Полный текст (106 стр.). Показаны 71–106 · переход к 76.
стр. 71
لَا شىء كَانَ عِنْده مِمَّا يكْسب المكانة فى نفوس الْعَامَّة أَو يرقى بِهِ إِلَى مقَام مَا بَين الْخَاصَّة مَا هَذَا الذى رفع نَفسه فَوق النُّفُوس مَا الذى أَعلَى راسه على الرُّءُوس مَا الذى سما بهمته على الهمم حَتَّى انتدب نَفسه لإرشاد الْأُمَم وكفالته لَهُم كشف الغمم بل وإحياء الرمم مَا كَانَ ذَلِك إِلَّا مَا ألْقى الله فى روعه من حَاجَة الْعَالم إِلَى مقوم لما زاغ من عقائدهم ومصلح لما فسد من أَخْلَاقهم وعوائدهم مَا كَانَ ذَلِك إِلَّا وجدانه ريح الْعِنَايَة الإلهية ينصره فى عمله ويمده فى الِانْتِهَاء إِلَى أمله قبل بُلُوغ أَجله مَا هُوَ إِلَّا الوحى الإلهى يسْعَى نوره بَين يَدَيْهِ يضىء لَهُ السَّبِيل ويكفيه مُؤنَة الدَّلِيل مَا هُوَ إِلَّا الْوَعْد السماوى قَامَ لَدَيْهِ مقَام الْقَائِد والجندى أَرَأَيْت كَيفَ نَهَضَ وحيدا فريدا يَدْعُو النَّاس كَافَّة إِلَى التَّوْحِيد والاعتقاد بالعلى الْمجِيد وَالْكل مَا بَين وثنية مُتَفَرِّقَة ودهرية وزندقة نَادَى فى الوثنيين بترك أوثانهم ونبذ معبوداتهم وفى المشبهين المنغمسين فى الْخَلْط بَين اللاهوت الأقدس وَبَين الجسمانيات بالتطهر من تشبيههم وفى الثانوية بافراد إِلَه وَاحِد بِالتَّصَرُّفِ فى الأكوان ورد كل شىء فى الْوُجُود إِلَيْهِ أهاب بالطبيعيين ليمدوا بصائرهم إِلَى مَا وَرَاء حجاب الطبيعة فيتنوروا سر الْوُجُود الذى قَامَت بِهِ صَاح بذوى الزعامة ليهبطوا إِلَى مُضَاف الْعَامَّة فى الاستكانة إِلَى سُلْطَان معبود وَاحِد هُوَ فاطر السَّمَوَات وَالْأَرْض والقابض على أَرْوَاحهم فى هياكل أَجْسَادهم تنَاول المنتحلين مِنْهُم لمرتبة التَّوَسُّط بَين الْعباد وَبَين رَبهم الْأَعْلَى فَبين لَهُم بِالدَّلِيلِ وكشف لَهُم بِنور الوحى أَن نِسْبَة أكبرهم إِلَى الله كنسبة أَصْغَر المعتقدين بهم وطالبهم بالنزول عَمَّا انتحلوه لأَنْفُسِهِمْ من المكانات الربانية إِلَى أدنى سلم من الْعُبُودِيَّة والاشتراك مَعَ كل ذى نفس إنسانية فى الِاسْتِعَانَة بِرَبّ وَاحِد يستوى جَمِيع الْخلق فى النِّسْبَة إِلَيْهِ لَا يتفاوتون إِلَّا فِيمَا فضل بِهِ بَعضهم على بعض من علم أَو فَضِيلَة وخز بوعظه عبيد الْعَادَات وأسراء التَّقْلِيد ليعتقوا أَرْوَاحهم مِمَّا استعبدوا لَهُ ويحلوا أغلالهم الَّتِى أخذت بِأَيْدِيهِم عَن الْعَمَل وقطعتهم دون الأمل مَال على قراء الْكتب السماوية والقائمين على مَا أودعته من الشَّرَائِع الإلهية فَبَكَتْ الواقفين عِنْد حروفها بغباوتهم وشدد النكير على المحرفين لَهَا الصارفين لألفاظها إِلَى غير
стр. 72
مَا قصد من وحيها اتبَاعا لشهواتهم ودعاهم إِلَى فهمها والتحقق بسر علمهَا حَتَّى يَكُونُوا على نور من رَبهم واستفلت كل إِنْسَان إِلَى مَا أودع فِيهِ من الْمَوَاهِب الإلهية ودعا النَّاس أَجْمَعِينَ ذُكُورا وإناثا عَامَّة وسادات إِلَى عرفان أنفسهم وَأَنَّهُمْ من نوع خصّه الله بِالْعقلِ وميزه بالفكر وشرفه بهما وبحرية الْإِرَادَة فِيمَا يرشده إِلَيْهِ عقله وفكره وَأَن الله عرض عَلَيْهِم جَمِيع مَا بَين أَيْديهم من الأكوان وسلطهم على فهمها وَالِانْتِفَاع بهَا بِدُونِ شَرط وَلَا قيد إِلَّا الِاعْتِدَال وَالْوُقُوف عِنْد حُدُود الشَّرِيعَة العادلة والفضيلة الْكَامِلَة وأقدرهم بذلك على أَن يصلوا إِلَى معرفَة خالقهم بعقولهم وأفكارهم بِدُونِ وَاسِطَة أحد إِلَّا من خصهم الله بوحيه وَقد وكل إِلَيْهِم معرفتهم بِالدَّلِيلِ كَمَا كَانَ الشَّأْن فى معرفتهم لمبدع الكائنات أجمع وَالْحَاجة إِلَى أُولَئِكَ المصطفين إِنَّمَا هُوَ معرفَة الصِّفَات الَّتِى أذن الله أَن تعلم مِنْهُ وَلَيْسَ فى الِاعْتِقَاد بِوُجُودِهِ وَقرر أَن لَا سُلْطَان لأحد من الْبشر على آخر مِنْهُ إِلَّا مَا رسمته الشَّرِيعَة وفرضه الْعدْل ثمَّ الْإِنْسَان بعد ذَلِك يذهب بإرادته إِلَى مَا سخرت لَهُ بِمُقْتَضى الْفطْرَة دَعَا الْإِنْسَان إِلَى معرفَة أَنه جسم وروح وَأَنه بذلك من عَالمين متخلفين وَإِن كَانَا ممتزجين وَأَنه مطَالب بخدمتهما جَمِيعًا وإيفاء كل مِنْهُمَا مَا قررت لَهُ الْحِكْمَة الإلهية من الْحق دَعَا النَّاس كَافَّة إِلَى الاستعداد فى هَذِه الْحَيَاة لما سيلاقون فى الْحَيَاة الْأُخْرَى وَبَين لَهُم أَن خير زَاد يتزوده الْعَامِل هُوَ الْإِخْلَاص لله فى الْعِبَادَة وَالْإِخْلَاص للعباد فى الْعدْل والنصيحة والإرشاد
قَامَ بِهَذِهِ الدعْوَة الْعُظْمَى وَحده وَلَا حول وَلَا قُوَّة لَهُ كل هَذَا كَانَ مِنْهُ وَالنَّاس أحباء مَا ألفوا وَإِن كَانَ خسران الدُّنْيَا وحرمان الْآخِرَة أَعدَاء مَا جهلوا وَإِن كَانَ رغد الْعَيْش وَعزة السِّيَادَة ومنتهى السَّعَادَة كل هَذَا وَالْقَوْم حواليه أَعدَاء أنفسهم وَعبيد شهواتهم لَا يفقهُونَ دَعوته وَلَا يعْقلُونَ رسَالَته عقدت أهداب بصائر الْعَامَّة مِنْهُم بأهواء الْخَاصَّة وحجبت عقول الْخَاصَّة بغرور الْعِزَّة عَن النّظر فى دَعْوَى فَقير أمى مثله لَا يرَوْنَ فِيهِ مَا يرفعهُ إِلَى نصيحتهم والتطاول إِلَى مقاماتهم الرفيعة باللوم والتعنيف
стр. 73
لكنه فى فقره وَضَعفه كَانَ يقارعهم بِالْحجَّةِ ويناضلهم بِالدَّلِيلِ ويأخذهم بِالنَّصِيحَةِ ويزعجهم بالزجر وينبههم للعبر ويحوطهم مَعَ ذَلِك بِالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَة كَأَنَّمَا هُوَ سُلْطَان قاهر فى حكمه عَادل فى أمره وَنَهْيه أَو أَب حَكِيم فى تربية أبنائه شَدِيد الْحِرْص على مصالحهم رءوف بهم فى شدته رَحِيم فى سلطته مَا هَذِه الْقُوَّة فى ذَلِك الضعْف مَا هَذَا السُّلْطَان فى مَظَنَّة الْعَجز مَا هَذَا الْعلم فى تِلْكَ الأمية مَا هَذَا الرشاد فى غَمَرَات الْجَاهِلِيَّة إِن هُوَ إِلَّا خطاب الجبروت الْأَعْلَى قَارِعَة الْقُدْرَة العظمة نِدَاء الْعِنَايَة الْعليا ذَلِك خطاب الله الْقَادِر على كل شىء الذى وسع كل شىء رَحْمَة وعلما ذَلِك أَمر الله الصادع يقرع الآذان ويشق الْحجب ويمزق الغلف وَينفذ إِلَى الْقُلُوب على لِسَان من اخْتَارَهُ لينطق بِهِ واختصه بذلك وَهُوَ أَضْعَف قومه ليقيم من هَذَا الِاخْتِصَاص برهانا عَلَيْهِ بَعيدا عَن الظنة بَرِيئًا من التُّهْمَة لإتيانه على غير الْمُعْتَاد بَين خلقه أى برهَان على النُّبُوَّة أعظم من هَذَا أمى قَامَ يَدْعُو الْكَاتِبين إِلَى فهم مَا يَكْتُبُونَ وَمَا يقرءُون بعيد عَن مدارس الْعلم صَاح بالعلماء ليمحصوا مَا كَانُوا يعلمُونَ فى نَاحيَة عَن ينابيع الْعرْفَان جَاءَ يرشد العرفاء ناشىء بَين الواهمين هَب لتقويم عوج الْحُكَمَاء غَرِيب فى أقرب الشعوب إِلَى سذاجة الطبيعة وأبعدها عَن فهم نظام الْخَلِيفَة وَالنَّظَر فى سنَنه البديعة أَخذ يُقرر للْعَالم أجمع أصُول الشَّرِيعَة ويخط للسعادة طرقا لن يهْلك سالكها وَلنْ يخلص تاركها مَا هَذَا الْخطاب المفحم مَا ذَلِك الدَّلِيل الملجم أأقول مَا هَذَا بشرا إِن هَذَا إِلَّا ملك كريم لالا أَقُول ذَلِك وَلَكِن أَقُول كَمَا أمره الله أَن يصف نَفسه إِن هُوَ إِلَّا بشر مثلكُمْ يُوحى إِلَيْهِ نبى صدق الْأَنْبِيَاء وَلَكِن لم يَأْتِ فى الْإِقْنَاع برسالته بِمَا يلهى الْأَبْصَار أَو يحير الْحَواس أَو يدهش المشاعر وَلَكِن طَالب كل قُوَّة بِالْعَمَلِ فِيمَا أعدت لَهُ واختص الْعقل بِالْخِطَابِ وحاكم إِلَيْهِ الْخَطَأ وَالصَّوَاب وَجعل فى قُوَّة الْكَلَام وسلطان البلاغة وَصِحَّة الدَّلِيل مبلغ الْحجَّة وَآيَة الْحق الذى لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه تَنْزِيل من حَكِيم حميد
стр. 74
الْقُرْآن
جَاءَنَا الْخَبَر الْمُتَوَاتر الذى لَا تطرق إِلَيْهِ الرِّيبَة أَن النبى ﷺ كَانَ فى نشأته وأميته على الْحَال الَّتِى ذكرنَا وتواترت أَخْبَار الْأُمَم كَافَّة على أَنه جَاءَ بِكِتَاب قَالَ إِنَّه أنزل عَلَيْهِ وَأَن ذَلِك الْكتاب هُوَ الْقُرْآن الْمَكْتُوب فى الْمَصَاحِف الْمَحْفُوظ فى صُدُور من عَنى بحفظه من الْمُسلمين إِلَى الْيَوْم كتاب حوى من أَخْبَار الْأُمَم الْمَاضِيَة مَا فِيهِ مُعْتَبر للأجيال الْحَاضِرَة والمستقبلة نقب على الصَّحِيح مِنْهَا وغادر الأباطيل الَّتِى ألحقتها الأوهام بهَا وَنبهَ على وُجُوه الْعبْرَة فِيهَا حكى عَن الْأَنْبِيَاء مَا شَاءَ الله أَن يقص علينا من سيرهم وَمَا كَانَ بَينهم وَبَين أممهم وبرأهم مِمَّا رماهم بِهِ أهل دينهم المعتقدون برسالاتهم آخذ الْعلمَاء من الْملَل الْمُخْتَلفَة على مَا أفسدوا من عقائدهم وَمَا خلطوا فى أحكامهم وَمَا حرفوا بالتأويل فى كتبهمْ وَشرع للنَّاس أحكاما تنطبق على مصالحهم وَظَهَرت الْفَائِدَة فى الْعَمَل بهَا والمحافظة عَلَيْهَا وَقَامَ بهَا الْعدْل وانتظم بهَا شَمل الْجَمَاعَة مَا كَانَت عِنْد حد مَا قَرَّرَهُ ثمَّ عظمت الْمضرَّة فى إهمالها والإنحراف عَنْهَا أَو الْبعد بهَا عَن الرّوح الذى أودعته ففاقت بذلك جَمِيع الشَّرَائِع الوضعية كَمَا يتَبَيَّن للنَّاظِر فى شرائع الْأُمَم ثمَّ جَاءَ بعد ذَلِك بِحكم ومواعظ وآداب تخشع لَهَا الْقُلُوب وتهش لاستقبالها الْعُقُول وتنصرف وَرَاءَهَا الهمم انصرافها فى السَّبِيل الْأُمَم نزل الْقُرْآن فى عصر اتّفق الروَاة وتواترت الْأَخْبَار على أَنه أرقى الْأَعْصَار عِنْد الْعَرَب وأغزرها مَادَّة فى الفصاحة وَأَنه الممتاز بَين جَمِيع مَا تقدمه بوفرة رجال البلاغة وفرسان الْخطاب وأنفس مَا كَانَت الْعَرَب تتنافس فِيهِ من ثمار الْعقل ونتائج الفطنة والذكاء هُوَ الغلب فى القَوْل والسبق إِلَى إِصَابَة مَكَان الوجدان من الْقُلُوب ومقر الإذعان من الْعُقُول وتفانيهم فى الْمُفَاخَرَة بذلك مِمَّا لَا يحْتَاج إِلَى الإطالة فى بَيَانه
تَوَاتر الْخَبَر كَذَلِك بِمَا كَانَ مِنْهُم من الْحِرْص على مُعَارضَة النبى ﷺ والتماسهم الْوَسَائِل قريبها وبعيدها لإبطال دَعْوَاهُ وتكذيبه فى الْإِخْبَار
стр. 75
عَن الله وإتيانهم فى ذَلِك على مبلغ استطاعتهم وَكَانَ فيهم الْمُلُوك الَّذين تحملهم عزة الْملك على معاندته والأمراء الَّذين يَدعُوهُم السُّلْطَان إِلَى مناوأته والخطباء وَالشعرَاء وَالْكتاب الَّذين يشمخون بأنوفهم عَن مُتَابَعَته وَقد اشْتَدَّ جَمِيع أُولَئِكَ فى مقاومته وانهالوا بقواهم عَلَيْهِ استكبارا عَن الخضوع لَهُ وتمسكا بِمَا كَانُوا عَلَيْهِ من أَدْيَان آبَائِهِم وحمية لعقائدهم وعقائد أسلافهم وَهُوَ مَعَ ذَلِك يخطىء آراءهم ويسفه أحلامهم ويحتقر أصنامهم ويدعوهم إِلَى مَا لم تعهده أيامهم وَلم تخفق لمثله أعلامهم وَلَا حجَّة لَهُ بَين يدى ذَلِك كُله إِلَّا تحديهم بالإتيان بِمثل أقصر سُورَة من ذَلِك الْكتاب أَو بِعشر سور من مثله وَكَانَ فى استطاعتهم أَن يجمعوا إِلَيْهِ من الْعلمَاء والفصحاء البلغاء مَا شَاءُوا ليأتوا بشىء من مثل مَا أَتَى بِهِ ليبطلوا الْحجَّة ويفحموا صَاحب الدعْوَة
جَاءَنَا الْخَبَر الْمُتَوَاتر أَنه مَعَ طول زمن التحدى ولجاج الْقَوْم فى التعدى أصيبوا بِالْعَجزِ وَرَجَعُوا بالخيبة وحقت للْكتاب الْعَزِيز الْكَلِمَة الْعليا على كل كَلَام وَقضى حكمه العلى على جَمِيع الْأَحْكَام أَلَيْسَ فى ظُهُور مثل هَذَا الْكتاب على لِسَان أمى أعظم معْجزَة وأدل برهَان على أَنه لَيْسَ من صنع الْبشر وَإِنَّمَا هُوَ النُّور المنبعث عَن شمس الْعلم الإلهى وَالْحكم الصَّادِر عَن الْمقَام الربانى على لِسَان الرَّسُول الأمى صلوَات الله عَلَيْهِ
هَذَا وَقد جَاءَ فى الْكتاب من أَخْبَار الْغَيْب مَا صدقته حوادث الْكَوْن كالخبر فى قَوْله ﴿غلبت الرّوم فِي أدنى الأَرْض وهم من بعد غلبهم سيغلبون فِي بضع سِنِين﴾ وكالوعد الصَّرِيح فى قَوْله وعد الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وعملو الصَّالِحَات ليَستَخْلِفنهم فى الأَرْض كَمَا اسْتخْلف الَّذين من قبلهم الْآيَة وَقد تحقق جَمِيع ذَلِك وفى الْقُرْآن كثير من مثل هَذَا يُحِيط بِهِ من يتلوه حق تِلَاوَته وَمن الْكَلَام عَن الْغَيْب فِيهِ مَا جَاءَ فى تحدى الْعَرَب بِهِ واكتفائه فى الرُّجُوع عَن دَعْوَاهُ بِأَن يأتو بِسُورَة من مثله مَعَ سَعَة الْبِلَاد الْعَرَبيَّة ووفرة سكانها وتباعد أطرافها وانتشار دَعوته على لِسَان الوافدين إِلَى مَكَّة من جَمِيع
стр. 76
أرجائها وَمَعَ أَنه لم يسْبق لَهُ ﷺ السياحة فى نَوَاحِيهَا والتعرف برجالها وقصور الْعلم الْبُشْرَى عَادَة عَن الْإِحَاطَة بِمَا أودع فى قوى أمة عَظِيمَة كالأمة الْعَرَبيَّة فَهَذَا الْقَضَاء الحاتم مِنْهُ بِأَنَّهُم لن يستطيعوا أَن يَأْتُوا بشىء من مثل مَا تحداهم بِهِ لَيْسَ قَضَاء بشريا وَمن الصعب بل من المتعذر أَن يصدر عَن عَاقل الْتِزَام كالذى الْتَزمهُ وَشرط كالذى شَرطه على نَفسه لغَلَبَة الظَّن عِنْد من لَهُ شىء من الْعقل أَن الأَرْض لَا تَخْلُو من صَاحب قُوَّة مثل قوته وَإِنَّمَا ذَلِك هُوَ الله الْمُتَكَلّم والعليم الْخَبِير هُوَ النَّاطِق على لِسَانه وَقد أحَاط علمه بقصور جَمِيع القوى عَن تنَاول مَا استنهضهم لَهُ وبلوغ مَا حثهم عَلَيْهِ
يَقُول واهم إِن الْعَجز حجَّة على من عجز فَإِن العجزهى حجَّة الإفحام وإلزام الْخصم وَقد يلْتَزم الْخصم بِبَعْض المسلمات عِنْده فيفحم ويعجز عَن الْجَواب فَتلْزمهُ الْحجَّة وَلَكِن لَيْسَ ذَلِك بملزم لغيره فَمن الْمُمكن أَن لَا يسلم غَيره بِمَا سلمه فَلَا يفحمه الدَّلِيل بل يجد إِلَى إِبْطَاله أقرب سَبِيل
وَهُوَ وهم يضمحل بِمَا قدمنَا من الْبَيَان إِذْ لَا يُوجد من المشابهة بَين إعجاز الْقُرْآن وإفحام الدَّلِيل إِلَّا أَنه يُوجد عَن كل مِنْهُمَا عجز وشتان بَين العجزين وَبعد مَا بَين وجهتى الِاسْتِدْلَال فيهمَا فَإِن إعجاز الْقُرْآن برهن على أَمر واقعى وَهُوَ تقاصر القوى البشرية دون مكانته من البلاغة وَقُلْنَا القوى البشرية لِأَنَّهُ جَاءَ بِلِسَان عربى وَقد عرف الْكتاب عِنْد جَمِيع الْعَرَب فى عهد النُّبُوَّة وَكَانَ حَال الْعَصْر من البلاغة كَمَا ذكرنَا وَحَال الْقَوْم فى العناد كَمَا بَينا وَمَعَ ذَلِك لم يُمكن للْعَرَب أَن يعارضوه بشىء من مبلغ عُقُولهمْ فَلَا يعقل أَن فارسيا أَو هنديا أَو رومانيا يبلغ من قُوَّة البلاغة فى الْعَرَبيَّة أَن يأتى بِمَا عجز عَنهُ الْعَرَب أنفسهم وتقاصر القوى جَمِيعهَا عَن ذَلِك مَعَ التَّمَاثُل بَين النبى وَبينهمْ فى النشأة والتربية وامتياز الْكثير مِنْهُم بِالْعلمِ والدراسة دَلِيل قَاطع على أَن الْكَلَام لَيْسَ مِمَّا اُعْتِيدَ صدوره عَن الْبشر فَهُوَ اخْتِصَاص من الله سُبْحَانَهُ لمن جَاءَ على لِسَانه ثمَّ ورد فى الْقُرْآن من تسجيل الْعَجز عَلَيْهِم والتعرض للاصطدام بِجَمِيعِ مَا أُوتُوا من قُوَّة مِمَّا يدل على الثِّقَة من أمره مَعَ مَا سبق تعداده من الْأُمُور الَّتِى لَا يُمكن مَعهَا لعاقل أَن
стр. 77
يقف ذَلِك الْموقف مَعَ طول الزَّمن وانفساح الْأَجَل كل ذَلِك يدل على أَن النَّاطِق هُوَ عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة لَا رجل يعظ وَينْصَح على الْعَادة
فَثَبت بِهَذِهِ المعجزة الْعُظْمَى وَقَامَ الدَّلِيل بِهَذَا الْكتاب الباقى الذى لَا يعرض عَلَيْهِ التَّغْيِير وَلَا يتَنَاوَلهُ التبديل أَن نَبينَا مُحَمَّدًا ﷺ رَسُول الله إِلَى خلقه فَيجب التَّصْدِيق برسالته والاعتقاد بِجَمِيعِ مَا ورد فى الْكتاب الْمنزل عَلَيْهِ وَالْأَخْذ بِكُل مَا ثَبت عَنهُ من هدى وَسنة متبعة وَقد جَاءَ فى الْكتاب أَنه خَاتم الْأَنْبِيَاء فَوَجَبَ علينا الْإِيمَان بذلك كَذَلِك
بقى علينا أَن نشِير إِلَى وَظِيفَة الدّين الإسلامى وَمَا دَعَا إِلَيْهِ على وَجه الْإِجْمَال وَكَيف انتشرت دَعوته بالسرعة الْمَعْرُوفَة والسر فى كَون النبى ﷺ خَاتم الْمُرْسلين صلوَات الله عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم أَجْمَعِينَ
الْإِسْلَام أَو الدّين الإسلامى
هُوَ الدّين الذى جَاءَ بِهِ مُحَمَّد ﷺ وعقله من وعاه عَنهُ من صحابته وَمن عاصرهم وَجرى الْعَمَل عَلَيْهِ حينا من الزَّمن بَينهم بِلَا خلاف وَلَا اعتساف فى التَّأْوِيل وَلَا ميل مَعَ الشيع وإنى مجمله فى هَذَا الْبَاب مقتديا بِالْكتاب الْمجِيد فى التَّفْوِيض لذوى البصائر أَن يفصلوه وَمَا سندى فِيمَا أَقُول إِلَّا الْكتاب وَالسّنة القويمة وَهدى الرَّاشِدين
جَاءَ الدّين الإسلامى بتوحيد الله تَعَالَى فى ذَاته وأفعاله وتنزيهه عَن مشابهة المخلوقين فَأَقَامَ الْأَدِلَّة على أَن للكون خَالِقًا وَاحِدًا متصفا بِمَا دلّت عَلَيْهِ آثَار صَنْعَة من الصِّفَات الْعلية كَالْعلمِ وَالْقُدْرَة والإرادة وَغَيرهَا وعَلى أَنه لَا يُشبههُ شىء من خلقه وَأَن لَا نِسْبَة بَينه وَبينهمْ إِلَّا أَنه موجدهم وَأَنَّهُمْ لَهُ وَإِلَيْهِ رَاجِعُون قل هُوَ الله أحد ألله الصَّمد لم يلد وَلم يولدولم يكن لَهُ كفوا أحد وَمَا ورد من أَلْفَاظ الْوَجْه الْيَدَيْنِ والاستواء وَنَحْوهَا لَهُ معَان عرفهَا الْعَرَب المخاطبون بِالْكتاب وَلم يشتبهوا فى شىء مِنْهَا وَأَن ذَاته وَصِفَاته يَسْتَحِيل عَلَيْهَا
стр. 78
أَن تبرز فى جَسَد أَو روح أحد من الْعَالمين وَإِنَّمَا يخْتَص سُبْحَانَهُ من شَاءَ من عباده بِمَا شَاءَ من علم وسلطان على مَا يُرِيد أَن يُسَلِّطهُ عَلَيْهِ من الْأَعْمَال على سنة لَهُ فى ذَلِك سنّهَا فى علمه الأزلى الذى لَا يَعْتَرِيه التبديل وَلَا يدنو مِنْهُ التَّغْيِير وحظر على كل ذى عقل أَن يعْتَرف لأحد بشىء من ذَلِك إِلَّا ببرهان ينتهى فى مقدماته إِلَى حكم الْحس وَمَا جاوره من البديهيات الَّتِى لَا تنقص عَنهُ فى الوضوح بل قد تعلوه كاستحالة الْجمع بَين النقيضين أَو ارتفاعهما مَعًا أَو وجوب أَن الْكل أعظم من الْجُزْء مثلا وَقضى على هَؤُلَاءِ كغيرهم بِأَنَّهُم لَا يملكُونَ لانفسهم نفعا وَلَا ضرا وَغَايَة أَمرهم أَنهم عباد مكرمون وَأَن مَا يجريه على أَيْديهم فَإِنَّمَا هُوَ بِإِذن خَاص وبتيسير خَاص فى مَوضِع خَاص لحكمة خَاصَّة وَلَا يعرف شَأْن الله فى شىء من هَذَا إِلَّا ببرهان كَمَا تقدم
دلّ هَذَا الدّين بِمثل قَول الْكتاب ﴿وَالله أخرجكم من بطُون أُمَّهَاتكُم لَا تعلمُونَ شَيْئا وَجعل لكم السّمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تشكرون﴾ وَالشُّكْر عِنْد الْعَرَب مَعْرُوف أَنه تصريف النِّعْمَة فِيمَا كَانَ الإنعام بهَا لأَجله دلّ بِمثل هَذَا على أَن الله وهبنا من الْحَواس وغرز فِينَا من القوى مَا نصرفه فى وجوهه بمحض تِلْكَ الموهبة فَكل شخص كاسب لعمله بِنَفسِهِ لَهَا أَو عَلَيْهَا وَأما مَا تتحير فِيهِ مداركنا وتقصر دونه قوانا وتشعر فِيهِ أَنْفُسنَا بسُلْطَان يقهرها أَو نَاصِر يمدها فِيمَا أدْركهَا الْعَجز عَنهُ على أَنه فَوق مَا تعرف من القوى المسخرة لَهَا وَكَانَ لَا بُد من الخضوع لَهُ وَالرُّجُوع إِلَيْهِ والاستعانة بِهِ فَذَلِك إِنَّمَا يرد إِلَى الله وَحده فَلَا يجوز أَن تخشع إِلَّا لَهُ وَلَا أَن تطمئِن إِلَّا إِلَيْهِ وَكَذَلِكَ جعل شَأْنهَا فِيمَا تخافه وترجوه مِمَّا تقبل عَلَيْهِ فى الْحَيَاة الْآخِرَة لَا يسوغ لَهَا أَن تلجأ إِلَى أحد غير الله فى قبُول أَعمالهَا من الطَّيِّبَات وَلَا فى غفران أفاعيلها من السَّيِّئَات فَهُوَ وَحده مَالك يَوْم الدّين
اجتثت بذلك جذور الوثنية وَمَا وَليهَا مِمَّا لَو اخْتلف عَنْهَا فى الصُّور والشكل أَو الْعبارَة وَاللَّفْظ لم يخْتَلف عَنْهَا فى الْمَعْنى والحقيقة تبع هَذَا طَهَارَة الْعُقُول من الأوهام الْفَاسِدَة الَّتِى لَا تنفك عَن تِلْكَ العقيدة الْبَاطِلَة ثمَّ تنزه النُّفُوس عَن
стр. 79
الملكات السَّيئَة الَّتِى كَانَت تلازم تِلْكَ الأوهام وتخلصت بِتِلْكَ الطَّهَارَة من الِاخْتِلَاف فى المعبودين وَعَلَيْهِم وارتفع شَأْن الْإِنْسَان وَسمعت قِيمَته بِمَا صَار إِلَيْهِ من الْكَرَامَة بِحَيْثُ أصبح لَا يخضع لأحد إِلَّا لخالق السَّمَوَات وَالْأَرْض وقاهر النَّاس أَجْمَعِينَ وأبيح لكل أحد بل فرض عَلَيْهِ أَن يَقُول كَمَا قَالَ إِبْرَهِيمُ ﴿إِنِّي وجهت وَجْهي للَّذي فطر السَّمَاوَات وَالْأَرْض حَنِيفا وَمَا أَنا من الْمُشْركين﴾ وكما أَمر رَسُول الله ﷺ أَن يَقُول ﴿إِن صَلَاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب الْعَالمين لَا شريك لَهُ وَبِذَلِك أمرت وَأَنا أول الْمُسلمين﴾
تجلت بذلك للانسان نَفسه حره كريمه وأطلقت إِرَادَته من الْقُيُود الَّتِى كَانَت تعقدها بِإِرَادَة غَيره سَوَاء كَانَت إِرَادَة بشرية ظن أَنَّهَا شُعْبَة من الْإِرَادَة الإلهية أَو أَنَّهَا هى كارادة الرؤساء والمسيطرين أَو إِرَادَة موهومة اخترعها الخيال كَمَا يظنّ فى الْقُبُور والاحجار والاشجار وَالْكَوَاكِب وَنَحْوهَا وافتكت عزيمته من أسر الوسائط والشفعاء والمتكهنة والعرفاء وزعماء السيطرة على الْأَسْرَار ومنتحلى حق الْولَايَة على أَعمال الْعِيد فِيمَا بَينه وَبَين الله الزاعمين وَأَنَّهُمْ وَاسِطَة النجَاة وبأيديهم الاشقاء والاسعاد وَبِالْجُمْلَةِ فقد اعتقت روحه من الْعُبُودِيَّة للمحتالين والدجالين صَار الْإِنْسَان بِالتَّوْحِيدِ عبد الله خَاصَّة حرا من الْعُبُودِيَّة لكل مَا سواهُ فَكَانَ لَهُ من الْحق مَا للْحرّ على الْحر لَا على فى الْحق وَلَا وضيع وَلَا سافل وَلَا رفيع وَلَا تفَاوت بَين النَّاس إِلَّا بتفاوت أَعْمَالهم وَلَا تفاضل إِلَّا بتفاضلهم فى عُقُولهمْ ومعارفهم وَلَا يقربهُمْ من الله إِلَّا طَهَارَة الْعقل من دنس الْوَهم وخلوص الْعَمَل من العوج والرياء ثمَّ بِهَذَا خلصت أَمْوَال الكاسبين وتمحض الْحق فِيهَا للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين والمصالح الْعَامَّة وكفت عَنْهَا أيدى العالة وَأهل البطالة مِمَّن كَانَ يزْعم الْحق فِيهَا بِصفتِهِ ورتبته لَا بِعَمَلِهِ وخدمته
طَالب الْإِسْلَام بِالْعَمَلِ كل قَادر عَلَيْهِ وَقرر أَن لكل نفس مَا كسبت وَعَلَيْهَا مَا اكْتسبت فَمن يعْمل مِثْقَال ذرة خيرا يره وَمن يعْمل مِثْقَال
стр. 80
ذرة شرا يره﴾ وَأَن لَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سعى وأباح لكل أحد أَن يتَنَاوَل من الطَّيِّبَات مَا شَاءَ أكلا وشربا ولباسا وزينة وَلم يحظر عَلَيْهِ إِلَّا مَا كَانَ ضارا بِنَفسِهِ أَو بِمن يدْخل فى ولَايَته أَو مَا تعدى ضَرَره إِلَى غَيره وحدد لَهُ فى ذَلِك الْحُدُود الْعَامَّة بِمَا ينطبق على مصَالح الْبشر كَافَّة فكفل الِاسْتِقْلَال لكل شخص فى عمله واتسع المجال لتسابق الهمم فى السعى حَتَّى لم يعدلها عقبَة تتعثر بهَا اللَّهُمَّ إِلَّا حَقًا مُحْتَرما مَا تصطدم بِهِ
أنحى الْإِسْلَام على التَّقْلِيد وَحمل عَلَيْهِ حَملَة لم يردهَا عَنهُ الْقدر فبددت فيالقه المتغلبة على النُّفُوس واقتلعت أُصُوله الراسخة فى المدارك ونسفت مَا كَانَ لَهُ من دعائم وأركان فى عقائد الْأُمَم صَاح بِالْعقلِ صَيْحَة أزعجته من سباته وهبت بِهِ من نَومه طَال عَلَيْهِ الْغَيْب فِيهَا كلما نفذ إِلَيْهِ شُعَاع من نور الْحق خلصت إِلَيْهِ هينمة من سدنة هياكل الْوَهم نم فان اللَّيْل حالك وَالطَّرِيق وعرة والغاية بعيدَة وَالرَّاحِلَة كليلة والازواد قَليلَة علا صَوت الْإِسْلَام على وساوس الطغام وجهر بِأَن الانسان لم يخلق ليقاد بالزمام وَلكنه فطر على أَن يهتدى بِالْعلمِ والاعلام أَعْلَام الْكَوْن وَدَلَائِل الْحَوَادِث وَإِنَّمَا المعلمون منبهون ومرشدون إِلَى طرق الْبَحْث مَا دون صرح فى وصف أهل الْحق بِأَنَّهُم الَّذين يَسْتَمِعُون القَوْل فيتبعون أحْسنه فوصفهم بالتمييز بَين مَا يُقَال من غير فرق بَين الْقَائِلين ليأخذوا بِمَا عرفُوا حسنه ويطرحوا مَا لم يتبينوا صِحَّته ونفعه وَمَال على الرؤساء فأنزلهم من مستوى كَانُوا فِيهِ يأمرون وَينْهَوْنَ ووضعهم تَحت أنظار مرءوسيهم يخبرونهم كَمَا يشاءون ويمتحنون مزاعمهم حَسْبَمَا يحكمون ويقضون فِيهَا بِمَا يعلمُونَ ويتيقنون لَا بِمَا يظنون ويتوهمون صرف الْقُلُوب عَن التَّعَلُّق بِمَا كَانَ عَلَيْهِ الْآبَاء وَمَا توارثه عَنْهُم الآبناء وسجل الْحمق والسفاهة على الآخذين بأقوال السَّابِقين وَنبهَ على أَن السَّبق فى الزَّمَان لَيْسَ آيَة من آيَات الْعرْفَان وَلَا مسميا الْعُقُول على عقول وَلَا لأذهان على أذهان وَإِنَّمَا السَّابِق واللاحق فى التَّمْيِيز والفطرة سيان بل للاحق من علم آثارها فى الْكَوْن مالم يكن لمن تقدمه من أسلافة وآبائه وَقد يكون من تِلْكَ الْآثَار الَّتِى ينْتَفع بهَا أهل الجيل الْحَاضِر ظُهُور
стр. 81
العواقب السَّيئَة لأعمال من سبقهمْ وطغيان الشَّرّ الذى وصل إِلَيْهِم بِمَا اقترفه سلفهم ﴿قل سِيرُوا فِي الأَرْض ثمَّ انْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَة المكذبين﴾ وَإِن أَبْوَاب فضل الله لم تغلق دون طَالب وَرَحمته الَّتِى وسعت كل شىء لن تضيق عَن دائب عَابَ أَرْبَاب الْأَدْيَان فى افتفائهم أثر آبَائِهِم ووقوفهم عِنْد مَا اختطته لَهُم سير أسلافهم وَقَوْلهمْ ﴿بل نتبع مَا وجدنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ ﴿إِنَّا وجدنَا آبَاءَنَا على أمة وَإِنَّا على آثَارهم مهتدون﴾ فَأطلق بِهَذَا سُلْطَان الْعقل من كل مَا كَانَ قَيده وخلصه من كل تَقْلِيد كَانَ استعبده ورده إِلَى مَمْلَكَته يقْضى فِيهَا بِحكمِهِ وحكمته مَعَ الخضوع مَعَ ذَلِك لله وَحده وَالْوُقُوف عِنْد شَرِيعَته وَلَا حد للْعَمَل فى منْطقَة حُدُودهَا وَلَا نِهَايَة للنَّظَر يَمْتَد تَحت بنودها
بِهَذَا وَمَا سبقه تمّ للانسان بِمُقْتَضى دينه أَمْرَانِ عظيمان طالما حرم مِنْهُمَا وهما اسْتِقْلَال الْإِرَادَة واستقلال الرأى والفكر وَبِهِمَا كملت لَهُ إنسانيته واستعد لِأَن يبلغ من السَّعَادَة مَا هيأه الله لَهُ بِحكم الْفطْرَة الَّتِى فطر عَلَيْهَا وَقد قَالَ بعض حكماء الغربيين من متأخيريهم إِن نشأة الْمَدِينَة فى أوربا إِنَّمَا قَامَت على هذَيْن الْأَصْلَيْنِ فَلم تنهض النُّفُوس للْعَمَل وَلم تتحرك الْعُقُول للبحث وَالنَّظَر إِلَّا بعد أَن عرف الْعدَد الْكثير أنفسهم وَأَن لَهُم حَقًا فى تصريف اختيارهم وفى طلب الْحَقَائِق بعقولهم وَلم يصل إِلَيْهِم هَذَا النَّوْع من الْعرْفَان إِلَّا فى الجيل السَّادِس عشر من مِيلَاد الْمَسِيح وَقرر ذَلِك الْحَكِيم أَنه شُعَاع سَطَعَ عَلَيْهِم من آدَاب الْإِسْلَام ومعارف الْمُحَقِّقين من أَهله من تِلْكَ الْأَزْمَان
رفع الاسلام بكتابه الْمنزل مَا كَانَ قد وَضعه رُؤَسَاء الْأَدْيَان من الْحجر على عقول المتدينين فى فهم الْكتب السماوية استثار من أُولَئِكَ الرؤساء بِحَق الْفَهم لانفسهم وضنا بِهِ على كل من لم يلبس لباسهم وَلم يسْلك مسلكهم لنيل تِلْكَ الرتب المقدسة ففرضوا على الْعَامَّة أَو أباحوا لَهُم أَن يقرءوا قطعا من تِلْكَ الْكتب لَكِن على شريطة أَن لَا يفهموها وَلَا أَن يطيلوا أنظارهم إِلَى مَا ترمى
стр. 82
إِلَيْهِ ثمَّ غالوا فى ذَلِك فحرموا أنفسهم أَيْضا مزية الْفَهم إِلَّا قَلِيلا ورموا عُقُولهمْ بالقصور عَن إِدْرَاك مَا جَاءَ فى الشَّرَائِع والنبوات ووقفوا كَمَا وقفُوا بِالنَّاسِ عِنْد تِلَاوَة الْأَلْفَاظ تعبدا بالأصوات والحروف فَذَهَبُوا بحكمة الارسال فجَاء الْقُرْآن يلْبِسهُمْ عَار مَا فعلوا فَقَالَ ﴿وَمِنْهُم أُمِّيُّونَ لَا يعلمُونَ الْكتاب إِلَّا أماني وَإِن هم إِلَّا يظنون﴾ ﴿مثل الَّذين حملُوا التَّوْرَاة ثمَّ لم يحملوها كَمثل الْحمار يحمل أسفارا بئس مثل الْقَوْم الَّذين كذبُوا بآيَات الله وَالله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين﴾ أما الأمانى ففسرت بالقراءت والتلاوات أى لَا يعلمُونَ مِنْهُ إِلَّا أَن يتلوه وَإِذا ظنُّوا أَنهم على شىء مِمَّا دَعَا إِلَيْهِ فَهُوَ عَن غير علم بِمَا أودعهُ وَبلا برهَان على مَا تخيلوه عقيدة وظنوه دينا وَإِذا عَن لأَحَدهم أَن يبين شَيْئا من أَحْكَامه ومقاصده لشَهْوَة دَفعته إِلَى ذَلِك جَاءَ فِيمَا يَقُول بِمَا لَيْسَ مِنْهُ على بَيِّنَة واعتسف فى التَّأْوِيل وَقَالَ هَذَا من عِنْد الله ﴿فويل للَّذين يَكْتُبُونَ الْكتاب بِأَيْدِيهِم ثمَّ يَقُولُونَ هَذَا من عِنْد الله ليشتروا بِهِ ثمنا قَلِيلا﴾ أما الَّذين قَالَ إِنَّهُم لم يحملوا التَّوْرَاة وهى بَين أَيْديهم بعد مَا حملوها فهم الَّذين لم يعرفوا مِنْهَا إِلَّا الْأَلْفَاظ وَلم تسم عُقُولهمْ إِلَى دَرك مَا أودعته من الشَّرَائِع وَالْأَحْكَام فعميت عَلَيْهِم بذلك طرق الاهتداء بهَا وطمست عَن أَعينهم أَعْلَام الْهِدَايَة الَّتِى نصبت بانزالها فَحق عَلَيْهِم ذَلِك الْمثل الذى أظهر شَأْنهمْ فِيمَا لَا يَلِيق بِنَفس بشرية أَن تظهر بِهِ مثل الْحمار الذى يحمل الْكتب وَلَا يَسْتَفِيد من حملهَا إِلَّا العناء والتعب وقصم الظّهْر وانهيار النَّفس وَمَا أشنع شَأْن قوم انقلبت بهم الْحَال فَمَا كَانَ سَببا فى إسعادهم وَهُوَ التَّنْزِيل والشريعة أصبح سَببا فى شقائهم بِالْجَهْلِ والغباوة وَبِهَذَا التقريع وَنَحْوه وبالدعوة الْعَامَّة إِلَى الْفَهم وتمحيص الْأَلْبَاب لفقه وَالْيَقِين مِمَّا هُوَ منتشر فِي الْقُرْآن الْعَزِيز فرض الْإِسْلَام على كل ذى دين أَن يَأْخُذ بحظه من علم مَا أودع الله فى كتبه وَمَا قرر من شَرعه وَجعل النَّاس فى ذَلِك سَوَاء بعد اسْتِيفَاء الشَّرْط بإعداد مَا لَا بُد مِنْهُ للفهم وَهُوَ سهل المنال
стр. 83
على الْجُمْهُور الْأَعْظَم من المتدينين لَا تخْتَص بِهِ طبقَة من الطَّبَقَات وَلَا يحتكر مزينة وَقت من الْأَوْقَات
جَاءَ الْإِسْلَام وَالنَّاس شيع فى الدّين وَإِن كَانُوا إِلَّا قَلِيلا فى جَانب عَن الْيَقِين يتنابذون ويتلاعبون ويزعمون فى ذَلِك أَنهم بِحَبل الله مستمسكون فرقة وتخالف وشغب يظنونها فى سَبِيل الله أقوى سَبَب أنكر الْإِسْلَام ذَلِك كُله وَصرح تَصْرِيحًا لَا يحْتَمل الرِّيبَة بِأَن دين الله فى جَمِيع الْأَزْمَان وعَلى ألسن جَمِيع الْأَنْبِيَاء وَاحِد قَالَ الله إِن الدّين عِنْد الله الاسلام وَمَا اخْتلف الَّذين أوتو الْكتاب إِلَّا من بعد مَا جَاءَهُم الْعلم بغيا بَينهم ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيم يَهُودِيّا وَلَا نَصْرَانِيّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفا مُسلما وَمَا كَانَ من الْمُشْركين﴾ ﴿شرع لكم من الدّين مَا وصّى بِهِ نوحًا وَالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك وَمَا وصينا بِهِ إِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى أَن أقِيمُوا الدّين وَلَا تتفرقوا فِيهِ كبر على الْمُشْركين مَا تدعوهم إِلَيْهِ﴾ ﴿قل يَا أهل الْكتاب تَعَالَوْا إِلَى كلمة سَوَاء بَيْننَا وَبَيْنكُم أَلا نعْبد إِلَّا الله وَلَا نشْرك بِهِ شَيْئا وَلَا يتَّخذ بَعْضنَا بَعْضًا أَرْبَابًا من دون الله فَإِن توَلّوا فَقولُوا اشْهَدُوا بِأَنا مُسلمُونَ﴾ وَكثير من ذَلِك يطول إِيرَاده فى هَذِه الوريقات والآيات الْكَرِيمَة الَّتِى تعيب على اهل الدّين مَا نزعوا إِلَيْهِ من الِاخْتِلَاف والمشاقة مَعَ ظُهُور الْحجَّة واستقامة المحجة لَهُم فى علم مَا اخْتلفُوا فِيهِ مَعْرُوفَة لكل من قَرَأَ الْقُرْآن وتلاه حق تِلَاوَته نَص الْكتاب على أَن دين الله فى جَمِيع الْأَزْمَان هُوَ إِفْرَاده بالربوبية والاستسلام لَهُ وَحده بالعبودية وطاعته فِيمَا أَمر بِهِ وَنهى عَنهُ مِمَّا هُوَ مصلحَة للبشر وعماد لسعادتهم فى الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَقد ضمنه كتبه الَّتِى أنزلهَا على المصطفين من رسله ودعا الْعُقُول إِلَى فهمه مِنْهُ والعزائم إِلَى الْعَمَل بِهِ وَأَن هَذَا الْمَعْنى من الدّين هُوَ الأَصْل الذى يرجع إِلَيْهِ عِنْد هبوب ريح التخالف وَهُوَ الْمِيزَان الذى توزن بِهِ الْأَقْوَال عِنْد التناصف وَإِن اللجاج والمراء فى الجدل فِرَاق مَعَ الدّين وَبعد عَن سنته وَمَتى روعيت
стр. 84
حكمته ولوحظ جَانب الْعِنَايَة الإلهية فى الإنعام على البشرية ذهب الْخلاف وتراجعت الْقُلُوب إِلَى هداها وَسَار الكافة فى مراشهدهم إخْوَانًا بِالْحَقِّ مستمسكين وعَلى نصرته متعاونين
أما صور الْعِبَادَات وضروب الاحتفالات مِمَّا اخْتلفت فِيهِ الْأَدْيَان الصَّحِيحَة سابقها مَعَ لاحقها وَاخْتِلَاف الْأَحْكَام متقدمها مَعَ متأخرها فمصدره رَحْمَة الله ورأفته فى إيتَاء كل أمة وكل زمَان مَا علم فِيهِ الْخَيْر للْأمة والملاءمة للزمان وكما جرت سنته هُوَ رب الْعَالمين بالتدريج فى تربية الْأَشْخَاص من خَارج بطن أمه لَا يعلم شَيْئا إِلَى رَاشد فى عقله كَامِل فى نشأته يمزق الْحجب بفكره ويواصل أسرار الْكَوْن بنظره كَذَلِك لم تخْتَلف سنته وَلم يضطرب هَدْيه فى تربية الْأُمَم فَلم يكن من شَأْن الْإِنْسَان فى جملَته ونوعه أَن يكون فى مرتبَة وَاحِدَة من الْعلم وَقبُول الْخطاب من يَوْم خلقه إِلَى يَوْم يبلغ بِهِ من الْكَمَال منتهاه بل سبق الْقَضَاء بِأَن يكون شَأْن جملَته فى النمو قَائِما على مَا قَرّرته الْفطْرَة الإلهية فى شَأْن أَفْرَاده وَهَذَا من البديهيات الَّتِى لَا يَصح الِاخْتِلَاف فِيهَا وَإِن اخْتلف أهل النّظر فى بَيَان مَا تفرع مِنْهُ فى عُلُوم وضعت للبحث فى الِاجْتِمَاع الْبُشْرَى خَاصَّة فَلَا نطيل الْكَلَام فِيهِ هُنَا
جَاءَت أَدْيَان وَالنَّاس من فهم مصالحهم الْعَامَّة بل والخاصة فى طور أشبه بطور الطفولة للناشىء الحَدِيث الْعَهْد بالوجود لَا يألف مِنْهُ إِلَّا مَا وَقع تَحت حسه ويصعب عَلَيْهِ أَن يضع الْمِيزَان بَين يَوْمه وأمسه وَأَن يتَنَاوَل بذهنه من الْمعَانى مَا لَا يقرب من لمسه وَلم ينفث فى روعه من الوجدان الْبَاطِن مَا يعطفه على غَيره من عشيرة أَو ابْن جنسه فَهُوَ من الْحِرْص على مَا يُقيم بِنَاء شخصه فى هم شاغل عَمَّا يلقى إِلَيْهِ فِيمَا يصله بِغَيْرِهِ اللَّهُمَّ إِلَّا يدا تصل إِلَى فَمه بِطَعَام أَو تسنده فى قعُود أَو قيام فَلم يكن من حِكْمَة تِلْكَ الْأَدْيَان أَن تخاطب النَّاس بِمَا يلطف فى الوجدان أَو يرقى إِلَيْهِ بسلم الْبُرْهَان بل كَانَ من عَظِيم الرَّحْمَة أَن نسير بالأقوام وهم عِيَال الله سير الْوَالِد مَعَ وَلَده فى سذاجة السن لَا يَأْتِيهِ إِلَّا من قبل مَا يحسه بسمعه أَو يبصره فَأَخَذتهم بالأوامر الصادعة والزواجر الرادعة وطالبتهم بِالطَّاعَةِ وحملتهم فِيهَا على مبلغ الِاسْتِطَاعَة كلفتهم بمعقول الْمَعْنى
стр. 85
جلى الْغَايَة وَإِن لم يفهموا مَعْنَاهُ وَلم تصل مداركهم إِلَى مرماه وجاءتهم من الْآيَات بِمَا تطرف لَهُ عيونهم وتنفعل بِهِ مشاعرهم وفرضت عَلَيْهِم من الْعِبَادَات مَا يَلِيق بحالهم هَذِه
ثمَّ مَضَت على ذَلِك أزمان علت فِيهَا الأقوام وَسَقَطت وَارْتَفَعت وانحطت وجربت وكسبت وتخالفت واتفقت وذاقت من الْأَيَّام آلاما وتقلبت فى السَّعَادَة والشقاء أَيَّامًا واياما وَوجدت الْأَنْفس بنفث الْحَوَادِث ولقن الكوارث شعورا أدق من الْحس وَأدْخل فى الوجدان لَا يرْتَفع فى الْجُمْلَة عَمَّا تشعر بِهِ قُلُوب النِّسَاء أَو تذْهب مَعَه نزعات الغلمان فجَاء دين يُخَاطب العواطف ويناجى المراحم ويستعطف الْأَهْوَاء ويحادث خطرات الْقُلُوب فتشرع للنَّاس من شرائع الزهادة مَا يصرفهم عَن الدُّنْيَا بجملتها وَيُوجه وُجُوههم نَحْو الملكوت الْأَعْلَى ويقتضى من صَاحب الْحق أَن لَا يُطَالب بِهِ وَلَو بِحَق ويغلق أَبْوَاب السَّمَاء فى وُجُوه الْأَغْنِيَاء وَمَا ينحو نَحْو ذَلِك مِمَّا هُوَ مَعْرُوف وَسن للنَّاس سننا فى عبَادَة الله تتفق مَعَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ وَمَا دعاهم إِلَيْهِ فلاقى من تعلق النُّفُوس بدعوته مَا أصلح من فاسدها وداوى من أمراضها ثمَّ لم يمض عَلَيْهِ بضعَة أجيال حَتَّى ضعفت العزائم البشرية عَن احْتِمَاله وَضَاقَتْ الذرائع عَن الْوُقُوف عِنْد حُدُوده وَالْأَخْذ بأقواله وَوقر فى الظنون أَن اتِّبَاع وَصَايَاهُ ضرب من الْمحَال فَهَب القائمون عَلَيْهِ أنفسهم لمنافسة الْمُلُوك فى السُّلْطَان ومزاحمة أهل الترف فى جمع الْأَمْوَال وانحرف الْجُمْهُور الْأَعْظَم مِنْهُم عَن جادته بالتأويل وأضافوا عَلَيْهِ مَا شَاءَ الْهوى من الأباطيل هَذَا كَانَ شَأْنهمْ فى السجايا والأعمال نسوا طَهَارَته وَبَاعُوا نزاهته أما فى العقائد فَتَفَرَّقُوا شيعًا وأحدثوا بدعا وَلم يستمسكوا من أُصُوله إِلَّا بِمَا ظنوه من أَشد أَرْكَانهَا وتوهموه من أقوى دعائمها وَهُوَ حرمَان الْعُقُول من النّظر فِيهِ بل وفى غَيره من دقائق الأكوان والحظر على الأفكار أَن تنفذ إِلَى شىء من سرائر الْخلقَة فصرحوا بِأَن لَا وفَاق بَين الدّين وَالْعقل وَأَن الدّين من أَشد أَعدَاء الْعلم وَلم يكف الذَّاهِب إِلَى ذَلِك أَن يَأْخُذ بِهِ نَفسه بل جد فى حمل النَّاس على مذْهبه بِكُل مَا يملك من حول وَقُوَّة وأفضى الغلو فى ذَلِك بالأنفس إِلَى نَزعَة
стр. 86
كَانَت أشام النزعات على الْعَالم الإنسانى وهى نَزعَة الْحَرْب بَين أهل الدّين للإلزام بِبَعْض قضايا الدّين فتقوض الأَصْل وتخرمت العلائق بَين الْأَهْل وحلت القطيعة مَحل التراحم والتخاصم مَكَان التعاون وَالْحَرب مَحل السَّلَام وَكَانَ النَّاس على ذَلِك إِلَى أَن جَاءَ الْإِسْلَام
كَانَ سنّ الِاجْتِمَاع الْبُشْرَى قد بلغ بالإنسان أشده وأعدته الْحَوَادِث الْمَاضِيَة إِلَى رشده فجَاء الْإِسْلَام يُخَاطب الْعقل ويستصرخ الْفَهم واللب ويشركه مَعَ بعض العواطف والإحساس فى إرشاد الْإِنْسَان إِلَى سعادته الدُّنْيَوِيَّة والأخروية وَبَين للنَّاس مَا اخْتلفُوا فِيهِ وكشف لَهُم عَن وَجه مَا اخْتَصَمُوا عَلَيْهِ وَبرهن على أَن دين الله فى جَمِيع الأجيال وَاحِد ومشيئته فى إصْلَاح شئونهم وتطهير قُلُوبهم وَاحِدَة وَأَن رسم الْعِبَادَة على الأشباح إِنَّمَا هُوَ لتجديد الذكرى فى الْأَرْوَاح وَأَن الله لَا ينظر إِلَى الصُّور وَلَكِن ينظر إِلَى الْقُلُوب وطالب الْمُكَلف برعاية جسده كَمَا طَالبه بإصلاح سره فَفرض نظافة الظَّاهِر كَمَا أوجب طَهَارَة الْبَاطِن وعد كلا الْأَمريْنِ طهرا مَطْلُوبا وَجعل روح الْعِبَادَة وَالْإِخْلَاص وَأَن مَا فرض من الأهمال إِنَّمَا هُوَ لما أوجب من التحلى بمكارم الْأَخْلَاق ﴿إِن الصَّلَاة تنْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر﴾ ﴿إِن الْإِنْسَان خلق هلوعا إِذا مَسّه الشَّرّ جزوعا وَإِذا مَسّه الْخَيْر منوعا إِلَّا الْمُصَلِّين﴾ وَرفع الْغنى الشاكر إِلَى مرتبَة الْفَقِير الصابر بل رُبمَا فَضله عَلَيْهِ وعامل الْإِنْسَان فى مواعظه مُعَاملَة الناصح الهادى للرجل الرشيد فَدَعَاهُ إِلَى اسْتِعْمَال جَمِيع قواه الظَّاهِرَة والباطنة وَصرح بِمَا لَا يقبل التَّأْوِيل أَن فى ذَلِك رضَا الله وشكر نعْمَته وَأَن الدُّنْيَا مزرعة الْآخِرَة وَلَا وُصُول إِلَى خير العقبى إِلَّا بالسعى فى صَلَاح الدُّنْيَا
الْتفت إِلَى أهل العناد فَقَالَ لَهُم ﴿قل هاتوا برهانكم إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ وعنف النازعين إِلَى الْخلاف والشقاق على مَا زعزعوا من اصول الْيَقِين وَنَصّ على أَن التَّفَرُّق بغى وَخُرُوج عَن سَبِيل الْحق الْمُبين وَلم يقف فى ذَلِك عِنْد حد الموعظة بالْكلَام والنصيحة بِالْبَيَانِ بل شرع شَرِيعَة الْوِفَاق وقررها فى
стр. 87
فى الْعَمَل فأباح للْمُسلمِ أَن يتَزَوَّج من أهل الْكتاب وسوغ مؤاكلتهم وَأوصى أَن تكون مجادلتهم بالتى هِيَ أحسن وَمن الْمَعْلُوم أَن المحاسنة هى رَسُول الْمحبَّة وَعقد الألفة والمصاهرة إِنَّمَا تكون بعد التحاب بَين أهل الزَّوْجَيْنِ والإرتباط بَينهمَا بروابط الائتلاف وَأَقل مَا فِيهَا محبَّة الرجل لزوجيه وهى على غير دينه قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن آيَاته أَن خلق لكم من أَنفسكُم أَزْوَاجًا لتسكنوا إِلَيْهَا وَجعل بَيْنكُم مَوَدَّة وَرَحْمَة﴾ ثمَّ أَخذ الْعَهْد على الْمُسلمين أَن يدافعوا عَمَّن يدْخل فى ذمتهم من غَيرهم كَمَا يدافعون عَن أنفسهم وَنَصّ على أَن لَهُم مَا لنا وَعَلَيْهِم مَا علينا وَلم يفْرض عَلَيْهِم جَزَاء ذَلِك إِلَّا زهيدا يقدمونه من مَالهم وَنهى بعد ذَلِك عَن كل إِكْرَاه فى الدّين وَطيب قُلُوب الْمُؤمنِينَ فى قَوْله ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا عَلَيْكُم أَنفسكُم لَا يضركم من ضل إِذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ فَعَلَيْهِم الدعْوَة إِلَى الْخَيْر بالتى هى أحسن وَلَيْسَ لَهُم وَلَا عَلَيْهِم أَن يستعملوا أى ضرب من ضروب الْقُوَّة فى الْحمل على الْإِسْلَام فَإِن نوره جدير أَن يخترق الْقُلُوب وَلَيْسَت الْآيَة فى الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ بَين الْمُسلمين فَإِنَّهُ لَا اهتداء إِلَّا بعد الْقيام بِهِ وَلَو أُرِيد ذَلِك لَكَانَ التَّعْبِير على كل وَاحِد مِنْكُم بِنَفسِهِ لَا عَلَيْكُم أَنفسكُم كَمَا هُوَ ظَاهر لكل عربى كل ذَلِك ليرشد إِلَى أَن الله لم يشرع لَهُم الدّين ليتفرقوا فِيهِ وَلَكِن ليهديهم إِلَى الْخَيْر فى جَمِيع نواحيه
رفع الْإِسْلَام كل امتياز بَين الْأَجْنَاس البشرية وَقرر لكل فطْرَة شرف النِّسْبَة إِلَى الله فى الْخلقَة وَشرف اندراجها فى النَّوْع الإنسانى فى الْجِنْس والفصل والخاصة وَشرف استعدادها بذلك لبلوغ أَعلَى دَرَجَات الْكَمَال الذى أعده الله لنوعها على خلاف مَا زَعمه المنتحلون من الِاخْتِصَاص بمزايا حرم مِنْهَا غَيرهم وتسجيل الخسة على أَصْنَاف زَعَمُوا أَنَّهَا لن تبلغ من الشَّأْن أَن تلْحق غبارهم فأماتوا بذلك الْأَرْوَاح فى مُعظم الْأُمَم وصيروا أَكثر الشعوب هياكل وأشباحا
هَذِه عبادات الْإِسْلَام على مَا فى الْكتاب وصحيح السّنة تتفق على مَا يَلِيق بِجلَال الله وسمو وجوده عَن الْأَشْبَاه وتلتثم مَعَ الْمَعْرُوف عِنْد الْعُقُول السليمة فَالصَّلَاة رُكُوع وَسُجُود وحركة وَسُكُون وَدُعَاء وتضرع وتسبيح وتعظيم وَكلهَا
стр. 88
تصدر عَن ذَلِك الشُّعُور بالسطان الإلهى الذى يغمر الْقُوَّة البشرية ويستغرق الْحول فتخشع لَهُ الْقُلُوب وتستحذى لَهُ النُّفُوس وَلَيْسَ فِيهَا شىء يَعْلُو على متناول الْعقل إِلَّا نَحْو تَحْدِيد عدد الرَّكْعَات أَو رمى الجمرات على أَنه مِمَّا يسهل التَّسْلِيم فِيهِ لحكمة الْعَلِيم الْخَبِير وَلَيْسَ فِيهِ من ظَاهر الْعَبَث واستحالة الْمَعْنى مَا يخل بالأصول الَّتِى وَضعهَا الله لِلْعَقْلِ فى الْفَهم والتفكير أما الصَّوْم فحرمان يعظم بِهِ أَمر الله فى النَّفس وتعرف بِهِ مقادير النعم عِنْد فقدها ومكانة الْإِحْسَان الإلهى فى التفضل بهَا ﴿كتب عَلَيْكُم الصّيام كَمَا كتب على الَّذين من قبلكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ أما أَعمال الْحَج فتذكير للْإنْسَان بأوليات حاجاته وتعهد لَهُ بتمثيل الْمُسَاوَاة بَين أَفْرَاده وَلَو فى الْعُمر مرّة يرْتَفع فِيهَا الامتياز بَين الْغنى وَالْفَقِير والصعلوك والأمير وَيظْهر الْجَمِيع فى معرض وَاحِد عُرَاة الْأَبدَان متجردين عَن آثَار الصَّنْعَة وحدت بَينهم الْعُبُودِيَّة لله رب الْعَالمين كل ذَلِك مَعَ استبقائهم فى الطّواف والسعى والمواقف ولمس الْحجر ذكرى إِبْرَاهِيم ﵇ وَهُوَ أَبُو الدّين وَهُوَ الذى سماهم الْمُسلمين واستقرار يقينهم على أَن لَا شىء من تِلْكَ البقايا الشَّرِيفَة يضر أَو ينفع وشعار هَذَا الإذعان الْكَرِيم فى كل عمل الله اكبر أَيْن هَذَا كُله مِمَّا تَجِد فِي عبادات أَقوام آخَرين يضل فِيهَا الْعقل ويتعذر مَعهَا خلوص السِّرّ للتنزيه والتوحيد
كشف الْإِسْلَام عَن الْعقل غمَّة من الْوَهم فِيمَا يعرض من حوادث الْكَوْن الْكَبِير الْعَالم والكون الصَّغِير وَالْإِنْسَان فقرر أَن آيَات الله الْكُبْرَى فى صنع الْعَالم إِنَّمَا يجرى أمرهَا على السّنَن الإلهية الَّتِى قدرهَا الله فى علمه الأزلى لَا يغيرها شىء من الطوارىء الجزائية غير أَنه لَا يجوز أَن يغْفل شَأْن الله فِيهَا بل ينبغى أَن يحيى ذكره عِنْد رؤيتها فقد جَاءَ على لِسَان النبى ﷺ إِن الشَّمْس وَالْقَمَر آيتان من آيَات الله لَا يخسفان لمَوْت أحد وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذا رَأَيْتُمْ ذَلِك فاذكروا الله وَفِيه التَّصْرِيح بِأَن جيمع آيَات الْكَوْن تجرى على نظام وَاحِد لَا يقْضى فِيهِ إِلَّا الْعِنَايَة الأزلية على السّنَن الَّتِى أقامته عَلَيْهَا ثمَّ أماط اللثام عَن حَال الْإِنْسَان فى النعم الَّتِى يتمتع بهَا الْأَشْخَاص أَو الْأُمَم والمصائب
стр. 89
الَّتِى يرزءون بهَا ففصل بَين الْأَمريْنِ فصلا لَا مجَال مَعَه للخلط بَينهمَا فَأَما النعم الَّتِى يمتع الله بهَا بعض الْأَشْخَاص فى هَذِه الْحَيَاة والرزايا الَّتِى يرزأ بهَا فى نَفسه فكثير مِنْهَا كالثروة والجاه وَالْقُوَّة والبنين أَو الْفقر والضعة والضعف والفقد قد لَا يكون كاسبها أَو جاليها مَا عَلَيْهِ الشَّخْص فى سيرته من استقامة وعوج أَو طَاعَة وعصيان وَكَثِيرًا مَا أمْهل الله بعض الطغاة الْبُغَاة أَو الفجرة الفسقة وَترك لَهُم مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا إنظارا لَهُم حَتَّى يتلقاهم مَا أعد لَهُم من الْعَذَاب الْمُقِيم فى الْحَيَاة الْأُخْرَى وَكَثِيرًا مَا امتحن الله الصَّالِحين من عباده وَأثْنى عَلَيْهِم فى الاستسلام لحكمه وهم الَّذين إِذا أَصَابَتْهُم مُصِيبَة عبروا عَن إخلاصهم فى التَّسْلِيم بقَوْلهمْ ﴿إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون﴾ فَلَا غضب زيد وَلَا رضَا عَمْرو وَلَا إخلاص سريرة وَلَا فَسَاد عمل مِمَّا يكون لَهُ دخل فى هَذِه الرزايا وَلَا فى تِلْكَ النعم الْخَاصَّة اللَّهُمَّ إِلَّا فِيمَا ارتباطه بِالْعَمَلِ ارتباط الْمُسَبّب بِالسَّبَبِ على جارى الْعَادة كارتباط الْفقر بالإسراف والذل بالجبن وضياع السُّلْطَان بالظلم وكارتباط الثروة بِحسن التَّدْبِير فى الْأَغْلَب والمكانة عِنْد النَّاس بالسعى فى مصالحهم على الْأَكْثَر وَمَا يشبه ذَلِك مِمَّا هُوَ مُبين فى علم آخر
أما شَأْن الْأُمَم فَلَيْسَ على ذَلِك فَإِن الرّوح الذى أودعهُ الله جَمِيع شرائعه الإلهية من تَصْحِيح الْفِكر وتسديد النّظر وتأديب الْأَهْوَاء وتحديد مطامح الشَّهَوَات وَالدُّخُول إِلَى كل امْر من بَابه وَطلب كل رغيبة من أَسبَابهَا وَحفظ الْأَمَانَة واستشعار الْإِخْوَة والتعاون على الْبر والتناصح فى الْخَيْر وَالشَّر وَغير ذَلِك من أصُول الْفَضَائِل ذَلِك الرّوح هُوَ مصدر حَيَاة الْأُمَم ومشرق سعادتهم فى هَذِه الدُّنْيَا قبل الْآخِرَة ﴿من يرد ثَوَاب الدُّنْيَا نؤته مِنْهَا﴾ وَلنْ يسلب الله عَنْهَا نعْمَته مَا دَامَ هَذَا الرّوح فِيهَا يزِيد الله النعم بقوته وينقصها بضعفه حَتَّى إِذا فَارقهَا ذهبت السَّعَادَة على أَثَره وتبعته الرَّاحَة إِلَى مقره واستبدل الله عزة الْقَوْم بالذل وكثيرهم بالقل ونعيمهم بالشقاء وراحتهم بالعناء وسلط عَلَيْهِم الظَّالِمين أَو العادلين فَأَخذهُم بهم وهم فى غَفلَة ساهون وَإِذا أردنَا أَن نهلك
стр. 90
قَرْيَة أمرنَا مُتْرَفِيهَا ففسقوا فِيهَا فَحق عَلَيْهَا القَوْل فدمرناها تدميرا) أمرناهم بِالْحَقِّ ففسقوا عَنهُ إِلَى الْبَاطِل ثمَّ لَا يَنْفَعهُمْ الأنين وَلَا يجديهم الْبكاء وَلَا يفيدهم مَا بقى من صور الْأَعْمَال وَلَا يُسْتَجَاب مِنْهُم الدُّعَاء وَلَا كاشف لما نزل بهم إِلَّا أَن يلجؤوا إِلَى ذَلِك الرّوح الأكرم فيستنزلوه من سَمَاء الرَّحْمَة برسل الْفِكر وَالذكر وَالصَّبْر وَالشُّكْر إِن الله لايغير مَا بِقوم حَتَّى يُغيرُوا مَا بِأَنْفسِهِم ﴿سنة الله فِي الَّذين خلوا من قبل وَلنْ تَجِد لسنة الله تبديلا﴾ وَمَا أجل مَا قَالَه الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب فى استسقائه اللَّهُمَّ إِنَّه لم ينزل بلَاء إِلَّا بذنب وَلم يرفع إِلَّا بتوبة على هَذِه السّنَن جرى سلف الْأمة فَبَيْنَمَا كَانَ الْمُسلم يرفع روحه بِهَذِهِ العقائد السامية وَيَأْخُذ نَفسه بِمَا يتبعهَا من الْأَعْمَال الجليلة كَانَ غَيره يظنّ أَنه يزلزل الأَرْض بدعائه ويشق الْفلك ببكائه وَهُوَ ولع بأهوائه مَاض فى غلوائه وَمَا كَانَ يغنى عَنهُ ظَنّه من الْحق شَيْئا
حث الْقُرْآن على التَّعْلِيم وإرشاد الْعَامَّة وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ والنهى عَن الْمُنكر فَقَالَ ﴿فلولا نفر من كل فرقة مِنْهُم طَائِفَة ليتفقهوا فِي الدّين ولينذروا قَومهمْ إِذا رجعُوا إِلَيْهِم لَعَلَّهُم يحذرون﴾ ثمَّ فرض ذَلِك فى قَوْله ولتكن مِنْكُم أمة يدعونَ إِلَى الْخَيْر ويأمرون بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر وَأُولَئِكَ هم المفلحون وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين تفَرقُوا وَاخْتلفُوا من بعد مَا جَاءَهُم الْبَينَات وَأُولَئِكَ لَهُم عَذَاب عَظِيم يَوْم تبيض وُجُوه وَتسود وُجُوه فَأَما الَّذين اسودت وُجُوههم أكفرتم بعد أَيْمَانكُم فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنْتُم تكفرون وَأما الَّذين ابْيَضَّتْ وُجُوههم ففى رَحْمَة الله هم فِيهَا خَالدُونَ تِلْكَ آيَات الله نتلوها عَلَيْك بِالْحَقِّ وَمَا الله يُرِيد ظلما للْعَالمين وَللَّه مَا فى السَّمَوَات وَمَا فى الأَرْض وَإِلَى الله ترجع الْأُمُور ثمَّ بعد هَذَا الْوَعيد الذى يزعج المفرطين وَتحقّق بِهِ كلمة الْعَذَاب على
стр. 91
الْمُخْتَلِفين والمقصرين أبرز حَال الأمارين بِالْمَعْرُوفِ النهائين عَن الْمُنكر فى أجل مظهر يُمكن أَن تظهر فِيهِ حَال أمة فَقَالَ ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون عَن الْمُنكر وتؤمنون بِاللَّه﴾ فَقدم ذكر الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ والنهى عَن الْمُنكر على الْإِيمَان فى هَذِه الْآيَة مَعَ أَن الْإِيمَان هُوَ الأَصْل الذى تقوم عَلَيْهِ أَعمال الْبر والدوحة الَّتِى تتفرع عَنْهَا أفنان الْخَيْر تَشْرِيفًا لتِلْك الْفَرِيضَة وإعلاء لمنزلتها بَين الْفَرَائِض بل تَنْبِيها على أَنَّهَا حفاظ الْإِيمَان وملاك أمره ثمَّ شدّ بالإنكار على قوم اغفلوها وَأهل دين أهملوها فَقَالَ لعن الَّذين كفرُوا من بنى إِسْرَائِيل على لِسَان دَاوُد وَعِيسَى ابْن مَرْيَم ذَلِك بِمَا عصوا وَكَانُوا يعتدون وَكَانُوا لَا يتناهون عَن مُنكر فَعَلُوهُ لبئس مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ فقذف عَلَيْهِم اللَّعْنَة وهى أَشد مَا عنون الله بِهِ على مقته وغضبه
فرض الْإِسْلَام للْفُقَرَاء فى أَمْوَال الْأَغْنِيَاء حَقًا مَعْلُوما يفِيض بِهِ الْآخرُونَ على الْأَوَّلين سدا لحَاجَة المعدم وتفريجا لكربة الْغَارِم وتحريرا لرقاب المستبعدين وتيسير الْأَبْنَاء السَّبِيل وَلم يحث على شىء حثه على الْإِنْفَاق من الْأَمْوَال فى سَبِيل الْخَيْر وَكَثِيرًا مَا جعله عنوان الْإِيمَان وَدَلِيل الاهتداء إِلَى الصِّرَاط الْمُسْتَقيم فاستل بذلك ضغائن أهل الْفَاقَة ومحص صُدُورهمْ من الاحقاد على من فَضلهمْ الله عَلَيْهِم فى الرزق وأشعر قُلُوب أُولَئِكَ محبَّة هَؤُلَاءِ وسَاق الرَّحْمَة فى نفوس هَؤُلَاءِ على أُولَئِكَ البائسين فاستقرت بذلك الطُّمَأْنِينَة فى نفوس النَّاس أَجْمَعِينَ وأى دَوَاء لأمراض الِاجْتِمَاع أنجع من هَذَا ذَلِك فضل الله يوتيه من يَشَاء وَالله ذُو الْفضل الْعَظِيم
أغلق الْإِسْلَام بأبى الشَّرّ وسد ينبوعى فَسَاد الْعقل وَالْمَال بِتَحْرِيمِهِ الخمبر والمقامرة والربا تَحْرِيمًا باتا لَا هوادة فِيهِ
لم يدع الْإِسْلَام بعد مَا قَررنَا أصلا من أصُول الْفَضَائِل إِلَّا أَتَى عَلَيْهِ وَلَا أما من أُمَّهَات الصَّالِحَات إِلَّا أَحْيَاهَا وَلَا قَاعِدَة من قَوَاعِد النظام إِلَّا قررها
стр. 92
فَاسْتَجْمَعَ للْإنْسَان عِنْد بُلُوغ رشده كَمَا ذكرنَا حريَّة الْفِكر واستقلال الْعقل فى النّظر وَمَا بِهِ من صَلَاح السجايا واستقامة الطَّبْع وَمَا فِيهِ إنهاض العزائم إِلَى الْعَمَل وسوقها فى سبل السعى وَمن يَتْلُو الْقُرْآن حق تِلَاوَته يجد فِيهِ من ذَلِك كنزا لَا ينْفد وذخيرة لَا تفنى هَل بعد الرشد وصاية وَبعد اكتمال الْعقل ولَايَة كلا قد تبين الرشد من الغى وَلم يبْق إِلَّا اتِّبَاع الْهدى وَالِانْتِفَاع بِمَا ساقته أيدى الرَّحْمَة لبلوغ الْغَايَة من السعادتين لهَذَا ختمت النبوات بنبوة مُحَمَّد ﷺ وانتهت الرسالات برسالته كَمَا صرح بذلك الْكتاب وأيدته السّنة الصَّحِيحَة وبرهنت عَلَيْهِ خيبة مدعيها من بعده واطمئنان الْعَالم بِمَا وصل إِلَيْهِ من الْعلم إِلَى أَن لَا سَبِيل بعد لقبُول دَعْوَة بزعم الْقَائِم بهَا أَنه يحدث عَن الله بشرع أَو يصدع عَن وحيه بِأَمْر هَكَذَا يصدق نبأ الْغَيْب مَا كَانَ مُحَمَّد ابا أحد من رجالكم وَلَكِن رَسُول الله وَخَاتم النَّبِيين وَكَانَ الله بِكُل شىء عليما
انتشار الْإِسْلَام
بِسُرْعَة لم يعْهَد لَهَا نَظِير فى التَّارِيخ
كَانَت حَاجَة الْأُمَم إِلَى الْإِصْلَاح عَامَّة فَجعل الله رِسَالَة خَاتم النَّبِيين عَامَّة كَذَلِك لَكِن يندهش عقل النَّاظر فى أَحْوَال الْبشر عِنْدَمَا يرى أَن هَذَا الدّين يجمع إِلَيْهِ الْأمة الْعَرَبيَّة من أدناها إِلَى أقصاها فى أقل من ثَلَاثِينَ سنة ثمَّ يتَنَاوَل من بَقِيَّة الْأُمَم مَا بَين الْمُحِيط الغربى وجدار الصين فى أقل من قرن وَاحِد وَهُوَ أَمر لم يعْهَد فى تَارِيخ الْأَدْيَان وَلذَلِك ضل الْكثير فى بَيَان السَّبَب واهتدى إِلَيْهِ المنصفون فَبَطل الْعجب
ابْتَدَأَ هَذَا الدّين بالدعوة كَغَيْرِهِ من الْأَدْيَان ولقى من أَعدَاء أنفسهم أَشد مَا يلقى حق من بَاطِل أوذى الداعى ﷺ بضروب الْإِيذَاء وأقيم فى وَجهه مَا كَانَ يصعب تذليله من الْعقَاب لَوْلَا عناية الله وعذب المستجيبون لَهُ وحرموا الرزق وطردوا من الدَّار وسفكت مِنْهُم دِمَاء غزيرة غير أَن تِلْكَ
стр. 93
الدِّمَاء كَانَت عُيُون العزائم تتفجر من صخور الصَّبْر يثبت الله بمشهدها المستيقنين ويقذف بهَا الرعب فى أنفس المرتابين فَكَانَت تسيل لمنظرها نفوس أهل الريب وهى ذوب مَا فسد من طباعهم فتجرى من مناحرهم جرى الدَّم الْفَاسِد من الْمَقْصُود على أيدى الْأَطِبَّاء الحاذقين ليميز الله الْخَبيث من الطّيب وَيجْعَل الْخَبيث بعضه على بعض فيركمه جَمِيعًا فى جَهَنَّم أُولَئِكَ هم الخاسرون تألبت الْملَل الْمُخْتَلفَة مِمَّن كَانَ يسكن جَزِيرَة الْعَرَب وَمَا جاورها على الْإِسْلَام ليحصدوا نبتته ويخنقوا دَعوته فَمَا زَالَ يدافع عَن نَفسه دفاع الضَّعِيف للأقوياء وَالْفَقِير للأغنياء وَلَا نَاصِر لَهُ إِلَّا أَنه الْحق بَين الأباطيل والرشد فى ظلمات الأضاليل حَتَّى ظفر بِالْعِزَّةِ وتعزز بالمنعة وَقد وطىء أَرض الجزيرة أَقوام من أَدْيَان أُخْرَى كَانَت تَدْعُو إِلَيْهَا وَكَانَت لَهُم مُلُوك وَعزة وسلطان وحملوا النَّاس على عقائدهم بأنواع من المكاره وَمَعَ ذَلِك لم يبلغ بهم السعى نجاحا وَلَا أنالهم الْقَهْر فلاحا
ضم الْإِسْلَام سكان القفار الْعَرَبيَّة إِلَى وحدة لم يعرفهَا تاريخهم وَلم يعْهَد لَهَا نَظِير فى ماضيهم وَكَانَ النبى ﷺ قد أبلغ رسَالَته بِأَمْر ربه إِلَى من جاور الْبِلَاد الْعَرَبيَّة من مُلُوك الْفرس والرومان فهزءوا وامتنعوا وناصبوه وَقَومه الشَّرّ وأخافوا السابلة وضيقوا على المناجر فَبعث إِلَيْهِم الْبعُوث فى حَيَاته وَجرى على سنته الْأَئِمَّة من صحابته طلبا للأمن وإبلاغا للدعوة فاندفعوا فى ضعفهم وفقرهم يحملون الْحق على أَيْديهم وانهالوا بِهِ على تِلْكَ الْأُمَم فى قوتهم ومنعتها وَكَثْرَة عَددهَا واستكمال أهبها وعددها فظفروا مِنْهَا بِمَا هُوَ مَعْلُوم وَكَانُوا مَتى وضعت الْحَرْب أَوزَارهَا وَاسْتقر السُّلْطَان للفاتح عطفوا على المغلوبين بالرفق واللين وأباحو لَهُم الْبَقَاء على أديانهم وَإِقَامَة شعائرها آمِنين مُطْمَئِنين ونشروا حمايتهم عَلَيْهِم يمنعونهم مِمَّا يمْنَعُونَ مِنْهُم أهلهم وَأَمْوَالهمْ وفرضوا عَلَيْهِم كفاء ذَلِك جُزْءا قَلِيلا من مكاسبهم على شَرَائِط مُعينَة كَانَت الْمُلُوك من غير الْمُسلمين إِذا فتحُوا مملكة اتبعُوا جيشها الظافر بِجَيْش من الدعاة إِلَى دينهَا يلجون على النَّاس
стр. 94
بُيُوتهم ويغشون مجَالِسهمْ ليحملوهم على دين الظافر وبرهانهم الْغَلَبَة وحجتهم الْقُوَّة وَلم يَقع ذَلِك لفاتح من الْمُسلمين وَلم يعْهَد فى تَارِيخ فتوح الْإِسْلَام أَن كَانَ لَهُ دعاة معروفون لَهُم وَظِيفَة ممتازة يَأْخُذُونَ على أنفسهم الْعَمَل فى نشره ويقفون مسعاهم على بَث عقائده بَين غير الْمُسلمين بل كَانَ الْمُسلمُونَ يكتفون بمخالطة من عداهم ومحاسنتهم فى الْمُعَامَلَة وَشهد الْعَالم بأسره أَن الْإِسْلَام كَانَ يعد مجاملة المغلوبين فضلا وإحسانا عِنْدَمَا كَانَ يعدها الأوروبيون ضعة وضعفا رفع الْإِسْلَام مَا ثقل من الأتاوات ورد الْأَمْوَال المسلوبة إِلَى أَرْبَابهَا وانتزع الْحُقُوق من مغتصبيها وَوضع الْمُسَاوَاة فى الْحق عِنْد التقاضى بَين الْمُسلم وَغير الْمُسلم بلغ أَمر الْمُسلمين فِيمَا بعد أَن لَا يقبل إِسْلَام من دَاخل فِيهِ إِلَّا بَين يدى قَاض شرعى بِإِقْرَار من الْمُسلم الْجَدِيد أَنه أسلم بِلَا إِكْرَاه وَلَا رَغْبَة فى دنيا وصل الْأَمر فى عهد بعض الْخُلَفَاء الأمويين أَن كره عمالهم دُخُول النَّاس فى دين الْإِسْلَام لما رَأَوْا أَنه ينقص من مبالغ الْجِزْيَة وَكَانَ فى حَال أُولَئِكَ الْعمَّال صد عَن سَبِيل الدّين لَا محَالة عرف خلفاء الْمُسلمين وملوكهم فى كل زمن مَا لبَعض أهل الْكتاب بل وَغَيرهم من المهارة فى كثر من الْأَعْمَال فاستخدموهم وصعدوا بهم إِلَى أَعلَى المناصب حَتَّى كَانَ مِنْهُم من تولى قيادة الْجَيْش فى اسبانيا اشتهرت حريَّة الْأَدْيَان فى بِلَاد الْإِسْلَام حَتَّى هجر الْيَهُود أوربا فِرَارًا مِنْهَا بدينهم إِلَى بِلَاد الأندلس وَغَيرهَا
هَذَا مَا كَانَ من أَمر الْمُسلمين فى معاملتهم لمن أظلوهم بسيوفهم لم يَفْعَلُوا شَيْئا سوى أَنهم حملُوا إِلَى أُولَئِكَ الأقوام كتاب الله وشريعته وألقوا بذلك بَين أَيْديهم وَتركُوا الْخِيَار لَهُم فى الْقبُول وَعَدَمه وَلم يقومُوا بَينهم بدعوة وَلم يستعملوا لإكراههم عَلَيْهِ شَيْئا من الْقُوَّة وَمَا كَانَ من الْجِزْيَة لم يكون مِمَّا يثقل أَدَاؤُهُ على من ضربت عَلَيْهِ فَمَا الذى أقبل بِأَهْل الْأَدْيَان الْمُخْتَلفَة على الْإِسْلَام وأقنعهم أَنه الْحق دون مَا كَانَ لديهم حَتَّى دخلُوا فِيهِ أَفْوَاجًا وبذلوا فى خدمته مالم يبذله الْعَرَب أنفسهم
ظُهُور الْإِسْلَام على مَا كَانَ فى جَزِيرَة الْعَرَب من ضروب الْعِبَادَات الوثنية وتغلبه على ماكان فِيهَا من رذائل الاخلاق وقبائح الْأَعْمَال وسيره بسكانها على
стр. 95
الجادة القويمة حقق لقراء الْكتب الإلهية السَّابِقَة أَن ذَلِك هُوَ وعد الله لنبييه إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَتَحْقِيق استجابة دُعَاء الْخَلِيل ﴿رَبنَا وَابعث فيهم رَسُولا مِنْهُم﴾ وَإِن هَذَا الدّين هُوَ مَا كَانَت تبشر بِهِ الْأَنْبِيَاء أقوامها من بعْدهَا فَلم يجد أهل النصفة مِنْهُم سَبِيلا إِلَى الْبَقَاء على العناد فى مجاحدته فتلقوه شاكرين وَتركُوا مَا كَانَ لَهُم بَين قَومهمْ صابرين أوقع ذَلِك من الريب فى قُلُوب مقلديهم مَا حركهم إِلَى النّظر فِيهِ فوجدوا لطفا وَرَحْمَة وَخيرا ونعمة لَا عقيدة بِنَفر مِنْهَا الْعقل وَهُوَ رائد الْإِيمَان الصَّادِق وَلَا عمل تضعف عَن احْتِمَاله الطبيعة البشرية وهى القاضية فى قبُول الْمصَالح والمرافق رَأَوْا أَن الْإِسْلَام يرفع النُّفُوس بشعور من اللاهوت يكَاد يَعْلُو بهَا عَن الْعلم السُّفْلى ويلحقها بالملكوت الْأَعْلَى وبدعوها إِلَى إحْيَاء ذَلِك الشُّعُور بِخمْس صلوَات فى الْيَوْم وَهُوَ مَعَ ذَلِك لَا يمْنَع من التَّمَتُّع بالطيبات وَلَا يفْرض من الرياضات وضروب الزهادة مَا يشق على الْفطْرَة البشرية تجشمه ويعد بِرِضا الله ونيل ثَوَابه حَتَّى فى تَوْفِيَة الْبدن حَقه مَتى حسنت النِّيَّة وخلصت السريرة فَإِذا نزلت شَهْوَة أَو غلب هوى كَانَ الغفران الإلهى ينتظره مَتى حسنت التَّوْبَة وكملت الأوبة تبدت لَهُم سذاجة الدّين عِنْدَمَا قرءوا الْقُرْآن ونظروا فى سيرة الطاهرين من حامليه اليهم وَظهر لَهُم الْفرق بَين مَالا سَبِيل إِلَى فهمه وَمَا تكفى جَوْلَة نظر فى الْوُصُول إِلَى علمه فتراموا إِلَيْهِ خفافا من ثقل مَا كَانُوا عَلَيْهِ كَانَت الْأُمَم تطلب عقلا فى دين فوافاها وتطلع إِلَى عدل فى إِيمَان فَأَتَاهَا فَمَا الذى يحجم بهَا عَن المسارعة إِلَى طلبتها والمبادرة إِلَى رغيبتها كَانَت الشعوب تَئِنُّ من ضروب الامتياز الَّتِى رفعت بعض الطَّبَقَات على بعض بِغَيْر حق وَكَانَ من حكمهَا أَن لَا يُقَام وزن لشئون الأدنين مَتى عرضت دونهَا شهوات الأعلين فجَاء دين يحدد الْحُقُوق ويسوى بَين جَمِيع الطَّبَقَات فى احترام النَّفس وَالدّين وَالْعرض وَالْمَال ويسوغ لأمراء فقيرة غير مسلمة أَن تأبى بيع بَيت صَغِير بأية قيمَة لأمير عَظِيم مُطلق السُّلْطَان فى قطر كَبِير وَمَا كَانَ يُريدهُ لنَفسِهِ وَلَكِن ليوسع بِهِ مَسْجِدا فَلَمَّا عقد الْعَزِيمَة على أَخذه مَعَ دفع أَضْعَاف قِيمَته رفعت الشكوى إِلَى الْخَلِيفَة فورد أمره برد بَينهَا إِلَيْهَا مَعَ لوم الْأَمِير على مَا كَانَ
стр. 96
مِنْهُ عدل يسمح ليهودى أَن يُخَاصم مثل على بن أَبى طَالب أَمَام القاضى وَهُوَ من نعلم من هُوَ ويستوقفه مَعَه للتقاضى إِلَى أَن قضى الْحق بَينهمَا هَذَا وَمَا سبق بَيَانه مِمَّا جَاءَ بِهِ الْإِسْلَام هُوَ الذى حببه إِلَى من كَانُوا أعداءه ورد إِلَيْهِ أهواءهم حَتَّى صَارُوا أنصاره وأولياءه
غلب على المسلين فى كل زمن روح الْإِسْلَام فَكَانَ من خلقهمْ الْعَطف على من جاورهم من غَيرهم وَلم تستشعر قُلُوبهم عَدَاوَة لمن خالفهم إِلَّا بعد أَن يحرجهم الْجَار فهم كَانُوا يتعلمونها من سواهُم ثمَّ لَا يكون إِلَّا طَائِفًا يحل ثمَّ يرتحل فَإِذا انْقَطَعت أَسبَاب الشغب تراجعت الْقُلُوب إِلَى سَابق مَا الفته من اللين والمياسرة وَمَعَ ذَلِك بل وغفلة الْمُسلمين عَن الْإِسْلَام وخذلانهم لَهُ وسعى الْكثير مِنْهُم فى هَدمه بِعلم وَبِغير علم لم يقف الْإِسْلَام فى انتشاره عِنْد حد خُصُوصا فى الصين وفى إفريقيا وَلم يخل زمن من رُؤْيَة جموع كَثِيرَة من ملل مُخْتَلفَة تنْزع إِلَى الأخذبعقائده على بَصِيرَة فِيمَا تنْزع إِلَيْهِ لَا سيف وَرَاءَهَا وَلَا داعى أمامها وَإِنَّمَا هُوَ مُجَرّد الِاطِّلَاع على مَا أودعهُ مَعَ قَلِيل من حَرَكَة الْفِكر فى الْعلم بِمَا شَرعه وَمن هَذَا تعلم أَن سرعَة انتشار الدّين الإسلامى وإقبال النَّاس على الِاعْتِقَاد بِهِ من كل مِلَّة إِنَّمَا كَانَ لسُهُولَة تعقله وَيسر أَحْكَامه وعدالة شَرِيعَته وَبِالْجُمْلَةِ لِأَن فطر الْبشر تطلب دينا وترتاد مِنْهُ مَا هُوَ أمس بمصالحها وَأقرب إِلَى قلوبها ومشاعرها وأدعى إِلَى الطُّمَأْنِينَة فى الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَدين هَذَا شَأْنه يجد إِلَى الْقُلُوب منفذا وَإِلَى الْعُقُول مخلصا وَبِدُون حَاجَة إِلَى دعاة يُنْفقُونَ الْأَمْوَال الْكَثِيرَة والأوقات الطَّوِيلَة ويستكثرون من الْوَسَائِل وَنصب الحبائل لاسقاط النُّفُوس فِيهِ هَذَا كَانَ حَال الْإِسْلَام فى سذاجته الأولى وطهارته الَّتِى أنشأه الله عَلَيْهَا وَلَا يزَال على جَانب عَظِيم مِنْهَا فى بعض أَطْرَاف الأَرْض إِلَى الْيَوْم
قَالَ من لم يفهم مَا قدمْنَاهُ أولم يرد أَن يفهمهُ إِن الْإِسْلَام لم يطف على قُلُوب الْعَالم بِهَذِهِ السرعة إِلَّا بِالسَّيْفِ فقد فتح الْمُسلمُونَ ديار غَيرهم وَالْقُرْآن بِإِحْدَى الْيَدَيْنِ وَالسيف بِالْأُخْرَى يعرضون الْقُرْآن على المغلوب فان لم يقبله فصل السَّيْف بَينه وَبَين حَيَاته سُبْحَانَكَ هَذَا بهتان عَظِيم مَا قدمْنَاهُ من مُعَاملَة الْمُسلمين مَعَ
стр. 97
من دخلُوا تَحت سلطانهم هُوَ ماتواترت بِهِ الْأَخْبَار تواترا صَحِيحا لَا يقبل الرِّيبَة فى جملَته وَإِن وَقع اخْتِلَاف فى تَفْصِيله وَإِنَّمَا شهر الْمُسلمُونَ سيوفهم دفاعا عَن أنفسهم وكفا للعدوان عَنْهُم ثمَّ كَانَ الِافْتِتَاح بعد ذَلِك من ضَرُورَة الْملك وَلم يكن من الْمُسلمين مَعَ غَيرهم إِلَّا أَنهم جاوروهم وأجاروهم فَكَانَ الْجوَار طَرِيق الْعلم بِالْإِسْلَامِ وَكَانَت الْحَاجة لصلاح الْعقل وَالْعَمَل دَاعِيَة الِانْتِقَال إِلَيْهِ
لَو كَانَ السَّيْف ينشر دينا فقد عمل فى الرّقاب للاكراه على الدّين والإلزام بِهِ مهددا كل أمة لم تقبله بالإبادة والمحو من سطح البسيطة مَعَ كَثْرَة الجيوش ووفرة الْعدَد وبلوغ الْقُوَّة أسمى دَرَجَة كَانَت تمكن لَهَا وابتدأ ذَلِك الْعَمَل قبل ظُهُور الْإِسْلَام بِثَلَاثَة قُرُون كَامِلَة وَاسْتمرّ فى شدته بعد مجىء الْإِسْلَام سَبْعَة أجيال أَو يزِيد فَتلك عشرَة قُرُون كَامِلَة لم يبلغ فِيهَا السَّيْف من كسب عقائد الْبشر مبلغ الْإِسْلَام فى أقل من قرن هَذَا وَلم يكن السَّيْف وَحده بل كَانَ الحسام لَا يتَقَدَّم خطْوَة إِلَّا والدعاة من خَلفه يَقُولُونَ مَا يشاءون تَحت حمايته مَعَ غَيره نفيض من الأفئدة وفصاحة تتدفق عَن الْأَلْسِنَة وأموال تخلب ألباب الْمُسْتَضْعَفِينَ إِن فى ذَلِك لآيَات للمستيقنين
جلت حِكْمَة الله فى أَمر هَذَا الدّين سلسبيل حَيَاة نبع فى القفار الْعَرَبيَّة أبعد بِلَاد الله عَن الْمَدِينَة فاض حَتَّى شملها فَجمع شملها فأحياها حَيَاة شعبية ملية علامده حَتَّى استغرق ممالك كَانَت تفاخر أهل السَّمَاء فى رفعتها وتعلوا أهل الأَرْض بمدنيتها زلزل هديره على لينه مَا كَانَ استحجر من الْأَرْوَاح فانشقت عَن مَكْنُون سر الْحَيَاة فِيهَا قَالُوا كَانَ لَا يَخْلُو من غلب بِالتَّحْرِيكِ قليا تِلْكَ سنة الله فى الْخلق لَا تزَال المصارعة بَين الْحق وَالْبَاطِل والرشد والغى قَائِمَة فى هَذَا الْعَالم إِلَى أَن يقْضى الله قصاءه فِيهِ إِذا سَاق الله ربيعا إِلَى أَرض جدبة ليحيى ميتنها وينقع غَلَّتهَا وينمى الخصب فِيهَا أفينقص من قدره أَن اتى فى طَرِيقه على عقبَة فعلاها أَو بَيت رفيع الْعِمَاد فهوى بِهِ
سطح الْإِسْلَام على الديار الَّتِى بلغَهَا أَهله فَلم يكن بَين أهل تِلْكَ الديار وَبَينه إِلَّا أَن يسمعوا كَلَام الله ويفقهوه واشتغل الْمُسلمُونَ بَعضهم بِبَعْض زَمنا وانحرفوا
стр. 98
عَن طَرِيق الدّين أزمانا فَوقف وَقْفَة الْقَائِد خذله الْأَنْصَار وَكَاد يتزحزح إِلَى مَا وَرَاءه لَكِن الله بَالغ أمره فانحدرت إِلَى ديار الْمُسلمين أُمَم من التتار يَقُودهَا جنكيزخار وفعلوا بِالْمُسْلِمين الأفاعيل وَكَانُوا وثنيين جَاءُوا لمحض الْغَلَبَة وَالسَّلب والنهب وَلم يلبث أَعْقَابهم أَن اتَّخذُوا الْإِسْلَام دينا وَحَمَلُوهُ إِلَى أقوامهم فعمهم مِنْهُ مَا عَم غَيرهم جَاءُوا لشقوتهم فعادوا بسعادتهم
حمل الغرب على الشرق حَملَة وَاحِدَة لم يبْق ملك من ملوكه وَلَا شعب من شعوبه إِلَّا اشْترك فِيهَا واستمرت المجالدات بَين الغربيين والشرقيين أَكثر من مائتى سنة جمع فِيهَا الغربيون من الْغيرَة وَالْحمية للدّين مَا لم يسْبق لَهُم من قبل وجيشوا من الْجند وَأَعدُّوا من الْقُوَّة مَا بلغته طاقتهم وزحفوا على ديار الْمُسلمين وَكَانَت فيهم بَقِيَّة من روح الدّين فغلب الغربيون على كثير من الْبِلَاد الإسلامية وانتهت تِلْكَ الحروب الجارفة بإجلائهم عَنْهَا لم جَاءُوا وبماذا رجعُوا ظفر رُؤَسَاء الدّين فى الغرب بإثارة شعوبهم ليبيدوا مَا يشاءون من سكان الشرق أَو يستولى سُلْطَان تِلْكَ الشعوب على مَا يَعْتَقِدُونَ لأَنْفُسِهِمْ الْحق فى الِاسْتِيلَاء عَلَيْهِ من الْبِلَاد الإسلامية جَاءَ من الْمُلُوك والأمراء وذوى الثروة والأعلياء جم غفير وَجَاء مِمَّن دونهم من الطَّبَقَات مَا قدروه بالملايين اسْتَقر الْمقَام بِكَثِير من هَؤُلَاءِ فى أَرض الْمُسلمين وَكَانَت فترات تنطفىء فِيهَا نَار الْغَضَب وتثوب الْعُقُول إِلَى سكينتها تنظر فى أَحْوَال المجاورين وتلتقط من أفكار المخالطين وتنفعل بِمَا ترى وَمَا تسمع فتبينت أَن المبالغات الَّتِى أطاشت الأحلام وجسمت الآلام لم تصب مُسْتَقر الْحَقِيقَة ثمَّ وجدت حريَّة فى دين وعلما وَشرعا وصنعة مَعَ كَمَال فى يَقِين وتعلمت أَن حريَّة الْفِكر وسعة الْعلم من وَسَائِل الْإِيمَان لَا من العوادى عَلَيْهِ ثمَّ جمعت من الْآدَاب مَا شَاءَ الله وَانْطَلَقت إِلَى بلادها قريرة الْعين بِمَا غنمته من جلادها هَذَا إِلَى مَا كَسبه السفار من أَطْرَاف الممالك إِلَى بِلَاد الأندلس بمخالطة حكمائها وأدبائها ثمَّ عَادوا بِهِ إِلَى شعوبهم ليذيقوهم حلاوة مَا كسبوا وَأخذت الأفكار من ذَلِك الْعَهْد تتراسل وَالرَّغْبَة فى الْعلم تتزايد بَين الغربيين ونهضت الهمم لقطع سلاسل التَّقْلِيد ونزعت العزائم إِلَى تَقْيِيد سُلْطَان زعماء
стр. 99
الدّين وَالْأَخْذ على أَيْديهم فِيمَا تجاوزوا فِيهِ وَصَايَاهُ وحرفوا فى مَعْنَاهُ وَلم يكن بعد ذَلِك إِلَّا قَلِيل من الزَّمن حَتَّى ظَهرت طَائِفَة مِنْهُم تَدْعُو إِلَى الْإِصْلَاح وَالرُّجُوع بِالدّينِ إِلَى سذاجته وَجَاءَت فى إصلاحها بِمَا لَا يبعد عَن الْإِسْلَام إِلَّا قَلِيلا بل ذهب بعض طوائف الْإِصْلَاح فى العقائد إِلَى مَا يتَّفق مَعَ عقيدة الْإِسْلَام إِلَّا فى التَّصْدِيق برسالة مُحَمَّد ﷺ وَأَن مَا هم عَلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ دينه يخْتَلف عَنهُ إسما وَلَا يخْتَلف معنى إِلَّا فى صُورَة الْعِبَادَة لَا غير
ثمَّ أخذت أُمَم أوربا تفتك من أسرها وَتصْلح من شئونها حَتَّى استقامت أُمُور دنياها على مثل مَا دَعَا إِلَيْهِ الْإِسْلَام غافلة عَن قائدها لاهية عَن مرشدها وتقررت أصُول المدنية الْحَاضِرَة الَّتِى تفاخر بهَا الأجيال الْمُتَأَخِّرَة مَا سبقها من أهل الْأَزْمَان الغابرة هَذَا طل من وابله أصَاب أَرضًا قَابِلَة فاهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج جَاءَ الْقَوْم ليبيدوا فاستفادوا وعادوا ليفيدوا ظن الرؤساء أَن فى إهاجة شعوبهم شقاء ضغنهم وتقوية ركنهم فباءوا بوضوح شَأْنهمْ وضعضعة سلطانهم وَمَا بَيناهُ فى شَأْن الْإِسْلَام ويعرفه كل من تفقه فِيهِ قد ظفر بِهِ كثير من أهل النّظر فى بِلَاد الغرب فعرفوا لَهُ حَقه واعترفوا أَنه كَانَ أكبر أساتذتهم فِيمَا هم فِيهِ الْيَوْم وَإِلَى الله عَاقِبَة الْأُمُور
ايراد سهل الايراد
يَقُول قَائِلُونَ إِذا كَانَ الْإِسْلَام إِنَّمَا جَاءَ لدَعْوَة الْمُخْتَلِفين إِلَى الإتفاق وَقَالَ فى كِتَابه إِن الَّذين فرقوا دينهم وَكَانُوا شيعًا لست مِنْهُم فى شىء فَمَا بَال الْملَّة الإسلامية قد مزقتها المشارب وَفرقت بَين طوائفها الْمذَاهب إِذا كَانَ الْإِسْلَام موحدا فَمَا بَال الْمُسلمين عددوا إِذا كَانَ موليا وَجه العَبْد وجهة الَّذِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض فَمَا بَال جمهورهم يولون وُجُوههم من لَا يملك لنَفسِهِ نفعا وَلَا ضرا وَلَا يَسْتَطِيع من دون الله خيرا وَلَا شرا وكادوا يعدون ذَلِك فصلا من فُصُول الوحيد إِذا كَانَ أول دين خَاطب الْعقل وَدعَاهُ إِلَى النّظر فى الأكوان
стр. 100
وَأطلق لَهُ الْعَنَان يجول فى ضمائرها بِمَا يسمعهُ الْإِمْكَان وَلم يشرط عَلَيْهِ فى ذَلِك سوى الْمُحَافظَة على عقد الْإِيمَان فَمَا بالهم قنعوا باليسير وَكثير مِنْهُم أغلق على نَفسه بَاب الْعلم ظنا مِنْهُ أَنه قد يرضى الله بِالْجَهْلِ وإغفال النّظر فِيمَا أبدع من مُحكم الصنع مَا بالهم وَقد كَانُوا رسل الْمحبَّة أَصْبحُوا الْيَوْم وهم يتنسمونها لَا يجدونها مَا بالهم بعد أَن كَانُوا قدوة فِي الْجد وَالْعَمَل أَصْبحُوا مثلا فى الْقعُود والكسل مَا هَذَا الذى ألحق المسملون بدينهم وَكتاب الله بَينهم يُقيم ميزَان الْقسْط بَين مَا ابتدعوه وَبَين مَا دعاهم إِلَيْهِ فَتَرَكُوهُ إِذا كَانَ الْإِسْلَام فى قربه من الْعُقُول والقلوب على مَا بيّنت فَمَا باله الْيَوْم على رأى الْقَوْم تقصر دون الْوُصُول إِلَيْهِ يَد المتناول إِذا كَانَ الْإِسْلَام يدعوا إِلَى البصيرة فِيهِ فَمَا بَال قراء الْقُرْآن لَا يقرءونه إِلَّا تغَنِّيا وَرِجَال الْعلم بِالدّينِ لَا يعرفهُ أغلبهم إِلَّا تظنيا
إِذا كَانَ الْإِسْلَام منح الْعقل والإرادة شرف الِاسْتِقْلَال فَمَا بالهم شدوهما إِلَى أغلال أَي أغلال إِذا كَانَ قد أَقَامَ قَوَاعِد الْعدْل فَمَا بَال أغلب حكامهم يضْرب بهم الْمثل فى الظُّلم إِذا كَانَ الدّين فى تشوف إِلَى حريَّة الأرقاء فَمَا بالهم قضوا قرونا فى استعباد الْأَحْرَار إِذا كَانَ الْإِسْلَام يعد من أَرْكَانه حفظ العهود والصدق وَالْوَفَاء فَمَا بالهم قد فاض بَينهم الْغدر وَالْكذب والزور والافتراء إِذا كَانَ الْإِسْلَام يحظر الغيلة وَيحرم الخديعة ويوعد على الْغِشّ بِأَن الغاش لَيْسَ من أَهله فَمَا بالهم يحتالون حَتَّى على الله وشرعه وأوليائه إِذا كَانَ قد حرم الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن فَمَا هَذَا الَّذِي نرَاهُ بَينهم فِي السِّرّ والعلن وَالنَّفس وَالْبدن إِذا كَانَ قد صرح بِأَن الدّين النَّصِيحَة لله وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمنِينَ خاصتهم وعامتهم وَإِن الْإِنْسَان لفى خسر إِلَّا الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وتواصو بِالصبرِ وَأَنَّهُمْ إِن لم يأمروا بِالْمَعْرُوفِ وينهوا عَن الْمُنكر سلط عَلَيْهِم شرارهم فيدعو خيارهم فَلَا يُسْتَجَاب لَهُم وشدد فى ذَلِك بِمَا لم يشدد فى غَيره فَمَا بالهم لَا يتناصحون وَلَا يتواصون بِحَق وَلَا يعتصمون بصبر وَلَا يتناصحون فى خير وَلَا شَرّ بل ترك كل صَاحبه وَألقى حبله على غاربه فعاشوا أفذاذا وصاروا فى أَعْمَالهم أفرادا لَا يحس أحدهم بِمَا يكون من عمل أَخِيه كَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ وَكَأن لم تجمعه مَعَه صلَة وَلم تضمه
стр. 101
إِلَيْهِ وشيجة مَا بَال الْأَبْنَاء يقتلُون الْآبَاء وَمَا بَال الْبَنَات يعققن الْأُمَّهَات أَيْن وشائج الرَّحْمَة ايْنَ عاطفة الرَّحِم على الْقَرِيب أَيْن الْحق الذى فرض فى أَمْوَال الْأَغْنِيَاء للْفُقَرَاء وَقد اصبح الْأَغْنِيَاء يسلبون مَا بقى فى ايدى أهل البأساء
قبس من الْإِسْلَام أَضَاء الغرب كَمَا تَقول وضوءه الْأَعْظَم وشمسه الْكُبْرَى فى الشرق وَأَهله فى ظلمات لَا يبصرون أصبح هَذَا فى عقل أَو عهد فى نقل ألم تَرَ إِلَى الَّذين تذوقوا من الْعلم شَيْئا وهم من أهل هَذَا الدّين أول مَا يعلق بأوهام أَكْثَرهم أَن عقائده خرافات وقواعده وَأَحْكَامه ترهات ويجدون لذتهم فى التَّشَبُّه بالمستهزئين مِمَّن سموا أنفسهم أَحْرَار الأفكار وبعداء الأنظار وَإِلَى الَّذين قصروا هممهم على تصفح أوراق من كتبه ووسموا أنفسهم بِأَنَّهُم حفاظ أَحْكَامه والقوام على شرائعه كَيفَ يجافون عُلُوم النّظر ويهزءون بهَا ويرون الْعَمَل فِيهَا عَبَثا فى الدّين وَالدُّنْيَا ويفتخر الْكثير مِنْهُم بجهلها كَأَنَّهُ فى ذَلِك قد هجر مُنْكرا وترفع عَن دنيئة فَمن وقف على بَاب الْعلم من الْمُسلمين يجد دينه كَالثَّوْبِ الْخلق يستحى أَن يظْهر بِهِ بَين النَّاس وَمن غرته نَفسه بِأَنَّهُ على شىء من الدّين وَأَنه مستمسك بعقائده يرى الْعقل جنَّة وَالْعلم ظنة أَلَيْسَ فى هَذَا مَا يشْهد الله وَمَلَائِكَته وَالنَّاس أَجْمَعِينَ على أَن لَا وفَاق بَين الْعلم وَالْعقل وَهَذَا الدّين
الْجَواب
رُبمَا لم يُبَالغ الواصف لما عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ الْيَوْم بل من عدَّة أجيال وَرُبمَا كَانَ مَا جَاءَ فى الْإِيرَاد قَلِيلا من كثير وَقد وصف الشَّيْخ الغزالى ﵀ وَابْن الْحَاج وَغَيرهمَا من أهل الْبَصَر فى الدّين مَا كَانَ عَلَيْهِ مُسلمُونَ زمانهم عامتهم وخاصتهم بِمَا حوته مجلدات وَلَكِن قد أتيت فى خَاصَّة الدّين الإسلامى بِمَا يكفى للاعتراف بِهِ مُجَرّد تِلَاوَة الْقُرْآن مَعَ التدقيق فى فهم مَعَانِيه وَحملهَا على مَا فهمه أُولَئِكَ الَّذين أنزل فيهم وَعمل بِهِ بَينهم ويكفى فى الِاعْتِرَاف بِمَا ذكرته من جميل أَثَره قِرَاءَة وَرَقَات فى التَّارِيخ على مَا كتبه محققو الْإِسْلَام ومنصفو سَائِر الْأُمَم فَذَلِك هُوَ الْإِسْلَام وَقد أسلفنا أَن الدّين هدى وعقل من أحسن فى
стр. 102
اسْتِعْمَاله والآخذ بِمَا أرشد إِلَيْهِ نَالَ من السَّعَادَة مَا وعد الله على اتِّبَاعه وَقد جرب علاج الِاجْتِمَاع الإنسانى بِهَذَا الدَّوَاء فَظهر نجاحه ظهورا لَا يَسْتَطِيع مَعَه الْأَعْمَى إنكارا وَلَا الْأَصَم إعْرَاضًا وَغَايَة مَا قيل فى الْإِيرَاد أَن أعْطى الطَّبِيب إِلَى الْمَرِيض دَوَاء فصح الْمَرِيض وانقلب الطَّبِيب بِالْمرضِ الذى كَانَ يعْمل لمعالجته وَهُوَ يتجرع الْغصَص من آلامه والدواء فى بَيته وَهُوَ لَا يتَنَاوَلهُ وَكثير مِمَّن يعودونه أَو يتشفون مِنْهُ ويشمتون لمصيبته يتناولون من ذَلِك الدَّوَاء فيعافون من مثل مَرضه وَهُوَ فى يأس من حَيَاته ينْتَظر الْمَوْت أَو تبدل سنة الله فى شِفَاء أَمْثَاله كلامنا الْيَوْم فى الدّين الإسلامى وحاله على مَا بَيناهُ أما الْمُسلمُونَ وَقد أَصْبحُوا بسيرهم حجَّة على دينهم فَلَا كَلَام لنا فيهم الْآن وسيكون الْكَلَام عَنْهُم كتاب آخر إِن شَاءَ الله
التَّصْدِيق بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد ﷺ
بعد أَن ثبتَتْ نبوته ﵇ بِالدَّلِيلِ الْقَاطِع على مَا بَينا وَأَنه إِنَّمَا يخبر عَن الله تَعَالَى فَلَا ريب أَنه يجب تَصْدِيق خَبره وَالْإِيمَان بِمَا جَاءَ بِهِ ونعنى بِمَا جَاءَ بِهِ مَا صرح بِهِ الْكتاب الْعَزِيز وَمَا تَوَاتر الْخَبَر بِهِ تواترا صَحِيحا مُسْتَوْفيا لشرائطه وَهُوَ مَا أخبر بِهِ جمَاعَة يَسْتَحِيل تواطئوهم على الْكَذِب عَادَة فى أَمر محسوس وَمن ذَلِك أَحْوَال مَا بعد الْمَوْت من بعث ونعيم فى جنَّة وَعَذَاب فى نَار وحساب على حَسَنَات وسيئات وَغير ذَلِك مِمَّا هُوَ مَعْرُوف وَيجب أَن يقْتَصر فى الِاعْتِقَاد على مَا هُوَ صَرِيح فى الْخَبَر وَلَا تجوز الزِّيَادَة على مَا هُوَ قطعى يظنّ وَشرط صِحَة الِاعْتِقَاد أَن لَا يكون فِيهِ شىء يمس التَّنْزِيه وعلو الْمقَام الإلهى عَن مشابهة المخلوقين فَإِن ورد مَا يُوهم ظَاهره ذَلِك فى المنواز وَجب صرفه عَن الظَّاهِر إِمَّا بِتَسْلِيم لله فى الْعلم بِمَعْنَاهُ مَعَ اعْتِقَاد أَن الظَّاهِر غير مُرَاد أَو بِتَأْوِيل تقوم عَلَيْهِ الْقَرَائِن المقبولة
أما أَخْبَار الْآحَاد فَإِنَّمَا يجب الْإِيمَان بِمَا ورد فِيهَا على من بلغته وَصدق بِصِحَّة رِوَايَتهَا أما من لم يبلغهُ الْخَبَر أَو بلغه وَعرضت لَهُ شُبْهَة فى صِحَّته وَهُوَ
стр. 103
لَيْسَ من الْمُتَوَاتر فَلَا يطعن فى إيمَانه عدم التَّصْدِيق بِهِ وَالْأَصْل فى جَمِيع ذَلِك أَن من أنكر شَيْئا وَهُوَ يعلم أَن النبى ﷺ حدث بِهِ أَو قَرَّرَهُ فقد طعن فى صدق الرسَالَة وَكذب بهَا وَيلْحق بِهِ من أهمل الْعلم بِمَا تَوَاتر وَعلم أَنه من الدّين بِالضَّرُورَةِ وَهُوَ فى الْكتاب وَقَلِيل من السّنة فى الْعَمَل
من اعْتقد بِالْكتاب الْعَزِيز وَبِمَا فِيهِ من الشَّرَائِع العملية وعسر عَلَيْهِ فهم أَخْبَار الْغَيْب على مَا هى عَلَيْهِ فى ظَاهر القَوْل وَذهب بعقله إِلَى تَأْوِيلهَا بحقائق يقوم لَهُ الدَّلِيل عَلَيْهَا مَعَ الِاعْتِقَاد بحياة بعد الْمَوْت وثواب وعقاب على الْأَعْمَال والعقائد بِحَيْثُ لَا ينقص تَأْوِيله شَيْئا من قيمَة الْوَعْد والوعيد وَلَا ينقص شَيْئا من بِنَاء الشَّرِيعَة فى التَّكْلِيف كَانَ مُؤمنا حَقًا وَإِن كَانَ لَا يصلح اتِّخَاذه قدوة فى تَأْوِيله فَإِن الشَّرَائِع الإلهية قد نظر فِيهَا إِلَى مَا تبلغه طَاقَة الْعَامَّة لَا إِلَى مَا تشتهيه عقول الْخَاصَّة وَالْأَصْل فى ذَلِك أَن الْإِيمَان هُوَ الْيَقِين فى الِاعْتِقَاد بِاللَّه وَرُسُله وَالْيَوْم الآخر بلاقيد فى ذَلِك إِلَّا احترام مَا جَاءَ بِهِ على أَلْسِنَة الرُّسُل
بقيت علينا مَسْأَلَتَانِ وضعتا من هَذَا الْعلم فى مَكَان من الاهتمام وَمَا هما مِنْهُ إِلَّا حَيْثُ يكون غَيرهمَا مِمَّا أجملنا القَوْل فِيهِ الأولى جَوَاز رُؤْيَة الله تَعَالَى فى الْآخِرَة وَالْأُخْرَى جَوَاز وُقُوع الكرامات وخوارق الْعَادَات من غير الْأَنْبِيَاء من الْأَوْلِيَاء وَالصديقين
أما الأولى فقد اشْتَدَّ فِيهَا النزاع ثمَّ انْتهى إِلَى وفَاق بَين المنزهين لَا مجَال مَعَه للتنازع فَإِن الْقَائِلين بِجَوَاز الرُّؤْيَة من أهل التَّنْزِيه متفقون على أَن الرُّؤْيَة لَا تكون على الْمَعْهُود من رُؤْيَة الْبَصَر الْمَعْرُوفَة لنا فى مجْرى الْعَادة بل هى رُؤْيَة لَا كَيفَ فِيهَا وَلَا تَحْدِيد وَمثلهَا لَا يكون إِلَّا يبصر يخْتَص الله بِهِ أهل الدَّار الْآخِرَة أَو تَتَغَيَّر فِيهِ خاصته الْمَعْهُودَة فى الْحَيَاة الدُّنْيَا وَهُوَ مَالا يمكننا مَعْرفَته وَإِن كُنَّا نصدق بِوُقُوعِهِ مَتى صَحَّ الْخَبَر والمنكرون لجوازها لم ينكروا انكشافا يساويها فَسَوَاء كَانَ ذَلِك بالبصر الْغَيْر الْمَعْهُود أَو بحاسة أُخْرَى فَهُوَ فى الْمَعْنى يرجع إِلَى قَول خصومهم وَلَكِن منى الْإِسْلَام بِقوم يحبونَ الْخلاف وَالله فَوق مَا يظنون
وَأما الثَّانِيَة فَأنْكر جَوَاز وُقُوع الكرامات أَبُو إِسْحَاق الاسفراينى من
стр. 104
أكَابِر أَصْحَاب أَبى الْحسن الأشعرى وعَلى ذَلِك الْمُعْتَزلَة إِلَّا ابا الْحسن البصرى فَقَالَ بِجَوَاز وُقُوعهَا وَعَلِيهِ جُمْهُور الأشاعرة وَاسْتدلَّ الذاهبون إِلَى الْجَوَاز بِمَا جَاءَ فى الْكتاب من قصَّة الذى عِنْده علم من الْكتاب الْوَارِدَة فى خبر بلقيس من إِحْضَاره عرشها قبل ارتداد الطّرف وقصة مَرْيَم ﵍ وَحُضُور الرزق عِنْدهَا وقصة أَصْحَاب الْكَهْف وَاحْتج الْآخرُونَ بِأَن ذَلِك يُوقع الشُّبْهَة فى المعجزات وَأولُوا مَا جَاءَ فى الْآيَات أما أَن ذَلِك يُوقع الشُّبْهَة فى المعجزات فَلَيْسَ بِصَحِيح لِأَن المعجزات إِنَّمَا تظهر مقرونة بِدَعْوَى الرسَالَة والتبليغ عَن الله تَعَالَى وَلَا بُد أَن تكتنفها حوادث تميزها عَمَّا سواهَا وَأما مَا احْتج بِهِ المجوزون من الْآيَات فَلَا دَلِيل فِيهِ لِأَن مَا فى قصَّة مَرْيَم وآصف قد يكون بتخصيص من الله تَعَالَى لوُقُوعه فى عهد الْأَنْبِيَاء ﵊ وَلَا علم لنا بِمَا اكتنف تِلْكَ الوقائع من شئون الله فى أَنْبيَاء ذَلِك الْعَهْد إِلَّا قَلِيلا وَأما قصَّة أهل الْكَهْف فقد عدهَا الله من آيَاته فى خلقه وَذكرنَا بهَا لنعتبر بمظاهر قدرته فَلَيْسَتْ من قبيل مَا الْكَلَام فِيهِ من عُمُوم الْجَوَاز فَصَارَ الْبَحْث فى جَوَاز وُقُوع الكرامات نوعا من الْبَحْث فى متناول همم النُّفُوس البشرية وعلاقتها بالكون الْكَبِير وفى مَكَان الْأَعْمَال الصَّالِحَة وارتقاء النُّفُوس فى مقامات الْكَمَال من الْعِنَايَة الإلهية وَهُوَ بحث دَقِيق قد يخْتَص بِعلم آخر وَأما مُجَرّد الْجَوَاز العقلى وَأَن صُدُور خارق للْعَادَة على يَد غير نبى مِمَّا تتناوله الْقُدْرَة الإلهية فَلَا أَظن أَنه مَوضِع نزاع يخْتَلف عَلَيْهِ الْعُقَلَاء وَإِنَّمَا الذى يجب الِالْتِفَات إِلَيْهِ هُوَ أَن أهل السّنة وَغَيرهم فى اتِّفَاق على أَنه لَا يجب الِاعْتِقَاد بِوُقُوع كَرَامَة مُعينَة على يَد ولى لله معِين بعد ظُهُور الْإِسْلَام فَيجوز لكل مُسلم بِإِجْمَاع الْأمة أَن يُنكر صُدُور أَي كَرَامَة كَانَت من أى ولى كَانَ وَلَا يكون بإنكاره هَذَا مُخَالفا لشىء من أصُول الدّين وَلَا مائلا عَن سنة صَحِيحَة وَلَا منحرفا عَن الصِّرَاط الْمُسْتَقيم اللَّهُمَّ إِلَّا ان يكون مِمَّا صَحَّ فى السّنة عَن الصَّحَابَة أَيْن هَذَا الأَصْل الْمجمع عَلَيْهِ مِمَّا يهذى بِهِ جُمْهُور الْمُسلمين فى هَذِه الْأَيَّام حَيْثُ يظنون أَن الكرامات وخوارق الْعَادَات أَصبَحت من ضروب الصناعات يتنافس فِيهَا الْأَوْلِيَاء وتتفاخر فِيهَا همم الأصفياء وَهُوَ مِمَّا يتبرأ مِنْهُ الله وَدينه وأولياؤه وَأهل الْعلم أَجْمَعُونَ
стр. 105
خَاتِمَة
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
وعد الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَعمِلُوا الصَّالِحَات ليَستَخْلِفنهم فى الأَرْض كَمَا اسْتخْلف الَّذين من قبلهم وليمكنن لَهُم دينهم الذى ارتضى لَهُم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدوننى لَا يشركُونَ بِي شَيْئا وَمن كفر بعد ذَلِك فَأُولَئِك هم الْفَاسِقُونَ وَقد فسر الْكفْر فى هَذِه الْآيَة بِكفْر النِّعْمَة وَأَنا لما سمعنَا الْهدى آمنا بِهِ فَمن يُؤمن بربه فَلَا يخَاف بخسا وَلَا رهقا وَأَنا منا الْمُسلمُونَ وَمنا القاسطون فَمن أسلم فَأُولَئِك تحروا رشدا وَأما القاسطون فَكَانُوا لِجَهَنَّم حطبا وألو استقاموا على الطَّرِيقَة لاسقيناهم مَاء غدقا لنفتنهم فِيهِ وَمن يعرض عَن ذكر ربه يسلكه عذَابا صعدا وَأَن الْمَسَاجِد لله فَلَا تدعوا مَعَ الله أحدا وَأَنه لما قَامَ عبد الله يَدعُوهُ كَادُوا يكونُونَ عَلَيْهِ لبدا قل إِنَّمَا أدعوا ربى وَلَا أشرك بِهِ أحدا قل إنى لَا أملك لكم ضرا وَلَا رشدا قل إنى لن يجيرنى من الله أحد وَلنْ أجد من دونه ملتحدا إِلَّا بلاغا من الله ورسالاته وَمن
стр. 106
يعْص الله وَرَسُوله فَإِن لَهُ نَار جَهَنَّم خَالِدين فِيهَا أبدا حَتَّى إِذا رَأَوْا مَا يوعدون فسيعلمون من أَضْعَف ناصرا واقل عددا قل إِن أدرى أَقَرِيب مَا توعدون أم يَجْعَل لَهُ ربى أمدا عَالم الْغَيْب فَلَا يظْهر على غيبه أحدا إِلَّا من ارتضى من رَسُول فَإِنَّهُ يسْلك من بَين يَدَيْهِ وَمن خلقه رصدا ليعلم أَن قد أبلغوا رسالات رَبهم وأحاط بِمَا لديهم وأحصى كل شىء عددا) صدق الله الْعَظِيم وَبلغ رَسُوله الْكَرِيم وخسىء الشَّيْطَان الرَّجِيم وَحقّ الشُّكْر لله رب الْعَالمين الرَّحْمَن الرَّحِيم