Полный текст (224 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل
لَا يفلح صَاحب الْكَلَام أبدا وَلَا تكَاد ترى أحدا نظر فِي الْكَلَام إِلَّا وَفِي قلبه دغل
وَبَالغ فِي ذمه حَتَّى هجر الْحَارِث المحاسبي مَعَ زهده وورعه بِسَبَب تصنيفه كتابا فِي الرَّد على المبتدعة وَقَالَ لَهُ وَيحك أَلَسْت تحكي بدعتهم أَولا ثمَّ ترد عَلَيْهِم أَلَسْت تحمل النَّاس بتصنيفك على مطالعة الْبِدْعَة والتفكر
стр. 37
فِي تِلْكَ الشُّبُهَات فيدعوهم ذَلِك إِلَى الرَّأْي والبحث
وَقَالَ أَحْمد ﵀ عُلَمَاء الْكَلَام زنادقة
وَقَالَ مَالك ﵀ أَرَأَيْت إِن جَاءَهُ من هُوَ أجدل مِنْهُ أيدع دينه كل يَوْم لدين جَدِيد يَعْنِي أَن أَقْوَال المتجادلين تَتَفَاوَت
وَقَالَ مَالك ﵀ أَيْضا
لَا تجوز شَهَادَة أهل الْبدع والأهواء فَقَالَ بعض أَصْحَابه فِي تَأْوِيله
стр. 38
إِنَّه أَرَادَ بِأَهْل الْأَهْوَاء أهل الْكَلَام على أَي مَذْهَب كَانُوا
وَقَالَ أَبُو سيف من طلب الْعلم بالْكلَام تزندق
وَقَالَ الْحسن لَا تجادلوا أهل الْأَهْوَاء وَلَا تُجَالِسُوهُمْ وَلَا تسمعوا مِنْهُم وَقد اتّفق أهل الحَدِيث من السّلف على هَذَا وَلَا ينْحَصر مَا نقل عَنْهُم من التشديدات فِيهِ وَقَالُوا مَا سكت عَنهُ الصَّحَابَة مَعَ أَنهم أعرف بالحقائق وأفصح بترتيب الْأَلْفَاظ من غَيرهم إِلَّا لعلمهم بِمَا يتَوَلَّد مِنْهُ الشَّرّ
وَلذَلِك قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 39
هلك المتنطعون هلك المتنطعون هلك المتنطعون أَي المتعمقون فِي الْبَحْث والإستقصاء
وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِأَن ذَلِك لَو كَانَ من الدّين لَكَانَ ذَلِك أهم مَا يَأْمر بِهِ رَسُول الله ﷺ وَيعلم طَرِيقه ويثني عَلَيْهِ وعَلى أربابه
فقد علمهمْ الإستنجاء وندبهم إِلَى علم الْفَرَائِض وَأثْنى عَلَيْهِم
стр. 40
ونهاهم عَن الْكَلَام فِي الْقدر وَقَالَ أَمْسكُوا عَن الْقدر وعَلى هَذَا إستمر الصَّحَابَة ﵃ فَالزِّيَادَة على الْأُسْتَاذ طغيان وظلم وهم الأستاذون والقدوة وَنحن الأتباع والتلامذة
وَأما الْفرْقَة الْأُخْرَى فاحتجوا بِأَن قَالُوا
إِن الْمَحْذُور من الْكَلَام إِن كَانَ هُوَ لفظ الْجَوْهَر وَالْعرض وَهَذِه الإصطلاحات الغربية الَّتِي لم تعهدها الصَّحَابَة ﵃ فَالْأَمْر فِيهِ قريب إِذْ مَا من علم إِلَّا وَقد أحدث فِيهِ إصطلاحات لأجل التفهيم كالحديث وَالتَّفْسِير وَالْفِقْه وَلَو عرض عَلَيْهِم عبارَة النَّقْض وَالْكَسْر والتركيب والتعدية وَفَسَاد الْوَضع إِلَى جَمِيع الأسئلة الَّتِي تورد على الْقيَاس لما كَانُوا يفقهونه فاحداث عبارَة للدلالة بهَا على مَقْصُود صَحِيح كاحداث آنِية على هَيْئَة جَدِيدَة لإستعمالها فِي مُبَاح
стр. 41
وَإِن كَانَ الْمَحْذُور هُوَ الْمَعْنى فَنحْن لَا نعني بِهِ إِلَّا معرفَة الدَّلِيل على حُدُوث الْعَالم ووحدانية الْخَالِق وَصِفَاته كَمَا جَاءَ فِي الشَّرْع فَمن أَيْن تحرم معرفَة الله تَعَالَى بِالدَّلِيلِ
وَإِن كَانَ الْمَحْذُور هُوَ التشغب والتعصب والعداوة والبغضاء وَمَا يُفْضِي إِلَيْهِ الْكَلَام فَذَلِك محرم وَيجب الإحتراز عَنهُ كَمَا أَن الْكبر وَالْعجب والرياء وَطلب الرياسة مِمَّا يُفْضِي إِلَيْهِ علم الحَدِيث وَالتَّفْسِير وَالْفِقْه وَهُوَ محرم يجب الإحتراز عَنهُ وَلَكِن لَا يمْنَع من الْعلم لأجل آدئه إِلَيْهِ وَكَيف يكون ذكر الْحجَّة والمطالبة بهَا والبحث عَنْهَا مَحْظُورًا وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿قل هاتوا برهانكم﴾
وَقَالَ ﴿ليهلك من هلك عَن بَيِّنَة وَيحيى من حَيّ عَن بَيِّنَة﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿إنّ عنْدكُمْ من سُلْطَان بِهَذَا﴾ أَي حجَّة وبرهان
стр. 42
وَقَالَ تَعَالَى ﴿قل فَللَّه الْحجَّة الْبَالِغَة﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذِي حَاج إِبْرَاهِيم فِي ربه﴾ إِلَى قَوْله ﴿فبهت الَّذِي كفر﴾
إِذْ ذكر سُبْحَانَهُ إحتاج إِبْرَاهِيم ومجادلته وإفحامه خَصمه فِي معرض الثَّنَاء عَلَيْهِ
стр. 43
وَقَالَ عزوجل ﴿وَتلك حجتنا آتيناها إِبْرَاهِيم على قومه﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿قَالُوا يَا نوح قد جادلتنا فَأَكْثَرت جدالنا﴾
وَقَالَ تَعَالَى فِي قصَّة فِرْعَوْن ﴿وَمَا رب الْعَالمين﴾ إِلَى قَوْله ﴿أولو جئْتُك بِشَيْء مُبين﴾
وعَلى الْجُمْلَة فالقرآن من أَوله إِلَى آخِره مُحَاجَّة مَعَ الْكفَّار
стр. 44
فعمدة أَدِلَّة الْمُتَكَلِّمين فِي التَّوْحِيد قَوْله تَعَالَى ﴿لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا﴾
وَفِي النُّبُوَّة ﴿وَإِن كُنْتُم فِي ريب مِمَّا نزلنَا على عَبدنَا فَأتوا بِسُورَة من مثله﴾
وَفِي الْبَعْث ﴿قل يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أول مرّة﴾ إِلَى غير ذَلِك من الْآيَات والأدلة
стр. 45
وَلم تزل الرُّسُل صلوَات الله عَلَيْهِم يحاجون المنكرين ويجادلونهم قَالَ تَعَالَى ﴿وجادلهم بِالَّتِي هِيَ أحسن﴾
فالصحابة ﵃ أَيْضا كَانُوا يحاجون المنكرين ويجادلون وَلَكِن عِنْد الْحَاجة وَكَانَت الْحَاجة إِلَيْهِ قَليلَة فِي زمانهم
وَأول من سنّ دَعْوَة المبتدعة بالمجادلة إِلَى الْحق عَليّ بن أبي عَليّ طَالب رَضِي الله
стр. 46
عَنهُ إِذْ بعث ابْن عَبَّاس ﵄ إِلَى الْخَوَارِج فَكَلَّمَهُمْ فَقَالَ مَا تَنْقِمُونَ على إمامكم
قَالُوا قَاتل وَلم يسب وَلم يغنم
فَقَالَ ذَلِك فِي قتال الْكفَّار أَرَأَيْتُم لَو سبيت عَائِشَة ﵂ فِي يَوْم الْجمل فَوَقَعت عَائِشَة ﵂ فِي سهم أحدكُم أَكُنْتُم تستحلون مِنْهَا مَا تستحلون من ملككم وَهِي أمكُم فِي نَص الْكتاب فَقَالُوا لَا فَرجع مِنْهُم إِلَى الطَّاعَة بمجدلته الفان
وروى أَن الْحسن نَاظر قدريا فَرجع عَن الْقدر
وناظر عَليّ بن أبي طَالب كرم الله وَجهه رجلا من الْقَدَرِيَّة
стр. 47
وناظر عبد الله بن مَسْعُود ﵁ يزِيد بن عميرَة فِي الْإِيمَان فَقَالَ عبد الله لَو قلت إِنِّي مُؤمن لَقلت إِنِّي فِي الْجنَّة فَقَالَ لَهُ يزِيد بن عميرَة يَا صَاحب رَسُول الله هَذِه زلَّة مِنْك وَهل الْإِيمَان إِلَّا أَن تؤمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله والبعث وَالْمِيزَان وتقيم الصَّلَاة وَالصَّوْم وَالزَّكَاة وَلنَا ذنُوب لَو نعلم أَنَّهَا تغْفر لنا لعلمنا أننا من أهل الْجنَّة فَمن أجل ذَلِك نقُول إِنَّا مُؤمنُونَ وَلَا نقُول إِنَّا من أهل الْجنَّة فَقَالَ ابْن مَسْعُود صدقت وَالله إِنَّهَا مني زلَّة
فَيَنْبَغِي أَن يُقَال كَانَ خوضهم فِيهِ قَلِيلا لَا كثيرا وقصيرا لَا طَويلا وَعند الْحَاجة لَا بطرِيق التنصيف والتدريس وإتخاذه صناعَة فَيُقَال أما قلَّة خوضهم فِيهِ فَإِنَّهُ كَانَ لقلَّة الْحَاجة إِذْ لم تكن الْبِدْعَة تظهر فِي ذَلِك الزَّمَان
وَأما الْقصر فقد كَانَ الْغَايَة إفحام الْخصم واعترافه وإنكشاف الْحق وَإِزَالَة الشُّبْهَة فَلَو طَال إِشْكَال الْخصم أَو لحَاجَة لطال لَا محَالة إلزامهم وَمَا كَانُوا
стр. 48
يقدرُونَ قدر الْحَاجة بميزان وَلَا مكيال بعد الشُّرُوع فِيهَا
وَأما عدم تصديهم للتدريس والتصنيف فِيهِ فَهَكَذَا كَانَ دأبهم فِي الْفِقْه وَالتَّفْسِير والْحَدِيث أَيْضا فَإِن جَازَ تصنيف الْفِقْه وَوضع الصُّور النادرة الَّتِي لَا تتفق إِلَّا على الندور أما إدخارا ليَوْم وُقُوعهَا وَإِن كَانَ نَادرا أَو تشحيذا للخواطر فَنحْن أَيْضا نرتب طرق المجادلة لتوقع وُقُوع الْحَاجة بثوان شُبْهَة أَو هيجان مُبْتَدع أَو لتشحيذ الخاطر أَو لإدخار الْحجَّة حَتَّى لَا يعجز عَنْهَا عِنْد الْحَاجة على البديهة والإرتجال كمن يعد السَّلَام قبل الْقِتَال ليَوْم الْقِتَال فَهَذَا مَا يُمكن أَن يذكر لِلْفَرِيقَيْنِ التَّحْقِيق فِي حكم الجدل
فَإِن قلت فَمَا الْمُخْتَار عنْدك فِيهِ فَأعْلم أَن الْحق فِيهِ أَن إِطْلَاق القَوْل بذمه فِي كل حَال أَو بِحَمْدِهِ فِي كل حَال خطأ بل لَا بُد فِيهِ من تَفْصِيل
стр. 49
فَاعْلَم أَولا أَن الشَّيْء قد يحرم لذاته كَالْخمرِ وَالْميتَة وأعني بِقَوْلِي لذاته أَن عِلّة تَحْرِيمه وصف فِي ذَاته وَهُوَ الْإِسْكَار وَالْمَوْت وَهَذَا إِذا سئلنا عَنهُ أطقلنا القَوْل بِأَنَّهُ حرَام وَلَا يلْتَفت إِلَى إِبَاحَة الْميتَة عِنْد الإضطرار وَإِبَاحَة تجرع الْخمر إِذا غص الْإِنْسَان بلقمة وَلم يجد مَا يسيغها سوى الْخمر وَإِلَى مَا يحرم لغيره كَالْبيع على بيع أَخِيك الْمُسلم فِي وَقت الْخِيَار وَالْبيع وَقت النداء وكأكل الطين فَإِنَّهُ يحرم لما فِيهِ من الأضرار
وَهَذَا يَنْقَسِم إِلَى مَا يضر قَلِيله وَكَثِيره فيطلق القَوْل عَلَيْهِ بِأَنَّهُ حرَام كالسم الَّذِي يقتل قَلِيله وَكَثِيره وَإِلَى مَا يضر عِنْد الْكَثْرَة فيطلق القَوْل عَلَيْهِ بِالْإِبَاحَةِ كالعسل فَإِن كَثِيرَة يضر بالمحرور وكأكل الطين وَكَانَ إِطْلَاق التَّحْرِيم على الطين وَالْخمر والتحليل على الْعَسَل الْتِفَات إِلَى أغلب الْأَحْوَال
فَإِن تصدى شَيْء تقابلت فِيهِ الْأَحْوَال فَالْأولى والأبعد عَن والإلتباس أَن يفصل فنعود إِلَى علم الْكَلَام ونقول إِن فِيهِ مَنْفَعَة وَفِي مضرَّة فَهُوَ بإعتبار منفعَته فِي وَقت الإنتفاع حَلَال أَو مَنْدُوب إِلَيْهِ أَو وَاجِب كَمَا يَقْتَضِيهِ الْحَال وَهُوَ بإعتبار مضرته فِي وَقت الإستضرار وَمحله حرَام
أما مضرته فإثارة الشُّبُهَات وتحريك العقائد وإزالتها عَن الْجَزْم
стр. 50
والتصميم فَذَلِك مِمَّا يحصل فِي الإبتداء ورجوعها بِالدَّلِيلِ مَشْكُوك فِيهِ وَيخْتَلف فِيهِ الْأَشْخَاص فَهَذَا ضَرَره فِي الِاعْتِقَاد الْحق
وَله ضَرَر آخر فِي تَأْكِيد إعتقاد المبتدعة للبدعة وتثبيته فِي صُدُورهمْ بِحَيْثُ تنبعث دواعيهم ويشتد حرصهم على الْإِصْرَار عَلَيْهِ وَلَكِن هَذَا الضَّرَر بِوَاسِطَة التعصب الَّذِي يثور من الجدل وَلذَلِك ترى المبتدع الْعَاميّ يُمكن أَن يَزُول إعتقاده باللطف فِي أسْرع زمَان إِلَّا إِذا كَانَ نشؤه فِي بلد يظْهر فِيهَا الجدل والتعصب فَإِنَّهُ لَو اجْتمع عَلَيْهِ الْأَولونَ وَالْآخرُونَ لم يقدروا على نزع الْبِدْعَة من صَدره بل الْهوى والتعصب وبغض خصوم المجادلين وَفرْقَة الْمُخَالفين يستولي على قلبه ويمنعه من إِدْرَاك الْحق حَتَّى لَو قيل لَهُ هَل تُرِيدُ أَن يكْشف الله تَعَالَى لَك الغطاء ويعرفك بالعيان أَن الْحق مَعَ خصمك لكره ذَلِك خيفة من أَن يفرح بِهِ خَصمه وَهَذَا هُوَ الدَّاء العضال الَّذِي استطار فِي الْبِلَاد والعباد وَهُوَ نوع فَسَاد أثاره المجادلون بالتعصب
فَهَذَا ضَرَره
стр. 51
وَأما منفعَته فقد يظنّ أَن فَائِدَته كشف الْحَقَائِق ومعرفتها على مَا هِيَ عَلَيْهِ وهيهات فَلَيْسَ فِي الْكَلَام وَفَاء بِهَذَا الْمطلب الشريف وَلَعَلَّ التخبيط والتضليل فِيهِ أَكثر من الْكَشْف والتعريف وَهَذَا إِذا سمعته من مُحدث أَو حشوى رُبمَا خطر ببالك أَن النَّاس أَعدَاء مَا جهلوا فَأَسْمع هَذَا مِمَّن خبر الْكَلَام ثمَّ قلاة بعد حَقِيقَة الْخِبْرَة وَبعد التغلل فِيهِ إِلَى مُنْتَهى دَرَجَة الْمُتَكَلِّمين وَجَاوَزَ ذَلِك إِلَى التعمق فِي عُلُوم أخر تناسب نوع الْكَلَام وَتحقّق أَن الطَّرِيق إِلَى حقائق الْمعرفَة من هَذَا الْوَجْه مسدود
стр. 52
ولعمري لَا يَنْفَكّ الْكَلَام عَن كشف وتعريف وإيضاح لبَعض الْأُمُور وَلَكِن على الندور فِي أُمُور جلية تكَاد تفهم قبل التعمق فِي صَنْعَة الْكَلَام بل منفعَته شَيْء وَاحِد وَهُوَ حراسة العقيدة الَّتِي ترجمناها على الْعَوام وحفظها عَن تشويشات المبتدعة بأنواع الجدل فَإِن الْعَاميّ ضَعِيف يستفزه جدل المبتدع وَإِن كَانَ فَاسِدا ومعارضة الْفَاسِد بالفاسد تَدْفَعهُ وَالنَّاس متعبدون بِهَذِهِ العقيدة الَّتِي قدمناها إِذْ ورد الشَّرْع بهَا لما فِيهَا من صَلَاح دينهم ودنياهم وَأجْمع السّلف الصَّالح عَلَيْهَا وَالْعُلَمَاء يتعبدون بحفظها على الْعَوام من تلبيسات المبتدعة كَمَا تعبد السلاطين بِحِفْظ أَمْوَالهم عَن تهجمات الظلمَة والغصاب
стр. 53
وَإِذا وَقعت الْإِحَاطَة بضرره ومنفعته فَيَنْبَغِي أَن يكون كالطبيب الحاذق فِي إستعمال الدَّوَاء الْخطر إِذْ لَا يَضَعهُ إِلَّا فِي مَوْضِعه وَذَلِكَ فِي وَقت الْحَاجة وعَلى قدر الْحَاجة
وتفصيله أَن الْعَوام المشتغلين بالحرف والصناعات يجب أَن يتْركُوا على سَلامَة عقائدهم الَّتِي اعتقدوها مهما تلقنوا الإعتقاد الْحق الَّذِي ذَكرْنَاهُ فَإِن تعليمهم الْكَلَام ضَرَر مَحْض فِي حَقهم إِذْ رُبمَا يثير لَهُم شكا ويزلزل عَلَيْهِم الإعتقاد وَلَا يُمكن الْقيام بعد ذَلِك بالإصلاح
وَأما الْعَاميّ المعتقد للبدعة فَيَنْبَغِي أَن يَدعِي إِلَى الْحق بالتلطف لَا بالتعصب وبالكلام اللَّطِيف الْمقنع للنَّفس الْمُؤثر فِي الْقلب الْقَرِيب من سِيَاق أَدِلَّة الْقُرْآن والْحَدِيث الممزوج بفن من الْوَعْظ والتحذير فَإِن ذَلِك أَنْفَع من الجدل الْمَوْضُوع على شَرط الْمُتَكَلِّمين إِذْ الْعَاميّ إِذا سمع ذَلِك إعتقد أَنه نوع صَنْعَة من الجدل تعلمهَا الْمُتَكَلّم ليستدرج النَّاس إِلَى إعتقاده
стр. 54
فَإِن عجز عَن الْجَواب قدر أَن المجادلين من أهل مذْهبه أَيْضا يقدرُونَ على دَفعه
فالجدل مَعَ هَذَا وَمَعَ الأول حرَام وَكَذَا من وَقع فِي شكّ إِذْ يجب إِزَالَته باللطف والوعظ والأدلة الْقَرِيبَة المقبولة الْبَعِيدَة عَن تعمق الْكَلَام
وإستقصاء الجدل إِنَّمَا ينفع فِي مَوضِع وَاحِد وَهُوَ أَن يفْرض عَامي إعتقد الْبِدْعَة بِنَوْع جدل سَمعه فيقابل ذَلِك الجدل بِمثلِهِ فَيَعُود إِلَى إعتقاد الْحق وَذَلِكَ فِيمَن ظهر لَهُ من الْأنس بالمجادلة مَا يمنعهُ عَن القناعة بالمواعظ والتحذيرات العامية فقد انْتهى هَذَا إِلَى حَالَة لَا يشفيه مِنْهَا إِلَّا دَوَاء الجدل
فَجَاز أَن يلقى إِلَيْهِ
وَأما فِي بِلَاد تقل فِيهَا الْبِدْعَة وَلَا تخْتَلف فِيهَا الْمذَاهب فَيقْتَصر فِيهَا على تَرْجَمَة الإعتقاد الَّذِي ذَكرْنَاهُ وَلَا يتَعَرَّض للأدلة ويتربص وُقُوع شُبْهَة فَإِن وَقعت ذكر بِقدر الْحَاجة
стр. 55
فَإِن كَانَت الْبِدْعَة شائعة وَكَانَ يخَاف على الصّبيان أَن يخدعوا فَلَا بَأْس أَن يعلمُوا الْقدر الَّذِي أودعناه كتاب الرسَالَة القدسية ليَكُون ذَلِك سَببا لدفع تَأْثِير مجادلات المبتدعة إِن وَقعت إِلَيْهِم
وَهَذَا مِقْدَار مُخْتَصر وَقد أودعناه هَذَا الْكتاب لإختصاره
فَإِن كَانَ فِيهِ ذكاء وتنبه بذكائه لموْضِع سُؤال أَو ثارت فِي نَفسه شُبْهَة فقد بَدَت الْعلَّة المحذورة وَظهر الدَّاء فَلَا بَأْس أَن يرقى مِنْهُ إِلَى الْقدر الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي كتاب الاقتصاد فِي الِاعْتِقَاد وَهُوَ قدر خمسين ورقة وَلَيْسَ فِيهِ خُرُوج عَن النّظر فِي قَوَاعِد العقائد إِلَى غير ذَلِك من مبَاحث الْمُتَكَلِّمين
فَإِن أقنعه ذَلِك كف عَنهُ وَإِن لم يقنعه ذَلِك فقد صَارَت الْعلَّة مزمنة والداء غَالِبا وَالْمَرَض ساريا فليتلطف بِهِ الطَّبِيب بِقدر إِمْكَانه وينتظر قَضَاء الله
стр. 56
تَعَالَى فِيهِ إِلَى أَن ينْكَشف لَهُ الْحق بتنبيه من الله سُبْحَانَهُ أَو يسْتَمر على الشَّك والشبهة إِلَى مَا قدر لَهُ
فالقدر الَّذِي يحويه ذَلِك الْكتاب وجنسه من المصنفات هُوَ الَّذِي يُرْجَى نَفعه
فَأَما الْخَارِج مِنْهُ فقسمان
أَحدهمَا بحث عَن غير قَوَاعِد العقائد كالبحث عَن الإعتمادات وَعَن الأكوان وَعَن الإدراكات وَعَن الْخَوْض فِي الرُّؤْيَة هَل لَهَا ضد يُسمى الْمَنْع أَو
стр. 57
الْعَمى وَإِن كَانَ فَذَلِك وَاحِد هُوَ منع عَن جَمِيع مَا لَا يرى أَو ثَبت لكل مرئي يُمكن رُؤْيَته منع بِحَسب عدده إِلَى غير ذَلِك من الترهات المضلات
وَالْقسم الثَّانِي زِيَادَة تَقْرِير لتِلْك الْأَدِلَّة فِي غير تِلْكَ الْقَوَاعِد وَزِيَادَة أسئلة وأجوبة وَذَلِكَ أَيْضا إستقصاء لَا يزِيد إِلَّا ضلالا وجهلا فِي حق من لم يقنعه ذَلِك الْقدر فَرب كَلَام يزِيدهُ الْأَطْنَاب والتقرير غموضا
وَلَو قَالَ قَائِل الْبَحْث عَن حكم الإدراكات والإعتمادات فِيهِ فَائِدَة تشحيذ الخواطر والخاطر آلَة الدّين كالسيف آلَة الْجِهَاد فَلَا بَأْس بتشيحذه كَانَ كَقَوْلِه لعب الشطرنج يشحذ الخاطر فَهُوَ من الدّين أَيْضا وَذَلِكَ هوس فَإِن
стр. 58
الخاطر يتشحذ بِسَائِر عُلُوم الشَّرْع وَلَا يخَاف فِيهَا مضرَّة فقد عرفت بِهَذَا الْقدر المذموم وَالْقدر الْمَحْمُود من الْكَلَام وَالْحَال الَّتِي يذم فِيهَا وَالْحَال الَّتِي يحمد فِيهَا والشخص الَّذِي ينْتَفع بِهِ والشخص الَّذِي لَا ينْتَفع بِهِ
فَإِن قلت مهما اعْترفت بِالْحَاجةِ إِلَيْهِ فِي دفع المبتدعة والآن قد ثارت الْبدع وعمت الْبلوى وأرهقت الْحَاجة فَلَا بُد أَن يصير الْقيام بِهَذَا الْعلم من فروض الكفايات كالقيام بحراسة الْأَمْوَال وَسَائِر الْحُقُوق كالقضاء وَالْولَايَة وَغَيرهمَا وَمَا لم يشْتَغل الْعلمَاء بنشر ذَلِك والتدريس فِيهِ والبحث عَنهُ لَا يَدُوم وَلَو ترك بِالْكُلِّيَّةِ لَا ندرس وَلَيْسَ فِي مُجَرّد الطباع كِفَايَة لحل شبه المبتدعة مَا لم يتَعَلَّم فَيَنْبَغِي أَن يكون التدريس فِيهِ والبحث عَنهُ أَيْضا من فروض الكفايات بِخِلَاف زمن الصَّحَابَة ﵃ فَإِن الْحَاجة مَا كَانَت ماسة إِلَيْهِ
فَاعْلَم أَن الْحق أَنه لَا بُد فِي كل بلد من قَائِم بِهَذَا الْعلم مُسْتَقل بِدفع شبه المبتدعة الَّتِي ثارت فِي تِلْكَ الْبَلدة وَذَلِكَ يَدُوم بالتعليم وَلَكِن لَيْسَ من الصَّوَاب تدريسه على الْعُمُوم كتدريس الْفِقْه وَالتَّفْسِير فَإِن هَذَا مثل الدَّوَاء وَالْفِقْه مثل
стр. 59
الْغذَاء وضرر الْغذَاء لَا يحذر وضرر الدَّوَاء مَحْذُور لما ذكرنَا فِيهِ من أَنْوَاع الضَّرَر
فالعالم يَنْبَغِي أَن يخصص بتعليم هَذَا الْعلم من فِيهِ ثَلَاث خِصَال
إِحْدَاهَا التجرد للْعلم والحرص عَلَيْهِ فَإِن المحترف يمنعهُ الشّغل عَن الإستتمام وَإِزَالَة الشكوك إِذا عرضت
الثَّانِيَة الذكاء والفطنة والفصاحة فَإِن البليد لَا ينْتَفع بفهمه والقدم لَا ينْتَفع بحلجاجه فيخاف عَلَيْهِ من ضَرَر الْكَلَام وَلَا يُرْجَى فِيهِ نَفعه
الثَّالِثَة أَن يكون فِي طبعه الصّلاح والديانة وَالتَّقوى وَلَا تكون الشَّهَوَات غالبة عَلَيْهِ فَإِن الْفَاسِق بِأَدْنَى شُبْهَة ينخلع عَن الدّين فَإِن ذَلِك يحل عَنهُ الْحجر وَيرْفَع السد الَّذِي بَينه وَبَين الملاذ فَلَا يحرص على إِزَالَة الشّبَه بل يغتنمها ليتخلص
стр. 60
من أعباء التَّكْلِيف فَيكون مَا يُفْسِدهُ مثل هَذَا المتعلم أَكثر مِمَّا يصلحه
وَإِذا عرفت هَذِه الإنقسامات إتضح لَك أَن هَذِه الْحجَّة المحمودة فِي الْكَلَام إِنَّمَا هِيَ من جنس حجج الْقُرْآن من الْكَلِمَات اللطيفة المؤثرة فِي الْقُلُوب المقنعة للنفوس دون التغلغل فِي التقسيمات والتدقيقات الَّتِي لَا يفهمها أَكثر النَّاس وَإِذا فهموها إعتقدوا أَنَّهَا شعوذة وصناعة تعلمهَا صَاحبهَا للتلبيس
فَإِذا قابله مثله فِي الصَّنْعَة قاومه وَعرفت أَن الشَّافِعِي وكافة السّلف إِنَّمَا منعُوا عَن الْخَوْض فِيهِ
стр. 61
والتجرد لَهُ لما فِيهِ من الضَّرَر الَّذِي نبهنا عَلَيْهِ وَأَن مَا نقل عَن ابْن عَبَّاس ﵄ من مناظرة الْخَوَارِج وَمَا نقل عَن عَليّ ﵁ من المناظرة فِي الْقدر وَغَيره كَانَ من الْكَلَام الْجَلِيّ الظَّاهِر وَفِي مَحل الْحَاجة وَذَلِكَ مَحْمُود فِي كل حَال
نعم قد تخْتَلف الْأَعْصَار فِي كَثْرَة الْحَاجة وقلتها فَلَا يبعد أَن يخْتَلف الحكم لذَلِك
فَهَذَا حكم العقيدة الَّتِي تعبد الْخلق بهَا وَحكم طَرِيق النضال عَنْهَا وحفظها
فَأَما إِزَالَة الشُّبْهَة وكشف الْحَقَائِق وَمَعْرِفَة الْأَشْيَاء على مَا هِيَ عَلَيْهِ وَإِدْرَاك الْأَسْرَار الَّتِي يترجمها ظَاهر أَلْفَاظ هَذِه العقيدة فَلَا مِفْتَاح لَهُ إِلَّا الْمُجَاهِد وقمع الشَّهَوَات والإقبال بِالْكُلِّيَّةِ على الله تَعَالَى وملازمة الْفِكر الصافي عَن شوائب المجادلات وَهِي رَحْمَة من الله تفيض على من يتَعَرَّض لنفحاتها بِقدر
стр. 62
الرزق وبحسب التَّعَرُّض وبحسب قبُول الْمحل وطهارة الْقلب وَذَلِكَ الْبَحْر الَّذِي لَا يدْرك غوره وَلَا يبلغ ساحله
مَسْأَلَة الْحَقِيقَة والشريعة
فَإِن قلت هَذَا الْكَلَام يُشِير إِلَى أَن هَذِه الْعُلُوم لَهَا ظواهر وأسرار وَبَعضهَا جلي يَبْدُو أَولا وَبَعضهَا خَفِي يَتَّضِح بالمجاهدة والرياضة والطلب الحثيث والفكر الصافي والسر الْخَالِي عَن كل شَيْء من أشغال الدُّنْيَا سوى الْمَطْلُوب وَهَذَا يكَاد يكون مُخَالفا للشَّرْع إِذْ لَيْسَ للشَّرْع ظَاهر وباطن وسر وعلن بل الظَّاهِر وَالْبَاطِن والسر والعلن وَاحِد فِيهِ
فَاعْلَم أَن إنقسام هَذِه الْعُلُوم إِلَى خُفْيَة وجلية لَا ينكرها ذُو بَصِيرَة وَإِنَّمَا ينكرها القاصرون الَّذين تلقفوا فِي أَوَائِل الصِّبَا شَيْئا وجمدوا عَلَيْهِ فَلم يكن لَهُم ترق إِلَى شأو الْعلَا ومقامات الْعلمَاء والأولياء وَذَلِكَ ظَاهر من أَدِلَّة الشَّرْع
стр. 63
قَالَ ﷺ إِن لِلْقُرْآنِ ظَاهرا وَبَاطنا وحدا ومطلعا
وَقَالَ عَليّ ﵁ وَأَشَارَ إِلَى صَدره إِن هَا هُنَا علوما جمة لَو وجدت لَهَا حَملَة
وَقَالَ ﷺ نَحن معاشر الْأَنْبِيَاء أمرنَا أَن نُكَلِّم النَّاس على قدر عُقُولهمْ
وَقَالَ ﷺ مَا حدث أحد قوما بِحَدِيث لم تبلغه عُقُولهمْ إِلَّا كَانَ فتْنَة عَلَيْهِم
стр. 64
وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَتلك الْأَمْثَال نَضْرِبهَا للنَّاس وَمَا يَعْقِلهَا إِلَّا الْعَالمُونَ﴾
وَقَالَ ﷺ إِن من الْعلم كَهَيئَةِ الْمكنون لَا يُعلمهُ إِلَّا الْعَالمُونَ بِاللَّه تَعَالَى الحَدِيث إِلَى آخِره كَمَا أوردناه فِي كتاب الْعلم
وَقَالَ ﷺ لَو تعلمُونَ مَا أعلم لضحكتم قَلِيلا ولبكيتم كثيرا
стр. 65
فليت شعري أَن لم يكن ذَلِك سرا منع من إفشائه لقُصُور الأفهام عَن إِدْرَاكه أَو لِمَعْنى آخر فَلم لم يذكرهُ لَهُم وَلَا شكّ أَنهم كَانُوا يصدقونه لَو ذكره لَهُم
وَقَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ فِي قَوْله ﴿الله الَّذِي خلق سبع سماوات وَمن الأَرْض مِثْلهنَّ يتنزل الْأَمر بَينهُنَّ﴾
لَو ذكرت تَفْسِيره لرجمتموني وَفِي لفظ آخر لقلتم إِنَّه كَافِر
стр. 66
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة ﵁ حفظت من رَسُول الله ﷺ وعاءين أما أَحدهمَا فبثثته وَأما الآخر لَو بثثته لقطع هَذَا الْحُلْقُوم
وَقَالَ ﷺ مَا فَضلكُمْ أَبُو بكر بِكَثْرَة صِيَام وَلَا صَلَاة وَلَكِن بسر وقر فِي صَدره ﵁
وَلَا شكّ فِي أَن ذَلِك السِّرّ كَانَ مُتَعَلقا بقواعد الدّين غير خَارج مِنْهَا وَمَا كَانَ من قَوَاعِد الدّين لم يكن خافيا بظواهره على غَيره
وَقَالَ سهل التسترِي ﵁ للْعَالم ثَلَاثَة عُلُوم علم ظَاهر يبذله لأهل الظَّاهِر وَعلم بَاطِن لَا يَسعهُ أظهاره إِلَّا لأَهله وَعلم هُوَ بَينه وَبَين الله تَعَالَى لَا يظهره لأحد
وَقَالَ بعض العارفين إفشاء سر الربوبية كفر
وَقَالَ بَعضهم للربوبية سر لَو أظهر لبطلت النُّبُوَّة وللنبوة سر لَو كشف لبطل
стр. 67
الْعلم وللعلماء بِاللَّه سر لَو أظهروه لبطلت الْأَحْكَام وَهَذَا الْقَائِل إِن لم يرد بذلك بطلَان النُّبُوَّة فِي حق الضُّعَفَاء لقُصُور فهمهم فَمَا ذكره لَيْسَ بِحَق بل الصَّحِيح أَنه لَا تنَاقض فِيهِ وَأَن الْكَامِل من لَا يطفىء نور مَعْرفَته نور ورعه وملاك الْوَرع النُّبُوَّة
مَسْأَلَة
فَإِن قلت هَذِه الْآيَات وَالْأَخْبَار يتَطَرَّق إِلَيْهَا تأويلات فَبين لنا كَيْفيَّة إختلاف الظَّاهِر وَالْبَاطِن فَإِن الْبَاطِن إِن كَانَ مناقضا للظَّاهِر فَفِيهِ إبِْطَال الشَّرْع وَهُوَ قَول من قَالَ إِن الْحَقِيقَة خلاف الشَّرِيعَة وَهُوَ كفر لِأَن الشَّرِيعَة عبارَة عَن الظَّاهِر والحقيقة عبارَة عَن الْبَاطِن وَإِن كَانَ لَا يناقضه وَلَا يُخَالِفهُ فَهُوَ هُوَ
стр. 68
فيزول بِهِ الإنقسام وَلَا يكون للشَّرْع سر لَا يفشى بل يكون الْخَفي والجلي وَاحِدًا
فَاعْلَم أَن هَذَا السُّؤَال يُحَرك خطبا عَظِيما وينجر إِلَى عُلُوم المكاشفة وَيخرج عَن مَقْصُود علم الْمُعَامَلَة وَهُوَ غَرَض هَذِه الْكتب فَإِن العقائد الَّتِي ذَكرنَاهَا من أَعمال الْقُلُوب وَقد تعبدنا بتلقينها بالقلوب والتصديق بِعقد الْقلب عَلَيْهَا لَا بِأَن يتَوَصَّل إِلَى أَن ينْكَشف لنا حقائقها فَإِن ذَلِك لم يُكَلف بِهِ كَافَّة الْخلق وَلَوْلَا أَنه من الْأَعْمَال لما أوردناه فِي هَذَا الْكتاب وَلَوْلَا أَنه عمل ظَاهر الْقلب لَا عمل بَاطِنه لما أوردناه فِي الشّطْر الأول من الْكتاب
وَإِنَّمَا الْكَشْف الْحَقِيقِيّ هُوَ صفة سر الْقلب وباطنه وَلَكِن إِذا بَحر الْكَلَام إِلَى تَحْرِيك خيال فِي مناقضة الظَّاهِر للباطن فَلَا بُد من كَلَام وجيز فِي حلّه
فَمن قَالَ إِن الْحَقِيقَة تخَالف الشَّرِيعَة أَو الْبَاطِن يُنَاقض الظَّاهِر فَهُوَ إِلَى الْكفْر أقرب مِنْهُ إِلَى الْإِيمَان بل الْأَسْرَار الَّتِي يخْتَص بهَا المقربون يُدْرِكهَا وَلَا يشاركهم الْأَكْثَرُونَ فِي عَملهَا ويمتنعون عَن إفشائها إِلَيْهِم ترجع إِلَى خَمْسَة أَقسَام
стр. 69
الْقسم الأول أَن يكون الشَّيْء فِي نَفسه دَقِيقًا تكل أَكثر الأفهام عَن دركه فَيخْتَص بدركه الْخَواص وَعَلَيْهِم أَن لَا يفشوه إِلَى غير أَهله فَيصير ذَلِك فتْنَة عَلَيْهِم حَيْثُ تقصر أفهامهم عَن الدَّرك وإخفاء سر الرّوح
وكف رَسُول الله ﷺ عَن بَيَانه من هَذَا الْقسم فَإِن حَقِيقَته مِمَّا تكل الأفهام عَن دركه وتقصر الأوهام عَن تصور كنهه
وَلَا تَظنن أَن ذَلِك لم يكن مكشوفا لرَسُول الله ﷺ فَإِن من لم يعرف الرّوح فَكَأَنَّهُ لم يعرف نَفسه وَمن لم يعرف نَفسه فَكيف يعرف ربه سُبْحَانَهُ
وَلَا يبعد أَن يكون ذَلِك مكشوفا لبَعض الْأَوْلِيَاء وَالْعُلَمَاء وَإِن لم يَكُونُوا أَنْبيَاء وَلَكنهُمْ يتأدبون بآداب الشَّرْع فيسكتون عَمَّا سكت عَنهُ بل فِي صِفَات الله
стр. 70
عز وَجل من الخفايا مَا تقصر أفهام الجماهير عَن دركه وَلم يذكر رَسُول الله ﷺ مِنْهَا إِلَّا الظَّوَاهِر للأفهام من الْعلم وَالْقُدْرَة وَغَيرهمَا حَتَّى فهمها الْخلق بِنَوْع مُنَاسبَة توهموها إِلَى علمهمْ وقدرتهم إِذْ كَانَ لَهُم من الْأَوْصَاف مَا يُسمى علما وقدرة فيتوهمون ذَلِك بِنَوْع مقايسة وَلَو ذكر من صِفَاته مَا لَيْسَ لِلْخلقِ مِمَّا يُنَاسِبه بعض الْمُنَاسبَة شَيْء لم يفهموه بل لَذَّة الْجِمَاع إِذا ذكرت للصَّبِيّ أَو الْعنين لم يفهمها إِلَّا بمناسبة إِلَى لَذَّة المطعوم الَّذِي يُدْرِكهُ وَلَا يكون ذَلِك فهما على التَّحْقِيق والمخالفة بَين علم الله تَعَالَى وَقدرته وَعلم الْخلق وقدرتهم أَكثر من الْمُخَالفَة بَين لَذَّة الْجِمَاع وَالْأكل
стр. 71
وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا يدْرك الْإِنْسَان إِلَّا نَفسه وصفات نَفسه مِمَّا هِيَ حَاضِرَة لَهُ فِي الْحَال أَو مِمَّا كَانَت لَهُ من قبل ثمَّ بالمقايسة إِلَيْهِ يفهم ذَلِك لغيره ثمَّ قد يصدق بِأَن بَينهمَا تَفَاوتا فِي الشّرف والكمال فَلَيْسَ فِي قُوَّة الْبشر إِلَّا أَن يثبت لله تَعَالَى مَا هُوَ ثَابت لنَفسِهِ من الْفِعْل وَالْعلم وَالْقُدْرَة وَغَيرهَا من الصِّفَات مَعَ التَّصْدِيق بِأَن ذَلِك أكمل وأشرف فَيكون مُعظم تحويمه على صِفَات نَفسه لَا على مَا اخْتصَّ الرب تَعَالَى بِهِ من الْجلَال وَلذَلِك قَالَ ﷺ لَا أحصي ثَنَاء عَلَيْك أَنْت كَمَا أثنيت على نَفسك
стр. 72
وَلَيْسَ الْمَعْنى أَنِّي أعجز عَن التَّعْبِير عَمَّا أَدْرَكته بل هُوَ اعْتِرَاف بالقصور عَن إِدْرَاك جَلَاله وَلذَلِك قَالَ بَعضهم مَا عرف الله بِالْحَقِيقَةِ سوى الله
وَقَالَ الصّديق ﵁ الْحَمد لله الَّذِي لم يَجْعَل لِلْخلقِ سَبِيلا إِلَى مَعْرفَته إِلَّا بِالْعَجزِ عَن مَعْرفَته
ولنقيض عنان الْكَلَام عَن هَذَا النمط ولنرجع إِلَى الْغَرَض وَهُوَ أَن أحد الْأَقْسَام مَا تكل الأفهام عَن إِدْرَاكه وَمن جملَته الرّوح وَمن جملَته بعض صِفَات الله تَعَالَى
وَلَعَلَّ الْإِشَارَة إِلَى مثله فِي قَوْله ﷺ
إِن لله سُبْحَانَهُ سبعين حِجَابا من نور لَو كشفها لأحرقت سبحات وَجهه كل من أدْركهُ بَصَره
стр. 73
الْقسم الثَّانِي من الخفيات الَّتِي تمْتَنع الْأَنْبِيَاء وَالصِّدِّيقُونَ عَن ذكرهَا مَا هُوَ مَفْهُوم فِي نَفسه لَا يكل الْفَهم عَنهُ وَلَكِن ذكره يضر بِأَكْثَرَ المستمعين وَلَا يضر بالأنبياء وَالصديقين
وسر الْقدر الَّذِي منع أهل الْعلم من إفشائه من هَذَا الْقسم فَلَا يبعد أَن يكون ذكر بعض الْحَقَائِق مضرا بِبَعْض الْخلق كَمَا يضر نور الشَّمْس بأبصار الخفافيش وكما تضر ريَاح الْورْد بالجعل وَكَيف يبعد هَذَا وَقَوْلنَا أَن الْكفْر وَالزِّنَا والمعاصي والشرور كُله بِقَضَاء الله تَعَالَى وإرادته ومشيئته حق فِي نَفسه وَقد أضرّ
стр. 74
سَمَاعه بِقوم إِذْ أوهم ذَلِك عِنْدهم أَنه دلَالَة على السَّفه ونقيض الْحِكْمَة وَالرِّضَا بالقبيح وَالظُّلم
وَقد ألحد ابْن الراوندي وَطَائِفَة من المخذولين بِمثل ذَلِك وَكَذَلِكَ سر الْقدر وَلَو أفشى لأوهم عِنْد أَكثر الْخلق عَجزا إِذا تقصر أفهامهم عَن إِدْرَاك مَا يزِيل ذَلِك الْوَهم عَنْهُم
وَلَو قَالَ قَائِل إِن الْقِيَامَة لَو ذكر ميقاتها وَأَنَّهَا بعد ألف سنة أَو أَكثر أَو أقل لَكَانَ مفهوما وَلَكِن لم يذكر لمصْلحَة الْعباد وخوفا من الضَّرَر فَلَعَلَّ الْمدَّة إِلَيْهَا بعيدَة فَيطول الأمد وَإِذا اسْتَبْطَأَتْ النُّفُوس وَقت الْعقَاب قل إكتراثها ولعلها
стр. 75
كَانَت قريبَة فِي علم الله سُبْحَانَهُ وَلَو ذكرت لعظم الْخَوْف وَأعْرض النَّاس عَن الْأَعْمَال وَخَربَتْ الدُّنْيَا
فَهَذَا الْمَعْنى لَو اتجه وَصَحَّ فَيكون مِثَالا لهَذَا الْقسم
الْقسم الثَّالِث أَن يكون الشَّيْء بِحَيْثُ لَو ذكر صَرِيحًا لفهم وَلم يكن فِيهِ ضَرَر وَلَكِن يكنى عَنهُ على سَبِيل الإستعارة وَالرَّمْز ليَكُون وقعه فِي قلب المستمع أغلب وَله مصلحَة فِي أَن يعظم وَقع ذَلِك الْأَمر فِي قلبه كَمَا لَو قَالَ قَائِل رَأَيْت فلَانا يُقَلّد الدّرّ فِي أَعْنَاق الْخَنَازِير فكنى بِهِ عَن إفشاء الْعلم وَبث الْحِكْمَة إِلَى غير أَهلهَا فالمستمع قد يسْبق إِلَى فهمه ظَاهر للفظ والمحقق إِذا نظر وَعلم أَن ذَلِك الْإِنْسَان لم يكن مَعَه در وَلَا كَانَ فِي مَوْضِعه خِنْزِير تفطن لدرك السِّرّ وَالْبَاطِن فيتفاوت النَّاس فِي ذَلِك وَمن هَذَا قَالَ الشَّاعِر
(رجلَانِ خياط وَآخر حائك ... متقابلان على السماك الأعزل)
(لَا زَالَ ينسج ذَاك خرقَة مُدبر ... ويخيط صَاحبه ثِيَاب الْمقبل)
следующие страницы →