← Акыда

Акыда · id 6394

فتاوى مهمة لعموم الأمة

ابن باز

Полный текст (160 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

أَنْوَاع التَّوْحِيد ١ - سُئِلَ الشَّيْخ أَعلَى الله دَرَجَته فِي المهديين عَن تَعْرِيف التَّوْحِيد وأنواعه فَأجَاب بقوله التَّوْحِيد لُغَة مصدر وحد يوحد أَي جعل الشَّيْء وَاحِدًا وَهَذَا لَا يتَحَقَّق إِلَّا بِنَفْي وَإِثْبَات نفي الحكم عَمَّا سوى الموحد وإثباته لَهُ فمثلا نقُول إِنَّه لَا يتم التَّوْحِيد حَتَّى يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله فينفي الألوهية عَمَّا سوى الله ويثبتها لله وَحده وَذَلِكَ أَن النَّفْي الْمَحْض تَعْطِيل مَحْض وَالْإِثْبَات الْمَحْض لَا يمْنَع مُشَاركَة الْغَيْر فِي الحكم فَلَو قلت مثلا فلَان قَائِم فَهُنَا أثبت لَهُ الْقيام لكنك لم توحده بِهِ لِأَنَّهُ من الْجَائِز أَن يُشَارِكهُ غَيره فِي هَذَا الْقيام وَلَو قلت لَا قَائِم فقد نفيت نفيا مَحْضا وَلم تثبت الْقيام لأحد فَإِذا قلت لَا قَائِم إِلَّا زيد فَحِينَئِذٍ

стр. 2

تكون وحدت زيدا بِالْقيامِ حَيْثُ نفيت الْقيام عَمَّن سواهُ وَهَذَا هُوَ تَحْقِيق التَّوْحِيد فِي الْوَاقِع أَي أَن التَّوْحِيد لَا يكون توحيدا حَتَّى يتَضَمَّن نفيا وإثباتا وأنواع التَّوْحِيد بِالنِّسْبَةِ لله تدخل كلهَا فِي تَعْرِيف عَام وَهُوَ إِفْرَاد الله بِمَا يخْتَص بِهِ وَهِي حسب مَا ذكره أهل الْعلم ثَلَاثَة الأول تَوْحِيد الربوبية الثَّانِي تَوْحِيد الألوهية الثَّالِث تَوْحِيد الْأَسْمَاء وَالصِّفَات وَعَلمُوا ذَلِك بالتتبع والإستقراء وَالنَّظَر فِي الْآيَات وَالْأَحَادِيث فوجدوا أَن التَّوْحِيد لَا يخرج عَن هَذِه الْأَنْوَاع الثَّلَاثَة فنوعوا التَّوْحِيد إِلَى ثَلَاثَة أَنْوَاع الأول تَوْحِيد الربوبية وَهُوَ إِفْرَاد الله بالخلق وَالْملك وَالتَّدْبِير وتفصيل ذَلِك أَولا بِالنِّسْبَةِ لإفراد الله تَعَالَى بالخلق فَالله تَعَالَى وَحده هُوَ الْخَالِق لَا خَالق سواهُ قَالَ الله تَعَالَى هَل من خَالق غير الله يرزقكم من السَّمَاء وَالْأَرْض لَا إِلَه

стр. 3

إِلَّا هُوَ (١) وَقَالَ تَعَالَى مُبينًا بطلَان آلِهَة الْكفَّار أَفَمَن يخلق كمن لَا يخلق أَفلا تذكرُونَ (٢) فَالله تَعَالَى وَحده هُوَ الْخَالِق خلق كل شَيْء فقدره تَقْديرا وخلقه يَشْمَل مَا يَقع من مفعولاتع وَمَا يَقع من مفعولات خلقه أَيْضا وَلِهَذَا كَانَ من تَمام الْإِيمَان بِالْقدرِ أَن تؤمن بِأَن الله تَعَالَى خَالق لأفعال الْعباد كَمَا قَالَ الله تَعَالَى وَالله خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ (٣) وَوجه ذَلِك أَن فعل العَبْد من صِفَاته وَالْعَبْد مَخْلُوق لله وخالق الشَّيْء خَالق لصفاته وَوجه آخر أَن فعل العَبْد حَاصِل بِإِرَادَة جازمة وقدرة تَامَّة والإرادة وَالْقُدْرَة كلتاهما مخلوقتان لله وخالق السَّبَب التَّام خَالق للمسبب فَإِن قيل كَيفَ نجمع بَين إِفْرَاد الله بالخلق مَعَ أَن الْخلق قد يثبت لغير الله كَمَا يدل عَلَيْهِ قَول الله تَعَالَى فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ (٤) وَقَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 4

فِي المصورين يُقَال لَهُم أحيوا مَا خلقْتُمْ فَالْجَوَاب على ذَلِك أَن غير الله تَعَالَى لَا يخلق كخلق الله فَلَا يُمكنهُ إِيجَاد مَعْدُوم وَلَا إحْيَاء ميت وَإِنَّمَا خلق غير الله تَعَالَى يكون بالتغيير وتحويل الشَّيْء من صفة إِلَى صفة أُخْرَى وَهُوَ مَخْلُوق لله فالمصور مثلا إِذا صور صُورَة فَإِنَّهُ لم يحدث شَيْئا غَايَة مَا هُنَالك أَنه حول شَيْئا إِلَى شَيْء كَمَا يحول الطين إِلَى صُورَة طير أَو صُورَة جمل وكما يحول بالتلوين الرقعة الْبَيْضَاء إِلَى صُورَة ملونة فالمداد من خلق الله والورقة الْبَيْضَاء من خلق الله هَذَا هُوَ الْفرق بَين إِثْبَات الْخلق بِالنِّسْبَةِ إِلَى الله وَإِثْبَات الْخلق بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَخْلُوق وعَلى هَذَا يكون الله مُنْفَردا بالخلق الَّذِي يخْتَص بِهِ ثَانِيًا إِفْرَاد الله تَعَالَى بِالْملكِ فَالله تَعَالَى وَحده هُوَ الْمَالِك كَمَا قَالَ الله تَعَالَى تبَارك الَّذِي بِيَدِهِ الْملك وَهُوَ على كل شَيْء قدير (١) وَقَالَ تَعَالَى قل من بِيَدِهِ

стр. 5

ملكوت كل شَيْء وَهُوَ يجير وَلَا يجار عَلَيْهِ (١) فالمالك الْملك الْمُطلق الْعَام الشَّامِل هُوَ الله وَحده وَنسبَة الْملك إِلَى غَيره نِسْبَة إضافية فد أثبت الله لغيره الْملك كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى أَو مَا ملكتم مفاتحه (٢) وَقَوله إِلَّا على أَزوَاجهم أَو مَا ملكت أَيْمَانهم (٣) إِلَى غير ذَلِك من النُّصُوص الدَّالَّة على أَن لغير الله تعلى ملكا لكم هَذَا الْملك لَيْسَ كملك الله فَهُوَ ملك قَاصِر وَملك مُقَيّد ملك قَاصِر لَا يَشْمَل فالبيت الَّذِي لزيد لَا يملكهُ عَمْرو وَالْبَيْت الَّذِي لعَمْرو لَا يملكهُ زيد ثمَّ هَذَا الْملك مُقَيّد بِحَيْثُ لَا يتَصَرَّف الْإِنْسَان فِيمَا ملك إِلَّا على الْوَجْه الَّذِي إِذن الله فِيهِ وَلِهَذَا نهى النَّبِي ﷺ عَن إِضَاعَة المَال وَقَالَ الله ﵎ وَلَا تُؤْتوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُم الَّتِي جعل الله لكم قيَاما (٤) وَهَذَا

стр. 6

دَلِيل على أَن ملك الْإِنْسَان ملك قَاصِر وَملك مُقَيّد بِخِلَاف ملك الله فَهُوَ ملك عَام شَامِل وَملك مُطلق يفعل الله مَا يَشَاء وَلَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون ثَالِثا التَّدْبِير فَالله مُنْفَرد بِالتَّدْبِيرِ فَهُوَ الَّذِي يدبر الْخلق يدبر السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَمَا قَالَ الله أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر تبَارك الله رب الْعَالمين (١) وَهَذَا التَّدْبِير شَامِل لَا يحول دونه شَيْء وَلَا يُعَارضهُ شَيْء وَالتَّدْبِير الَّذِي يكون لبَعض الْمَخْلُوقَات كتدبير الْإِنْسَان أَمْوَاله وغلمانه وخدمه وَمَا أشبه ذَلِك هُوَ تَدْبِير ضيق مَحْدُود ومقيد غير مُطلق فَظهر بذلك صدق صِحَة قَوْلنَا إِن تَوْحِيد الربوبية هُوَ إِفْرَاد الله بالخلق وَالْملك وَالتَّدْبِير النَّوْع الثَّانِي تَوْحِيد الألوهية هُوَ إِفْرَاد الله بِالْعبَادَة بِأَن لَا يتَّخذ الْإِنْسَان مَعَ الله أحدا يعبده ويتقرب إِلَيْهِ كَمَا يعبد الله تعلى ويتقرب إِلَيْهِ وَهَذَا النَّوْع من التَّوْحِيد هُوَ الَّذِي ضل فِيهِ الْمُشْركُونَ الَّذين قَاتلهم النَّبِي

стр. 7

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم واستباح دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ وأرضهم وديارهم وسبى نِسَائِهِم وذريتهم وَهُوَ الَّذِي بعثت بِهِ الرُّسُل وأنزلت بِهِ الْكتب مَعَ أَخَوَيْهِ توحيدي الربوبية والأسماء وَالصِّفَات لَكِن أَكثر مَا يعالج الرُّسُل أقوامهم على هَذَا النَّوْع من التَّوْحِيد وَهُوَ تَوْحِيد الألوهية بِحَيْثُ لَا يصرف الْإِنْسَان شَيْئا من الْعِبَادَة لغير الله لَا لملك مقرب وَلَا لنَبِيّ مُرْسل وَلَا لوَلِيّ صَالح وَلَا لأي أحد من المخلوقين لِأَن الْعِبَادَة لَا تصح إِلَّا لله وَمن أخل بِهَذَا التَّوْحِيد فَهُوَ مُشْرك كَافِر وَإِن أقرّ بتوحيد الربوبية وبتوحيد الْأَسْمَاء وَالصِّفَات فَلَو أَن رجلا من النَّاس يُؤمن بِأَن الله هُوَ الْخَالِق الْمُدبر لجَمِيع الْأُمُور وَأَنه الْمُسْتَحق لما يسْتَحقّهُ من الْأَسْمَاء وَالصِّفَات لَكِن يعبد مَعَ الله غَيره لم يَنْفَعهُ إِقْرَاره بتوحيد الربوبية والأسماء وَالصِّفَات فَلَو فرض أَن رجلا يقر إِقْرَارا كَامِلا بتوحيد الربوبية وتوحيد الْأَسْمَاء وَالصِّفَات لَكِن يذهب إِلَى الْقَبْر فيعبد صَاحبه أَو ينذر لَهُ قربانا يتَقرَّب بِهِ إِلَيْهِ فَإِن هَذَا مُشْرك كَافِر خَالِد فِي النَّار قَالَ الله تبَارك

стр. 8

وَتَعَالَى إِنَّه من يُشْرك بِاللَّه فقد حرم الله عَلَيْهِ الْجنَّة ومأواه النَّار وَمَا للظالمين من أنصار (١) وَمن الْمَعْلُوم لكل من قَرَأَ كتاب الله أَن الْمُشْركين الَّذين قَاتلهم النَّبِي ﷺ واستحل دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ وسبى نِسَاءَهُمْ وذريتهم وغنم أَرضهم كَانُوا مقرين بِأَن الله تَعَالَى وَحده هُوَ الرب الْخَالِق لَا يَشكونَ فِي ذَلِك وَلَكِن لما كَانُوا يعْبدُونَ مَعَه غَيره صَارُوا بذلك مُشْرِكين مباحي الدَّم وَالْمَال النَّوْع الثَّالِث تَوْحِيد الْأَسْمَاء وَالصِّفَات وَهُوَ إِفْرَاد الله بِمَا سمى الله بِهِ نَفسه وَوصف بِهِ نَفسه فِي كِتَابه أَو على لِسَان رَسُوله ﷺ وَذَلِكَ بِإِثْبَات مَا أثْبته من غير تَحْرِيف وَلَا تَعْطِيل وَمن غير تكييف وَلَا تَمْثِيل فَلَا بُد من الْإِيمَان بِمَا سمى الله بِهِ نَفسه وَوصف بِهِ نَفسه على وَجه الْحَقِيقَة لَا الْمجَاز وَلَكِن من غير تكييف وَلَا تَمْثِيل وَهَذَا النَّوْع من أَنْوَاع التَّوْحِيد ضل فِيهِ طوائف من هَذِه الْأمة من أهل الْقبْلَة الَّذين ينتسبون لِلْإِسْلَامِ على أوجه شَتَّى مِنْهُم من غلا فِي النَّفْي والتنزيه غلوا يخرج

стр. 9

بِهِ من الْإِسْلَام وَمِنْهُم متوسط وَمِنْهُم قريب من أهل السّنة وَلَكِن طَريقَة السّلف فِي هَذَا النَّوْع من التَّوْحِيد هُوَ أَن يُسمى الله ويوصف بِمَا سمي وَوصف بِهِ نَفسه على وَجه الْحَقِيقَة لَا تَحْرِيف وَلَا تَعْطِيل وَلَا تكييف وَلَا تَمْثِيل مِثَال ذَلِك أَن الله سمى نَفسه بالحي القيوم فَيجب علينا أَن نؤمن بِأَن الْحَيّ اسْم من أَسمَاء الله تَعَالَى وَيجب علينا أَن نؤمن بِأَن الْحَيّ اسْم من أَسمَاء الله تَعَالَى وَيجب علينا أَن نؤمن بِمَا تضمنه هَذَا الإسم من وصف وَهِي الْحَيَاة الْكَامِلَة الَّتِي لم تسبق بِعَدَمِ وَلَا يلْحقهَا فنَاء وسمى الله نَفسه بالسميع فعلينا أَن نؤمن بالسميع اسْما من أَسمَاء الله وبالسمع صفة من صِفَاته وَبِأَنَّهُ يسمع وَهُوَ الحكم الَّذِي اقْتَضَاهُ ذَلِك الإسم وَتلك الصّفة فَإِن سميعا بِلَا سمع أَو سمعا بِلَا إِدْرَاك مسموع هَذَا شَيْء محَال وعَلى هَذَا فقس مِثَال آخر قَالَ الله تَعَالَى وَقَالَت الْيَهُود يَد الله مغلولة غلت أَيْديهم ولعنوا بِمَا قَالُوا بل يَدَاهُ مبسوطتان ينْفق كَيفَ يَشَاء (١) فَهُنَا قَالَ الله تَعَالَى بل يَدَاهُ

стр. 10

مبسوطتان فَأثْبت لنَفسِهِ يدين موصوفتين بالبسط وَهُوَ الْعَطاء الْوَاسِع فَيجب علينا أنؤمن بِأَن لله تَعَالَى يديم اثْنَتَيْنِ مبسوطتين بالعطاء وَالنعَم وَلَكِن يجب علينا أَن لَا نحاول بقلوبنا تصورا وَلَا بألسنتنا نطقا أَن نكيف تِلْكَ الْيَدَيْنِ وَلَا أَن نمثلهما بأيدي المخلوقين لِأَن الله يَقُول لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير (١) وَيَقُول الله تَعَالَى قل إِنَّمَا حرم رَبِّي الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمِمَّا بطن وَالْإِثْم وَالْبَغي بِغَيْر الْحق وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّه مَا لم ينزل بِهِ سُلْطَانا وَأَن تَقولُوا على الله مَا لَا تعلمُونَ (٢) وَيَقُول وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم إِن السّمع وَالْبَصَر الْفُؤَاد كل أُولَئِكَ كَانَ عَنهُ مسئولا (٣) فَمن هَاتين الْيَدَيْنِ بأيدي المخلوقين فقد كذب قَول الله تَعَالَى لَيْسَ كمثله شَيْء (٤) وَقد عصى الله تَعَالَى

стр. 11

فِي قَوْله فَلَا تضربوا لله الْأَمْثَال (١) وَمن كيفهما وَقَالَ هما على كَيْفيَّة مُعينَة أيا كَانَت هَذِه الْكَيْفِيَّة فقد قَالَ على الله مَا لَا يعلم وقفى مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ علم ونضرب مِثَالا ثَانِيًا فِي الصِّفَات وَهُوَ اسْتِوَاء الله على عَرْشه فَإِن الله تَعَالَى أثبت لنَفسِهِ أَنه اسْتَوَى على الْعَرْش فِي سَبْعَة مَوَاضِع من كِتَابه كلهَا بِلَفْظ اسْتَوَى وبلفظ على الْعَرْش وَإِذا رَجعْنَا إِلَى الإستواء فِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة وَجَدْنَاهُ إِذا عدي بعلى لَا يَقْتَضِي إِلَّا الإرتفاع والعلو فَيكون معنى قَوْله تَعَالَى الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى (٢) وأمثالها من الْآيَات أَنه علا على عَرْشه علوا خَاصّا غير الْعُلُوّ الْعَام على جَمِيع الأكوان وَهَذَا الْعُلُوّ ثَابت لله تَعَالَى على وَجه الْحَقِيقَة فَهُوَ عَال على عَرْشه علوا يَلِيق بِهِ لَا يشبه علو الْإِنْسَان على السرير وَلَا علوه على الْأَنْعَام وَلَا علوه على الْفلك الَّذِي ذكره الله فِي قَوْله وَجعل لكم من الْفلك والأنعام مَا تَرْكَبُونَ لتستووا على ظَهره ثمَّ تَذكرُوا

стр. 12

نعْمَة ربكُم إِذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سخر لنا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقرنين وَإِنَّا إِلَى رَبنَا لمنقلبون (١) فاستواء الْمَخْلُوق على شَيْء لَا يُمكن أَن يماثله اسْتِوَاء الله على عَرْشه لِأَن الله لَيْسَ كمثله شَيْء وَقد أَخطَأ خطأ عَظِيما من قَالَ إِن معنى اسْتَوَى على الْعَرْش استولى على الْعَرْش لِأَن هَذَا تَحْرِيف للكلم عَن موَاضعه ومخالف لما أجمع عَلَيْهِ الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم والتابعون لَهُم بِإِحْسَان ومستلزم للوازم بَاطِلَة لَا يُمكن لمُؤْمِن أَن يتفوه بهَا بِالنِّسْبَةِ لله وَالْقُرْآن الْكَرِيم نزل باللغة الْعَرَبيَّة بِلَا شكّ كَمَا قَالَ الله إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيا لَعَلَّكُمْ تعقلون (٢) وَمُقْتَضى صِيغَة اسْتَوَى على كَذَا فِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة الْعُلُوّ والإستقرار بل هُوَ مَعْنَاهَا المطابق للفظ فَمَعْنَى اسْتَوَى على الْعَرْش أَي علا عَلَيْهِ علوا خَاصّا يَلِيق بجلاله وعظمته فَإِذا فسر الإستواء بالإستيلاء فقد حرف الْكَلم عَن موَاضعه حَيْثُ

стр. 13

نفى الْمَعْنى الَّذِي تدل عَلَيْهِ لُغَة الْقُرْآن وَهُوَ الْعُلُوّ وَأثبت معنى آخر بَاطِلا ثمَّ إِن السّلف وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان مجمعون عل هَذَا الْمَعْنى إِذْ لم يَأْتِ عَنْهُم حرف وَاحِد فِي تَفْسِيره بِخِلَاف ذَلِك وَإِذا جَاءَ اللَّفْظ فِي الْقُرْآن وَالسّنة وَلم يرد عَن السّلف تَفْسِيره بِمَا يُخَالف ظَاهره فَالْأَصْل أَنهم أبقوه على ظَاهره واعتقدوا مَا يدل عَلَيْهِ فَإِن قَالَ قَائِل هَل ورد لفظ صَرِيح عَن السّلف أَنهم فسروا اسْتَوَى ب (علا) قُلْنَا نعم ورد ذَلِك عَن السّلف وعَلى فرض أَن لَا يكون ورد عَنْهُم صَرِيحًا فَإِن الأَصْل فِيمَا دلّ عَلَيْهِ اللَّفْظ فِي الْقُرْآن الْكَرِيم وَالسّنة النَّبَوِيَّة أَنه بَاقٍ على مَا تَقْتَضِيه اللُّغَة الْعَرَبيَّة من الْمَعْنى فَيكون إِثْبَات السّلف لَهُ على هَذَا الْمَعْنى أما اللوازم الْبَاطِلَة الَّتِي تلْزم من فسر الاسْتوَاء بالإستيلاء فَهِيَ أَولا أَن الْعَرْش قبل خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض لَيْسَ ملكا لله

стр. 14

تَعَالَى لِأَن الله تَعَالَى قَالَ إِن ربكُم الله الَّذِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش (١) وعَلى هَذَا فَلَا يكون الله مستوليا على الْعَرْش قبل خلق السَّمَوَات وَلَا حِين خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض ثَانِيًا أَنه يَصح التَّعْبِير بقولنَا إِن الله اسْتَوَى على الأَرْض واستوى على أَي شَيْء من مخلوقاته وَهَذَا بِلَا شكّ وَلَا ريب معنى بَاطِل لَا يَلِيق بِاللَّه ثَالِثا أَنه تَحْرِيف للكلم عَن موَاضعه رَابِعا أَنه مُخَالف لإِجْمَاع السّلف الصَّالح رضوَان الله عَلَيْهِم وخلاصة الْكَلَام فِي هَذَا النَّوْع تَوْحِيد الْأَسْمَاء وَالصِّفَات أَنه يجب علينا أَن نثبت لله مَا أثْبته لنَفسِهِ أَو أثْبته لَهُ رَسُوله من الْأَسْمَاء وَالصِّفَات على وَجه الْحَقِيقَة من غير تَحْرِيف وَلَا تَعْطِيل وَلَا تكييف وَلَا تَمْثِيل الْمَجْمُوع الثمين ٢٧

стр. 15

خَصَائِص الْفرْقَة النَّاجِية ٢ - وَسُئِلَ الشَّيْخ عَن أبرز خَصَائِص الْفرْقَة النَّاجِية وَهل النَّقْص من هَذِه الخصائص يخرج الْإِنْسَان مِنْهَا فَأجَاب أبرز الخصائص للفرقة النَّاجِية هِيَ التَّمَسُّك بِمَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِي ﷺ فِي العقيدة وَالْعِبَادَة والأخلاق والمعاملة هَذِه الْأُمُور الْأَرْبَعَة تَجِد الْفرْقَة النَّاجِية بارزة فِيهَا فَفِي العقيدة تجدها متمسكة بِمَا دلّ عَلَيْهِ كتاب الله وَسنة رَسُوله ﷺ من التَّوْحِيد الْخَالِص فِي ألوهية الله وربوبيته وأسمائه وَصِفَاته وَفِي الْعِبَادَات تَجِد هَذِه الْفرْقَة متميزة فِي تمسكها التَّام وتطبيقها لما كَانَ عَلَيْهِ النَّبِي ﷺ فِي الْعِبَادَات فِي أجناسها وصفاتها وأقدارها وأزمنتها وأمكنتها وأسبابها فَلَا تَجِد عِنْدهم ابتداعا فِي دين الله بل

стр. 16

هم متأدبون غَايَة الْأَدَب مَعَ الله وَرَسُوله لَا يتقدمون بَين يَدي الله وَرَسُوله فِي إِدْخَال شَيْء من الْعِبَادَات لم يَأْذَن بِهِ الله وَفِي الْأَخْلَاق تجدهم كَذَلِك متميزين عَن غَيرهم بِحسن الْأَخْلَاق كمحبة الْخَيْر للْمُسلمين وانشراح الصَّدْر وطلاقة الْوَجْه وَحسن الْمنطق وَالْكَرم والشجاعة إِلَى غير ذَلِك من مَكَارِم الْأَخْلَاق ومحسنها وَفِي الْمُعَامَلَات تجدهم يعاملون النَّاس بِالصّدقِ وَالْبَيَان اللَّذين أَشَارَ إِلَيْهِمَا النَّبِي ﷺ فِي قَوْله البيعان بِالْخِيَارِ مَا لم يَتَفَرَّقَا فَإِن صدقا وَبينا بورك لَهما فِي بيعهمَا وَإِن كذبا وكتما محقت بركَة بيعهمَا وَالنَّقْص من هَذِه الخصائص لَا يخرج الْإِنْسَان عَن كَونه من الْفرْقَة النَّاجِية لَكِن لكل دَرَجَات مِمَّا عمِلُوا وَالنَّقْص فِي جَانب التَّوْحِيد رُبمَا يُخرجهُ عَن الْفرْقَة النَّاجِية مثل الْإِخْلَال بالإخلاص وَكَذَلِكَ فِي الْبدع رُبمَا يَأْتِي ببدع تخرجه عَن كَونه من الْفرْقَة النَّاجِية أما مَسْأَلَة الْأَخْلَاق والمعاملات فَلَا يخرج الْإِخْلَال بهما من هَذِه الْفرْقَة وَإِن كَانَ ذَلِك ينقص مرتبته

стр. 17

وَقد نحتاج إِلَى تَفْصِيل فِي مَسْأَلَة الْأَخْلَاق فَإِن من أهم مَا يكون من الْأَخْلَاق اجْتِمَاع الْكَلِمَة والإتفاق على الْحق الَّذِي أوصانا بِهِ الله تَعَالَى فِي قَوْله شرع لكم من الدّين مَا وصّى بِهِ نوحًا وَالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك وَمَا وصينا بِهِ إِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى أَن أقِيمُوا الدّين وَلَا تتفرقوا فِيهِ (١) وَأخْبر أَن الَّذين فرقوا دينهم وَكَانُوا شيعًا أَن مُحَمَّدًا ﷺ برىء مِنْهُم فَقَالَ الله إِن الَّذين فرقوا دينهم وَكَانُوا شيعًا لست مِنْهُم فِي شَيْء (٢) فاتفاق الْكَلِمَة وائتلاف الْقُلُوب من أبرز خَصَائِص الْفرْقَة النَّاجِية أهل السّنة وَالْجَمَاعَة فهم إِذا حصل بَينهم خلاف ناشيء عَن الإجتهاد فِي الْأُمُور الإجتهادية لَا يحمل بَعضهم على بعض حقدا وَلَا عَدَاوَة وَلَا بغضاء بل يَعْتَقِدُونَ أَنهم إخْوَة حَتَّى وَإِن حصل بَينهم هَذَا الْخلاف حَتَّى أَن الْوَاحِد مِنْهُم ليُصَلِّي خلف الْوَاحِد الَّذِي يرى الْمَأْمُوم أَنه لَيْسَ على وضوء وَيرى الإِمَام أَنه على وضوء مثل أَن الْوَاحِد مِنْهُم يُصَلِّي خلف

стр. 18

شخص أكل لحم إبل وَهَذَا الإِمَام يرى أَنه لَا ينْقض الْوضُوء وَالْمَأْمُوم يرى أَنه ينْقض الْوضُوء فَيرى أَن الصَّلَاة خلف ذَلِك الإِمَام صَحِيحَة وَإِن كَانَ هُوَ لَو صلاهَا بِنَفسِهِ لرَأى أَن صلَاته غير صَحِيحَة كل هَذَا لأَنهم يرَوْنَ أَن الْخلاف الناشيء عَن اجْتِهَاد فِيمَا يسوغ فِيهِ الإجتهاد لَيْسَ فِي الْحَقِيقَة بِخِلَاف لِأَن كل وَاحِد من الْمُخْتَلِفين قد تبع مَا يجب عَلَيْهِ اتِّبَاعه من الدَّلِيل الَّذِي لَا يجوز لَهُ الْعُدُول عَنهُ فهم يرَوْنَ أَن أَخَاهُم إِذا خالفهم فِي عمل مَا اتبَاعا للدليل هُوَ فِي الْحَقِيقَة قد وافقهم لأَنهم هم يدعونَ إِلَى اتِّبَاع الدَّلِيل أَيْنَمَا كَانَ فَإِذا خالفهم مُوَافقَة لدَلِيل عِنْده فَهُوَ فِي الْحَقِيقَة قد وافقهم لِأَنَّهُ يمشي على مَا يدعونَ إِلَيْهِ ويهدون إِلَيْهِ من تحكيم كتاب الله وَسنة رَسُول الله ﷺ وَلَا يخفى على كثير من أهل الْعلم مَا حصل من الْخلاف بَين الصَّحَابَة فِي مثل هَذِه الْأُمُور حَتَّى فِي عهد النَّبِي صلى اللهعليه وَسلم وَلم يعنف أحدا مِنْهُم فَإِنَّهُ ﵊ لما رَجَعَ من غَزْوَة الْأَحْزَاب وَجَاء جِبْرِيل وَأَشَارَ إِلَيْهِ أَن يخرج إِلَى بني قُرَيْظَة الَّذين نقضوا الْعَهْد فندب النَّبِي

стр. 19

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَصْحَابه فَقَالَ لَا يصلين أحد مِنْكُم الْعَصْر إِلَّا فِي بني قُرَيْظَة فَخَرجُوا من الْمَدِينَة إِلَى بني قُرَيْظَة وأرهقتهم صَلَاة الْعَصْر فَمنهمْ من أخر صَلَاة الْعَصْر حَتَّى وصل إِلَى بني قُرَيْظَة بعد خُرُوج الْوَقْت لِأَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا يصلين أحد مِنْكُم الْعَصْر إِلَّا فِي بني قُرَيْظَة وَمِنْهُم من صلى الصَّلَاة فِي وَقتهَا وَقَالَ إِن الرَّسُول ﷺ أَرَادَ منا الْمُبَادرَة إِلَى الْخُرُوج وَلم يرد منا أَن نؤخر الصَّلَاة عَن وَقتهَا وَهَؤُلَاء هم المصيبون وَلَكِن مَعَ ذَلِك لم يعنف النَّبِي ﷺ أحدا من الطَّائِفَتَيْنِ وَلم يحمل كل وَاحِد على الآخر عَدَاوَة أَو بغضاء بِسَبَب اخْتلَافهمْ فِي فهم هَذَا النَّص لذَلِك أرى أَن الْوَاجِب على الْمُسلمين الَّذين ينتسبون إِلَى السّنة أَن يَكُونُوا أمة وَاحِدَة وَأَن لَا يحصل بَينهم تحزب هَذَا ينتمي إِلَى طَائِفَة وَالْآخر إِلَى طَائِفَة أُخْرَى وَالثَّالِث إِلَى طَائِفَة ثَالِثَة وَهَكَذَا بِحَيْثُ يتناحرون فِيمَا بَينهم بأسنة الألسن ويتعادون ويتباغضون من أجل اخْتِلَاف يسوغ فِيهِ الإجتهاد وَلَا حَاجَة إِلَى أَن أخص كل طَائِفَة بِعَينهَا لَكِن الْعَاقِل يفهم

стр. 20

ويتبين لَهُ الْأَمر فَأرى أَنه يجب على أهل السّنة وَالْجَمَاعَة أَن يتحدوا حَتَّى وَإِن اخْتلفُوا فِيمَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ فِيمَا تَقْتَضِيه النُّصُوص حسب أفهامهم فَإِن هَذَا أَمر فِيهِ سَعَة وَللَّه الْحَمد والمهم ائتلاف الْقُلُوب واتحاد الْكَلم وَلَا ريب أَن أَعدَاء الْمُسلمين يحبونَ من الْمُسلمين أَن يتفرقوا سَوَاء كَانُوا أَعدَاء يصرحون بالعداوة أَو أَعدَاء يتظاهرون بِالْولَايَةِ للْمُسلمين أَو لِلْإِسْلَامِ وهم لَيْسُوا كَذَلِك فَالْوَاجِب أَن نتميز بِهَذِهِ الميزة الَّتِي هِيَ ميزة للطائفة النَّاجِية وَهِي الإتفاق على كلمة وَاحِدَة الْمَجْمُوع الثمين ٢٥٤ سَبَب قُوَّة الْمُسلمين ٣ - سُئِلَ الشَّيْخ يَدعِي بعض النَّاس أَن سَبَب تخلف الْمُسلمين هُوَ تمسكهم بدينهم وشبهتهم فِي ذَلِك أَن الغرب لما تخلوا عَن جَمِيع الديانَات وتحرروا مِنْهَا وصلوا إِلَى مَا وصلوا إِلَيْهِ من التَّقَدُّم الحضاري وَرُبمَا أيدوا وشبهتهم بِمَا عِنْد الغرب من الأمطار الْكَثِيرَة والزروع فَمَا رَأْي فضيلتكم

стр. 21

فَأجَاب بقوله هَذَا الْكَلَام لَا يصدر إِلَّا من ضَعِيف الْإِيمَان أومفقود الْإِيمَان جَاهِل بالتاريخ غير عَالم بِأَسْبَاب النَّصْر فالأمة الإسلامية لما كَانَت متمسكة بدينها فِي صدر الْإِسْلَام كَانَ لَهَا الْعِزَّة والتمكين وَالْقُوَّة والسيطرة فِي جَمِيع نواحي الْحَيَاة بل إِن بعض النَّاس يَقُول إِن الغرب لم يستفيدوا مَا استفادوه من الْعُلُوم إِلَّا مَا نقلوه عَن المسلمن فِي صدر الْإِسْلَام وَلَكِن الْأمة الإسلامية تخلفت كثيرا عَن دينهَا وابتدعت فِي دين الله مَا لَيْسَ مِنْهُ عقيدة وقولا وفعلا وَحصل بذلك التَّأَخُّر الْكَبِير والتخلف الْكَبِير وَنحن نعلم علم الْيَقِين ونشهد الله إننا لَو رَجعْنَا إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ أسلافنا فِي ديننَا لكَانَتْ لنا الْعِزَّة والكرامة والظهور على جَمِيع النَّاس وَلِهَذَا لما حدث أَبُو سُفْيَان هِرقل ملك الرّوم وَالروم فِي ذَلِك الْوَقْت تعْتَبر دولة عظمى بِمَا كَانَ عَلَيْهِ الرَّسُول ﵊ وَأَصْحَابه قَالَ إِن كَانَ مَا تَقول حَقًا فسيملك مَا تَحت قدمي هَاتين وَلما خرج أَبُو سُفْيَان وَأَصْحَابه من عِنْد هِرقل قَالَ لقد أَمر أَمر ابْن أبي كَبْشَة إِنَّه لَيَخَافهُ ملك

стр. 22

بني الْأَصْفَر وَأما مَا حصل فِي الدول الغربية الْكَافِرَة الملحدة من التَّقَدُّم فِي الصناعات وَغَيرهَا فَإِن ديننَا لَا يمْنَع مِنْهُ لَو أننا التفتنا إِلَيْهِ لَكِن مَعَ الأسف ضيعنا هَذَا وَهَذَا ضيعنا ديننَا وضيعنا دُنْيَانَا وَإِلَّا فَإِن الدّين الإسلامي لَا يُعَارض هَذَا التَّقَدُّم بل قَالَ الله تَعَالَى وَأَعدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم من قُوَّة وَمن رِبَاط الْخَيل ترهبون بِهِ عَدو الله وَعَدُوكُمْ (١) وَقَالَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي جعل لكم الأَرْض ذلولا فامشوا فِي مناكبها وكلوا من رزقه (٢) وَقَالَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي خلق لكم مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا (٣) وَقَالَ تَعَالَى وَفِي الأَرْض قطع متجاورات (٤) إِلَى غير ذَلِك من الْآيَات الَّتِي تعلن إعلانا ظَاهرا للْإنْسَان أَن يكْتَسب وَيعْمل وَينْتَفع لَكِن لَا على حِسَاب الدّين فَهَذِهِ الْأُمَم الْكَافِرَة هِيَ كَافِرَة

стр. 23

من الأَصْل دينهَا الَّذِي كَانَت تدعيه بَاطِل فَهُوَ وإلحادها على حد سَوَاء لَا فرق فَالله يَقُول وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ (١) وَإِن كَانَ أهل الْكتاب من الْيَهُود وَالنَّصَارَى لَهُم بعض المزايا الَّتِي يخالفون غَيرهم فِيهَا لَكِن بِالنِّسْبَةِ للآخرة هم وَغَيرهم سَوَاء وَلِهَذَا أقسم النَّبِي ﷺ أَنه لَا يسمع بِهِ من هَذِه الْأمة يَهُودِيّ وَلَا نَصْرَانِيّ ثمَّ لَا يتبع مَا جَاءَ بِهِ إِلَّا كَانَ من أَصْحَاب النَّار فهم من الأَصْل كافرون سَوَاء انتسبوا إِلَى الْيَهُودِيَّة أَو النَّصْرَانِيَّة أم لم ينتسبوا إِلَيْهَا وَأما مَا يحصل لَهُم من الأمطار وَغَيرهَا فهم يصابون بِهَذَا ابتلاء من الله تَعَالَى وامتحانا وتعجل لَهُم طيبهاتهم فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا كَمَا قَالَ النَّبِي ﵊ لعمر بن الْخطاب وَقد رَآهُ قد أثر فِي جنبه حَصِير فَبكى عمر فَقَالَ يَا رَسُول الله فَارس وَالروم يعيشون فِيمَا يعيشون فِيهِ من النَّعيم وَأَنت على هَذِه الْحَالة فَقَالَ يَا عمر هَؤُلَاءِ قوم عجلت لَهُم طَيِّبَاتهمْ فِي حياتهم الدُّنْيَا أما ترْضى أَن تكون لَهُم

стр. 24

الدُّنْيَا وَلنَا الْآخِرَة ثمَّ إِنَّهُم يَأْتِيهم من الْقَحْط والبلايا والزلازل والعواصف المدمرة مَا هُوَ مَعْلُوم وينشر دَائِما فِي الإذاعات وَفِي الصُّحُف وَفِي غَيرهَا وَلَكِن من وَقع السُّؤَال عَنهُ أعمى أعمى الله بصيرته فَلم يعرف الْوَاقِع وَلم يعرف حَقِيقَة الْأَمر ونصيحتي لَهُ أَن يَتُوب إِلَى الله عَن هَذِه التصورات قبل أَن يفاجئه الْمَوْت وَأَن يرجع إِلَى ربه وَأَن يعلم أَنه لَا عزة لنا وَلَا كَرَامَة وَلَا ظُهُور وَلَا سيادة إِلَّا إِذا رَجعْنَا إِلَى دين الْإِسْلَام رُجُوعا حَقِيقِيًّا يصدقهُ القَوْل وَالْفِعْل وَأَن يعلم أَن مَا عَلَيْهِ هَؤُلَاءِ الْكفَّار بَاطِل لَيْسَ بِحَق وَأَن مأواهم النَّار كَمَا أخبر الله بذلك فِي كِتَابه وعَلى لِسَان رَسُوله ﷺ وَأَن هَذَا الْإِمْدَاد الَّذِي أمدهم الله بِهِ من النعم مَا هُوَ إِلَّا ابتلاء وامتحان وتعجيل طَيّبَات حَتَّى إِذا هَلَكُوا وفارقوا هَذَا النَّعيم إِلَى الْجَحِيم ازدادت عَلَيْهِم الْحَسْرَة والألم والحزن وَهَذَا من حِكْمَة الله بتنعيم هَؤُلَاءِ على أَنهم كَمَا قلت لم يسلمُوا من الكوارث الَّتِي تصيبهم من الزلازل والقحط والعواصف والفيضانات وَغَيرهَا فأسأل الله لهَذَا السَّائِل الْهِدَايَة

стр. 25

والتوفيق وَأَن يردهُ إِلَى الْحق وَأَن يُبصرنَا جَمِيعًا فِي ديننَا إِنَّه جواد كريم الْمَجْمُوع الثمين ٣١٠ أَنْوَاع الشّرك ٤ - سُئِلَ الشَّيْخ عَن أَنْوَاع الشّرك فَأجَاب بقوله سبق فِي غير هَذَا الْموضع أَن التَّوْحِيد يتَضَمَّن إِثْبَاتًا ونفيا وَأَن الِاقْتِصَار فِيهِ على النَّفْي تَعْطِيل والاقتصار فِيهِ على الْإِثْبَات لَا يمْنَع الْمُشَاركَة فَلهَذَا لَا بُد فِي التَّوْحِيد من النَّفْي وَالْإِثْبَات فَمن لم يثبت حق الله على هَذَا الْوَجْه فقد أشرك والشرك نَوْعَانِ شرك أكبر مخرج عَن الْملَّة وشرك دون ذَلِك النَّوْع الأول الشّرك الْأَكْبَر وَهُوَ كل شرك أطلقهُ الشَّارِع وَهُوَ يتَضَمَّن خُرُوج الْإِنْسَان عَن دينه مثل أَن يصرف شَيْئا من أَنْوَاع الْعِبَادَة لله لغير الله كَأَن يُصَلِّي لغير الله أَو يَصُوم لغير الله أَو يذبح لغير الله وَكَذَلِكَ من الشّرك الْأَكْبَر أَن يَدْعُو غير الله مثل

стр. 26

أَن يَدْعُو صَاحب قبر أَو يَدْعُو غَائِبا ليغيثه من أَمر لَا يقدر عَلَيْهِ إِلَّا الله وأنواع الشّرك مَعْلُومَة فِي مَا كتبه أهل الْعلم النَّوْع الثَّانِي الشّرك الْأَصْغَر وَهُوَ كل عمل قولي أَو فعلي أطلق عَلَيْهِ الشَّرْع وصف الشّرك وَلكنه لَا يخرج من الْملَّة مثل الْحلف بِغَيْر الله فَإِن النَّبِي ﷺ قَالَ من حلف بِغَيْر الله فقد كفر أَو أشرك فالحالف بِغَيْر الله الَّذِي لَا يعْتَقد أَن لغير الله تَعَالَى من العظمة مَا يماثل عَظمَة الله فَهُوَ مُشْرك شركا أَصْغَر سَوَاء كَانَ هَذَا الْمَحْلُوف بِهِ مُعظما من الْبشر أم غير مُعظم فَلَا يجوز الْحلق بِالنَّبِيِّ ﷺ وَلَا برئيس وَلَا وَزِير وَلَا يجوز الْحلف بِالْكَعْبَةِ وَلَا بِجِبْرِيل وَمِيكَائِيل لِأَن هَذَا شرك لكنه شرك أَصْغَر لَا يخرج من الْملَّة وَمن أَنْوَاع الشّرك الْأَصْغَر الرِّيَاء مثل أَن يقوم الْإِنْسَان يُصَلِّي الله وَلكنه يزين صلَاته لِأَنَّهُ يعلم أَن أحدا من النَّاس ينظر إِلَيْهِ فيزين صلَاته من أجل مراءاة النَّاس فَهَذَا مُشْرك شركا أَصْغَر لِأَنَّهُ فعل الْعِبَادَة لله لَكِن أَدخل

стр. 27

عَلَيْهَا هَذَا التزيين مراءاة لِلْخلقِ وكذلن لَو أنْفق مَاله فِي شَيْء يتَقرَّب بِهِ إِلَى الله لكنه أَرَادَ أَن يمدحه النَّاس بذلك فَإِنَّهُ مُشْرك شركا أَصْغَر وأنواع الشّرك الْأَصْغَر كَثِيرَة مَعْلُومَة فِي كتب أهل الْعلم الْمَجْمُوع الثمين ٢ ٢٦ شَاب يُقيم أَرْكَان الْإِسْلَام لكنه يرتكب بعض الْمعاصِي فَمَا حكمه ٥ - سُؤال شَاب يُقيم أَرْكَان الْإِسْلَام الْخَمْسَة كَمَا شرعها الله وَلكنه يرتكب بعض الْمعاصِي أَي أَنه يجمع بَين الْوَاجِبَات والمنهيات مَا حكم الْإِسْلَام فِي ذَلِك ساري غ القصيم الْجَواب بَاب التَّوْبَة مَفْتُوح إِلَى أَن تطلع الشَّمْس من مغْرِبهَا فعلى كل كَافِر أَو عَاص أَن يَتُوب إِلَى الله تَوْبَة نصُوحًا وَذَلِكَ بالندم على مَا مضى من الْكفْر والمعاصي والإقلاع من ذَلِك وَتَركه خوفًا من الله وتعظيما لَهُ والعزم الصَّادِق على عدم الْعود فِي ذَلِك وَمَتى تَابَ العَبْد هَذِه التَّوْبَة محا الله عَنهُ مَا سلف من سيئاته كَمَا قَالَ جلّ وَعلا وتوبوا

стр. 28

إِلَى الله جَمِيعًا أَيهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تفلحون (١) وَقَالَ سُبْحَانَهُ وَإِنِّي لغفار لمن تَابَ وآمن وَعمل صَالحا ثمَّ اهْتَدَى (٢) وَقَالَ النَّبِي ﷺ الْإِسْلَام يهدي مَا كَانَ قبله وَالتَّوْبَة تهدم مَا كَانَ قبلهَا وَمن تَمام التَّوْبَة فِي حق الْمُسلم رد الْمَظَالِم إِلَى أَهلهَا أَو تحللهم مِنْهَا كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ من كَانَ عِنْده لِأَخِيهِ مظْلمَة فليتحلله الْيَوْم قبل أَلا يكون دِينَار وَلَا دِرْهَم إِن كَانَ لَهُ عمل صَالح أَخذ من حَسَنَاته بِقدر مظلمته فَإِن لم يكن لَهُ حَسَنَات أَخذ من سيئات صَاحبه فَحمل عَلَيْهِ رَوَاهُ البُخَارِيّ والآيات وَالْأَحَادِيث فِي هَذَا الْمَعْنى كَثِيرَة ٦ - وَسُئِلَ الشَّيْخ عَن احتجاج العَاصِي إِذا نهي عَن مَعْصِيّة بقوله تَعَالَى إِن الله غَفُور رَحِيم فَأجَاب قَائِلا إِذا احْتج بِهَذَا احتججنا عَلَيْهِ بقوله تَعَالَى نبيء عبَادي أَنِّي أَنا الغفور الرَّحِيم وَأَن عَذَابي هُوَ

стр. 29

الْعَذَاب الْأَلِيم (١) وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى اعلموا أَن الله شَدِيد الْعقَاب وَأَن الله غَفُور رَحِيم (٢) فَإِذا أَتَى بآيَات الرَّجَاء يُقَابل بآيَات الْوَعيد وَلَيْسَ هَذَا الْجَواب مِنْهُ إِلَّا جَوَاب المتهادون فَنحْن نقُول لَهُ اتَّقِ الله وقم بِمَا أوجب الله عَلَيْك واسأله الْمَغْفِرَة لِأَنَّهُ لَيْسَ كل أحد يقوم بِمَا أوجب الله عَلَيْهِ يقوم بِهِ على وَجهه الْأَكْمَل كتاب الدعْوَة ٣٠ تَعْرِيف الْبِدْعَة ٧ - سُؤال اخْتلف عُلَمَاؤُنَا فِي الْبِدْعَة فَقَالَ بَعضهم الْبِدْعَة مِنْهَا مَا هُوَ حسن وَمِنْهَا مَا هُوَ قَبِيح فَهَل هَذَا صَحِيح الْحَمد لله وَحده وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على رَسُوله وَآله وَصَحبه وَبعد الْجَواب الْبِدْعَة هِيَ كل مَا أحدث على غير مِثَال سَابق ثمَّ مِنْهَا مَا يتَعَلَّق بالمعاملات وشؤون الدُّنْيَا كاختراع آلَات النَّقْل من طائرات وسيارات وقاطرات

стр. 30

وأجهزة الكهرباء وأدوات الطهي والمكيفات الَّتِي تسْتَعْمل للتدفئة والتبريد وآلات الْحَرْب من قنابل وغواصات ودبابات إِلَى إير ذَلِك مِمَّا يرجع إِلَى مصَالح الْعباد فِي دنياهم فَهَذِهِ فِي نَفسهَا لَا حرج فِيهَا وَلَا إِثْم فِي اختراعها أما بِالنِّسْبَةِ للمقصد من اختراعها وَمَا تسْتَعْمل فِيهِ فَإِن قصد بهَا خير واستعين بهَا فِيهِ فَهِيَ خير وَإِن قصد بهَا شَرّ من تخريب وتدمير وإفساد فِي الأَرْض واستعين بهَا فِي ذَلِك فَهِيَ شَرّ وبلاء وَقد تكون الْبِدْعَة فِي الدّين عقيدة أَو عبَادَة قولية أَو فعلية كبدعة نفي الْقدر وَبِنَاء الْمَسَاجِد على الْقُبُور وَإِقَامَة القباب على الْقُبُور وَقِرَاءَة الْقُرْآن عِنْدهَا للأموات والاحتفال بالموالد إحْيَاء لذكرى الصَّالِحين والوجهاء والاستغاثة بِغَيْر الله وَالطّواف حول المزارات فَهَذِهِ وأمثالها كلهَا ضلال لقَوْل النَّبِي ﷺ إيَّاكُمْ ومحدثات الْأُمُور فَإِن كل محدثة بِدعَة وكل بِدعَة ضَلَالَة لَكِن مِنْهَا مَا هُوَ شرك أكبر يخرج من الْإِسْلَام كالاستغاثة بِغَيْر الله فِيمَا هُوَ من وَرَاء الْأَسْبَاب العادية وَالذّبْح وَالنّذر لغير الله إِلَى أَمْثَال ذَلِك مِمَّا هُوَ عبَادَة مُخْتَصَّة بِاللَّه وَمِنْهَا مَا هُوَ ذَرِيعَة إِلَى الشّرك

стр. 31

كالتوسل إِلَى الله بجاه الصَّالِحين وَالْحلف بِغَيْر الله وَقَول الشَّخْص مَا شَاءَ الله وشئت وَلَا تَنْقَسِم الْبدع فِي الْعِبَادَات إِلَى الْأَحْكَام الْخَمْسَة كَمَا زعم بعض النَّاس لعُمُوم حَدِيث كل بِدعَة ضَلَالَة فتاوي اللجنة ٢٣٢١ كرامات الْأَوْلِيَاء ٨ - سُؤال هَل للأولياء كَرَامَة وَهل لَهُم أَن يتصرفوا فِي عَالم الملكوت فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض وَهل يشفعون وهم فِي البرزخ لأهل الدُّنْيَا أم لَا جَوَاب الْكَرَامَة أَمر خارث للْعَادَة يظهره الله تَعَالَى على يَد عبد من عباده الصَّالِحين حَيا أَو مَيتا إِكْرَاما لَهُ فَيدْفَع بِهِ عَنهُ ضرا أَو يُحَقّق لَهُ نفعا أَو ينصر بِهِ حَقًا وَذَلِكَ الْأَمر لَا يملك العَبْد الصَّالح أَن يَأْتِي بِهِ إِذا أَرَادَ كَمَا أَن النَّبِي لَا يملك أَن يَأْتِي بالمعجزة من عِنْد نَفسه بل كل ذَلِك إِلَى الله وَحده قَالَ الله تَعَالَى وَقَالُوا لوللا أنزل عَلَيْهِ آيَات من ربه قل إِنَّمَا الْآيَات عِنْد الله وَإِنَّمَا أَنا نَذِير مُبين وَلَا يملك الصالحون أَن يتصرفوا فِي ملكوت السَّمَوَات وَالْأَرْض إِلَّا بِقدر

стр. 32

مَا آتَاهُم الله من الْأَسْبَاب كَسَائِر الْبشر من زرع وَبِنَاء وتجارة وَنَحْو ذَلِك مِمَّا هُوَ من جنس أَعمال الْبشر بِإِذن الله تَعَالَى وَلَا يملكُونَ أَن يشفعوا وهم فِي البرزخ لأحد من الْخلق أَحيَاء وأمواتا قَالَ الله تَعَالَى قل لله الشَّفَاعَة جَمِيعًا وَقَالَ وَلَا يملك الَّذين يدعونَ من دونه الشَّفَاعَة إِلَّا من شهد بِالْحَقِّ وهم يعلمُونَ وَقَالَ من ذَا الَّذِي يشفع عِنْده إِلَّا بِإِذْنِهِ وَمن اعْتقد فِي أَنهم يتصرفون فِي الْكَوْن أَو يعلمُونَ الْغَيْب فَهُوَ كَافِر لقَوْل الله لله ملك السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمن فِيهِنَّ وَهُوَ على كل شَيْء قدير (١) وَقَوله سُبْحَانَهُ قل لَا يعلم من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض الْغَيْب إِلَّا الله (٢) وَقَوله سُبْحَانَهُ آمرا نبيه ﷺ بِمَا يزِيل اللّبْس ويوضح الْحق قل لَا أملك لنَفْسي نفعا وَلَا ضرا إِلَّا مَا شَاءَ الله وَلَو كنت أعلم الْغَيْب لاستكثرت من الْخَيْر وَمَا مسني السوء إِن أَنا إِلَّا نَذِير وَبشير لقوم يُؤمنُونَ (٣) فتاوي اللجنة ١٣٨٨

стр. 33

حكم الاحتفال بالموالد النَّبَوِيَّة وَغَيرهَا (١) الْحَمد لله وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على رَسُول الله وعَلى آله وَصَحبه وَمن اهْتَدَى بهداه ٩ - أما بعد فقد تكَرر السُّؤَال من كثير عَن حكم الاحتفال بمولد النَّبِي ﷺ وَالْقِيَام لَهُ فِي أثْنَاء ذَلِك وإلقاء السَّلَام عَلَيْهِ وَغير ذَلِك مِمَّا يفعل فِي الموالد وَالْجَوَاب أَن يُقَال لَا يجوز الاحتفال بمولد الرَّسُول ﷺ وَلَا غَيره لِأَن ذَلِك من الْبدع المحدثة فِي الدّين لِأَن الرَّسُول ﷺ لم يَفْعَله وَلَا خلفاؤه الراشدون وَلَا غَيرهم منالصحابة رضوَان الله عَلَيْهِم وَلَا التابعون لَهُم بِالْإِحْسَانِ فِي الْقُرُون المفضلة وهم أعلم النَّاس بِالسنةِ وأكمل حبا لرَسُول الله ﷺ ومتابعة لشرعه مِمَّن بعدهمْ وَقد ثَبت عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ من أحدث فِي أمرنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ

стр. 34

فَهُوَ رد أَي مَرْدُود عَلَيْهِ وَقَالَ فِي حَدِيث آخر عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين من بعدِي تمسكوا بهَا وعضوا عَلَيْهَا بالنواجذ وَإِيَّاكُم ومحدثات الْأُمُور فَإِن كل محدثة بِدعَة وكل بِدعَة ضَلَالَة فَفِي هذَيْن الْحَدِيثين تحذير شَدِيد من إِحْدَاث الْبدع وَالْعَمَل بهَا وَقد قَالَ فِي كِتَابه الْمُبين وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا (١) وَقَالَ فليحذر الَّذين يخالفون عَن أمره أَن تصيبهم فتْنَة أَو يصيبهم عَذَاب أَلِيم (٢) وَقَالَ سُبْحَانَهُ لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة لمن كَانَ يرجوا الله وَالْيَوْم الآخر وَذكر الله كثيرا (٣) وَقَالَ تَعَالَى وَالسَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَالَّذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان رَضِي الله عَنْهُم وَرَضوا عَنهُ وَأعد لَهُم جنَّات تجْرِي تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا أبدا

стр. 35

ذَلِك الْفَوْز الْعَظِيم (١) وَقَالَ تَعَالَى الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُم نعمتي ورضيت لكم الْإِسْلَام دينا (٢) والآيات فِي هَذَا الْمَعْنى كَثِيرَة وإحداث مثل هَذِه الموالد يفهم مِنْهُ أَن الله سُبْحَانَهُ لم يكمل الدّين لهَذِهِ الْأمة وَأَن الرَّسُول ﵊ لم يبلغ مَا يَنْبَغِي للْأمة أَن تعْمل بِهِ حَتَّى جَاءَ هَؤُلَاءِ الْمُتَأَخّرُونَ فأحدثوا فِي شرع الله مَا لم يَأْذَن بِهِ زاعمين أَن ذَلِك مِمَّا يقربهُمْ إِلَى الله وَهَذَا بِلَا شكّ فِيهِ خطر عَظِيم وَاعْتِرَاض على الله سُبْحَانَهُ وعَلى رَسُوله ﷺ وَالله سُبْحَانَهُ قد أكمل لِعِبَادِهِ الدّين وَأتم عَلَيْهِم النِّعْمَة وَالرَّسُول ﷺ قد بلغ الْبَلَاغ الْمُبين وَلم يتْرك طَرِيقا يُوصل إِلَى الْجنَّة ويباعد من النَّار إِلَّا بَينه للْأمة كَمَا ثَبت فِي الحَدِيث الصَّحِيح عَن عبد الله بن عَمْرو ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا بعث الله من نَبِي إِلَّا كَانَ حَقًا عَلَيْهِ أَن يدل أمته على خير مَا يُعلمهُ لَهُم وَيُنْذرهُمْ شَرّ مَا

стр. 36

يُعلمهُ لَهُم رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه وَمَعْلُوم أَن نَبينَا ﷺ هُوَ أفضل الْأَنْبِيَاء وخاتمهم وأكملهم بلاغا وَنصحا فَلَو كَانَ الاحتفال بالموالد من الدّين الَّذِي يرضاه الله سُبْحَانَ لبينه الرَّسُول ﷺ للْأمة أَو فعله فِي حَيَاته أَو فعله أَصْحَابه ﵃ فَلَمَّا لم يَقع شَيْء من ذَلِك علم أَنه لَيْسَ من الْإِسْلَام فِي شَيْء بل هُوَ من المحدثات الَّتِي حذر الرَّسُول ﷺ مِنْهَا أمته كَمَا تقدم ذكر ذَلِك فِي الْحَدِيثين السَّابِقين وَقد جَاءَ فِي مَعْنَاهُمَا أاديث أُخْرَى مثل قَوْله ﷺ فِي خطْبَة الْجُمُعَة أما بعد فَإِن خير الحَدِيث كتاب الله وَخير الْهَدْي هدي مُحَمَّد ﷺ وَشر الْأُمُور محدثاتها وكل بِدعَة ضَلَالَة رَوَاهُ الإِمَام مُسلم فِي صَحِيحه والآيات وَالْأَحَادِيث فِي هَذَا الْبَاب كَثْرَة وَقد صرح جمَاعَة من الْعلمَاء بإنكار الموالد والتحذير مِنْهَا عملا بالأدلة الْمَذْكُورَة وَغَيرهَا وَخَالف بعض الْمُتَأَخِّرين فأجازها إِذا لم تشْتَمل على شَيْء من الْمُنْكَرَات كالغلو فِي رَسُول الله ﷺ وكاختلاط النِّسَاء بِالرِّجَالِ وَاسْتِعْمَال آلَات الملاهي وَغير ذَلِك مِمَّا يُنكره الشَّرْع المطهر وظنوا أَنَّهَا من الْبدع الْحَسَنَة وَالْقَاعِدَة

стр. 37

الشَّرْعِيَّة رد مَا تنَازع فِيهِ النَّاس إِلَى كتاب الله وَسنة رَسُوله مُحَمَّد ﷺ كَمَا قَالَ الله يأيها الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر ذَلِك خير وَأحسن تَأْوِيلا (١) وَقَالَ تَعَالَى وَمَا اختلفتم فِيهِ من شَيْء فَحكمه إِلَى الله (٢) وَقد رددنا هَذِه الْمَسْأَلَة وَهِي الاحتفال بالموالد إِلَى كتاب الله سُبْحَانَهُ فوجدناه يَأْمُرنَا بِاتِّبَاع الرَّسُول ﷺ فِيمَا جَاءَ بِهِ ويحذرنا عَمَّا نهى عَنهُ ويخبرنا بِأَن الله سُبْحَانَهُ قد أكمل لهَذِهِ الْأمة دينهَا وَلَيْسَ هَذَا الاحتفال مِمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُول ﷺ فَيكون لَيْسَ من الدّين الَّذِي أكمله الله لنا وأمرنا بِاتِّبَاع الرَّسُول فِيهِ وَقد رددنا ذَلِك أَيْضا إِلَى سنة الرَّسُول ﷺ فَلم نجد فِيهَا أَنه فعله وَلَا أَمر بِهِ وَلَا فعله أَصْحَابه ﵃ فَعلمنَا بذلك أَنه لَيْسَ من الدّين بل هُوَ من الْبدع المحدثة وَمن التَّشَبُّه بِأَهْل الْكتاب من الْيَهُود وَالنَّصَارَى فِي أعيادهم

стр. 38

وَبِذَلِك يَتَّضِح لكل من لَهُ أدنى بَصِيرَة ورغبة فِي الْحق وإنصاف فِي طلبه أَن الاحتفال بالموالد لَيْسَ من دين الْإِسْلَام بل هُوَ من الْبدع المحدثات الَّتِي أَمر الله سُبْحَانَهُ وَرَسُوله ﷺ بِتَرْكِهَا والحذر مِنْهَا وَلَا يَنْبَغِي للعاقل أَن يغتر بِكَثْرَة من يَفْعَله من النَّاس فِي سَائِر الأقطار فَإِن الْحق لَا يعرف بِكَثْرَة الفاعلين وَإِنَّمَا يعرف بالأدلة الشَّرْعِيَّة كَمَا قَالَ تَعَالَى عَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَقَالُوا لن يدْخل الْجنَّة إِلَّا من كَانَ هودا أَو نَصَارَى تِلْكَ أمانيهم قل هاتوا برهانكم إِن كُنْتُم صَادِقين (١) وَقَالَ تَعَالَى وَإِن تُطِع أَكثر من فِي الأَرْض يضلوك عَن سَبِيل الله (٢) الْآيَة ثمَّ إِن غَالب هَذِه الاحتفالات بالموالد مَعَ كَونهَا بِدعَة لَا تخلوا من اشتمالها على مُنكرَات أُخْرَى كاختلاط النِّسَاء بِالرِّجَالِ وَاسْتِعْمَال الأغاني وَالْمَعَازِف وَشرب المسكرات والمخدرات وَغير ذَلِك من الشرور وَقد يَقع فِيهَا مَا أعظم من ذَلِك وَهُوَ الشّرك الْأَكْبَر وَذَلِكَ بالغلو فِي رَسُول الله

стр. 39

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو غَيره من الْأَوْلِيَاء ودعائه والاستغاثة بِهِ وَطَلَبه المدد واعتقاد أَنه يعلم الْغَيْب وَنَحْو ذَلِك من الْأُمُور الكفرية الَّتِي يتعاطها الْكثير من النَّاس حِين احتفالهم بمولد النَّبِي ﷺ وَغَيره مِمَّن يسمونه بالأولياء وَقد صَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ إيَّاكُمْ والغلو فِي الدّين فَإِنَّمَا أهلك من كَانَ قبلكُمْ الغلو فِي الدّين وَقَالَ ﵊ لَا تطروني كَمَا أطرت النَّصَارَى ابْن مَرْيَم إِنَّمَا أَنا عبد فَقولُوا عبد الله وَرَسُوله خرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه من حَدِيث عمر ﵁ وَمن الْعَجَائِب أَن الْكثير من النَّاس ينشط ويجتهد فِي حَضَرُوهُ هَذِه الاحتفالات المبتدعة ويدافع عَنْهَا ويتخلف عَمَّا أوجب الله عَلَيْهِ من حُضُور الْجمع وَالْجَمَاعَات وَلَا يرفع بذلك رَأْسا وَلَا يرى أَنه أَتَى مُنْكرا عَظِيما وَلَا شكّ أَن ذَلِك من ضعف الْإِيمَان وَقلة البصيرة وَكَثْرَة مَا ران على الْقُلُوب من صنوف الذُّنُوب والمعاصي نسْأَل الله الْعَافِيَة لنا ولسائر الْمُسلمين وَمن ذَلِك أَن بَعضهم يظنّ أَن رَسُول الله ﷺ يحضر المولد وَلِهَذَا يقومُونَ لَهُ محيين ومرحبين وَهَذَا من أعظم الْبَاطِل وأقبح

стр. 40

الْجَهْل فَإِن الرَّسُول ﷺ لَا يخرج من قَبره قبل يَوْم الْقِيَامَة وَلَا يتَّصل بِأحد من النَّاس وَلَا يحضر اجْتِمَاعهم بل هُوَ مُقيم فِي قَبره إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وروحه فِي أَعلَى عليين عِنْد ربه فِي دَار الْكَرَامَة كَمَا قَالَ الله تَعَالَى فِي سُورَة الْمُؤمنِينَ ثمَّ إِنَّكُم بعد ذَلِك لميتون ثمَّ إِنَّكُم يَوْم الْقِيَامَة تبعثون (١) وَقَالَ النَّبِي ﷺ أَنا أول من ينشق عَنهُ الْقَبْر يَوْم الْقِيَامَة وَأَنا أول شَافِع وَأول مُشَفع عَلَيْهِ من ربه أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام فَهَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة والْحَدِيث الشريف وَمَا جَاءَ فِي مَعْنَاهُمَا من الْآيَات وَالْأَحَادِيث كلهَا تدل على أَن النَّبِي ﷺ وَغَيره من الْأَمْوَات إِنَّمَا يخرجُون من قُبُورهم يَوْم الْقِيَامَة وَهَذَا أَمر مجمع عَلَيْهِ بَين عُلَمَاء الْمُسلمين لَيْسَ فِيهِ نزاع بَينهم فَيَنْبَغِي لكل مُسلم التنبه لهَذِهِ الْأُمُور والحذر مِمَّا أحدثه الْجُهَّال وأشباههم من الْبدع والخرافات الَّتِي مَا أنزل الله بهَا من سُلْطَان وَالله الْمُسْتَعَان وَعَلِيهِ التكلان وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِهِ
следующие страницы →