← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 643

الحديث الضعيف وحكم الاحتجاج به

عبد الكريم الخضير

Полный текст (464 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الحديث (١). شروط الصحيح لذاته: يؤخذ من التعريف السابق أن لصحة الحديث شروطا لابد من توافرها وهي:- ١ - عدالة رواته. ٢ - تمام ضبطهم (٢). ٣ - اتصال سنده بأن يكون كل راو من رواته قد سمعه من شيخه. ٤ - عدم الشذوذ بأن لا يعارض راويه الثقة غيره من الثقات. ٥ - عدم العلة القادحة بأن لا يكون الحديث في ظاهره سليما، وقد انطوى في باطنه على ما يوجب رده. حكمه: الحديث الصحيح موجب للعمل بإجماع المحدثين، ومن يعتد به من الأصوليين والفقهاء، فهو حجة من حجج الشرع، لا يسع المسلم ترك العمل به.

стр. 37

لكن اختلف العلماء فيه، هل هو موجب للعلم القطعي اليقيني أو الظن؟ على أقوال:- الأول: ذهب الجمهور من الأصوليين إلى أنه لا يفيد القطع؛ بل يفيد الظن، ورجحه النووي (١) في تقريبه (٢)، وابن عبد البر (٣) في التمهيد (٤). الثاني: وذهب آخرون إلى أنه يفيد العلم اليقيني، وهو مذهب داود الظاهري (٥)، وحكي عن مالك، واختاره ابن حزم (٦) وانتصر له،

стр. 38

وأطال في الاحتجاج له، والرد على مخالفيه (١). الثالث: اختار ابن الصلاح أن ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما، أو رواه أحدهما مقطوع بصحته، والعلم اليقيني النظري حاصل له باستثناء أحاديث قليلة تكلم فيها بعض الحفاظ (٢)، وتبعه ابن كثير (٣). الرابع: اختار ابن الحاجب (٤)، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والحافظ ابن حجر أن خبر الواحد إذا احتفت به قرائن، فإنه يفيد العلم (٥). ولعله أولى الأقوال. الحسن لذاته: تعريفه: لغة: مأخوذ من الحسن ضد القبح، وهو عبارة عن كل مبهج مرغوب

стр. 39

فيه، وذلك على ثلاثة أضرب:- ١ - مستحسن من جهة العقل. ٢ - مستحسن من جهة الهوى. ٣ - مستحسن من جهة الحس (١). واصطلاحا: اختلف العلماء في تعريف الحسن: فعند الإمام الترمذي، الحسن: كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذا، ويروى من غير وجه نحو ذلك (٢). وقد اعترض ابن الصلاح على هذا التعريف، بأنه ليس فيه ما يفصل الحسن من الصحيح (٣). وقد أجيب عن هذا الاعتراض، بأن قول الترمذي: أن لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب يدخل فيه المستور والمجهول، ونحوهما، وراوي الصحيح لا بد وأن يكون ثقة (٤). كما انتقده ابن كثير بأنه يخالف قول الترمذي في كثير من الأحاديث: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه (٥). وأجيب عنه: بأن الترمذي إذا قال حسن غريب، قد يعني أنه غريب

стр. 40

من ذلك الطريق، لكن المتن له شواهد صار بها من جملة الحسن (١)، أو أن هذا الحد ينطبق على الحسن حيث يفرد، ولا ياتي مع صفة أخرى (٢) وعرفه الخطابي، بقوله: ما عرف مخرجه، واشتهر رجاله، وعليه مدار أكثر الحديث، وهو الذي يقبله أكثر العلماء ويستعمله عامة الفقهاء (٣) وانتقد هذا التعريف بكونه لا يفصل الحسن من الصحيح، بل ومن الضعيف أيضا (٤). وأجيب، بأن قوله: عليه مدار أكثر الحديث، من جملة التعريف، فإن غالب الأحاديث والآثار لا يبلغ رتبة الصحيح (٥). وقوله: وهو الذي يقبله أكثر العلماء، ويستعمله الفقهاء، مخرج للضعيف. وعرفه ابن الجوزي (٦)، بقوله: ما فيه ضعف قريب محتمل، ويصلح البناء عليه والعمل به (٧).

стр. 41

وانتقد بكونه ليس مضبوطا بضابط يتميز به القدر المحتمل من غيره (١) التعريف المختار: ما اتصل سنده بنقل العدل الذي خف ضبطه عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة قادحة. واختار هذا التعريف الحافظ ابن حجر (٢)، والسيوطي (٣). فعلى هذا يتفق مع الصحيح لذاته في أربعة شروط، هي:- ١ - عدالة الرواة. ٢ - اتصال السند. ٣ - عدم الشذوذ. ٤ - عدم العلة القادحة. ويختلفان في الضبط، فيشترط للصحيح تمام الضبط، ويكتفي للحسن بخفته. مثاله: جامع أبي عيسى الترمذي مشحون بالأحاديث الحسان، ويمكن أن يمثل له بحديث عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ : "نهى أن تناشد الأشعار في المسجد، وعن البيع والاشتراء فيه، وأن يتحلق الناس يوم الجمعة قبل الصلاة".

стр. 42

رواه الترمذي (١)، وقال: حديث حسن. حكمه: يرى جماهير العلماء أن الحديث الحسن كالصحيح في الاحتجاج به، وإن كان دونه في القوة، ولهذا أدرجه طائفة في نوع الصحيح (٢). وذهب البخاري إلى أن الحديث الحسن لا يعمل به في التحريم والتحليل (٣) واختاره ابن العربي (٤) (٥) والراجح: ما ذهب إليه الجمهور. الصحيح لغيره: تعريفه: هو ما رواه عدل قل ضبطه عن الدرجة العليا، واتصل سنده، وتوبع بطريق آخر مساو أو أرجح أو بأكثر، وكان غير معلل، ولا شاذ (٦).

стр. 43

ويرى الشيخ جمال الدين القاسمي (١) أن ما تلقي بالقبول، أو وافق آية من كتاب الله تعالى، أو بعض أصول الشريعة، أنه يحكم له بالصحة؛ وإن لم يكن له إسناد صحيح (٢). مثاله: ما روى الترمذي عن محمد بن عمرو (٣) عن أبي سلمة (٤) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" (٥). وقال الترمذي -بعد روايته- حديث أبي هريرة إنما صح، لأنه قد روي من غير وجه.

стр. 44

حكمه: الصحيح لغيره مرتبته دون الصحيح لذاته، وفوق الحسن لذاته، فهو مقبول يحتج به، وإن كان دون الصحيح لذاته في القوة، فإذا كان الحسن لذاته مقبولا عند الجماهير، فالصحيح لغيره من باب أولى. الحسن لغيره: تعريفه: هو ما كان ضعف راويه لسوء حفظ أو تدليس، أو جهالة، أو كان مرسلا، وجاء من وجه آخر (١). ويرى ابن الصلاح أن تعريف الترمذي للحسن (٢) متنزل على هذا النوع (٣) مثاله: روى الترمذي عن بريدة عن النبي ﷺ ، قال: "المؤمن يموت بعرق الجبين" (٤). قال الترمذي: وفي الباب عن ابن مسعود، وقال: هذا حديث حسن. وقد قال بعض أهل العلم: لا نعرف لقتادة سماعا من عبد الله بن بريدة (٥).

стр. 45

فقد حسنه الترمذي رغم انقطاعه لمجيئه من طريق آخر. حكمه: الحسن لغيره، كالحسن لذاته مقبول، وإن كان دونه في المرتبة. قال الحافظ ابن حجر: ومع ارتقائه إلى درجة القبول، فهو منحط عن رتبة الحسن لذاته، وربما توقف بعضهم عن إطلاق الحسن عليه (١).

стр. 46

الباب الأول الحديث الضعيف ومسالك الضعف إِلى الحديث ويشتمل على تقدمة وفصلين:- التقدمة: في تعريف الحديث الضعيف. الفصل الأول: في المسلك الأول من مسالك الضعف إلى الحديث، السقط من السند، وهو نوعان:- ١ - سقط ظاهر. ٢ - سقط خفي. الفصل الثاني: في المسلك الثاني من مسالك الضعف إلى الحديث، الطعن في الراوي، وهو من جهتين:- ١ - من جهة عدالته. ٢ - من جهة ضبطه.

стр. 47

التقدمة تعريف الحديث الضعيف التعريف اللغوي: الضعيف: من الضعف -بضم الضاد وفتحها- خلاف القوة والصحة، فالضم لغة قريش، والفتح لغة تميم، وهما لغتان لمدلول واحد ويستعملان لضعف البدن، وضعف الرأي معا، نسب الأزهري (١) هذا القول للبصريين (٢)، وقد قرئ قوله تعالى: ﴿وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ الآية (٣). وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ الآية (٤). بالوجهين (٥).

стр. 48

قال القرطبي (١): الضم لغة النبي ﷺ (٢). وقيل: الضعف -بالفتح- في العقل والرأي، ومنه الحديث في الرجل الذي يخدع في البيوع: "إِنه يبتاع وفي عقدته (٣) ضعف" (٤). ومنه قول الشاعر: ولا أشارك في رأي أخا ضعف ... ولا ألين لمن لا يبتغي ليني والضعف -بالضم- في الجسد (٥). وهذا التفريق ضعيف، لأن الفتح كما ورد في الرأي والعقل، ورد في الجسم، فقد قرئت الآيتان المذكورتان بالوجهين، والمراد بهما ضعف الجسد.

стр. 49

وقال الشاعر: ومن يلق خيرا يغمز الدهر عظمه ... علي ضعف من حاله وفتور (١) والمراد بالضعف في هذا البيت ضعف الجسد. التعريف الاصطلاحي: تقدم في التمهيد أن الحديث الصحيح ما استكمل خمسة شروط. وهي:- ١ - عدالة الرواة. ٢ - تمام ضبطهم. ٣ - اتصال سنده. ٤ - سلامته من الشذوذ. ٥ - سلامته من العلة القادحة. كما أنه لابد من توافر هذه الشروط للحديث الحسن؛ إلا أن ضبط رواته أو أحدهم أخف من ضبط رواة الحديث الصحيح. فما اشتمل علي هذه الشروط، فهو الحديث المقبول. أما الحديث الذي لم تجتمع فيه صفات الحديث الصحيح، ولا صفات الحديث الحسن، فهو الضعيف.

стр. 50

بهذا عرفه الحافظ ابن الصلاح، وتبعه كل من النووي، وابن كثير (١). لكن الحافظ العراقي (٢) اعترض علي هذا التعريف، وقال: إن ذكر الصحيح غير محتاج إليه، لأن ما قصر عن الحسن؛ فهو عن الصحيح أقصر (٣). ولهذا اقتصر عليه في ألفيته (٤)، وتبعه علي ذلك السيوطي (٥)، والبيقوني (٦) (٧) وقبلهم ابن دقيق العيد (٨) في

стр. 51

الاقتراح (١). لكن أجاب بعض معاصري ابن حجر (٢): بأن مقام التعريف يقتضي الإيضاح، وذلك لأنه لا يلزم من عدم وجود وصف الحسن عدم وجود وصف الصحيح، إذ الصحيح -بشرطه السابق- لا يسمى حسنا، فالترديد متعين. ونظير ذلك، قول النحوي إذا عرف الحرف بعد تعريف الاسم والفعل، قال: الحرف: ما لا يقبل شيئا من علامات الاسم والفعل (٣). لكن هذا التنظير غير مطابق، لأنه ليس بين الاسم والفعل عموم ولا خصوص، بخلاف الصحيح والحسن، فبينهما عموم وخصوص، ويمكن اجتماعهما، وانفراد كل منهما، بخلاف الاسم والفعل والحرف. والحق: أن كلام ابن الصلاح معترض، وذلك أن كلامه يقتضي أن

стр. 52

الحديث حيث تنعدم فيه صفة من صفات الصحيح يسمى ضعيفا، وليس كذلك، لأن تمام الضبط مثلا إذا تخلف صدق أن صفات الصحيح لم تجتمع، ويسمى الحديث الذي اجتمعت فيه الصفات سواه حسنا لاضعيفا، وإذا انعدمت أية صفة من صفات الحسن كان الحديث ضعيفا (١). وأجاب ابن الوزير اليماني (٢) عن هذا: بأن ابن الصلاح لا يلزمه أن يحد الضعيف علي رأي غيره، وإنما كان يلزمه لو كان يرى أن كل صحيح حسن، أوكان الدليل علي أن كل صحيح حسن قاطعا ملتزما لكل مكلف أن يسميه بذلك، وليس كذلك وإنما هذا الكلام في اصطلاح أهل الأثر، ولم يصطلحوا كلهم علي أن كل صحيح حسن (٣). لكن الذي تفيده عبارة ابن الصلاح أنه يقول: بان الصحيح أخص من الحسن، فإنه قسم الحسن إلي قسمين، وأفاد فيما ذكره أخصية الصحيح، ثم قال في آخر كلامه: ومن أهل الحديث من لا يفرد نوع الحسن، ويجعله مندرجا في أنواع الصحيح لا ندراجه في أنواع ما يحتج به (٤). واختار الحافظ ابن حجر أن تعريف الضعيف:

стр. 53

حديث لم تجتمع فيه صفات القبول. وعلل اختياره بأنه أسلم من الاعتراض وأخصر (١). قلت: وهو كذلك، فإنه أسلم من الاعتراضات الواردة على تعريف ابن الصلاح في جمعه بين صفتي الحسن والصحة. كما أنه أخصر؛ إذ جمع اللفظين في لفظ واحد، وأسلم من تعريف العراقي ومن تبعه في اقتصاره على صفة الحسن، إذ قد يكون الحديث صحيحا وليس بحسن كما ذكر ذلك جماعة. وتبعا لتخلف أية صفة من صفات القبول يتنوع الضعيف، فهو أنواع كثيرة، أوصلها ابن حبان (٢) إلى خمسين قسما إلا واحدا، والعراقي إلى اثنين وأربعين قسما (٣)، كما أوصلها بعضهم إلى ثلاثة وستين قسما (٤) وأوصلها آخر إلى مائة وتسعة وعشرين قسما باعتبار العقل، وإلى واحد وثمانين باعتبار إمكان الوجود، وإن لم يتحقق وجودها (٥).

стр. 54

وبلغت في إحصاء بعضهم إلى خمسمائة وإحدى عشرة صورة (١). وذكر ابن الصلاح طريقة استخراج هذه الصور، بقوله: وسبيل من أراد البسط أن يعمد إلى صفة معينة منها، فيجعل ما عدمت فيه من غير أن يخلفها جابر قسما واحدا، ثم ما عدمت فيه تلك الصفة مع صفة أخرى معينة قسمًا ثانيًا، ثم ما عدمت فيه مع صفتين معينتين قسمًا ثالثًا، وهكذا إلى أن يستوفي الصفات المذكورات جمع، ثم يعود ويعين من الابتداء صفة غير التي عينها أولا، ويجعل ما عدمت فيه وحدها قسما، ثم القسم الآخر ما عدمت فيه مع صفة أخرى، ولتكن الصفة الأخرى غير الصفة الأولى المبدوء بها، لكون ذلك سبق في أقسام عدم الصفة الأولى، وهكذا هلم جرا إلى آخر الصفات (٢). وذكر السيوطي أنه أراد بسطها في التدريب، لكنه رأى شيخ الإسلام ابن حجر، قال: إن ذلك تعب ليس وراءه أرب. ثم وجه ذلك بأنه لا يخلو إما أن يكون لأجل معرفة مراتب الضعيف، وما كان منها أضعف أولا، فإن كان الأول، فلا يخلو من أن يكون لأجل أن يعرف أن ما فقد من الشرط أكثر، أضعف أو لا. فإن كان الأول، فليس كذلك، لأن منها ما يفقد شرطا واحدا، ويكون أضعف مما فقد الشروط الخمسة الباقية، وهو ما فقد الصدق، وإن

стр. 55

كان الثاني، فما هو؟ وإن كان لأمر غير معرفة الأضعف، فإن كان لتخصيص كل قسم باسم فليس كذلك، فإنهم لم يسموا منها إلا القليل، كالمعضل، والمرسل، ونحوهما، أو لمعرفة كم يبلغ قسما بالبسط، فهذه ثمرة مرة، أو لغير ذلك فما هو؟، ثم قال السيوطي: فلذلك عدلت عن تسويد الأوراق بتسطيره (١). مسالك الضعف إِلى الحديث: عرفنا -فيما سبق- أن الحديث الضعيف هو الحديث الذي لم تجتمع فيه شروط القبول، بأن كان فاقدا لأحد الشروط المشترطة لقبول الحديث، لكن هذا الضعيف الذي فقد شرطا من شروط القبول قد يرتفع إلي درجة القبول إذا جاء من طرق أخرى، كما تقدم (٢). فعلى هذا يكون مسالك الضعف إلى الحديث ستة، هي: ١ - عدم اتصال سنده. ٢ - عدم عدالة رواته، أو بعضهم. ٣ - كون الرواة أو بعضهم غير ضابطين. ٤ - اشتماله على شذوذ، سواء كانت في متنه أو سنده أو فيهما. ٥ - اشتماله على علة قادحة، سواء كانت في متنه أو سنده أو فيهما.

стр. 56

٦ - عدم مجيئه من وجه آخر إذا كان قابلا للانجبار. هكذا عدد بعض العلماء أسباب الضعف (١)، لكن الحافظ ابن حجر ﵀ حصر أسباب الضعف في سببين رئيسيين، هما:- ١ - السقط من السند. ٢ - الطعن في الراوي (٢). ولا فرق بين هاتين الوجهتين؛ إذ أن الشذوذ داخل في مخالفة الثقات التي هي من أوجه الطعن في الراوي، والعلة داخلة في وهم الراوي، وهو كذلك، وسأعتمد طريقة ابن حجر لا ختصارها وشمولها، وقد جعلتها في فصلين:

стр. 57

الفصل الأول المسلك الأول من مسالك الضعف إِلى الحديث السقط من السند تعريف السند: لغة: ما ارتفع من الأرض، وما قابلك من الجبل، وعلا عن السفح، والجمع: أسناد، وكل شيء أسندته إلى شيء فهو سند ومسند، ويقال: أسند في الجبل: إذا ما صعده، كما يقال: فلان سند أي معتمد (١). فالسند: ما يستند إليه، ويعتمد عليه من متكأ ونحوه. واصطلاحا: الإخبار عن طريق المتن (٢). قال ابن جماعة (٣): وأخذه إما من السند، وهو ما ارتفع وعلا من سفح الجبل، لأن المسند يرفعه إلى قائله، أو من قولهم: فلان سند أي

стр. 58

معتمد، فسمي الأخبار عن طريق المق سندا لاعتماد الحفاظ في صحة الحديث وضعفه عليه (١). والإِسناد: رفع الحديث إلى قائله (٢). والمسند من الحديث: ما اتصل إسناده حتى يرفع إلى النبي ﷺ (٣). فالسند: هو سلسلة الرجال الذين يذكرهم المحدث ابتداء بشيخه، وانتهاء برسول الله ﷺ . والسقط من السند: انقطاع تلك السلسلة بسقوط راو أو أكثر عمدا من بعض الرواة، أو عن غير عمد، من أول السند أو من آخره أو من أثنائه، سواء كان هذا السقط ظاهرا أو خفيا. أنواع السقط: يتنوع السقط من الإسناد بحسب ظهوره وخفائه إلى نوعين:- أ- سقط ظاهر. ب- سقط خفي. السقط الظاهر: السقط الظاهر كاسمه لا يخفى على من يشتغل بهذا العلم، بل يشترك في معرفته الأئمة الحاذقون بهذا الفن، وغيرهم ممن له أدنى إلمام بعلوم الحديث. ويدرك هذا النوع من السقط بعدم التلاقي بين الراوي وشيخه لكونه لم

стр. 59

يدرك عصره، أو أدركه، لكن لم يجتمعا (١)، وليست للتلميذ من شيخه إجازة (٢)، ولا وجادة (٣)؛ ومن ثم احتيج لمعرفة تواريخ الرواة، مواليدهم ووفياتهم، وأوقات طلبهم وارتحا لهم وبلدانهم أيضا، وقد افتضح أقوام ادعوا الرواية عن شيوخ ظهر بالتاريخ كذب دعواهم (٤). أنواعه: السقط الظاهر، لا يخلو إما أن يكون من مبادئ السند، أو من آخره بعد التابعي، وقبل الرسول ﷺ ، فالأول المعلق، والثاني المرسل. أو يكون السقط في غير مبادئ السند وآخره، وهذا إما أن يكون الساقط اثنين فصاعدا مع التوالي أو لا، فالأول يسمى: المعضل، والثاني يسمى: المنقطع. وهذه الأنواع الأربعة أكثر ما يقسم إليها السقط الظاهر، وإليك الكلام عليها (٥):

стр. 60

النوع الأول: المعلق تعريفه: لغه: اسم مفعول من علق الشيء بالشيء، ومنه، وعليه بمعنى أناطه به (١)، والعلق: التشبث بالشيء، يقال: علق الصيد في الحبالة، وأعلق الصائد إذا علق الصيد في حبالته (٢). واصطلاحا: هو الذي حذف من مبتدأ إسناده واحد أو أكثر (٣)، ولو إلى آخر الإسناد (٤). كذا أطلق كثير من أهل العلم في تعريفه دون تقييد. وقيده الملا علي القاري (٥) بالتوالي (٦). وقيده ابن الصلاح، وتبعه النووي بكونه مجزوما به، كقال، وفعل، وأمر، ونهى، وذكر وحكى، أما ما كان بغير صيغة الجزم،

стр. 61

كيروى عن فلان كذا، أو يقال عنه كذا، أو يذكر، أو يحكى، وشبهها، فزعما أن المحدثين لم يستعملوه في هذه الصيغة (١). لكن الذي يراه كثير من المحققين أن غير المجزوم به داخل في مسمى المعلق، منهم: أبو الحجاج المزي (٢) حيث أورد في تحفة الأشراف ما في البخاري من ذلك معلما عليه علامة التعليق (٣). بل إن النووي -نفسه- أورد في رياض الصالحين حديث عائشة: "أمرنا أن ننزل الناس منازلهم"، (٤) وقال: ذكره مسلم في صحيحه تعليقا، فقال: وذكر عن عائشة (٥). سمي هذا النوع من الحديث معلقا، لأنه بحذف أوله صار كالشيء المقطوع عن الأرض، الموصول من الأعلي بالسقف مثلا. قال ابن الصلاح: كأنه مأخوذ من تعليق الجدار، وتعليق الطلاق، ونحوه لما يشترك الجميع فيه من قطع الاتصال (٦).

стр. 62

وتعقبه السراج البلقيني (١) قائلا: أن أخذه من تعليق الجدار ظاهر، أما من تعليق الطلاق ونحوه، فليس التعليق هناك لأجل قطع الاتصال، بل لتعليق أمر على أمر (٢). قلت: لعل مراد ابن الصلاح تعليق المرأة لا تعليق الطلاق، ومنه قوله تعالى: ( ... فلا تميلوا كل اليل فتذروها كالمعلقة ... ) الآية (٣). أي: ليست بمطلقة ولا ذات زوج. قال القرطبي: هذا تشبيه بالشيء المعلق من شيء، لأنه لا على الأرض استقر، ولا على ما علق عليه انحمل (٤). ومنه قول المرأة في حديث أم زرع: "إِن أنطق أطلق، وإِن أسكت أعلق" (٥). واستبعد الحافظ ابن حجر أخذه من تعليق الجدار (٦).

стр. 63

صور المعلق: للحديث المعلق صور كثيرة، منها:- ١ - أن يحذف جميع السند مع إضافته لقائل. كقول البخاري: وقال النبي ﷺ لصاحب القبر: "كأن لا يستتر من بوله" (١). وهذه الصورة لم يذكرها المزي تعليقا في الأطراف (٢). ٢ - أن يحذف جميع السند مع عدم الأضافة إلى قائل. كقول البخاري: كانت أم الدرداء لمجلس في الصلاة جلسة الرجل، وكانت فقيهة (٣). ٣ - أن يحذف جميع السند إلا الصحابي. كقول البخاري وقال أنس: (حسر النبي ﷺ عن فخذه" (٤). وهذه الصورة كالأولى لم يذكرها المزي في الأطراف تعليقا (٥). ٤ - أن يحذف جميع السند إلا الصحابي والتابعي. كقول البخاري: وقال حميد (٦) عن أنس عن النبي ﷺ : "لا يبزق في

стр. 64

القبلة ولا عن يمينه، ولكن عن يساره أو تحت قدمه" (١). ٥ - أن يحذف من حدثه ويضيفه إلى من فوقه. كقول البخاري -بعد أن ذكر حديث أنس-: كأن النبي ﷺ إذا دخل الحلاء قال: "اللهم إِني أعوذ بك من الخبث والحبائث" (٢). قال: وقال غندر (٣) عن شعبة: "إِذا أتى الخلاء" (٤). وليس من صيغ المعلق ما عزاه المصنف لشيخه بصيغة "قال"، بل حكمها حكم المعنعن، فيشترط للحكم باتصاله شيئان:- ١ - لقاء الراوي لمن روى عنه. ٢ - سلامته من التدليس (٥). ومثال ذلك: قول الأمام البخاري: وقال هشام بن عمار (٦) حدثنا

стр. 65

صدقة بن خالد (١) حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر (٢) حدثنا عطية ابن قيس الكلابي (٣) حدثنا عبد الرحمن بن غنم الأشعري (٤)، قال حدثني أبو عامر (٥)، أو أبو مالك الأشعري (٦)، والله ما كذبني سمع النبي ﷺ يقول: "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والحمر والمعازف ... " الحديث (٧).

стр. 66

فلا التفات إلى زعم أبي محمد بن حزم الظاهري أن الحديث منقطع فيما بين البخاري وهشام، وجعل حكمه بانقطاعه جوابا عن الاحتجاج به على تحريم المعازف، وأخطأ في ذلك من وجوه (١). والحديث صحيح معروف الاتصال بشرط الصحيح (٢)، لأن البخاري قد لقي هشاما وحدث عنه بأحاديث، ولم يصف البخاريَّ أحدٌ بالتدليس (٣). بل هو من أبعد خلق الله عن التدليس (٤).

стр. 67

حكم المعلق: الحديث المعلق ضعيف، لأنه فقد شرطا من شروط القبول، وهو اتصال السند بحذف راو أو أكثر من أول إسناده مع عدم علمنا بحال ذلك المحذوف. وهذا الحكم خاص بما إذا كان المعلق في كتاب لم يشترط مؤلفه الصحة، أو اشترط ولم يف بشرطه (١)، أما إذا وجد المعلق في كتاب التزمت صحته كالصحيحين (٢)، فهذا له حكم خاص، وهو أنه لا يخلو من حالين:- الحال الأولى: ما كان معلقا وجاء موصولا في الكتاب نفسه، وهذا هو الكثير الغالب على معلقات الصحيحين. وسبب التعليق: أنه كثيرا ما يحتاج إلى تكرار الحديث لتعدد ما يستفاد منه من أحكام، فمتى احتاج إلى التكرار لجأ إلى الاختصار، فعلق الإسناد خشية التطويل، ويندر جدا أن يكرر حديثا بسنده ومتنه (٣).

стр. 68

الحال الثانية: ما لم يوجد إلا معلقا إذ لم يوصل في موضع آخر من الكتاب (١)، وهذه لا تخلو من صورتين:- الصورة الأولى: أن يصدر الحديث المعلق بصيغة الجزم، مثل: قال، وروى، وأمر، وذكر، وحكى، فهذه الصيغة يستفاد منها الصحة إلى من علق عنه، لكن يبقى النظر فيمن أبرز من الرجال، فمنهم من هو على شرط الصحيح، ومنهم من لا يلتحق بشرطه، أما ما كان على شرطه فلا غبار عليه، وأما ما لا يلتحق بشرطه، فقد يكون صحيحا على شرط غيره، وقد يكون حسنا صالحا للحجة، وقد يكون ضعيفا لا من جهة قدح في رجاله، بل من جهة انقطاع يسير في إسناده (٢). الصورة الثانية: أن يصدر الحديث المعلق بصيغة التمريض، مثل: رُوي، أو يروى، أو يُذكر، أو في الباب عن النبي ﷺ وما أشبهها، فهذه الصيغة لا يستفاد منها الصحة ولا الضعف، ففيها ما هو صحيح على شرط الصحيح، وفيها ما هو صحيح ليس على شرطه، وفيها ما هو حسن، وفيها ما هو ضعيف (٣)، قال ابن الصلاح: ومع ذلك فإيراده له في أثناء الصحيح مشعر بصحة أصله إشعارا يؤنس به ويركن إليه (٤).

стр. 69

وقال الحافظ ابن حجر: الضعيف الذي لا عاضد له في الكتاب قليل جدا، وحيث يقع ذلك فيه يتعقبه المصنف بالتضعيف (١). ومثال ذلك: قول البخاري: ويذكر عن أبي هريرة رفعه: "لا يتطوع الإِمام في مكانه" ولم يصح (٢). وطريق معرفة الصحيح من غيره من هذه المعلقات هو البحث عن إسناد الحديث والحكم عليه بما يليق به، وقد تولى ذلك -بالنسبة لصحيح البخاري- الحافظ ابن حجر في كتابيه العظيمين: فتح الباري، وتغليق التعليق، فجزاه الله خيرا.

стр. 70

النوع الثاني: المرسل تعريفه: لغة: اسم مفعول من الإرسال، وأصله من قولهم: أرسل الشيء: أطلقه وأهمله (١)، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ ... ﴾ الآية (٢). ومنه حديث عمر- ﵁ حينما سمع هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأه إياها رسول الله ﷺ ، وفيه فقال لي: "أرسله" (٣). ويحتمل أن يكون من قولهم: جاء القوم أرسالا، أي: قطعا متفرقين، ففي الحديث: "إِن الناس دخلوا على رسول الله ﷺ أرسالا يصلون عليه" (٤). وفي القاموس: الرسل -محركة- القطيع من كل شيء، جمعه: أرسال (٥). ويحتمل أن يكون من قولهم: ناقة مرسال، أي سريعة السير، ومنه قول الشاعر: أمست سعاد بأرض لاتبلغها ... إلا العتاق النجيبات المراسيل (٦)

стр. 71

ويحتمل أن يكون أصله من الاسترسال إلى الإنسان، وهو الاستئناس والطمأنينة إليه (١). ويجمع المرسل على مراسل ومراسيل. واصطلاحا: يختلف تعريف المرسل عند المحدثين عن تعريفه لدى الفقهاء والأصوليين، وإليك تعريفه عند الفريقين:- ١ - المرسل عند المحدثين: هو الذي يرويه المحدث بأسانيد متصلة إلى التابعي، فيقول التابعي: قال رسول الله ﷺ (٢). ومثل القول: لو ذكر التابعي فعلا أو تقريرا نبويا كان داخلا فيه (٣). والمشهور عند المحدثين التسوية بين أن يكون التابعي الذي أرسل الحديث من كبار التابعين -وهم الذين جل روايتهم عن الصحابة- أو من صغارهم- وهم من قل سماعهم وروايتهم عن الصحابة (٤). وقيل: إن المرسل يختص بما أرسله كبار التابعين دون صغارهم فأحاديثهم تسمى منقطعة (٥). ٢ - المرسل عند الفقهاء والأصوليين: المشهور عند الفقهاء والأصوليين أن المرسل قول غير الصحابي، قال رسول الله ﷺ (٦).

стр. 72

وذهب إلى هذا من أهل الحديث الخطيب البغدادي (١) وقطع به (٢)، وابن الأثير (٣) في جامع الأصول (٤). وقال أبو الحسين البصري (٥): الخبر المرسل، هو أن يسمع الرجل الحديث من زيد عن عمرو، فإذا رواه قال: قال عمرو وأضرب عن ذكر زيد (٦). سمي هذا النوع من الحديث مرسلا، لأن المرسل أطلق الإِسناد، ولم يقيده براو معروف، أو لأن بعض الأسناد منقطع عن بقيته، أو لأن المرسل أسرع فيه عجلا، فحذف بعض إسناده، أو لأنه اطمأن إلى من أرسل عنه ووثق به لمن يوصله إليه حسب الاحتمالات اللغوية السابقة.

стр. 73

مثال المرسل: روى الإمام مالك في الموطأ عن عبيد الله بن عدي بن الخيار (١)، قال: بينما رسول الله ﷺ جالس بين ظهراني الناس؛ إذ جاءه رجل فساره، فلم يدر ما ساره به حتى جهر رسول الله ﷺ ، فإذا هو يستأذن في قتل رجل من المنافقين، فقال رسول الله ﷺ حين جهر: "أليس يشهد أن لا إِله إِلا الله، وأن محمدا رسول الله؟ " فقال الرجل: بلى، ولا شهادة له. فقال: "أليس يصلي؟ " قال: بلى، ولا صلاة له. فقال رسول الله ﷺ : "أولئك الذين نهاني الله عنهم" (٢). فعبيد الله بن عدي بن الخيار تابعي لم يلق النبي ﷺ ، وقد روي عنه هذا الحديث بدون ذكر الواسطة بينه وبين النبي ﷺ ، فقد أسقط من إسناد هذا الحديث آخره، وأقل هذا السقط أن يكون الصحابي. مرسل الصحابي: تعريفه: هو ما أخبر به الصحابي عن قول الرسول ﷺ ، أو فعله مما لم يسمعه أو يشاهده، إما لصغر سنه (٣)، أو تأخر إسلامه (٤)، أو غيابه (٥).

стр. 74

مثاله: روى الشيخان من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ أنها قالت: "أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إِلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إِليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه -وهو التعبد- اليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إِلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إِلى خديجة، فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق، وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: اقرأ ... " الحديث بطوله (١). ومعلوم أن عائشة لم تدرك هذه القصة. حكم الحديث الرسل: مرسل الصحابي مقبول عند جماهير الأمة (٢)، بل نفى السرخسي (٣)

стр. 75

الخلاف بين العلماء في قبوله (١)، ونقل الأسنوي (٢)، والنسفي (٣) الإجماع على ذلك (٤)، لأن الأمة اتفقت على قبول رواية ابن عباس ونظرائه من صغار الصحابة مع إكثارهم، وأكثر روايتهم عن النبي ﷺ مراسيل (٥). قال البراء بن عازب: ما كل الحديث سمعناه من رسول الله ﷺ كان يحدثنا أصحابنا عنه، كانت تشغلنا عنه رعية الإبل (٦). وفي رواية عنه: ولكن الناس لم يكونوا يكذبون يومئذ، فيحدث الشاهد الغائب (٧).
следующие страницы →