Полный текст (224 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
مُقَدّمَة
الْحَمد لله المبديء المعيد الفعال لما يُرِيد ذِي الْعَرْش الْمجِيد والبطش الشَّديد الْهَادِي صفوة العبيد إِلَى الْمنْهَج الرشيد والمسلك السديد
стр. 2
الْمُنعم عَلَيْهِم بعد شَهَادَة التَّوْحِيد بحراسة عقائدهم عَن ظلمات التشكيك والترديد السالك بهم إِلَى اتِّبَاع رَسُوله الْمُصْطَفى واقتفاء آثَار صَحبه الأكرمين الْمُكرمين بالتأييد والتسديد المتجلي لَهُم فِي ذَاته وأفعاله بمحاسن أَوْصَافه الَّتِي لَا يُدْرِكهَا إِلَّا من ألْقى السّمع وَهُوَ شَهِيد الْمُعَرّف إيَّاهُم أَنه فِي ذَاته وَاحِد لَا شريك لَهُ فَرد لَا مثيل لَهُ صَمد لَا ضد لَهُ مُنْفَرد لَا ند لَهُ وَأَنه وَاحِد قديم لَا أول لَهُ أزلي لَا بداية لَهُ مُسْتَمر الْوُجُود لَا آخر لَهُ أبدي لَا نِهَايَة لَهُ قيوم لَا انْقِطَاع
стр. 3
لَهُ دَائِم لَا انصرام لَهُ لم يزل مَوْصُوفا بنعوت الْجلَال لَا يقْضى عَلَيْهِ بالانقضاء والانفصال بتصرم الآباد وانقراض الْآجَال بل هُوَ الأول وَالْآخر وَالظَّاهِر وَالْبَاطِن وَهُوَ بِكُل شَيْء عليم
التَّنْزِيه
وَأَنه لَيْسَ بجسم مُصَور وَلَا جَوْهَر مَحْدُود مُقَدّر وَأَنه لَا يماثل الْأَجْسَام لَا فِي التَّقْدِير وَلَا فِي قبُول الانقسام وَأَنه لَيْسَ بجوهر وَلَا تحله الْجَوَاهِر وَلَا بِعرْض وَلَا تحله الْأَعْرَاض بل لَا يماثل مَوْجُودا وَلَا يماثله
стр. 4
مَوْجُود لَيْسَ كمثله شَيْء وَلَا هُوَ مثل شَيْء وَأَنه لَا يحده الْمِقْدَار وَلَا تحويه الأقطار وَلَا تحيط بِهِ الْجِهَات وَلَا تكتنفه الأرضون وَلَا السَّمَوَات وَأَنه مستوي على الْعَرْش على الْوَجْه الَّذِي قَالَه وبالمعنى الَّذِي أَرَادَهُ اسْتِوَاء منزهاً عَن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال لَا يحملهُ الْعَرْش بل الْعَرْش وَحَمَلته محمولون بلطف قدرته ومقهورون فِي قَبضته وَهُوَ فَوق الْعَرْش وَالسَّمَاء وَفَوق كل شَيْء إِلَى تخوم الثرى فوقية لَا تزيده قرباً إِلَى الْعَرْش وَالسَّمَاء كَمَا لَا تزيده بعدا عَن الأَرْض وَالثَّرَى بل هُوَ رفيع الدَّرَجَات عَن الْعَرْش وَالسَّمَاء كَمَا أَنه رفيع الدَّرَجَات عَن الأَرْض وَالثَّرَى وَهُوَ مَعَ ذَلِك قريب
стр. 5
من كل مَوْجُود وَهُوَ أقرب إِلَى العَبْد من حَبل الوريد وَهُوَ على كل شَيْء شَهِيد إِذا لَا يماثل قربه قرب الْأَجْسَام كَمَا لَا تماثل ذَاته ذَات الْأَجْسَام وَأَنه لَا يحل فِي شَيْء وَلَا يحل فِيهِ شَيْء تَعَالَى عَن أَن يحويه مَكَان كَمَا تقدس عَن أَن يحده زمَان بل كَانَ قبل أَن خلق الزَّمَان وَالْمَكَان وَهُوَ الْآن على مَا عَلَيْهِ كَانَ وَأَنه بَائِن عَن خلقه بصفاته لَيْسَ فِي ذَاته سواهُ وَلَا فِي سواهُ ذَاته وَأَنه مقدس عَن التَّغْيِير والانتقال لَا تحله الْحَوَادِث وَلَا تعتريه الْعَوَارِض بل لَا يزَال فِي نعوت جَلَاله منزهاً عَن الزَّوَال وَفِي صِفَات كَمَاله مستغنياً عَن زِيَادَة الاستكمال وَأَنه فِي ذَاته مَعْلُوم الْوُجُود بالعقول مرئي الذَّات بالأبصار
стр. 6
نعْمَة مِنْهُ ولطفاً بالأبرار فِي دَار الْقَرار وإتماماً مِنْهُ للنعيم بِالنّظرِ إِلَى وَجهه الْكَرِيم
الْحَيَاة وَالْقُدْرَة
وَأَنه تَعَالَى حَيّ قَادر جَبَّار قاهر لَا يَعْتَرِيه قُصُور وَلَا عجز وَلَا تَأْخُذهُ سنة وَلَا نوم وَلَا يُعَارضهُ فنَاء وَلَا موت وَأَنه ذُو الْملك والملكوت والعزة والجبروت لَهُ السُّلْطَان والقهر والخلق وَالْأَمر وَالسَّمَوَات مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ وَالْخَلَائِق مقهورون فِي قَبضته وَأَنه الْمُنْفَرد بالخلق والاختراع المتوحد
стр. 7
بالإيجاد والإبداع خلق الْخلق وأعمالهم وَقدر أَرْزَاقهم وآجالهم لَا يشذ عَن قَبضته مَقْدُور وَلَا يعزب عَن قدرته تصاريف الْأُمُور لَا تحصى مقدوراته وَلَا تتناهى معلوماته
الْعلم
وَأَنه عَالم بِجَمِيعِ المعلومات مُحِيط بِمَا يجْرِي من تخوم الْأَرْضين إِلَى أَعلَى السَّمَوَات وَأَنه عَالم لَا يعزب عَن علمه مِثْقَال ذرة فِي الأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء بل
стр. 8
يعلم دَبِيب النملة السَّوْدَاء على الصَّخْرَة الصماء فِي اللَّيْلَة الظلماء وَيدْرك حَرَكَة الذَّر فِي جو الْهَوَاء وَيعلم السِّرّ وأخفى ويطلع على هواجس الضمائر وحركات الخواطر وخفيات السرائر بِعلم قديم أزلي لم يزل مَوْصُوفا بِهِ فِي أزل الآزال لَا بِعلم متجدد حَاصِل فِي ذَاته بالحلول والانتقال
الإرداة
وَأَنه تَعَالَى مُرِيد للكائنات مُدبر للحادثات فَلَا يجْرِي فِي الْملك والملكوت قَلِيل أَو كثير صَغِير أَو كَبِير خير أَو شَرّ نفع أَو ضرّ إِيمَان أَو كفر عرفان أَو نكر فوز أَو خسران زِيَادَة أَو نُقْصَان طَاعَة أَو عصيان إِلَّا بِقَضَائِهِ وَقدره وحكمته ومشيئته فَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن لَا يخرج عَن
стр. 9
مَشِيئَته لفتة نَاظر وَلَا فلتة خاطر بل هُوَ المبديء المعيد الفعال لما يُرِيد لَا راد لأَمره وَلَا معقب لقضائه وَلَا مهرب لعبد عَن مَعْصِيَته إِلَّا بتوفيقه وَرَحمته وَلَا قُوَّة لَهُ على طَاعَته إِلَّا بمشيئته وإرادته فَلَو اجْتمع الْإِنْس وَالْجِنّ وَالْمَلَائِكَة وَالشَّيَاطِين على أَن يحركوا فِي الْعَالم ذرة أَو يسكنوها دون إِرَادَته ومشيئته لعجزوا عَن ذَلِك وَأَن إِرَادَته قَائِمَة بِذَاتِهِ فِي جملَة صِفَاته لم يزل كَذَلِك مَوْصُوفا بهَا مرِيدا فِي أزله لوُجُود الْأَشْيَاء فِي أَوْقَاتهَا الَّتِي قدرهَا فَوجدت فِي أَوْقَاتهَا كَمَا أَرَادَهُ فِي أزله من غير تقدم وَلَا تَأَخّر بل وَقعت على وفْق علمه وإرادته من غير تبدل وَلَا تغير دبر الْأُمُور لَا بترتيب أفكار وَلَا تربص زمَان فَلذَلِك لم يشْغلهُ شَأْن عَن شَأْن
стр. 10
السّمع وَالْبَصَر
وَأَنه تَعَالَى سميع بَصِير يسمع وَيرى لَا يعزب عَن سَمعه مسموع وَإِن خَفِي وَلَا يغيب عَن رُؤْيَته مرئي وَإِن دق وَلَا يحجب سَمعه بُعد وَلَا يدْفع رُؤْيَته ظلام يرى من غير حدقة وأجفان وَيسمع من غير أَصْمِخَة وآذان كَمَا يعلم بِغَيْر قلب ويبطش بِغَيْر جارحة ويخلق بِغَيْر آلَة إِذْ لَا تشبه صِفَاته صِفَات الْخلق كَمَا لَا تشبه ذَاته ذَوَات الْخلق
الْكَلَام
وَأَنه تَعَالَى مُتَكَلم آمُر ناه وَاعد متوعد بِكَلَام أزلي قديم قَائِم بِذَاتِهِ
стр. 11
لَا يشبه كَلَام الْخلق فَلَيْسَ بِصَوْت يحدث من انسلال هَوَاء أَو اصطكاك أجرام وَلَا بِحرف يَنْقَطِع بإطباق شفة أَو تَحْرِيك لِسَان وَأَن الْقُرْآن والتوراة وَالْإِنْجِيل وَالزَّبُور كتبه الْمنزلَة على رسله ﵈ وَأَن الْقُرْآن مقروء بالألسنة مَكْتُوب فِي الْمَصَاحِف مَحْفُوظ فِي الْقُلُوب وَأَنه مَعَ ذَلِك قديم قَائِم بِذَات الله تَعَالَى لَا يقبل الِانْفِصَال والافتراق بالانتقال إِلَى الْقُلُوب والأوراق وَأَن مُوسَى ﷺ سمع كَلَام الله بِغَيْر صَوت وَلَا حرف كَمَا يرى الْأَبْرَار ذَات الله تَعَالَى فِي الْآخِرَة من غير جَوْهَر وَلَا عرض وَإِذا كَانَت لَهُ هَذِه الصِّفَات كَانَ حَيا عَالما قَادِرًا مرِيدا سميعاً بَصيرًا متكلماً بِالْحَيَاةِ وَالْقُدْرَة وَالْعلم والإرادة والسمع وَالْبَصَر وَالْكَلَام لَا بِمُجَرَّد الذَّات
стр. 12
الْأَفْعَال
وَأَنه لَا مَوْجُود سواهُ إِلَّا هُوَ حَادث بِفِعْلِهِ وفائض من عدله على أحسن الْوُجُوه وأكملها وأتمها وأعدلها وَأَنه حَكِيم فِي أَفعاله عَادل فِي أقضيته لَا يُقَاس عدله بِعدْل الْعباد إِذْ العَبْد يتَصَوَّر مِنْهُ الظُّلم بتصرفه فِي ملك غَيره وَلَا يتَصَوَّر الظُّلم من الله تَعَالَى فَإِنَّهُ لَا يُصَادف لغيره ملكا حَتَّى يكون تصرفه فِيهِ ظلما فَكل مَا سواهُ من إنسٍ وجن ومَلَكٍ وَشَيْطَان وسماءٍ وَأَرْض وحيوانٍ ونبات وجماد وجوهرٍ وعَرَض ومدركٍ ومحسوس حادثٌ اخترعه بقدرته بعد الْعَدَم اختراعاً وأنشأه إنْشَاء بعد أَن لم يكن شَيْئا إِذْ كَانَ فِي الْأَزَل مَوْجُودا وَحده وَلم يكن مَعَه غَيره فأحدث الْخلق بعد ذَلِك إِظْهَارًا لقدرته وتحقيقاً لما سبق من إِرَادَته ولِمَا حق فِي الْأَزَل من كَلمته لَا
стр. 13
لافتقاره إِلَيْهِ وَحَاجته وَأَنه متفضل بالخلق والاختراع والتكليف لَا عَن وجوب ومتطول بالإنعام والإصلاح لَا عَن لُزُوم فَلهُ الْفضل وَالْإِحْسَان وَالنعْمَة والامتنان إِذْ كَانَ قَادِرًا على أَن يصب على عباده أَنْوَاع الْعَذَاب ويبتليهم بضروب الآلام والأوصاب وَلَو فعل ذَلِك لَكَانَ مِنْهُ عدلا وَلم يكن مِنْهُ قبيحاً وَلَا ظلما وَأَنه يثيب عبادَهُ الْمُؤمنِينَ على الطَّاعَات بِحكم الْكَرم والوعد لَا بِحكم الِاسْتِحْقَاق واللزوم لَهُ إِذْ لَا يجب عَلَيْهِ لأحد فعل وَلَا يتَصَوَّر مِنْهُ ظلم وَلَا يجب عَلَيْهِ حق وَأَن حَقه فِي الطَّاعَات وَجب على الْخلق بإيجابه على أَلْسِنَة أنبيائه ﵈ لَا بِمُجَرَّد الْعقل وَلكنه بعث الرُّسُل
стр. 14
وَأظْهر صدقهم بالمعجزات الظَّاهِرَة فبلّغوا أمره وَنَهْيه ووعده ووعيده فَوَجَبَ على الْخلق تصديقهم فِيمَا جَاءُوا بِهِ
معنى الْكَلِمَة الثَّانِيَة وَهِي الشَّهَادَة للرسول بالرسالة
وَأَنه بعث النَّبِي الْأُمِّي الْقرشِي مُحَمَّدًا ﷺ برسالته إِلَى كَافَّة الْعَرَب والعجم وَالْجِنّ وَالْإِنْس فنسخ بِشَرِيعَتِهِ الشَّرَائِع إِلَّا مَا قَرَّرَهُ مِنْهَا وفضله على
стр. 15
سَائِر الْأَنْبِيَاء وَجعله سيد الْبشر وَمنع كَمَال الْإِيمَان بِشَهَادَة التَّوْحِيد وَهُوَ قَول لَا إِلَه إِلَّا الله مَا لم تقترن بهَا شَهَادَة الرَّسُول وَهُوَ قَوْلك مُحَمَّد رَسُول الله وألزم الْخلق تَصْدِيقه فِي جَمِيع مَا أخبر عَنهُ من أُمُور الدُّنْيَا وَالْآخر وَأَنه لَا يتَقَبَّل إيمانُ عبدٍ حَتَّى يُؤمن بِمَا أخبر بِهِ بعد الْمَوْت وأوله سُؤال مُنكر
стр. 16
وَنَكِير وهما شخصان مهيبان هائلان يقعدان العَبْد فِي قَبره سويا ذَا روح وجسد فيسألانه عَن التَّوْحِيد والرسالة ويقولان لَهُ من رَبك وَمَا دينك وَمن نبيك وهما فتانا الْقَبْر وسؤالهما أَو فتْنَة بعد الْمَوْت
стр. 17
وَأَن يُؤمن بِعَذَاب الْقَبْر وَأَنه حق وَحكمه عدل على الْجِسْم وَالروح على مَا يَشَاء وَأَن يُؤمن بالميزان ذِي الكفتين وَاللِّسَان وَصفته فِي العِظَمِ أَنه مثل طَبَقَات السَّمَوَات وَالْأَرْض توزن فِيهِ الْأَعْمَال بقدرة الله تَعَالَى والصنج يَوْمئِذٍ مَثَاقِيل الذَّر والخردل تَحْقِيقا لتَمام الْعدْل وتوضح صَحَائِف الْحَسَنَات فِي صُورَة حَسَنَة فِي كفة النُّور فيثقل بهَا الْمِيزَان على قدر درجاتها عِنْد الله
стр. 18
بِفضل الله وتطرح صَحَائِف السَّيِّئَات فِي صُورَة قبيحة فِي كفة الظلمَة فيخف بهَا الْمِيزَان بِعدْل الله
وَأَن يُؤمن بِأَن الصِّرَاط حق وَهُوَ جسر مَمْدُود على متن جَهَنَّم أحد من السَّيْف وأدق من الشعرة تزل عَلَيْهِ أَقْدَام الْكَافرين بِحكم الله سُبْحَانَهُ فَتَهْوِي بهم إِلَى النَّار وَتثبت عَلَيْهِ أَقْدَام الْمُؤمنِينَ بِفضل الله فيساقون إِلَى دَار الْقَرار
стр. 19
وَأَن يُؤمن بالحوض المورود حَوْض مُحَمَّد ﷺ يشرب مِنْهُ الْمُؤمنِينَ قبل دُخُول الْجنَّة وَبعد جَوَاز الصِّرَاط من شرب مِنْهُ شربة لم يظمأ بعْدهَا أبدا عرضه مسيرَة شهر مَاؤُهُ أَشد بَيَاضًا من اللَّبن وَأحلى من الْعَسَل حوله أَبَارِيق عَددهَا بِعَدَد نُجُوم السَّمَاء فِيهِ مِيزَابَانِ يصبَّانِ فِيهِ من الْكَوْثَر
وَأَن يُؤمن بِالْحِسَابِ تفَاوت النَّاس فِيهِ إِلَى مناقش فِي الْحساب وَإِلَى مسامح فِيهِ وَإِلَى من يدْخل الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب وهم المقربون فيسألُ
стр. 20
اللهُ تَعَالَى من يَشَاء من الْأَنْبِيَاء عَن تَبْلِيغ الرسَالَة وَمن شَاءَ من الْكفَّار عَن تَكْذِيب الْمُرْسلين وَيسْأل المبتدعة عَن السّنة وَيسْأل الْمُسلمين عَن الْأَعْمَال
وَأَن يُؤمن بِإِخْرَاج المُوَحِّدين من النَّار بعد الانتقام حَتَّى لَا يبْقى فِي جَهَنَّم موحد بِفضل الله تَعَالَى فَلَا يخلد فِي النَّار موحد
стр. 21
وَأَن يُؤمن بشفاعة الْأَنْبِيَاء ثمَّ الْعلمَاء ثمَّ الشُّهَدَاء ثمَّ سَائِر الْمُؤمنِينَ على حسب جاهه ومنزلته عِنْد الله تَعَالَى وَمن بَقِي من الْمُؤمنِينَ وَلم يكن لَهُ شَفِيع أخرج بِفضل الله فَلَا يخلد فِي النَّار مُؤمن بل يخرج مِنْهَا من كَانَ فِي
стр. 22
قلبه مِثْقَال ذرة من الْإِيمَان وَأَن يعْتَقد فضل الصَّحَابَة ﵃ وترتيبهم وَأَن أفضل النَّاس بعد النَّبِي ﷺ أَبُو بكر ثمَّ عمر ثمَّ عُثْمَان ثمَّ عَليّ ﵃ وَأَن يحسن الظَّن بِجَمِيعِ الصَّحَابَة ويثني عَلَيْهِم كَمَا أثنى الله وَرَسُوله ﷺ وَعَلَيْهِم أَجْمَعِينَ
стр. 23
فَكل ذَلِك مِمَّا وَردت بِهِ الْأَخْبَار وَشهِدت بِهِ الْآثَار فَمن اعْتقد جَمِيع ذَلِك موقناً بِهِ كَانَ من أهل الْحق وعصابة السّنة وفارَقَ رَهْطَ الضلال وحِزْبَ الْبِدْعَة
فنسأل الله كَمَال الْيَقِين وَحسن الثَّبَات فِي الدّين لنا ولكافة الْمُسلمين برحمته إِنَّه أرْحم الرَّاحِمِينَ وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وعَلى كل عبد مصطفى
стр. 24
الْفَصْل الثَّانِي فِي وَجه التدريج إِلَى الْإِرْشَاد وترتيب دَرَجَات الإعتقاد
стр. 25
أعلم أَن مَا ذَكرْنَاهُ فِي تَرْجَمَة العقيدة يَنْبَغِي أَن يقدم إِلَى الصَّبِي فِي أول نشوه ليحفظه حفظا ثمَّ لَا يزَال ينْكَشف لَهُ مَعْنَاهُ فِي كبره شَيْئا فَشَيْئًا فابتداؤه الْحِفْظ ثمَّ الْفَهم ثمَّ الإعتقاد والإيقان والتصديق بِهِ وَذَلِكَ مِمَّا يحصل فِي الصَّبِي بِغَيْر برهَان فَمن فضل الله سُبْحَانَهُ على قلب الْإِنْسَان أَن شَرحه فِي أول نشوة للْإيمَان من غير حَاجَة إِلَى حجَّة وبرهان وَكَيف يُنكر ذَلِك
стр. 26
وَجَمِيع عقائد الْعَوام مباديها التَّلْقِين الْمُجَرّد والتقليد الْمَحْض نعم يكون الإعتقاد الْحَاصِل بِمُجَرَّد التَّقْلِيد غير خَال عَن نوع من الضعْف فِي الإبتداء على معنى أَنه يقبل الْإِزَالَة بنقيضه لَو ألْقى إِلَيْهِ فَلَا بُد من تقويته وإثباته فِي نفس الصَّبِي والعامي حَتَّى يترشح وَلَا يتزلزل وَلَيْسَ الطَّرِيق فِي تقويته وإثباته أَن يعلم صَنْعَة الجدل وَالْكَلَام بل يشْتَغل بِتِلَاوَة الْقُرْآن وَتَفْسِيره وَقِرَاءَة الحَدِيث ومعانيه ويشتغل بوظائف الْعِبَادَات فَلَا يزَال إعتقاده يزْدَاد رسوخا بِمَا يقرع سَمعه من أَدِلَّة الْقُرْآن وحججه وَبِمَا يرد عَلَيْهِ من شَوَاهِد الْأَحَادِيث
стр. 27
وفوائدها وَبِمَا يسطع عَلَيْهِ من أنوار الْعِبَادَات ووظائفها وَبِمَا يسري إِلَيْهِ من مُشَاهدَة الصَّالِحين ومجالستهم وسيماهم وسماعهم وهيآتهم فِي الخضوع لله وَالْخَوْف مِنْهُ والإستكانة لَهُ فَيكون أول التَّلْقِين كإلقاء بذر فِي الصَّدْر وَتَكون هَذِه الْأَسْبَاب كالسقي والتربية لَهُ حَتَّى يَنْمُو ذَلِك الْبذر ويقوى ويرتفع شَجَرَة طيبَة راسخة أَصْلهَا ثَابت وفرعها فِي السَّمَاء
وَيَنْبَغِي أَن يحرس سَمعه من الجدل وَالْكَلَام غَايَة الحراسة فَإِن مَا يشوشه الجدل أَكثر مِمَّا يمهده وَمَا يُفْسِدهُ أَكثر مِمَّا يصلحه بل تقويته بالجدل تضاهي ضرب الشَّجَرَة بالمدقة من الْحَدِيد رَجَاء تقويتها بِأَن تكْثر أجزاؤها وَرُبمَا يفتتها ذَلِك ويفسدها وَهُوَ الْأَغْلَب والمشاهدة تكفيك فِي هَذَا بَيَانا فناهيك بالعيان برهانا
стр. 28
فقس عقيدة أهل الصّلاح والتقى من عوام النَّاس بعقيدة الْمُتَكَلِّمين والمجادلين فترى إعتقاد الْعَاميّ فِي الثَّبَات كالطود الشامخ لَا تحركه الدَّوَاهِي وَالصَّوَاعِق وعقيدة المتلكم الحارس إعتقاده بتقسيمات الجدل كخيط مُرْسل فِي الْهَوَاء تفيئه الرِّيَاح مرّة هَكَذَا وَمرَّة هَكَذَا إِلَّا من سمع مِنْهُم دَلِيل الإعتقاد فتلقفه تقليدا كَمَا تلقف نفس الإعتقاد تقليدا إِذْ لَا فرق فِي التقلد بَين تعلم الدَّلِيل أَو تعلم الْمَدْلُول فتلقين الدَّلِيل شَيْء والإستدلال بِالنّظرِ شَيْء آخر بعيد عَنهُ
ثمَّ الصَّبِي إِذا وَقع نشوه على هَذِه العقيدة إِن اشْتغل بكسب الدُّنْيَا
стр. 29
لم ينفتح لَهُ غَيرهَا وَلكنه يسلم فِي الْآخِرَة بإعتقاد أهل الْحق إِذا لم يُكَلف الشَّرْع أجلاف الْعَرَب أَكثر من التَّصْدِيق الْجَازِم بِظَاهِر هَذِه العقائد فَأَما الْبَحْث والتفتيش وتكلف نظم الْأَدِلَّة فَلم يكلفوه أصلا وَإِن أَرَادَ أَن يكون من
стр. 30
سالكي طَرِيق الْآخِرَة وساعده التَّوْفِيق حَتَّى اشْتغل بِالْعَمَلِ ولازم التَّقْوَى وَنهى النَّفس عَن الْهوى واشتغل بالرياضة والمجاهدة انفتحت لَهُ أَبْوَاب من الْهِدَايَة تكشف عَن حقائق هَذِه العقيدة بِنور آلهي يقذف فِي قلبه بِسَبَب المجاهدة تَحْقِيقا لوعده إِذْ قَالَ ﴿وَالَّذين جاهدوا فِينَا لنهدينهم سبلنا وَإِن الله لمع الْمُحْسِنِينَ﴾
وَهُوَ الْجَوْهَر النفيس الَّذِي هُوَ غَايَة إِيمَان الصديقين والمقربين وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بالسر الَّذِي وقر فِي صدر أبي بكر الصّديق ﵁ حَيْثُ فضل بِهِ الْخلق
стр. 31
وانكشاف ذَلِك السِّرّ بل تِلْكَ الْأَسْرَار لَهُ دَرَجَات بِحَسب دَرَجَات المجاهدة ودرجات الْبَاطِن فِي النَّظَافَة وَالطَّهَارَة عَمَّا سوى الله تَعَالَى وَفِي الإستضاءة بِنور الْيَقِين وَذَلِكَ كتفاوت الْخلق فِي أسرار الطِّبّ وَالْفِقْه وَسَائِر الْعُلُوم إِذْ يخْتَلف ذَلِك بإختلاف الإجتهاد وإختلاف الْفطْرَة فِي الذكاء والفطنة وكما لَا تَنْحَصِر تِلْكَ الدَّرَجَات فَكَذَلِك هَذِه
стр. 32
مَسْأَلَة
فَإِن قلت تعلم الجدل وَالْكَلَام مَذْمُوم كتعلم النُّجُوم أَو هُوَ مُبَاح أَو مَنْدُوب إِلَيْهِ
فَاعْلَم أَن للنَّاس فِي هَذَا غلوا وإسرافا فِي أَطْرَاف فَمن قَائِل إِنَّه بِدعَة وَحرَام وَأَن العَبْد إِن لَقِي الله بِكُل ذَنْب سوى الشّرك خير لَهُ من أَن يلقاه بالْكلَام
وَمن قَائِل أَنه وَاجِب وَفرض إِمَّا على الْكِفَايَة أَو على الْأَعْيَان وَأَنه أفضل الْأَعْمَال وَأَعْلَى القربات فَإِنَّهُ تَحْقِيق لعلم التَّوْحِيد ونضال عَن دين الله تَعَالَى
стр. 33
وَإِلَى التَّحْرِيم ذهب الشَّافِعِي وَمَالك وَأحمد بن حَنْبَل وسُفْيَان وَجَمِيع أهل الحَدِيث من السّلف
قَالَ ابْن عبد الْأَعْلَى ﵀ سَمِعت الشَّافِعِي ﵁ يَوْم نَاظر حفصا الْفَرد وَكَانَ من متكلمي الْمُعْتَزلَة يَقُول لِأَن يلقى الله العَبْد بِكُل ذَنْب مَا خلا الشّرك بِاللَّه خير لَهُ من أَن يلقاه بِشَيْء من علم الْكَلَام
стр. 34
وَلَقَد سَمِعت من حَفْص كلَاما لَا أقدر أَن أحكيه
وَقَالَ أَيْضا قد أطلعت من أهل الْكَلَام على شَيْء مَا ظننته قطّ وَلِأَن يبتلى العَبْد بِكُل مَا نهى الله عَنهُ مَا عدا الشّرك خير لَهُ من أَن ينظر فِي الْكَلَام
وَحكى الْكَرَابِيسِي أَن الشَّافِعِي ﵁ سُئِلَ عَن شَيْء من الْكَلَام فَغَضب وَقَالَ سل عَن هَذَا حفصا الْفَرد وَأَصْحَابه أخزاهم الله
وَلما مرض الشَّافِعِي ﵁ دخل عَلَيْهِ حَفْص الْفَرد فَقَالَ لَهُ من أَنا
فَقَالَ حَفْص الْفَرد لَا حفظك الله وَلَا رعاك حَتَّى تتوب مِمَّا أَنْت فِيهِ
стр. 35
وَقَالَ أَيْضا لَو علم النَّاس مَا فِي الْكَلَام من الْأَهْوَاء لفروا مِنْهُ فرارهم من الْأسد
وَقَالَ أَيْضا إِذا سَمِعت الرجل يَقُول الإسم هُوَ الْمُسَمّى أَو غير الْمُسَمّى فاشهد بِأَنَّهُ من أهل الْكَلَام وَلَا دين لَهُ
قَالَ الزَّعْفَرَانِي قَالَ الشَّافِعِي حكمى فِي أَصْحَاب الْكَلَام أَن يضْربُوا بِالْجَرِيدِ وَيُطَاف بهم فِي الْقَبَائِل والبشائر وَيُقَال هَذَا جَزَاء من ترك الْكتاب وَالسّنة وَأخذ فِي الْكَلَام
стр. 36
وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل
لَا يفلح صَاحب الْكَلَام أبدا وَلَا تكَاد ترى أحدا نظر فِي الْكَلَام إِلَّا وَفِي قلبه دغل
وَبَالغ فِي ذمه حَتَّى هجر الْحَارِث المحاسبي مَعَ زهده وورعه بِسَبَب تصنيفه كتابا فِي الرَّد على المبتدعة وَقَالَ لَهُ وَيحك أَلَسْت تحكي بدعتهم أَولا ثمَّ ترد عَلَيْهِم أَلَسْت تحمل النَّاس بتصنيفك على مطالعة الْبِدْعَة والتفكر
стр. 37
فِي تِلْكَ الشُّبُهَات فيدعوهم ذَلِك إِلَى الرَّأْي والبحث
وَقَالَ أَحْمد ﵀ عُلَمَاء الْكَلَام زنادقة
وَقَالَ مَالك ﵀ أَرَأَيْت إِن جَاءَهُ من هُوَ أجدل مِنْهُ أيدع دينه كل يَوْم لدين جَدِيد يَعْنِي أَن أَقْوَال المتجادلين تَتَفَاوَت
وَقَالَ مَالك ﵀ أَيْضا
لَا تجوز شَهَادَة أهل الْبدع والأهواء فَقَالَ بعض أَصْحَابه فِي تَأْوِيله
стр. 38
إِنَّه أَرَادَ بِأَهْل الْأَهْوَاء أهل الْكَلَام على أَي مَذْهَب كَانُوا
وَقَالَ أَبُو سيف من طلب الْعلم بالْكلَام تزندق
وَقَالَ الْحسن لَا تجادلوا أهل الْأَهْوَاء وَلَا تُجَالِسُوهُمْ وَلَا تسمعوا مِنْهُم وَقد اتّفق أهل الحَدِيث من السّلف على هَذَا وَلَا ينْحَصر مَا نقل عَنْهُم من التشديدات فِيهِ وَقَالُوا مَا سكت عَنهُ الصَّحَابَة مَعَ أَنهم أعرف بالحقائق وأفصح بترتيب الْأَلْفَاظ من غَيرهم إِلَّا لعلمهم بِمَا يتَوَلَّد مِنْهُ الشَّرّ
وَلذَلِك قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 39
هلك المتنطعون هلك المتنطعون هلك المتنطعون أَي المتعمقون فِي الْبَحْث والإستقصاء
وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِأَن ذَلِك لَو كَانَ من الدّين لَكَانَ ذَلِك أهم مَا يَأْمر بِهِ رَسُول الله ﷺ وَيعلم طَرِيقه ويثني عَلَيْهِ وعَلى أربابه
فقد علمهمْ الإستنجاء وندبهم إِلَى علم الْفَرَائِض وَأثْنى عَلَيْهِم
стр. 40
ونهاهم عَن الْكَلَام فِي الْقدر وَقَالَ أَمْسكُوا عَن الْقدر وعَلى هَذَا إستمر الصَّحَابَة ﵃ فَالزِّيَادَة على الْأُسْتَاذ طغيان وظلم وهم الأستاذون والقدوة وَنحن الأتباع والتلامذة
وَأما الْفرْقَة الْأُخْرَى فاحتجوا بِأَن قَالُوا
إِن الْمَحْذُور من الْكَلَام إِن كَانَ هُوَ لفظ الْجَوْهَر وَالْعرض وَهَذِه الإصطلاحات الغربية الَّتِي لم تعهدها الصَّحَابَة ﵃ فَالْأَمْر فِيهِ قريب إِذْ مَا من علم إِلَّا وَقد أحدث فِيهِ إصطلاحات لأجل التفهيم كالحديث وَالتَّفْسِير وَالْفِقْه وَلَو عرض عَلَيْهِم عبارَة النَّقْض وَالْكَسْر والتركيب والتعدية وَفَسَاد الْوَضع إِلَى جَمِيع الأسئلة الَّتِي تورد على الْقيَاس لما كَانُوا يفقهونه فاحداث عبارَة للدلالة بهَا على مَقْصُود صَحِيح كاحداث آنِية على هَيْئَة جَدِيدَة لإستعمالها فِي مُبَاح
следующие страницы →