← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 64

الماتريدية

عبد المجيد بن محمد الوعلان

Полный текст (82 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ثانيا: توحيد الصفات: تعد الماتريدية في صفات الله تعالى من الصفاتية، وذلك لأنهم يثبتون بعض الصفات، ويثبتون لهذه الصفات معنى حقيقيا يقوم بذات الرب تعالى. فليست هي عندهم مجرد وصف الواصف أو نفي الضد (١). وتأكد الماتريدية على أن إثبات هذه الصفات لا يستلزم التشبيه، إذ أنه لا شبه بين حقيقة الخالق والمخلوق، ولو كان إثبات الصفات يستلزم التشبيه للزم قدم المخلوق أو حدوث الخالق، وهذا ما لا يقول به عاقل. قال الماتريدي: "ليس في إثبات الأسماء وتحقيق الصفات تشابه لنفي حقائق ما في الخلق عنه، فلو كان لشيء منه شبه يسقط عنه من ذلك القدم، أو عن غيره الحدث، فلو وصف بالشبه بغيره بجهة فيصير من ذلك الوجه كأحد الخلق" (٢). وأما الصفات الثبوتية عند الماتريدية فهي ثمان صفات، وهي: القدرة، والعلم، والحياة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، والتكوين (٣). وهم قد خصوا الإثبات بهذه الصفات دون غيرها، لأنها هي التي دل العقل عليها عندهم. وأما غيرها من الصفات فإنه لا دليل عليها من العقل عندهم، فلذا قالوا بنفيها. وسلكوا في الاستدلال على إثبات هذه الصفات طريقتين، وقد يسلكوا أحيانا طرقا غيرها: الأولى: التنزيه عن النقائص. الثانية: دلالة المحدثات. قال أبو المعين النسفي موضحا الطريقة الأولى وأنه "إذا ثبت أن صانع العالم قديم ومن شرط القدم التبري عن النقائص، ثبت أنه حي قادر سميع بصير عالم، إذ لو لم يكن كذلك لكان موصوفا بالموت والجهل والعجز والعمى والصمم، إذ هذه الصفات متعاقبة لتلك الصفات، فلو لم تكن هذه الصفات ثابتة لله تعالى لثبت ما يعقبها وهي صفات نقص ومن شرط القدم الكمال، فدل أنه موصوف بما بينا لضرورة انتفاء أضدادها التي هي من سمات المحدث لكونها نقائص" (٤).

стр. 37

وقال في الثانية: "وإذا ثبت أيضا أنه هو المخترع لهذا العالم مع اختلاف أنواعه، وهو الخالق له على ما هو عليه من الإحكام والإتقان، وبديع الصفة وعجيب النظم والترتيب، وتركيب الأفلاك وما فيها من الكواكب السائرة، وما يرى من البدايع في أبدان الحيوانات من الحياة والتميز والاهتداء إلى اجتلاب المنافع وانتفاء المضار، وما فيهن من الحواس، وما في الأجسام الجمادية من البدايع والخاصيات التي أودعت فيها على وجه لو تأمل ذو البصيرة الموصوف بدقة الفكرة وحدة الخاطر ورجاحة العقل وكمال الذهن وقوة التمييز جميع عمره فيها لما وقف على كنهها؛ بل على جزء من ألف جزء مما فيها من آثار كمال الحكمة ولطف التدبير، ثبت أنه حي قادر عالم سميع بصير. يجري العلم بذلك مجرى الأوائل البديهية، حتى أن العقلاء بأسرهم ينسبون من يضيف نسيج الديباج المنقوشة، وتحصيل التصاوير المونقة، وبناء القصور العالية، واتخاذ السفن الجارية إلى ميت عاجز جاهل، إما إلى الحماقة والغباوة، وإما إلى العناد والمكابرة" (١). كما سلكوا في الصفات التي لم يثبتوها: إما التفويض، وإما التأويل. وقالوا لو تركنا هذه النصوص على ظاهرها بدون تفويض أو تأويل، وأثبتنا ما تدل عليها دلالة حقيقة ولم نصرفها إلى المعاني المجازية، للزم من ذلك التشبيه، وهذا يخالف التنزيه؛ لأن العقل يستحيل ما تدل عليه ظواهر هذه النصوص، وهي ظواهر ظنية في معارضة البراهين العقلية القطعية فنقدم عليها البراهين العقلية. وهذه الظواهر الظنية إما أن نفوض معانيها إلى الله تعالى كما فعله السلف - حسب زعمهم (٢)، وإما أن نؤولها بأنواع من المجازات إلى معان توافق البراهين العقلية (٣). ويزعمون أن حمل هذه النصوص على ظاهرها يستحيله العقل، فهي إما أن يفوض في معانيها، أو تؤول، فهم أولاً: وقعوا في التشبيه، وثانيا: فروا منه، وثالثا: حرفوا النصوص، ورابعا: عطلوا الصفات، وخامسا: وقعوا فيما فروا منه من التشبيه والتمثيل بل أشد منه حيث وصفوا الله بصفات المعدوم بل الممتنع (٤).

стр. 38

وسادسا: وقعوا في التناقض والاضطراب؛ حيث أثبتوا بعض الصفات وعطلوا بعضها بهذه الشبهة، مع أن تلك الشبهة موجودة فيما أثبتوه من الصفات إذ لا فرق بين ما أثبتوه وبين ما نفوه (١). فيتلخص إذاً مذهب الماتريدية في صفات الله تعالى فيما يلي: ١ - أثبتوا بعض صفات الله تعالى الثبوتية الذاتية، كحياته، وعلمه، وقدرته، وإرادته . ٢ - كما أثبت جمهورهم سمعه تعالى، وبصره سبحانه (٢). ٣ - أما الصفات السلبية فأثبتوها مع إلحاد وتعطيل وقوعوا فيهما. ٤ - أثبتوا صفة التكوين باعتبار أنها مرجع للصفات الفعلية، والمراد بصفة التكوين صفات الفعل: وهي ما يرجع إلى التكوين من الصفات كالتخليق والترزيق والإحياء والإماتة. فصفة التكوين هو أنه سبحانه يكون الأشياء فيخلق ويصور ويبرئ ويحيي ويميت بقوله كن فيكون، وتسمى صفة الخلق أو الفعل (٣)، وعندهم أن الفعل غير المفعول، والتكوين غير المكون، ولذلك فهم يقولون بأزلية صفات الفعل لله تعالى من الخلق والإحياء والرزق، وإن كان المفعول منها حادثا (٤). ٥ - استدلوا لإثبات الصفات التي أثبتوها بنصوص الكتاب والسنة (٥). ٦ - حصرهم لصفات الله تعالى، فقد حصروا جميع الصفات في إحدى وعشرين صفة لا غير، وقد صرح بعضهم بحصر الصفات الذاتية الثبوتية في سبع، والصفة الثامنة هي التكوين، وهي صفة فعلية فقال: "وعند جلة الخلف لا يزيد على الصفات الثمانية، والصفات الأخرى راجعة إليها" (٦). كما صرح الشاه محمد أنور الكشميري أحد كبار أئمة الديوبندية (١٣٥٢ هـ) بأن الأسماء الحسنى كلها مندرجة في صفة التكوين (٧).

стр. 39

ومعلوم أن صفة التكوين مرجع للصفات الفعلية عندهم، فهي صفة فعل فأين يضعون لفظ الجلالة "الله" ونحوه من الأسماء الحسنى التي تدل على ذات الله تعالى وعلى الصفات الثبوتية الذاتية الكمالية، فهل يضعونها أيضا في صفة التكوين؟ . ولما قالوا بحصر الصفات الإلهية فيما ذكروه عطلوا جميع ما سواها من صفات الله الكمالية، وحرفوا نصوصها الصريحة المحكمة الصحيحة. وهم مع إثباتهم لهذه الصفات كادوا أن ينفوها ويعطلوها فإنهم قد صرحوا بأن كلا من هذه الصفات صفة واحدة قديمة أزلية لا تكثر فيها ولا تجدد وإنما التجدد في متعلقاتها؛ لأن ذلك أليق بكمال التوحيد (١). فأخرجوا الصفات عما عرف في الشرع والعقل والفطرة. ٧ - أنهم عطلوا صفة الكلام: وهو كلام الله تعالى المسموع بحرف وصوت، وهو لم يزل ولا يزال متكلما. ٨ - أنهم قالوا بدعة الكلام النفسي، وصرح بعضهم بعدم الفرق بينهم وبين المعتزلة في القول بخلق القرآن (٢). ٩ - أنهم لا يثبتون الصفات الفعلية ولا يقولون بقيامها بالله تعالى، ومعلوم أن الصفة لا تكون صفة إلا إذا قامت بالموصوف واتصف الموصوف بها. حيث قالوا: "ومعلوم أن كلا من ذلك -يعني الصفات التي أثبتوها- يدل على معنى زائد على مفهوم الواجب. وليس الكل ألفاظا مترادفة، وإن صدق المشتق على الشيء يقتضي ثبوت مأخذ الاشتقاق له فثبت له صفة العلم، والقدرة، والحياة وغير ذلك، لا كما يزعم المعتزلة: أنه عالم لا علم له، وقادر لا قدرة له إلى غير ذلك، فإنه محال ظاهر بمنزلة قولنا: أسود لا سواد له، وقد نطقت النصوص بثبوت علمه، وقدرته، وغيرهما"، وقالوا: "ولا معنى له سوى أنه متصف بالكلام" (٣). وأنهم أرجعوا جميع الصفات الفعلية إلى صفة التكوين، وأن جميع الصفات الفعلية ليست صفات حقيقة لله تعالى، وإنما هي من متعلقات صفة التكوين، والتكوين صفة أزلية وهي عندهم: مبدأ الإخراج من العدم إلى الوجود.

стр. 40

ومن الأمثلة على ذلك: صفة علو الله تعالى: فالماتريدية فهموا من نصوص علو الله على عرشه وفوقيته على عباده أنه يلزم من ظاهرها أن الله تعالى في جهة، وأنه محاط وكل ذلك وصف الخلائق (١)، وأن من كان في جهة لابد أن يكون بينهما مسافة مقدرة، ويتصور أن تكون أزيد من ذلك أو أنقص أو مساوية (٢)، ولو كان في جهة لزم قدم المكان والجهة والحيز، ولزم كونه جسما، ومركبا أو يكون محلا للحوادث (٣)، وأيضا: إما أن يساوى الحيز أو ينقص عنه فيكون متناهيا، أو يزيد عليه فيكون متحيزا (٤). وبناء على هذه الشبهة حرفوا نصوص العلو وعطلوا صفة العلو ووصفوا الله بصفات الممتنعات، فقالوا: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصلا به ولا منفصلا عنه (٥)، وأنه ليس في الجهات الست، لا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا أمام ولا خلف (٦). وأنه ليس على العرش ولا على غيره، ولا فوق العرش (٧)، فليس الله فوق العالم (٨)، ويكفّرون من وصف الله تعالى بأنه في السماء أو وصفه بأنه فوق (٩). ويحرفون نصوص الكتاب والسنة في علو الله تعالى على خلقه وفوقيته على عباده إلى فوقية القهر والاستيلاء وتعاليه عن الأمكنية (١٠). وعلو القهر والغلبة وعلو المكانة (١١)، وفوقية الربوبية والعظمة (١٢)، وغيرها من التأويلات الباطلة. ومن الأمثلة صفة الكلام: وإذا تصوروا صفة الكلام يتبادر إلى أذهانهم "الآلة والجارحة" (١٣) أي اللسان، والفم، والشفتان، والأسنان، والحلق، وأنه يلزم كون الله تعالى محلا للحوادث، والأعراض (١٤).

стр. 41

ويعطلون صفة الكلام، ويقولون ببدعة الكلام النفسي وصرح بعضهم ببدعة القول بخلق القرآن، وأنه لا خلاف بينهم وبين المعتزلة في هذه المسألة. يقول التفتازاني: "ثم تحقيق الخلاف بيننا وبينهم - المعتزلة - يرجع إلى إثبات الكلام النفسي ونفيه، وإلا فنحن لا نقول بقدم الألفاظ والحروف، وهم لا يقولون بحدوث الكلام النفسي" (١). وقال البوطي وهو يحكي مذهب الأشاعرة والمعتزلة: "ثم إن المعتزلة فسروا هذا الذي أجمع المسلمون على إثباته لله - تعالى - بأنه أصوات وحروف يخلقهما الله - تعالى - في غيره كاللوح المحفوظ وجبريل، ومن المعلوم أنه حادث وليس بقديم، ثم إنهم لم يثبتوا لله - تعالى - شيئًا آخر من وراء هذه الأصوات والحروف تحت اسم: الكلام. أما جماهير المسلمين - أهل السنة والجماعة يعني الأشاعرة والماتريدية في نظره - فقالوا: إننا لا ننكر هذا الذي تقوله المعتزلة، بل نقول به، ونسميه كلامًا لفظيًّا، ونحن جميعًا متفقون على حدوثه، وأنه غير قائم بذاته - تعالى -؛ من أجل أنه حادث، ولكنا نثبت أمرًا وراء ذلك، وهو الصفة القائمة بالنفس والتي يعبر عنها بالألفاظ، وهي غير حقيقة العلم والإرادة" (٢). ومن الأمثلة على ذلك رؤية المؤمنين ربهم بالأبصار في الآخرة: فهم يشترطون شروطا وقيودا سلبية في مسألة رؤية الله تعالى؛ لأنه تبادر إلى أذهانهم رؤية الجسم. يقول أبو منصور الماتريدي: "فإن قيل: كيف يرى؟ قيل: بلا كيف، إذ الكيفية تكون لذى صورة، بل يرى بلا وصف قيام وقعود، واتكاء وتعلق، واتصال وانفصال، ومقابلة ومدابرة، وقصير وطويل، ونور وظلمة، وساكن ومتحرك، ومماس ومباين، وخارج وداخل، ولا معنى يأخذه الوهم أو يقدره العقل لتعاليه عن ذلك" (٣). وقد حكم عليهم شيخ الإسلام بأنهم - بهذه الشروط والقيود -جعلوا رؤية الله تعالى مستحيلة (٤).

стр. 42

وأهل السنة والجماعة متفقون على إثبات رؤية المؤمنين لربهم، قالَ الله تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]، وقالَ تَعَالَى ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]، وحجب الكفار عن الله جل وعلا يدل على رؤية المؤمنين لربهم جل وعلا. عن صهيب ﵁، عن النبي ﷺ قال: " إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله ﵎: تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة، وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم " (١). وعن جرير ﵁، قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ ، إذ نظر إلى القمر ليلة البدر قال: "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروب الشمس، فافعلوا" (٢). قال عبدالغني المقدسي ﵀: "وأجمع أهل الحق واتَّفق أهل التوحيد والصدق - أن الله تعالى يرى في الآخرة كما جاء في كتابه وصح عن رسوله" (٣). وقال ابن أبي العز الحنفي ﵀: "وقد قال بثبوت الرؤية الصحابة والتابعون، وأئمة الإسلام المعروفون بالإمامة في الدين، وأهل الحديث، وسائر طوائف أهل الكلام المنسوبون إلى السنة والجماعة" (٤).

стр. 43

الفصل الثالث: بقية أركان الإيمان وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: الإيمان بالرسل، وفيه مطلبان. المطلب الأول: بما تثبت النبوة. المطلب الثاني: المعجزة والكرامة. المبحث الثاني: الإيمان باليوم الآخر. المبحث الثالث: الإيمان بالقضاء والقدر، وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: مراتب الإيمان بالقضاء والقدر. المطلب الثاني: أفعال العباد. المطلب الثالث: القدرة والاستطاعة. المطلب الرابع: التكليف بما لا يطاق

стр. 44

المبحث الأول: الإيمان بالرسل المطلب الأول: بما تثبت به النبوة ترى الماتريدية أن إثبات صدق الرسل والأنبياء يقوم على النظر في صفات الأنبياء الخَلْقية والخلقية قبل الرسالة وبعدها وعلى تأييد الله لهم بالمعجزات الدالة على صدقهم. قال أبو منصور الماتريدي: "ثم الأصل عندنا في إعلام الرسل وجهان: أحدهما: ظهور أحوالهم على جهة تدفع العقول عنهم الريبة، وتأبى فيهم توهم الظنة بما صحبوهم في الصغر والكبر فوجدوهم طاهرين أصفياء أتقياء بين أظهر قوم ما احتمل التسوية بينهم على ذلك، ولا تربيتهم تبلغ ذلك، على ظهور أحوالهم لهم، وكونهم بينهم في القرار والانتشار، فيعلم بإحاطة أن ذلك حفظ من يعلم أنه يقيمهم مقاما شريفا، ويجعلهم أمناء على الغيوب والأسرار، وهذا مما تميل إلى قبوله الطبيعة ويستحسن جميع أمورهم العقل فيكون الراد عليه يرد بعد المعرفة رد تعنت له. والثاني: مجيء الآيات الخارجة عن طبائع أهل البَصر في ذلك النوع الممتنعة عن أن يطمع في مثلها أو يبلغ بكنهها التعلم مع ما لو احتمل أن يبلغ أحد ذلك بالتعلم والاجتهاد فإن الرسل بما نشؤوا لا في ذلك وربوا لا به يظهر أنهم استفادوه بالله أكرمهم بذلك لما يجعلهم أمناء على وحيه" (١). وأما جمهور الماتريدية فيرون أنه لا دليل على صدق النبي غير المعجزة، بحجة أن المعجزة وحدها هي التي تفيد العلم اليقيني بثبوت نبوة النبي أو الرسول. قال البزدوي: "لا يتصور ثبوت الرسالة بلا دليل فيكون الثبوت بالدلائل؛ وليست تلك الدلائل إلا المعجزات، فثبتت رسالة كل رسول بمعجزات ظهرت على يديه ... فكانت المعجزات دليل صدق دعواهم الرسالة؛ فإن ما ظهر ليس في وسع بشر، فعلم أن الله هو المنشئ، وإنما ينشئها لتكون دليلا على صدق دعواه؛ فإن قوم كل رسول سألوا منه دلائل صدقه فدعا الله تعالى ليؤيده بإعطاء ما طلبوا منه، فلما أعطاه دليل صدقه الذي طلب منه قومه صار ذلك دليل صدقه من الله تعالى، فإن الله لا يؤيد الكاذب. ولابد للناس من معرفة الرسل ولا طريق للمعرفة سوى المعجزات" (٢).

стр. 45

ولا ريب أن المعجزات دليل صحيح لتقرير نبوة الأنبياء؛ ولكن القول بأن نبوة الأنبياء لا تعرف إلا بالمعجزات قول غير صحيح، بل هناك دلائل أخرى، منها ما يظهر عليه من العلم والصدق والبر وأنواع الخيرات ما ظهر لمن له أدنى تمييز، وما يقترن به من أحوال وغير ذلك (١). وما من أحد ادعى النبوة من الكذابين إلا وقد ظهر عليه من الجهل والكذب والفجور واستحواذ الشيطان عليه ما ظهر من حاله عند أدنى تمييز، والناس يميزون بين الصادق والكاذب. ولهذا لما كانت خديجة ﵂ تعلم من النبي ﷺ أنه الصادق البار، قال لها لما جاءه الوحي: (إني قد خشيت على نفسي) فقالت: كلا، والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق" (٢) (١٠). فهو لم يخف من تعمد الكذب؛ فإنه يعلم من نفسه ﷺ أنه لم يكذب؛ لكن خاف في أول الأمر أن يكون قد عرض له عارض سوء، وهو المقام الثاني، فذكرت خديجة ما ينفي هذا، وهو ما كان مجبولا عليه من مكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم والأعمال، وهو الصدق المستلزم للعدل والإحسان إلى الخلق، ومن جمع فيها الصدق والعدل والإحسان لم يكن ممن يخزيه الله. وصلة الرحم وقرى الضيف وحمل الكل وإعطاء المعدوم والإعانة على نوائب الحق هي من أعظم أنواع البر والإحسان، وقد علم من سنة الله أن من جبله الله على الأخلاق المحمودة ونزهه عن الأخلاق المذمومة فإنه لا يخزيه" (٣).

стр. 46

المطلب الثاني: المعجزة والكرامة تثبت الماتريدية كرامات الأولياء، كما أنهم يثبتون معجزات الأنبياء، ويرون أنه لا فرق بينهما إلا التحدي، الذي هو دعوى الرسالة، فالمعجزة أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي، مع عدم المعارضة. والكرامة عندهم: أمر خارق للعادة غير مقرون بالتحدي. ويرون أنه لا تعارض ولا التباس بين إثبات المعجزات وإثبات الكرامات، بل إن كرامة الولي من معجزة النبي ودليل على صدقه؛ لأن كرامة التابع كرامة المتبوع، والولي لا يكون وليا حتى يكون مصدقا بالنبي ومتبعا له. قال أبو المعين النسفي مبينا تعريف المعجزة: "المعجزة وحدها على طريقة المتكلمين: أنها ظهور أمر بخلاف العادة في دار التكليف لإظهار صدق مدعي النبوة مع نكول من يتحدى به عن معارضته بمثله، وإنما قيد بدار التكليف لأن ما يظهر من الناقض للعادة في دار الآخرة لا يكون معجزة، وإنما قلنا لإظهار صدق مدعي النبوة ليقع الاحتراز به عما يظهر مدعي الألوهية، إذ ظهور ذلك على يده جائز عندنا، وفيه أيضا احتراز يظهر على يد الولي إذ ظهور ذلك كرامة للولي جائز عندنا، وإنما قلنا لإظهار صدقه لأن ذلك لو ظهر لإظهار كذبه لا يكون ذلك معجزة له ولا دليلا على صدقه بل يكون دليلا على كذبه في دعواه، وإنما قلنا مع نكول من يتحدى به عن معارضته بمثله لأن الناقض للعادة لو ظهر على يده ثم ظهر على يد المتحدي به مثله لخرج ما ظهر على يده عند المعارضة عن الدلالة إذ مثله ظهر على يدي من يكذبه يكون دليل صدق من يكذبه فيتعارض الدليلان فيسقطان" (١). وقال الناصري: " الفرق بين النبي والولي ظاهر لأن النبي يدعي المعجزة والكرامة ويتحدى بها الخلق فيقول إن آية رسالتي وثبوتي كذا وكذا والولي لا يدعي الكرامة وإنما تظهر على يده من غير تحد ودعوى ومتى ادعاها سقط من رتبة الولاية وصار فاسقا كذا ذكر علماء الأصول منهم سيف الحق أبو المعين .... " (٢). فيظهر من تعريف الماتريدية للمعجزة أن النبوة تثبت لديهم بثلاثة شروط: خرق العادة، التحدي، عدم المعارضة. وهذه الشروط وحدها للمعجزة غير منضبط وذلك للآتي:

стр. 47

- ليس في الكتاب والسنة تعليق الحكم بهذا الوصف؛ بل ولا ذكر خرق العادة وإنما فيه آيات وبراهين (١). - كون الآية خارقة للعادة وصف لا ينضبط، فإن نفس النبوة معتادة للأنبياء، وهي خارقة للعادة بالنسبة لغيرهم. والكهانة والسحر أمور معتادة للسحرة والكهان، خارقة لغيرهم، كما أن أهل الطب يعرفون أشياء معتادة لأمثالهم خارقة لغيرهم، فكون المعجزة أمراً خارقاً للعادة ليس أمراً مضبوطاً (٢). فتعريف الماتريدية للمعجزة بهذا التعريف غير مستقيم وغير منضبط. ثم إنه لم يرد في الكتاب ولا السنة تسميه ما يؤيد الله به أنبياءه ورسله معجزة، وإنما ورد تسميتها بالآيات. عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (ما من الأنبياء من نبي إلا قد اعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحى الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة) (٣). ويمكن تعريف الآية: بما يؤيد الله به أنبياءه ورسله من الأمور الخارقة للسنن الكونية، والتي لا قدرة للخلق على الإتيان بمثلها؛ فتكون دليلاً على صدقهم وتأييد الله لهم. أما كرامات الأولياء، فهي كما قالوا من آيات الأنبياء؛ ولكن ليس كل ما كان من آيات الأنبياء يكون كرامة للصالحين. والماتريدية ساووا بين هذا وهذا، ويقولون الفرق هو دعوى النبوة والتحدي، وهذا غلط؛ فإن آيات الأنبياء التي دلت على نبوتهم هي أعلى مما يشتركون فيه هم وأتباعهم، فانشقاق القمر والإتيان بالقرآن وانقلاب العصا حية وخروج الدابة من صخرة لم يكن مثله للأولياء، فالآيات الكبرى مختصة بالأنبياء والرسل، وأما الآيات الصغرى فقد تكون للصالحين مثل تكثير الطعام -مثلاً- فهذا قد وجد لبعض الصالحين، لكن لم يوجد لأحد كما وجد للنبي ﷺ أنه أطعم جيشاً من شيء يسير، فقد تكون المشاركة في جنس الآية لكن لا تكون بنفس العظمة والكثرة (٤).

стр. 48

المبحث الثاني: الإيمان باليوم الآخر تسمي الماتريدية المسائل المتعلقة باليوم الآخر السمعيات وذلك بناء على أن هذه المسائل لا تعلم إلا بالسمع، أي أن مصدرهم في التلقي فيما يتعلق باليوم الآخر هو السمع فقط، لذا نجدهم قد وافقوا أهل السنة والجماعة في هذا الباب فأثبتوا نعيم القبر وعذابه وأشراط الساعة والبعث والنشور والميزان والصراط والحوض (١)؛ إلا أن اعتقادهم بأن اليوم الآخر وما يتعلق به لا يعلم إلا بالسمع ليس بصحيح؛ بل إن العقل قد دل على اليوم الآخر كما دل عليه السمع، بل إن السمع قد نبه على دلالة العقل في ذل كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [آل عمران: (١٩٠) - (١٩٢)]. ولما كانت رؤية الله تعالى من المسائل المتعلقة باليوم الآخر قالت الماتريدية بإثباتها لدلالة السمع عليها وبجوازها في العقل، إلا أنهم قيدوها بنفي الجهة والمقابلة؛ وذلك لأنهم ينفون عن الله علو الذات فاحتاجوا إلى أن يجمعوا بين مسألة نفي العلو وإثبات الرؤية (٢). قال أبو منصور الماتريدي: "القول في رؤية الرب عندنا لازم وحق من غير إدراك ولا تفسير، فأما الدليل على الرؤية فقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، ولو كان لا يرى لم يكن لنفي الإدراك حكمة. الثاني: قول موسى ﵇: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] ولو كان لا يجوز الرؤية لكان ذلك السؤال منه جهل بربه. وأيضا قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: (٢٢)] " (٣).

стр. 49

ثم قال: "فإن قيل كيف يرى؟ قيل: بلا كيف إذ الكيفية تكون لذي صورة بل يرى بلا وصف قيام وقعود واتكاء وتعلق واتصال وانفصال ومقابلة ومدابرة وقصير وطويل ونور وظلمة وساكن ومتحرك ومماس ومباين وخارج وداخل ولا معنى يأخذه الوهم أو يقدره العقل لتعاليه عن ذلك " (١). وحقيقة قول الماتريدية، أنهم أثبتوا ما لا يمكن رؤيته حيث إنهم "جمعوا بين أمرين متناقضين، فإن ما لا يكون داخل العالم ولا خارجه ولا يشار إليه يمتنع أن يرى بالعين، ولو كان وجوده في الخارج ممكنا فكيف وهو ممتنع؟ وإنما يقدر في الأذهان من غير أن يكون له وجود في الأعيان فهو من باب الوهم والخيال الباطل " (٢). وسبق الكلام (٣) على رد قول الماتريدية في هذه المسألة، وأن أهل السنة والجماعة متفقون على إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة بدلالة الكتاب والسنة.

стр. 50

المبحث الثالث: الإيمان بالقضاء والقدر الإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان ولا يصح الإيمان إلا به، وهو أربع مراتب: ١ - علم الله الأزلي بكل شيء، وأنه علم أعمال العباد قبل أن يعملوها. ٢ - كتابة ذلك في اللوح المحفوظ. ٣ - مشيئة الله العامة وقدرته الشاملة. ٤ - إيجاد الله لكل المخلوقات وأنه الخالق وما سواه مخلوق. وهذا هو قول أهل السنة والجماعة والذي يدل عليه الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان (١). قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ١ - ٢]، "أي كل شيء مما سواه مخلوق مربوب وهو خالق كل شيء وربه ومليكه وإلهه، وكل شيء تحت قهره وتدبيره وتسخيره وتقديره" (٢). وقال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا * مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨ - ٣٧]، "أي وكان أمره الذي يقدره كائناً لا محالة وواقعاً لا محيد عنه ولا معدل فما شاء كان وما لم يشاء لم يكن" (٣). وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١]، "وهذا عام لجميع المصائب، في النفس والمال، والولد، والأحباب، ونحوهم. فجميع ما أصاب العباد، بقضاء الله وقدره، قد سبق بذلك علمه، وجرى به قلمه، ونفذت مشيئته، واقتضته حكمته" (٤).

стр. 51

وعن عمر بن الخطاب ﵁ في سؤال جبريل ﵇ الرسولَ ﷺ عن الإيمان قال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خير وشره. قال: -يعني جبريل- صدقت) (١). "في هذا الحديث أن الإيمان بالقدر من أصول الإيمان الستة المذكورة، فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره، فقد ترك أصلاً من أصول الدين وجحده، فيشبه من قال الله فيهم: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥] " (٢). وعن جابر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره من الله، وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه) (٣).

стр. 52

المطلب الأول: مراتب القضاء والقدر عند الماتريدية: والماتريدية تثبت هذه المراتب: العلم والكتابة وعموم المشيئة والخلق، وما وقع منهم من انحراف في القضاء والقدر إنما هو فيما يتعلق بأفعال العباد، وكلامهم في هذه المراتب الأربع ليس بواضح كوضوحه في كلام أهل السنة؛ فهم عندما يعرفون القضاء والقدر ينصون على العلم والخلق، أما المشيئة فيذكرونها في بحثهم لمسألة الإرادة، وأما الكتابة فقل أن يذكروها. قال الماتريدي: "القضاء في حقيقته الحكم بالشيء والقطع على ما يليق به وأحق أن يقطع عليه، فرجع مرة إلى خلق الأشياء لأنه تحقيق كونها على ما هي عليه وعلى الأولى بكل شيء أن يكون على ما خلق؛ إذ الذي خلق الخلق هو الحكيم العليم، والحكمة هي إصابة الحقيقة لكل شيء ووضعه موضعه قال الله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢] وعلى ذلك يجوز وصف أفعال الخلق أن قضى بهن أي خلقهن وحكم". ثم قال: "وأما القدر فهو على وجهين: أحدهما: الحد الذي عليه يخرج الشيء وهو جعل كل شيء على ما هو عليه من خير أو شر من حسن أو قبح وعلى مثل هذا قوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]. والثاني: بيان ما عليه يقع كل شيء من زمان ومكان وحق وباطل وما له من الثواب والعقاب" (١). وقال أيضا: "الحمد لله الذي فطر الخلق بقدرته وصرفهم بحكمته على سابق علم ومشيئة، أنشأ الأشياء كيف شاء ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] " (٢). وقال أبو المعين النسفي مبينا إثبات الكتابة: ". وقد كتب الله تعالى في اللوح المحفوظ جميع ما يكون وجميع ما تفعل العباد قبل خلقهم" (٣).

стр. 53

المطلب الثاني: أفعال العباد الكلام على هذه المسألة من جهتين: الجهة الأولى: خلق أفعال العباد . قالت الماتريدية: إن أفعال العباد مخلوقة لله، وأن الله تعالى خلقها كلها خيرا كانت أو شرا، واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة نقلية وعقلية. قال الماتريدي: "ثم الدليل عندنا من طريق القرآن على لزوم القول بخلق الأفعال قوله: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: (١٣) - (١٤)]، فلو لم يكن جل ثناؤه خالقا لما يجهر ويخفى لم يكن ليحتج به على علمه. وأيضا أن الله تعالى قال: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس: ٢٢]، وقال في موضع آخر ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ [سبأ: ١٨]، أخبر أن تقدير السير والتسير فعله وبه كان السير" (١). الجهة الثانية: علاقة العباد بأفعالهم . قول الماتريدية بأن الله تعالى خالق أفعال العباد خيرها وشرها هو القول الحق الذي دل عليه السمع والعقل، وهو قول أهل السنة والجماعة وسلف الأمة؛ لكن بالنسبة لعلاقة العباد بأفعالهم فقد حاولت الماتريدية التوسط بين قول المعتزلة وقول الجبرية فقالوا: أفعال العباد مخلوقة لله تعالى وهي كسب من العباد. قال الماتريدي: "إن حقيقة ذلك الفعل الذي هو للعباد من طريق الكسب ولله من طريق الخلق" (٢). وقال أبو المعين النسفي: "وعندنا فعل العبد هو مخلوق الله تعالى ومفعوله، والله تعالى هو الذي يتولى إيجاده وإخراجه من العدم إلى الوجود والعبد اكتسبه وباشره" (٣).

стр. 54

وقد اختلفت عباراتهم في بيان معنى الكسب (١)، وحاصل كلامهم أن المؤثر في أصل الفعل قدرة الله تعالى، والمؤثر في صفة الفعل قدرة العبد، وتأثير العبد هذا هو الكسب عندهم. قال البياضي: "أصل الفعل بقدرة الله، والاتصاف بكونه طاعة أو معصية بقدرة العبد وهو مذهب جمهور الماتريدية" (٢). وهم يقصدون بهذا أن الله تعالى لا يخلق فعل العبد إلا بعد أن يريده العبد ويختاره، وقد نصوا على ذلك. قال أبو المعين النسفي: "وما يخترعه -أي الله تعالى- فيه -أي في العبد- باختيار العبد ذلك وله عليه قدرة، فأثر تعلق قدرته به كونه فعلا له فيكون الله تعالى مخترعا فعل العبد باختياره لولا اختيار العبد وقصده اكتسابه لما خلقه الله تعالى فعلا له" (٣). وحقيقة قول الماتريدية هذا أن للعباد إرادة غير مخلوقة وهي مبدأ الفعل، فالعباد على مذهبهم يتصرفون بمبادئ أفعالهم باستقلال تام كما يشاؤون، وخلق الله تعالى لأفعالهم إنما هو تبع لإرادتهم غير المخلوقة. ولا شك أن قول الماتريدية هذا باطل لأن الله تعالى خالق كل شيء " ومعاذ الله، والله أكبر وأجل وأعظم أن يكون في عبده شيء غير مخلوق له ولا داخل تحت قدرته ومشيئته، فما قدر الله حق قدره من زعم ذلك، ولا عرفه حق معرفته، ولا عظمه حق تعظيمه؛ بل العبد جسمه وروحه وصفاته وأفعاله ودواعيه وكل ذرة فيه مخلوق لله خلقا تصرف به في عبده، ... فهو عبد مخلوق من كل وجه وبكل اعتبار، وفقره إلى خالقه وبارئه من لوازم ذاته، وقلبه بيد خالقه وبين أصبعين من أصابعه يقلبه كيف يشاء فيجعله مريدا لما شاء، وقوعه منه كارها لما لم يشأ وقوعه، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ... " (٤).

стр. 55

وهذا لا يعني أن العبد مجبور لا اختيار له بل إن الله تعالى خلقه على "نشأة وصفة يتمكن بها من إحداث إرادته وأفعاله، وتلك النشأة بمشيئة الله وقدرته وتكوينه، فهو الذي خلقه وكونه كذلك، وهو لم يجعل نفسه كذلك؛ بل خالقه وباريه جعله محدثا لإرادته وأفعاله، وبذلك أمره ونهاه وأقام عليه حجته، وعرضه للثواب والعقاب، فأمره بما هو متمكن من إحداثه، ونهاه عما هو متمكن من تركه، ورتب ثوابه وعقابه على هذه الأفعال والتروك التي مكنه منها وأقدره عليها وناطها به وفطر خلقه على مدحه وذمه عليها، مؤمنهم وكافرهم المقر بالشرائع منهم والجاحد لها، فكان مريدا شائيا بمشيئة الله له؛ ولولا مشيئة الله أن يكون شائيا لكان أعجز وأضعف من أن يجعل نفسه شائيا، فالرب سبحانه أعطاه مشيئة وقدرة وإرادة وعرفه ما ينفعه وما يضره، وأمره أن يجري مشيئته وإرادته وقدرته في الطريق التي يصل بها إلى غاية صلاحه .... " (١). قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩]. فأفعال العباد إذا هي أفعالهم حقيقة ومفعولة للرب تعالى، إذ إن الفعل غير المفعول فالعبد فعل فعله حقيقة " والله خالقه وخالق ما فعل به من القدرة والإرادة وخالق فاعليته وسر المسألة أن العبد فاعل منفعل ... فربه هو الذي جعله فاعلا بقدرته ومشيئته وأقدره على الفعل وأحدث له المشيئة التي يفعل بها" (٢).

стр. 56

المطلب الثالث: القدرة والاستطاعة: الاستطاعة والطاقة والقدرة والوسع ألفاظ متقاربة المعنى، وضدها العجز، عرفها المتكلمون بأنها: "صفة وجودية يتأتى معها الفعل بدلا عن الترك، والترك بدلا عن الفعل" (١). ومسألة الاستطاعة أو القدرة من المسائل التي وقع فيها الخلاف بين الفرق الإسلامية تبعا للخلاف الواقع في القدر فالذين قالوا بالجبر - وهم الجهمية ومن وافقهم - قالوا بنفي الاستطاعة لا مع الفعل ولا قبله وذلك لأن العبد عندهم لا اختيار له (٢). والذين قالوا بنفي القدر وأن العبد خالق لفعله - وهم المعتزلة ومن وافقهم - أثبتوا الاستطاعة قبل الفعل ونفوا أن تكون معه (٣). والذين قالوا بالكسب - وهم الأشاعرة ومن وافقهم - قالوا بأن الاستطاعة تكون مع الفعل لا قبله (٤). وأما جمهور الماتريدية فقد توسطوا في المسألة، فقالوا بإثبات الاستطاعة قبل الفعل ومعه، فقالوا بأن الاستطاعة تقع على نوعين: الأولى: سلامة الأسباب والآلات وهي تتقدم الفعل. الثانية: الاستطاعة التي يتهيأ بها الفعل وتكون مع الفعل. قال الماتريدي: "الأصل عندنا في المسمى باسم القدرة أنها على قسمين: أحدهما: سلامة الأسباب وصحة الآلات وهي تتقدم الأفعال. والثاني: معنى لا يقدر على تبين حده بشيء يصار إليه سوى أنه ليس إلا للفعل لا يجوز وجوده بحال إلا ويقع به الفعل عندما يقع معه" (٥).

стр. 57

قال أبو المعين النسفي: "ثم الاستطاعة والطاقة والقدرة والقوة إذا أضيفت إلى العبد يراد بها كلها معنى واحد في مصطلح أهل الأصول. ثم الاستطاعة عندنا قسمان: أحدهما: سلامة الأسباب والآلات وصحة الجوارح والأعضاء وهي المعنية بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وبقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]، وبقوله تعالى خبرا عن أهل النفاق: ﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة: ٤٢] أي لو كانت لنا الآلات والأسباب. وصحة التكليف تعتمد هذه الاستطاعة. والثانية: الاستطاعة التي هي حقيقة القدرة التي يتهيأ بها الفعل وهي المعنية بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠]. ألا ترى أن الله تعالى قد ذمهم بذلك، والذم إنما يلحقهم بانعدام حقيقة القدرة عند وجود سلامة الأسباب وصحة الآلات، لا بانعدام سلامة الأسباب وصحة الآلات؛ لأن انتفاء تلك الاستطاعة لا يكون بتضييعه بل هو في ذلك مجبور فلم يلحقهم الذم بالامتناع عن الفعل عند انتفائها، وكذا هي المعنية بقول صاحب موسى ﵉: ﴿قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٦٧]، وقوله: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٥] إذ لو كان المراد بها سلامة الأسباب والآلات لما عاتبه على ترك الصبر. والاستطاعة الثانية عرض تحدث عندنا مقارنة للفعل ... " (١). وقول جمهور الماتريدية في الاستطاعة هو قول أهل السنة والجماعة (٢)، وهو القول الحق الذي دلت عليه الأدلة.

стр. 58

قال الطحاوي ﵀: " والاستطاعة التي يجب بها الفعل من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن يوصف به المخلوق به تكون مع الفعل، وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكين وسلامة الآلات فهي قبل الفعل وبها يتعلق الخطاب". قال ابن أبي العز ﵀ موضحا كلام الطحاوي: " والذي قاله عامة أهل السنة أن للعبد قدرة هي مناط الأمر والنهي وهذه قد تكون قبله لا يجب أن تكون معه، والقدرة التي بها الفعل لابد أن تكون مع الفعل لا يجوز أن يوجد الفعل بقدرة معدومة، وأما القدرة التي من جهة الصحة والوسع والتمكن وسلامة الآلات فقد تتقدم الأفعال وهذه القدرة المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وكذا قوله تعالى: ﴿فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]، والمراد منه استطاعة الأسباب والآلات ... وأما دليل ثبوت الاستطاعة التي هي حقيقة القدرة فقد ذكروا فيها قوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠] المراد نفي حقيقة القدرة لا نفي الأسباب والآلات ... " (١).

стр. 59

المطلب الرابع: التكليف بما لا يطاق: مسألة التكليف بما لا يطاق هي أيضا من المسائل التي وقع فيها الخلاف بين طوائف المسلمين وذلك تبعا للخلاف الواقع في الاستطاعة والتحسين والتقبيح، فالجهمية قالوا بجواز تكليف ما لا يطاق مطلقا (١). والمعتزلة قالت بعدم جواز تكليف ما لا يطاق؛ لأنه قبيح، والله تعالى منزه عن فعل القبيح فلا يجوز صدوره منه (٢). والأشاعرة قالوا بجواز تكليف ما لا يطاق عقلا وإن لم يقع في الشرع، وقد أجازوه عقلا بناء على نفيهم الحسن والقبيح العقليين (٣). وأما الماتريدية فقد وافقوا المعتزلة في هذه المسألة، فقالوا بعدم جواز تكليف ما لا يطاق؛ لأنه فاسد عقلا، ولعدم وجود القدرة التي هي مقتضى التكليف. قال الماتريدي: "الأصل أن تكليف من منع عنه الطاقة فاسد في العقل" (٤). وقال ابن الهمام: "ولا أعلم أحدا منهم (أي الماتريدية) جوز تكليف ما لا يطاق" (٥). والصواب في المسألة هو التفصيل، فيقال: "تكليف ما لا يطاق ينقسم إلى قسمين: أحدهما: ما لا يطاق للعجز عنه، كتكليف الزمن المشي، وتكليف الإنسان الطيران ونحو ذلك، فهذا غير واقع في الشريعة عند جماهير أهل السنة المثبتين للقدر. والثاني: ما لا يطاق للاشتغال بضده، كاشتغال الكافر بالكفر؛ فإنه هو الذي صده عن الإيمان، وكالقاعد في حال قعوده؛ فإن اشتغاله بالقعود يمنعه أن يكون قائما، والإرادة الجازمة لأحد الضدين تنافي إرادة الضد الآخر، وتكليف الكافر الإيمان من هذا الباب. ومثل هذا ليس بقبيح عقلا عند أحد من العقلاء؛ بل العقلاء متفقون على أمر الإنسان ونهيه بما لا يقدر عليه حال الأمر والنهي لاشتغاله بضده إذا أمكن أن يترك الضد ويفعل الضد المأمور به. وهذا لا يدخل فيما لا يطاق؛ فإنه لا يقال للمستطيع المأمور بالحج إذا لم يحج إنه كلف بما لا يطيق، ولا يقال لمن أمر بالطهارة والصلاة فترك ذلك كسلا أنه كلف ما لا يطيق " (٦).

стр. 60

الفصل الرابع: مسائل الإيمان وفيه خمسة مباحث: المبحث الأول: معنى الإيمان. المبحث الثاني: زيادة الإيمان ونقصانه. المبحث الثالث: الاستثناء في الإيمان. المبحث الرابع: العلاقة بين الإيمان والإسلام. المبحث الخامس: حكم مرتكب الكبيرة. المبحث الأول: معنى الإيمان وحقيقته ذهبت الماتريدية إلى أن الإيمان هو التصديق بالقلب فقط، وذهب بعضهم إلى أنه التصديق بالقلب والإقرار باللسان (١). قال أبو المعين النسفي: "الإيمان في اللغة عبارة عن التصديق، فكل من صدق غيره فيما يخبره يسمى في اللغة مؤمنا به ومؤمنا له، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧] "أي بمصدق لنا، ثم إن اللغوي وهو التصديق بالقلب هو حقيقة الإيمان الواجب على العبد حقا لله تعالى، وهو أن يصدق الرسول ﷺ فيما جاء به من الله تعالى، فمن أتى بهذا التصديق فهو مؤمن فيما بينه وبين الله تعالى (٢). وهذا القول مخالف لقول أهل السنة والجماعة، فمادة أَمِنَ معناها في اللغة وثِق واطمأنَّ، والأمانة الوثوق (٣)، يقال: "ما أمنت أن أجد صاحبَه أي ما وثِقْت" (٤). قال الراغب الأصبهاني ﵀: "أصل الأمن طمأنينة النفس وزوال الخوف " (٥). والإيمان مصدر آمن يؤمن إيماناً فهو مؤمن (٦)، وأصل آمن أأمن بهمزتين لينت الثانية (٧)، وهو من الأمن ضد الخوف (٨). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: في تعريفه للإيمان: " .. فإن اشتقاقه من الأمن الذي هو الإقرار والطمأنينة، وذلك إنما يحصل إذا استقر في القلب التصديق والإنقياد" (٩). وهذا الإقرار يشمل قول القلب الذي هو التصديق، وعمل القلب الذي هو الانقياد.

стр. 61

أما معنى الإيمان: فهو التصديق مع الانقياد. وهو تارة يتعدّى بالباء وتارة باللام. فمن الأول - التعدي بالباء- يقال: آمن به قوم (١) وكذّب به قومٌ، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]. أي يصدقون بأخبار الله عن الجنة والنار (٢). ومن الثاني - التعدي باللام- قوله تعالى مخبرا عن اليهود أنهم قالوا: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣]، أي لا تقروا ولا تصدقوا (٣). ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧]، أي بمصدق لنا (٤). والفرق بينهما أن المتعدي بالباء هو تصديق المخبَر به، والمعتدي باللام هو تصديق المُخْبِر (٥). فالإيمان: إقرار باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان، يزيد بطاعة الرحمن، وينقص بطاعة الشيطان (٦). قال الإمام الشافعي ﵀: "وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ممن أدركنا: أن الإيمان: قول، وعمل، ونية، لا يجزئ واحد من الثلاثة عن الآخر" (٧). وقال محمد بن حسين الآجري ﵀ في باب "القول بأن الإيمان تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح، لا يكون مؤمناً إلا أن يجتمع فيه هذه الخصال الثلاث "، قال: "اعلموا رحمنا الله وإياكم أن الذي عليه علماء المسلمين أن الإيمان واجب على جميع الخلق، وهو تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح. ثم اعلموا أنه لا تجزاء المعرفة بالقلب والتصديق إلا أن يكون معه الإيمان باللسان نطقاً، ولا تجزاء معرفة القلب ونطق اللسان حتى يكون عمل بالجوارح، فإذا كملت فيه هذه الثلاث الخصال كان مؤمناً، دل على ذلك الكتاب والسنة وقول علماء المسلمين .. " (٨).

стр. 62

والأدلة على دخول هذه الأمور في مسمى الإيمان كثيرة، منها: قوله تعالى عن تصديق القلب وإيقانه: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤)﴾ [الزمر: ٣٣ - ٣٤]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥)﴾. وفي حديث الشفاعة: (يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه من الخير ما يزن شعيرة) (١). وقوله تعالى في ذكر بعض أعمال القلوب من الإخلاص والمحبة والإنقياد والإقبال على الله والتوكل عليه ولوازم ذلك وتوابعه، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]، وقال: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠)﴾ [الليل: ١٩ - ٢٠]، وغير ذلك من النصوص الدالة على وجوب التوكل والخوف والرجاء والخشية والخضوع والإنابة وغيرها من أعمال القلوب. ومنها قوله تعالى بالنطق بالشهادتين: شهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والإقرار بلوازمهما، قال الله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ [البقرة: ١٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾ [القصص: ٥٣]، وقال ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله .. ) (٢). ومنها قوله تعالى في الأعمال التي تؤدى باللسان كتلاوة القرآن وسائر الأذكار من التسبيح والتحميد والتكبير والدعاء والاستغفار وغير ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩)﴾ [فاطر: ٢٩]، وقال: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الكهف: ٢٧]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢].

стр. 63

ومنها الأدلة فيما ما يتعلق بعمل الجوارح، وهو العمل الذي لا يؤدى إلا بها، مثل: القيام والركوع والسجود، والمشي إلى المساجد وإلى الحج والجهاد في سبيل الله، قال الله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٧ - ٧٨]، وقال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾ [الفرقان: ٦٣ - ٦٤] (١). ومن الأدلة الصريحة في ذلك حديث وفد عبد القيس، وفيه قوله ﷺ : (آمركم بالإيمان بالله وحده)، وقال: (أتدرون ما الإيمان بالله وحده)؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: (شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تعطوا من المغنم الخمس) (٢).

стр. 64

المبحث الثاني: زيادة الإيمان ونقصانه هذه المسألة مبنية على التي قبلها؛ فإن الماتريدية لما قالت بأن الإيمان هو التصديق وأن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان قالوا: بعدم زيادة الإيمان ونقصانه، وبنوا ذلك على أن التصديق لا يتصور فيه الزيادة والنقص. قال الحكيم السمرقندي: "وينبغي أن يعلم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص؛ لأن من يرى الزيادة والنقصان في الإيمان مبتدع، والزيادة والنقصان إنما تكون في الأفعال لا في الإيمان. ولم يقل أحد من العلماء والصالحين إن الإيمان يزيد وينقص" (١). وقال أبو المعين النسفي: "وإذا ثبت أن الإيمان هو التصديق، وهو لا يتزايد في نفسه، دل أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، فلا زيادة له بانضمام الطاعات إليه ولا نقصان له بارتكاب المعاصي، إذ التصديق في الحالين على ما كان قبلهما " (٢). وهذا القول مخالف لقول أهل السنة والجماعة، وهو أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية (٣)، والأدلة على زيادة الإيمان ونقصانه من الكتاب والسُّنة وآثار السلف كثيرة جدًّا: فمنها: قوله تعالى ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢]، وقال تعالى: وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦]، وقال تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]. وقد وصف النبي ﷺ النساء بنقصان العقل والدين، فقال: ( ... ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن) (٤). وفي حديث الشفاعة: (انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان، فأخرجه من النار) (٥). وكلام الصحابة ﵃ ومن بعدهم في هذا المعنى كثير أيضًا: قال أبو الدرداء: "من فقه العبد أن يتعاهد إيمانه وما نقص منه، ومن فقه العبد أن يعلم أيزداد هو أم ينقص؟ " (٦). وكان ابن مسعود ﵁ يقول في دعائه: "اللهم زدنا إيمانًا ويقينًا وفقهًا" (٧). وقال الشافعي ﵀: "الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية" (٨). وقال البخاري ﵀: "لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار، فما رأيت أحدًا منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص" (٩).

стр. 65

المبحث الثالث: الاستثناء في الإيمان يقصد بالاستثناء في الإيمان: تعليق الإيمان بالمشيئة، وهو قول المؤمن: أنا مؤمن إن شاء الله. والماتريدية لما قالوا بأن الإيمان هو التصديق، وأنه لا يقبل الزيادة والنقصان منعوا الاستثناء في الإيمان، وقالوا: إن الاستثناء شك، ومن شك في تصديقه فهو كافر. قال أبو منصور الماتريدي: "الأصل عندنا قطع القول بالإيمان وبالتسمي به بالإطلاق وترك الاستثناء فيه؛ لأن كل معنى في اجتماع وجودهِ تمامُ الإيمانِ عندَه مما إذا استثني فيه لم يصحَ ذلك المعنى، فعلى ذلك أمره في الجملة، نحو أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله إن شاء الله، أو محمد رسول الله إن شاء الله، وكذلك الشهادة بالبعث والملائكة والرسل والكتب" (١). وقال أبو المعين النسفي: "ثم لما كان - أي الإيمان- اسما للتصديق، وهو شيء حقيقي معلوم الحد فإذا حصل بهذا الحد كان الذات به مؤمنا كالقعود والجلوس والسواد والبياض وغير ذلك لما كانت معاني معلومة الحد متى وجدت بحقيقتها كان الذات بها قاعد جالس أسود أبيض فكذا هذا. وبمعرفة هذا يعرف أن التصديق لما وجد فقد وجد الإيمان بحقيقته، فقول من يقول: أنا مؤمن إن شاء الله؛ مع وجود حقيقة التصديق، كقول من يقول: أنا قائم إن شاء الله، وأنا قاعد إن شاء الله مع وجود حقيقة ذلك، وذلك باطل فكذا هذا" (٢). فالماتريدية منعوا الاستثناء في الإيمان وذلك لأن مفهوم وحقيقة الإيمان عندهم التصديق أو التصديق والقول.

стр. 66

والمقصود بالاستثناء في الإيمان تعليق الإيمان بالمشيئة، وهو قول المؤمن أنا مؤمن إن شاء الله. والخلاف في هذه المسألة وقع تبعا للخلاف في حقيقة الإيمان، وحاصل الأقوال التي قيلت في الاستثناء ثلاثة أقوال: أولًا: تحريم الاستثناء إن كان الاستثناء صادرًا عن شك في وجود أصل الإيمان، فهذا محرَّم، بل كفر؛ لأن الإيمان جزم، والشك ينافيه. ومأخذ هذا القول: أن الإيمان شيء واحد يعلمه الإنسان من نفسه، فإن استثنى منه كان دليلًا على شكه؛ ولذلك كانوا يسمون الذين يستثنون في الإيمان شُكَّاكًا. ثانيًا: وجوب الاستثناء: إن كان الاستثناء صادرًا عن خوف تزكية النفس والشهادة لها بتحقيق الإيمان قولًا وعملًا واعتقادًا، فهذا واجب؛ خوفًا من هذا المحظور. وكذلك فإن الإيمان هو ما مات الإنسان عليه؛ فالإنسان إنما يكون مؤمنًا أو كافرًا حسب الوفاة، وهذا شيء مستقبل غير معلوم؛ فلا يجوز الجزم به. ثالثًا: التفصيل: - فإن كان الاستثناء صادرًا عن شك في وجود أصل الإيمان، فهذا محرم، بل كفر؛ لأن الإيمان جزم، والشك ينافيه. - وإن كان صادرًا عن خوف تزكية النفس والشهادة لها بتحقق الإيمان قولًا وعملًا واعتقادًا، أو أن الإيمان هو ما مات الإنسان عليه؛ فالإنسان إنما يكون مؤمنًا أو كافرًا حسب الوفاة، وهذا شيء مستقبل غير معلوم؛ فلا يجوز الجزم به فهذا واجب. - إن كان المقصود من الاستثناء التبرك بذكر المشيئة أو بيان التعليل، وأن ما قام بقلبه من الإيمان بمشيئة الله، فهذا جائز، والتعليق على هذا الوجه - أعني بيان التعليل - لا ينافي تحقيق المعلق، فإنه قد ورد التعليق على هذا الوجه في الأمور المحققة؛ كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾ [الفتح: ٢٧]. وكذلك الدعاء في زيارة القبور: (وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) (١) " (٢).

стр. 67

المبحث الرابع: العلاقة بين الإيمان والإسلام ذهبت الماتريدية في هذه المسألة إلى أن الإسلام والإيمان شيء واحد وأنه لا تغاير بينهما ولا ينفك أحدهما عن الآخر وإذا زال أحدهما زال الآخر، وأن الاختلاف بينهما في المعنى باللسان. قال أبو منصور الماتريدي: "وأما القول عندنا في الإيمان والإسلام أنه واحد في أمر الدين في التحقيق بالمراد وإن كانا قد يختلفان في المعنى باللسان، ثم من جهة التحقيق بالمراد في الدين، إن الإيمان هو اسم لشهادة العقول والآثار بالتصديق على وحدانية الله تعالى، وأن له الخلق والأمر في الخلق لا شريك له في ذلك، والإسلام هو إسلام المرء نفسه بكليتها وكذا كل شيء لله تعالى بالعبودية لله لا شريك فيه فحصلا من المراد فيهما على واحد. ثم الأصل أنه من البعيد عن العقول أن يأتي المرء بجميع شرائط الإيمان ثم لا يكون مسلما أو يأتي بجميع شرائط الإسلام ثم لا يكون مؤمنا، ثبت أنهما في الحقيقة واحد ومعلوم أن الذي يسع له التسمي بأحدهما يسع بالآخر" (١). والناس في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: الأول: أن الإسلام والإيمان اسمان لمسمى واحد. الثاني: أن الإسلام الكلمة والإيمان العمل. الثالث: التفصيل، وهو الحق؛ وذلك بأن حالة اقترانهما غير حالة إفرادهما، فإذا اقترنا كان المقصود بالإسلام الأعمال الظاهرة والإيمان الأعمال الباطنة، وإذا أفردا كان معناهما واحدا ودخل أحدهما في الآخر، ويكون المقصود جميع أمور الدين الظاهرة والباطنة. ومعناه: أن الإسلام والإيمان إذا اجتمعا في نص واحد من كتاب أو سنة فإن لكل واحد منهما معنى يختص به. فالإسلام: الأعمال الظاهرة ومنها الشهادتان والصلاة .. والإيمان: الأعمال الباطنة من الاعتقادات كالتوكل والخوف والمحبة والرغبة والرهبة ... وغيرها.

стр. 68

وقد دل على هذا دلائل كثيرة منها: قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]، فاجتمعا في نص واحد، ونفى عنهم الإيمان، وأثبت لهم الإسلام؛ فدل على افتراقهما أنهم مسلمون لكن لم يبلغوا أن يكونوا مؤمنين. وحديث جبريل ﵇ المشهور (١)، وفيه ذكر الإسلام: بالأركان الخمسة، والإيمان: بالأصول الستة. فإنهما اجتمعا في نص واحد، أجاب النبي ﷺ لكلٍ بمعنى غير الآخر؛ فدل على افتراقهما. ومعنى افتراقهما: أن يأتي أحدهما في نص دون الآخر، فعندئذٍ يكون أحدهما بمعنى الآخر، فالإسلام هو الإيمان والعكس صحيح. ولهذا أدلة كثيرة في الوحيين: منها قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]. وفي أولها قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، فاقتضينا أن الدين عند الله الإيمان، ومن يبتغ غير الإيمان ديناً فلن يقبل منه. ومنه قوله تعالى في خطابه للمؤمنين في آيات كثيرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ فإن الخطاب أيضاً متوجه للذين أسلموا ولما يدخل الإيمان في قلوبهم، مما يدل على تناول أحدهما الآخر عند الانفراد. ومن أصرح الأدلة من السنة على كون افتراقهما يُصِّيرُ معناهما واحداً حديث وفد عبد القيس، المتفق على صحته من حديث أبي هريرة ﵁، أنهم جاؤوا إلى النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله، إن بيننا وبينك هذا الحي من مضر ولا نستطيع أن نأتيك إلا في الأشهر الحرم، فمرنا بأمر فصل نخبر به من وراءنا، وندخل به الجنة؟ فقال ﷺ : (آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم! قال: تشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيموا الصلاة، وتؤتوا الزكاة، وتصوموا رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس) (٢). فإن النبي ﷺ أخبرهم في الحديث عن الإيمان بأركان الإسلام، فدل على أنهما بمعنى واحد، مما يفيد أن أحدهما يغني عن الآخر عند الافتراق.

стр. 69

المبحث الخامس: حكم مرتكب الكبيرة ذهبت الماتريدية إلى أن مرتكب الكبيرة - غير المستحل لها- لا يخرج من الإيمان ولا يدخل في الكفر؛ بل هو مؤمن كامل الإيمان لعدم زوال التصديق، وهو مع إيمانه فاسق مستحق للوعيد لعدم طاعته لله تعالى واقترافه للمعاصي والآثام. وقالوا إذا مات مرتكب الكبيرة من غير توبة فهو تحت المشيئة، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، وإن عذب يخرج من النار لا محالة. قال أبو المعين النسفي: "وأما أهل الحق فإنهم يقولون: إن من اقترف كبيرة غير مستحل لها، ولا مستخف بمن نهى عنها؛ بل لغلبة شهوة أو حمية، يرجو الله أن يغفر له، ويخاف أن يعذبه عليها؛ فهذا اسمه المؤمن، وبقي على ما كان عليه من الإيمان، ولم يزل عنه إيمانه، ولم ينتقص، ولا يخرج من الإيمان إلا من الباب الذي دخله، وحكمه أنه لو مات من غير توبة فلله تعالى فيه المشيئة، إن شاء عفا عنه بفضله وكرمه أو ببركة ما معه من الإيمان والحسنات أو بشفاعة بعض الأخيار، وإن شاء عذبه بقدر ذنبه ثم عاقبة أمره الجنة لا محالة ولا يخلد في النار. أما الاسم فلأن الإيمان هو التصديق والكفر هو التكذيب، وهذا الذي ارتكب هذه الكبيرة، كان التصديق معه باقيا، وما دام التصديق موجودا كان التكذيب منعدما للمضادة بينهما، فالقول بكفره والتكذيب منعدم أو بزوال الإيمان والتصديق قائم أو بثبوت النفاق والتصديق في القلب متقرر قول ظاهر الفساد، ثم إطلاق اسم الفاسق لما أنه خرج عن حد الائتمار، والفسق في اللغة هو الخروج ثم الخروج عن الائتمار، ولا يضاد التصديق فيبقى التصديق، وإذا بقي كان المصدق مؤمنا ضرورة" (١). والحق والصواب في الحكم على مرتكب الكبيرة بالنسبة لأحكام الدنيا أن يقال: هو "مؤمن ناقص الإيمان، مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، ولا يعطى اسم الإيمان المطلق؛ فإن الكتاب والسنة نفيا عنه الاسم المطلق واسم الإيمان يتناوله فيما أمر الله به ورسوله؛ لأن ذلك إيجاب عليه وتحريم عليه وهو لازم له كما يلزم غيره" (٢). وأما قولهم بأن مرتكب الكبيرة إذا مات من غير توبة يكون تحت مشيئة الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه، ثم عاقبة أمره إلى الجنة وأنه لا يخلد في النار فهو القول الحق في المسألة وهو مذهب أهل السنة والجماعة وسلف هذه الأمة. قال الطحاوي ﵀: " وأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ في النار لا يخلدون إذا ماتوا وهم موحدون وإن لم يكونوا تائبين بعد أن لقوا الله عارفين، وهم في مشيئته وحكمه، إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله كما ذكر في كتابه ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وإن شاء عذبهم في النار بعدله ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته ثم يبعثهم إلى جنته، وذلك بأن الله تعالى مولى أهل معرفته، ولم يجعلهم في الدارين كأهل نكرته الذين خابوا من هدايته ولم ينالوا من ولايته، اللهم يا ولي الإسلام وأهله ثبتنا على الإسلام حتى نلقاك به" (٣).

стр. 70

الفصل الخامس: الموازنة بين الماتريدية والأشاعرة وفيه مبحثان: المبحث الأول: المسائل الخلافية بينهما حقيقة. المبحث الثاني: المسائل الخلافية بينهما لفظا.

стр. 71

تمهيد إن الناظر في معتقد الماتريدية ومعتقد الأشاعرة يجد بينهما تقاربا كبيرا، وهذا التقارب هو الذي أوجد الاتفاق والائتلاف بينهما، حتى صار كل منهم يطلق اسم أهل السنة والجماعة على الطائفتين. والذي يظهر - والله تعالى أعلم بالصواب- أن الماتريدية انبثقت من الكلابية كما أن الأشعرية كذلك. والدليل على هذا أن أهم ما تتميز به الماتريدية هو القول بأزلية التكوين، وهذا قد قالت به الكلابية من قبل ظهور الماتريدية، كما أن المذهب الكلابي كان منتشرا في بلاد ما وراء النهر، وهي البلاد التي عاش وتوفي فيها الماتريدي ... فعلى هذا لابد أن يكون الماتريدي قد أخذ عن شيوخه من الكلابية وتأثر بهم، وبهذا يتضح السر في التقارب بين الأشاعرة والماتريدية، والله تعالى أعلم بالصواب (١). قال السبكي- وهو من الأشاعرة- في الطبقات: "تفحصت كتب الحنفية -ويقصد بهم الماتريدية لتمذهبهم بالمذهب الحنفي- فوجدت جميع المسائل التي بيننا وبين الحنفية خلاف فيها ثلاث عشرة مسألة، منها معنوي ست مسائل والباقي لفظي، وتلك الست المعنوية لا تقتضي مخالفتهم لنا، ولا مخالفتنا لهم فيها تكفيرا ولا تبديعا. ولي قصيدة نونية جمعت فيها هذه المسائل، وضممت إليها مسائل اختلفت الأشاعرة فيها مع تصويب بعضهم بعضا في أصل العقيدة ودعواهم أنهم أجمعين على السنة" (٢). كما عقد البياضي في كتابه "إشارات المرام" فصلا لبيان المسائل الخلافية بين الأشاعرة والماتريدية، وذكر أن الخلاف بينهما يقع في خمسين مسألة، كما أنه عرض لتفصيل المسائل الخلافية بأدلتها في جميع فصول الكتاب. وذكر أن الخلاف بين الأشاعرة والماتريدية معنوي، ولكنه في التفاريع التي لا يلزم من الخلاف فيها التبديع، فلذا يعد الكتاب من أهم المراجع في معرفة الخلاف بين الأشاعرة والماتريدية (٣). ويقول زاهد الكوثري: "فالأشعري والماتريدي هما إماما أهل السنة والجماعة في مشارق الأرض ومغاربها، لهم كتب لا تحصى، وغالب ما وقع بين هذين الإمامين من الخلاف من قبيل الخلاف اللفظي، وقد دونت عدة كتب في ذلك، وقد أحسن تلخيصها البياضي في "إشارات المرام في عبارات الإمام"، ونقل نصه الزبيدي في "شرح الإحياء" (٤).

стр. 72

المبحث الأول: المسائل الخلافية بينهما حقيقة (١) أهم المسائل التي وقع فيها الخلاف بين الماتريدية والأشعرية وكان الخلاف فيها حقيقيًا وليس لفظيًا، وجوهريًا ليس فرعيًا: المسألة الأولى: معرفة الله تعالى: قالت الماتريدية أن معرفة الله تعالى واجبة بالعقل، وأنه تعالى لو لم يبعث للناس رسولا لوجب عليهم بعقولهم معرفة وجوده تعالى ووحدته واتصافه بما يليق من الصفات، وأنه محدث العالم وصانعه، وأن من لم يبلغه الوحي لا يكون معذورا. وأما الأشاعرة فقالوا: إن معرفة الله تعالى واجبة بالشرع، وأنه لا يجب إيمان ولا يحرم كفر قبل ورود الشرع، فلذلك قالوا: بأن الناشئ في الشاهق الذي لم تبلغه الدعوة يكون معذورا. المسألة الثانية: صفة الإرادة: ذهبت الماتريدية إلى أن الإرادة لا تستلزم الرضى والمحبة، وذهب الأشاعرة إلى أن المحبة والرضى والإرادة بمعنى واحد. المسألة الثالثة: صفة الكلام: ذهبت الماتريدية إلى أن كلام الله لا يسمع، إنما يسمع ما هو عبارة عنه، فموسى إنما سمع صوتا وحروفا خلقها الله دالة على كلامه. وذهب الأشاعرة إلى جواز سماع كلام الله تعالى، وأن ما سمعه موسى ﵇ هو كلام الله تعالى النفسي، وذلك يكون بخلق إدراك في المستمع. المسألة الرابعة: صفة التكوين: قالت الماتريدية أن التكوين صفة أزلية لله تعالى، وأن التكوين غير المكون. وذهب الأشاعرة إلى أن التكوين ليس صفة لله تعالى، بل هو أمر اعتباري يحصل في العقل من نسبة المؤثر إلى الأثر، فلذا قالوا بأن التكوين هو عين المكون وهو حادث. المسألة الخامسة: التكليف بما لا يطاق: ذهبت الماتريدية إلى عدم جواز التكليف بما لا يطاق، وذهب جمهور الأشاعرة إلى أن التكليف بما لا يطاق جائز. المسألة السادسة: الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى: ذهبت الماتريدية إلى القول بلزوم الحكمة في أفعال الله تعالى، وأنه لا يجوز أن تنفك عنها مطلقا. وذهب الأشاعرة إلى نفي الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى، وقالوا: أن أفعاله ليست معللة بالأغراض، ولا يجوز تعليل أفعاله تعالى بشيء من الأغراض والعلل الغائية.

стр. 73

المسألة السابعة: التحسين والتقبيح: ذهبت الماتريدية إلى أن العقل يدرك حسن الأشياء وقبحها، أي أنهم قالوا بالتحسين والتقبيح العقليين. وأما الأشاعرة فذهبوا إلى أنه لا يعرف بالعقل حسن الأشياء وقبحها، بل إنما يعرف بالشرع. المسألة الثامنة: الاستطاعة: ذهب جمهور الماتريدية إلى أن الاستطاعة تقع على نوعين: الأولى: سلامة الأسباب والآلات، وهي تتقدم الفعل. الثانية: الاستطاعة التي يتهيأ بها الفعل، وتكون مع الفعل. وأما الأشاعرة فقد ذهبوا إلى أن الاستطاعة لا تكون إلا مع الفعل، ولا يجوز أن تتقدمه ولا أن تتأخر عنه. المسألة التاسعة: الكسب: اتفقت الماتريدية والأشاعرة على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، وهي كسب من العباد، ولكن اختلفوا في معنى الكسب. فقالت الماتريدية: إن المؤثر في أصل الفعل قدرة الله تعالى، والمؤثر في صفة الفعل قدرة العبد، وتأثير العبد هذا هو الكسب. فقدرة العبد عند الماتريدية لها أثر في الفعل، لكن لا أثر لها في الإيجاد لأن الخلق ينفرد الله تعالى به، وإنما أثرها في القصد والاختيار للفعل. وأما الكسب عند الأشاعرة فهو أن أفعال العباد الاختيارية واقعة بقدرة الله تعالى وحدها، وليس لقدرتهم تأثير فيها، بل الله سبحانه أجرى عادته بأن يوجد في العبد قدرة واختيارا، فإذا لم يكن هناك مانع أوجد فيه فعله المقدور مقارنا لهما، فيكون الفعل مخلوقا لله إبداعا وإحداثا، ومكسوبا للعبد، والمراد بكسبه إياه: مقارنته لقدرته وإرادته من غير أن يكون هناك منه تأثير أو مدخل في وجوده سوى كونه محلا له. المسألة العاشرة: إيمان المقلد: ذهبت الماتريدية إلى أن من اعتقد أركان الدين تقليدا يكون إيمانه صحيحا. وأما الأشاعرة فذهبوا إلى عدم صحة إيمان المقلد، وقالوا: إن من شروط صحة الإيمان أن يعرف كل مسألة بدليل قطعي عقلي. المسألة الحادية عشرة: الثواب والعقاب، فالماتريدية والأشاعرة يتفقان في القول بعدم جواز تعذيب المطيع وإثابة العاصي. أما محل الخلاف بينهما فهو في المدرك، حيث ذهبت الماتريدية إلى أن المدرك لذلك هو العقل والشرع. أما الأشاعرة فذهبوا إلى أن المدرك لذلك هو الشرع. وقد ترتب على ذلك أن الماتريدية منعوا جواز تعذيب المطيع وإثابة العاصي، بينما أجاز ذلك الأشعرية (١). المسألة الثانية عشرة: عصمة الأنبياء، حيث قالت الماتريدية بعصمة الأنبياء من الكبائر والقبائح وخصوصا فيما يتعلق بأمر الشرع وتبليغ الأحكام وإرشاد الأمة. ويذهب الماتريدية أيضا إلى أن الأنبياء معصومون من الصغائر، وأوجبوا تأويل كل ما أوهم في حقهم ﵈ من الكتاب والسنة مما اغتر به بعض من أجاز عليهم الصغائر، فالأنبياء منزهون عن الصغائر والكبائر ومن جميع المعاصي. بينما يذهب الأشاعرة إلى أن الأنبياء تصدر عنهم الصغائر قبل النبوة إذا لم تكن خسيسة وليس هناك دليل على منع ذلك، سواء أكان ذلك عمدا أم سهوا، أما بعد النبوة فإن الأنبياء معصومون عن تعمد كل ما يخل بصدقهم حتى إذا كان من الصغائر (٢).

стр. 74

المبحث الثاني: المسائل الخلافية بينهما لفظا (١) أما المسائل المختلف فيها لفظا فهي: المسألة الأولى: السعادة والشقاوة: ترى الماتريدية أن السعادة والشقاوة تكونان في الحال، وليستا أزليتين، وبذلك يكون السعيد عندهم هو المؤمن في الحال، ولو مات على الكفر فقد انقلب شقيا بعد أن كان سعيدا، والشقي هو الكافر في الحال ولو مات على الإيمان فقد انقلب سعيدا. أما عند الأشاعرة: فمفهوم السعادة عندهم هو الموت على الإيمان، وذلك-باعتبار تعلق علم الله تعالى- أزلا بذلك، وكذلك الشقاوة عندهم هي الموت على الكفر، وبذلك يكون السعيد عندهم سعيدا في الأزل والشقي شقيا في الأزل، ولا يتبدل السعيد شقيا أو الشقي سعيدا. المسألة الثانية: حكم بقاء الرسالة بعد موت الرسل: عند الماتريدية أن الرسل والأنبياء يظلون كذلك حتى بعد موتهم أي بصفتهم أنبياء ورسلا. وأما الأشاعرة فيرون أن الأنبياء والرسل بعد موتهم في حكم الرسالة، وحكم الشيء يقوم مقام أصله. وبذلك يتضح أن الفريقين يتفقان في أصل المسألة وهي أن الرسالة باقية إلى الآن، لكن الخلاف فيما إذا كانت الرسالة باقية حقيقة أم في حكم الرسالة. المسألة الثالثة: الإرادة، وهل تستلزم الرضا والمحبة أم لا؟ فالماتريدية يثبتون إرادة الله تعالى الشاملة لأفعال العباد، لأن أفعال العباد من خلقه تعالى، والقول بعدم إرادة الله الشاملة معناه: عدم قدرة الله على أفعالهم، فالقول بالقدرة المطلقة والإرادة المطلقة والعلم المطلق لازم لتمام صفات الألوهية. غير أن الماتريدية يقولون: إنه لا محبة في صفة الإرادة، وأن هذه الإرادة لا تستلزم الرضا والمحبة. أما الأشاعرة فيرون أن الإرادة هي الرضا والمحبة، إذ المحبة هي الإرادة، والرضا كذلك معناه الإرادة، والإرادة تستلزم الرضا والمحبة، وبهذا تكون الإرادة والمحبة والمشيئة والرضا والاختيار كلها بمعنى واحد. المسألة الرابعة: الاستثناء في الإيمان: يعرف الماتريدية الإيمان بأنه تصديق بالقلب وإقرار باللسان. ويعرفه الأشعرية بأنه التصديق بالله تعالى. فذهبت الماتريدية إلى منع دخول الاستثناء في الإيمان، فالمؤمن عندهم يكون مؤمنا حقا وليس مؤمنا بالمشيئة، وذلك لأن الماتريدية يرون أن الاستثناء شك في إيمان المؤمن وشرائطه التي لا تقبل الشك. بينما يذهب الأشاعرة إلى جواز الاستثناء في الإيمان، فيمكن للمؤمن أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله. وبذلك يظهر أن محل الخلاف هو أن الماتريدية لا يجيزون الاستثناء في الإيمان، بينما الأشعرية يجيزون ذلك.

стр. 75

المسألة الخامسة: إيمان المقلد: فالماتريدية يذهبون إلى القول بصحة إيمان المقلد، لأن مع هذا الإيمان تصديق، والتصديق هو أصل الإيمان، وعندهم أيضا يصح الاكتفاء بالتقليد في العقائد الدينية؛ إلا أن المقلد يعد عاصيا بتركه للنظر إذا كان قادرا على ذلك. أما الأشاعرة فإنهم يقولون بأنه لا يُكتفى بالتقليد في العقائد الدينية، ولكن لابد من الاعتقاد الجازم الناشئ عن دليل؛ لأن الإيمان من المسائل الأصولية، وهذه قليلة يمكن الإحاطة بها، وتكفي فيها المعرفة على الإجمال، ولا يشترط عندهم القدرة على التعبير عن ذلك. ويذهبون إلى أن المقلد عاص بتركه النظر والاستدلال، ولكنه ليس مشركا أو كافرا. المسألة السادسة: الكسب: فالماتريدية يثبتون للعبد قدرة وإرادة لها أثر في الفعل، ولا أثر لها في الإيجاب والإحداث، وإنما أثرها ينصب على وصف الفعل بكونه طاعة أو معصية، وتتمثل هذه القدرة في القصد والاختيار للفعل، والله يخلق للعبد القدرة على الفعل، وتكون نتيجة الفعل عليه. وبذلك يثبت الماتريدية أن للعبد اختيارا في أفعاله، وهذه الأفعال هي التي يترتب عليها المدح والذم في الدنيا، كما يترتب عليها الثواب والعقاب في الآخرة. أما الأشاعرة فيذهبون إلى أن قدرة العباد التي وقع بها الفعل غير مخلوقة، وأن أمرها بأيديهم، وعليها مدار تكليفهم، والإرادة عند الأشاعرة هي الإرادة الجزئية، أما الإرادة الكلية عندهم فهي مخلوقة لله تعالى. المسألة السابعة: الكافر منعَمٌ عليه أم لا؟ يرى الماتريدية أن الكافر منعم عليه، لكن هذا الإنعام إنما وقع في الدنيا فقط. ويرى الأشاعرة أن الكافر لم ينعم عليه لا في الدين ولا في الدنيا ولا في الآخرة (١).
следующие страницы →