← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 643

الحديث الضعيف وحكم الاحتجاج به

عبد الكريم الخضير

Полный текст (464 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وقائد الغر المحجلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الهداة المهتدين، وعلى جميع من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فقد كثر في الآونة الأخيرة النقاش حول بعض المسائل الهامة في الدين، واحتدم النزاع فيها بين من ينتسب إلى العلم، ومن هذه السائل: مسألة الاحتجاج بالحديث الضعيف؛ الذي نتج عنه الإزراء بفقهاء الأمة لذكرهم الضعيف في كتبهم، غافلين، أو متغافلين أن الفقهاء حينما ذكروها لم يعلموا بضعفها، ولكن ذكروها دون بحث عنها، وأحالوا نقدها على صيارفة الحديث، لكونهم أغنوهم عن الكشف عن درجتها، فالبحث عن كيفية رواية الأخبار من وظيفة حملة السنة النبوية، وإن كان المؤمل من طالب العلم -عموما- محدثا أو فقيها أن لا يعمل بخبر يبلغه حتى يعلم درجته، إلا أن الاختصاص بفن معين والاقتصار عليه قد يفرض على صاحبه عدم الخروج عنه إلى غيره لضيق الوقت، وتشعب العلوم. ونتيجة حتمية لهذا النزاع وجدت نفسي وأمثالي من المبتدئين في طلب العلم بحاجة ماسة إلى مؤلف يجمع أحكام الحديث الضعيف، وجميع ما

стр. 2

يتعلق به استقلالا دون تعرض لغيره من أنواع علوم الحديث؛ خصوصا وأن الأحاديث الضعيفة غزت كثيرا من الكتب التي يكتبها بعض المعاصرين عن الإِسلام، كما شاعت على ألسنة العديد من الخطباء والوعاظ والمتحدثين، وعلى كل ما بحثه العلماء ضمن كتب علوم الحديث من بيان لأحكام الحديث الضعيف، وما وضعه بعضهم من قواعد، كما فعل ابن القيم في كتابه القيم "المنار المنيف في الصحيح والضعيف" فإني لم أجد من أفرده في تصنيف جامع مستقل، إلا ما كان من كراسة كتبها الشيخ علوي المالكي (١) -جزاه الله خيرا- وسماها "المنهل اللطيف في أحكام الحديث الضعيف"؛ إلا أنها رسالة صغيرة لا تروي غليل الباحث إذ لا تتجاوز خمس عشرة ورقة من الحجم الصغير، وجواب كتبه الشيخ أبو الحسنات اللكهنوى (٢) ضمن أجوبة كتبها عن أسئلة عشرة سئلها (٣)، فأستعنت بالله وعزمت على اختيار هذا الموضوع لأنال به درجة "الماجستير" من قسم السنة النبوية في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وقد جعلته مكونا من: تمهيد، وثلاثة أبواب، وخاتمة

стр. 3

على النحو التالي:- التمهيد: ويحتوي على المباحث الآتية:- أ- تعريف الحديث النبوي الشريف. ب- تقسيم الخبر باعتبار وصوله إلينا. جـ - تقسيم الخبر من حيث القبول والرد. د- تقسيم المقبول إلى صحيح وحسن. الباب الأول: في الحديث الضعيف ومسالك الضعف إلى الحديث، ويشتمل على تقدمة وفصلين:- التقدمة: في تعريف الحديث الضعيف. الفصل الأول: في المسلك الأول من مسالك الضعف إلى الحديث، وهو السقط من السند. الفصل الثاني: في المسلك الثاني من مسالك الضعف إلى الحديث، وهو الطعن في الراوي. الباب الثاني: في حكم الاحتجاج بالحديث الضعيف، ويشتمل على تقدمة وفصلين أيضا. التقدمة: في الاحتجاج بالسنة النبوية. الفصل الأول: في حكم الاحتجاج بالحديث الضعيف في الأحكام وفضائل الأعمال. الفصل الثاني: في حكم الاحتجاج بالحديث الضعيف في تفسير كتاب

стр. 4

الله وقراءة شيء منه، وفي أخبار المغازي والسير. الباب الثالث: ويشتمل على عدة مباحث من متعلقات الحديث الضعيف، وقد قسمته إلى زمرتين جعلتهما في فصلين:- الفصل الأول: ويشتمل على المباحث الآتية:- ١ - عناية المحدثين بالسند والمتن. ٢ - حكم الرواية عن الضعفاء. ٣ - أضعف الأسانيد. الفصل الثاني: ويشتمل على المباحث الآتية:- ١ - مظان الحديث الضعيف. ٢ - الكتب المصنفة في الضعفاء. ٣ - الكتب المصنفة في أنواع خاصة من الحديث الضعيف. الخاتمة: ذكرت فيها أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال بحثي، ثم أعقبت ذلك بفهارس الأحاديث والمراجع والموضوعات. وفي أثناء الرسالة نقلت النصوص وأقوال الأئمة من مصادرها الأصلية، ولم أشأ أن أشين هذه النقول بكثرة التعليق عليها، بل اكتفيت بتنظيمها وتنسيقها وتوضيح المراد منها، وترجيح ما أراه راجحا من أقوالهم عند الاختلاف، كل ذلك على سبيل الاختصار، حفاظا على أساليب أولئك الأئمة لما تتمتع به من دقة في التعبير، وجزالة في الأسلوب. وفي ختام هذا التقديم أتقدم بوافر الشكر، وخالص الدعاء لفضيلة أستاذي الدكتور محمد أديب الصالح الذي تفضل مشكورا بقبول

стр. 5

الإشراف على هذه الرسالة؛ رغم ما يقوم به من أعمال كثيرة، ومع ذلك فلم يبخل علي بوقت ولا رأي، مما جعل لملاحظاته وتوجيهاته أكبر الأثر على إخراج هذه الرسالة. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه. وكتبه عبد الكريم بن عبد الله الخضير

стр. 6

تمهيد يحتوي على المباحث الآتية:- ١ - تعريف: الحديث، الخبر، الأثر، السنة، الحديث القدسي. ٢ - تقسيم الخبر باعتبار وصوله إلينا:- أ- متواتر. ب-آحاد. تعريف كل منهما وأقسامه. ٣ - تقسيم الخبر من حيث القبول والرد:- أ- مقبول. ب- مردود. تقسيم المقبول إلى:- ١ - صحيح لذاته. ٢ - حسن لذاته. ٣ - صحيح لغيره. ٤ - حسن لغيره. *أما المردود فسيأتي الكلام عليه في الباب الأول، وما بعده.

стр. 7

تعريف الحديث النبوي الشريف التعريف اللغوي: الحديث: نقيض القديم، والحدوث نقيض القدمة، حدث الشيء يحدث حدوثا وأحدثه، فهو محدث وحديث (١). فالحديث ما يحدث به المحدث تحديثا، ورجل حدث: أي كثير الحديث (٢). قال الجوهري (٣): الحديث الخبر يأتي على القليل والكثير، ويجمع على أحاديث على غير قياس (٤). كقطيع وأقاطيع (٥). وقد ورد ذكر الحديث في القرآن على خمسة أوجه: الأول: بمعنى الأخبار والآثار. ﴿ ... أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ... ﴾ الآية (٦). الثاني: بمعنى القول والكلام ﴿ .. وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا .. ﴾ (٧).

стр. 8

الثالث: بمعنى القرآن العظيم ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ ... ﴾ [الطور: ٣٤] الآية (١). الرابع: بمعنى القصص ذات العبر. ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ ... ﴾ (٢) الآية. الخامس: بمعنى العبر في حديث الكفار والفجار ﴿ ... فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ... ﴾ الآية (٣). وكل كلام يبلغ الإنسان من جهة السمع أو الوحي في يقظته أو منامه، يقال له: حديث. قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا ... ﴾ الآية (٤). أما النبي ﷺ فقد أطلق على كلامه حديثا؛ وذلك حينما سأله أبو هريرة قائلا: "من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟، فقال له الرسول ﷺ : لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أولى منك لما رأيت من حرصك على الحديث" (٥).

стр. 9

التعريف الاصطلاحي: عرفه الكرماني (١) بأنه: علم يعرف به أقوال الرسول ﷺ وأفعاله وأحواله (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٣): "الحديث النبوي -عند الإِطلاق- ينصرف إلى ما حدث به عنه ﷺ بعد النبوة من قوله وفعله وإقراره" (٤). وعرفه الحافظ ابن حجر (٥): بأنه ما يضاف إلى النبي ﷺ (٦).

стр. 10

وعرفه السخاوي (١): بأنه ما أضيف إلى النبي ﷺ قولا له أو فعلا أو تقريرا أو صفة حتى الحركات والسكنات في اليقظة والمنام (٢). نقد التعريفات السابقة: تعريف الكرماني: غير شامل للتقرير، فهو غير جامع؛ ومع ذلك يقول فيه السيوطي (٣): إنه غير محرر (٤). وتعريف شيخ الإسلام ابن تيمية: لم يذكر فيه الوصف؛ فهو غير جامع أيضا. وتعريف الحافظ ابن حجر: مجمل، فليس بجامع ولا مانع. وتعريف السخاوي: لم يقيد بما بعد النبوة، فهو غير مانع. وأحسن تعريف للحديث الشريف -في نظري-: هو تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية إذا أضيف إليه الوصف. وهكذا: نرى هذه التعريفات تتفق في حصر الحديث بكونه ما أضيف

стр. 11

إلى النبي ﷺ دون غيره، لكن الحافظ الطيبي (١) ذكر أن السلف أطلقوا الحديث على أقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان وآثارهم وفتاواهم (٢). الخبر: مرادف للحديث، كما تقدم في كلام الجوهري (٣). ونقله الحافظ ابن حجر عن علماء الفن (٤). ويرى آخرون: أن الحديث ما جاء عن النبي ﷺ ، والخبر ما جاء عن غيره، ومن ثم قيل لمن يشتغل بالتواريخ وما شاكلها "الإخباري"، ولمن يشتغل بالسنة النبوية "المحدث" (٥). ويرى جماعة من أهل العلم أن بين الحديث والخبر عموما وخصوصا مطلقا، فكل حديث خبر من غير عكس (٦)، على اعتبار أن الحديث هو المرفوع فقط، وأن الخبر يشمل المرفوع والموقوف (٧). الأثر: هو مرادف للحديث أيضا، ومن ثم قيل لمن يشتغل بالحديث: "الأثري".

стр. 12

وقيل: هو أعم من الحديث فيشمل المرفوع والموقوف، ومنه شرح معاني الآثار (١)، لا شتماله عليهما (٢). ويرى الفقهاء الخراسانيون قصره على الموقوف (٣). السنة: وهي مرادفة للحديث أيضا، فقد عرفها الحافظ ابن حجر: بأنها ما جاء عن النبي ﷺ من أقواله وأفعاله وتقريره وما هم بفعله (٤). وهي كذلك عند الأصوليين (٥) مرادفة للحديث (٦). لكن رد اللفظين إلى أصولهما يؤكد وجود بعض الفروق الدقيقة بين الاستعمالين. فالحديث: اسم من التحديث الذي هو الإخبار، ثم سمي به قول النبي ﷺ وفعله وتقريره وصفته. أما السنة: فإنها تبعا لأصلها اللغوي -الذي هو الطريقة- نجد أن لفظها

стр. 13

يوحي بأنها الطريقة التي سلكها النبي ﷺ في سيرته (١). فإذا كان الحديث عاما يشمل قول النبي ﷺ وفعله، فالسنة خاصة بأعماله (٢). ومن هذا المنطلق ندرك معنى قول عبد الرحمن بن مهدي (٣) حين سُئِلَ عن الأوزاعي (٤)، وسفيان الثوري (٥)، ومالك بن أنس: أيهم أعلم؟ فقال: الأوزاعي إمام في السنة، وليس بإمام في الحديث، وسفيان إمام في الحديث، وليس بإمام في السنة، ومالك إمام فيهما معًا (٦). لكن الحافظ ابن الصلاح (٧) لما سئل عن هذا الكلام أجاب: بأن السنة-

стр. 14

هنا- ضد البدعة، وقد يكون الإنسان من أهل الحديث وهو مبتدع، ومالك ﵁ جمع بين السنتين، فكان عالما بالسنة أي: الحديث، ومعتقد السنة، أي: كان مذهبه مذهب أهل الحق من غير بدعة (١). لكن هذا التوجيه غير وجيه، لأنه يلزم منه أن سفيان الثوري مع معرفته بالحديث لا يعرف البدع وأهلها، وهذا بعيد. وأجود منه ما قاله الشيخ ولي الله الدهلوي (٢) حيث قال ما ملخصه: "إن السلف على قسمين: قسم يستنبط من النصوص مباشرة، وآخر يستنبط من القواعد الكلية التي هذبها جماعة من الأئمة بدون التفات إلى مأخذها، فالثوري كان إماما في نقل الأحاديث، وآثار الصحابة بأسانيد صحيحة. والأوزاعي كان إماما في معرفة قواعد السلف في كل باب من أبواب الفقه، وأما الإمام مالك فكان إماما في كلا الأمرين" (٣). لكن هذا التفريق لم يعش طويلا فيما بعد، وأضحت الكلمتان مترادفتين ولا يذكر التفريق بينهما إلا من أجل فهم مثل هذه العبارة الواردة عن ابن مهدي.

стр. 15

الحديث القدسي: الأحاديث النبوية، منها: ما يسنده الرسول ﷺ إلى نفسه إسنادًا مباشرًا، فيسمى حديثًا بالمعنى المتقدم المتعارف عليه بين المحدثين. ومنها: ما يحكيه النبي ﷺ عن الله بإسلوب غير إسلوب لقرآن الكريم (١)، وهذا مع مغايرته لاسلوب القرآن الكريم إذا صح تظهر عليه النفحة الإلهية، والهيبة الربانية، والنوع الأخير هو ما اصطلح المحدثون على تسميته بالحديث القدسي. تعريفه: القدسي: منسوب إلى القدس، والقدس: الطهارة والنزاهة، ومنه اسمه ﵎ (القدوس) أي: الطاهر المنزه عن العيوب والنقائص، ومنه الأرض المقدسة، لأنها يتقدس فيها من الذنوب. وروح القدس: جبريل لأنه خلق من طهارة (٢).

стр. 16

فالحديث القدسي: ما أضافه الرسول ﷺ ، وأسنده إلى ربه من غير القرآن (١). فهو حديث، لكون الرسول ﷺ هو الحاكي له عن ربه . وقدسي: لأنه منسوب إلى القدوس، لأنه صادر عن الله ﵎. صيغ الحديث القدسي: للحديث القدسي صيغتان: إِحداهما: أن يقول الراوي: قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه . مثال ذلك: ما روى مسلم عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه ﵎: "إِني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ... " الحديث (٢). الثانيه: أن يقول الراوي: قال رسول الله ﷺ : قال الله تعالى، أو يقول الله . مثال ذلك: ما روى أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ ، قال: قال الله : "إِذا هم عبدي بحسنة ولم يعملها كتبتها له حسنة ... " الحديث (٣).

стр. 17

تنبيه: وصف الحديث بكونه قدسيا لا يعني أنه صحيح؛ إذ أن الصحة والضعف مرجعهما إلى السند، وهذه الوصفية مرجعها إلى نسبة الكلام إلى الله ﵎. فعلى هذا قد يكون الحديث القدسي صحيحا، وقد يكون حسنا، وقد يكون ضعيفا.

стр. 18

أقسام الحديث النبوي أولا: تقسيمه باعتبار وصوله إِلينا: الحديث باعتبار وصوله إلينا، إما أن تتعدد طرقه ورواياته، أو لا تتعدد. فإن تعددت الطرق، فلا يخلو الأمر من شيئين:- أولهما: أن يكون التعدد بلا حصر، وتحيل العادة تواطؤ جميع رواته على الكذب، أو وقوعه منهم اتفاقا، وهذا ما يسمى في الاصطلاح بالتواتر. ثانيهما: أن يكون محصورا بعدد معين، وهذا ما يسمى في الاصطلاح بالآحاد. وهذا التعدد إن كان بما فوق الاثنين، فهو المسمى بالمشهور. وإن كان بالاثنين فقط؛ فهو المسمى بالعزيز، وهذا العدد هو نهاية التعدد. وإن لم تتعدد طرقه؛ ولو كان الانفراد في طبقة من طبقات رواته فهو ما اصطلح على تسميته بالغريب، وقد اصطلح العلماء على تسمية هذه الأقسام الثلاثة: المشهور، العزيز، الغريب: بالآحاد. وإليك الكلام على هذه الأقسام بإيجاز:

стр. 19

القسم الأول: المتواتر تعريفه: لغة: مشتق من التواتر، بمعنى التتابع. يقال: تواترت الإبل والقطا، وكل شيء إذا جاء بعضه في بعض، ولم تجئ مصطفة (١). واصطلاحا: ما نقله عدد لا يمكن مواطأتهم على الكذب عن مثلهم، ويستوي طرفاه والوسط، ويخبرون عن حسي لا مظنون (٢). شروط المتواتر: للمتواتر شروط أربعة، هي:- ١ - أن يخبر به عدد كثير يحصل العلم الضروري بصدق خبرهم من غير حصر (٣) على الصحيح، ومن العلماء من عين رقمًا لأدنى العدد المطلوب، فقيل: عشرة لأنه أول جموع الكثرة، وقيل: أربعون، وقيل: سبعون عدة أصحاب موسى ﵇، وقيل: ثلاثمائة وبضعة عشر عدة أصحاب بدر؛ وقيل غير ذلك (٤). ٢ - أن يخبروا عن علم لا عن ظن، فإن أهل بلد عظيم لو أخبروا عن طائر ظنوا أنه حمام، أو عن شخص أنهم ظنوا أنه زيد لم يحصل العلم

стр. 20

بكونه حمامًا أو زيدًا (١). ٣ - أن يكون علمهم مستندًا إلى أمر محس، إذ لو أخبروا عن حدوث العالم، أو عن صدق الأنبياء، لم يحصل لنا العلم، فلابد أن يستند فيه ناقلوه إلى الحواس كالسمع والبصر، لا لمجرد إدراك العقل، قال الحافظ ابن حجر: "الأخبار التي تشاع، ولو كثر ناقلوها إن لم يكن مرجعها إلى أمر حسي من مشاهدة أو سماع لا تستلزم الصدق" (٢). ٤ - أن توجد هذه الشروط في جميع طبقات السند، لأن كل عصر يستقل بنفسه، فلابد من وجود الشروط فيه، ولأجل ذلك لم يحصل لنا العلم بصدق اليهود مع كثرتهم في نقلهم عن موسى ﵇ تكذيب كل ناسخ لشريعته (٣). أقسام التواتر: ينقسم التواتر إلى أربعة أقسام هي: الأول: التواتر اللفظي. وهو ما تواتر لفظه ومعناه. ومثاله: حديث "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" (٤). فإنه نقله من الصحابة العدد الجم (٥). وقد سمى الشيخ محمد أنور

стр. 21

الكشميري (١) هذا القسم بتواتر الإسناد (٢). الثاني: التواتر المعنوي. وهو ما تواتر معناه دون لفظه. وذلك كأحاديث رفع اليدين عند الدعاء، فقد ورد عن النبي ﷺ نحو مائة حديث (٣)، كل منها فيه أنه ﷺ رفع يديه في الدعاء، لكنها في قضايا متعددة، وألفاظ مختلفة، وقد سماه الكشميري: بتواتر القدر المشترك (٤). الثالث: تواتر الطبقة. كتواتر القرآن الكريم، فقد تواتر على البسيطة شرقا وغربًا، درسا وتلاوة، حفظا وقراءة، وتلقاه الكافة عن الكافة، طبقة عن طبقة: اقرأ وارق إلى حضرة الرسالة (٥). الرابع: تواتر العمل والتوارث. وهو أن يعمل به في كل قرن من عهد صاحب الشريعة إلى يومنا هذا جم غفير من العاملين؛ بحيث يستحيل عادة تواطؤهم على كذب أو غلط كالسواك والصلوات الخمس (٦).

стр. 22

وهناك نوع خامس ذكره الشاطبي (١) في الموافقات، وهو المستقرأ من جملة أدلة ظنية تضافرت على معنى واحد حتى أفادت فيه القطع، فإن للاجتماع من القوة ما ليس للافتراق، وقال: إنه شبيه بالتواتر المعنوي (٢). والفرق بينه وبين التواتر المعنوي أن الوقائع في التواتر المعنوي كلها تدل على المطلوب مباشرة، أما هذا النوع فبعضه مباشر، وبعضه بطريق غير مباشر (٣). حكم المتواتر: الخبر المتواتر يجب تصديقه ضرورة، لأنه مفيد للعلم القطعي الضروري؛ وإن لم يدل عليه دليل آخر، ولا حاجة إلى البحث عن أحوال رواته، وهذا أمر ظاهر لا يستريب فيه عاقل، خلافا للسمنية (٤)

стр. 23

الذين حصروا العلوم في الحواس، وهذا مذهب باطل، لأنه لا يختلف اثنان في وجود بلدة تسمى بغداد، وإن لم يدخلاها، ولا يشك أحد في وجود الأنبياء، بل في وجود الأئمة الأربعة ﵏ (١). وقد نبه الله في مواضع من كتابه على إفادة التواتر العلم اليقين حيث جعله بمنزلة الرؤية البصرية، فخاطب رسوله ﷺ أو المؤمنين أو غيرهم بأمثال قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ (٢). وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾ (٣). وقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ ... ﴾ الآية (٤). فإن هذه الوقائع كانت معلومة عندهم بالتواتر، فعبر عن علمها برؤيتها، وفيه إشارة إلى أنه جعل العلم الحاصل من التواتر بمنزلة المشاهد في القطعية (٥). القسم الثاني: الآحاد . تعريفه: هو ما قصر عن صفة التواتر، ولم يقع به العلم وإن روته الجماعة (٦). فهو شامل لما رواه الواحد والاثنان والثلاثة وغيرها من الأعداد التي لا

стр. 24

تشعر بأن العدد دخل بها في حيز التواتر. أنواعه: يتنوع خبر الآحاد إلى مشهور وعزيز وغريب كما تقدم (١). النوع الأول: المشهور . تعريفه: هو ما رواه ثلاثة فأكثر في كل طبقة ما لم يبلغ حد انتواتر (٢). هذا ما يراه الحافظ ابن حجر، ويرى ابن الصلاح أن مروي الثلاثة لا يسمى مشهورًا، وإنما يسمى عزيزا (٣). ويسمى هذا النوع بالمستفيض على رأي جماعة من أئمة الفقهاء، ومنهم من غاير بينهما بأن المستفيض يكون في ابتدائه وانتهائه سواء، والمشهور أعم من ذلك، ومنهم من عكس (٤). المشهور عند الحنفية: يرى الحنفية أن المشهور ليس بقسم من أقسام الآحاد؛ بل هو قسم متوسط بين المتواتر والآحاد، ويخصصون المشهور بما فقد شرط التواتر في طبقة الصحابة فقط، فهو في أصله خبر آحاد، لكنه انتشر بعد ذلك وتلقاه

стр. 25

العلماء بالقبول، فصار ينقله قوم لا يتوهم تواطؤهم على الكذب، وهم القرن الثاني بعد الصحابة ﵃ ومن بعدهم، وأولئك قوم ثقات أئمة لا يتهمون، فصار بشهادتهم وتصديقهم بمنزلة المتواتر حجة من حجج الله تعالى حتى قال الجصاص (١): إنه أحد قسمي المتواتر (٢). مثال المشهور: يمثل له، بقوله عليه الصلاه والسلام: "إِن الله لا يقبض هذا العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إِذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" (٣).

стр. 26

تنبيه: ما تقدم هو المشهور الاصطلاحي، وهناك مشهور غير اصطلاحي، ويقصد به ما اشتهر على الألسنة من غير اعتبار أي شرط، فيشمل ما له سند واحد، وما له أكثر من إسناد، وما لا إسناد له أصلا. ولهذا النوع أمثلة كثيرة، وصنفت فيه المصنفات المتعددة (١)؛ إذ ليس له ضابط يضبطه إلا مجرد الشهرة على الألسنة؛ سواء كان صحيحا أو ضعيفا أو موضوعا. فمن المشهور بين أهل الحديث خاصة حديث أنس بن مالك: "أن رسول الله ﷺ قنت شهرًا يدعو على رعل وذكوان" (٢). ومن المشهور عند الفقهاء: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق" (٣). ومن المشهور عند الأصوليين: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (٤).

стр. 27

ومن المشهور عند النحاة: "نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه" (١). ومن المشهور عند الأدباء: "أدبني ربي فأحسن تأديبي" (٢) ومن المشهور عند الأطباء: "المعدة بيت الداء" (٣). ومن المشهور عند العامة: "العجلة من الشيطان" (٤). حكم المشهور: المشهور بقسميه الاصطلاحي وغير الاصطلاحي لا يوصف بكونه صحيحا أو غير صحيح، بل منه الصحيح والحسن والضعيف، ولكن

стр. 28

إذا صح المشهور الاصطلاحي كانت له ميزة ترجحه على العزيز والغريب (١)، هذا على مذهب الجمهور؛ أما الحنفية -وتقدم بيان المشهور عندهم- فقد اختلفوا فيه. فذهب أبو بكر الرازي منهم إلى أنه مثل المتواتر، فيثبت به العلم اليقيني، لكن بطريق الاستدلال، لا بطريق الضرورة. وذهب عيسى بن أبان (٢) منهم إلى أنه يوجب علم طمأنينة، لا علم يقين، فكأنه دون المتواتر وفوق خبر الواحد حتى جازت به الزيادة على كتاب الله (٣). النوع الثاني: العزيز: تعريفه: هو الحديث الذي لم يقل رواته عن اثنين في جميع طبقات السند. سمي بذلك إما لقلة وجوده من قولهم: عز الشيء يعز، قل، فلا يكاد يوجد (٤)، أو لكونه عز أي: قوي بمجيئه من طرق أخرى من قولهم: أعزه وعززه إذا قواه وشد أزره، وفي التنزيل: ﴿ ... فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ ... ﴾ الآية (٥). أي: قوينا وشددنا (٦).

стр. 29

وهذا الحد هو ما اختاره الحافظ ابن حجر (١)، أما ابن الصلاح، فيرى: أنه ما رواه اثنان أو ثلاثة (٢). وقد تمنى صاحب فتح الملهم (٣) أن لو سمى المحدثون ما رواه الثلاثة بالعزيز، لقوله تعالى: ﴿ ... فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ .. ﴾ الآية (٤)، وما رواه اثنان بالمؤزر، لقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي﴾ (٥)، لأن الاصطلاح كلما قرب من الاستعمال القرآني؛ كان أحسن وأليق (٦). مثاله: حديث: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إِليه من والده وولده". فقد رواه عن النبي ﷺ أنس كما في الصحيحين (٧)، وأبو هريرة كما في البخاري (٨)، ورواه عن أنس قتادة (٩)، وعبد العزيز بن صهيب (١٠)،

стр. 30

ورواه عن قتادة شعبة (١)، وسعيد (٢)، ورواه عن عبد العزيز إسماعيل ابن علية (٣)، وعبد الوارث، (٤) ورواه عن كل جماعة (٥). حكمه: العزيز كالمشهور لا يوصف بكونه صحيحا أو غير صحيح، بل منه الصحيح وغير الصحيح حسب قوة إسناده أو ضعفه، لكن إذا صح كان أقوى من الغريب لتعدد طرقه، وليس كون الحديث عزيزا بشرط لصحة الحديث خلافا لمن رغم ذلك (٦).

стр. 31

النوع الثالث: الغريب: تعريفه: هو ما رواه راو منفردا بروايته، فلم يروه غيره، أو انفرد بزيادة في متنه أو إسناده (١). سمي غريبًا لانفراد راويه عن غيره، كالغريب الذي بعد عن أهله. والغريب والفرد مترادفان لغة واصطلاحًا، إلا أن أهل الاصطلاح غايروا بينهما من حيث كثرة الاستعمال، وقلته، فالفرد أكثر ما يطلقونه على الفرد المطلق، والغريب أكثر ما يطلقونه على الفرد النسبي (٢)، وسيأتي التعريف بهما قريبًا. أقسامه: ينقسم الغريب بالنسبة لموضع التفرد فيه إلى قسمين، هما: ١ - فرد مطلق: وهو ما كانت الغرابة في أصل سنده، أي طرقه الذي فيه الصحابي، فإن الراوي عن الصحابي إذا تفرد برواية الحديث، فإن هذا الحديث يسمى غريبًا غرابة مطلقة. ومثاله: حديث "إِنما الأعمال بالنيات" (٣). فلم يروه عن النبي ﷺ إلا عمر، ولم

стр. 32

يروه عن عمر إلا علقمة بن وقاص (١). ٢ - فرد نسبي: وهو ما كانت الغرابة في أثناء سنده، كأن يرويه عن الصحابي أكثر من واحد، ثم يتفرد بروايته عن واحد منهم شخص واحد. سمي بذلك، لأن التفرد وقع فيه بالنسبة إلى شخص معين (٢). ومثاله: حديث أنس "أن النبي ﷺ دخل مكة وعلى رأسه المغفر" (٣) فقد تفرد به مالك عن الزهري (٤). حكمه: قد يكون الغريب صحيحًا، مثل حديث: "إِنما الأعمال بالنيات" (٥). وقد يكون حسنا كالحديث الذي رواه الترمذي عن أبي الدرداء، وأبي ذر عن رسول الله ﷺ عن الله أنه قال: "ابن آدم اركع لي من أول

стр. 33

النهار أربع ركعات أكفك آخره" (١). وقال: هذا حديث حسن غريب. وقد يكون ضعيفًا، وهو الغالب في الغرائب حتى حذر الأئمة من روايتها، فقد قال أحمد بن حنبل: لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب، فإنها مناكير، وعامتها عن الضعفاء (٢). ثانيًا: تقسيم الحديث من حيث القبول والرد: تقدم تقسيم الخبر إلى متواتر -مفيد للعلم القطعي الذي لا يدع مجالا للشك والارتياب في قبوله، ولذلك فهو ليس بحاجة إلى بحث عن صحة سنده أو ضعفه- وإلى آحاد قابل للنقد والأخذ والرد. فالآحاد بأنواعه الثلاثة: المشهور والعزيز والغريب -متنوع إلى مقبول ومردود. والمقبول -أيضا- له أقسام اصطلح العلماء على تسميتها الصحيح والحسن. ولكل من هذين النوعين أقسام: فأقسام الصحيح، اثنان: ١ - الصحيح لذاته. ٢ - الصحيح لغيره. وأقسام الحسن، اثنان:

стр. 34

١ - الحسن لذاته. ٢ - الحسن لغيره. وإليك الكلام على هذه الأنواع الأربعة (١) الصحيح لذاته: تعريفه: لغة: مأخوذ من الصحة ضد السقم، تقول: صححت الكتاب والحساب تصحيحا، إذا كان سقيما فأصلحت خطأه (٢). وهي حقيقة في الأجسام، واستعمالها هنا مجاز (٣). واصطلاحًا: ما رواه عدل تام الضبط، متصل السند، غير معلل ولا شاذ (٤). وعرفه الخطابي (٥)، بقوله: الصحيح ما اتصل سنده وعدلت

стр. 35

نقلته (١). والفرق بين الحدين: أن الأول اشترط فيه لصحة الحديث مع اتصال سنده وثقة رجاله خلوه من الشذوذ والعلة؛ بينما يفهم من الثاني أنه لا يشترط لصحة الحديث ذلك، كما أنه لا يشترط في الراوي أن يكون ضابطا. وزعم بعض المعاصرين (٢): أن اصطلاح الخطابي هو الذي جرى عليه مؤلفو الصحيح، كالبخاري ومسلم، ومثل لذلك بحديث جابر في قصة جمله، فقد أخرجها البخاري وفيها اختلاف كثير في مقدار الثمن، وفي اشتراط ركوبه، وقد رجح البخاري الطرق التي فيها الاشتراط على غيرها مع الأمرين، ورجح -أيضا- كون الثمن أوقية مع تخريج ما يخالفه (٣). قلت: وهذا كلام فيه نظر، لأن اشتراط الضبط للراوي، وسلامة مرويه من الشذوذ والعلة أمر لابد منه لصحة الحديث. أما تمثيله بحديث جابر ﵁ ففيه نظر أيضا، لأن علته غير قادحة، فالمقصود من الحديث حاصل مع وجود هذا الاختلاف، والعلة إذا أطلقت انصرفت إلى القادحة، ولكن لو وصفت العلة في الحد بكونها قادحة، لكان أولى، وقد أضافها الحافظ ابن كثير (٤) في اختصاره لعلوم

стр. 36

الحديث (١). شروط الصحيح لذاته: يؤخذ من التعريف السابق أن لصحة الحديث شروطا لابد من توافرها وهي:- ١ - عدالة رواته. ٢ - تمام ضبطهم (٢). ٣ - اتصال سنده بأن يكون كل راو من رواته قد سمعه من شيخه. ٤ - عدم الشذوذ بأن لا يعارض راويه الثقة غيره من الثقات. ٥ - عدم العلة القادحة بأن لا يكون الحديث في ظاهره سليما، وقد انطوى في باطنه على ما يوجب رده. حكمه: الحديث الصحيح موجب للعمل بإجماع المحدثين، ومن يعتد به من الأصوليين والفقهاء، فهو حجة من حجج الشرع، لا يسع المسلم ترك العمل به.

стр. 37

لكن اختلف العلماء فيه، هل هو موجب للعلم القطعي اليقيني أو الظن؟ على أقوال:- الأول: ذهب الجمهور من الأصوليين إلى أنه لا يفيد القطع؛ بل يفيد الظن، ورجحه النووي (١) في تقريبه (٢)، وابن عبد البر (٣) في التمهيد (٤). الثاني: وذهب آخرون إلى أنه يفيد العلم اليقيني، وهو مذهب داود الظاهري (٥)، وحكي عن مالك، واختاره ابن حزم (٦) وانتصر له،

стр. 38

وأطال في الاحتجاج له، والرد على مخالفيه (١). الثالث: اختار ابن الصلاح أن ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما، أو رواه أحدهما مقطوع بصحته، والعلم اليقيني النظري حاصل له باستثناء أحاديث قليلة تكلم فيها بعض الحفاظ (٢)، وتبعه ابن كثير (٣). الرابع: اختار ابن الحاجب (٤)، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والحافظ ابن حجر أن خبر الواحد إذا احتفت به قرائن، فإنه يفيد العلم (٥). ولعله أولى الأقوال. الحسن لذاته: تعريفه: لغة: مأخوذ من الحسن ضد القبح، وهو عبارة عن كل مبهج مرغوب

стр. 39

فيه، وذلك على ثلاثة أضرب:- ١ - مستحسن من جهة العقل. ٢ - مستحسن من جهة الهوى. ٣ - مستحسن من جهة الحس (١). واصطلاحا: اختلف العلماء في تعريف الحسن: فعند الإمام الترمذي، الحسن: كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذا، ويروى من غير وجه نحو ذلك (٢). وقد اعترض ابن الصلاح على هذا التعريف، بأنه ليس فيه ما يفصل الحسن من الصحيح (٣). وقد أجيب عن هذا الاعتراض، بأن قول الترمذي: أن لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب يدخل فيه المستور والمجهول، ونحوهما، وراوي الصحيح لا بد وأن يكون ثقة (٤). كما انتقده ابن كثير بأنه يخالف قول الترمذي في كثير من الأحاديث: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه (٥). وأجيب عنه: بأن الترمذي إذا قال حسن غريب، قد يعني أنه غريب

стр. 40

من ذلك الطريق، لكن المتن له شواهد صار بها من جملة الحسن (١)، أو أن هذا الحد ينطبق على الحسن حيث يفرد، ولا ياتي مع صفة أخرى (٢) وعرفه الخطابي، بقوله: ما عرف مخرجه، واشتهر رجاله، وعليه مدار أكثر الحديث، وهو الذي يقبله أكثر العلماء ويستعمله عامة الفقهاء (٣) وانتقد هذا التعريف بكونه لا يفصل الحسن من الصحيح، بل ومن الضعيف أيضا (٤). وأجيب، بأن قوله: عليه مدار أكثر الحديث، من جملة التعريف، فإن غالب الأحاديث والآثار لا يبلغ رتبة الصحيح (٥). وقوله: وهو الذي يقبله أكثر العلماء، ويستعمله الفقهاء، مخرج للضعيف. وعرفه ابن الجوزي (٦)، بقوله: ما فيه ضعف قريب محتمل، ويصلح البناء عليه والعمل به (٧).
следующие страницы →