المقدمة
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فهذا بحث مختصر عن الماتريدية (١)، ويشمل تمهيد خمسة فصول:
التمهيد وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: التعريف بالماتريدية ومؤسسها.
المطلب الثاني: نشأتها.
المطلب الثالث: أسباب انتشار الماتريدية.
الفصل الأول: مصدر التلقي ومنهج الاستدلال عند الماتريدية، وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: الاعتماد على العقل.
المبحث الثاني: ترك الاحتجاج بأحاديث الآحاد في العقائد.
المبحث الثالث: القول بالمجاز.
المبحث الرابع: التأويل والتفويض.
المبحث الخامس: القول بالتحسين والتقبيح العقليين.
الفصل الثاني: الإيمان بالله، وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: معرفة الله واجبة عندهم بالعقل قبل ورود السمع.
المبحث الثاني: إيمان المقلد.
المبحث الثالث: توحيد الربوبية.
المبحث الرابع: توحيد الألوهية
المبحث الخامس: توحيد الأسماء والصفات.
стр. 3
الفصل الثالث: بقية أركان الإيمان، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: الإيمان بالرسل، وفيه مطلبان.
المطلب الأول: بما تثبت النبوة.
المطلب الثاني: المعجزة والكرامة.
المبحث الثاني: الإيمان باليوم الآخر.
المبحث الثالث: الإيمان بالقضاء والقدر، وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: مراتب الإيمان بالقضاء والقدر.
المطلب الثاني: أفعال العباد.
المطلب الثالث: القدرة والاستطاعة.
المطلب الرابع: التكليف بما لا يطاق
الفصل الرابع: مسائل الإيمان، وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: معنى الإيمان.
المبحث الثاني: زيادة الإيمان ونقصانه.
المبحث الثالث: الاستثناء في الإيمان.
المبحث الرابع: العلاقة بين الإيمان والإسلام.
المبحث الخامس: حكم مرتكب الكبيرة.
الفصل الخامس: الموازنة بين الماتريدية والأشاعرة، وفيه مبحثان:
المبحث الأول: المسائل الخلافية بينهما حقيقة.
المبحث الثاني: المسائل الخلافية بينهما لفظا.
الخاتمة: وفيها أهم النتائج.
أسأل الله أن يجعله خالصا لوجه الكريم.
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
عبد المجيد بن محمد الوعلان
awalaan@gmail.com
стр. 4
تمهيد
المطلب الأول: التعريف بالماتريدية:
الماتريدية: فرقة كلامية بدعية، تنسب إلى أبي منصور الماتريدي، قامت على استخدام البراهين والدلائل العقلية والكلامية في محاججة خصومها، من المعتزلة والجهمية وغيرهم، لإثبات حقائق الدين والعقيدة الإسلامية (١).
التعريف بأبي منصور الماتريدي .
١ - نسبه وحياته:
هو أبو منصور محمد بن محمد بن محمود بن محمد الماتريدي (٢) السمرقندي الحنفي، المتكلم، ولم تذكر المصادر القديمة تاريخ ولادته، وقد ذكر بعض المعاصرين أن تاريخ ولادته تقريبا سنة ٢٣٨ هـ والله أعلم (٣)، وذكر بعضهم أن ولادته كانت سنة ٢٥٨ هـ.
وأما وفاته فاتفق المترجمون للماتريدي أنه توفي سنة (٣٣٣ هـ) (٤).
تلقى علوم الفقه الحنفي والكلام على علماء ذلك العصر، ومنهم نصر بن يحيى البلخي المتوفى سنة ٢٦٨ هـ-، وغيره من كبار علماء الأحناف، كأبي نصر العياضي وأبي بكر أحمد الجوزجاني وأبي سليمان الجوزجاني، حتى أصبح من كبار علماء الأحناف وقد تتلمذ عليه بعض المشاهير في علم الكلام.
وقد كان لأبي منصور - وفق عقيدته- مناظرات ومجادلات عديدة مع المعتزلة في الأمور التي خالفهم فيها، وله مؤلفات كثيرة في مختلف الفنون.
стр. 5
وكان يلقب فيما وراء النهر بإمام السنة وبإمام الهدى - عند الماتريدية- (١)، وقد وقف في وجه المعتزلة الذين كانوا فيما وراء النهر إلا أنه كان قريبا منهم في النظر إلى العقل، ولم يغل فيه غلوهم، بل اعتبره مصدرا آخر إضافة إلى المصدر الأساسي وهو النقل، مع تقديم النقل على العقل عند الخلاف بينهما، إلا أنه يعتبر معرفة الله واجبة بالعقل قبل ورود السمع، وإن الله يعاقبه على عدم هذه المعرفة (٢).
قال عبد الله المرائي في كتاب (الفتح المبين) في طبقات الأصوليين: "كان أبو منصور قوي الحجة، فحما في الخصومة، دافع عن عقائد المسلمين- يعني الماتريدية-، ورد شبهات الملحدين" (٣).
٢ - مصنفاته:
للماتريدي مؤلفات كثيرة منها:
١ - التفسير المعروف باسم (تأويلات أهل السنة) أو (تأويلات القرآن)، وهو معروف ومشهور عند الماتريدية ولا يوازيه عندهم أي تفسير آخر لا قبله ولا بعده.
٢ - كتاب (التوحيد)، ويعد من أهم مؤلفاته الكلامية؛ وذلك لأنه قد قرر فيه نظرياته الكلامية، وبين فيه معتقده في أهم المسائل الاعتقادية.
٣ - رسالة في الإيمان.
٤ - المقالات، ويعد من أقدم كتب المقالات؛ وذلك لتقدم مؤلفه ولكن الكتاب مفقود.
٥ - بيان وهم المعتزلة.
٦ - رد تهذيب الجدل.
٧ - رد وعيد الفساق.
٨ - رد أوائل الأدلة.
٩ - رد الأصول الخمسة لأبي محمد الباهلي.
١٠ - الرد على القرامطة.
١١ - رد الإمامة، وهو رد على بعض الروافض.
١٢ - مأخذ الشرائع.
١٣ - الجدل (٤).
стр. 6
٣ - شيوخه وتلاميذه:
أولا: شيوخه:
١ - محمد بن مقاتل الرازي، حدث عن وكيع وطبقته، تكلم فيه، ولم يترك. مات سنة ثمان وأربعين ومائتين، وله تصانيف منها المدعي والمدعى عليه (١).
٢ - أبو نصر العياضي أحمد بن العباس بن الحسين بن جبلة السمرقندي، وكان من أهل العلم والجهاد، وليس له رواية ولا حديثا، أسره الكفار فقتلوه صبرا في بلاد الترك في أيام نصر بن أحمد بن إسماعيل بن أسد بن سامان.
٣ - أبو بكر أحمد بن إسحاق الجوزجاني، وكان من الجامعين بين علم الأصول وعلم الفروع، وكان في أنواع العلوم في الدرجة العالية، وله كتاب (الفرق والتمييز) وكتاب (التوبة) وغيرهما.
٤ - نصير بن يحيى البلخي، وقيل نصر، كان بارعا في الفقه الحنفي والكلام توفي سنة ٢٦٨ هـ (٢).
ثانيا: تلاميذه:
١ - أبو القاسم إسحاق بن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن زيد القاضي الحكيم السمرقندي، أخذ الفقه والكلام عن الماتريدي، ويعد من أشهر تلاميذه. وذكر أبو المعين أنه توفي سنة ٣٣٥ هـ، وقيل سنة ٣٤٢ هـ.
٢ - أبو الحسن علي بن سعيد الرستغفني، نسبة إلى رستغفن، وهي قرية من قرى سمرقند، وقد وصف الرستغفني من ترجم له بأنه من كبار مشايخ سمرقند، ومن أصحاب الماتريدي الكبار، وله ذكر في الفقه والأصول في كتب الحنفية.
٣ - أبو محمد عبد الكريم بن موسى بن عيسى الفقيه البزدوي، تفقه على أبي منصور الماتريدي وسمع وحدث، وقد برع في الفقه خاصة. قال القرشي ذكر في تاريخ نسف أنه مات سنة ٣٩٠ هـ في رمضان.
٤ - أبو أحمد بن أبي نصر أحمد بن العباس العياضي، وهو ابن أبي نصر العياضي شيخ الماتريدي.
٥ - أبو عبد الرحمن بن أبي الليث البخاري، أخذ عن أبي منصور الماتريدي الكلام والفقه، وهو صاحب أبي القاسم الحكيم السمرقندي (٣).
٦ - أبو اليسر البزدوي (٤٩٣ هـ).
стр. 7
المطلب الثاني: نشأة الماتريدية
بدأت نشأة الماتريدية في نهاية القرن الثالث على يد أبي منصور الماتريدي، واتسمت بشدة المناظرات مع المعتزلة وغيرهم، فكانت له جولاته ضد المعتزلة وغيرهم، ولكن بمنهج غير منهج الأشعري، وإن التقيا في كثير من النتائج غير أن المصادر التاريخية لا تثبت لهما لقاء أو مراسلات بينهما، أو إطلاع على كتب بعضهما.
ثم بعد ذلك أصبح لأبي منصور تلاميذ عملوا على نشر أفكار شيخهم وإمامهم، ودافعوا عنها، وصنفوا التصانيف متبعين مذهب الإمام أبي حنيفة في الفروع (الأحكام)، فكان ذلك سببا لرواج العقيدة الماتريدية في سمر قند.
ثم بعد انتشار الماتريدية نشط اتباعها بالتأليف، فصنفوا المؤلفات في بيان عقيدة الماتريدية والتأسيس لها.
وكان من أشهر من صنف أبو المعين النسفي (٤٣٨ - ٥٠٨ هـ): وهو ميمون بن محمد بن معتمد النسفي المكحولي، ويعد من أشهر علماء الماتريدية، ومن أكبر من قام بنصرة مذهب الماتريدي، وهو بين الماتريدية كالباقلاني والغزالي بين الأشاعرة، ومن أهم كتبه (تبصرة الأدلة)، ويعد من أهم المراجع في معرفة عقيدة الماتريدية بعد كتاب (التوحيد) للماتريدي، بل هو أوسع مرجع في عقيدة الماتريدية على الإطلاق، وقد اختصره في كتابه (التمهيد)، وله أيضا كتاب (بحر الكلام)، وهو من الكتب المختصرة التي تناول فيها أهم القضايا الكلامية.
ومنهم أيضا نجم الدين عمر النسفي (٤٦٢ - ٥٣٧ هـ)، كان من المكثرين من الشيوخ، وأخذ عنه خلق كثير، وله مؤلفات بلغت المائة، منها: (مجمع العلوم)، (التيسير في تفسير القرآن)، (النجاح في شرح كتاب أخبار الصحاح في شرح البخاري) وكتاب العقائد المشهورة بـ (العقائد النسفية)، والذي يعد من أهم المتون في العقيدة الماتريدية وهو عبارة عن مختصر (لتبصرة الأدلة) لأبي المعين النسفي.
ثم لا يزال الأمر في الاتساع والانتشار وكثرة التأليف للكتب الماتريدية من: المتون، والشروح، والشروح على الشروح، والحواشي على الشروح.
المدارس التي تتبنى الدعوة للماتريدية، وخصوصا في شبه القارة الهندية كالمدرسة الديوبندية، والمدرسة البريلوية وغيرها (١).
стр. 8
المطلب الثالث: أسباب انتشار الماتريدية
انتشرت الماتريدية في أماكن متعددة لأسباب أهمها ما يلي:
١ - السبب الرئيس، بل أهم الأسباب، اعتناق السلاطين والملوك للمذهب الحنفي، فبسبب ذلك انتشر المذهب الحنفي في شرق الأرض وغربها، وعربها، وعجمها، وفارسها ورومها، وبانتشار الحنفية ونفوذ سلطانهم انتشرت الماتريدية، لأن الماتريدية كانوا يمثلون المذهب الحنفي في الفروع (الأحكام).
ومن المعروف في التاريخ عبر القرون أن أية دولة إذا كانت تميل إلى مذهب ما فإنها تسهل وتوفر لعلمائها مناصب القضاء والإفتاء، والرئاسة والخطابة، والتأليف والتدريس؛ فيجدون أسبابا كثيرة وطرقا ميسورة لبسط سلطانهم، ونفوذ تأثيرهم على الشعوب والأوطان، وتشجعهم الدولة أيضا بإنشاء المدارس والجوامع، وبذلك تنشر أفكارهم ويزداد نشاطهم (١).
وهكذا انتشرت الماتريدية وعقائدهم في بلاد ما وراء النهر، والترك، والأفغان، والهند، والصين وما والاها.
وقوى هذا السبب لنشر العقيدة الماتريدية في الهند وما جاورها، أن العلماء والمشايخ الذين وردوا الهند في عهود الملوك المسلمين: كان جلهم من علماء ما وراء النهر الذي كان معظم اعتمادهم على كتب المتأخرين من فقهاء الحنفية وكانت عنايتهم بكتب السنة ضعيفة وكانوا متأثرين بعلوم اليونان.
٢ - مدارس الماتريدية، ونشاطهم الدراسي والتدريسي:
لمدارس الماتريدية دور عظيم في نشر عقيدتهم، وفي تاريخ الدولة العثمانية خدمت الحنفية والماتريدية في آن واحد، فكان سلطان الماتريدية يتسع حسب اتساع سلطان الدولة العثمانية، وكان جل القضاة والمفتين وخطباء الجوامع ورؤساء المدارس حنفية الفروع ماتريدية العقيدة.
٣ - نشاط الماتريدية في ميدان التأليف:
للماتريدية نشاط بالغ وسعي متواصل في ميدان التصنيف في علم الكلام، وانتشرت هذه الكتب، وبانتشارها وتدريسها انتشرت العقيدة الماتريدية (٢).
٤ - أمور أخرى تكون بمجموعها سببا قويا لانتشارهم وتأثر الناس بهم، وهي ما يلي:
أ- تظاهرهم بمظهر أهل السنة بل دعواهم: أنهم والأشعرية يمثلون أهل السنة.
ب- اتهامهم لأهل السنة المحضة وأصحاب الحديث بالتجسيم والتشبيه ونحو ذلك.
ج- انتسابهم إلى السلف ولاسيما إلى الأئمة: "أبي حنيفة "و "الشافعي ".
د- كثرة الحق الذي عندهم بالنسبة للباطل الذي عند غيرهم من أهل البدع.
هـ- ردهم على الفرق الباطلة كالجهمية الأولى والمعتزلة والخوارج والروافض وغيرهم.
و- ضعف بعض أهل السنة المحضة وأهل الحديث في نشر عقيدة السلف وبيان الحق والرد على المخالف (٣).
стр. 9
الفصل الأول: مصدر التلقي ومنهج الاستدلال عند الماتريدية ،
وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: الاعتماد على العقل.
المبحث الثاني: ترك الاحتجاج بأحاديث الآحاد في العقائد.
المبحث الثالث: القول بالمجاز.
المبحث الرابع: التأويل والتفويض.
المبحث الخامس: القول بالتحسين والتقبيح العقليين.
стр. 10
المبحث الأول: الاعتماد على العقل
قسم الماتريدية أصول الدين إلى "عقليات" و"سمعيات"، وبنوا على ذلك موقفهم من النقل في باب ما يسمونه "العقليات"، فأي نقل خالف عقولهم في "العقليات" إن كان من أخبار الآحاد ردوه، وإن كان من المتواترات حرفوه أو أولوه بشتى التأويلات الفاسدة، وأما ما يتعلق بالمعاد فلا يؤولونه (١).
فمصدر الماتريدية في التلقي هو العقل يقول أبو منصور الماتريدي: "إن العلم بالله وبأمره عرض لا يدرك إلا بالاستدلال" (٢). أي: بالمعرفة الاستدلالية القائمة على النظر العقلي.
وقال في تفسيره لقوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥]: "حقيقة الحجة لكل ذلك إنما يكون في العبادات والشرائع التي سبيل معرفتها السمع لا العقل فلا يكون، وأما الدين فإن سبيل لزومه بالعقل فلا يكون لهم في ذلك على الله حجة" (٣).
كما جعلت الماتريدية معظم مباحث الإلهيات "عقليات"، فجعلوا "السمع" تابعا للعقل فيها، ومن هذه العقليات تلك الصفات الثمان التي يسمونها صفات عقلية ثبوتية، كما يسمونها (صفات المعاني) أيضا. ويعتمدون في إثباتها على الحجج العقلية التي يرونها قطعية، أما النصوص الشريعة فيذكرونها للاعتضاد لا للاعتماد (٤).
أما مباحث المعاد والنبوات فجعلوها سمعية، ويعبرون عن السمعيات بالشرعيات أيضا.
وعرفوا الشرعيات بأنها أمور يجزم العقل بإمكانها ثبوتا ونفيا، ولا طريق للعقل إليها، وأما العقليات فهي ما ليس كذلك (٥).
وقد جعل بعضهم مباحث النبوات من قبيل العقليات (٦).
стр. 11
والماتريدية لا تقول بالقدرة المطلقة للعقل إذ إن العقل عندهم يدرك ظواهر الأشياء ولا يدرك ماهيتها وحقائقها، يقول الماتريدي موضحا هذا: "إن العقول أنشئت متناهية تقصر عن الإحاطة بكلية الأشياء والأفهام متقاصرة عن بلوغ غاية الأمر" (١)، وهم بذلك يحاولون أن يصلوا إلى غايتهم وهي محاولة التوسط بين العقل والنقل، وهذا دفعهم إلى تقسيم العقائد إلى: إلهيات ونبوات يستقل العقل بإثباتها، وإلى سمعيات لا يستقل العقل بإثباتها ولا تدرك إلا بالسمع (٢).
وهذا المنهج الذي تحاول به الماتريدية التوسط بين العقل والنقل قائم أساسا على فكرة باطلة وهي أن نصوص الوحي متعارضة مع أحكام العقل، وهذا التعارض المزعوم إنما هو في الواقع مسلك الفلاسفة في الأصل الذين لا يثبتون النبوات ولا يرون أن إرسال الرسل وما جاءوا به حقائق ثابتة فمصدرهم في الاستدلال على إثبات الأمور هو العقل وما أثبته العقل فهو الثابت وما نفاه هو المنفي.
قال الإمام أبو المظفر السمعاني ﵀: " اعلم أن فصل ما بيننا وبين المبتدعة هو مسألة العقل؛ فإنهم أسسوا دينهم على المعقول وجعلوا الاتباع والمأثور تبعا للمعقول، وأما أهل السنة قالوا: الأصل في الدين الاتباع والعقول تبع، ولو كان أساس الدين على المعقول لاستغنى الخلق عن الوحي وعن الأنبياء صلوات الله عليهم ولبطل معنى الأمر والنهي ولقال من شاء ما شاء، ولو كان الدين بني على المعقول وجب أن لا يجوز للمؤمنين أن يقبلوا أشياء حتى يعقلوا.
ونحن إذا تدبرنا عامة ما جاء في أمر الدين من ذكر صفات الله وما تعبد الناس (باعتقاده) وكذلك ما ظهر بين المسلمين وتداولوه بينهم ونقلوه عن سلفهم إلى أن أسندوه إلى رسول الله ﷺ من ذكر عذاب القبر وسؤال الملكين والحوض والميزان والصراط وصفات النار وتخليد الفريقين فيهما أمور لا تدرك حقائقها بعقولنا وإنما ورد الأمر بقبولها والإيمان بها، فإذا سمعنا شيئًا من أمور الدين وعقلناه وفهمناه فلله الحمد في ذلك والشكر ومنه التوفيق، وما لم يمكنا إدراكه وفهمه ولم تبلغه عقولنا آمنا به وصدقنا واعتقدنا أن هذا من قبل ربوبيته وقدرته واكتفينا في ذلك بعلمه ومشيئته، وقال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلَاّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٨٥]، وقال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَاّ بِمَا شَاء﴾ [البقرة: ٢٥٥] ".
ثم قال ﵀: " وإنمَّا علينا أن نقبل ما عقلناه إيمانًا وتصديقًا، وما لم نعقله قبلناه تسليمًا واستسلامًا، وهذا معنى قول القائل من أهل السنة: إن الإسلام قنطرة لا تعبر إلا بالتسليم" (٣).
стр. 12
المبحث الثاني: ترك الاحتجاج بأحاديث الآحاد في العقيدة
من الأصول المنهجية لدى الماتريدية في تقرير العقيدة عدم الاحتجاج بأحاديث الآحاد في باب العقائد، فلا يحتجون إلا بالقرآن أو المتواتر من الأحاديث، ولا يثبتون العقيدة بالقرآن أو الحديث إلا إذا كان النص قطعي الدلالة (١).
وقالوا بأن أحاديث الآحاد تفيد الظن ولا تفيد العلم اليقيني، وذلك لعروض الشبهة في كونها خبر الرسول، لعدم الأمن من وضع الأحاديث على النبي ﷺ (٢).
وقالوا يؤخذ بها في الأحكام الشرعية؛ وذلك حيطة في الأمر وأخذا بالحزم، وأن المتواتر لا يوجد في كل حادثة فلو رد خبر الواحد تعطلت الأحكام (٣).
وقد نص على عدم الاحتجاج بأحاديث الآحاد في العقائد الماتريدي في كتاب (التوحيد) وفي (التأويلات)، وذكر أن خبر الآحاد لا يوجب العلم لأنه لا يبلغ مرتبة الخبر المتواتر في إيجاب العلم والشهادة ولكنه يجب العمل به واستدل على وجوب العمل بخبر الواحد بأمر الله لمن يصلح للتفقه في الدين بالتخلف عن الجهاد لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم (٤).
والماتريدية في الحقيقة لا يحتجون بأحاديث الآحاد الصحيحة في الأحكام الشرعية العملية مطلقا بل حتى يكون الحديث مقبولا لديهم يجب أن يكون موافقا لقواعدهم وأصولهم التي قرروها وقد صرح به غير واحد منهم قال أبو زيد الدبوسي في (تأسيس النظر): " الأصل عند أصحابنا أن خبر الآحاد متى ورد مخالفًا لنفس الأصول مثل ما روي عن النبي ﵊ أنه أوجب الوضوء من مس الذكر لم يقبل أصحابنا هذا الخبر لأنه ورد مخالفا للأصول" (٥).
стр. 13
وقول الماتريدية ومن وافقهم بعدم حجية أحاديث الآحاد في العقائد قول لا أصل له؛ بل هو مبتدع محدث، فتقسيم ما ورد عن النبي ﷺ إلى متواتر وآحاد تقسيم لم يكن معروفا في عصر الصحابة والتابعين، كما أن القول بأن خبر الواحد لا يفيد العلم قول ابتدعته القدرية والمعتزلة، وكان قصدهم منه رد الأحاديث ورفضها لأنها حجة عليهم (١).
وقد نص الإمام الشافعي ﵀ على إجماع المسلمين على حجية خبر الواحد في الرسالة حيث قال: " ولو جاز لأحد من الناس أن يقول في علم الخاصة: أجمع المسلمون قديما وحديثا على تثبيت خبر الواحد والانتهاء إليه بأنه لم يعلم من فقهاء المسلمين أحد إلا وقد ثبته جاز لي " (٢). وقال بعد أن نص على حجية خبر الواحد: " ولم يزل سبيل سلفنا والقرون بعدهم إلى من شاهدنا هذه السبيل" (٣).
والقول بحجية خبر الواحد في العقائد والأحكام هو مذهب الإمام مالك ﵀ كما ذكره عنه محمد بن أحمد المعروف بابن خويزمنداد (٤). وهو أيضا قول الإمام أحمد ﵀، قال المروذي ﵀: "قلت لأبي عبد الله: ههنا اثنان يقولان: إن الخبر يوجب عملًا ولا يوجب علمًا فعابه، وقال: لا أدري ما هذا ... " (٥).
ولا يعرف عن أبي حنيفة ﵀ أنَّه قال بعدم إفادة خبر الواحد العلم، أو أنَّه فرق في قبوله بين العقائد والأعمال؛ بل الذي ورد عنه قبول الأحاديث بدون تفريق، فقد روي عنه أنه قال: "إذا جاء الحديث عن النبي ﷺ لم نحد عنه إلى غيره وأخذنا به" (٦). وهو مذهب السلف وجمهور المحدثين والأصوليين.
стр. 14
المبحث الثالث: القول بالمجاز
ذهبت الماتريدية إلى القول بأن المجاز واقع في اللغة والقرآن والحديث، قال ابن الهمام: "المجاز واقع في اللغة والقرآن والحديث" (١)، ودفعهم إلى ذلك اعتقادهم بأن حمل النصوص على معانيها الحقيقية يستلزم التجسيم والتشبيه، قال البياضي: "لما لم يكن حمل تلك النصوص على معانيها الحقيقية من الجوارح الجسمانية والتحيز والانفعالات النفسانية لمنع البراهين القطعية ولم يجز إبطال الأصل لعدم درك حقيقة الوصف بلا كيفية تحمل على المجاز من الصفات بلا كيفية" (٢).
والقول بالمجاز عند أهل السنة والجماعة قول محدث مبتدع لا أصل له فأئمة اللغة المتقدمون كالخليل بن أحمد وسيبويه وأبي عمرو بن العلاء لم يتكلموا فيه، كما لا يوجد هذا التقسيم عند أئمة الفقهاء والأصوليين، فالشافعي ﵀ أول من تكلم في علم الأصول، وقد وصل إلينا أهم كتبه في هذا العلم وهو (الرسالة) ولا يوجد في كتابه هذا أدنى إشارة إلى هذا التقسيم لا من قريب ولا من بعيد، وكذلك الإمام محمد بن الحسن الشيباني في كتابه الجامع الكبير لم يتكلم فيه بلفظ الحقيقة والمجاز، كما أنه لم ينقل هذا التقسيم عن أي واحد من الأئمة كمالك وأبي حنيفة والثوري والأوزاعي وغيرهم (٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "من قال من الأصوليين ... إنه يعرف الحقيقة من المجاز بطرق منها نص أهل اللغة على ذلك بأن يقولوا هذا حقيقة وهذا مجاز فقد تكلم بلا علم فإنه ظن أن أهل اللغة قالوا هذا ولم يقل ذلك أحد من أهل اللغة ولا من سلف الأمة وعلمائها ... " (٤).
وقال ابن القيم: " وإذا علم أن تقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز ليس تقسيما شرعيا ولا عقليا ولا لغويا فهو اصطلاح محض وهو اصطلاح حدث بعد القرون الثلاثة المفضلة بالنص وكان منشؤه من جهة المعتزلة والجهمية ومن سلك طريقهم من المتكلمين .... " (٥).
стр. 15
المبحث الرابع: التأويل أو التفويض
لما كان مصدر تلقى العقيدة عند الماتريدية في العقليات هو العقل وهو حاكم وأصل، والنقل تبع له وفرع عنه؛ فإذا ورد النقل على خلاف العقل لابد من أن يرد أو يحرف بتأويله وصرفه عن ظاهره، وأما في السمعيات فمصدر تلقي العقيدة عندهم هو النقل.
فالمتواترات - كنصوص القرآن الكريم، والسنة المتواترة - حكموا عليها بأنها وإن كانت قطعية الثبوت، ولكنها ظنية الدلالة؛ لأنها أدلة لفظية، وظواهر ظنية لا تفيد اليقين، وتخالف البراهين القطعية العقلية، وأن الأدلة العقلية براهين قطعية، وعند التعارض تقدم الأدلة العقلية، لأنها الأصل (١).
والأدلة السمعية إما أن تفوض، وإما أن تؤول (٢)، وأما البراهين العقلية فتأويلها محال (٣).
واختلفوا بينهم في إيهما يقدم، فمنهم من قال في هذه الآيات - أي آيات الصفات الخبرية - إنها متشابهة نعتقد فيها أن لا وجه لإجرائها على ظواهرها، ولا نشتغل بتأويلها، ونعتقد أن ما أراد الله تعالى بها حق.
ومنهم من اشتغل ببيان احتمال الآياتِ معانيَ مختلفة سوى ظاهرها، ويقولون: نعلم أن المراد بعض ما يحتمل بها الألفاظ من المعاني التي لا تكون منافية للتوحيد والقدم، ولا يقطعون على مراد الله تعالى لانعدام دليل يوجب القطع على المراد وتعيين بعض المعاني (٤).
قال في التمهيد بعد ذكره لآيات الصفات: "فإما أن نؤمن بتنزيلها ولا نشتغل بتأويلها، وإما أن تصرف إلى وجه من التأويل يوافق التوحيد" (٥).
стр. 16
وقول الماتريدية وغيرهم من المتكلمين بالتأويل ظاهر الفساد، ومما يدل على فساده تناقضهم فيه، والقول المتناقض قول فاسد، لذا كان الطبيب ابن النفيس يقول: ليس إلا مذهبان: مذهب أهل الحديث أو مذهب الفلاسفة فأما هؤلاء المتكلمون فقولهم ظاهر التناقض والاختلاف (١)، وهو بهذا "يعني أن أهل الحديث أثبتوا كل ما جاء به الرسول وأولئك جعلوا الجميع تخييلا وتوهيما، ومعلوم بالأدلة الكثيرة السمعية والعقلية فساد مذهب هؤلاء الملاحدة فتعين أن يكون الحق مذهب السلف أهل الحديث والسنة والجماعة" (٢).
لهذا لم يكن لهم قانون مستقيم في التأويل فلا يستطيعون أن يفرقوا بين النصوص التي تحتاج إلى تأويل والتي لا تحتاج إليه، فهم كما يقول شيخ الإسلام: " يوجبون التأويل في بعض السمعيات دون بعض، وليس في المنتسبين إلى القبلة، بل ولا في غيرهم من يمكنه تأويل جميع السمعيات.
وإذا كان كذلك، قيل لهم: ما الفرق بين ما جوزتم تأويله فصرفتموه عن مفهومه الظاهر ومعناه البين وبين ما أقررتموه؟
فهم بين أمرين، إما أن يقولوا ما يقوله جمهورهم: إن ما عارضه عقلي قاطع تأولناه، وما لم يعارضه عقلي قاطع أقررناه.
فيقال لهم: فحينئذ لا يمكنكم نفي التأويل عن شيء؛ فإنه لا يمكنكم نفي جميع المعارضات العقلية ...
وأيضا فعدم المعارض العقلي القاطع لا يوجب الجزم بمدلول الدليل السمعي؛ فإنه على قولكم إذا جوزتم على الشارع أن يقول قولا له معنى مفهوم وهو لا يريد ذلك لأن في العقليات الدقيقة التي لا تخطر ببال أكثر الناس أو لا تخطر للخلق في قرون كثيرة ما يخالف ذلك جاز أن يريد بكلامه ما يخالف مقتضاه بدون ذلك لجواز أن يظهر في الآخرة ما يخالف ذلك أو لكون ذلك ليس معلوما بدليل عقلي ونحو ذلك؛ فإنه إذا جاز أن يكون تصديق الناس له فيما أخبر به موقوفا على مثل ذلك الشرط جاز أن يكون موقوفا على أمثاله من الشروط إذ الجميع يشترك في أن يكون الوقف على مثل هذا الشرط يوجب أن لا يستدل بشيء من أخباره على العلم بما أخبر به.
стр. 17
وإن قالوا بتأويل كل شيء إلا ما علم بالاضطرار أنه أراده كان ذلك أبلغ فإنه ما من نص وارد إلا ويكون الدافع له أن يقول ما يعلم بالاضطرار أنه أراد هذا.
فإن كان للمثبت أن يقول أنا أعلم بالاضطرار أنه أراده كان لمن أثبت ما ينازعه فيه هذا المثبت أن يقول أيضا مثل ذلك ...
فإنك إذا تأملت كلامهم لم تجد لهم قانونا فيما يتأول وما لا يتأول، بل لازم قولهم إمكان تأويل الجميع ... فعلم أن قولهم باطل ... " (١).
ثم يقال لهم: إن القول بالتأويل على اصطلاحكم شر من التشبيه والتعطيل؛ فإن التأويل " يتضمن التشبيه والتعطيل والتلاعب بالنصوص وإساءة الظن بها؛ فإن المعطل والمؤول قد اشتركا في نفي حقائق الأسماء والصفات، وامتاز المؤول بتلاعبه بالنصوص وانتهاكه لحرمتها وإساءة الظن بها ونسبة قائلها إلى التكلم بما ظاهره الضلال والإضلال، فجمعوا بين أربعة محاذير: اعتقادهم أن ظاهر كلام الله ورسوله المحال الباطل، ففهموا التشبيه أولا، ثم انتقلوا إلى المحذور الثاني وهو التعطيل، فعطلوا حقائقها بناء منهم على ذلك الفهم الذي لا يليق بها ولا يليق بالرب ﷻ .
المحذور الثالث نسبة المتكلم الكامل العلم الكامل البيان التام النصح إلى ضد البيان والهدى والإرشاد ... ولا ريب عند كل عاقل أن ذلك يتضمن أنهم كانوا أعلم منه أو أفصح أو أنصح للناس.
المحذور الرابع: تلاعبهم بالنصوص وانتهاك حرماتها، فلو رأيتها وهم يلوكونها بأفواههم وقد حلت بها المثلات وتلاعبت بها أمواج التأويلات ونادى عليها أهل التأويل في سوق من يزيد فبذل كل واحد في ثمنها من التأويلات ما يريد فلو شاهدتها بينهم وقد قعد النفاة على صراطها المستقيم بالدفع في صدورها والأعجاز، وقالوا لا طريق لك علينا، وإن كان لا بد فعلى سبيل المجاز، فنحن أهل المعقولات وأصحاب البراهين، وأنت أدلة لفظية وظواهر سمعية لا تفيد العلم ولا اليقين، فلا إله إلا الله والله أكبر كم هدمت بهذه المعاول من معاقل الإيمان، وثلمت بها حصون حقائق السنة والقرآن ... " (٢).
стр. 18
وأما القول بالتفويض فهو من شر أقوال أهل البدع؛ وذلك لمناقضته ومعارضته نصوص التدبر للقرآن، واستلزامه تجهيل الأنبياء والمرسلين برب العالمين، فمن المعلوم " أن الله تعالى أمرنا أن نتدبر القرآن وحضنا على عقله وفهمه، فكيف يجوز مع ذلك أن يراد منا الإعراض عن فهمه ومعرفته وعقله؟ !
وأيضا فالخطاب الذي أريد به هدانا والبيان لنا وإخراجنا من الظلمات إلى النور إذا كان ما ذكر فيه من النصوص ظاهره باطل وكفر، ولم يرد منا أن نعرف لا ظاهره ولا باطنه، أو أريد منا أن نعرف باطنه من غير بيان في الخطاب لذلك؛ فعلى التقديرين لم نخاطب بما بين فيه الحق ولا عرفنا أن مدلول هذا الخطاب باطل وكفر.
وحقيقة قول هؤلاء في المخاطب لنا أنه لم يبين الحق ولا أوضحه مع أمره لنا أن نعتقده، وأن ما خاطبنا به وأمرنا باتباعه والرد إليه لم يبين به الحق ولا كشفه؛ بل دل ظاهره على الكفر والباطل، وأراد منا أن لا نفهم منه شيئا، أو أن نفهم منه ما لا دليل عليه فيه، وهذا كله مما يعلم بالاضطرار تنزيه الله ورسوله عنه، وأنه من جنس أقوال أهل التحريف والإلحاد" (١).
" فعلى قول هؤلاء يكون الأنبياء والمرسلون لا يعلمون معاني ما أنزل الله عليهم من هذه النصوص ولا الملائكة ولا السابقون الأولون، وحينئذ فيكون ما وصف الله به نفسه في القرآن أو كثير مما وصف الله به نفسه لا يعلم الأنبياء معناه؛ بل يقولون كلاما لا يعقلون معناه ... ومعلوم أن هذا قدح في القرآن والأنبياء؛ إذ كان الله أنزل القرآن، وأخبر أنه جعله هدى وبيانا للناس، وأمر الرسول أن يبلغ البلاغ المبين وأن يبين للناس ما نزل إليهم، وأمر بتدبر القرآن وعقله، ومع هذا فأشرف ما فيه وهو ما أخبر به الرب عن صفاته ... لا يعلم أحد معناه، فلا يعقل ولا يتدبر، ولا يكون الرسول بيَّن للناس ما نزل إليهم ولا بلغ البلاغ المبين.
وعلى هذا التقدير، فيقول كل ملحد ومبتدع الحق في نفس الأمر ما علمته برأيي وعقلي، وليس في النصوص ما يناقض ذلك؛ لأن تلك النصوص مشكلة متشابهة، ولا يعلم أحد معناها، وما لا يعلم معناه أحد لا يجوز أن يستدل به ... " (٢).
стр. 19
المبحث الخامس: القول بالتحسين والتقبيح العقليين
ذهبت الماتريدية إلى القول بالتحسين والتقبيح العقليين، وأن العقل يدرك حسن الأشياء وقبحها.
واختلفوا فيما بينهم في الجزم بحكم الله في الفعل بمجرد إدراك العقل للحسن والقبح فيه، فجمهورهم يذهبون إلى أن حكم الله يجزم به في بعض الأفعال دون بعض قبل ورود السمع كالإلهيات والنبوات، وأما السمعيات والشرائع فلا تدرك إلا بالسمع.
وذهب بعضهم إلى أن العقل لا يقضي بما أدركه من حسن الفعل وقبحه بحكم الله تعالى فيه إلا بعد ورود الشرع.
قال ابن الهمام: "قالت الحنفية قاطبة بثبوت الحسن والقبح للفعل على الوجه الذي قالته المعتزلة، ثم اتفقوا على نفي ما بنته المعتزلة على إثبات الحسن والقبح للفعل من القول بوجوب الأصلح، ووجوب الرزق والثواب على الطاعة والعوض في إيلام الأطفال والبهائم.
واختلفوا هل يعلم باعتبار العلم بثبوتهما في فعل حكم الله في ذلك الفعل تكليفا، فقال الأستاذ أبو منصور وعامة مشايخ سمرقند: نعم، وجوب الإيمان بالله وتعظيمه وحرمة نسبة ما هو شنيع إليه وتصديق النبي ﷺ وهو معنى شكر المنعم.
وقال أئمة بخارى منهم لا يجب إيمان ولا يحرم كفر قبل البعثة، إذ لا يمتنع أن لا يأمر الباري بالإيمان ولا يثيب عليه وإن كان حسنا، ولا ينهى سبحانه عن الكفر ولا يعاقب عليه وإن كان قبيحا، والحاصل أن لا يمتنع عدم التكليف عقلا إذ لا يحتاج سبحانه إلى الطاعة، ولا يتضرر بالمعصية" (١).
وقول الماتريدية بالتحسين والتقبيح العقليين راجع إلى أن العقل عندهم هو أصل المعرفة فلذلك كان أصلا للسمع، وكان مقدما عليه عند التعارض (٢).
стр. 20
وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ الصواب في مسألة التحسين والتقبيح، فقال: "وقد ثبت بالخطاب والحكمة الحاصلة من الشرائع ثلاثة أنواع:
أحدها: أن يكون الفعل مشتملا على مصلحة أو مفسدة ولو لم يرد الشرع بذلك، كما يعلم أن العدل مشتمل على مصلحة العالم، والظلم يشتمل على فسادهم، فهذا النوع هو حسن وقبيح، وقد يعلم بالعقل والشرع قبح ذلك لا أنه أثبت للفعل صفة لم تكن؛ لكن لا يلزم من حصول هذا القبح أن يكون فاعله معاقبا في الآخرة إذا لم يرد شرع بذلك، وهذا مما غلط فيه غلاة القائلين بالتحسين والتقبيح، فإنهم قالوا: إن العباد يعاقبون على أفعالهم القبيحة ولو لم يبعث إليهم رسولا، وهذا خلاف النص قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: (١٥)]، وقال تعالى ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩]، والنصوص الدالة على أن الله لا يعذب إلا بعد الرسالة كثيرة، ترد على من قال من أهل التحسين والتقبيح أن الخلق يعذبون في الأرض بدون رسول أرسل إليهم.
النوع الثاني: أن الشارع إذا أمر بشيء صار حسنا، وإذا نهى عن شيء صار قبيحا، واكتسب الفعل صفة الحسن والقبح بخطاب الشارع.
النوع الثالث: أن يأمر الشارع بشيء ليمتحن العبد هل يطيعه أم يعصيه، ولا يكون المراد فعل المأمور به، كما أمر إبراهيم بذبح ابنه، فلما أسلما وتله للجبين حصل المقصود ففداه بالذبح، وكذلك حديث الأبرص والأقرع والأعمى، لما بعث إليهم من سألهم الصدقة، فلما أجاب الأعمى "قال الملك: أمسك عليك مالك؛ فإنما ابتليتم، فرضي عنك وسخط على صاحبيك" (١).
فالحكمة منشؤها من نفس الأمر لا من نفس المأمور به، وهذا النوع والذي قبله لم يفهمه المعتزلة وزعمت أن الحسن والقبح لا يكون إلا لما هو متصف بذلك بدون أمر الشارع، والأشعرية ادعوا أن جميع الشريعة من قسم الامتحان، وأن الأفعال ليست لها صفة لا قبل الشرع ولا بالشرع، وأما الحكماء والجمهور فأثبتوا الأقسام الثلاثة وهو الصواب " (٢).
стр. 21
الفصل الثاني: الإيمان بالله
وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: معرفة الله واجبة عندهم بالعقل قبل ورود السمع.
المبحث الثاني: إيمان المقلد.
المبحث الثالث: توحيد الربوبية.
المبحث الرابع: توحيد الألوهية
المبحث الخامس: توحيد الأسماء والصفات.
стр. 22
المبحث الأول: معرفة الله واجبة عندهم بالعقل قبل ورود السمع
ذهبت الماتريدية إلى أن معرفة الله تجب بالعقل قبل ورود السمع، وأن الإنسان يتحمل مسؤولية هذه المعرفة قبل بعثة الأنبياء والرسل ولا يكون معذورا بتركها بل يعاقب على تركه لها (١).
وأوجب بعضهم معرفة الله تعالى بالعقل على الصبي العاقل (٢).
وقال أبو المعين النسفي: "من لم يبلغه الوحي وهو عاقل ولم يعرف ربه هل يكون معذورا أم لا؟ عندنا لا يكون معذورا ويجب عليه أن يستدل بأن للعالم صانعا" (٣).
والحق والصواب في هذه المسألة أن معرفة الله فطرة في القلوب، ودل عليها أيضا العقل والسمع، ومتى ما تطلب الأمر الاستدلال عليها لعارض من شبهة أو شهوة كان ذلك واجبًا، "والقرآن على هذا يدل؛ فإنه يذكر الأدلة والبراهين العقلية على التوحيد، ويبين حسنه وقبح الشرك عقلا وفطرة ويأمر بالتوحيد وينهى عن الشرك، ولهذا ضرب الله سبحانه الأمثال وهي الأدلة العقلية، وخاطب العباد بذلك خطاب من استقر في عقولهم وفطرهم حسن التوحيد ووجوبه وقبح الشرك وذمه، والقرآن مملوء بالبراهين العقلية الدالة على ذلك كقوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] وقوله: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَاّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٥]، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٣ - ٧٤] إلى أضعاف ذلك من براهين التوحيد العقلية التي أرشد إليها القرآن ونبه عليها.
ولكن ههنا أمر آخر وهو أن العقاب على ترك هذا الواجب يتأخر إلى حين ورود الشرع كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: (١٥)]، وقوله: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٨ - ٩]، وهذا في القرآن كثير يخبر أن الحجة إنما قامت عليهم بكتابه ورسوله كما نبههم بما في عقولهم وفطرهم من حسن التوحيد والشكر وقبح الشرك والكفر" (٤).
стр. 23
المبحث الثاني: حكم إيمان المقلد
لما قالت الماتريدية بوجوب النظر والاستدلال لمعرفة الله ذهب جمهورهم إلى أن من آمن ولم ينظر ويستدل يكون إيمانه صحيحا، ولكنه يأثم على تركه للنظر والاستدلال وذهب بعضهم إلى أنه يكون مقلدا ولا يأثم على تركه النظر والاستدلال.
قال الناصري: "قال الإمام سيف الحق أبو المعين: ثم المذهب أن المقلد الذي لا دليل معه مؤمن، وحكم الإسلام لازم له، وهو مطيع لله تعالى باعتقاده وسائر طاعاته، وإن كان عاصيا بترك النظر والاستدلال وحكمه حكم غيره من فساق أهل الملة" (١).
وقال الزرنوجي: "فإن إيمان المقلد وإن كان صحيحا عندنا لكن يكون آثما بترك الاستدلال" (٢).
والصواب في هذه المسألة، هو أنه يكفي الجزم بما يطلب فيه الجزم، ولو عن طريق التقليد؛ فالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر: هذا مما يجب فيه الجزم، ولكن العامي لا يدرك ذلك بدليله، ومع ذلك نصحح إيمانه، ونقول إنه مؤمن وإن كان لا يدرك ذلك بدليله. والدليل على ذلك أن الله أحال على سؤال أهل العلم في مسألة من مسائل الدين التي يجب فيها الجزم، فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧]؛ وواضح أننا نسألهم لنأخذ بقولهم، ومعلوم أن الإيمان بأن الرسل رجال هو من العقيدة، ومع ذلك أحالنا الله فيه إلى أهل العلم ...
ثم إننا لو ألزمنا العامي بترك التقليد والتزام الأخذ بالاجتهاد، لألزمناه بما لا يطيق، وقد قال الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ * وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [المؤمنون: ٦١ - ٦٢] (٣).
ومما يرد على زاعمي بطلان إيمان المقلد أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين فتحوا أكثر بلاد العجم، وقبلوا إيمان عوامهم، كأجلاف العرب، وإن كان تحت السيف، أو تبعا لكبير منهم أسلم، ولم يأمروا أحدا منهم بترديد نظر، ولا سألوه عن دليل تصديقه، ولا أرجئوا أمره حتى ينظر" (٤).
قال النووي ﵀ في شرحه لقول النبي ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ... ) (٥): " فيه دلالة ظاهرة لمذهب المحققين والجماهير من السلف والخلف أن الإنسان إذا اعتقد اعتقادا جازما لا تردد فيه كفاه ذلك، وهو مؤمن من الموحدين، ولا يجب عليه تعلم أدلة المتكلمين ومعرفة الله تعالى بها خلافا لمن أوجب ذلك وجعله شرطا في كونه من أهل القبلة وزعم أنه لا يكون له حكم المسلمين إلا به، وهذا المذهب هو قول كثير من المعتزلة وبعض أصحابنا المتكلمين، وهو خطأ ظاهر؛ فإن المراد التصديق الجازم وقد حصل؛ ولأن النبي ﷺ اكتفى بالتصديق بما جاء به ﷺ ولم يشترط المعرفة بالدليل، فقد تظاهرت بهذا أحاديث في الصحيحين يحصل بمجموعها التواتر بأصلها والعلم القطعي" (٦).
стр. 24
المبحث الثالث: توحيد الربوبية
المراد بالتوحيد عند الماتريدية هو اعتقاد الوحدانية، التي هي عندهم صفة سلبية تقال على ثلاثة أنواع:
الأول: الوحدة في الذات، ويقصدون بها انتفاء الكثرة عن ذاته تعالى بمعنى عدم قبولها الانقسام، فيقولون هو واحد في ذاته لا قسيم له، وفسروا لفظ الأحد الوارد في النصوص في حق الله تعالى بهذا المعنى، فقالوا في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: (١)] هو الله أحد، أي الواحد الموجود الذي لا بعض له ولا انقسام لذاته (١).
الثاني: الوحدة في الصفات: والمراد بها كما يقولون: انتفاء النظير له تعالى في كل صفة من صفاته، فيمتنع أن يكون له تعالى علوم وقدرات متكثرة بحسب المعلومات والمقدورات، بل علمه تعالى واحد، ومعلوماته كثيرة، وقدرته واحدة، ومقدوراته كثيرة، وهذا على جميع صفاته.
وقصدوا بهما - أي النوعين السابقين- نفي التجسيم ونفي التشبيه، وأدرجوا في مسمى هذا التوحيد الذي اصطلحوا عليه نفي ما ينفونه من الصفات الثابتة بالكتاب والسنة، لذا جعلوا من أصول عقيدتهم نفي الجسم والجوهر والعرض ونحوها من الألفاظ والمعاني المبتدعة (٢).
الثالث: الوحدة في الأفعال، ويسمى بتوحيد الأفعال، والمراد به انفراده تعالى باختراع جميع الكائنات عموما وامتناع إسناد التأثير لغيره تعالى في شيء من الممكنات أصلا.
وجماع قولهم في توحيده تعالى: أنه واحد في ذاته لا قسيم له أو لا جزء له، واحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له (٣).
стр. 25
قال أبو منصور الماتريدي في بيان معنى الواحد والتوحيد: "والله واحد لا شبيه له، دائم قائم لا ضد له ولا ند، وهذا تأويل قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. وواحد بالتوحد عن الأشباه والأضداد، ولذلك بطل القول فيه بالجسم والعرض إذ هما تأويلا الأشياء، وإذا ثبت ذا بطل تقدير جميع ما يضاف إليه من الخلق ويوصف به من الصفات بما يفهم منه لو أضيف إلى الخلق ووصف به" (١).
التوحيد هو إفراد الله بما يستحقه من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، وينقسم إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، أو إلى قسمين: توحيد معرفة وإثبات: وهو توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد قصد وإرادة وطلب: وهو توحيد الألوهية (٢)، فهذه عقيدة المسلمين، المؤمنين بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
والمراد بتوحيد الربوبية: الاعتقاد الجازم بأنَّ الله وحده الخالق الرازق المحيي المميت المدبر لشؤون خلقه كلها لا شريك له في ذلك (٣).
والمراد بتوحيد الألوهية (٤): إفراد الله وحده بالخضوع والذل والمحبة والخشوع وسائر أنواع العبادة لا شريك له.
والمراد بتوحيد الأسماء والصفات: الإيمان الجازم بأسماء الله وصفاته الواردة في الكتاب والسنة، وإثباتها دون تحريف أو تعطيل أو تكييف أو تمثيل (٥).
стр. 26
وترى الماتريدية أن معرفة الله لا تتم بالمعرفة الضرورية الفطرية؛ بل لا تكون إلا بالاكتساب العقلي، فلذا كان من الأصول التي تنبني عليها عقيدتهم (وجوب معرفة الله بالعقل) ورتبوا على ذلك إيجاب النظر والاستدلال وجعلوه أول واجب على العبد (١). وجعلوه هو الغاية الكبرى والمقصد الأسنى، وأن من أتى به كان مؤمنا موحدا.
وتقريرهم لتوحيد الربوبية يقوم على إثبات قضيتين:
الأولى: إثبات وجود الله: فتعتقد الماتريدية أن الله تعالى لا يعرف إلا من طريق العالم، وفي هذا يقول الماتريدي: "والأصل أن الله تعالى إذ لا سبيل إلى العلم به إلا من طريق دلالة العالم عليه بانقطاع وجوه الوصول إلى معرفته من طريق الحواس عليه أو شهادة السمع" (٢).
وهذه المعرفة تكون عندهم بإثبات حدوث العالم، ثم الاستدلال بذلك على إثبات وجودِ محدِثه تعالى (٣).
الثانية: إثبات وحدانية الله تعالى في ربوبيته: استدلت الماتريدية على إثبات وحدانية الله تعالى في ربوبيته بالدليل المشهور عند المتكلمين والمعروف بدليل التمانع (٤).
وصورة دليل التمانع عندهم هي: "إذا ثبت أن للعالم محدثا أحدثه وصانعا صنعه كان الصانع واحدا، إذ لو كان له صانعان لثبت بينهما تمانع وذلك دليل حدوثهما، أو حدوث أحدهما، فإن أحدهما لو أراد أن يخلق في شخص حياة والآخر أراد أن يخلق فيه موتا - وكذا هذا في جميع المتضادات كالحركة والسكون والاجتماع والافتراق والسواد والبياض وغير ذلك- إما أن يحصل مرادهما ووجد في المحل المتضادات وهو محال، وإما أن تعطلت إرادتهما ولم تنفذ ولم يحصل في المحل لا هذا ولا ذاك وهو تعجيزهما، وإما أن نفذت إرادة أحدهما دون الآخر وفيه تعجيز من لم تنفذ إرادته، والعجز من أمارات الحدث فإذا لم يتصور إثبات صانعين قديمين للعالم فكان الصانع واحدا ضرورة " (٥).
стр. 27
وهذا الدليل دليل صحيح وبرهان تام على إثبات امتناع صدور العالم عن اثنين (١)، ولكن اعتقاد الماتريدية بأن هذا الدليل هو المقصود بقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، اعتقاد باطل وفهم غير صحيح لكلام الله، والذي جعلهم يقولون هذا: هو اعتقادهم أن الإله بمعنى الآله- اسم فاعل- وأن الإلهية هي القدرة على الاختراع (٢).
فالإله عندهم هو بمعنى الرب، والآية دلت على انتفاء ربين فقط وذلك؛ بتقدير امتناع الفعل من ربين، فالآية عندهم دلت على نفي الشرك في الربوبية فقط، وهو مطلوب دليل التمانع، بينما الآية "دلت على ما هو أكمل وأعظم من هذا، وأن إثبات ربين للعالم لم يذهب إليه أحد من بني آدم، ولكن الإشراك الذي وقع في العالم إنما وقع بجعل بعض المخلوقات مخلوقة لغير الله، وفي الإلهية بعبادة غير الله تعالى، واتخاذ الوسائط ودعائها والتقرب إليها. فأما إثبات خالقين للعالم متماثلين فلم يذهب إليه أحد من الآدميين، وقد قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: (٣٨)].
فعلى هذا هنالك فرق كبير بين مطلوب الآية ومطلوب دليل التمانع - عند الماتريدية-، فمطلوب الآية هو إثبات توحيد الإلهية بفساد العالم لو وجد من يستحق العبادة مع الله أحد غير الله تعالى، بينما مطلوب دليل التمانع هو إثبات توحيد الربوبية بفساد العالم لو وجد خالق آخر للعالم.
كما استدلت الماتريدية بأدلة أخرى كاستدلالها بتناهي العالم وآيات الأنبياء والرسل واتساق العالم ودقة صنعه، وقد نص على هذا الماتريدي في كتاب (التوحيد) بقوله: "والدلالة أن محدث العالم واحد، اتفاق القول على أن الواحد اسم لابتداء العدد واسم للعظمة والسلطان والرفعة والفضل، كما يقال فلان واحد الزمان، ومنقطع القرين في الرفعة والفضل والجلال، وما جاوز ذلك لا يحتمل غير العدد فيجب أن يكون العالم غير متناه إذ لو كان منهم شيء واحد فيخرج الجملة عن التناهي بخروج المحدثين وذلك بعيد، ثم ما من عدد يشار إليه إلا وأمكن من الدعوى أن يزاد عليه وينقص منه؛ فلم يجب القول بشيء لما لا حقيقة لذلك بحق العدد لا يشارك فيه غيره لذلك بطل القول به " (٣).
وقال في استدلاله بآيات الأنبياء والرسل واتساق العالم: "إنه لم يذكر عن غير الإله الذي يعرفه أهل التوحيد دعوى الألوهية والإشارة إلى أثر فعل منه يدل على ربوبيته، ولا وجد في شيء معنى أمكن إخراجه عن حمله، ولا بعث رسلا بالآيات التي تقهر العقول ويبهر لها فتثبت أن القول بذلك خيال ووسواس.
ومجيء الرسل بالآيات التي يضطر من شهدها أنها فعل من لو كان معه شريك ليمنعهم عن إظهارها إذ بذلك إبطال ربوبيتهم وألوهيتهم، فإذا لم يوجد ولا منعوا عن ذلك مع كثرة المكابرين لهم والمعاندين ممن لو أحبوا وجود الإبصار لهم في إظهار آياتهم لوجدوا؛ فثبت أن ذلك إنما سلم للرسل لما لم يكن الإله الحق والخالق للخلق غير الواحد القهار الذي قهر كل متعنت مكابر عن التمويه فضلا عن التحقيق" (٤).
стр. 28
المبحث الرابع: توحيد الألوهية
لم تتعرض الماتريدية لتوحيد الإلهية، ولم يتنبه أحد منهم إليه؛ مع أنه أصل الدين، وأول وآخر دعوة الأنبياء والمرسلين، وهذا التوحيد هو الذي جاءت به الرسل ودعوا إليه أقوامهم، فالرسل مقررِون لتوحيد الربوبية داعون لتوحيد الألوهية كما أخبر الله عنهم (١)، فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقال تعالى: عن نوح ﵇: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦)﴾ [هود: ٢٥ - ٢٦]، وقال تعالى عن هود ﵇: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾ [هود: ٥٠] (٢).
ولم يفرقوا بين توحيد الإلهية وتوحيد الربوبية؛ بل خلطوا بين معنى الإلهية ومعنى الربوبية، وظنوا أن معنى الإلهية هو القدرة على الاختراع، فلذا اعتقدوا أن توحيد الربوبية هو المقصود في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: (٢٢)]، ونحوها من الآيات، وظنوا بأن المراد بالتوحيد- الذي هو حق الله على عباده- هو مجرد توحيد الربوبية وهو اعتقاد أن الله وحده خلق العالم وظنوا أنهم إذا أثبتوا ذلك بالدليل فقد أثبتوا غاية التوحيد وأن من جاء به فقد أخلص الدين كله لله وصار مؤمنا موحدا (٣).
ولذلك كانت عنايتهم بتوحيد الصفات وتوحيد الأفعال - توحيد الربوبية- (٤)، أما توحيد الأفعال: فهو أشهر أنواع التوحيد عندهم، وهو توحيد الربوبية، والخالقية، بمعنى "أن الله خالق العالم وحده، ويظنون أن هذا هو التوحيد المطلوب، والغاية، وأنه معنى "لا إله إلا الله"؟ حيث إنهم فسروا "الألوهية بمعنى "القدرة على الاختراع" (٥).
стр. 29
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: "وقد دل استقراء القرآن العظيم على أن توحيد الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: توحيده في ربوبيته، وهذا النوع من التوحيد جبلت عليه فِطر العقلاء، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، وقال: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١]، وهذا النوع من التوحيد لا ينفع إلا بإخلاص العبادة لله ...
الثاني: توحيده جل وعلا في عبادته. وضابط هذا النوع من التوحيد هو تحقيق معنى "لا إله إلا الله"، وهي متركبة من نفي وإثبات؛ فمعنى النفي منها: خلع جميع أنواع المعبودات غير الله كائنة ما كانت في جميع أنواع العبادات كائنة ما كانت.
ومعنى الإثبات منها: إفراد الله -جل وعلا- وحده بجميع أنواع العبادات بإخلاص، على الوجه الذي شرعه على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام ... وهو الذي فيه المعارك بين الرسل وأممهم ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥].
ومن الآيات الدالة على هذا النوع من التوحيد قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: ١٩] الآية ...
النوع الثالث: توحيده -جل وعلا- في أسمائه وصفاته" (١).
ومن الآيات التي جمعت أقسام التوحيد الثلاثة (٢) قول الله ﵎ في سورة مريم: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥].
يقول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀ مبيناً دلالة الآية على ذلك: " ... اشتملت -أي الآية- على أصول عظيمة على توحيد الربوبية، وأنه تعالى رب كل شيء وخالقه ورازقه ومدبره، وعلى توحيد الألوهية والعبادة، وأنه تعالى الإله المعبود، وعلى أن ربوبيته موجبة لعبادته وتوحيده، ... واشتملت على أن الله تعالى كامل الأسماء والصفات عظيم النعوت جليل القدر وليس له في ذلك
المبحث الخامس: توحيد الأسماء والصفات
المراد بتوحيد الأسماء والصفات: الإيمان الجازم بأسماء الله وصفاته الواردة في الكتاب والسنة، وإثباتها دون تحريف أو تعطيل أو تكييف أو تمثيل (١).
و"الأصل في هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسله نفيًا وإثباتًا، فيثبت لله ما أثبته لنفسه وينفي عنه ما نفاه عن نفسه, وقد علم أن طريقة سلف الأمة وأئمتها: إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل ومن غير تحريف ولا تعطيل، وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه مع إثبات ما أثبته من الصفات من غير إلحاد لا في أسمائه ولا في آياته، فإن الله تعالى ذم الذين يلحدون في أسمائه وآياته, كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠)﴾ [فصلت: ٤٠]، فطريقتهم تتضمن إثبات الأسماء والصفات مع نفي مماثلة المخلوقات: إثباتًا بلا تشبيه وتنزيهًا بلا تعطيل, كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، ففي قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ رد للتشبيه والتمثيل، وفي قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ رد للإلحاد والتعطيل" (٢).
"وإذا عرفت أنَّ توحيد الأسماء والصفات هو أن يدعى الله تعالى بما سمى به نفسه ويوصف بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله محمد ﷺ وينفى عنه التشبيه والتمثيل، فضد ذلك أشياء (٣):
أحدها: أن ينكر شيئا من الأسماء أو مما دلت عليه من الصفات والأحكام، كما فعل أهل التعطيل.
الثاني: أن يُسمي اللهَ بما لم يسم به نفسه، وذلك لأن أسماء الله تعالى توقيفية؛ فتسمية الله تعالى بما لم يسم به نفسه ميل بها عما يجب فيها.
الثالث: أن يعتقد أن هذه الأسماء دالة على أوصاف المخلوقين فيجعلها دالة على التمثيل.
الرابع: أن يشتق من أسماء الله تعالى أسماء الأصنام، كما فعل المشركون في اشتقاق العزى من العزيز، واشتقاق اللات من الإله.
الخامس: تعطيل الله عن صفات كماله ونعوت جلاله، أو تشبيه صفاته بصفات خلقه، وقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه: ١١٠] " (٤).
стр. 32
أولاً: توحيد الأسماء:
قالت الماتريدية بوجوب إثبات أسماء الله تعالى، وأن إثباتها لا يستلزم التشبيه، بدليل أن الرسل والكتب السماوية قد جاءت بها، ولو كان في إثباتها تشبيه لكان ذلك طعن في الرسل.
قال أبو منصور الماتريدي: "الأصل عندنا أن لله أسماء ذاتية يسمى بها نحو قوله: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ [الرحمن: ١]، ثم الدليل على ما قلنا مجيء الرسل والكتب السماوية بها، ولو كان في التسمية بما جاءت به الرسل تشبيه لكانوا سبب نقض التوحيد. ولكن لما احتملت تلك الأسماء خروج المسمى بها عن المعروفين من المسمين بما جاز مجيئهم بها مع قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: (١١)] لينفي به شيئية الأشياء" (١).
وذهب جمهورهم إلى القول بالتوقيف في أسماء الله تعالى، أي أن طريق إثبات الأسماء هو السمع، فلا يسمى الله إلا بما سمى به نفسه وجاء به الشرع.
قال الماتريدي - في نفيه لاسم الجسم عن الله-: "وحقه السمع عن الله، أن الجسم ليس من أسمائه، ولم يرد عنه ولا عن أحد ممن أذن لأحد تقليده. فالقول به لا يسع، ولو وسع بالنحت من غير دليل حسي أو سمعي أو عقلي لوسع القول بالجسد والشخص، وكل ذلك مستنكر بالسمع، وليس القول بكل ما يسمى به الخلق، وذلك فاسد" (٢).
والذي دفعهم للقول بأن أسماء الله توقيفية - مع أن مصدرهم في التلقي العقل - هو خشية إطلاق أسماء على الله تعالى توهم اتصافه سبحانه بما فيه نقص، فقالوا بالتوقيف من باب الاحتياط كما نص على هذا صاحب (بيان الاعتقاد) بقوله: "والحق أنه لابد من التوقيف وذلك للاحتياط عما يوهم باطلا لعظم الخطر في ذلك، فلا يجوز الاكتفاء في عدم إيهام الباطل بمبلغ إدراكنا بل لابد من الاستناد إلى إذن الشرع" (٣).
وقال أبو منصو الماتريدي: "لا يجوز أن يقال لله تعالى يا مبارك. لأنه لا يعرف في أسمائه هذا بالنقل، وعلينا أن نسكت عن تسميته بما لم يسم نفسه" (٤).
стр. 33
ثم إن الماتريدية في إثباتها للأسماء لم يفرقوا بين باب الإخبار عن الله تعالى، وباب التسمية، فأدخلوا في أسمائه تعالى ما ليس من أسمائه كالصانع، والقديم، والذات، والشيء، ونحو ذلك.
فقال في إثبات جواز إطلاق لفظ (الشيء) على الله، وأنه من أسمائه مستدلا على ذلك بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: (١١)]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: (١٩)]: "وبعد، فإن القول بهذا كله واجب بما ثبت في السمع التسمية به" (١).
وأما بالنسبة لإثباتهم لمدلولات الأسماء، فهم إما أن يجعلوا مدلول الاسم هو الذات، وهذا في اسم (الله) فقط، وإما أن يكون المدلول مأخوذا عندهم باعتبار ما أثبتوه من الصفات، كاسم السميع والبصير والعليم، وإما أن يردوه إلى الصفات السلبية والإضافية.
فالاسم عندهم إن دل على ما أثبتوه من الصفات، أثبتوه على حقيقته وإن خالف صرفوه عن حقيقته بالتأويل؛ وذلك لاعتقادهم أن ما دل عليه الاسم من المعاني والحقائق يعارض الدليل العقلي.
قال ابن الهمام: "ثم إنه تعالى سميع بسمع، وبصير بصفة تسمى بصرا، وكذا عليم بعلم، وقدير بقدرة، ومريد بإرادة لأنه تعالى أطلق على نفسه هذه الأسماء بخطابٍ لمن هو من أهل اللغة، والمفهوم في اللغة من عليم ذات له علم، بل يستحيل عندهم عليم بلا علم كاستحالته بلا معلوم، فلا يجوز صرفه عنه إلا لقاطع عقلي يوجب نفيه" (٢).
وقال البياضي: "إن مفهوم الاسم قد يكون نفس الذات والحقيقة وهو اسم الجلالة فقط، وقد يكون مأخوذا باعتبار الصفات والأفعال والسلوب والإضافات، ولا خفاء في تكثر أسمائه تعالى بهذا الاعتبار" (٣).
وأما بالنسبة لبقية الأسماء، فإن الماتريدية تقر بأن لها معاني مأخوذة باعتبار الصفات، أي أنها تدل على الصفات كما تدل على الذات، إلا أنهم في الأسماء التي مدلولاتها لا تتفق مع ما اعتقدوه في باب الصفات، لا يثبتون ما دلت عليه من المعاني والحقائق على الوجه الصحيح؛ بل يؤولونها بما يتفق مع اعتقادهم في الصفات.
стр. 34
ومن الأمثلة على ذلك اسم الله (الأعلى): قال الماتريدي في تفسيره لاسم (الأعلى): "الأعلى. هو أعلى من أن يمسه حاجة أو يلحقه آفة" (١).
وقال أبو البركات النسفي: "الأعلى: بمعنى العلو الذي هو القهر والاقتدار، لا بمعنى العلو في المكان" (٢).
والخلاصة، فمذهبهم في الأسماء الحسنى على نوعين:
الأول: ما اشتمل على حق، ووافق أهل السنة والجماعة في ظاهره، ومن ذلك:
١ - إثبات جميع أسماء الله الحسنى له تعالى، وبذلك فارقوا غلاة الجهمية الذين لا يثبتون لله الأسماء (٣).
٢ - إثبات كثير من معاني أسماء الله تعالى، وبذلك فارقوا جهمية المعتزلة، لأنهم يثبتون الأسماء مجردة عن المعاني (٤).
٣ - أسماء الله تعالى توقيفية، فلا يجوز تسمية الله تعالى إلا بما ورد في الشرع (٥).
٤ - أسماء الله تعالى كلها حسنى، وأنها ليست ألفاظا مجردة عن معانيها، بل تدل على معان حسنة من التمجيد، والتقديس، والتعظيم (٦).
فأسماؤه تعالى أحسن الأسماء وأجلها، لإنبائها عن أحسن المعاني وأشرفها ولدلالتها على صفات الكمال من الجلالة والجمال والإكرام (٧).
والثاني: ما اشتمل على باطل وإلحاد:
وأهم ذلك ما يلي:
١ - أن أسماء الله تعالى ليست أسماء حقيقة لله تعالى، قال أبو منصور الماتريدي: "فيدلك أن الأسماء التي نسميه بها عبارات عما يقرب إلى الأفهام، لا أنها في الحقيقة أسماؤه" (٨).
٢ - الأسماء الحسنى غير مشتملة على صفات مستقلة بل هي مندرجة في صفة التكوين. قال أنور شاه الكشميري الديوبندي: "والأسماء الحسنى عند الأشاعرة عبارة عن الإضافات، وأما عند الماتريدية فكلها مندرجة في صفة التكوين" (٩).
٣ - أسماء الله الحسنى مخلوقة عندهم: لأنها عبارة عن الألفاظ والحروف، وهي مخلوقة، ولذلك جعلوا أسماء الله تعالى الحسنى تسميات.
стр. 35
فلما قالوا إنها تسميات، قالوا: إنها غير الله تعالى, إنها حروف وألفاظ، وإن الاسم الأزلي عين المسمى وهو الله لا غير (١). كل هذا للتدرج إلى القول بأن أسماء الله تعالى مخلوقة بعد قولهم: إنها غير الله؛ لأن كل ما هو غير الله فهو مخلوق (٢).
ومن أهم المسائل المتعلقة بباب الأسماء عند الماتريدية مسألة: الاسم والمسمى، فذهبت الماتريدية في هذه المسألة إلى القول بأن الاسم هو المسمى. واحتجوا بقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: (٧٨)]، وقوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: (١)].
وقالوا: إن الله هو الخالق وما سواه مخلوق فلو كانت أسماؤه غيره لكانت مخلوقه، وللزم أن لا يكون له اسم في الأزل ولا صفة (٣).
قال البزدوي: "إن الدليل يضطرنا وكل عاقل إلى القول بأن الاسم نفس المسمى، فإن الناس أمروا بأن يعبدوا الله تعالى، ويوحدوا الله تعالى ويعظموه ويكبروه ويهللوه، ولو أن الاسم غير المسمى لكان هذا خطأ. قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ [الحج: (١)] " (٤).
وقال أبو المعين النسفي: "اعلم أن الاسم والمسمى واحد. والله تعالى بجميع أسمائه واحد. دليلنا قول الله : ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: (٢)]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [التوبة: (٣١)]، الله تعالى أمرنا بأن نوحد الله تعالى، فلو كان اسم الله تعالى غير الله لكان حصول التوحيد للاسم لا لله تعالى" (٥).
والصواب في المسألة التفصيل "فالاسم يراد به المسمى تارة، ويراد به اللفظ الدال عليه أخرى، فإذا قلت: قال الله كذا، واستوى الله على عرشه وسمع الله، ورأى وخلق فهذا المراد به المسمى نفسه، وإذا قلت (الله) اسم عربي، و (الرحمن) اسم عربي، و (الرحمن) من أسماء الله، و (الرحمن) وزنه فعلان، و (الرحمن) مشتق من الرحمة ونحو ذلك، فالاسم ههنا للمسمى ولا يقال غيره لما في لفظ الغير من الإجمال، فإن أريد بالمغايرة أن اللفظ غير المعنى فحق، وإن أريد أن الله سبحانه كان ولا اسم له حتى خلق لنفسه اسما أو حتى سماه خلقه بأسماء من وضعهم فهذا من أعظم الضلال والإلحاد" (٦).
стр. 36
ثانيا: توحيد الصفات:
تعد الماتريدية في صفات الله تعالى من الصفاتية، وذلك لأنهم يثبتون بعض الصفات، ويثبتون لهذه الصفات معنى حقيقيا يقوم بذات الرب تعالى. فليست هي عندهم مجرد وصف الواصف أو نفي الضد (١).
وتأكد الماتريدية على أن إثبات هذه الصفات لا يستلزم التشبيه، إذ أنه لا شبه بين حقيقة الخالق والمخلوق، ولو كان إثبات الصفات يستلزم التشبيه للزم قدم المخلوق أو حدوث الخالق، وهذا ما لا يقول به عاقل.
قال الماتريدي: "ليس في إثبات الأسماء وتحقيق الصفات تشابه لنفي حقائق ما في الخلق عنه، فلو كان لشيء منه شبه يسقط عنه من ذلك القدم، أو عن غيره الحدث، فلو وصف بالشبه بغيره بجهة فيصير من ذلك الوجه كأحد الخلق" (٢).
وأما الصفات الثبوتية عند الماتريدية فهي ثمان صفات، وهي: القدرة، والعلم، والحياة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، والتكوين (٣).
وهم قد خصوا الإثبات بهذه الصفات دون غيرها، لأنها هي التي دل العقل عليها عندهم. وأما غيرها من الصفات فإنه لا دليل عليها من العقل عندهم، فلذا قالوا بنفيها.
وسلكوا في الاستدلال على إثبات هذه الصفات طريقتين، وقد يسلكوا أحيانا طرقا غيرها:
الأولى: التنزيه عن النقائص.
الثانية: دلالة المحدثات.
قال أبو المعين النسفي موضحا الطريقة الأولى وأنه "إذا ثبت أن صانع العالم قديم ومن شرط القدم التبري عن النقائص، ثبت أنه حي قادر سميع بصير عالم، إذ لو لم يكن كذلك لكان موصوفا بالموت والجهل والعجز والعمى والصمم، إذ هذه الصفات متعاقبة لتلك الصفات، فلو لم تكن هذه الصفات ثابتة لله تعالى لثبت ما يعقبها وهي صفات نقص ومن شرط القدم الكمال، فدل أنه موصوف بما بينا لضرورة انتفاء أضدادها التي هي من سمات المحدث لكونها نقائص" (٤).
стр. 37
وقال في الثانية: "وإذا ثبت أيضا أنه هو المخترع لهذا العالم مع اختلاف أنواعه، وهو الخالق له على ما هو عليه من الإحكام والإتقان، وبديع الصفة وعجيب النظم والترتيب، وتركيب الأفلاك وما فيها من الكواكب السائرة، وما يرى من البدايع في أبدان الحيوانات من الحياة والتميز والاهتداء إلى اجتلاب المنافع وانتفاء المضار، وما فيهن من الحواس، وما في الأجسام الجمادية من البدايع والخاصيات التي أودعت فيها على وجه لو تأمل ذو البصيرة الموصوف بدقة الفكرة وحدة الخاطر ورجاحة العقل وكمال الذهن وقوة التمييز جميع عمره فيها لما وقف على كنهها؛ بل على جزء من ألف جزء مما فيها من آثار كمال الحكمة ولطف التدبير، ثبت أنه حي قادر عالم سميع بصير. يجري العلم بذلك مجرى الأوائل البديهية، حتى أن العقلاء بأسرهم ينسبون من يضيف نسيج الديباج المنقوشة، وتحصيل التصاوير المونقة، وبناء القصور العالية، واتخاذ السفن الجارية إلى ميت عاجز جاهل، إما إلى الحماقة والغباوة، وإما إلى العناد والمكابرة" (١).
كما سلكوا في الصفات التي لم يثبتوها: إما التفويض، وإما التأويل. وقالوا لو تركنا هذه النصوص على ظاهرها بدون تفويض أو تأويل، وأثبتنا ما تدل عليها دلالة حقيقة ولم نصرفها إلى المعاني المجازية، للزم من ذلك التشبيه، وهذا يخالف التنزيه؛ لأن العقل يستحيل ما تدل عليه ظواهر هذه النصوص، وهي ظواهر ظنية في معارضة البراهين العقلية القطعية فنقدم عليها البراهين العقلية.
وهذه الظواهر الظنية إما أن نفوض معانيها إلى الله تعالى كما فعله السلف - حسب زعمهم (٢)، وإما أن نؤولها بأنواع من المجازات إلى معان توافق البراهين العقلية (٣).
ويزعمون أن حمل هذه النصوص على ظاهرها يستحيله العقل، فهي إما أن يفوض في معانيها، أو تؤول، فهم أولاً: وقعوا في التشبيه، وثانيا: فروا منه، وثالثا: حرفوا النصوص، ورابعا: عطلوا الصفات، وخامسا: وقعوا فيما فروا منه من التشبيه والتمثيل بل أشد منه حيث وصفوا الله بصفات المعدوم بل الممتنع (٤).
стр. 38
وسادسا: وقعوا في التناقض والاضطراب؛ حيث أثبتوا بعض الصفات وعطلوا بعضها بهذه الشبهة، مع أن تلك الشبهة موجودة فيما أثبتوه من الصفات إذ لا فرق بين ما أثبتوه وبين ما نفوه (١).
فيتلخص إذاً مذهب الماتريدية في صفات الله تعالى فيما يلي:
١ - أثبتوا بعض صفات الله تعالى الثبوتية الذاتية، كحياته، وعلمه، وقدرته، وإرادته .
٢ - كما أثبت جمهورهم سمعه تعالى، وبصره سبحانه (٢).
٣ - أما الصفات السلبية فأثبتوها مع إلحاد وتعطيل وقوعوا فيهما.
٤ - أثبتوا صفة التكوين باعتبار أنها مرجع للصفات الفعلية، والمراد بصفة التكوين صفات الفعل: وهي ما يرجع إلى التكوين من الصفات كالتخليق والترزيق والإحياء والإماتة.
فصفة التكوين هو أنه سبحانه يكون الأشياء فيخلق ويصور ويبرئ ويحيي ويميت بقوله كن فيكون، وتسمى صفة الخلق أو الفعل (٣)، وعندهم أن الفعل غير المفعول، والتكوين غير المكون، ولذلك فهم يقولون بأزلية صفات الفعل لله تعالى من الخلق والإحياء والرزق، وإن كان المفعول منها حادثا (٤).
٥ - استدلوا لإثبات الصفات التي أثبتوها بنصوص الكتاب والسنة (٥).
٦ - حصرهم لصفات الله تعالى، فقد حصروا جميع الصفات في إحدى وعشرين صفة لا غير، وقد صرح بعضهم بحصر الصفات الذاتية الثبوتية في سبع، والصفة الثامنة هي التكوين، وهي صفة فعلية فقال: "وعند جلة الخلف لا يزيد على الصفات الثمانية، والصفات الأخرى راجعة إليها" (٦).
كما صرح الشاه محمد أنور الكشميري أحد كبار أئمة الديوبندية (١٣٥٢ هـ) بأن الأسماء الحسنى كلها مندرجة في صفة التكوين (٧).
стр. 39
ومعلوم أن صفة التكوين مرجع للصفات الفعلية عندهم، فهي صفة فعل فأين يضعون لفظ الجلالة "الله" ونحوه من الأسماء الحسنى التي تدل على ذات الله تعالى وعلى الصفات الثبوتية الذاتية الكمالية، فهل يضعونها أيضا في صفة التكوين؟ .
ولما قالوا بحصر الصفات الإلهية فيما ذكروه عطلوا جميع ما سواها من صفات الله الكمالية، وحرفوا نصوصها الصريحة المحكمة الصحيحة.
وهم مع إثباتهم لهذه الصفات كادوا أن ينفوها ويعطلوها فإنهم قد صرحوا بأن كلا من هذه الصفات صفة واحدة قديمة أزلية لا تكثر فيها ولا تجدد وإنما التجدد في متعلقاتها؛ لأن ذلك أليق بكمال التوحيد (١).
فأخرجوا الصفات عما عرف في الشرع والعقل والفطرة.
٧ - أنهم عطلوا صفة الكلام: وهو كلام الله تعالى المسموع بحرف وصوت، وهو لم يزل ولا يزال متكلما.
٨ - أنهم قالوا بدعة الكلام النفسي، وصرح بعضهم بعدم الفرق بينهم وبين المعتزلة في القول بخلق القرآن (٢).
٩ - أنهم لا يثبتون الصفات الفعلية ولا يقولون بقيامها بالله تعالى، ومعلوم أن الصفة لا تكون صفة إلا إذا قامت بالموصوف واتصف الموصوف بها.
حيث قالوا: "ومعلوم أن كلا من ذلك -يعني الصفات التي أثبتوها- يدل على معنى زائد على مفهوم الواجب. وليس الكل ألفاظا مترادفة، وإن صدق المشتق على الشيء يقتضي ثبوت مأخذ الاشتقاق له فثبت له صفة العلم، والقدرة، والحياة وغير ذلك، لا كما يزعم المعتزلة: أنه عالم لا علم له، وقادر لا قدرة له إلى غير ذلك، فإنه محال ظاهر بمنزلة قولنا: أسود لا سواد له، وقد نطقت النصوص بثبوت علمه، وقدرته، وغيرهما"، وقالوا: "ولا معنى له سوى أنه متصف بالكلام" (٣).
وأنهم أرجعوا جميع الصفات الفعلية إلى صفة التكوين، وأن جميع الصفات الفعلية ليست صفات حقيقة لله تعالى، وإنما هي من متعلقات صفة التكوين، والتكوين صفة أزلية وهي عندهم: مبدأ الإخراج من العدم إلى الوجود.
стр. 40
ومن الأمثلة على ذلك:
صفة علو الله تعالى: فالماتريدية فهموا من نصوص علو الله على عرشه وفوقيته على عباده أنه يلزم من ظاهرها أن الله تعالى في جهة، وأنه محاط وكل ذلك وصف الخلائق (١)، وأن من كان في جهة لابد أن يكون بينهما مسافة مقدرة، ويتصور أن تكون أزيد من ذلك أو أنقص أو مساوية (٢)، ولو كان في جهة لزم قدم المكان والجهة والحيز، ولزم كونه جسما، ومركبا أو يكون محلا للحوادث (٣)، وأيضا: إما أن يساوى الحيز أو ينقص عنه فيكون متناهيا، أو يزيد عليه فيكون متحيزا (٤).
وبناء على هذه الشبهة حرفوا نصوص العلو وعطلوا صفة العلو ووصفوا الله بصفات الممتنعات، فقالوا: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصلا به ولا منفصلا عنه (٥)، وأنه ليس في الجهات الست، لا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا أمام ولا خلف (٦). وأنه ليس على العرش ولا على غيره، ولا فوق العرش (٧)، فليس الله فوق العالم (٨)، ويكفّرون من وصف الله تعالى بأنه في السماء أو وصفه بأنه فوق (٩).
ويحرفون نصوص الكتاب والسنة في علو الله تعالى على خلقه وفوقيته على عباده إلى فوقية القهر والاستيلاء وتعاليه عن الأمكنية (١٠). وعلو القهر والغلبة وعلو المكانة (١١)، وفوقية الربوبية والعظمة (١٢)، وغيرها من التأويلات الباطلة.
ومن الأمثلة صفة الكلام: وإذا تصوروا صفة الكلام يتبادر إلى أذهانهم "الآلة والجارحة" (١٣) أي اللسان، والفم، والشفتان، والأسنان، والحلق، وأنه يلزم كون الله تعالى محلا للحوادث، والأعراض (١٤).