من الْبَرَاهِين المثبتة لنبوة من ظَهرت على يَده لِأَن النبى يسْتَند إِلَيْهَا فى دَعْوَاهُ أَنه مبلغ عَن الله فاصدار الله لَهَا عِنْد ذَلِك يعد تأييدا مِنْهُ لَهُ فِي تِلْكَ الدَّعْوَى وَمن الْمحَال على الله أَن يُؤَيّد الْكَاذِب فَإِن تأييد الْكَاذِب تَصْدِيق لَهُ وَتصدق الْكَاذِب كذب وَهُوَ محَال على الله فَمَتَى ظَهرت المعجزة وهى مِمَّا لَا يقدر عَلَيْهِ الْبشر وقارن ظُهُورهَا دَعْوَى النُّبُوَّة علم بِالضَّرُورَةِ أَن الله مَا أظهرها إِلَّا تَصْدِيقًا لمن ظَهرت على يَده وَإِن كَانَ هَذَا الْعلم قد يقارنه الانكار مُكَابَرَة وَأما السحر وَأَمْثَاله فَإِن سلم أَن مظاهره فائقة عَن آثَار الْأَجْسَام والجسمانيات فهى لَا تعلو عَن متناول القوى الممكنة فَلَا يُقَارب المعجزة فى شىء

стр. 44

أما وجوب تِلْكَ الصِّفَات الْمُتَقَدّمَة للأنبياء فلأنهم لَو انحطت فطرهم عَن فطر أهل زمانهم أَو تضاءلت أَرْوَاحهم لسلطان نفوس أخر أَو مس عُقُولهمْ شىء من الضعْف لما كَانُوا أَهلا لهَذَا الِاخْتِصَاص الإلهى الذى يفوق كل اخْتِصَاص اختصاصهم يوحيه والكشف لَهُم عَن أسرار علمه وَلَو لم تسلم أبدانهم عَن المنفرات لَكَانَ انزعاج النَّفس لمرآهم حجَّة للْمُنكر فى إِنْكَار دَعوَاهُم وَلَو كذبُوا أَو خانوا أَو قبحت سيرتهم لضعفت الثِّقَة بهم ولكانوا مضلين لَا مرشدين فتذهب الْحِكْمَة من بعثتهم وَالْأَمر كَذَلِك لَو أدركهم السَّهْو أَو النسْيَان فِيمَا عهد إِلَيْهِم تبليغه من العقائد وَالْأَحْكَام أما وُقُوع الْخَطَأ مِنْهُم فِيمَا لَيْسَ من الحَدِيث عَن الله ولاله مدْخل فى التشريع فجوزه بَعضهم وَالْجُمْهُور على خِلَافه وَمَا ورد من مثل أَن النبى ﷺ نهى عَن تأبير النّخل ثمَّ أَبَاحَهُ لظُهُور أَثَره فى الإثمار فَإِنَّمَا فعله ﵊ ليعلم النَّاس أَن مَا يتخذونه من وَسَائِل الْكسْب وطرق الصناعات فَهُوَ موكول لمعارفهم وتجاربهم وَلَا حظر عَلَيْهِم فِيهِ مَا دَامَت الشَّرَائِع مرعية والفضائل محمية وَمَا حَكَاهُ الله من قصَّة آدم وعصيانه بِالْأَكْلِ من الشَّجَرَة فمهما خفى فِيهِ سر النهى عَن الْأكل والمؤاخذة عَلَيْهِ وَغَايَة مَا علمناه من حكمته أَنه كَانَ سَببا لعمارة الأَرْض ببنى آدم كَأَن النهى وَالْأكل رمزان إِلَى طورين من أطوار آدم ﵇ أَو مظهران من مظَاهر النَّوْع الإنسانى فى الْوُجُود وَالله أعلم وَمن الْعسر إِقَامَة الدَّلِيل العقلى أَو إِصَابَة دَلِيل شرعى يقطع بِمَا ذهب إِلَيْهِ الْجُمْهُور حَاجَة الْبشر إِلَى الرسَالَة سبق لَك فى الْفَصْل السَّابِق مَا يهم الْكَلَام عَلَيْهِ من الْوَجْه الأول وَهُوَ وَجه مَا يجب على الْمُؤمن اعْتِقَاده فى الرُّسُل وَالْكَلَام فى هَذَا الْفَصْل موجه إِن شَاءَ الله إِلَى بَيَان الْحَاجة إِلَيْهِم وَهُوَ معترك الأفهام ومزلة الْإِقْدَام ومزدحم الْكثير من الأفكار والأوهام لسنا بصدد الاتيان بِمَا قَالَ الْأَولونَ وَلَا عرض مَا ذهب إِلَيْهِ الْآخرُونَ وَلَكنَّا نلزم مَا التزمنا فى هَذِه الوريقات من بَيَان المعتقد والذهاب

стр. 45

إِلَيْهِ من أقرب الطّرق من غير نظر إِلَى مَا مَال إِلَيْهِ الْمُخَالف أَو استقام عَلَيْهِ الْمُوَافق اللَّهُمَّ إِلَّا إِشَارَة من طرف خفى أَو إلماعا لَا يسْتَغْنى عَنهُ القَوْل الجلى وللكلام فى بَيَان الْحَاجة إِلَى الرُّسُل مسلكان الأول وَقد سبق الْإِشَارَة إِلَيْهِ يبتدىء من الِاعْتِقَاد بِبَقَاء النَّفس الإنسانية بعد الْمَوْت وَأَن لَهَا حَيَاة أُخْرَى بعد الْحَيَاة الدُّنْيَا تتمتع فِيهَا بنعيم أَو تشقى فِيهَا بِعَذَاب أَلِيم وَأَن السَّعَادَة والشقاء فى تِلْكَ الْحَيَاة الْبَاقِيَة معقودان بأعمال الْمَرْء فى حَيَاته الفانية سَوَاء كَانَت تِلْكَ الْأَعْمَال قلبية كالاعتقادات والمقاصد والارادات أَو بدنية كأنواع الْعِبَادَات والمعاملات اتّفقت كلمة الْبشر مُوَحِّدين ووثنيين مليين وفلاسفة إِلَّا قَلِيلا لَا يُقَام لَهُم وزن على أَن لنَفس الْإِنْسَان بَقَاء تحيا بِهِ بعد مُفَارقَة الْبدن وَأَنَّهَا لَا تَمُوت موت فنَاء وَإِنَّمَا الْمَوْت المحتوم هُوَ ضرب من الْبُطُون والخفاء وَإِن اخْتلفت منازعهم فى تَصْوِير ذَلِك الْبَقَاء وَفِيمَا تكون عَلَيْهِ النَّفس فِيهِ وتباينت مشاربهم فى طرق الِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ فَمن قَائِل بالتناسخ فى اجساد الْبشر أَو الْحَيَوَان على الدَّوَام وَمن ذَاهِب إِلَى أَن التناسخ يَنْتَهِي عِنْدَمَا تبلغ النَّفس أَعلَى مَرَاتِب الْكَمَال وَمِنْهُم من قَالَ إِنَّهَا مَتى فَارَقت الْجَسَد عَادَتْ إِلَى تجردها عَن الْمَادَّة حافظة لما فِيهِ لذتها أَو مَا بِهِ شقوتها وَمِنْهُم من رأى أَنَّهَا تتَعَلَّق بأجسام أثيرية ألطف من هَذِه الْأَجْسَام المرئية وَكَانَ اخْتِلَاف الْمذَاهب فى كنه السَّعَادَة والشقاء الآخرويين وَفِيمَا هُوَ مَتَاع الْحَيَاة الْآخِرَة وفى الْوَسَائِل الَّتِى تعد للنعيم أَو تبعد عَن النكال الدَّائِم وتضارب آراء الْأُمَم فِيهِ قَدِيما وحديثا مِمَّا لَا تكَاد تحصى وجوهه هَذَا الشُّعُور الْعَام بحياة بعد هَذِه الْحَيَاة المنبث فى جَمِيع الْأَنْفس عالمها وجاهلها وحشيها ومستأنسها باديها وحاضرها قديمها وحديثها لَا يُمكن أَن يعد ضلة عقلية أَو نَزعَة وهمية وَإِنَّمَا هُوَ الإلهامات الَّتِى اخْتصَّ بهَا هَذَا النَّوْع فَكَمَا ألهم الْإِنْسَان أَن عقله وفكره هما عماد بَقَائِهِ فى هَذِه الْحَيَاة الدُّنْيَا وَإِن شَذَّ أَفْرَاد

стр. 46

مِنْهُ ذَهَبُوا إِلَى أَن الْعقل والفكر ليسَا بكافيين للإرشاد فى عمل مَا أَو إِلَى أَنه لَا يُمكن لِلْعَقْلِ أَن يُوقن باعتقاد وَلَا للفكر أَن يصل إِلَى مَجْهُول بل قَالُوا أَن لَا وجود للْعَالم إِلَّا فى اختراع الخيال وَإِنَّهُم شاكون حَتَّى فى أَنهم شاكون وَلم يطعن شذوذ هَؤُلَاءِ فى صِحَة الإلهام الْعَام الْمشعر لسَائِر أَفْرَاد النَّوْع أَن الْفِكر وَالْعقل هما ركن الْحَيَاة وأس الْبَقَاء إِلَى الْأَجَل الْمَحْدُود كَذَلِك قد ألهمت الْعُقُول وأشعرت النُّفُوس أَن هَذَا الْعُمر الْقصير لَيْسَ هُوَ مُنْتَهى مَا للْإنْسَان فى الْوُجُود بل الْإِنْسَان ينْزع هَذَا الْجَسَد كَمَا ينْزع الثَّوْب عَن الْبدن ثمَّ يكون حَيا بَاقِيا فى طور آخر وَإِن لم يدْرك كنهه ذَلِك إلهام يكَاد يزاحم البديهة فى الْجلاء يشْعر كل نفس أَنَّهَا خلقت مستعدة لقبُول مَعْلُومَات غير متناهية من طرق غير محصورة شيقة إِلَى لذائذ غير محدودة وَلَا واقفة عِنْد غَايَة مهيأة لدرجات من الْكَمَال لَا تحددها أَطْرَاف الْمَرَاتِب والغايات معرضة لآلام من الشَّهَوَات ونزعات الْأَهْوَاء ونزوات الْأَمْرَاض على الأجساد ومصارعة الأجواء والحاجات وضروب من مثل ذَلِك لَا تدخل تَحت عَدو لَا تنتهى عِنْد حد إلهام يسلفنها بعد هَذَا الشُّعُور إِلَى أَن واهب الْوُجُود للأنواع إِنَّمَا قدر الاستعداد بِقدر الْحَاجة فى الْبَقَاء وَلم يعْهَد فى تصرفه الْعَبَث والكيل الْجزَاف فَمَا كَانَ استعداده لقبُول مَالا يتناهى من مَعْلُومَات وآلام ولذائذ وكمالات لَا يَصح أَن يكون بَقَاؤُهُ قاصرا على أَيَّام أَو سِنِين معدودات شُعُور بهيج بالأرواح إِلَى تحسس هَذَا الْبَقَاء الأبدى وَمَا عَسى أَن تكون عَلَيْهِ مَتى وصلت إِلَيْهِ وَكَيف الاهتداء وَأَيْنَ السَّبِيل وَقد غَابَ الْمَطْلُوب وأعوز الدَّلِيل شعورنا بِالْحَاجةِ إِلَى اسْتِعْمَال عقولنا فى تَقْوِيم هَذِه الْمَعيشَة القصيرة الأمد لم يكفنا فى الاسْتقَامَة على الْمنْهَج الأقوم بل لزمتنا الْحَاجة إِلَى التَّعْلِيم والإرشاد وَقَضَاء الْأَزْمِنَة والأعصار فى تَقْوِيم الأنظار وتعديل الأفكار وَإِصْلَاح الوجدان وتثقيف الأذهان وَلَا تزَال إِلَى الْآن من هم هَذِه الْحَيَاة الدُّنْيَا فى اضْطِرَاب لَا ندرى مَتى نخلص مِنْهُ وفى شوق إِلَى طمأنينة لَا تعلم مَتى تنتهى إِلَيْهَا

стр. 47

هَذَا شَأْننَا فهم عَالم الشَّهَادَة فَمَاذَا نؤمل من عقولنا وأفكارنا فى الْعلم بِمَا فى عَالم الْغَيْب هَل فِيمَا بَين أَيْدِينَا من الشَّاهِد معالم نهتدى بهَا إِلَى الْغَائِب وَهل فى طرق الْفِكر مَا يُوصل كل أحد إِلَى معرفَة مَا قدر لَهُ فى حَيَاة يشْعر بهَا وَبِأَن لَا مندوحة عَن الْقدوم عَلَيْهَا وَلَكِن لم يُوهب من الْقُوَّة مَا ينفذ إِلَى تَفْصِيل مَا أعد لَهُ فِيهَا والشؤن الَّتِى لَا بُد أَن يكون عَلَيْهَا بعد مُفَارقَة مَا هُوَ فِيهِ أَو إِلَى معرفَة بيد من يكون تصريف تِلْكَ الشئون هَل فى اساليب النّظر مَا يَأْخُذ بك إِلَى الْيَقِين بمناطها من الاعتقادات والأعمال وَذَلِكَ الْكَوْن مَجْهُول لديك وَتلك الْحَيَاة فى غَايَة الغموض بِالنِّسْبَةِ إِلَيْك كلا فَإِن الصِّلَة بَين الْعَالمين تكَاد تكون مُنْقَطِعَة فى نظر الْعقل ومرامى المشاعر وَلَا اشْتِرَاك بَينهمَا إِلَّا فِيك أَنْت فالنظر فى المعلومات الْحَاضِرَة لَا يُوصل إِلَى الْيَقِين بحقائق تِلْكَ العوالم الْمُسْتَقْبلَة أفليس من حِكْمَة الصَّانِع الْحَكِيم الذى أَقَامَ أَمر الْإِنْسَان على قَاعِدَة الْإِرْشَاد والتعليم الذى خلق الْإِنْسَان وَعلمه الْبَيَان علمه الْكَلَام للتفاهم وَالْكتاب للتراسل أَن يَجْعَل من مَرَاتِب الْأَنْفس البشرية مرتبَة يعدلها بمحض فَضله بعض من يصطفيه من خلقه وَهُوَ أعلم حَيْثُ يَجْعَل رسَالَته يميزهم بِالْفطرِ السليمة ويبلغ بأرواحهم من الْكَمَال مَا يليقون مَعَه للاستشراق بأنوار علمه وَالْأَمَانَة على مَكْنُون سره مِمَّا لَو انْكَشَفَ لغَيرهم انكشافه لَهُم لفاضت لَهُ نَفسه أَو ذهبت بعقله جلالته وعظمه فيشرفون على الْغَيْب بِإِذْنِهِ ويعلمون مَا سَيكون من شَأْن النَّاس فِيهِ وَيَكُونُونَ فى مَرَاتِبهمْ العلوية على نِسْبَة من الْعَالمين نِهَايَة الشَّاهِد وبداية الْغَائِب فهم فى الدُّنْيَا كَأَنَّهُمْ لَيْسُوا من أَهلهَا وهم وَفد الْآخِرَة فى لِبَاس من لَيْسَ من سكانها ثمَّ يتلقون من أمره أَن يحدثوا عَن جَلَاله وَمَا خفى على الْعُقُول من شئون حَضرته الرفيعة بِمَا يَشَاء أَن يَعْتَقِدهُ الْعباد فِيهِ وَمَا قدر أَن يكون لَهُ مدْخل فى سعادتهم الآخروية وَأَن يبينوا للنَّاس من أَحْوَال الْآخِرَة مَا لَا بُد لَهُم من علمه معبرين عَنهُ بِمَا تحتمله طَاقَة عُقُولهمْ وَلَا يبعد عَن متناول أفهامهم وَأَن يبلغُوا عَنهُ شرائع عَامَّة تحدد لَهُم سيرهم فى تَقْوِيم نُفُوسهم وكبح شهوانهم وتعلمهم من الْأَعْمَال مَا هُوَ منَاط سعادتهم وشقائهم فى ذَلِك الْكَوْن المغيب عَن

стр. 48

مشاعرهم بتفصيله اللاصق علمه بأعماق ضمائرهم فى إجماله وَيدخل فى ذَلِك جَمِيع الْأَحْكَام الْمُتَعَلّقَة بكليات الْأَعْمَال ظَاهره وباطنه ثمَّ يؤيدهم بِمَا لَا تبلغه قوى الْبشر من الأيات حَتَّى تقوم بهم الْحجَّة وَيتم الاقناع بِصدق الرسَالَة فيكونون بذلك رسلًا من لَدنه إِلَى خلقه مبشرين ومنذرين لَا ريب أَن الذى أحسن كل شىء خلقه وأبدع فى كل كَائِن صنعه وجاد على كل حى بِمَا إِلَيْهِ حَاجته وَلم يحرم من رَحمته حَقِيرًا وَلَا جَلِيلًا من خلقه يكون من رأفته بالنوع الذى أَجَاد صنعه وَأقَام لَهُ من قبُول الْعلم مَا يقوم مقَام الْمَوَاهِب الَّتِى اخْتصَّ بهَا غَيره أَن ينقذه من حيرته وَيُخَلِّصهُ من التخبط فى أهم حياتيه والضلال فى أفضل حاليه يَقُول قَائِل وَلم لم يودع فى الغرائز مَا تحْتَاج إِلَيْهِ من الْعلم وَلم يضع فِيهَا الانقياد إِلَى الْعَمَل وسلوك الطَّرِيق المؤدية إِلَى الْغَايَة فى الْحَيَاة الْآخِرَة وَمَا هَذَا النَّحْو من عجائب الرَّحْمَة فى الْهِدَايَة والتعليم وَهُوَ قَول يصدر عَن شطط الْعقل والغفلة عَن مَوْضُوع الْبَحْث وَهُوَ النَّوْع الإنسانى ذَلِك النَّوْع على مَا بِهِ وَمَا دخل فى تَقْدِيم جوهره من الرّوح المفكر وَمَا اقْتَضَاهُ ذَلِك من الِاخْتِلَاف فى مَرَاتِب الاستعداد باخْتلَاف أَفْرَاده وَأَن لَا يكون كل فَرد مِنْهُ مستعدا لكل حَال بطبعه وَأَن يكون وضع وجوده على عماد الْبَحْث وَالِاسْتِدْلَال فَلَو ألهم حاجاته كَمَا تلهم الْحَيَوَانَات لم يكن هُوَ ذَلِك النَّوْع بل كَانَ إِمَّا حَيَوَانا آخر كالنحل والنمل أَو ملكا من الْمَلَائِكَة لَيْسَ من سكان هَذِه الأَرْض المسلك الثانى فى بَيَان الْحَاجة إِلَى الرسَالَة يَأْخُذ من طبيعة الْإِنْسَان نَفسه أرتنا الْأَيَّام غابرها وحاضرها أَن من النَّاس من يختزل نَفسه من جمَاعَة الْبشر وَيَنْقَطِع إِلَى بعض الغايات أَو إِلَى رُؤُوس الْجبَال ويستأنس إِلَى الْوَحْش ويعيش عَيْش الأوابد من الْحَيَوَان يتغذى بالأعشاب وجذور النَّبَات ويأوى إِلَى الكهوف والمغاور ويتقى بعض العوادى عَلَيْهِ بالصخور وَالْأَشْجَار ويكتفى من الثِّيَاب بِمَا يخصف من ورق الشّجر أَو جُلُود الْهَالِك من حَيَوَان الْبر وَلَا يزَال كَذَلِك حَتَّى

стр. 49

مَعَ مَا قدر لنوعها وَإِنَّمَا الْإِنْسَان نوع من تِلْكَ الْأَنْوَاع الَّتِى غرز فى طبعها أَن تعيش مجتمعة وَإِن تعدّدت فِيهَا الْجَمَاعَات على أَن يكون لكل وَاحِد من الْجَمَاعَة عمل يعود على الْمَجْمُوع فى بَقَائِهِ وللمجموع من الْعَمَل مَالا غنى للْوَاحِد عَنهُ فى نمائه وبقائه وأودع فى كل شخص من أشخاصها شُعُور مَا بحاجته إِلَى سَائِر أَفْرَاد الْجَمَاعَة الَّتِى يشملها إسم وَاحِد وتاريخ وجود الْإِنْسَان شَاهد بذلك فَلَا حَاجَة إِلَى الإطالة فِي بَيَانه وَكَفاك من الدَّلِيل على أَن الأنسان لَا يعِيش إِلَّا فى جملَة مَا وهبه من قُوَّة النُّطْق فَلم يخلق لِسَانه مستعدا لتصوير الْمعَانى فى الْأَلْفَاظ وتأليف الْعبارَات إِلَّا لاشتداد الْحَاجة بِهِ إِلَى التفاهم وَلَيْسَ الِاضْطِرَار إِلَى التفاهم بَين اثْنَيْنِ أَو أَكثر إِلَّا الشَّهَادَة بِأَن لَا غنى لأَحَدهم عَن الآخر حَاجَة كل فَرد من الْجَمَاعَة إِلَى سائرها مِمَّا لَا يشْتَبه فِيهِ وَكلما كثرت مطَالب الشَّخْص فى معيشته ازدادت بِهِ الْحَاجة إِلَى الأيدى العاملة فتمتد الْحَاجة وعَلى أَثَرهَا الصِّلَة من الْأَهْل إِلَى الْعَشِيرَة ثمَّ إِلَى الْأمة وَإِلَى النَّوْع بأسره وأيامنا هَذِه شاهدة على أَن الصِّلَة النابعة للْحَاجة قد تعم النَّوْع كمالا يخفى هَذِه الْحَاجة خُصُوصا فى الْأمة الَّتِى حققت عنوانها لَهَا صلات وعلائق ميزتها عَمَّن سواهَا حَاجَة فى الْبَقَاء حَاجَة فى التَّمَتُّع بمزايا الْحَيَاة حَاجَة فى جلب الرغائب وَدفع المكاره من كل نوع لَو جرى أَمر الْإِنْسَان على أساليب الْخلقَة فى غَيره لكَانَتْ هَذِه الْحَاجة من أفضل عوامل الْمحبَّة بَين أَفْرَاده عَامل يشْعر كل نفس أَن بقاءها مُرْتَبِط بِبَقَاء الْكل فَالْكل مِنْهَا بِمَنْزِلَة بعض قواها المسخرة لمنافعها ودرء مضارها والمحبة عماد السّلم وَرَسُول السكينَة إِلَى الْقُلُوب هى الدَّافِع لكل من المتاحبين على الْعَمَل لمصْلحَة الآخر الناهض بِكُل مِنْهُمَا للمدافعة عَنهُ فى حَالَة الْخطر فَكَانَ من شَأْن الْمحبَّة أَن تكون حفاظا لنظام الْأُمَم وروحا لبقائها وَكَانَ من حَالهَا أَن تكون مُلَازمَة للْحَاجة على مُقْتَضى سنة الْكَوْن فان الْمحبَّة حَاجَة لنَفسك إِلَى من تحب أَو مَا تحب فان اشتدت كَانَت ولعا وعشقا

стр. 50

لَكِن كَانَ من قوانين الْمحبَّة أَن تنشأ وتدوم بَين متاحبين إِذا كَانَت الْحَاجة إِلَى ذَات المحبوب أَو مَا هُوَ فِيهَا لَا يفارقها وَلَا يكون هَذَا النَّوْع مِنْهَا فى الْإِنْسَان إِلَّا إِذا كَانَ منشؤه أمرا فى روح المحبوب وشمائله الَّتِى لَا تفارق ذَاته حَتَّى تكون لَذَّة الْوُصُول فى نفس الِاتِّصَال لَا فى عَارض يتبعهُ فَإِذا عرض التبادل والتعارض وَلَو حَظّ فى العلاقة بَينهمَا تحولت الْمحبَّة إِلَى رَغْبَة فى الِانْتِفَاع بِالْعِوَضِ وتعلقت بالمنتفع بِهِ لَا بمصدر الِانْتِفَاع وَقَامَ بَين الشخصين مقَام الْمحبَّة إِمَّا سُلْطَان الْقُوَّة أَو ذلة المخافة أَو الدهان والخديعة من الْجَانِبَيْنِ يحب الْكَلْب سَيّده ويخلص لَهُ ويدافع عَنهُ دفاع المستميت لما يرى أَنه مصدر الْإِحْسَان إِلَيْهِ فى سداد عوزه فصورة شبعه وربه وحمايته مقرونة فى شعوره بِصُورَة من يكفلها لَهُ فَهُوَ يتَوَقَّع فقدها بفقده فيحرص عَلَيْهِ حرصه على حَيَاته وَلَو أَنه انْتقل من حوزته إِلَى حوزة آخر وَغَابَ عَنهُ السنين ثمَّ رَآهُ معرضًا لخطر مَا عَادَتْ إِلَيْهِ تِلْكَ الصُّورَة يصل بَعْضهَا بَعْضًا واندفع إِلَى خُلَاصَة بِمَا تمكنه الْقُوَّة ذَلِك لِأَن الإلهام الذى هدى بِهِ شُعُور الْكَلْب لَيْسَ مِمَّا تتسع بِهِ الْمذَاهب فوجدانه يتَرَدَّد بَين الْإِحْسَان ومصدره وَلَيْسَ لَهُ وراءهما مَذْهَب فحاجته فى سد عوزه هى حَاجته إِلَى الْقَائِم بأَمْره فَيُحِبهُ محبته لنَفسِهِ وَلَا يبخس مِنْهَا شوب التَّعَارُض فى الْخدمَة أما الْإِنْسَان وَمَا أَدْرَاك مَا هُوَ فَلَيْسَ أمره على ذَلِك لَيْسَ مِمَّن يلهم وَلَا يتَعَلَّم وَلَا مِمَّن يشْعر وَلَا يتفكر بل كَانَ كَمَاله النوعى فى إِطْلَاق مداركه عَن الْقَيْد ومطالبه عَن النهايات وتسليمه على صغره إِلَى الْعَالم الْأَكْبَر على جلالته وعظمه بتصارعه بعوامله وهى غير محصورة حَتَّى يعتصر مِنْهُ مَنَافِعه وهى غير محدودة وإيداعه من قوى الْإِدْرَاك وَالْعَمَل مَا يُعينهُ على المغالبة ويمكنه من الْمُطَالبَة بسعيه ورأيه وَيتبع ذَلِك أَن يكون لَهُ فى كل كَائِن مِمَّا يصل إِلَيْهِ لَذَّة وبجوار كل لَذَّة ألم ومخافة فَلَا تنتهى رغائبه إِلَى غَايَة وَلَا تقف مخاوفه عِنْد نِهَايَة إِن الْإِنْسَان خلق هلوعا إِذا مَسّه الشَّرّ جزوعا وَإِذا مَسّه الْخَيْر منوعا تفاوتت

стр. 51

أَفْرَاده فى مواهب الْفَهم وفى قوى الْعَمَل وفى الهمة والعزم فَمنهمْ المقصر ضعفا أَو كسلا المتطاول فى الرَّغْبَة شَهْوَة وَطَمَعًا يرى فى أَخِيه أَنه العون لَهُ على مَا يُرِيد من شئون وجوده لكنه يذهب من ذَلِك إِلَى تخيل اللَّذَّة فى الاستئثار بِجَمِيعِ مَا فى يَده وَلَا يقنع بمعاوضته فى ثَمَرَة من ثمار عمله وَقد يجد اللَّذَّة فى أَن يتمتع وَلَا يعْمل وَيرى الْخَيْر فى أَن يُقيم مقَام الْعَمَل إِعْمَال الْفِكر فى استنباط ضروب الْحِيَل ليتمتع وَإِن لم ينفع ويغلب عَلَيْهِ ذَلِك حَتَّى يخيل لَهُ أَن لَا ضير عَلَيْهِ لَو انْفَرد بالوجود عَمَّن يطْلب مغالبته وَلَا يبالى بإرساله إِلَى عَالم الْعَدَم بعد سلبه فَكلما حثه الذّكر والخيال إِلَى دفع مَخَافَة أَو الْوُصُول إِلَى لذيذ فتح لَهُ الْفِكر بَابا من الْحِيلَة أَو هيأ لَهُ وَسِيلَة لاستعمال الْقُوَّة فَقَامَ التناهب مقَام التواهب وَحل الشقاق مَحل الْوِفَاق وَصَارَ الضَّابِط لسيرة الْإِنْسَان إِمَّا الْحِيلَة وَإِمَّا الْقَهْر هَل وقف الْهوى بالإنسان عِنْد التنافس فى اللذائذ الجسدانية وتجالد أَفْرَاده طَمَعا فى وُصُول كل إِلَى مَا يَظُنّهُ غَايَة مطلبه وَإِن لم تكن لَهُ غَايَة كلا وَلَكِن قدر لَهُ أَن تكون لَهُ لذائذ روحانية وَكَانَ من أعظم همه أَن يشْعر بالكرامة لَهُ فى نفس غَيره مِمَّن تجمعه مَعَهم جَامِعَة مَا حَسْبَمَا يَمْتَد إِلَيْهِ نظره وَقد بلغت هَذِه الشَّهْوَة حد من الْأَنْفس كَادَت تتغلب على جَمِيع الشَّهَوَات وَأخذت لَذَّة الْوُصُول إِلَيْهَا من الْأَرْوَاح مَكَانا كَاد لَا تصعد إِلَيْهِ سَائِر اللَّذَّات وهى من أفضل العوامل فى إِحْرَاز الْفَضَائِل وتمكين الصلات بَين الْأَفْرَاد والأمم لَو صرفت فِيمَا سيقت لأجل وَلَكِن انحرف بهَا السَّبِيل كَمَا انحرف بغَيْرهَا للأسباب الَّتِى أَشَرنَا إِلَيْهَا من التَّفَاوُت فى مَرَاتِب الْإِدْرَاك والهمة والعزيمة حَتَّى خيل لكثير من الْعُقَلَاء أَن يسْعَى إِلَى إعلاء مَنْزِلَته فى الْقُلُوب بإخافة الْأَمْن وإزعاج السَّاكِن وإشعار الْقُلُوب رهبة المخافة لَا تهيب الْحُرْمَة هَل يُمكن مَعَ هَذَا أَن يَسْتَقِيم أَمر جمَاعَة بنى نظامهم وعلق بقاؤهم فى الْحَيَاة على تعاونهم ورفد بَعضهم بَعْضًا فى الْأَعْمَال أَولا تكون هَذِه الأفاعيل السَّابِق ذكرهَا سَببا فى تفانيهم لَا ريب أَن الْبَقَاء على تِلْكَ الْأَحْوَال من ضروب الْمحَال فَلَا بُد للنوع الإنسانى فى حفظ بَقَائِهِ من الْمحبَّة أَو مَا يَنُوب منابها

стр. 52

لَجأ بعض أهل البصيرة فى أزمنة مُخْتَلفَة إِلَى الْعدْل وظنوا كَمَا ظن بعض العارفين ونطق بِهِ فى كلمة جليلة أَن الْعدْل نَائِب الْمحبَّة نعم لَا يَخْلُو القَوْل من حِكْمَة وَلَكِن من الذى يضع قَوَاعِد الْعدْل وَيحمل الكافة على رعايتها قبل ذَلِك هُوَ الْعقل فَكَمَا كَانَ الْفِكر وَالذكر والخيال ينابيع الشَّقَاء كَذَلِك تكون وَسَائِل السَّعَادَة وفيهَا مُسْتَقر السكينَة وَقد راينا أَن اعْتِدَال الْفِكر وسعة الْعلم وَقُوَّة الْعقل وأصالة الحكم تذْهب بِكَثِير من النَّاس إِلَى مَا وَرَاء حجب الشَّهَوَات وَتَعْلُو بهم فَوق مَا تخيله المخاوف فيعرفون لكل حق حرمته ويميزون بَين لَذَّة مَا يفنى وَمَنْفَعَة مَا يبْقى وَقد جَاءَ مِنْهُم أَفْرَاد فى كل أمة وضعُوا أصُول الْفَضِيلَة وكشفوا وُجُوه الرذيلة وقسموا أَعمال الْإِنْسَان إِلَى مَا تحضر لذته وتسوء عاقبته وَهُوَ مَا يحب اجتنابه وَإِلَى مَا قد يشق احْتِمَاله وَلَكِن تسر مغابته وَهُوَ مَا يجب الْأَخْذ بِهِ وَمِنْهُم من أنْفق فى الدعْوَة إِلَى رايه نَفسه وَمَاله وَقضى شَهِيد إخلاصه فى دَعْوَة قومه إِلَى مَا يحفظ نظامهم فَهَؤُلَاءِ الْعُقَلَاء هم الَّذين يضعون قَوَاعِد الْعدْل وعَلى أهل السُّلْطَان أَن يحملوا الكافة على رعايتها وَبِذَلِك يَسْتَقِيم أَمر النَّاس هَذَا قَول لَا يجافى الْحق ظَاهره وَلَكِن هَل سمع فى سيرة الْإِنْسَان وَهل ينطبق على سنته أَن يخضع كَافَّة أَفْرَاده أَو الْغَالِب مِنْهُم لرَأى الْعَاقِل لمُجَرّد أَنه الصَّوَاب وَهل كفى فى إقناع جمَاعَة مِنْهُ كشعب أَو أمة قَول عاقلهم إِنَّهُم مخطئون وَإِن الصَّوَاب فِيمَا يَدعُوهُم إِلَيْهِ وَإِن أَقَامَ على ذَلِك من الْأَدِلَّة مَا هُوَ أوضح من الضياء وَأجلى من ضَرُورَة الْمحبَّة للبقاء كلا لم يعرف ذَلِك فى تَارِيخ الْإِنْسَان وَلَا هُوَ مِمَّا ينطبق على سنته فقد تقدم لنا أَن مهب الشَّقَاء هُوَ تفَاوت النَّاس فى الْإِدْرَاك وهم مَعَ ذَلِك يدعونَ الْمُسَاوَاة فى الْعُقُول والتقارب فى الْأُصُول وَلَا يعرف جمهورهم من حَال الْفَاضِل إِلَّا كَمَا يعرف من أَمر الْجَاهِل وَمن لم يكن فى مرتبتك من الْعقل لم يذقْ مذاقك من الْفضل فمجرد الْبَيَان العقلى لَا يدْفع نزاعا وَلَا يرد طمأنينة وَقد يكون الْقَائِم على مَا وضع من شَرِيعَة الْعقل مِمَّن يزْعم أَنه أرفع من واضعها فَيذْهب بِالنَّاسِ مَذْهَب شهواته فتذهب حرمتهَا ويتهدم بناؤها ويفقد مَا قصد بوضعها

стр. 53

أضف إِلَى مَا سبق من لَوَازِم نزعات الْفِكر ونزعات الْأَهْوَاء شعورا هُوَ ألصق بالغريزة البشرية واشد لُزُوما لَهَا كل إِنْسَان مهما علا فكره وقوى عقله أَو ضعفت فطنته وانحطت فطرته يجد نَفسه أَنه مغلوب لقُوَّة أرفع من قوته وَقُوَّة مَا أنس مِنْهُ الْغَلَبَة عَلَيْهِ مِمَّا حوله وَأَنه مَحْكُوم بِإِرَادَة تصرفه وَتصرف مَا هُوَ فِيهِ من العوالم فى وُجُوه قد لَا تعرفها معرفَة العارفين وَلَا نتطرف إِلَيْهَا إِرَادَة المختارين تشعر كل نفس أَنَّهَا مسوقة لمعْرِفَة تِلْكَ الْقُوَّة الْعُظْمَى فتطلبها من حسها تَارَة وَمن عقلهَا أُخْرَى وَلَا سَبِيل لَهَا إِلَّا الطَّرِيق الَّتِى حددت لنوعها وهى طَرِيق النّظر فَذهب كل فى طلبَهَا وَرَاء رائد الْفِكر فَمنهمْ من ناولها بِبَعْض الْحَيَوَانَات لِكَثْرَة نَفعهَا أَو شدَّة ضررها وَمِنْهُم من تمثلت لَهُ فى بعض الْكَوَاكِب لظُهُور أَثَرهَا وَمِنْهُم من حَجَبته الْأَشْجَار والأحجار لاعتبارات لَهُ فِيهَا وَمِنْهُم من تبدت لَهُ آثَار قوى مُخْتَلفَة فى أَنْوَاع مُتَفَرِّقَة تتماثل فى أَفْرَاد كل نوع وتتخالف بتخالف الْأَنْوَاع فَجعل لكل نوع إِلَهًا وَلَكِن كلما رق الوجدان ولطفت الأذهان ونفذت البصائر ارْتَفع الْفِكر وجلت النتائج فوصل من بلغ بِهِ علمه بعض الْمنَازل من ذَلِك إِلَى معرفَة هَذِه الْقُدْرَة الباهرة واهتدى إِلَى أَنَّهَا قدرَة وَاجِب الْوُجُود غير أَن من أسرار الجبروت مَا غمض عَلَيْهِ فَلم يسلم من الْخَيط فِيهِ ثمَّ لم يكن لَهُ من الميزة الفائقة فى قومه مَا يحملهم على الاهتداء بهديه فبقى الْخلاف ذائعا والرشد ضائعا انفق النَّاس فى الإذعان لما فاق قدرهم وَعلا متناول استطاعتهم لكِنهمْ اخْتلفُوا فى فهم مَا تلجئهم الْفطْرَة إِلَى الإذعان لَهُ اخْتِلَافا كَانَ اشد أثرا فى التقاطع بَينهم وإثارة أعاصير الشقاق فيهم من اخْتلَافهمْ فى فهم النافع والضار لغَلَبَة الشَّهَوَات عَلَيْهِم إِن كَانَ الْإِنْسَان قد فطر على أَن يعِيش فى جملَة وَلم يمنح مَعَ تِلْكَ الْفطْرَة مَا منحه النَّحْل وَبَعض أَفْرَاد النَّمْل مثلا من الإلهام الهادى إِلَى مَا يلْزم لذَلِك وَإِنَّمَا ترك إِلَى فكره يتَصَرَّف بِهِ على نَحْو مَا سبق كَمَا فطر على الشُّعُور بقاهر تنساق نَفسه بالرغم عَنْهَا إِلَى مَعْرفَته وَلم يفض عَلَيْهِ مَعَ ذَلِك الشُّعُور عرفانه بِذَات ذَلِك القاهر وَلَا صِفَاته وَإِنَّمَا ألْقى بِهِ فى مطارح النّظر تحمله الأفكار فى مجاريها وترمى

стр. 54

بِهِ إِلَى حَيْثُ يدرى وَلَا يدرى وفى كل ذَلِك الويل على جامعته والخطر على وجوده أفهل منى هَذَا النَّوْع بِالنَّقْصِ ورزء بالقصور عَن مثل مَا بلغه أَضْعَف الْحَيَوَانَات وأحطها فى منَازِل الْوُجُود نعم هُوَ كَذَلِك لَوْلَا مَا أَتَاهُ الصَّانِع الْحَكِيم من نَاحيَة ضعفه الْإِنْسَان عَجِيب فى شَأْنه يصعد بِقُوَّة عقله إِلَى أَعلَى مَرَاتِب الملكوت ويطاول بفكره أرفع معالم الجبروت ويسامى بقوته مَا يعظم عَن أَن يسامى من قوى الْكَوْن الْأَعْظَم ثمَّ يصغر ويتضاءل وينحط إِلَى أدنى دَرك من الاستكانة والخضوع مَتى عرض لَهُ أَمر مالم يعرف سَببه وَلم يدْرك منشأه ذَلِك لسر عرفه المستبصرون واستشعرته نفوس النَّاس أَجْمَعِينَ من ذَلِك الضعْف قيد إِلَى هداه وَمن تِلْكَ الضعة أَخذ بِيَدِهِ إِلَى شرف سعادته أكمل الْوَاهِب الْجواد لجملته مَا اقْتَضَت حكمته فى تَخْصِيص نَوعه بِمَا يميزه عَن غَيره أَن ينقص من أَفْرَاده وكما جاد على كل شخص بِالْعقلِ الْمصرف للحواس لينْظر فى طلب اللُّقْمَة وَستر الْعَوْرَة والتوقى من الْحر وَالْبرد جاد على الْجُمْلَة بِمَا هُوَ أمس بِالْحَاجةِ فِي الْبَقَاء وآثر فى الْوِقَايَة من غوائل الشَّقَاء وأحفظ لنظام الِاجْتِمَاع الذى هُوَ عماد كَونه بالاجماع من عَلَيْهِ بالنائب الحقيقى عَن الْمحبَّة بل الرَّاجِع بهَا إِلَى النُّفُوس الَّتِى أقفرت مِنْهَا لم يُخَالف سنَنه فِيهِ من بِنَاء كَونه على قَاعِدَة التَّعْلِيم والإرشاد غير أَنه أَتَاهُ مَعَ ذَلِك من أَضْعَف الْجِهَات فِيهِ وهى جِهَة الخضوع والاستكانة فَأَقَامَ لَهُ من بَين أَفْرَاده مرشدين هادين وميزهم من بَينهَا بخصائص فى أنفسهم لَا يشركهم فِيهَا سواهُم وأيد ذَلِك زِيَادَة فى الْإِقْنَاع بآيَات باهرات تملك النُّفُوس وَتَأْخُذ الطَّرِيق على سوابق الْعُقُول فيستخذى الطامح ويذل الْجَامِع ويصطدم بهَا عقل الْعَاقِل فَيرجع إِلَى رشده وينبهر لَهَا بصر الْجَاهِل فيرتد عَن غيه يطرقون الْقُلُوب بقوارع من أَمر الله ويدهشون المدارك ببواهر من آيَاته فيحيطون الْعُقُول بمالا مندوحة عَن الأذعان لَهُ ويستوى فى الركون لما يجيئون بِهِ الْمَالِك والمملوك وَالسُّلْطَان والصعلوك والعاقل وَالْجَاهِل والمفضول والفاضل فَيكون الاذعان لَهُم أشبه بالاضطرارى مِنْهُ بالاختيارى النظرى يعلمونهم مَا شَاءَ الله أَن يصلح بِهِ معاشهم

стр. 55

ومعادهم وَمَا أَرَادَ أَن يعلموه من شئون ذَاته وَكَمَال صِفَاته وَأُولَئِكَ هم الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ فَبَعثه الْأَنْبِيَاء صلوَات الله عَلَيْهِم من متمات كَون الْإِنْسَان وَمن أهم حاجاته فى بَقَائِهِ ومنزلتها من النَّوْع منزلَة الْعقل من الشَّخْص نعْمَة أتمهَا الله لكيلا يكون للنَّاس على الله حجَّة بعد الرُّسُل وسنتكلم عَن وظيفتهم بِنَوْع من التَّفْصِيل فِيمَا بعد امكان الوحى الْكَلَام فى إِمْكَان الوحى يأتى بعد تَعْرِيفه لتصوير الْمَعْنى الذى يُرَاد مِنْهُ وليعرف الْمَعْنى الْحَاصِل بِالْمَصْدَرِ فيفهم معنى الْمصدر نَفسه وَلَا يعنينا مَا تثيره الْأَلْفَاظ فى الأذهان ولنذكر من اللُّغَة مَا يُنَاسِبه يُقَال وحيت إِلَيْهِ وأوحيت إِذا كَلمته بِمَا تخفيه عَن غَيره والوحى مصدر من ذَلِك والمكتوب والرسالة وكل مَا أَلقيته إِلَى غَيْرك ليعلمه ثمَّ غلب فِيمَا يلقى إِلَى الْأَنْبِيَاء من قبل الله وَقيل الوحى إِعْلَام فى خَفَاء وَيُطلق وَيُرَاد بِهِ الموحى وَقد عرفوه شرعا أَنه كَلَام الله تَعَالَى الْمنزل على نبى من أنبيائه أما نَحن فنعرفه على شرطنا بِأَنَّهُ عرفان يحده الشَّخْص من نَفسه مَعَ الْيَقِين بِأَنَّهُ من قبل الله بِوَاسِطَة أَو بِغَيْر وَاسِطَة وَالْأول بِصَوْت يتَمَثَّل لسمعه أَو بِغَيْر صَوت وَيفرق بَينه وَبَين الالهام وجدان تستيقنه النَّفس وتنساق إِلَى مَا يطْلب على غير شُعُور مِنْهَا من أَيْن أَتَى وَهُوَ أشبه بوجدان الْجُوع والعطش والحزن وَالسُّرُور أما إِمْكَان حُصُول هَذَا النَّوْع هزة الْعرْفَان الوحى وانكشاف مَا غَابَ من مصَالح الْبشر عَن عامتهم لمن يختصه الله بذلك وسهولة فهمه عِنْد الْعقل فَلَا أرَاهُ مِمَّا يصعب إِدْرَاكه إِلَّا على من لَا يُرِيد أَن يدْرك وَيُحب أَن يرغم نَفسه الفهامة على أَن لَا تفهم نعم يُوجد فى كل أمة وفى كل زمَان أنَاس يقذف بهم الطيش وَالنَّقْص فى الْعلم إِلَى مَا وَرَاء سواحل الْيَقِين فيسقطون فى غَمَرَات من الشَّك فى كل مالم يَقع تَحت حواسهم الْخمس بل قد يدركهم الريب فِيمَا هُوَ من متناولها كَمَا سبقت الْإِشَارَة إِلَيْهِ فكأنهم بسقطتهم هَذِه انحطوا إِلَى مَا هُوَ أدنى من مَرَاتِب أَنْوَاع أُخْرَى من الْحَيَوَان فينسون الْعقل وشئونه

стр. 56

وسره ومكنونه ويجدون فى ذَلِك لَذَّة الْإِطْلَاق عَن قيود الْأَوَامِر والنواهى بل عَن محابس الحشمة الَّتِى تضمهم إِلَى الْتِزَام مَا يَلِيق وتحجزهم عَن مقارفة مَالا يَلِيق كَمَا هُوَ حَال غير الْإِنْسَان من الْحَيَوَان فَإِذا عرض عَلَيْهِم شىء من الْكَلَام فى النبوات والأديان وهم من أنفسهم هام بالإصغاء دافعوه بِمَا أُوتُوا من الِاخْتِيَار فى النّظر وَانْصَرفُوا عَنهُ وَجعلُوا أَصَابِعهم فى آذانهم حذر أَن يخالط الدَّلِيل أذهانهم فيلزمهم العقيدة وتتبعها الشَّرِيعَة فيحرموا لَذَّة مَا ذاقوا وَمَا يحبونَ أَن يتذوقوا وَهُوَ مرض فى الْأَنْفس والقلوب يستشفى مِنْهُ بِالْعلمِ إِن شَاءَ الله قلت أى اسْتِحَالَة فى الوحى وَأَن ينْكَشف لفُلَان مَالا ينْكَشف لغيره من غير فكر وَلَا تَرْتِيب مُقَدمَات مَعَ الْعلم أَن ذَلِك من قبل واهب الْفِكر ومانح النّظر مَتى خفت الْعِنَايَة من ميزته هَذِه النِّعْمَة مِمَّا شهِدت بِهِ البديهة أَن دَرَجَات الْعُقُول مُتَفَاوِتَة يَعْلُو بَعْضهَا بَعْضًا وَأَن الْأَدْنَى مِنْهَا لايدرك مَا عَلَيْهِ الْأَعْلَى إِلَّا على وَجه من الْإِجْمَال وَأَن ذَلِك لَيْسَ لتَفَاوت الْمَرَاتِب فى التَّعْلِيم فَقَط بل لَا بُد مَعَه من التَّفَاوُت فى الْفطر الَّتِى لَا مدْخل فِيهَا لاختيار الْإِنْسَان وَكَسبه وَلَا شُبْهَة فى أَن من النظريات عِنْد بعض الْعُقَلَاء مَا هُوَ بديهى عِنْد من هُوَ أرقى مِنْهُ وَلَا تزَال الْمَرَاتِب ترتقى فى ذَلِك إِلَى مَالا يحصره الْعدَد وَإِن من أَرْبَاب الهمم وكبار النُّفُوس مَا يرى الْبعيد عَن صغارها قَرِيبا فيسعى إِلَيْهِ ثمَّ يُدْرِكهُ وَالنَّاس دونه يُنكرُونَ بدايته ويعجبون لنهايته ثمَّ يألفون مَا صَار إِلَيْهِ كَأَنَّهُ من الْمَعْرُوف الذى لَا يُنَازع وَالظَّاهِر الذى لَا يجاحد فَإِذا أنكر مُنكر ثَارُوا عَلَيْهِ ثورتهم فى بادىء الْأَمر على من دعاهم إِلَيْهِ وَلَا يزَال هَذَا الصِّنْف من النَّاس على قلته ظَاهرا فى كل أمة إِلَى الْيَوْم فَإِذا سلم وَلَا محبص عَن التَّسْلِيم بِمَا أسلفنا من الْمُقدمَات فَمن ضعف الْعقل والنكول عَن النتيجة اللَّازِمَة لمقدماتها عِنْد الْوُصُول إِلَيْهَا أَن لَا يسلم بِأَن من النُّفُوس البشرية مَا يكون لَهَا من نقاء الْجَوْهَر بِأَصْل الْفطْرَة مَا تستعد بِهِ من

стр. 57

مَحْض الْفَيْض الإلهى لِأَن تتصل بالأفق الْأَعْلَى وتنتهى من الإنسانية إِلَى الذرْوَة الْعليا وَتشهد من أَمر الله شُهُود العيان مالم يصل غَيرهَا إِلَى تعقله أَو تحسسه بعصى الدَّلِيل والبرهان وتتلقى عَن الْعَلِيم الْحَكِيم مَا يَعْلُو وضوحا على مَا يتلقاه أَحَدنَا عَن أساتذة التعاليم ثمَّ تصدر عَن ذَلِك الْعلم إِلَى تَعْلِيم مَا علمت ودعوة النَّاس إِلَى مَا حملت على إبلاغه إِلَيْهِم وَأَن يكون ذَلِك سنة لله فى كل أمة وفى كل زمَان على حسب الْحَاجة يظْهر برحمته من يختصه بعنايته ليفى للإجتماع بِمَا يضْطَر إِلَيْهِ من مصْلحَته إِلَى أَن يبلغ النَّوْع الإنسانى أشده وَتَكون الْأَعْلَام الَّتِى نصبها لهدايته إِلَى سعادته كَافِيَة فى إرشاده فتختم الرسَالَة ويغلق بَاب النُّبُوَّة كَمَا سنأتى عَلَيْهِ فى رِسَالَة نَبينَا ﷺ أما وجود بعض الْأَرْوَاح الْعَالِيَة وظهورها لأهل تِلْكَ الْمرتبَة السامية فمما لَا اسْتِحَالَة فِيهِ بعد مَا عرفنَا من أَنْفُسنَا وأرشدنا إِلَيْهِ الْعلم قديمه وَحَدِيثه من اشْتِمَال الْوُجُود على ماهر ألطف من الْمَادَّة وَإِن غيب عَنَّا فأى مَانع من أَن يكون بعض هَذَا الْوُجُود اللَّطِيف مشرقا لشىء من الْعلم الإلهى وَأَن يكون لنفوس الْأَنْبِيَاء إشراف عَلَيْهِ فَإِذا جَاءَ بِهِ الْخَبَر الصَّادِق حملنَا على الإذعان بِصِحَّتِهِ أما تمثل الصَّوْت وأشباح لتِلْك الْأَرْوَاح فى حس من اختصه الله بِتِلْكَ الْمنزلَة فقد عهد عِنْد أَعدَاء الْأَنْبِيَاء مَالا يبعد عَنهُ فى بعض المصابين بأمراض خَاصَّة على زعمهم فقد سلمُوا أَن بعض معقولاتهم يتَمَثَّل فى خيالهم ويصل إِلَى دَرَجَة المحسوس فَيصدق الْمَرِيض فى قَوْله إِنَّه يرى وَيسمع بل يجالد ويصارع وَلَا شىء من ذَلِك فى الْحَقِيقَة بواقع فان جَازَ التمثل فى الصُّور المعقولة وَلَا منشأ لَهَا إِلَّا فى النَّفس وَإِن ذَلِك يكون عِنْد عرُوض عَارض على المخ فَلم يجوز تمثل الْحَقَائِق المعقولة فى النُّفُوس الْعَالِيَة وَأَن يكون ذَلِك لَهَا عِنْدَمَا تنْزع عَن عَالم الْحس وتنصل بحظائر الْقُدس وَتَكون تِلْكَ الْحَال من لواحق صِحَة الْعقل فى أهل تِلْكَ الدرجَة لاخْتِصَاص مزاجهم بمالا يُوجد فى مزاج غَيرهم وَغَايَة مَا يلْزم عَنهُ أَن يكون لعلاقة أَرْوَاحهم بأبدانهم شَأْن غير مَعْرُوف فى تِلْكَ العلاقة من سواهُم وَهُوَ مِمَّا يسهل قبُوله بل يتحتم

стр. 58

لِأَن شَأْنهمْ فى النَّاس أَيْضا غير الشؤن المألوفة وَهَذِه الْمُغَايرَة من أهم مَا امتازوا بِهِ وَقَامَ مِنْهَا الدَّلِيل على رسالتهم وَالدَّلِيل على سَلامَة شهودهم وَصِحَّة مَا يحدثُونَ عَنهُ أَن أمراض الْقُلُوب تشفى بدوائهم وَأَن ضعف العزائم والعقول بِالْقُوَّةِ فى أممهم الَّتِى تَأْخُذ بمقالهم وَمن الْمُنكر فى البديهة أَن يصدر الصَّحِيح من معتل ويستقيم النظام بمختل أما أَرْبَاب النُّفُوس الْعَالِيَة والعقول السامية من العرفاء مِمَّن لم تدن مَرَاتِبهمْ من مَرَاتِب الْأَنْبِيَاء وَلَكنهُمْ رَضوا أَن يَكُونُوا لَهُم أَوْلِيَاء وعَلى شرعهم ودعوتهم أُمَنَاء فكثير مِنْهُم نَالَ حَظه من الْأنس بِمَا يُقَارب تِلْكَ الْحَال فى النَّوْع أَو الْجِنْس لَهُم مشارفة فى بعض أَحْوَالهم على شىء فى عَالم الْغَيْب وَلَهُم مشَاهد صَحِيحَة فى عَالم الْمِثَال لَا تنكر عَلَيْهِم لتحقيق حقائقها فى الْوَاقِع فهم لذَلِك لَا يستعبدون شَيْئا مِمَّا يحدث بِهِ عَن الْأَنْبِيَاء صلوَات الله عَلَيْهِم وَمن ذاق عرف وَمن حرم انحرف وَدَلِيل صِحَة مَا يتحدثون بِهِ وَعنهُ ظُهُور الْأَثر الصَّالح مِنْهُم وسلامة أَعْمَالهم مِمَّا يُخَالف شرائع انبيائهم وطهارة فطرهم مِمَّا يُنكره الْعقل الصَّحِيح أَو يمجه الذَّوْق السَّلِيم واندفاعهم بباعث من الْحق النَّاطِق فى سرائرهم المتلألىء فى بصائرهم إِلَى دَعْوَة من يحف بهم إِلَى مَا فِيهِ خير الْعَامَّة وترويح قُلُوب الْخَاصَّة وَلَا يَخْلُو الْعَالم من متشبهين بهم وَلَكِن مَا أسْرع مَا ينْكَشف حَالهم ويسوء مآلهم ومآل من غرروا بِهِ وَلَا يكون لَهُم إِلَّا سوء الْأَثر فى تضليل الْعُقُول وَفَسَاد الْأَخْلَاق وانحطاط شَأْن الْقَوْم الَّذين رزئوابهم إِلَّا أَن يتداركهم الله بِلُطْفِهِ فَتكون كلمتهم الخبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فَوق الأَرْض مَالهَا من قَرَار فَلم يبْق بَين المنكرين لأحوال الْأَنْبِيَاء ومشاهدهم وَبَين الْإِقْرَار بِإِمْكَان مَا أنبثوا بِهِ وبوقوعه إِلَّا حجاب من الْعَادة وَكَثِيرًا مَا حجب الْعُقُول حَتَّى عَن إِدْرَاك أُمُور مُعْتَادَة

стр. 59

وُقُوع الْوَحْي والرسالة الدَّلِيل على رِسَالَة نبى وَصدقه فِيمَا يحْكى عَن ربه ظَاهر للشَّاهِد الذى يرى حَاله ويبصر مَا آتَاهُ الله من الْآيَات الْبَينَات ويحقق بالعيان مَا يُغْنِيه عَن الْبَيَان كَمَا سلف فى الْوَجْه الأول من الْكَلَام على الرسَالَة أما للْغَائِب عَن زمن الْبعْثَة فدليلها التَّوَاتُر وَهُوَ كَمَا تبين فى علم آخر رِوَايَة خبر عَن مشهود من جمَاعَة يَسْتَحِيل تواطؤهم على الْكَذِب وآيته قهر النَّفس على الْيَقِين بِمَا جَاءَ فِيهِ كالإخبار بِوُجُود مَكَّة أَو بِأَن للصين عَاصِمَة تسمى بكين وَسبب اسْتِحَالَة التواطؤ على الْكَذِب اسْتِيفَاء الْخَبَر لشرائط مَعْلُومَة وخلوه من عوارض تضعف الثِّقَة بِهِ ومرجع كل ذَلِك إِلَى الْعدَد وَبعد الراوى عَن التَّشَيُّع لمضمون الْخَبَر لَا نزاع بَين الْعُقَلَاء فى أَن هَذَا النَّوْع من الْأَخْبَار يحصل الْيَقِين بالمخبر بِهِ وَإِنَّمَا النزاع فى اعتبارات تتَعَلَّق بِهِ وَمن الْأَنْبِيَاء مَا استوفى الْخَبَر عَنْهُم شَرَائِط التَّوَاتُر كابراهيم ومُوسَى وَعِيسَى وَمِمَّا جَاءَ بِهِ الْخَبَر أَنهم لم يَكُونُوا فِيمَن بعثوا بَينهم بالأقوى سُلْطَانا وَلَا بِالْأَكْثَرِ مَالا وَلم يختصهم أحد بالعناية بهم لتعليمهم علم مَا ادعوا إِلَيْهِ وَغَايَة الْأَمر أَنهم لم يَكُونُوا من الأدنين الَّذين تعافهم النُّفُوس وتنبو عَنْهُم الأنظار وَمَعَ ذَلِك واستحكام السُّلْطَان لغَيرهم ووفرة المَال لَدَيْهِ واستعلائه عَلَيْهِم بِمَا كسب من الْعلم قَامُوا بدعوة إِلَى الله على رغم الْمُلُوك وأجنادهم وصاحوا بهم صَيْحَة زلزلتهم فى عروشهم وَادعوا أَنهم يبلغون عَن خَالق السَّمَوَات وَالْأَرْض مَا أَرَادَ شَرعه للنَّاس وَأَقَامُوا من الدَّلِيل مَا تصاغرت دونه قُوَّة الْمُعَارضَة ثمَّ ثبتَتْ فى الْكَوْن شرائعهم ثبات الغريزة فِي الْفطر وَكَانَ الْخَيْر لأممهم فى اتِّبَاع مَا جَاءُوا بِهِ حالفتهم الْقُوَّة واحتضنتهم السَّعَادَة مَا كَانُوا قَائِمين عَلَيْهَا ورزأهم الضعْف وغالبهم الشَّقَاء مَا انحرفوا عَنْهَا وخلطوا فِيهَا فَهَذَا وَمَا أقاموه من الْأَدِلَّة عِنْد التحدى لَا يَصح مَعَه فى الْعقل أَن يَكُونُوا كاذبين فى حَدِيثهمْ عَن الله وَلَا فى دَعوَاهُم أَنه كَانَ يُوحى إِلَيْهِم مَا شرعوا للنَّاس على أَن من لَا يعْتَقد مَا يَقُول لَا يبْقى لمقاله أثر فى الْعُقُول وَالْبَاطِل لابقاء لَهُ إِلَّا فى الْغَفْلَة عَنهُ كالنبات الْخَبيث فى الأَرْض الطّيبَة

стр. 60

ينْبت باهمالها وينموا باغفالها فَإِذا لامستها عناية الزَّارِع غَلبه الخصب وَذهب بِهِ الذكاء وَلَكِن تِلْكَ الديانَات الَّتِى جَاءَ بهَا أُولَئِكَ الْأَنْبِيَاء قَامَت فى الْعَالم الإنسانى مَا شَاءَ الله مِمَّا قدر لَهَا مقَام سَائِر قواه مَعَ كَثْرَة المعارضين وَقُوَّة سُلْطَان المغالبين فَلَا يُمكن أَن يكون اسها الْكَذِب ودعامتها الْحِيلَة وكلامنا هَذَا فى جوهرها الذى يلوح دَائِما فى خلال مَا ألحق بهَا المبتدعون أما بَقِيَّة الرُّسُل مِمَّن يجب علينا الْإِيمَان بهم فيكفى فى إِثْبَات نبوتهم إِثْبَات رِسَالَة نَبينَا ﷺ فقد أخبرنَا برسالتهم وَهُوَ الصَّادِق فِيمَا بلغ بِهِ وسنأتى على الْكَلَام فى رِسَالَة نَبينَا مُحَمَّد ﷺ فى بَاب على حِدته إِن شَاءَ الله وَظِيفَة الرُّسُل ﵈ تبين مِمَّا تقدم فى حَاجَة الْعَالم الإنسانى إِلَى الرُّسُل أَنهم من الْأُمَم بِمَنْزِلَة الْعُقُول من الْأَشْخَاص وَأَن بعثتهم حَاجَة من حاجات الْعُقُول البشرية قَضَت رَحْمَة الْمُبْدع الْحَكِيم بسدادها ونعمة عَن نعم واهب الْوُجُود ميز بهَا الْإِنْسَان عَن بَقِيَّة الكائنات من جنسه وَلكنهَا حَاجَة روحية وكل مالامس الْحس مِنْهَا فالقصد فِيهِ إِلَى الرّوح وتظهيرها من دنس الْأَهْوَاء الضَّالة أَو تَقْوِيم ملكاتها أَو إبداعها مَا فِيهِ سعادتها فى الحياتين أما تَفْصِيل طرق الْمَعيشَة والحذق فى وُجُوه الْكسْب وتطاول شهوات الْعقل إِلَى دَرك مَا أعد للوصول إِلَيْهِ من أسرار الْعلم فَذَلِك مِمَّا لَا دخل للرسالات فِيهِ إِلَّا من وَجه النطة الْعَامَّة والإرشاد إِلَى الإعتدال فِيهِ وَتَقْرِير أَن شَرط ذَلِك كُله أَن لَا يحدث ريبا فى الِاعْتِقَاد بِأَن للكون إِلَهًا وَاحِدًا قَادِرًا عَالما حكيما منصفا بِمَا أوجب الدَّلِيل أَن يَتَّصِف بِهِ وباستواء نِسْبَة الكائنات إِلَيْهِ فى أَنَّهَا مخلوقة لَهُ وصنع قدرته وَإِنَّمَا تفاوتها فِيمَا اخْتصَّ بِهِ بَعْضهَا من الْكَمَال وَشَرطه أَن لَا ينَال شىء من تِلْكَ الْأَعْمَال السَّابِقَة أحدا من النَّاس بشر فى نَفسه أَو عرضه أَو مَاله بِغَيْر حق يَقْتَضِيهِ نظام عَامَّة الْأمة على مَا حدد فِي شريعتها يرشدون الْعقل إِلَى معرفَة الله وَمَا يجب أَن يعرف من صِفَاته ويبينون الْحَد الذى يجب أَن يقف عِنْده فى طلب ذَلِك الْعرْفَان على وَجه لَا يشق عَلَيْهِ الاطمئنان

стр. 61

إِلَيْهِ وَلَا يرفع ثقته بِمَا آتَاهُ الله من الْقُوَّة يجمعُونَ كلمة الْخلق على إِلَه وَاحِد لَا فرقة مَعَه ويخلون السَّبِيل بَينهم وَبَينه وَحده وينهضون نُفُوسهم إِلَى التَّعَلُّق بِهِ فى جَمِيع الْأَعْمَال والمعاملات ويذكرونهم بعظمته بِفَرْض ضروب من الْعِبَادَات فِيمَا اخْتلف من الْأَوْقَات تذكرة لمن ينسى وتزكية مستمرة لمن يخْشَى تقوى مَا ضعف مِنْهُم وتزيد المستيقن يَقِينا يبينون للنَّاس مَا اخْتلفت عَلَيْهِ عُقُولهمْ وشهواتهم وتنازعته مصالحهم ولذاتهم فيفصلون فى تِلْكَ المخاصمات بِأَمْر الله الصادع ويؤيدون بِمَا يبلغون عَنهُ مَا تقوم بِهِ الْمصَالح الْعَامَّة وَلَا تفوت بِهِ الْمَنَافِع الْخَاصَّة يعودون بِالنَّاسِ إِلَى الألفة ويكشفون لَهُم سر الْمحبَّة ويستلفتونهم إِلَى أَن فِيهَا انتظام شَمل الْجَمَاعَة ويفرضون عَلَيْهِم مجاهدة أنفسهم ليستوطنوها قُلُوبهم ويشعروها أفئدتهم يعلمونهم لذَلِك أَن يرْعَى كل حق الآخر وَإِن كَانَ لَا يغْفل حَقه وَأَن لَا يتَجَاوَز فى الطّلب حَده وَأَن يعين قويهم ضعيفهم ويمد غنيهم فقيرهم ويهدى راشدهم ضالهم وَيعلم عالمهم جاهلهم يضعون لَهُم بِأَمْر الله حدودا عَامَّة يسهل عَلَيْهِم أَن يردوا إِلَيْهَا أَعْمَالهم كاحترام الدِّمَاء البشرية إِلَّا بِحَق مَعَ بَيَان الْحق الذى تهدر لَهُ وحظر تنَاول شىء مِمَّا كَسبه الْغَيْر إِلَّا بِحَق مَعَ بَيَان الْحق الذى يُبِيح تنَاوله واحترام الْأَعْرَاض مَعَ بَيَان يُبَاح وَمَا يحرم من الابضاع ويشرعون لَهُم مَعَ ذَلِك أَن يقومُوا أنفسهم بالملكات الفاضلة كالصدق وَالْأَمَانَة وَالْوَفَاء بِالْعُقُودِ والمحافظة على العهود وَالرَّحْمَة بالضعفاء والاقدام على نصيحة الاقوياء وَالِاعْتِرَاف لكل مَخْلُوق بِحقِّهِ بِلَا اسْتثِْنَاء يحملونهم على تَحْويل أهوائهم عَن اللذائذ الفانية إِلَى طلب الرغائب السامية آخذين فى ذَلِك كُله بِطرف من التَّرْغِيب والترهيب والانذار والتبشير حَسْبَمَا أَمرهم الله جلّ شَأْنه يفصلون فى جَمِيع ذَلِك للنَّاس مَا يؤهلهم لرضا الله عَنْهُم وَمَا يعرضهم لسخطه عَلَيْهِم ثمَّ يحيطون ببانهم بِنَبَأٍ الدَّار الْآخِرَة وَمَا أعد الله فِيهَا من الثَّوَاب وَحسن العقبى لمن وقف عِنْد حُدُوده وَأخذ بأوامره وتجنب الْوُقُوع فى محاظيره

стр. 62

يعلمونهم من أنباء الْغَيْب مَا أذن الله لِعِبَادِهِ فى الْعلم بِهِ مِمَّا لَو صَعب على الْعقل اكتناهه لم يشق عَلَيْهِ الِاعْتِرَاف بِوُجُودِهِ بِهَذَا تطمئِن النُّفُوس وتثلج الصُّدُور ويعتصم المرزوء بِالصبرِ انتظارا لجزيل الْأجر أَو إرضاء لمن بِيَدِهِ الْأَمر وَبِهَذَا ينْحل أعظم مُشكل فى الِاجْتِمَاع الإنسانى لَا يزَال الْعُقَلَاء يجهدون أنفسهم فى حلّه إِلَى الْيَوْم لَيْسَ من وظائف الرُّسُل مَا هُوَ من عمل المدرسين ومعلمى الصناعات فَلَيْسَ مِمَّا جَاءُوا لَهُ تَعْلِيم التَّارِيخ وَلَا تَفْصِيل مَا يحويه عَالم الْكَوَاكِب وَلَا بَيَان مَا اخْتلف من حركاتها وَلَا مَا استسكن من طَبَقَات الأَرْض وَلَا مقادير الطول فِيهَا وَالْعرض وَلَا مَا تحْتَاج إِلَيْهِ النباتات فى نموها وَلَا مَا تفْتَقر إِلَيْهِ الْحَيَوَانَات فى بَقَاء أشخاصها أَو أَنْوَاعهَا وَغير ذَلِك مِمَّا وضعت لَهُ الْعُلُوم وتسابقت فى الْوُصُول إِلَى دقائقه الفهوم فَإِن ذَلِك كُله من وَسَائِل الْكسْب وَتَحْصِيل طرق الرَّاحَة هدى الله إِلَيْهِ الْبشر بِمَا أودع فيهم من الْإِدْرَاك يزِيد فى سَعَادَة المحصلين وَيقْضى فِيهِ بالنكد على الْمُقَصِّرِينَ وَلَكِن كَانَت سنة لله فى ذَلِك أَن يتبع طَريقَة التدرج فى الْكَمَال وَقد جَاءَت شرائع الْأَنْبِيَاء بِمَا يحمل على الْإِجْمَال بالسعى فِيهِ وَمَا يكفل الْتِزَامه بالوصول إِلَى مَا أعد الله لَهُ الْفطر الإنسانية من مَرَاتِب الارتقاء أما مَا ورد فى كَلَام الْأَنْبِيَاء من الْإِشَارَة إِلَى شىء مِمَّا ذكرنَا فى أَحْوَال الأفلاك أَو هَيْئَة الأَرْض فَإِنَّمَا يقْصد مِنْهُ النّظر إِلَى مَا فِيهِ من الدّلَالَة على حِكْمَة مبدعة أَو تَوْجِيه الْفِكر إِلَى الغوص لإدراك اسراره وبدائعه ولغتهم عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام فى مُخَاطبَة أممهم لَا يجوز أَن تكون فَوق مَا يفهمون وَإِلَّا ضَاعَت الْحِكْمَة فى إرسالهم وَلِهَذَا قد يأتى التَّعْبِير الذى سبق إِلَى الْعَامَّة بِمَا يحْتَاج إِلَى التَّأْوِيل وَالتَّفْسِير عِنْد الْخَاصَّة وَكَذَلِكَ مَا وَجه إِلَى الْخَاصَّة يحْتَاج إِلَى الزَّمَان الطَّوِيل حَتَّى يفهمهُ الْعَامَّة وَهَذَا الْقسم أقل مَا ورد فى كَلَامهم على كل حَال لَا يجوز أَن يُقَام الدّين حاجزا بَين الْأَرْوَاح وَبَين مَا ميزها الله بِهِ من الاستعداد للْعلم بحقائق الكائنات الممكنة بِقدر الْإِمْكَان بل يجب أَن يكون

стр. 63

الدّين باعثا لَهَا على طلب الْعرْفَان مطالبا لَهَا باحترام الْبُرْهَان فارضا عَلَيْهَا أَن تبذل مَا تَسْتَطِيع من الْجهد فى معرفَة مَا بَين يَديهَا من العوالم وَلَكِن مَعَ الْتِزَام الْقَصْد وَالْوُقُوف فى سَلامَة الِاعْتِقَاد عِنْد الْحَد وَمن قَالَ غير ذَلِك فقد جهل الدّين وجنى عَلَيْهِ جِنَايَة لَا يغفرها لَهُ رب الْعَالمين اعْتِرَاض مشهود قَالَ قَائِل إِن كَانَت بعثة الرُّسُل حَاجَة من حاجات الْبشر وكمالا لنظام اجْتِمَاعهم وطريقا لسعادتهم الدُّنْيَوِيَّة والأخروية فَمَا بالهم لم يزَالُوا أشقياء عَن السَّعَادَة بعداء يتخالفون وَلَا يتفقون يتقاتلون وَلَا يتناصرون يتناهبون وَلَا يتناصفون كل يستعد للوثبة وَلَا ينْتَظر إِلَّا مجىء النّوبَة حَشْو جُلُودهمْ الظُّلم وملء قُلُوبهم الطمع عد أهل كل ذى دين دينهم حجَّة لمقارعة من خالفهم فِيهِ وَاتَّخذُوا مِنْهُ سَببا جَدِيدا للعداوة والعدوان فَوق مَا كَانَ من اخْتِلَاف الْمصَالح وَالْمَنَافِع بل أهل الدّين الْوَاحِد قد تَنْشَق عصاهم وتختلف مذاهبهم فى فهمه وتتفارق عُقُولهمْ فى عقائدهم ويثور بَينهم غُبَار الشَّرّ وتتشبث أهواؤهم بالفتن فيسفكون دِمَاءَهُمْ ويخربون دِيَارهمْ إِلَى أَن يغلب قويهم ضعيفهم فيستقر الْأَمر للقوة لَا للحق وَالدّين فها هُوَ الدّين الذى تَقول إِنَّه جَامع الْكَلِمَة وَرَسُول الْمحبَّة كَانَ سَببا فى الشقاق ومضرما للضغينة فَمَا هَذِه الدَّعْوَى وَمَا هَذَا الْأَثر نقُول فى جَوَابه نعم كل ذَلِك قد كَانَ وَلَكِن بِعُذْر من الْأَنْبِيَاء وانقضاء عَهدهم وَوُقُوع الدّين فى أيدى من لَا يفهمهُ أَو يفهمهُ ويغلو فِيهِ أَولا يغلو فِيهِ وَلَكِن لم يمتزج حبه بِقَلْبِه أَو امتزج بِقَلْبِه حب الدّين وَلَكِن ضَاقَتْ سَعَة عقله عَن تصريفه تصريف الْأَنْبِيَاء أنفسهم أَو الْخيرَة من تبعتهم وَإِلَّا فَقل لنا أى نبى لم يَأْتِ أمته بِالْخَيرِ الجم والفيض الْأَعَمّ وَلم يكن دينه وافيا بِجَمِيعِ مَا كَانَت تمس إِلَيْهِ حَاجَتهَا فى أفرادها وجملتها أَظن أَنَّك لَا تخالفنا فى أَن الْجُمْهُور الْأَعْظَم من النَّاس بل الْكل إِلَّا قَلِيلا

стр. 64

لَا يفهمون فلسفة أفلاطون وَلَا يقيسون أفكارهم وآراءهم بمنطق أرسطو بل لَو عرض أقرب المعقولات إِلَى الْعُقُول عَلَيْهِم بأوضح عبارَة يُمكن أَن يأتى بهَا معبر لما أدركوا مِنْهَا إِلَّا خيالا لَا أثر لَهُ فى تَقْوِيم النَّفس وَلَا فى إصْلَاح الْعَمَل فَاعْتبر هَذِه الطَّبَقَات فى حَالهَا الَّتِى لَا تفارقها من تلاعب الشَّهَوَات بهَا ثمَّ أنصب نَفسك واعظا بَينهَا فى تَخْفيف بلَاء سَاقه النزاع إِلَيْهَا فأى الطّرق أقرب إِلَيْك فى مهاجمة شهواتهم وردهَا إِلَى الِاعْتِدَال فى رغائبها من البديهى أَنَّك لَا تَجِد الطَّرِيق الْأَقْرَب فى بَيَان مضار الْإِسْرَاف فى الرغب وفوائد الْقَصْد فى الطّلب وَمَا ينحو نَحْو ذَلِك مِمَّا لَا يصل إِلَيْهِ أَرْبَاب الْعُقُول السامية إِلَّا بطويل النّظر وَإِنَّمَا تَجِد أقصد الطّرق وأقومها أَن تأتى إِلَيْهِ من نَافِذَة الوجدان المطلة على سر الْقَهْر الْمُحِيط بِهِ من كل جَانب فتذكره بقدرة الله الذى وهبه مَا وهب الْغَالِب عَلَيْهِ فى أدنى شئونه إِلَيْهِ الْمُحِيط بِمَا فى نَفسه الْآخِذ بأزمة هممه وتسوق إِلَيْهِ من الْأَمْثَال فى ذَلِك مَا يقرب إِلَى فهمه ثمَّ تروى لَهُ مَا جَاءَ فى الدّين المعتقد بِهِ من مواعظ وَعبر وَمن سير السّلف فى ذَلِك الدّين مَا فِيهِ أُسْوَة حَسَنَة وتنعش روحه بِذكر رضَا الله إِذا استقام وسخطة عَلَيْهِ إِذا تقحم عِنْد ذَلِك يخشع مِنْهُ الْقلب وتدمع الْعين ويستخذى الْغَضَب وتخمد الشَّهْوَة وَالسَّامِع لم يفهم من ذَلِك كُله إِلَّا أَنه يرضى الله وأولياءه إِذا أطَاع ويسخطهم إِذا عصى ذَلِك هُوَ الْمَشْهُود من حَال الْبشر غابرهم وحاضرهم ومنكره يسم نَفسه أَنه لَيْسَ مِنْهُم كم سمعنَا أَن عيُونا بَكت وزفرات صعدت وَقُلُوبًا خَشَعت لواعظ الدّين وَلَكِن هَل سَمِعت بِمثل ذَلِك بَين يدى نصاح الْأَدَب وزعماء السياسة مَتى سمعنَا أَن طبقَة من طَبَقَات النَّاس يغلب الْخَيْر على أَعْمَالهم لما فِيهِ من الْمَنْفَعَة لعامتهم أَو خاصتهم وينفى الشَّرّ من بَينهم لما يجلبه عَلَيْهِم من مضار ومهالك هَذَا أَمر لم يعْهَد فى سير الْبشر وَلَا ينطبق على فطرهم وَإِنَّمَا قوام الملكات هُوَ العقائد والتقاليد وَلَا قيام للأمرين إِلَّا بِالدّينِ فعامل الدّين هُوَ أقوى العوامل فى أَخْلَاق الْعَامَّة بل والخاصة وسلطانه على نُفُوسهم أَعلَى من سُلْطَان الْعقل الذى هُوَ خَاصَّة نوعهم قُلْنَا إِن منزلَة النبوات من الِاجْتِمَاع هى منزلَة الْعقل من الشَّخْص أَو منزلَة

стр. 65

الْعلم الْمَنْصُوب على الطَّرِيق المسلوك بل نصعد إِلَى مَا فَوق ذَلِك ونقول منزلَة السّمع وَالْبَصَر أَلَيْسَ من وَظِيفَة الباصرة التَّمْيِيز بَين الْحسن والقبيح من المناظر وَبَين الطَّرِيق السهلة والسلوك والمعابر الوعرة وَمَعَ ذَلِك فقد يسىء الْبَصِير اسْتِعْمَال بَصَره فيتردى فى هاوية يهْلك فِيهَا وَعَيناهُ سليمتان تلمعان فى وَجهه يَقع ذَلِك لطيش أَو اهمال أَو غَفلَة أَو لجاج وعناد وَقد يقوم من الْعقل والحس ألف دَلِيل على مضرَّة شىء وَيعلم ذَلِك الباغى فى رايه من أهل الشَّرّ ثمَّ يُخَالف تِلْكَ الدَّلَائِل الظَّاهِرَة ويقتحم الْمَكْرُوه لقَضَاء شَهْوَة اللجاج أَو نَحْوهَا وَلَكِن وُقُوع هَذِه الْأَمْثَال لَا ينقص من قدر الْحس أَو الْعقل فِيمَا خلق لأَجله كَذَلِك الرُّسُل ﵈ أَعْلَام هِدَايَة نصبها الله على سَبِيل النجَاة فَمن النَّاس من اهْتَدَى بهَا فَانْتهى إِلَى غايات السَّعَادَة وَمِنْهُم من غلط فى فهمها أَو انحرف عَن هديها فانكب فى مهاوى الشَّقَاء فالدين هاد وَالنَّقْص يعرض لمن دعوا إِلَى الاهتداء بِهِ وَلَا يطعن نقصهم فى كَمَاله واشتداد حَاجتهم إِلَيْهِ ﴿يضل بِهِ كثيرا وَيهْدِي بِهِ كثيرا وَمَا يضل بِهِ إِلَّا الْفَاسِقين﴾ أَلا إِن الدّين مُسْتَقر السكينَة ولجأ الطُّمَأْنِينَة بِهِ يرضى كل بِمَا قسم لَهُ وَبِه يدأب عَامل حَتَّى يبلغ الْغَايَة من عمله وَبِه تخضع النُّفُوس إِلَى أَحْكَام السّنَن الْعَامَّة فى الْكَوْن وَبِه ينظر الْإِنْسَان إِلَى من فَوْقه فى الْعلم والفضيلة وَإِلَى من دونه فِي المَال والجاه اتبَاعا لما وَردت بِهِ الْأَوَامِر الإلهية الدّين أشبه بالبواعث الفطرية الإلهامية مِنْهُ بالدواعى الاختيارية الدّين قُوَّة من أعظم قوى الْبشر وَإِنَّمَا قد يعرض عَلَيْهَا من الْعِلَل مَا يعرض لغَيْرهَا من القوى وكل مَا وَجه إِلَى الدّين من مثل الِاعْتِرَاض الذى نَحن بصدده فتبعته فى أَعْنَاق القائمين عَلَيْهِ الناصبين أنفسهم منصب الدعْوَة إِلَيْهِ أَو المعروفين بِأَنَّهُم حفظته ورعاة أَحْكَامه وَمَا عَلَيْهِم فى إبلاغ الْقُلُوب بغيتها مِنْهُ إِلَّا أَن يهتدوا بِهِ ويرجعوا بِهِ إِلَى أُصُوله الطاهرة الأولى ويضعوا عَنهُ أوزار الْبدع فترجع إِلَيْهِ قوته وَتظهر للأعمى حكمته رُبمَا يَقُول قَائِل إِن هَذِه الْمُقَابلَة بَين الْعقل وَالدّين تميل إِلَى رأى الْقَائِلين بإهمال الْعقل بالمرة فى قضايا الدّين وَبِأَن أساسه هُوَ التَّسْلِيم الْمَحْض وَقطع الطَّرِيق

стр. 66

على أشعة البصيرة أَن تنفذ إِلَى فهم مَا أودعهُ من معارف وَأَحْكَام فَنَقُول لَو كَانَ الْأَمر كَمَا عساه أَن يُقَال لما كَانَ الدّين علما يهتدى بِهِ وَإِنَّمَا الذى سبق تَقْرِيره هُوَ أَن الْعقل وَحده لَا يسْتَقلّ بالوصول إِلَى مَا فِيهِ سَعَادَة الْأُمَم بِدُونِ مرشد إلهى كَمَا لَا يسْتَقلّ الْحَيَوَان فى دَرك جَمِيع المحسوسات بحاسة الْبَصَر وَحدهَا بل لَا بُد مَعهَا من السّمع لإدراك المسموعات مثلا كَذَلِك الدّين هُوَ حاسة عَامَّة لكشف مَا يشْتَبه على الْعقل من وَسَائِل السعادات وَالْعقل هُوَ صَاحب السُّلْطَان فى معرفَة تِلْكَ الحاسة وتصريفها فِيمَا منحت لأَجله والإذعان لما تكشف لَهُ من معتقدات وحدود أَعمال كَيفَ يُنكر على الْعقل حَقه فى ذَلِك وَهُوَ الذى ينظر فى أدلتها ليصل مِنْهَا إِلَى مَعْرفَتهَا وَأَنَّهَا آتِيَة من قبل الله وَإِنَّمَا على الْعقل بعد التَّصْدِيق برسالة نبى أَن يصدق بِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ وَإِن لم يسْتَطع الْوُصُول إِلَى كنه بعضه والنفوذ إِلَى حَقِيقَته وَلَا يقْضى عَلَيْهِ ذَلِك بِقبُول مَا هُوَ من بَاب الْمحَال الْمُؤَدى إِلَى مثل الْجمع بَين النقيضين أَو بَين الضدين فى مَوْضُوع وَاحِد فى آن وَاحِد فَإِن ذَلِك مِمَّا تتنزه النبوات عَن أَن تأتى بِهِ فَإِن جَاءَ مَا يُوهم ظَاهره ذَلِك فى شَيْء مَا الْوَارِد فِيهَا وَجب على الْعقل أَن يعْتَقد أَن الظَّاهِر غير مُرَاد وَله الْخِيَار بعد ذَلِك فى التَّأْوِيل مسترشدا بِبَقِيَّة مَا جَاءَ على لِسَان من ورد الْمُتَشَابه فى كَلَامه وفى التَّفْوِيض إِلَى الله فى علمه وفى سلفنا من الناجين من أَخذ بِالْأولِ وَمِنْهُم من أَخذ بالثانى رِسَالَة مُحَمَّد ﷺ لَيْسَ من غرضنا فى هَذِه الوريقات أَن نلما بتاريخ الْأُمَم عَامَّة وتاريخ الْعَرَب خَاصَّة فى زمن الْبعْثَة المحمدية لنبين كَيفَ كَانَت حَاجَة سكان الأَرْض ماسة إِلَى قَارِعَة تهز عروش الْمُلُوك وتزلزل قَوَاعِد سلطانهم الغاشم وتخفض من أَبْصَارهم المعقودة بعنان السَّمَاء إِلَى من دونهم من رعاياهم الضُّعَفَاء وَإِلَى نَار تنقض من سَمَاء الْحق على أَدَم الْأَنْفس البشرية لتأكل مَا عشوشبت بِهِ من الأباطيل القاتلة للعقول وصيحة فصحى تزعج الغافلين وَترجع بِالْبَابِ الذاهلين وتنبه المرءوسين

стр. 67

إِلَى أَنهم ليسو بأبعدعن البشرية من الرؤساء الظَّالِمين والهداة الضَّالّين والقادة الغارين وَبِالْجُمْلَةِ تؤوب بهم إِلَى رشد يُقيم الْإِنْسَان على الطَّرِيق الَّتِى سنّهَا الله لَهُ إِنَّا هديناه السَّبِيل ليبلغ بسلوكها كَمَاله ويصل على نهجها إِلَى مَا أعد فى الدَّاريْنِ لَهُ وَلَكنَّا نستعير من التَّارِيخ كلمة يفهمها من نظر فِيمَا أتفق عَلَيْهِ مؤرخو ذَلِك الْعَهْد نظر إمعان وإنصاف كَانَت دولتا الْعَالم دولة الْفرس فى الشرق ودولة الرومان فى الغرب فى تنَازع وتجالد مُسْتَمر دِمَاء بَين الْعَالمين مسفوكة وقوى منهوكة وأموال هالكة وظلم من الأحن حالكة وَمَعَ ذَلِك فقد كَانَ الزهو والترف والإسراف والفخفخة والتفنن فى الملاذ بَالِغَة حد مَالا يُوصف فى قُصُور السلاطين والأمراء والقواد ورؤساء الْأَدْيَان من كل أمة وَكَانَ شَره هَذِه الطَّبَقَة من الْأُمَم لَا يقف عِنْد حد فزادوا فى الضرائب وبالغوا فى فرض الأتاوات حَتَّى أثقلوا ظُهُور الرّعية بمطالبهم وَأتوا على مَا فى أيديها من ثَمَرَات أَعمالهَا وانحصر سُلْطَان القوى فى اختطاف مَا بيد الضَّعِيف وفكر الْعَاقِل فى الاحتيال لسلب الغافل وَتبع ذَلِك أَن استولى على تِلْكَ الشعوب ضروب من الْفقر والذل والاستكانة وَالْخَوْف وَالِاضْطِرَاب لفقد الْأَمْن على الْأَرْوَاح وَالْأَمْوَال غمرت مَشِيئَة الرؤساء إِرَادَة من دونهم فَعَاد هَؤُلَاءِ كأشياح اللاعب يديرها من وَرَاء حجاب ويظنها النَّاظر إِلَيْهَا من ذوى الْأَلْبَاب ففقد بذلك الِاسْتِقْلَال الشخصى وَظن أَفْرَاد الرعايا أَنهم لم يخلقوا إِلَّا لخدمة ساداتهم وتوفير لذاتهم كَمَا هُوَ الشَّأْن فى العجماوات مَعَ من يقتنيها ضلت السادات فى عقائدها وأهوائها وغلبتها على الْحق وَالْعدْل شهواتها وَلَكِن بقى لَهَا من قُوَّة الْفِكر أردا بقاياها فَلم يفارقها الحذر من أَن بصيص النُّور الإلهى الذى يخالط الْفطر الإنسانية قد يفتق الغلف الَّتِى أحاطت بالقلوب ويمزق الْحجب الَّتِى أسدلت على الْعُقُول فتهتدى الْعَامَّة إِلَى السَّبِيل ويثور الجم الْغَفِير على الْعدَد الْقَلِيل وَلذَلِك لم يغْفل الْمُلُوك والرؤساء أَن ينشئوا سحبا من الأوهام ويهيئوا كسفا من الأباطيل والخرافات ليقذفوا بهَا فى عقول الْعَامَّة فيغلظ الْحجاب ويعظم الرين ويختنق بذلك نور

стр. 68

الْفطْرَة وَيتم لَهُم مَا يُرِيدُونَ من المغلوبين لَهُم وَصرح الدّين بِلِسَان رؤسائه أَنه عَدو الْعقل وعدو كل مَا يثمره النّظر إِلَى أَكَانَ تَفْسِيرا لكتاب مقدس وَكَانَ لَهُم فى المشارب الوثنية ينابيع لَا تنضب ومدد لَا ينفذ هَذِه حَالَة الأقوام كَانَت فى معارفهم وَذَلِكَ كَانَ شَأْنهمْ فى مَعَايشهمْ عبيد أذلاء حيارى فى جَهَالَة عمياء اللَّهُمَّ إِلَّا بعض شوارد من بقايا الْحِكْمَة الْمَاضِيَة والشرائع السَّابِقَة آوت إِلَى بعض الأذهان وَمَعَهَا مقت الْحَاضِر وَنقص الْعلم بالغابر ثارت الشُّبُهَات على اصول العقائد وفروعها بِمَا انْقَلب من الْوَضع وانعكس من الطَّبْع فَكَانَ يرى الدنس فى مَظَنَّة الطَّهَارَة والشره حَيْثُ تنْتَظر القناعة والدعارة حَيْثُ ترجى السَّلامَة وَالسَّلَام مَعَ قُصُور النّظر عَن معرفَة السَّبَب وانصرافه لأوّل وهلة إِلَى أَن مصدر كل ذَلِك هُوَ الدّين فاستولى الِاضْطِرَاب على المدارك وَذهب بِالنَّاسِ مَذْهَب الفوضى فى الْعقل والشريعة مَعًا وَظَهَرت مَذَاهِب الإباحيين والدهريين فى شعوب مُتعَدِّدَة وَكَانَ ذَلِك ويلا عَلَيْهَا فَوق مَا رزئت بِهِ من سَائِر الخطوب وَكَانَت الْأمة الْعَرَبيَّة قبائل متخالفة فى النزعات خاضعة للشهوات فَخر كل قَبيلَة فى قتال أُخْتهَا وَسَفك دِمَاء أبطالها وسبى نسائها وسلب أموالها تسوقها المطامع إِلَى المعامع ويزين لَهَا السَّيِّئَات فَسَاد الاعتقادات وَقد بلغ الْعَرَب من سخافة الْعقل حدا صَنَعُوا أصنامهم من الْحَلْوَى ثمَّ عبدوها فَلَمَّا جَاعُوا أكلوها وبلغوا من تضعضع الْأَخْلَاق وَهنا قتلوا فِيهِ بناتهم تخلصا من عَار حياتهن أَو تنصلا من نفقات معيشتهن وَبلغ الْفُحْش مِنْهُم مبلغا لم يعد مَعَه للعفاف قيمَة وَبِالْجُمْلَةِ فَكَانَت ربط النظام الاجتماعى قد تراخت عقدهَا فى كل أمة وانفصمت عراها عِنْد كل طَائِفَة أفلم يكن من رَحْمَة الله بأولئك الأقوام أَن يؤديهم بِرَجُل مِنْهُم يُوحى إِلَيْهِ رسَالَته ويمنحه عنايته ويمده من الْقُوَّة بِمَا يتَمَكَّن مَعَه من كشف تِلْكَ الغمم الَّتِى أظلت رُءُوس جَمِيع الْأُمَم نعم كَانَ ذَلِك وَللَّه الْأَمر من قبل وَمن بعد وفى اللَّيْلَة الثَّانِيَة عشر من ربيع الأول عَام الْفِيل ٢٠ ابريل سنة ٥٧١ من مِيلَاد الْمَسِيح ﵇ ولد مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب بن هَاشم القرشى

стр. 69

بِمَكَّة ولد يَتِيما توفى وَالِده قبل أَن يُولد وَلم يتْرك لَهُ من المَال إِلَّا خمس جمال وَبَعض نعاج وَجَارِيَة ويروى أقل من ذَلِك وفى السّنة السَّادِسَة من عمره فقد والدته أَيْضا فَاحْتَضَنَهُ جده عبد الْمطلب وَبعد سنتَيْن من كفَالَته توفى جده فَكَفَلَهُ من بعده عَمه أَبُو طَالب وَكَانَ شهما كَرِيمًا غير أَنه كَانَ من الْفقر بِحَيْثُ لَا يملك كفاف أَهله وَكَانَ ﷺ من بنى عَمه وصبية قومه كأحدهم على مَا بِهِ من يتم فقد فِيهِ الْأَبَوَيْنِ مَعًا وفقر لم يسلم مِنْهُ الكافل والمكفول وَلم يقم على تَرْبِيَته مهذب وَلم يعن بتثقيفه مؤدب بَين أتراب من نبت الْجَاهِلِيَّة وعشراء من حلفاء الوثنية واولياء من عَبدة الأوهام وأقرباء من حفدة الْأَصْنَام غير أَنه مَعَ ذَلِك كَانَ يَنْمُو ويتكامل بدنا وعقلا وفضيلة وأدبا حَتَّى عرف بَين أهل مَكَّة وَهُوَ فى ريعان شبابه بالأمين أدب إلهى لم تجر الْعَادة بِأَن تزين بِهِ نفوس الْأَيْتَام من الْفُقَرَاء خُصُوصا مَعَ فقر القوام فاكتهل ﷺ كَامِلا وَالْقَوْم ناقصون رفيعا وَالنَّاس منحطون موحدا وهم وثنيون سلما وهم شاغبون صَحِيح الِاعْتِقَاد وهم واهمون مطبوعا على الْخَيْر وهم بِهِ جاهلون وَعَن سَبيله عادلون من السّنَن الْمَعْرُوفَة أَن يَتِيما فَقِيرا أُمِّيا مثله تنطبع نَفسه بِمَا ترَاهُ من أول نشأته إِلَى زمن كهولته ويتأثر عقله بِمَا يسمعهُ مِمَّن يخالطه لَا سِيمَا إِن كَانَ من ذوى قرَابَته وَأهل عصبته ولاكتاب يرشده وَلَا استأذ ينبهه وَلَا عضد إِذا عزم يُؤَيّدهُ فَلَو جرى الْأَمر فِيهِ على جارى السّنَن لنشأ على عقائدهم وَأخذ بمذاهبهم إِلَى أَن يبلغ مبلغ الرِّجَال وَيكون للفكر وَالنَّظَر مجَال فَيرجع إِلَى مخالفتهم إِذا قَامَ لَهُ الدَّلِيل على خلاف ضلالاتهم كَمَا فعل الْقَلِيل مِمَّن كَانُوا على عَهده وَلَكِن الْأَمر لم يجر على سنته بل بغضت إِلَيْهِ الوثنية من مبدأ عمره فعالجته طَهَارَة العقيدة كَمَا بادره حسن الخليقة وَمَا جَاءَ فى الْكتاب من قَوْله ﴿ووجدك ضَالًّا فهدى﴾ لَا يفهم مِنْهُ أَنه كَانَ على وثنية قبل الاهتداء إِلَى التَّوْحِيد أَو على غير السَّبِيل القويم قبل الْخلق الْعَظِيم حاش لله إِن ذَلِك لَهو الْإِفْك الْمُبين وَإِنَّمَا هى الْحيرَة تلم بقلوب أهل الْإِخْلَاص فِيمَا يرجون للنَّاس من الْخَلَاص وَطلب السَّبِيل إِلَى مَا هُدُوا إِلَيْهِ من إنقاذ الهالكين وإرشاد الضَّالّين وَقد هدى الله نبيه

стр. 70

إِلَى مَا كَانَت تتلمسه بصيرته باصطفائه لرسالته واختياره من بَين خلقه لتقرير شَرِيعَته وجد شَيْئا من المَال يسد حَاجته وَقد كَانَ لَهُ فى الاستزادة مِنْهُ مَا يرفه معيشته بِمَا عمل لِخَدِيجَة رضى الله عَنْهَا فى تجارتها وَبِمَا اختارته بعد ذَلِك زوجا لَهَا وَكَانَ فِيمَا يجتنيه من ثَمَرَة عمله غناء لَهُ وَعون على بُلُوغه مَا كَانَ عَلَيْهِ أعاظم قومه لكنه لم ترقه الدُّنْيَا وَلم تغره زخارفها وَلم يسْلك مَا كَانَ يسلكه مثله فى الْوُصُول إِلَى مَا ترغبه الْأَنْفس من نعيمها بل كلما تقدم بِهِ السن زَادَت فِيهِ الرَّغْبَة عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ الكافة ونما فِيهِ حب الِانْفِرَاد والانقطاع إِلَى الْفِكر والمراقبة والتحنث بمناجاة الله تَعَالَى والتوسل إِلَيْهِ فى طلب الْمخْرج من همه الْأَعْظَم فى تَخْلِيص قومه وَنَجَاة الْعَالم من الشَّرّ الذى تولاه إِلَى أَن أنفتق لَهُ الْحجاب عَن عَالم كَانَ يحثه إِلَيْهِ الإلهام الإلهى وتجلى عَلَيْهِ النُّور القدسى وَهَبَطَ عَلَيْهِ الوحى من الْمقَام العلى فى تَفْصِيل لَيْسَ هَذَا مَوْضِعه لم يكن من آبَائِهِ ملك فَيُطَالب بِمَا سلب من ملكه وَكَانَت نفوس قومه فى انصراف تَامّ عَن طلب مناصب السُّلْطَان وفى قناعة بِمَا وجدوه من شرف النِّسْبَة إِلَى الْمَكَان دلّ عَلَيْهِمَا مَا فعل جده عبد الْمطلب عِنْد زحف أَبْرَهَة الحبشى على دِيَارهمْ جَاءَ الحبشى لينتقم من الْعَرَب بهدم معبدهم الْعَام وبيتهم الْحَرَام ومنتجع حجيجهم ومستوى الْعلية من آلِهَتهم ومنتهى حجَّة القرشيين فى مفاخرتهم لبنى قَومهمْ وَتقدم بعض جنده فاستاق عددا من الْإِبِل فِيهَا لعبد الْمطلب مِائَتَا بعير وَخرج عبد الْمطلب فى بعض قُرَيْش لمقابلة الْملك فاستدناه وَسَأَلَهُ حَاجته فَقَالَ هى أَن ترد إِلَى مائتى بعير أصبتها إِلَى فلامه الْملك على الْمطلب الحقير وَقت الْخطب الخطير فَأَجَابَهُ أَنا رب الأبل أما الْبَيْت فَلهُ رب يحميه هَذَا غَايَة مَا ينتهى إِلَيْهِ الإستسلام وَعبد الْمطلب فى مَكَانَهُ من الرياسة على قُرَيْش فَأَيْنَ من تِلْكَ المكانة مُحَمَّد ﷺ فى حَالَة من الْفقر ومقامه فى الْوسط من طَبَقَات أَهله حَتَّى ينتجع ملكا أَو يطْلب سُلْطَانا لَا مَال لَا جاه لَا جند لَا أعوان لَا سليقة فى الشّعْر لَا براعة فى الْكتاب لَا شهرة فى الْخطاب

стр. 71

لَا شىء كَانَ عِنْده مِمَّا يكْسب المكانة فى نفوس الْعَامَّة أَو يرقى بِهِ إِلَى مقَام مَا بَين الْخَاصَّة مَا هَذَا الذى رفع نَفسه فَوق النُّفُوس مَا الذى أَعلَى راسه على الرُّءُوس مَا الذى سما بهمته على الهمم حَتَّى انتدب نَفسه لإرشاد الْأُمَم وكفالته لَهُم كشف الغمم بل وإحياء الرمم مَا كَانَ ذَلِك إِلَّا مَا ألْقى الله فى روعه من حَاجَة الْعَالم إِلَى مقوم لما زاغ من عقائدهم ومصلح لما فسد من أَخْلَاقهم وعوائدهم مَا كَانَ ذَلِك إِلَّا وجدانه ريح الْعِنَايَة الإلهية ينصره فى عمله ويمده فى الِانْتِهَاء إِلَى أمله قبل بُلُوغ أَجله مَا هُوَ إِلَّا الوحى الإلهى يسْعَى نوره بَين يَدَيْهِ يضىء لَهُ السَّبِيل ويكفيه مُؤنَة الدَّلِيل مَا هُوَ إِلَّا الْوَعْد السماوى قَامَ لَدَيْهِ مقَام الْقَائِد والجندى أَرَأَيْت كَيفَ نَهَضَ وحيدا فريدا يَدْعُو النَّاس كَافَّة إِلَى التَّوْحِيد والاعتقاد بالعلى الْمجِيد وَالْكل مَا بَين وثنية مُتَفَرِّقَة ودهرية وزندقة نَادَى فى الوثنيين بترك أوثانهم ونبذ معبوداتهم وفى المشبهين المنغمسين فى الْخَلْط بَين اللاهوت الأقدس وَبَين الجسمانيات بالتطهر من تشبيههم وفى الثانوية بافراد إِلَه وَاحِد بِالتَّصَرُّفِ فى الأكوان ورد كل شىء فى الْوُجُود إِلَيْهِ أهاب بالطبيعيين ليمدوا بصائرهم إِلَى مَا وَرَاء حجاب الطبيعة فيتنوروا سر الْوُجُود الذى قَامَت بِهِ صَاح بذوى الزعامة ليهبطوا إِلَى مُضَاف الْعَامَّة فى الاستكانة إِلَى سُلْطَان معبود وَاحِد هُوَ فاطر السَّمَوَات وَالْأَرْض والقابض على أَرْوَاحهم فى هياكل أَجْسَادهم تنَاول المنتحلين مِنْهُم لمرتبة التَّوَسُّط بَين الْعباد وَبَين رَبهم الْأَعْلَى فَبين لَهُم بِالدَّلِيلِ وكشف لَهُم بِنور الوحى أَن نِسْبَة أكبرهم إِلَى الله كنسبة أَصْغَر المعتقدين بهم وطالبهم بالنزول عَمَّا انتحلوه لأَنْفُسِهِمْ من المكانات الربانية إِلَى أدنى سلم من الْعُبُودِيَّة والاشتراك مَعَ كل ذى نفس إنسانية فى الِاسْتِعَانَة بِرَبّ وَاحِد يستوى جَمِيع الْخلق فى النِّسْبَة إِلَيْهِ لَا يتفاوتون إِلَّا فِيمَا فضل بِهِ بَعضهم على بعض من علم أَو فَضِيلَة وخز بوعظه عبيد الْعَادَات وأسراء التَّقْلِيد ليعتقوا أَرْوَاحهم مِمَّا استعبدوا لَهُ ويحلوا أغلالهم الَّتِى أخذت بِأَيْدِيهِم عَن الْعَمَل وقطعتهم دون الأمل مَال على قراء الْكتب السماوية والقائمين على مَا أودعته من الشَّرَائِع الإلهية فَبَكَتْ الواقفين عِنْد حروفها بغباوتهم وشدد النكير على المحرفين لَهَا الصارفين لألفاظها إِلَى غير

стр. 72

مَا قصد من وحيها اتبَاعا لشهواتهم ودعاهم إِلَى فهمها والتحقق بسر علمهَا حَتَّى يَكُونُوا على نور من رَبهم واستفلت كل إِنْسَان إِلَى مَا أودع فِيهِ من الْمَوَاهِب الإلهية ودعا النَّاس أَجْمَعِينَ ذُكُورا وإناثا عَامَّة وسادات إِلَى عرفان أنفسهم وَأَنَّهُمْ من نوع خصّه الله بِالْعقلِ وميزه بالفكر وشرفه بهما وبحرية الْإِرَادَة فِيمَا يرشده إِلَيْهِ عقله وفكره وَأَن الله عرض عَلَيْهِم جَمِيع مَا بَين أَيْديهم من الأكوان وسلطهم على فهمها وَالِانْتِفَاع بهَا بِدُونِ شَرط وَلَا قيد إِلَّا الِاعْتِدَال وَالْوُقُوف عِنْد حُدُود الشَّرِيعَة العادلة والفضيلة الْكَامِلَة وأقدرهم بذلك على أَن يصلوا إِلَى معرفَة خالقهم بعقولهم وأفكارهم بِدُونِ وَاسِطَة أحد إِلَّا من خصهم الله بوحيه وَقد وكل إِلَيْهِم معرفتهم بِالدَّلِيلِ كَمَا كَانَ الشَّأْن فى معرفتهم لمبدع الكائنات أجمع وَالْحَاجة إِلَى أُولَئِكَ المصطفين إِنَّمَا هُوَ معرفَة الصِّفَات الَّتِى أذن الله أَن تعلم مِنْهُ وَلَيْسَ فى الِاعْتِقَاد بِوُجُودِهِ وَقرر أَن لَا سُلْطَان لأحد من الْبشر على آخر مِنْهُ إِلَّا مَا رسمته الشَّرِيعَة وفرضه الْعدْل ثمَّ الْإِنْسَان بعد ذَلِك يذهب بإرادته إِلَى مَا سخرت لَهُ بِمُقْتَضى الْفطْرَة دَعَا الْإِنْسَان إِلَى معرفَة أَنه جسم وروح وَأَنه بذلك من عَالمين متخلفين وَإِن كَانَا ممتزجين وَأَنه مطَالب بخدمتهما جَمِيعًا وإيفاء كل مِنْهُمَا مَا قررت لَهُ الْحِكْمَة الإلهية من الْحق دَعَا النَّاس كَافَّة إِلَى الاستعداد فى هَذِه الْحَيَاة لما سيلاقون فى الْحَيَاة الْأُخْرَى وَبَين لَهُم أَن خير زَاد يتزوده الْعَامِل هُوَ الْإِخْلَاص لله فى الْعِبَادَة وَالْإِخْلَاص للعباد فى الْعدْل والنصيحة والإرشاد قَامَ بِهَذِهِ الدعْوَة الْعُظْمَى وَحده وَلَا حول وَلَا قُوَّة لَهُ كل هَذَا كَانَ مِنْهُ وَالنَّاس أحباء مَا ألفوا وَإِن كَانَ خسران الدُّنْيَا وحرمان الْآخِرَة أَعدَاء مَا جهلوا وَإِن كَانَ رغد الْعَيْش وَعزة السِّيَادَة ومنتهى السَّعَادَة كل هَذَا وَالْقَوْم حواليه أَعدَاء أنفسهم وَعبيد شهواتهم لَا يفقهُونَ دَعوته وَلَا يعْقلُونَ رسَالَته عقدت أهداب بصائر الْعَامَّة مِنْهُم بأهواء الْخَاصَّة وحجبت عقول الْخَاصَّة بغرور الْعِزَّة عَن النّظر فى دَعْوَى فَقير أمى مثله لَا يرَوْنَ فِيهِ مَا يرفعهُ إِلَى نصيحتهم والتطاول إِلَى مقاماتهم الرفيعة باللوم والتعنيف

стр. 73

لكنه فى فقره وَضَعفه كَانَ يقارعهم بِالْحجَّةِ ويناضلهم بِالدَّلِيلِ ويأخذهم بِالنَّصِيحَةِ ويزعجهم بالزجر وينبههم للعبر ويحوطهم مَعَ ذَلِك بِالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَة كَأَنَّمَا هُوَ سُلْطَان قاهر فى حكمه عَادل فى أمره وَنَهْيه أَو أَب حَكِيم فى تربية أبنائه شَدِيد الْحِرْص على مصالحهم رءوف بهم فى شدته رَحِيم فى سلطته مَا هَذِه الْقُوَّة فى ذَلِك الضعْف مَا هَذَا السُّلْطَان فى مَظَنَّة الْعَجز مَا هَذَا الْعلم فى تِلْكَ الأمية مَا هَذَا الرشاد فى غَمَرَات الْجَاهِلِيَّة إِن هُوَ إِلَّا خطاب الجبروت الْأَعْلَى قَارِعَة الْقُدْرَة العظمة نِدَاء الْعِنَايَة الْعليا ذَلِك خطاب الله الْقَادِر على كل شىء الذى وسع كل شىء رَحْمَة وعلما ذَلِك أَمر الله الصادع يقرع الآذان ويشق الْحجب ويمزق الغلف وَينفذ إِلَى الْقُلُوب على لِسَان من اخْتَارَهُ لينطق بِهِ واختصه بذلك وَهُوَ أَضْعَف قومه ليقيم من هَذَا الِاخْتِصَاص برهانا عَلَيْهِ بَعيدا عَن الظنة بَرِيئًا من التُّهْمَة لإتيانه على غير الْمُعْتَاد بَين خلقه أى برهَان على النُّبُوَّة أعظم من هَذَا أمى قَامَ يَدْعُو الْكَاتِبين إِلَى فهم مَا يَكْتُبُونَ وَمَا يقرءُون بعيد عَن مدارس الْعلم صَاح بالعلماء ليمحصوا مَا كَانُوا يعلمُونَ فى نَاحيَة عَن ينابيع الْعرْفَان جَاءَ يرشد العرفاء ناشىء بَين الواهمين هَب لتقويم عوج الْحُكَمَاء غَرِيب فى أقرب الشعوب إِلَى سذاجة الطبيعة وأبعدها عَن فهم نظام الْخَلِيفَة وَالنَّظَر فى سنَنه البديعة أَخذ يُقرر للْعَالم أجمع أصُول الشَّرِيعَة ويخط للسعادة طرقا لن يهْلك سالكها وَلنْ يخلص تاركها مَا هَذَا الْخطاب المفحم مَا ذَلِك الدَّلِيل الملجم أأقول مَا هَذَا بشرا إِن هَذَا إِلَّا ملك كريم لالا أَقُول ذَلِك وَلَكِن أَقُول كَمَا أمره الله أَن يصف نَفسه إِن هُوَ إِلَّا بشر مثلكُمْ يُوحى إِلَيْهِ نبى صدق الْأَنْبِيَاء وَلَكِن لم يَأْتِ فى الْإِقْنَاع برسالته بِمَا يلهى الْأَبْصَار أَو يحير الْحَواس أَو يدهش المشاعر وَلَكِن طَالب كل قُوَّة بِالْعَمَلِ فِيمَا أعدت لَهُ واختص الْعقل بِالْخِطَابِ وحاكم إِلَيْهِ الْخَطَأ وَالصَّوَاب وَجعل فى قُوَّة الْكَلَام وسلطان البلاغة وَصِحَّة الدَّلِيل مبلغ الْحجَّة وَآيَة الْحق الذى لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه تَنْزِيل من حَكِيم حميد

стр. 74

الْقُرْآن جَاءَنَا الْخَبَر الْمُتَوَاتر الذى لَا تطرق إِلَيْهِ الرِّيبَة أَن النبى ﷺ كَانَ فى نشأته وأميته على الْحَال الَّتِى ذكرنَا وتواترت أَخْبَار الْأُمَم كَافَّة على أَنه جَاءَ بِكِتَاب قَالَ إِنَّه أنزل عَلَيْهِ وَأَن ذَلِك الْكتاب هُوَ الْقُرْآن الْمَكْتُوب فى الْمَصَاحِف الْمَحْفُوظ فى صُدُور من عَنى بحفظه من الْمُسلمين إِلَى الْيَوْم كتاب حوى من أَخْبَار الْأُمَم الْمَاضِيَة مَا فِيهِ مُعْتَبر للأجيال الْحَاضِرَة والمستقبلة نقب على الصَّحِيح مِنْهَا وغادر الأباطيل الَّتِى ألحقتها الأوهام بهَا وَنبهَ على وُجُوه الْعبْرَة فِيهَا حكى عَن الْأَنْبِيَاء مَا شَاءَ الله أَن يقص علينا من سيرهم وَمَا كَانَ بَينهم وَبَين أممهم وبرأهم مِمَّا رماهم بِهِ أهل دينهم المعتقدون برسالاتهم آخذ الْعلمَاء من الْملَل الْمُخْتَلفَة على مَا أفسدوا من عقائدهم وَمَا خلطوا فى أحكامهم وَمَا حرفوا بالتأويل فى كتبهمْ وَشرع للنَّاس أحكاما تنطبق على مصالحهم وَظَهَرت الْفَائِدَة فى الْعَمَل بهَا والمحافظة عَلَيْهَا وَقَامَ بهَا الْعدْل وانتظم بهَا شَمل الْجَمَاعَة مَا كَانَت عِنْد حد مَا قَرَّرَهُ ثمَّ عظمت الْمضرَّة فى إهمالها والإنحراف عَنْهَا أَو الْبعد بهَا عَن الرّوح الذى أودعته ففاقت بذلك جَمِيع الشَّرَائِع الوضعية كَمَا يتَبَيَّن للنَّاظِر فى شرائع الْأُمَم ثمَّ جَاءَ بعد ذَلِك بِحكم ومواعظ وآداب تخشع لَهَا الْقُلُوب وتهش لاستقبالها الْعُقُول وتنصرف وَرَاءَهَا الهمم انصرافها فى السَّبِيل الْأُمَم نزل الْقُرْآن فى عصر اتّفق الروَاة وتواترت الْأَخْبَار على أَنه أرقى الْأَعْصَار عِنْد الْعَرَب وأغزرها مَادَّة فى الفصاحة وَأَنه الممتاز بَين جَمِيع مَا تقدمه بوفرة رجال البلاغة وفرسان الْخطاب وأنفس مَا كَانَت الْعَرَب تتنافس فِيهِ من ثمار الْعقل ونتائج الفطنة والذكاء هُوَ الغلب فى القَوْل والسبق إِلَى إِصَابَة مَكَان الوجدان من الْقُلُوب ومقر الإذعان من الْعُقُول وتفانيهم فى الْمُفَاخَرَة بذلك مِمَّا لَا يحْتَاج إِلَى الإطالة فى بَيَانه تَوَاتر الْخَبَر كَذَلِك بِمَا كَانَ مِنْهُم من الْحِرْص على مُعَارضَة النبى ﷺ والتماسهم الْوَسَائِل قريبها وبعيدها لإبطال دَعْوَاهُ وتكذيبه فى الْإِخْبَار

стр. 75

عَن الله وإتيانهم فى ذَلِك على مبلغ استطاعتهم وَكَانَ فيهم الْمُلُوك الَّذين تحملهم عزة الْملك على معاندته والأمراء الَّذين يَدعُوهُم السُّلْطَان إِلَى مناوأته والخطباء وَالشعرَاء وَالْكتاب الَّذين يشمخون بأنوفهم عَن مُتَابَعَته وَقد اشْتَدَّ جَمِيع أُولَئِكَ فى مقاومته وانهالوا بقواهم عَلَيْهِ استكبارا عَن الخضوع لَهُ وتمسكا بِمَا كَانُوا عَلَيْهِ من أَدْيَان آبَائِهِم وحمية لعقائدهم وعقائد أسلافهم وَهُوَ مَعَ ذَلِك يخطىء آراءهم ويسفه أحلامهم ويحتقر أصنامهم ويدعوهم إِلَى مَا لم تعهده أيامهم وَلم تخفق لمثله أعلامهم وَلَا حجَّة لَهُ بَين يدى ذَلِك كُله إِلَّا تحديهم بالإتيان بِمثل أقصر سُورَة من ذَلِك الْكتاب أَو بِعشر سور من مثله وَكَانَ فى استطاعتهم أَن يجمعوا إِلَيْهِ من الْعلمَاء والفصحاء البلغاء مَا شَاءُوا ليأتوا بشىء من مثل مَا أَتَى بِهِ ليبطلوا الْحجَّة ويفحموا صَاحب الدعْوَة جَاءَنَا الْخَبَر الْمُتَوَاتر أَنه مَعَ طول زمن التحدى ولجاج الْقَوْم فى التعدى أصيبوا بِالْعَجزِ وَرَجَعُوا بالخيبة وحقت للْكتاب الْعَزِيز الْكَلِمَة الْعليا على كل كَلَام وَقضى حكمه العلى على جَمِيع الْأَحْكَام أَلَيْسَ فى ظُهُور مثل هَذَا الْكتاب على لِسَان أمى أعظم معْجزَة وأدل برهَان على أَنه لَيْسَ من صنع الْبشر وَإِنَّمَا هُوَ النُّور المنبعث عَن شمس الْعلم الإلهى وَالْحكم الصَّادِر عَن الْمقَام الربانى على لِسَان الرَّسُول الأمى صلوَات الله عَلَيْهِ هَذَا وَقد جَاءَ فى الْكتاب من أَخْبَار الْغَيْب مَا صدقته حوادث الْكَوْن كالخبر فى قَوْله ﴿غلبت الرّوم فِي أدنى الأَرْض وهم من بعد غلبهم سيغلبون فِي بضع سِنِين﴾ وكالوعد الصَّرِيح فى قَوْله وعد الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وعملو الصَّالِحَات ليَستَخْلِفنهم فى الأَرْض كَمَا اسْتخْلف الَّذين من قبلهم الْآيَة وَقد تحقق جَمِيع ذَلِك وفى الْقُرْآن كثير من مثل هَذَا يُحِيط بِهِ من يتلوه حق تِلَاوَته وَمن الْكَلَام عَن الْغَيْب فِيهِ مَا جَاءَ فى تحدى الْعَرَب بِهِ واكتفائه فى الرُّجُوع عَن دَعْوَاهُ بِأَن يأتو بِسُورَة من مثله مَعَ سَعَة الْبِلَاد الْعَرَبيَّة ووفرة سكانها وتباعد أطرافها وانتشار دَعوته على لِسَان الوافدين إِلَى مَكَّة من جَمِيع
следующие страницы →