← Акыда

Акыда · id 6394

فتاوى مهمة لعموم الأمة

ابن باز

Полный текст (160 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

يُعلمهُ لَهُم رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه وَمَعْلُوم أَن نَبينَا ﷺ هُوَ أفضل الْأَنْبِيَاء وخاتمهم وأكملهم بلاغا وَنصحا فَلَو كَانَ الاحتفال بالموالد من الدّين الَّذِي يرضاه الله سُبْحَانَ لبينه الرَّسُول ﷺ للْأمة أَو فعله فِي حَيَاته أَو فعله أَصْحَابه ﵃ فَلَمَّا لم يَقع شَيْء من ذَلِك علم أَنه لَيْسَ من الْإِسْلَام فِي شَيْء بل هُوَ من المحدثات الَّتِي حذر الرَّسُول ﷺ مِنْهَا أمته كَمَا تقدم ذكر ذَلِك فِي الْحَدِيثين السَّابِقين وَقد جَاءَ فِي مَعْنَاهُمَا أاديث أُخْرَى مثل قَوْله ﷺ فِي خطْبَة الْجُمُعَة أما بعد فَإِن خير الحَدِيث كتاب الله وَخير الْهَدْي هدي مُحَمَّد ﷺ وَشر الْأُمُور محدثاتها وكل بِدعَة ضَلَالَة رَوَاهُ الإِمَام مُسلم فِي صَحِيحه والآيات وَالْأَحَادِيث فِي هَذَا الْبَاب كَثْرَة وَقد صرح جمَاعَة من الْعلمَاء بإنكار الموالد والتحذير مِنْهَا عملا بالأدلة الْمَذْكُورَة وَغَيرهَا وَخَالف بعض الْمُتَأَخِّرين فأجازها إِذا لم تشْتَمل على شَيْء من الْمُنْكَرَات كالغلو فِي رَسُول الله ﷺ وكاختلاط النِّسَاء بِالرِّجَالِ وَاسْتِعْمَال آلَات الملاهي وَغير ذَلِك مِمَّا يُنكره الشَّرْع المطهر وظنوا أَنَّهَا من الْبدع الْحَسَنَة وَالْقَاعِدَة

стр. 37

الشَّرْعِيَّة رد مَا تنَازع فِيهِ النَّاس إِلَى كتاب الله وَسنة رَسُوله مُحَمَّد ﷺ كَمَا قَالَ الله يأيها الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر ذَلِك خير وَأحسن تَأْوِيلا (١) وَقَالَ تَعَالَى وَمَا اختلفتم فِيهِ من شَيْء فَحكمه إِلَى الله (٢) وَقد رددنا هَذِه الْمَسْأَلَة وَهِي الاحتفال بالموالد إِلَى كتاب الله سُبْحَانَهُ فوجدناه يَأْمُرنَا بِاتِّبَاع الرَّسُول ﷺ فِيمَا جَاءَ بِهِ ويحذرنا عَمَّا نهى عَنهُ ويخبرنا بِأَن الله سُبْحَانَهُ قد أكمل لهَذِهِ الْأمة دينهَا وَلَيْسَ هَذَا الاحتفال مِمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُول ﷺ فَيكون لَيْسَ من الدّين الَّذِي أكمله الله لنا وأمرنا بِاتِّبَاع الرَّسُول فِيهِ وَقد رددنا ذَلِك أَيْضا إِلَى سنة الرَّسُول ﷺ فَلم نجد فِيهَا أَنه فعله وَلَا أَمر بِهِ وَلَا فعله أَصْحَابه ﵃ فَعلمنَا بذلك أَنه لَيْسَ من الدّين بل هُوَ من الْبدع المحدثة وَمن التَّشَبُّه بِأَهْل الْكتاب من الْيَهُود وَالنَّصَارَى فِي أعيادهم

стр. 38

وَبِذَلِك يَتَّضِح لكل من لَهُ أدنى بَصِيرَة ورغبة فِي الْحق وإنصاف فِي طلبه أَن الاحتفال بالموالد لَيْسَ من دين الْإِسْلَام بل هُوَ من الْبدع المحدثات الَّتِي أَمر الله سُبْحَانَهُ وَرَسُوله ﷺ بِتَرْكِهَا والحذر مِنْهَا وَلَا يَنْبَغِي للعاقل أَن يغتر بِكَثْرَة من يَفْعَله من النَّاس فِي سَائِر الأقطار فَإِن الْحق لَا يعرف بِكَثْرَة الفاعلين وَإِنَّمَا يعرف بالأدلة الشَّرْعِيَّة كَمَا قَالَ تَعَالَى عَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَقَالُوا لن يدْخل الْجنَّة إِلَّا من كَانَ هودا أَو نَصَارَى تِلْكَ أمانيهم قل هاتوا برهانكم إِن كُنْتُم صَادِقين (١) وَقَالَ تَعَالَى وَإِن تُطِع أَكثر من فِي الأَرْض يضلوك عَن سَبِيل الله (٢) الْآيَة ثمَّ إِن غَالب هَذِه الاحتفالات بالموالد مَعَ كَونهَا بِدعَة لَا تخلوا من اشتمالها على مُنكرَات أُخْرَى كاختلاط النِّسَاء بِالرِّجَالِ وَاسْتِعْمَال الأغاني وَالْمَعَازِف وَشرب المسكرات والمخدرات وَغير ذَلِك من الشرور وَقد يَقع فِيهَا مَا أعظم من ذَلِك وَهُوَ الشّرك الْأَكْبَر وَذَلِكَ بالغلو فِي رَسُول الله

стр. 39

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو غَيره من الْأَوْلِيَاء ودعائه والاستغاثة بِهِ وَطَلَبه المدد واعتقاد أَنه يعلم الْغَيْب وَنَحْو ذَلِك من الْأُمُور الكفرية الَّتِي يتعاطها الْكثير من النَّاس حِين احتفالهم بمولد النَّبِي ﷺ وَغَيره مِمَّن يسمونه بالأولياء وَقد صَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ إيَّاكُمْ والغلو فِي الدّين فَإِنَّمَا أهلك من كَانَ قبلكُمْ الغلو فِي الدّين وَقَالَ ﵊ لَا تطروني كَمَا أطرت النَّصَارَى ابْن مَرْيَم إِنَّمَا أَنا عبد فَقولُوا عبد الله وَرَسُوله خرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه من حَدِيث عمر ﵁ وَمن الْعَجَائِب أَن الْكثير من النَّاس ينشط ويجتهد فِي حَضَرُوهُ هَذِه الاحتفالات المبتدعة ويدافع عَنْهَا ويتخلف عَمَّا أوجب الله عَلَيْهِ من حُضُور الْجمع وَالْجَمَاعَات وَلَا يرفع بذلك رَأْسا وَلَا يرى أَنه أَتَى مُنْكرا عَظِيما وَلَا شكّ أَن ذَلِك من ضعف الْإِيمَان وَقلة البصيرة وَكَثْرَة مَا ران على الْقُلُوب من صنوف الذُّنُوب والمعاصي نسْأَل الله الْعَافِيَة لنا ولسائر الْمُسلمين وَمن ذَلِك أَن بَعضهم يظنّ أَن رَسُول الله ﷺ يحضر المولد وَلِهَذَا يقومُونَ لَهُ محيين ومرحبين وَهَذَا من أعظم الْبَاطِل وأقبح

стр. 40

الْجَهْل فَإِن الرَّسُول ﷺ لَا يخرج من قَبره قبل يَوْم الْقِيَامَة وَلَا يتَّصل بِأحد من النَّاس وَلَا يحضر اجْتِمَاعهم بل هُوَ مُقيم فِي قَبره إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وروحه فِي أَعلَى عليين عِنْد ربه فِي دَار الْكَرَامَة كَمَا قَالَ الله تَعَالَى فِي سُورَة الْمُؤمنِينَ ثمَّ إِنَّكُم بعد ذَلِك لميتون ثمَّ إِنَّكُم يَوْم الْقِيَامَة تبعثون (١) وَقَالَ النَّبِي ﷺ أَنا أول من ينشق عَنهُ الْقَبْر يَوْم الْقِيَامَة وَأَنا أول شَافِع وَأول مُشَفع عَلَيْهِ من ربه أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام فَهَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة والْحَدِيث الشريف وَمَا جَاءَ فِي مَعْنَاهُمَا من الْآيَات وَالْأَحَادِيث كلهَا تدل على أَن النَّبِي ﷺ وَغَيره من الْأَمْوَات إِنَّمَا يخرجُون من قُبُورهم يَوْم الْقِيَامَة وَهَذَا أَمر مجمع عَلَيْهِ بَين عُلَمَاء الْمُسلمين لَيْسَ فِيهِ نزاع بَينهم فَيَنْبَغِي لكل مُسلم التنبه لهَذِهِ الْأُمُور والحذر مِمَّا أحدثه الْجُهَّال وأشباههم من الْبدع والخرافات الَّتِي مَا أنزل الله بهَا من سُلْطَان وَالله الْمُسْتَعَان وَعَلِيهِ التكلان وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِهِ

стр. 41

أما الصَّلَاة وَالسَّلَام على رَسُول الله ﷺ فَهِيَ من أفضل القربات وَمن الْأَعْمَال الصَّالِحَات كَمَا قَالَ تَعَالَى إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على النَّبِي يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا صلوا عَلَيْهِ وسلموا تَسْلِيمًا (١) وَقَالَ النَّبِي ﷺ من صلى عَليّ وَاحِدَة صلى الله عَلَيْهِ بهَا عشرا وَهِي مَشْرُوعَة فِي جَمِيع الْأَوْقَات ومتأكدة فِي آخر كل صَلَاة بل وَاجِبَة عِنْد جمع من أهل الْعلم فِي التَّشَهُّد الْأَخير من كل صَلَاة وَسنة مُؤَكدَة فِي مَوَاضِع كَثِيرَة مِنْهَا مَا بعد الْأَذَان وَعند ذكره ﵊ وَفِي يَوْم الْجُمُعَة وليلتها كَمَا دلّت على ذَلِك أَحَادِيث كَثِيرَة وَالله الْمَسْئُول أَن يوفقنا وَسَائِر الْمُسلمين للفقه فِي دينه والثبات عَلَيْهِ وَأَن يمن على الْجَمِيع بِلُزُوم السّنة والحذر من الْبِدْعَة إِنَّه جواد كريم وَصلى الله على نَبينَا مُحَمَّد وعَلى آله وَصَحبه مَجْمُوع فتاوي سماحة الشَّيْخ ابْن باز ١١٨٣

стр. 42

الاحتفال بالمود النَّبَوِيّ بِدعَة محدثة فِي الدّين (١) ١٠ - سُؤال يسْأَل أَحْمد حسن غَرِيب من جدة قَائِلا مَا الحكم الشَّرْعِيّ فِي الاحتفال بالمولد النَّبَوِيّ الْفَتْوَى نرى أَنه لَا يتم إِيمَان عبد حَتَّى يحب الرَّسُول ﷺ ويعظمه بِمَا يَنْبَغِي أَن يعظمه فِيهِ وَبِمَا هُوَ لَائِق فِي حَقه ﷺ وَلَا ريب أَن بعثة الرَّسُول ﵊ وَلَا أَقُول مولده بل بعثته لِأَنَّهُ لم يكن رَسُولا إِلَّا حِين بعث كَمَا قَالَ أهل الْعلم نبيء بإقرأ وَأرْسل بالمدثر لَا ريب أَن بعثته ﵊ خير للإنسانية عَامَّة كَمَا قَالَ الله تَعَالَى قل يَا أَيهَا النَّاس إِنِّي رَسُول الله إِلَيْكُم جَمِيعًا الَّذِي لَهُ ملك السَّمَاوَات وَالْأَرْض لَا إِلَه إِلَّا هُوَ يحيي وَيُمِيت فآمنوا بِاللَّه رَسُوله النَّبِي الْأُمِّي الَّذِي يُؤمن بِاللَّه وكلماته واتبعوه لَعَلَّكُمْ تهتدون (٢) وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَإِن من تَعْظِيمه

стр. 43

وتوقيره والتأدب مَعَه واتخاذه إِمَامًا متبوعا أَلا نتجاوز مَا شَرعه لنا من الْعِبَادَات لِأَن رَسُول الله ﷺ توفّي وَلم يدع لأمته خيرا إِلَّا دلهم عَلَيْهِ وَأمرهمْ بِهِ وَلَا شرا إِلَّا بَينه وحذرهم مِنْهُ وعَلى هَذَا فَلَيْسَ من حَقنا وَنحن نؤمن بِهِ إِمَامًا متبوعا أَن نتقدم بَين يَدَيْهِ بالاحتفال مولده أَو بمبعثه والاحتفال يَعْنِي الْفَرح وَالسُّرُور وَإِظْهَار التَّعْظِيم وكل هَذَا من الْعِبَادَات المقربة إِلَى الله فَلَا يجوز أَن نشرع من الْعِبَادَات إِلَّا مَا شَرعه الله وَرَسُوله وَعَلِيهِ فالاحتفال بِهِ يعْتَبر من الْبِدْعَة وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ كل بِدعَة ضَلَالَة قَالَ هَذِه الْكَلِمَة الْعَامَّة وَهُوَ ﷺ أعلم النَّاس بِمَا يَقُول وأفصح النَّاس بِمَا ينْطق وأنصح النَّاس فِيمَا يرشد إِلَيْهِ وَهَذَا أَمر لَا شكّ فِيهِ لم يسْتَثْن النَّبِي ﷺ من الْبدع شَيْئا لَا يكون ضَلَالَة وَمَعْلُوم أَن الضَّلَالَة خلاف الْهدى وَلِهَذَا روى النَّسَائِيّ آخر الحَدِيث وكل ضَلَالَة فِي النَّار وَلَو كَانَ الاحتفال بمولده ﷺ من الْأُمُور المحبوبة إِلَى الله وَرَسُوله لكَانَتْ مَشْرُوعَة وَلَو كَانَت مَشْرُوعَة لكَانَتْ مَحْفُوظَة لِأَن الله تَعَالَى تكفل بِحِفْظ شَرِيعَته وَلَو كَانَت مَحْفُوظَة مَا تَركهَا الْخُلَفَاء الراشدون

стр. 44

وَالصَّحَابَة والتابعون لَهُم بِإِحْسَان وتابعوهم فَلَمَّا لم يَفْعَلُوا شَيْئا من ذَلِك على أَنه لَيْسَ من دين الله وَالَّذِي أنصح بِهِ إِخْوَاننَا الْمُسلمين عَامَّة أَن يتجنبوا مثل هَذِه الْأُمُور الَّتِي لم يتَبَيَّن لَهُم مشروعيتها لَا فِي كتاب الله وَلَا فِي سنة رَسُوله ﷺ وَلَا فِي عمل الصَّحَابَة ﵃ وَأَن يعتنوا بِمَا هُوَ بَين ظَاهر من الشَّرِيعَة من الْفَرَائِض وَالسّنَن الْمَعْلُومَة وفيهَا كِفَايَة وَصَلَاح للقلب وَصَلَاح للفرد وَصَلَاح للمجتمع وَإِذا تَأَمَّلت أَحْوَال هَؤُلَاءِ المولعين بِمثل هَذِه الْبدع وجدت أَن غندهم فتورا فِي كثير من السّنَن بل فِي كثير من الْوَاجِبَات والمفروضات وَهَذَا أَمر يجب أَن يفطنوا لَهُ حَتَّى يستقيموا على مَا يَنْبَغِي أَن يَكُونُوا عَلَيْهِ من الْمُحَافظَة على مَا ثبتَتْ شرعيته هَذَا بِقطع النّظر عَمَّا بِهَذِهِ الاحتفالات من الغلو بِالنَّبِيِّ ﷺ الْمُؤَدِّي إِلَى الشّرك الْأَكْبَر الْمخْرج عَن الْملَّة الَّذِي كَانَ رَسُول الله ﷺ نَفسه يحارب النَّاس عَلَيْهِ ويستبيح دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ وذراريهم فإننا نسْمع أَنه يلقى فِي هَذِه الاحتفالات من القصائد مَا يخرج عَن الْملَّة قطعا كَمَا يرددون قَول البوصيري

стр. 45

.. يَا أكْرم الْخلق مَا لي من ألوذ بِهِ ... سواك عِنْد حُدُوث الْحَادِث العمم إِن لم تكم آخِذا يَوْم الْمعَاد يَدي ... صفحا وَإِلَّا فَقل يَا زلَّة الْقدَم فَإِن من جودك الدُّنْيَا وضرتها ... وَمن علومك علم اللَّوْح والقلم ... مثل هَذِه الْأَوْصَاف لَا تصح إِلَّا لله وَأَنا أعجب لمن يتَكَلَّم بِهَذَا الْكَلَام إِن كَانَ يعقل مَعْنَاهُ كَيفَ يسوغ لنَفسِهِ أَن يَقُول مُخَاطبا النَّبِي ﵊ فَإِن من جودك الدُّنْيَا وضرتها وَمن للتَّبْعِيض والدينا هِيَ الدِّينَا وضرتها هِيَ الْآخِرَة فَإِذا كَانَت الدُّنْيَا وَالْآخِرَة من جود الرَّسُول ﵊ وَلَيْسَ كل جوده فَمَا الَّذِي بَقِي لله مَا بَقِي لَهُ شَيْء من الْمُمكن لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَة وَكَذَلِكَ قَوْله وَمن علومك علم اللَّوْح والقلم وَمن هَذِه للتَّبْعِيض وَلَا أَدْرِي مَاذَا يبْقى لله تَعَالَى من الْعلم إِذا خاطبنا الرَّسُول ﵊ بِهَذَا الْخطاب ورويدك يَا أخي الْمُسلم إِن كنت تتقي الله فَأنْزل رَسُول الله ﷺ مَنْزِلَته الَّتِي أنزلهُ الله أَنه عبد الله وَرَسُوله فَقل هُوَ عبد الله وَرَسُوله واعتقد فِيهِ مَا أمره ربه أَن

стр. 46

يبلغهُ إِلَى النَّاس عَامَّة قل لَا أَقُول لكم عِنْدِي خَزَائِن الله وَلَا أعلم الْغَيْب وَلَا أَقُول لكم إِنِّي ملك إِن أتبع إِلَّا مَا يُوحى إِلَيّ (١) وَمَا أمره الله بِهِ فِي قَوْله قل إِنِّي لَا أملك لكم ضرا وَلَا رشدا (٢) وَزِيَادَة على ذَلِك قل إِنِّي لن يجبرني من الله أحد وَلنْ أجد من دونه ملتحدا (٣) حَتَّى النَّبِي ﵊ لَو أَرَادَ الله بِهِ شَيْئا لَا أحد يجيره من الله فَالْحَاصِل أَن هَذِه الأعياد أَو الاحتفالات بمولد الرَّسُول ﵊ لَا تقتصر على مُجَرّد كَونهَا بِدعَة محدثة فلي الدّين بل هِيَ يُضَاف إِلَيْهَا شَيْء من الْمُنْكَرَات مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى الشّرك وَكَذَلِكَ مِمَّا سمعناه أَنه يحصل فِيهَا اخْتِلَاط بَين الرِّجَال وَالنِّسَاء وَيحصل فِيهَا تصفيق ودف وَغير ذَلِك من الْمُنْكَرَات الَّتِي لَا يمتري فِي إنكارها مُؤمن وَنحن فِي غنى بِمَا شَرعه الله لنا وَرَسُوله فَفِيهِ صَلَاح الْقُلُوب والبلاد والعباد مَجْمُوع فتاوي ابْن عثيمين ١١٢٦

стр. 47

الاحتفال بليلة ٢٧ من رَمَضَان ١١ - سُؤال مَا حكم الاحتفال بليلة سبع وَعشْرين لَيْلَة الْقدر الْجَواب خير الْهدى هدي مُحَمَّد ﷺ وَشر الْأُمُور محدثاتها فهدي النَّبِي ﷺ فِي رَمَضَان الْإِكْثَار من الْعِبَادَات من صَلَاة وَقِرَاءَة الْقُرْآن وَصدقَة وَغير ذَلِك من وُجُوه الْبر وَكَانَ فِي الْعشْرين الأول ينَام وَيُصلي فَإِذا دخل الْعشْر الْأَخير أيقظ أَهله وَشد المئزر وَأَحْيَا ليله وحث على قيام رَمَضَان وَقيام لَيْلَة الْقدر فَقَالَ ﷺ من قَامَ رَمَضَان إِيمَانًا واحتسابا غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمن قَامَ لَيْلَة الْقدر إِيمَانًا واحتسابا غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه مُتَّفق عَلَيْهِ وَبَين ﷺ أَن لَيْلَة الْقدر فِي الْعشْر الْأَوَاخِر من رَمَضَان وَأَنَّهَا فِي أحد أوتاره فَقَالَ ﷺ التمسوها فِي الْعشْر الْأَوَاخِر فِي الْوتر مِنْهُ رَوَاهُ أَحْمد فِي الْمسند وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَجَاء فِيهِ التمسوها فِي تسع يبْقين أَو سبع يبْقين أَو خمس يبْقين أَو ثَلَاث يبْقين أَو آخر لَيْلَة قَالَ التِّرْمِذِيّ بعد

стр. 48

إِخْرَاجه هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح وَعلم النَّبِي ﷺ عَائِشَة ﵂ الدُّعَاء الَّذِي تَدْعُو بِهِ إِن وَافَقت هَذِه اللَّيْلَة فقد روى أَحْمد فِي الْمسند عَنْهَا ﵂ قَالَت يَا نَبِي الله إِن واقفت لَيْلَة الْقدر مَا أَقُول فِيهَا قَالَ تَقُولِينَ اللَّهُمَّ إِنَّك عَفْو تحب الْعَفو فَاعْفُ عَيْني وَقد أخرجه أَيْضا النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ بعد إِخْرَاجه هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح هَذَا هدي الرَّسُول ﷺ فِي رَمَضَان وَفِي لَيْلَة الْقدر وَأما الاحتفال بليلة سبع وَعشْرين على أَنَّهَا لَيْلَة الْقدر فَهُوَ مُخَالف لهدي الرَّسُول ﷺ فَإِنَّهُ ﷺ لم يحتفل بليلة الْقدر فالاحتفال بهَا بِدعَة وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق وَصلى الله على نَبينَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَسلم اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عُضْو عبد الله بن منيع عُضْو عبد الله بن غديان نَائِب رَئِيس اللجنة عبد الرزاق عفيفي فتاوي اللجنة ٣٤٠

стр. 49

١٢ - حكم الإحتفال بليلة الْإِسْرَاء والمعراج الْحَمد لله وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على رَسُول الله وعَلى آله وَصَحبه أما بعد فَلَا ريب أَن الْإِسْرَاء والمعراح من آيَات الله الْعَظِيمَة الدَّالَّة على صدق رَسُوله مُحَمَّد ﷺ وعَلى عظم مَنْزِلَته عِنْد الله كَمَا أَنَّهَا من الدالئل على قدرَة الله الباهرة وعَلى علوه على جَمِيع خلقه قَالَ الله سُبْحَانَ الَّذِي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا من الْمَسْجِد الْحَرَام إِلَى الْمَسْجِد الْأَقْصَى الَّذِي باركنا حوله لنريه من آيَاتنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيع الْبَصِير (١) وتواتر عَن رَسُول الله ﷺ أَنه عرج بِهِ إِلَى السَّمَاء وَفتحت لَهُ أَبْوَابهَا حَتَّى جَاوز السَّمَاء السَّابِعَة فَكَلمهُ ربه سُبْحَانَهُ بِمَا أَرَادَ وَفرض عَلَيْهِ الصَّلَوَات الْخمس وَكَانَ الله سُبْحَانَهُ فَرضهَا أَولا خمسين صَلَاة فَلم يزل نَبينَا مُحَمَّد ﷺ يُرَاجِعهُ ويسأله

стр. 50

التَّخْفِيف حَتَّى جعلهَا خمْسا فِي الْفَرْض وَخمسين فِي الْأجر لِأَن الْحَسَنَة بِعشر أَمْثَالهَا فَللَّه الْحَمد وَالشُّكْر على جَمِيع نعمه وَهَذِه اللَّيْلَة الَّتِي حصل فِيهَا الْإِسْرَاء والمعراج لم يَأْتِ فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة تَعْيِينهَا لَا فِي رَجَب وَلَا غَيره وكل مَا ورد فِي تَعْيِينهَا فَهُوَ غير ثَابت عَن النَّبِي ﷺ عِنْد أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ وَللَّه الْحِكْمَة الْبَالِغَة فِي إنساء النَّاس لَهَا وَلَو ثَبت تَعْيِينهَا لم يجز للْمُسلمين أَن يخصوها بِشَيْء من الْعِبَادَات وَلم يجز لَهُم أَن يحتفلوا بهَا لِأَن النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه ﵃ لم يحتفلوا بهَا وَلم يخصوها بِشَيْء وَلَو كَانَ الإحتفال بهَا أمرا مَشْرُوعا لبينه الرَّسُول ﷺ للْأمة إِمَّا بالْقَوْل إِمَّا بِالْفِعْلِ وَلَو وَقع شَيْء من ذَلِك لعرف واشتهر ولنقله الصَّحَابَة ﵃ إِلَيْنَا فقد نقلوا عَن نَبِيّهم ﷺ كل شَيْء تحتاجه الْأمة وَلم يفرطوا فِي شَيْء من الدّين بل هم السَّابِقُونَ إِلَى كل خير فَلَو كَانَ الإحتفال بِهَذِهِ اللَّيْلَة مَشْرُوعا لكانوا أسبق النَّاس إِلَيْهِ وَالنَّبِيّ ﷺ هُوَ أنصح النَّاس للنَّاس وَقد بلغ الرسَالَة غَايَة الْبَلَاغ

стр. 51

وَأدّى الْأَمَانَة فَلَو كَانَ تَعْظِيم هَذِه اللَّيْلَة والإحتفال بهَا من دين الله لم يغفله النَّبِي ﷺ وَلم يَكْتُمهُ فَلَمَّا لم يَقع شَيْء من ذَلِك علم أَن الإحتفال بهَا وتعظيمها ليسَا من الْإِسْلَام فِي شَيْء وَقد أكمل الله لهَذِهِ الْأمة دينهَا وَأتم عَلَيْهَا النِّعْمَة وَأنكر على من شرع فِي الدّين مَا لم يَأْذَن بِهِ الله قَالَ سُبْحَانَهُ تَعَالَى فِي كِتَابه الْمُبين من سُورَة الْمَائِدَة الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُم نعمتي ورضيت لكم الْإِسْلَام دينا (١) وَقَالَ فِي سُورَة الشورى أم لَهُم شُرَكَاء شرعوا لَهُم من الدّين مَا لم يَأْذَن بِهِ الله وَلَوْلَا كلمة الْفَصْل لقضي بَينهم وَإِن الظَّالِمين لَهُم عَذَاب أَلِيم (٢) وَثَبت عَن رَسُول الله ﷺ فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة التحذير من الْبدع وَالتَّصْرِيح بِأَنَّهَا ضَلَالَة تَنْبِيها للْأمة على عظم خطرها وتنفيرا لَهُم من اقترافها وَمن ذَلِك مَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَائِشَة ﵂ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ من أحدث فِي أمرنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رد

стр. 52

وَفِي رِوَايَة لمُسلم من عمل عملا لَيْسَ عَلَيْهِ أمرنَا فَهُوَ رد وَفِي صَحِيح مُسلم عَن جَابر ﵁ قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ يَقُول فِي خطبَته يَوْم الْجُمُعَة أما بعد فَإِن خير الحَدِيث كتاب الله وَخير الْهدى هدى مُحَمَّد ﷺ وَشر الْأُمُور محدثاتها وكل بِدعَة ضَلَالَة زَاد النَّسَائِيّ بِسَنَد جيد وكل ضَلَالَة فِي النَّار وَفِي السّنَن عَن الْعِرْبَاض بن سَارِيَة ﵁ أَنه قَالَ وعظنا رَسُول الله ﷺ موعظة بليغة وجلت مِنْهَا الْقُلُوب وذرفت مِنْهَا الْعُيُون فَقُلْنَا يَا رَسُول الله كَأَنَّهَا موعظة مُودع فأوصنا فَقَالَ أوصيكم بتقوى الله والسمع وَالطَّاعَة وَإِن تَأمر عَلَيْكُم عبد فَإِنَّهُ من يَعش مِنْكُم فسيرى اخْتِلَافا كثيرا فعليم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين من بعدِي تمسكوا بهَا وعضوا عَلَيْهَا بالنواجذ وَإِيَّاكُم ومحدثات الْأُمُور فَإِن كل محدثة بِدعَة وكل بِدعَة ضَلَالَة وَالْأَحَادِيث فِي هَذَا الْمَعْنى كَثِيرَة وَقد ثَبت عَن أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَعَن السّلف الصَّالح بعدهمْ التحذير من الْبدع والترهيب مِنْهَا وَمَا ذَاك إِلَّا لِأَنَّهَا زِيَادَة فِي الدّين

стр. 53

وَشرع لم يَأْذَن بِهِ الله وتشبه بأعداء الله من الْيَهُود وَالنَّصَارَى فِي زيادتهم فِي دينهم وابتداعهم فِيهِ مَا لم يَأْذَن بِهِ الله وَلِأَن لازمها التنقص للدّين الإسلامي واتهامه بِعَدَمِ الْكَمَال وَمَعْلُوم مَا فِي هَذَا من الْفساد الْعَظِيم وَالْمُنكر الشنيع والمصادمة لقَوْل الله الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ والمخالفة الصَّرِيحَة لأحاديث الرَّسُول ﵊ المحذرة من الْبدع والمنفرة مِنْهَا وَأَرْجُو أَن يكون فِيمَا ذَكرْنَاهُ من الْأَدِلَّة كِفَايَة ومقنع لطَالب الْحق فِي إِنْكَار هَذِه الْبِدْعَة أَعنِي بِدعَة الاحتفال بليلة الْإِسْرَاء والمعراج والتحذير مِنْهَا وَإِنَّهَا لَيست من دين الْإِسْلَام فِي شَيْء وَلما أوجل الله من النصح للْمُسلمين وَبَيَان مَا شرع الله لَهُ من الدّين وَتحرم كتمان الْعلم رَأَيْت تَنْبِيه إخْوَانِي الْمُسلمين على هَذِه الْبِدْعَة الَّتِي قد فَشَتْ فِي كثير من الْأَمْصَار حَتَّى ظَنّهَا بعض النَّاس من الدّين وَالله الْمَسْئُول أَن يصلح أَحْوَال الْمُسلمين جَمِيعًا ويمنحهم الْفِقْه فِي الدّين ويوفقنا وإياهم للتمسك بِالْحَقِّ والثبات

стр. 54

عَلَيْهِ وَترك م خَالفه إِنَّه ولي ذَلِك والقادر عَلَيْهِ وَصلى الله وَسلم وَبَارك على عَبده وَرَسُوله نَبينَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه مَجْمُوع فتاوي سماحة ى الشَّيْخ ابْن باز ١١٨٨ ١٣ - حكم الإحتفال بليلة النّصْف من شعْبَان الْحَمد لله الَّذِي أكمل لنا الدّين وَأتم علينا النِّعْمَة وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على نبيه وَرَسُوله مُحَمَّد نَبِي التَّوْبَة وَالرَّحْمَة أما بعد فقد قَالَ الله تَعَالَى الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُم نعمتي ورضيت لكم الْإِسْلَام دينا (١) وَقَالَ تَعَالَى أم لَهُم شُرَكَاء شرعوا لَهُم من الدّين مَا لم يَأْذَن بِهِ الله (٢) وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَائِشَة ﵂ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ من أحدث فِي أمرنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رد وَفِي صَحِيح مُسلم عَن جَابر ﵁ أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يَقُول فِي خطْبَة الْجُمُعَة وَأما بعد فَإِن خير الحَدِيث كتاب الله وَخير الْهَدْي هدي مُحَمَّد

стр. 55

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَشر الْأُمُور محدثاتها وكل بِدعَة ضَلَالَة والآيات وَالْأَحَادِيث فِي هَذَا الْمَعْنى كَثِيرَة وَهِي تدل دلَالَة صَرِيحَة على أَن الله قد أكمل لهَذِهِ الْأمة دينهَا وَأتم عَلَيْهَا نعْمَته وَلم يتوف نبيه ﵊ إِلَّا بَعْدَمَا بلغ الْبَلَاغ الْمُبين وَبَين للْأمة كل مَا شَرعه الله لَهَا من أَقْوَال وأعمال وأوضح ﷺ أَن كل مَا يحدثه النَّاس بعده وينسبونه إل دين الْإِسْلَام من أَقْوَال أَو أَعمال فكله بِدعَة مَرْدُودَة على من أحدثه وَلَو حسن قَصده وَقد عرف أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ الْأَمر وَهَكَذَا عُلَمَاء الْإِسْلَام بعدهمْ فأنكروا الْبدع وحذروا مِنْهَا كَمَا ذكر ذَلِك كل من صنف فِي تَعْظِيم السّنة وإنكار الْبِدْعَة كَابْن وضاح والطرطوشي وَأبي شامة وَغَيرهم وَمن الْبدع الَّتِي أحدثها بعض النَّاس بِدعَة الإحتفال بلية النّصْف من شعْبَان وَتَخْصِيص يَوْمهَا بالصيام وَلَيْسَ على ذَلِك دَلِيل يجوز الإعتماد عَلَيْهِ وَقد ورد فِي فَضلهَا أَحَادِيث ضَعِيفَة لَا يجوز الإعتماد عَلَيْهَا أما مَا ورد فِي فضل الصَّلَاة فِيهَا فكله مَوْضُوع كَمَا نبه على ذَلِك كثير من أهل الْعلم وَسَيَأْتِي ذكر بعض كَلَامهم

стр. 56

إِن شَاءَ الله وَورد فِيهَا أَيْضا آثَار عَن بعض السّلف من أهل الشَّام وَغَيرهم وَالَّذِي أجمع عَلَيْهِ جُمْهُور الْعلمَاء أَن الإحتفال بهَا بِدعَة وَأَن الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي فَضلهَا كلهَا ضَعِيفَة وَبَعضهَا مَوْضُوع وَمِمَّنْ نبه على ذَلِك الْحَافِظ ابْن رَجَب فِي كِتَابه (لطائف المعارف) وَغَيره وَالْأَحَادِيث الضعيفة إِنَّمَا يعْمل بهَا فِي الْعِبَادَات الَّتِي قد ثت أَصْلهَا بأدلة صَحِيحَة أما الإحتفال بليلة النّصْف من شعْبَان فَلَيْسَ لَهُ أصل صَحِيح حَتَّى يسْتَأْنس لَهُ بالأحاديث الضعيفة وَقد ذكر هَذِه الْقَاعِدَة الجليلة الإِمَام أَبُو الْعَبَّاس شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية ﵀ وَأَنا أنقل لَك أَيهَا القارىء مَا قَالَه بعض أهل الْعلم فِي هَذِه الْمَسْأَلَة حَتَّى تكون على بَيِّنَة فِي ذَلِك وَقد أجمع الْعلمَاء ﵏ على أَن الْوَاجِب رد مَا تنَازع فِيهِ النَّاس من الْمسَائِل إِلَى كتاب الله وَإِلَى سنة رَسُول الله ﷺ فَمَا حكما بِهِ أَو أَحدهمَا فَهُوَ الشَّرْع الْوَاجِب الإتباع وَمَا خالفهما وَجب إطراحه وَمَا لم يرد فيهمَا من الْعِبَادَات فَهُوَ بِدعَة لَا يجوز فعله فضلا عَن الدعْوَة إِلَيْهِ وتحبيذه

стр. 57

كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ فِي سُورَة النِّسَاء ياأيها الَّذين أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم فَإِن تنازعم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر ذَلِك خيرا وَأحسن تَأْوِيلا (١) وَقَالَ تَعَالَى قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله وَيغْفر لكم ذنوبكم (٢) وَقَالَ فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم ثمَّ لَا يَجدوا فِي أنفسهم حرجا مِمَّا قضيت ويسلموا تَسْلِيمًا (٤) والآيات فِي هَذَا الْمَعْنى كَثِيرَة وَهِي نَص فِي وجوب رد مسَائِل الْخلاف إِلَى الْكتاب وَالسّنة وَوُجُوب الرضى بحكمهما وَأَن ذَلِك هُوَ مُقْتَضى الْإِيمَان وَخير للعباد فِي العاجل والآجل وَأحسن تَأْوِيلا أَي عَاقِبَة قَالَ الْحَافِظ ابْن رَجَب ﵀ فِي كِتَابه

стр. 58

لطائف المعارف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة بعد كَلَام سبق مَا نَصه وَلَيْلَة النّصْف من شعْبَان كَانَ التابعون من أهل الشَّام كخالد بن معدان وَمَكْحُول ولقمان بن عَامر وَغَيرهم يعظمونها ويجتهدون فِيهَا فِي الْعِبَادَة وعنهم أَخذ النَّاس فَضلهَا وتعظيمها وَقد قيل أَنه بَلغهُمْ فِي ذَلِك آثَار إسرائيلية فَلَمَّا اشْتهر ذَلِك عَنْهُم فِي الْبلدَانِ اخْتلف النَّاس فِي ذَلِك فَمنهمْ من قبله مِنْهُم وَوَافَقَهُمْ على تعظيمها مِنْهُم طَائِفَة من عباد أهل الْبَصْرَة وَغَيرهم وَأنكر ذَلِك أَكثر عُلَمَاء الْحجاز مِنْهُم عَطاء وَابْن أبي مليكَة وَنَقله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عَن فُقَهَاء أهل الْمَدِينَة وَهُوَ قَول أَصْحَاب مَالك وَغَيرهم وَقَالُوا ذَلِك كُله بِدعَة وَاخْتلف عُلَمَاء أهل الشَّام فِي صفة إحيائها على قَوْلَيْنِ أَحدهمَا أَنه يسْتَحبّ إحياؤها جمَاعَة فِي الْمَسَاجِد كَانَ خَالِد بن معدان ولقمان بن عَامر وَغَيرهمَا يلبسُونَ فِيهَا أحسن ثِيَابهمْ ويتبخرون ويتكحلون ويقومون فِي الْمَسْجِد ليلتهم تِلْكَ وَوَافَقَهُمْ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه على ذَلِك وَقَالَ فِي قِيَامهَا فِي الْمَسَاجِد جمَاعَة لَيْسَ ذَلِك ببدعة نَقله حَرْب

стр. 59

الْكرْمَانِي فِي مسَائِله وَالثَّانِي أَنه يكره الإجتماع فِيهَا فِي الْمَسَاجِد للصَّلَاة والقصص وَالدُّعَاء وَلَا يكره أَن يُصَلِّي الرجل فِيهَا لخاصة نَفسه وَهَذَا قَول الْأَوْزَاعِيّ إِمَام أهل الشَّام وفقيههم وعالمهم وَهَذَا هُوَ الْأَقْرَب إِن شَاءَ الله تَعَالَى إِلَى أَن قَالَ وَلَا يعرف للْإِمَام أَحْمد كَلَام فِي لَيْلَة نصف شعْبَان وَيتَخَرَّج فِي اسْتِحْبَاب قِيَامهَا عَنهُ رِوَايَتَانِ من الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ فِي قيام لَيْلَتي الْعِيد فَإِنَّهُ فِي رِوَايَة لم يسْتَحبّ قِيَامهَا جمَاعَة لِأَنَّهُ لم ينْقل عَن النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه واستحبها فِي رِوَايَة لفعل عبد الرحمن بن يزِيد بن الْأسود لذَلِك وَهُوَ من التَّابِعين فَكَذَلِك قيام لَيْلَة النّصْف لم يثبت فِيهَا شَيْء عَن النَّبِي ﷺ وَلَا عَن أَصْحَابه وَثَبت فِيهَا عَن طَائِفَة من التَّابِعين من أَعْيَان فُقَهَاء أهل الشَّام انْتهى الْمَقْصُود من كَلَام الْحَافِظ ابْن رَجَب ﵀ وَفِيه التَّصْرِيح مِنْهُ بِأَنَّهُ لم يثبت عَن النَّبِي ﷺ وَلَا عَن أَصْحَابه ﵃ شَيْء فِي لَيْلَة النّصْف من شعْبَان وَأَنا مَا اخْتَارَهُ الْأَوْزَاعِيّ ﵀ من اسْتِحْبَاب قِيَامهَا

стр. 60

للأفراد واختبار الْحَافِظ ابْن رَجَب لهَذَا القلو فَهُوَ غَرِيب وَضَعِيف لِأَن كل شَيْء لم يثبت بالأدلة الشَّرْعِيَّة كَونه مَشْرُوعا لم يجز للْمُسلمِ أَن يحدثه فِي دين الله سَوَاء فعله مُفردا أَو فِي جمَاعَة وَسَوَاء أسره أَو أعلنه لعُمُوم قَول النَّبِي ﷺ من عمل عمل لَيْسَ عَلَيْهِ أمرنَا فَهُوَ رد وَغَيره من الْأَدِلَّة الدَّالَّة على إِنْكَار الْبدع والتحذير مِنْهَا وَقَالَ الإِمَام أَبُو بكر الطرطوشي ﵀ فِي كِتَابه الْحَوَادِث والبدع مَا نَصه وروى ابْن وضاح عَن زيد بن أسلم قَالَ مَا أدركنا أحدا من مشيختنا وَلَا فقهائنا يلتفتون إِلَى النّصْف من شعْبَان وَلَا يلتفتون إِلَى حَدِيث مَكْحُول وَلَا يرَوْنَ لَهَا فضلا على مَا سواهَا وَقيل لِابْنِ أبي مليكَة إِن زيادا يَقُول إِن أجر لَيْلَة النّصْف من شعْبَان كَأَجر لَيْلَة الْقدر فَقَالَ لَو سمعته وَبِيَدِي عَصا لضربته وَكَانَ زيادا قَاصا انْتهى الْمَقْصُود وَقَالَ الْعَلامَة الشَّوْكَانِيّ ﵀ فِي الْفَوَائِد الْمَجْمُوعَة مَا نَصه حَدِيث يَا عَليّ من صلى مائَة رَكْعَة لَيْلَة النّصْف من

стр. 61

شعْبَان يقْرَأ فِي كل رَكْعَة بِفَاتِحَة الْكتاب وَقل هُوَ الله أحد عشر مَرَّات قضى الله لَهُ كل حَاجَة إِلَخ هُوَ مَوْضُوع وَفِي أَلْفَاظه المصرحة بِمَا يَنَالهُ فاعلها من الثَّوَاب مَا لَا يمتري إِنْسَان لَهُ تَمْيِيز فِي وَضعه وَرِجَاله مَجْهُولُونَ وَقد رُوِيَ من طَرِيق ثَانِيَة وثالثة كلهَا مَوْضُوعَة ورواتها مَجَاهِيل وَقَالَ فِي الْمُخْتَصر حَدِيث صَلَاة نصف شعْبَان بَاطِل وَلابْن حبَان من حَدِيث عَليّ إِذا كَانَ لَيْلَة النّصْف من شعْبَان بَاطِل فَقومُوا لَيْلهَا وصوموا نَهَارهَا ضَعِيف وَقَالَ فِي اللأليء مائَة رَكْعَة فِي نصف شعْبَان بالإخلاص عشر مَرَّات مَعَ طول فَضله للديلمي وَغَيره مَوْضُوع وَجُمْهُور رُوَاته فِي الطّرق الثَّلَاث مَجَاهِيل مَوْضُوع وَأَرْبع عشرَة رَكْعَة مَوْضُوع وَقد اغْترَّ بِهَذَا الحَدِيث جمَاعَة من الْفُقَهَاء كصاحب الْإِحْيَاء وَغَيره وَكَذَا من الْمُفَسّرين وَقد رويت صَلَاة هَذِه اللَّيْلَة أَعنِي لَيْلَة النّصْف من شعْبَان على أنحاء مُخْتَلفَة كلهَا بَاطِلَة مَوْضُوعَة وَلَا يُنَافِي هَذَا رِوَايَة التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عَائِشَة لذهابه ﷺ إِلَى البقيع ونزول الرب لَيْلَة النّصْف

стр. 62

إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا وَأَنه يغْفر لأكْثر من عدَّة شعر غنم كلب فَإِن الْكَلَام إِنَّمَا هُوَ فِي هَذِه الصَّلَاة الْمَوْضُوعَة فِي هَذِه اللَّيْلَة على أَن حَدِيث عَائِشَة هَذَا فِيهِ ضعف وَانْقِطَاع كَمَا أَن حَدِيث عَليّ الَّذِي تقدم ذكره فِي قيام لَيْلهَا لَا يُنَافِي كَون هَذِه الصَّلَاة مَوْضُوعَة على مَا فِيهِ من الضعْف حَسْبَمَا ذَكرْنَاهُ انْتهى الْمَقْصُود وَقَالَ الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ حَدِيث صَلَاة لَيْلَة النّصْف مَوْضُوع على رَسُول الله ﷺ وَكذب عَلَيْهِ وَقَالَ الإِمَام النَّوَوِيّ فِي كتاب الْمَجْمُوع (الصَّلَاة الْمَعْرُوفَة بِصَلَاة الرغائب وَهِي اثْنَتَا عشرَة رَكْعَة بَين الْمغرب وَالْعشَاء لَيْلَة أول جُمُعَة من رَجَب وَصَلَاة لَيْلَة النّصْف من شعْبَان مائَة رَكْعَة هَاتَانِ الصَّلَاتَان بدعتان منكرتان وَلَا يغتر بذكرهما فِي كتاب قوت الْقُلُوب وإحياء عُلُوم الدّين وَلَا بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور فيهمَا فَإِن كل ذَلِك بَاطِل وَلَا يغتر بِبَعْض من اشْتبهَ عَلَيْهِ حكمهمَا من الْأَئِمَّة فصنف وَرَقَات فِي استحبابهما فَإِنَّهُ غالط فِي ذَلِك وَقد صنف الشَّيْخ الإِمَام أَبُو مُحَمَّد عبد الرحمن بن إِسْمَاعِيل

стр. 63

الْمَقْدِسِي كتابا نفيسا فِي إبطالهما فَأحْسن فِيهِ وأجاد وَكَلَام أهل الْعلم فِي هَذِه الْمَسْأَلَة كثير جدا وَلَو ذَهَبْنَا ننقل كل مَا اطَّلَعْنَا عَلَيْهِ من كَلَام فِي هَذِه الْمَسْأَلَة لطال بِنَا الْكَلَام وَلَعَلَّ فِيمَا ذكرنَا كِفَايَة ومقنعا لطَالب الْحق وَمِمَّا تقدم من الْآيَات وَالْأَحَادِيث وَكَلَام أهل الْعلم يَتَّضِح لطَالب الْحق أَن الإحتفال بليلة النّصْف من شعْبَان بِالصَّلَاةِ أَو غَيرهَا وَتَخْصِيص يَوْمهَا بالصيام بِدعَة مُنكرَة عِنْد أَكثر أهل الْعلم وَلَيْسَ لَهُ أصل فِي الشَّرْع المطهر بل هُوَ مِمَّا حدث فِي الْإِسْلَام بعد عصر الصَّحَابَة ﵃ وَيَكْفِي طَالب الْحق فِي هَذَا الْبَاب وَغَيره قَول الله الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ (١) وَمَا جَاءَ فِي مَعْنَاهَا من الْآيَات وَقَول النَّبِي ﷺ من أحدث فِي أمرنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رد وَمَا جَاءَ فِي مَعْنَاهُ من الْأَحَادِيث وَفِي صَحِيح مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا تخصوا لَيْلَة الْجُمُعَة بِقِيَام من بَين اللَّيَالِي وَلَا تخصوا يَوْمهَا بالصيام من بَين الْأَيَّام إِلَّا أَن

стр. 64

يكون فِي صَوْم يَصُومهُ أحدكُم فَلَو كَانَ تَخْصِيص شَيْء من اللَّيَالِي بِشَيْء من الْعِبَادَة جَائِزا لكَانَتْ لَيْلَة الْجُمُعَة أولى من غَيرهَا لِأَن يَوْمهَا هُوَ خير يَوْم طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس بِنَصّ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة عَن رَسُول الله ﷺ فَلَمَّا حذر النَّبِي ﷺ من تخصيصها بِقِيَام من بَين اللَّيَالِي دلّ ذَلِك على أَن غَيرهَا من اللَّيَالِي من بَاب أولى لَا يجوز تَخْصِيص شَيْء مِنْهَا بِشَيْء من الْعِبَادَة إِلَّا بِدَلِيل صَحِيح يدل على التَّخْصِيص وَلما كَانَت لَيْلَة الْقدر وليالي رَمَضَان يشرع قِيَامهَا والإجتهاد فِيهَا نبه النَّبِي ﷺ على ذَلِك وحث الْأمة على قِيَامهَا وَفعل ذَلِك بِنَفسِهِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ من قَامَ رَمَضَان إِيمَانًا واحتسابا غفر الله لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمن قَامَ لَيْلَة الْقدر إِيمَانًا واحتسابا غفر الله لَهُ مَا تقدم من ذنُوبه فَلَو كَانَت لَيْلَة النّصْف من شعْبَان أَو لَيْلَة أول جُمُعَة من رَجَب أول لَيْلَة الْإِسْرَاء والمعراج يشرع تخصيصها باحتفال أَو شَيْء من الْعِبَادَة لأَرْشَد النَّبِي ﷺ الْأمة إِلَيْهِ أَو فعله بِنَفسِهِ وَلَو وَقع شَيْء من ذَلِك لنقله الصَّحَابَة ﵃ إِلَى الْأمة وَلم

стр. 65

يكتموه عَنْهُم وهم خير النَّاس وأنصح النَّاس بعد الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام وَرَضي الله عَن أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وأرضاهم وَقد عرفت آنِفا من كَلَام الْعلمَاء أَنه لم يثبت عَن رَسُول الله ﷺ وَلَا عَن أَصْحَابه ﵃ شَيْء فِي فضل لَيْلَة أول جُمُعَة من رَجَب وَلَا فِي لَيْلَة النّصْف من شعْبَان فَعلم أَن الإحتفال بهما بِدعَة محدثة فِي الْإِسْلَام وَهَكَذَا تخصيصها بِشَيْء من الْعِبَادَة بِدعَة مُنكرَة وَهَكَذَا لَيْلَة سبع وَعشْرين من رَجَب الَّتِي يعْتَقد بعض النَّاس أَنَّهَا لَيْلَة الْإِسْرَاء والمعراج لَا يجوز تخصيصها بِشَيْء من الْعِبَادَة كَمَا لَا يجوز الإحتفال بهَا للأدلة السَّابِقَة هَذَا لَو علمت فَكيف وَالصَّحِيح من أَقْوَال الْعلمَاء أَنَّهَا لَا تعرف وَقَول من قَالَ أَنَّهَا لَيْلَة سبع وَعشْرين من رَجَب قَول بَاطِل لَا أساس لَهُ فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة وَلَقَد أحسن من قَالَ ... وَخير الْأُمُور السالفات على الْهدى ... وَشر الْأُمُور المحدثات الْبَدَائِع ... وَالله الْمَسْئُول أَن يوفقنا وَسَائِر الْمُسلمين للتمسك بِالسنةِ والثبات عَلَيْهَا والحذر مِمَّا خالفها إِنَّه جواد كريم وَصلى

стр. 66

الله وَسلم عل عَبده وَرَسُوله نَبينَا مُحَمَّد وعَلى آله وَصَحبه أَجْمَعِينَ مَجْمُوع فتاوي سماحة الشَّيْخ ابْن باز ١١٩١ حكم الْحلف بِغَيْر الله ١٤ - سُؤال مَا حكم الْحلف بِغَيْر الله تَعَالَى مَعَ أَن النَّبِي ﷺ رُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ أَفْلح وَأَبِيهِ وَإِن صدق (١) الْفَتْوَى الْحلف بِغَيْر الله مثل أَن يَقُول (وحياتك) أَو (وحياتي) أَو (وَالسَّيِّد الرئيس) أَو (والشعب) كل هَذَا محرم بل هُوَ من الشّرك لِأَن هَذَا النَّوْع من التَّعْظِيم لَا يَصح إِلَّا لله وَمن عظم غير الله بِمَا لَا يكون إِلَّا لله فَهُوَ شرك لَكِن لما كَانَ هَذَا الْحَالِف لَا يعْتَقد أَن عَظمَة الْمَحْلُوف بِهِ كعظمة الله لم يكن الشّرك شركا أكبر بل كَانَ شركا أَصْغَر فَمن حلف بِغَيْر الله فقد أشرك شركا أَصْغَر

стр. 67

قَالَ النَّبِي ﷺ لَا تحلفُوا بِآبَائِكُمْ من كَانَ حَالفا فليحلف بِاللَّه أَو ليصمت وَقَالَ ﷺ من حلف بِغَيْر الله فقد كفر أَو أشرك فَلَا تحلف بِغَيْر الله أيا كَانَ الْمَحْلُوف بِهِ حَتَّى لَو كَانَ النَّبِي ﷺ أَو جِبْرِيل أَو من دونهم من الرُّسُل أَو من الْمَلَائِكَة أَو الْبشر أَو من دون الرُّسُل فَلَا تحلف بِشَيْء سوى الله أما قَول النَّبِي ﷺ أَفْلح وَأَبِيهِ إِن صدق فَهَذِهِ الْكَلِمَة وَأَبِيهِ اخْتلف الْحفاظ فِيهَا فَمنهمْ من أنكرها وَقَالَ لم تصح عَن النَّبِي ﷺ وَبِنَاء على ذَلِك فَلَا إِشْكَال فِي الْمَوْضُوع لِأَن الْمعَارض لَا بُد أَن يكون قَائِما وَإِذا لم يكن الْمعَارض قَائِما فَهُوَ غير مقاوم وَلَا يلْتَفت إِلَيْهِ وعَلى القَوْل بِأَنَّهَا ثَابِتَة أَي كلمة وَأَبِيهِ فَإِن الْجَواب على ذَلِك أَن هَذَا من الْمُشكل وَالْحلف بِغَيْر الله من الْوَاضِح أَي من الْمُحكم فَيكون لدينا مُحكم ومتشابه وطرق الراسخين فِي الْعلم فِي ذَلِك أَن يدعوا الْمُتَشَابه ويأخذوا بالمحكم قَالَ الله تَعَالَى هُوَ الَّذِي أنزل عَلَيْك الْكتاب مِنْهُ آيَات محكمات هن أم الْكتاب وَأخر متشابهات فَأَما الَّذين

стр. 68

فِي قُلُوب هم زيغ فيتبعون مَا تشابه مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَة وابتغاء تَأْوِيله وَمَا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله والراسخون فِي الْعلم يَقُولُونَ آمنا بِهِ كل من عِنْد رَبنَا (١) وَوجه كَونه متشابها أَن فِيهِ احتمالات كَثِيرَة فقد يكون هَذَا قبل النَّهْي وَقد يكون هَذَا خَاصّا بالرسول ﵊ لبعد الشّرك بِحقِّهِ وَقد يكون هَذَا مِمَّا يجْرِي على اللِّسَان بِغَيْر قصد وَلما كَانَت هَذِه الِاحْتِمَالَات وَارِدَة على هَذِه الْكَلِمَة إِن صحت عَن النَّبِي ﷺ صَار الْوَاجِب علينا أَن نَأْخُذ بالحكم وَهُوَ النَّهْي عَن الْحلف بِغَيْر الله وَلَكِن قد يَقُول بعض النَّاس إِن الْحلف بِغَيْر الله قد جرى على لِسَانه ويصعب عَلَيْهِ أَن يَدعه فَمَا الْجَواب نقُول إِن هَذَا لَيْسَ بِحجَّة بل جَاهد نَفسك على تَركه وَالْخُرُوج مِنْهُ وأذكر أنني قد نهيت رجلا يَقُول (وَالنَّبِيّ) وَكَانَ يخاطبني شَيْء فَقَالَ (وَالنَّبِيّ لَا أَعُود لَهَا) فَهُوَ قَالَهَا على أساس أَن يُؤَكد

стр. 69

أَنه لن يعود لَهَا لَكِنَّهَا تجْرِي على لِسَانه فَنَقُول حاول بِقدر مَا تَسْتَطِيع أَن تمحو من لسَانك هَذِه الْكَلِمَة لِأَنَّهَا شرك والشرك خطره عَظِيم وَلَو كَانَ أَصْغَر حَتَّى إِن شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية ﵀ يَقُول إِن الشّرك لَا يغفره الله وَلَو كَانَ أَصْغَر وَقَالَ ابْن مَسْعُود ﵁ لِأَن أَحْلف بِاللَّه كَاذِبًا أحب من أَن أَحْلف بِغَيْرِهِ صَادِقا قَالَ شيخ الْإِسْلَام وَذَلِكَ لِأَن سَيِّئَة الشّرك أعظم من سَيِّئَة الْكَبِيرَة فتاوي الشَّيْخ ابْن عثيمين ١١٧٤ حكم زِيَارَة الْقُبُور والتوسل بالأضرحة وَأخذ أَمْوَال للتوسل بهَا ١٥ - سُؤال من جمهورية مصر الْعَرَبيَّة يَقُول فِيهِ مَا حكم الدّين الإسلامي فِي زِيَارَة الْقُبُور والتوسل بالأضرحة وَأخذ خروف وأموال للتوسل بهَا كزيارة السَّيِّد البدوي وَالْحُسَيْن والسيدة زَيْنَب أفيدونا أفادكم الله

стр. 70

الْجَواب زِيَارَة الْقُبُور نَوْعَانِ أَحدهمَا مَشْرُوع ومطلوب لأجل الدُّعَاء للأموات والترحم عَلَيْهِم وَلأَجل تذكر الْمَوْت والإعداد للآخرة لقَوْل النَّبِي ﷺ زوروا الْقُبُور فَإِنَّهَا تذكركم الْآخِرَة وَكَانَ يزورها ﷺ وَهَكَذَا أَصْحَابه ﵃ وَهَذَا الْفَرْع للرِّجَال خَاصَّة لَا للنِّسَاء أما النِّسَاء فَلَا يشرع لَهُنَّ زِيَارَة الْقُبُور بل يجب نهيهن عَن ذَلِك لِأَنَّهُ قد ثَبت عَن رَسُول الله ﷺ لعن زائرات الْقُبُور من النِّسَاء وَلِأَن زيارتهن للقبور قد يحصل بهَا فتْنَة لَهُنَّ أَو بِهن مَعَ قلَّة الصَّبْر وَكَثْرَة الْجزع الَّذِي يغلب عَلَيْهِنَّ وَهَكَذَا لَا يشرع لَهُنَّ اتِّبَاع الْجَنَائِز إِلَى الْمقْبرَة لما ثَبت فِي الصَّحِيح عَن أم عَطِيَّة ﵂ قَالَت (نهينَا عَن اتِّبَاع الْجَنَائِز وَلم يعزم علينا) فَدلَّ ذَلِك على أَنهم ممنوعات من اتِّبَاع الْجَنَائِز إِلَى الْمقْبرَة لما يخْشَى فِي ذَلِك من الْفِتْنَة لَهُنَّ وبهن وَقلة الصَّبْر وَالْأَصْل فِي النَّهْي التَّحْرِيم لقَوْل الله سُبْحَانَهُ وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا (١) أما الصَّلَاة على الْمَيِّت فمشروعة

стр. 71

للرِّجَال وَالنِّسَاء كَمَا صحت بذلك الْأَحَادِيث عَن رَسُول الله ﷺ وَعَن الصَّحَابَة ﵃ فِي ذَلِك أما قَول أم عَطِيَّة ﵂ (لم يعزم علينا) فَهَذَا لَا يدل على جَوَاز اتِّبَاع الْجَنَائِز للنِّسَاء لِأَن صُدُور النَّهْي عَنهُ ﷺ كَاف فِي الْمَنْع وَأما قَوْلهَا (لم يعزم علينا) فَهُوَ مَبْنِيّ على اجتهادها وظنها واجتهادها لَا يُعَارض بهَا السّنة النَّوْع الثَّانِي بدعي وَهُوَ زِيَارَة الْقُبُور لدعاء أَهلهَا والإستغاثة بهم أَو للذبح لَهُم أَو للنذر لَهُم وَهَذَا مُنكر وشرك أكبر نسْأَل الله الْعَافِيَة ويلتحق بذلك أَن يزوروها للدُّعَاء عِنْدهَا وَالصَّلَاة عِنْدهَا وَالْقِرَاءَة عِنْدهَا وَهَذَا بِدعَة غير مَشْرُوع وَمن وَسَائِل الشّرك فَصَارَت فِي الْحَقِيقَة ثَلَاثَة أَنْوَاع النَّوْع مَشْرُوع وَهُوَ أَن يزورها للدُّعَاء لأَهْلهَا أَو لتذكر الْآخِرَة الثَّانِي أَن تزار للْقِرَاءَة عِنْدهَا أنو للصَّلَاة عِنْدهَا أَو للذبح عِنْدهَا فَهَذِهِ بِدعَة وَمن وَسَائِل الشّرك الثَّالِث أَن يزورها للذبح للْمَيت والتقرب إِلَيْهِ بذلك

стр. 72

أَو لدعاء الْمَيِّت من دون الله أَو لطلب المدد مِنْهُ أَو الْغَوْث أَو النَّصْر فَهَذَا شرك أكبر نسْأَل الله الْعَافِيَة فَيجب الحذر من هَذِه الزيارات المبتدعة وَلَا فرق بَين كَون الْمَدْعُو نَبيا أَو صَالحا أَو غَيرهمَا وَيدخل فِي ذَلِك مَا يَفْعَله بعض الْجُهَّال عِنْد قبر النَّبِي ﷺ من دُعَائِهِ والاستغاثة بِهِ أَو عِنْد قبر الْحُسَيْن أَبُو البدوي أَو الشَّيْخ عبد القادر الجيلاني أَو غَيرهم وَالله الْمُسْتَعَان مَجْمُوع فتاوي سماحة الشَّيْخ ابْن باز ٣٣٤٤ ٣٤٥ حكم زِيَارَة قُبُور الْأَوْلِيَاء وَقِرَاءَة الْقُرْآن على الْقُبُور ١٦ - سُؤال مَا حكم الْقِرَاءَة على الْقُبُور هَل هِيَ جَائِزَة أم لَا وَمَا حكم الشَّرْع فِي نظركم فِي أنَاس يزورون قُبُور الصَّالِحين والأولياء كَمَا يَزْعمُونَ وَيطْلبُونَ الصِّحَّة ومتاع الدُّنْيَا (١) الْفَتْوَى هَذَا السُّؤَال تضمن مَسْأَلَتَيْنِ الأولى الْقِرَاءَة على الْقُبُور وَالْقِرَاءَة على الْقُبُور غير

стр. 73

مَشْرُوعَة وَهِي بِدعَة وَرَسُول الله ﷺ وَهُوَ أعلم الْخلق بشريعة الله وَأعلم الْخلق بِمَا يَقُول وأفصح الْخلق فِيمَا ينْطق بِهِ وأنصح الْخلق فِيمَا يُريدهُ يَقُول ﷺ كل بِدعَة ضَلَالَة وَهَذِه الْجُمْلَة الْكُلية الْعَامَّة لَا يسْتَثْنى مِنْهَا شَيْء فَجَمِيع الْبدع ضَلَالَة بِهَذَا النَّص الْمُحكم البليغ الَّذِي لَو أَن أحدا أَرَادَ أَن يفصله ويفسره لأحتمل سفرا كَبِيرا فالقراءة على الْقُبُور بِدعَة لم تكن فِي عهد النَّبِي ﷺ وَلم يسنها الرَّسُول ﷺ لَا بقوله وَلَا بِفِعْلِهِ وَلَا بِإِقْرَارِهِ وَإِنَّمَا كَانَ يَقُول ويرشد أمته إِلَى أَن يَقُولُوا السَّلَام عَلَيْكُم دَار قوم مُؤمنين وَإِنَّا إِن شَاءَ الله بكم لاحقون يرحم الله الْمُسْتَقْدِمِينَ منا ومنكم والمستأخرين نسْأَل الله لنا وَلكم الْعَافِيَة اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمنَا أجرهم وَلَا تفتنا بعدهمْ واغفر لنا وَلَهُم وَأما الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة مِمَّا تضمنه هَذَا السُّؤَال فَهُوَ الذّهاب للقبور سَوَاء كَانَت قبورا لعامة النَّاس أَو قبورا لمن يَزْعمُونَ أَنهم أَوْلِيَاء ليستغيثوا بهم ويستنجدوهم ويطلبوا مِنْهُم تيسير أُمُورهم المعيشية وَهَذَا شرك أكبر مخرج عَن الْملَّة لقَوْل

стр. 74

الله تَعَالَى وَمن يدع مَعَ الله إِلَهًا آخر لَا برهَان لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حسابه عِنْد ربه إِنَّه لَا يفلح الْكَافِرُونَ (٢) وَهَذِه الْآيَة أفادت أَن كل من دَعَا مَعَ الله إِلَهًا آخر فَإِنَّهُ لَا برهَان لَهُ بذلك وَلَا دَلِيل لَهُ بل الدَّلِيل يدل على سفهه وضلاله وأفادت أَيْضا التهديد لمن دَعَا مَعَ الله إِلَهًا آخر بقوله فَإِنَّمَا حسابه عِنْد ربه وأفادت أَن هَذَا الدَّاعِي لن يفلح بِدُعَاء غير الله وأفادت بِأَنَّهُ كَافِر لقَوْله إِنَّه لَا يفلح الْكَافِرُونَ وَدُعَاء غير الله وسفه لقَوْله تَعَالَى وَمن يرغب عَن مِلَّة إِبْرَاهِيم إِلَّا من سفه نَفسه (٣) وَقَوله وَمن أضلّ مِمَّن يَدْعُو من دون الله من لَا يستجيب لَهُ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وهم عَن دُعَائِهِمْ غافلون (٤) وَمن الْعجب أَن يذهب هَؤُلَاءِ إِلَى هَؤُلَاءِ المقبورين الَّذين يعلمُونَ أَنهم جثث هامدة لَا يَسْتَطِيعُونَ أَن يتخلصوا مِمَّا هم

стр. 75

فِيهِ يطْلبُونَ مِنْهُم أَن يخلصوهم من الشدائد وَيطْلبُونَ مِنْهُم تفريج الكربات إِذا تَأمل الْإِنْسَان حَال هَؤُلَاءِ فَإِنَّهُ يُفْضِي مِنْهَا الْعجب العجاب وَلَو أَن هَؤُلَاءِ رجعُوا إِلَى أنفسهم وَإِلَى عُقُولهمْ لتبين لَهُم سفههم وَأَنَّهُمْ فِي ضلال مُبين فنسأل الله تَعَالَى للْمُسلمين عَامَّة أَن يبصرهم فِي دينهم وَأَن يهْدِيهم إِلَى الْحق وَأَن يثبتهم عَلَيْهِ وَإِنِّي أَقُول لهَؤُلَاء إِذا أردتم الدُّعَاء النافع فالجأوا إِلَى الله فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يُجيب الْمُضْطَر إِذا دَعَاهُ ويكشف السوء وَهُوَ الَّذِي بِيَدِهِ ملكوت كل شَيْء وَهُوَ الَّذِي يَقُول لنَبيه مُحَمَّد ﷺ وَإِذا سَأَلَك عبَادي عني فَإِنِّي قريب أُجِيب دَعْوَة الداع إِذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بِي لَعَلَّهُم يرشدون (١) وليجربوا إِذا اتجهوا إِلَى الله والتجأوا إِلَيْهِ وَدعوهُ بِصدق وإخلاص أَو افتقار وأمل فِي الْإِجَابَة حَتَّى يتَبَيَّن لَهُم أَنه لَا يَنْفَعهُمْ إِلَى الله عز وَجل
следующие страницы →