← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 643

الحديث الضعيف وحكم الاحتجاج به

عبد الكريم الخضير

Полный текст (464 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ويحتمل أن يكون أصله من الاسترسال إلى الإنسان، وهو الاستئناس والطمأنينة إليه (١). ويجمع المرسل على مراسل ومراسيل. واصطلاحا: يختلف تعريف المرسل عند المحدثين عن تعريفه لدى الفقهاء والأصوليين، وإليك تعريفه عند الفريقين:- ١ - المرسل عند المحدثين: هو الذي يرويه المحدث بأسانيد متصلة إلى التابعي، فيقول التابعي: قال رسول الله ﷺ (٢). ومثل القول: لو ذكر التابعي فعلا أو تقريرا نبويا كان داخلا فيه (٣). والمشهور عند المحدثين التسوية بين أن يكون التابعي الذي أرسل الحديث من كبار التابعين -وهم الذين جل روايتهم عن الصحابة- أو من صغارهم- وهم من قل سماعهم وروايتهم عن الصحابة (٤). وقيل: إن المرسل يختص بما أرسله كبار التابعين دون صغارهم فأحاديثهم تسمى منقطعة (٥). ٢ - المرسل عند الفقهاء والأصوليين: المشهور عند الفقهاء والأصوليين أن المرسل قول غير الصحابي، قال رسول الله ﷺ (٦).

стр. 72

وذهب إلى هذا من أهل الحديث الخطيب البغدادي (١) وقطع به (٢)، وابن الأثير (٣) في جامع الأصول (٤). وقال أبو الحسين البصري (٥): الخبر المرسل، هو أن يسمع الرجل الحديث من زيد عن عمرو، فإذا رواه قال: قال عمرو وأضرب عن ذكر زيد (٦). سمي هذا النوع من الحديث مرسلا، لأن المرسل أطلق الإِسناد، ولم يقيده براو معروف، أو لأن بعض الأسناد منقطع عن بقيته، أو لأن المرسل أسرع فيه عجلا، فحذف بعض إسناده، أو لأنه اطمأن إلى من أرسل عنه ووثق به لمن يوصله إليه حسب الاحتمالات اللغوية السابقة.

стр. 73

مثال المرسل: روى الإمام مالك في الموطأ عن عبيد الله بن عدي بن الخيار (١)، قال: بينما رسول الله ﷺ جالس بين ظهراني الناس؛ إذ جاءه رجل فساره، فلم يدر ما ساره به حتى جهر رسول الله ﷺ ، فإذا هو يستأذن في قتل رجل من المنافقين، فقال رسول الله ﷺ حين جهر: "أليس يشهد أن لا إِله إِلا الله، وأن محمدا رسول الله؟ " فقال الرجل: بلى، ولا شهادة له. فقال: "أليس يصلي؟ " قال: بلى، ولا صلاة له. فقال رسول الله ﷺ : "أولئك الذين نهاني الله عنهم" (٢). فعبيد الله بن عدي بن الخيار تابعي لم يلق النبي ﷺ ، وقد روي عنه هذا الحديث بدون ذكر الواسطة بينه وبين النبي ﷺ ، فقد أسقط من إسناد هذا الحديث آخره، وأقل هذا السقط أن يكون الصحابي. مرسل الصحابي: تعريفه: هو ما أخبر به الصحابي عن قول الرسول ﷺ ، أو فعله مما لم يسمعه أو يشاهده، إما لصغر سنه (٣)، أو تأخر إسلامه (٤)، أو غيابه (٥).

стр. 74

مثاله: روى الشيخان من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ أنها قالت: "أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إِلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إِليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه -وهو التعبد- اليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إِلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إِلى خديجة، فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق، وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: اقرأ ... " الحديث بطوله (١). ومعلوم أن عائشة لم تدرك هذه القصة. حكم الحديث الرسل: مرسل الصحابي مقبول عند جماهير الأمة (٢)، بل نفى السرخسي (٣)

стр. 75

الخلاف بين العلماء في قبوله (١)، ونقل الأسنوي (٢)، والنسفي (٣) الإجماع على ذلك (٤)، لأن الأمة اتفقت على قبول رواية ابن عباس ونظرائه من صغار الصحابة مع إكثارهم، وأكثر روايتهم عن النبي ﷺ مراسيل (٥). قال البراء بن عازب: ما كل الحديث سمعناه من رسول الله ﷺ كان يحدثنا أصحابنا عنه، كانت تشغلنا عنه رعية الإبل (٦). وفي رواية عنه: ولكن الناس لم يكونوا يكذبون يومئذ، فيحدث الشاهد الغائب (٧).

стр. 76

والغالب أن مثل هؤلاء لا يروون إلا عن الصحابة، والصحابة عدالتهم معروفة، وإن رووا عن غير صحابي -وهذا نادر جدا- فإنهم لا يروون إلا عمن علموا عدالته، إذ العدالة هي الغالبة على معاصري الصحابة من التابعين، على أن أكثر ما رواه الصحابة عن التابعين- على قلته- ليس أحاديث مرفوعة، بل هو من أخبار الماضين والإسرائيليات، أو قصص للموعظة والاعتبار أو موقوفات (١). وشذ قوم منهم الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني (٢)، فقالوا: مرسل الصحابي لا يقبل إلا إذا عرف بصريح خبره أو بعادته أنه لا يروي إلا عن صحابي، لأنه قد يروي عمن لم تثبت لنا صحبته (٣)، ونحو هذا القول لابن الأثير في جامع الأصول (٤). لكن هذا رأي مرجوح مردود لم يعتد به العلماء من المحدثين، فلم يعدوا مرسل الصحابي من المرسل، لأنه في حكم الموصول، قال ابن الصلاح: ثم إنا لم نعد في أنواع المرسل ونحوه ما يسمى في أصول الفقه مرسل الصحابي، مثل ما يرويه ابن عباس، وغيره من أحداث الصحابة عن رسول الله ﷺ ، ولم يسمعوه منه، لأنه ذلك في حكم الموصول

стр. 77

المسند (١). وأما مراسيل غير الصحابة: فقد اختلف العلماء فيها، هل يحتج بها كمراسيل الصحابة أو لا؟ على أقوال:- القول الأول: ذهب الأئمة أبو حنيفة ومالك وأحمد -في رواية عنه- إلى أن الحديث المرسل صحيح يحتج به في الدين (٢)، واختاره الآمدى (٣) في أحكامه (٤)، ونسبه الغزالي (٥) إلى الجماهير (٦)، بل نقل ابن عبد البر عن الطبري (٧): أن التابعين بأسرهم أجمعوا على قبول المرسل، ولم يأت

стр. 78

عنهم إنكاره، ولاعن أحد من الأئمة بعدهم إلى رأس المائتين (١). وغالى بعض القائلين بهذا القول حتى قدموا المرسل على المسند (٢). وقد احتج القرافي (٣) لهذا الرأي قائلا: إن سكوت الراوي مع عدالته عن ذكر من روي عنه وعلمه أن روايته يترتب عليها شرع عام يقتضي الجزم بعدالة المسكوت عنه، فسكوته كإخباره بعدالته، والساكت لو زكى المسكوت عنه عندنا قبلنا تزكيته، وقبلنا روايته، فكذلك سكوته عنه (٤). واحتج له أيضا بأن الغالب على أهل تلك القرون الصدق والعدالة بشهادة النبي ﷺ لهم بقوله: "خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ... " الحديث (٥). قالوا: وإذا لم نطلع على يجرح الراوي،

стр. 79

فالظاهر أنه عدل مقبول الحديث (١). القول الثاني: وذهب جماهير المحدثين، وكثير من الفقهاء وأصحاب الأصول إلى أن الحديث المرسل ضعيف، لا يحتج به (٢)، وحكاه الحاكم (٣) عن سعيد بن المسيب (٤)، والزهري ومالك والأوزاعي والشافعي (٥)، وأحمد بن حنبل، ومن بعدهم من فقهاء المدينة (٦). وهو ما أقره الإمام مسلم في صدر صحيحه حيث يقول: والمرسل من الروايات في أصل قولنا، وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة (٧).

стр. 80

ونقل ابن أبي حاتم (١) عن أبيه (٢) وأبي زرعة (٣)، قولهما: لا يحتج بالمراسيل، ولا تقوم الحجة إلا بالأسانيد الصحاح المتصلة (٤). ونسب ابن عبد البر هذا القول إلى سائر الفقهاء، وجميع الحدثين (٥). والعلة في رد المرسل، هو الجهل الناشئ عن إسقاط الراوي، لأنه يحتمل أن يكون الذي سقط من السندغير صحابي بأن يكون تابعيا، وإذا كان كذلك، فيحتمل أن يكون ضعيفا، وإن كان المرسل لا يروى إلا عن ثقة، فالتوثيق مع الأبهام غير كاف (٦). وإذا كانت رواية المجهول المسمى لا تقبل لجهالة حاله، فرواية المرسل أولى، لأن المروي عنه مجهول العين والحال (٧).

стр. 81

القول الثالث: قول الإمام الشافعي، وهو التوسط بين القبول والرد، فهو يأخذ بالمرسل، لكنه يشترط لقبوله شروطا أربعة، ثلاثة منها في المرسل، والرابع في الحديث المرسل، وإليك هذه الشروط:- الشرط الأول: أن يكون المرسل من كبار التابعين، فأما من بعد كبار التابعين الذين كثرت مشاهدتهم لبعض أصحاب رسول الله ﷺ ، فقد قال عنهم: لا أعلم منهم واحدا يقبل مرسله (١). الشرط الثاني: أن يكون المرسل إذا سمى من روى عنه لم يسمِ (٢) مجهولا، ولا مرغوبا عن الرواية عنه. الشرط الثالث: أن يكون المرسل إذا شرك أحدا من الحفاظ في حديث لم يخالفه (٣). الشرط الرابع: أن يكون للحديث المرسل شاهد يزكي قبوله، وذلك بواحد من أربعة أمور:- ١ - أن يكون الحفاظ المأمونون قد رووا معناه مسندا إلى النبي ﷺ .

стр. 82

٢ - أن يوافقه مرسل غيره ممن قبل العلم عنه. ٣ - أن يوافقه قول لبعض الصحابة، فإن هذه الموافقة دليل على أن المرسل له أصل معتبر. ٤ - أن يفتي بمثله كثير من أهل العلم (١). ومن هؤلاء الذين يقبل الشافعي مراسيلهم سعيد بن المسيب، حيث يقول: وإرسال ابن المسيب عندنا حسن (٢). الراجح: والراجح -والله أعلم- بعد عرض الأقوال (٣)، وما علل به أصحاب

стр. 83

كل قول لرأيه أن لا ترفض المراسيل بإطلاق، ولا تقبل كذلك بدون قيود، فمن عرف من حاله أنه لا يرسل إلا عن عدل موثوق به، مشهور بذلك فمرسله مقبول، ومن لم تكن عادته تلك فلا يقبل مرسله، وبه يحصل التوفيق بين الأقوال السابقة، فإن قبول الصدر الأول لكثير من المراسيل لا يمكن إنكاره، كما أن رد الطرف الآخر لها لا يستطيع أحد التغافل عنه. وأقوى ما احتج به من قبل المراسيل حكاية ابن جرير لإجماع التابعين، وما أقواه من دليل لو كان ابن جرير يرى أن الإجماع قول الكل، لكن ابن جرير يرى أن قول الأكثر يعد إجماعا (١)، ولذلك ذكر الحاكم ممن رد المرسل سعيد بن المسيب، وهو من كبار التابعين. وأقوى ما احتج به من رد المراسيل جهالة الراوي المحذوف، وإذا تيقنا أن الراوي المرسل للحديث لا يروي إلا عن ثقة، انتفي الحذور من جهالته (٢).

стр. 84

وقد اختار هذا شيخ الإسلام ابن تيمية (١)، والحافظ العلائي (٢) (٣).

стр. 85

النوع الثالث: العضل تعريفه: لغة: مأخوذ من قولهم: عضل بي الأمر، وأعضل بي إذا صعب، وكل مستصعب فقد عضل، وكذلك كل شيء ضاق به موضعه فقد عضل به، قال الشاعر: جمع يظل به الفضاء معضلا ... يدع الأكام كأنهن صحارى (١) فهو معضل، والمحدثون يقولون: معضَل -بفتح الضاد- وهو من حيث الاشتقاق مشكل، لكن ابن الصلاح بحث، فوجد له قولهم: أمر عضيل أي: مستغلق شديد (٢). قال البلقيني: الأحسن أن يكون من أعضلته، إذا صيرت أمره معضلا (٣). ويرى العلائي: أن أصل العضل: المنع الشديد، مأخذه من العضلة، وهي كل لحم صلب في عصب (٤)، قال تعالي: ﴿ ... وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ ... ﴾ الآية (٥). ثم قيل منه: عضلت المرأة

стр. 86

تعضيلا إذا نشب الولد في بطنها، وبقي معترضا، ثم قيل منه داء عضال إذا أعيا الأطباء علاجه (١). واصطلاحا: هو ما سقط من إسناده اثنان فصاعدا (٢) مع التوالي (٣). سمي هذا النوع من الحديث معضلا، لأن الراوي له بإسقاطه رجلين من إسناده فأكثر، قد ضيق المجال على من يؤديه إليه، وحال بينه وبين معرفة رواته بالتعديل أو الجرح، وشدد عليه الحال (٤)، أو لأن المحدث أعضله وأعياه فلم ينتفع به من يرويه عنه (٥). مثاله: روى الإمام مالك في الموطأ أنه بلغه أن أبا هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف، ولا يكلف من العمل إِلا ما يطيق" (٦). فهذا الحديث معضل، لأنه سقط منه راويان متواليان بين مالك وأبي

стр. 87

هريرة، وهما: محمد بن عجلان (١)، وأبوه (٢)، فقد رواه الحاكم عن مالك عن محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة (٣). وهناك نوع آخر من المعضل ذكره الحاكم، وهو أن يعضله الراوي من أتباع التابعين، فلا يرويه عن أحد، ويوقفه فلا يذكره عن رسول الله ﷺ متصلا (٤). ومثاله: ما روى الأعمش (٥) عن الشعبي (٦)، قال: يقال للرجل يوم القيامة: "عملت كذا وكذا، فيقول: ما عملته، فيختم على فيه، فينطق جوارحه .. " الحديث (٧) فقد أعضله الأعمش، وهو في صحيح مسلم

стр. 88

موصول عن الشعبي عن أنس بن مالك (١). قال ابن الصلاح: هذا جيد حسن، لأن الانقطاع بواحد مضموما إلى الوقف يشتمل على الانقطاع باثنين: الصحابي ورسول الله- ﷺ ، فذلك باستحقاق اسم الأعضال أولى (٢). قلت: كلام ابن الصلاح جار على ما فهمه من كلام الحاكم أنه إذا روى تابع التابعي عن التابعي، لكن الذي في المعرفة للحاكم: أن يعضله الراوي من أتباع التابعين، فلا يرويه عن أحد، أي: يوقفه على نفسه، كما تقدم النقل عنه قريبًا، فعلى هذا هو داخل في النوع الأول، لأن الراوي تابع التابعي حذف منه راويان، هما: التابعي، والصحابي، علاوة على وقفه، وعدم رفعه إلى رسول الله ﷺ ، لكن إفراد الحاكم له عن النوع الأول، وتمثيله بحديث الشعبي يؤيد ما قاله ابن الصلاح، لأن الشعبي تابعي، فلم يحذف إلا الصحابي مع الوقف. حكمه: الحديث المعضل ضعيف لا يحتج به، لأنه أسوأ حالا من المرسل لتعدد الساقط من إسناده، وكذلك هو أسوأ حالا من المعلق إذا حذف من مبدأ إسناده واحد فقط، فأما إذا كان التعليق بحذف راويين أو أكثر فإنه يساوي المعضل في سوء الحال، وفي كلا الحالين لا يحتج به كما تقدم (٣).

стр. 89

النوع الرابع: المنقطع تعريفه: لغة: اسم فاعل من انقطع مضارع قطع، يقال: قطعه واقتطعه فانقطع وتقطع، والقطع إبانة بعض أجزاء الجرم من بعض فصلا (١)، والقطع يكون مدركا بالبصر، كقطع اللحم ونحوه، وقد يكون مدركًا بالبصيرة نحو: قطع الطريق (٢)، والانقطاع ضد الاتصال. واصطلاحا: يرى بعض العلماء أن المنقطع ما لم يتصل إسناده على أي وجه كان انقطاعه (٣)، أي سواء كان هذا الانقطاع في أول السند أو في آخره، وسواء سقط منه راو واحد أو أكثر من موضع أو أكثر. واعتبر النووي هذا التعريف هو الصحيح (٤). ويرى آخرون تخصيص المنقطع بما سقط من إسناده راو قبل الصحابي، أو ذكر فيه رجل مبهم (٥)، سواء كان الساقط راويا واحدا أو أكثر من راو شريطة أن تتعدد المواضع، فلا تكون من موضع واحد (٦)،

стр. 90

وأن لا يكون الساقط في أول السند (١). والفرق بين الرأيين: أن الأول أعم، فيدخل فيه المرسل والمعضل، ولا شك أن هذا الرأي يعضده المعنى اللغوي، لكن الثاني أدق لتحديد المراد اصطلاحا، فلعله أولى لتكون كل كلمة تدل على معنى مستقل. كما يرى بعض أهل العلم أن الحديث المنقطع ما روي عن التابعي ومن دونه موقوفا عليه من قوله أو فعله (٢). لكن هذا القول- كما قال ابن الصلاح: غريب بعيد (٣). مثاله: روى الترمذي عن الحجاج بن أرطاة (٤) عن عبد الجبار بن وائل بن

стр. 91

حجر (١) عن أبيه، قال: "استكرهت امرأة على عهد رسول الله ﷺ ، فدرأ عنها رسول الله ﷺ الحد، وأقامه على الذي أصابها، ولم يذكر أنه جعل لها مهرًا" (٢). قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، وليس إسناده بمتصل. وعبد الجبار لم يسمع من أبيه، لأنه ولد بعد أبيه بستة أشهر (٣). حكمه: الحديث المنقطع ضعيف لا يحتح به لتخلف شرط من شروط القبول - وهو الاتصال- ومن منع قبول المرسل، فهو أشد منعا للمنقطع، لأن المجهول في المرسل يحتمل أن يكون صحابيا وهم عدول، ويحتمل أن يكون تابعيا وهم أقرب الناس إلى العدالة بعد الصحابة (٤).

стр. 92

السقط الخفي تعريفه: هو ما يخفى على كثير ممن يشتغل بهذا العلم، بل لا يدركه إلا الأئمة الحذاق المطلعون على طرق الحديث، وعلل الأسانيد (١)، نظرًا لخفائه وغموضه، فهو بحاجة إلى تعب وعناء أكثر من سابقه- السقط الجلي. وهذا النوع من السقط تحته قسمان: القسم الأول: المدلس. القسم الثاني: المرسل الخفي. وإليك الكلام على هذين القسمين: أولا: المدلس: تعريفه: لغة: اسم مفعول مشتق من الدلس -بفتحتين- وهو الظلمة كالدلسة - بالضم- والدلس: اختلاط الظلام، ومنه قونهم: أتانا دلس الظلام، وخرج في الدلس والغلس (٢). والتدليس: كتمان عيب السلعة عن المشتري، كالمخادعة (٣).

стр. 93

واصطلاحا: هو ما أخفي عيبه على وجه يوهم أنه لا عيب فيه (١). سمي بهذا الاسم لأن الراوي لما أخفئ على الواقف على الحديث وجه الصواب، كأنه أظلم أمره وغطاه، كما تخفى الأشياء على البصر من الظلمة. أقسام التدليس: ينقسم التدليس إلى خمسة أقسام: ١ - تدليس الإسناد . ٢ - تدليس التسوية. ٣ - تدليس القطع. ٤ - تدليس العطف. ٥ - تدليس الشيوخ. ١ - تدليس الإِسناد: تعريفه: هو أن يروي المحدث عمن لقيه مالم يسمعه منه موهما أنه سمعه منه، أو عمن عاصره ولم يلقه موهما أنه قد لقيه وسمعه منه (٢)، ويكون بلفظ محتمل للسماع وغيره، كقال، أو عن، ليوهم غيره أنه سمعه منه، ولا يصرح بأنه سمع منه هذا الحديث، فلا يقول: سمعت أو حدثني أو

стр. 94

أخبرني ممن لم يسمع منه حتى لا يصير كذابا بذلك (١). وقد يكون المسقط واحدا، وقد يكون أكثر (٢). مثاله: روى الحاكم عن علي بن خشرم (٣)، قال: قال لنا ابن عيينة (٤) عن الزهري، فقيل له: سمعته من الزهري؟ فقال: لا، ولا ممن سمعه من الزهري حدثني عبد الرزاق (٥) عن معمر (٦) عن الزهري (٧). حكمه: تدليس الإسناد مكروه جدا، ذمه أكثر العلماء، وكان شعبة بن

стр. 95

الحجاج من أشدهم ذما له، فقد قال فيه أقوالا، منها: التدليس أخو الكذب. وقال: لأن أزني أحب إليَّ من أن أدلس. وهذا من شعبة إفراط محمول على المبالغة في الزجر عنه والتنفير (١). وقال النووي: وظاهر كلام شعبة أنه حرام، وتحريمه ظاهر، فإنه يوهم الاحتجاج بما لا يجوز الاحتجاج به، ويتسبب -أيضا- إلى إسقاط العمل بروايات نفسه مع ما فيه من الغرور (٢). ٢ - تدليس التسوية: تعريفه: هو أن يروي المدلس حديثا عن ضعيف بين ثقتين، لقي أحدهما الآخر، فيسقط الضعيف الذي في السند، ويجعل الإسناد عن شيخه الثقة الثاني بلفظ محتمل، فيستوي الإسناد كله ثقات (٣) بحسب الظاهر لمن لم يخبر هذا الشأن. وقد سماه القدماء تجويدا، فيقولون: جوده فلان، يريدون ذكر من فيه من الأجواد، وحذف الأدنياء (٤).

стр. 96

مثاله: روى ابن أبي حاتم عن بقية (١)، قال: حدثني أبو وهب الأسدي (٢) قال: حدثنا نافع (٣) عن ابن عمر، قال: "لا تحمدوا إسلام امرئ حتى تعرفوا عقدة رأيه". قال أبو حاتم: هذا الحديث له علة قل من يفهمها، روى هذا الحديث عبيد الله بن عمرو، عن إسحاق بن أبي فروة (٤)، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ، وعبيد الله بن عمرو كنيته أبو وهب، وهو أسدي، فكأن بقية بن الوليد كني عبيد الله بن عمرو، ونسبه إلى بني أسد، لكي لا يفطن به حتى إذا ترك إسحاق بن أبي فروة من الوسط لا يهتدى إليه، وكان

стр. 97

بقية من أفعل الناس لهذا (١). حكمه: تدليس التسوية، هو شر أقسام التدليس، لأن الثقة الأول قد لا يكون معروفا بالتدليس، ويجده الواقف على السند كذلك بعد التسوية قد رواه عن ثقة آخر، فيحكم له بالصحة، وفي هذا غرر شديد (٢). ٣ - تدليس القطع: تعريفه: هو أن يقول الراوي حدثنا أو سمعت، ثم يسكت، ثم يقول فلان أو فلان موهما أنه سمع منهما، وليس كذلك (٣). مثاله: ذكر ابن سعد (٤) عن عمر بن علي المقدمي (٥) أنه كان يقول: سمعت

стр. 98

وحدثنا ثم يسكت، ثم يقول: هشام بن عروة (١) والأعمش (٢). ٤ - تدليس العطف: تعريفه: هو أن يروي المحدث عن شيخين من شيوخه ما سمعاه من شيخ اشتركا فيه، ويكون قد سمع من أحدهما دون الآخر، فيصرح عن الأول، ويعطف الثاني عليه، فيوهم أنه حدث عنه بالسماع أيضًا، وإنما حدث بالسماع عن الأول، ونوى القطع، فقال: وفلان، أي: حدث فلان (٣). مثاله: ذكر الحاكم أن جماعة من أصحاب هشيم (٤) اجتمعوا يومًا على أن لا يأخذوا منه التدليس، ففطن لذلك، فكان يقول في كلّ حديث يذكره:

стр. 99

حدثنا حصين (١)، ومغيرة (٢) عن إبراهيم (٣)، فلما فرغ قال لهم: هل دلست لكم اليوم؟ فقالوا: لا. فقال: لم أسمع من مغيرة حرفا مما ذكرته، إنما قلت: حدثني حصين، ومغيرة غير مسموع لي (٤). أي أنه أضمر في الكلام محذوفا، كما فسره بعبارته. ٥ - تدليس الشيوخ: تعريفه: هو أن يروي المحدث عن شيخ حديثا سمعه منه، فيسميه أو يكنيه أو ينسبه أو يصفه بما لا يعرف به؛ كي لا يعرف (٥).

стр. 100

وذلك كأن يقول الراوي: حدثنا أحمد بن هلال مريدا بذلك الإمام أحمد بن حنبل، فينسبه إلى جد أبيه. أو يقول: حدثنا أبو صالح مريدا به الإمام أحمد أيضًا، وهو مشهور بأبي عبد الله. أو يكون الشيخ مشهورا بكونه بغداديا، فينسبه إلى العراق. أو يصفه بكونه حافظا، وهو لا يعرف بذلك. مثاله: روى الخطيب البغدادي عن شيخه الحسن بن محمد الخلال (١) قول سعيد بن المسيب: إن كنت لا أرحل الأيام والليالي في طلب الحديث. وسماه الحسن بن أبي طالب (٢). حكمه: تدليس الشيوخ مكروه؛ إلَّا أنه أخف من تدليس الإسناد، لأنَّ المدلس لم يسقط أحدا، وإنما الكراهة بسبب تضييع المروي عنه، وتوعير طريق معرفته على السامع، إلَّا إذا كان من يأخذ عنه ثقة، فيحرم، لأنه غش للأمة، وكذب صراح. أما إذا كان امتحانا للطلاب، أو تفننا في العبارة بحيث لا يخفى على أهل الفن، فهو جائز، وهذا ما يستعمله الخطيب البغدادي في مصنفاته (٣).

стр. 101

تنبيه: يلحق بتدليس الشيوخ تدليس البلدان، كما إذا قال المصري: حدثني فلان بالأندلس، فأراد موضعا بالقرافة، أو قال بزقاق حلب، وأراد موضعا بالقاهرة. أو قال البغدادي: حدثني فلان بما وراء النهر، وأراد نهر دجلة، أو قال بالرقة، وأراد بستانا على شاطيء دجلة. أو قال الدمشقي: حدثني بالكرك، وأراد كرك نوح، وهو بالقرب من دمشق. والأمثلة على هذا كثيرة. وحكم هذا النوع: الكراهة. لأنه يدخل في باب "التشبع بما لم يعط" (١)، وإيهام الرحلة في طلب الحديث، إلَّا أن تكون هناك قرينة تدل على عدم إرادة التكثير، فلا كراهة (٢). الأغراض الحاملة على التدليس: الأغراض الحاملة على التدليس كثيرة، أهمها: - ١ - ضعف الشيخ المدلس عنه، أو كونه غير ثقة. ٢ - الأنفة من الرواية عمن حدثه لكونه أصغر من الراوي عنه، أو لأن وفاته تأخرت، وشارك المحدث عنه في السماع منه جماعة دونه.

стр. 102

٣ - إيهام علو الإسناد. ٤ - كثرة الرواية عنه، فلا يحب الأكثار من ذكر اسمه على صورة واحدة إيهاما لكثرة الشيوخ. ٥ - فوات شيء من الحديث عن شيخ سمع منه الكثير (١). ٦ - الخوف من عدم أخذ الحديث وانتشاره مع الاحتياج إليه (٢). ٧ - التفنن في العبارة، وتقدم قريبا أن الخطيب البغدادي يستعمله في مصنفاته (٣). حكم رواية المدلس: اختلف العلماء في حكم رواية من عرف بالتدليس، على أقوال أهمها: - القول الأول: يرى جماعة من الفقهاء وأصحاب الحديث أن خبر المدلس غير مقبول مطلقًا، لأنه يتضمن الإيهام لما لا أصل له، وترك تسمية من لعله غير مرضي ولا ثقة، وطلب توهم علو الإسناد، وإن لم يكن الأمر كذلك (٤). القول الثاني: وقال جمع كثير من أهل العلم: خبر المدلس مقبول، فلم يجعلوه بمثابة الكذاب، ولم يروا التدليس ناقضا لعدالته،

стр. 103

وزعموا أن نهاية أمره أن يكون التدليس ضربًا من الإرسال (١)، وبه يقول علماء الزيدية، بل قال ابن الوزير اليماني، أنه أولى بالقبول من المرسل (٢). القول الثالث: وقال آخرون بالتفصيل: إن كان المدلس يروي بلفظ السماع أو التحديث، فهو مقبول محتج به، وإن روى بلفظ محتمل كالعنعنة فلا يقبل، وبه يقول الإمام الشافعي، وابن الصلاح، والنووي، وابن حجر، وغيرهم (٣). القول الرابع: وقال آخرون بالتفصيل أيضًا: إن عرف من المدلس أنه لا يدلس إلا عن ثقة، فإنه يقبل بأي صيغة كان، وإن كان المدلس يدلس عن ثقة وغير ثقة، فلا يقبل إلا إذا صرح. وقد ذكر ابن عبد البر عن أئمة الحديث أنهم قالوا: لا يقبل تدليس الأعمش، لأنه إذا وقف أحال على غير مليء يعنون على غير ثقة، إذا سألته عمن هذا؟ قال: عن موسى بن طريف (٤)، وعباية بن رفاعة (٥)، والحسن بن ذكوان (٦)،

стр. 104

وقالوا: يقبل تدليس ابن عيينة لأنه إذا وقف أحال على ابن جريج (١) ومعمر، ونظائرهما (٢). القول الخامس: اختار المحدث ظفر أحمد التهانوي (٣): إن كان المدلس من ثقات القرون الثلاثة، فإنه يقبل تدليسه كإرساله، وإن كان ممن دون هؤلاء، ففيه تفصيل: إن روى الثقات ما رواه قبل وإلا فلا (٤). الراجح: يظهر لي -والله أعلم- رجحان ما اختاره المحققون من العلماء أن المدلس إذا روى بلفظ السماع أو التحديث قبل، وإذا روى بلفظ محتمل للسماع وغيره، فإنه لا يقبل؛ لا سيما وقد نفى ابن عبد البر الخلاف في ذلك (٥).

стр. 105

فقبول المدلس مطلقًا غير معقول، لأن التدليس جرح، ورده مطلقًا غير ممكن لوجود التدليس في كثير من رواة الصحيحين. ثانيا: المرسل الخفي: تعريفه: هو أن يروي المحدث عمن سمع منه ما لم يسمع منه، أو عمن لقيه ولم يسمع منه، أو عمن عاصره ولم يلقه (١). سمي هذا النوع من الحديث مرسلًا، لأنَّ المحدث أرسله: أي أطلقه ولم يقيده بشيخه الحقيقي. وسمي خفيا لكونه يخفى على كثير من أهل الحديث، لكون كل من المحدث وشيخه قد جمعهما عصر واحد (٢). مثاله: روى العوام بن حوشب (٣) عن عبد الله بن أبي أوفى (٤) - رضي الله

стр. 106

عنه - قال: "كان إِذا قال بلال: قد قامت الصلاة: نهض رسول الله ﷺ فكبر" (١). فقد روي عن الإمام أحمد: أن العوام لم يلق ابن أبي أوفى (٢). الفرق بين الإِرسال الخفي والإِرسال الظاهر: الإِرسال الظاهر: هو ما سقط صحابيه ورفعه التابعي كما تقدم. أما الخفي: فهو الانقطاع في أي موضع من السند بين راويين متعاصرين لم يلتقيا، أو التقيا ولم يقع بينهما سماع (٣). الفرق بين الإِرسال الخفي والتدليس: هذا النوع من الإرسال أشبه بروايات المدلسين لخفاء السقط في كل منهما، إلَّا أن العلماء فرقوا بينهما من وجهين: الأول: أن المرسل الخفي رواية الشخص عمن لم يسمع منه، قال الحافظ أبو بكر البزار (٤): إن الشخص إذا روى عمن لم يدركه بلفظ موهم فإن ذلك ليس بتدليس على الصحيح المشهور (٥).

стр. 107

الثاني: أن التدليس إيهام سماع ما لم يسمع، وليس في الإرسال إيهام، فلو بين المدلس أنه لم يسمع الحديث من الذي دلسه عنه، لصار الحديث مرسلًا لا مدلسا (١). ما يعرف به الإِرسال الخفي: يعرف خفي الإرسال، بأمور: - أحدها: أن ينص بعض الأئمة على عدم اللقاء بين الراوي وشيخه، أو يعرف ذلك بوجه صحيح (٢). الثاني: أن ينص إمام على عدم سماع المحدث عن ذلك الشيخ مطلقًا، كأحاديث أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود (٣) عن أبيه، وكقول

стр. 108

النسائي: الحسن (١) لم يسمع من أبي هريرة شيئًا (٢). الثالث: أن ينص إمام أو يخبر الراوي عن نفسه -في بعض طرق الحديث- أنه لم يسمع من شيخه ذلك الحديث فقط، وإن سمع منه غيره. الرابع: أن يرد في بعض طرق الحديث زيادة اسم راو بينهما. وهذا الأمر لا يدركه إلَّا الحفاظ النقاد، لأنه قد يشتبه على كثير من أهل الحديث، فقد يكون الحكم للزائد، وربما كان الحكم للناقص، والزائد وهم، فيكون من نوع المزيد في متصل الأسانيد (٣). وبهذا القدر ينتهي المسلك الأول من مسالك الضعف إلى الحديث، وهو السقط من السند، ويليه -إن شاء الله تعالى- المسلك الثاني: وهو الطعن في الراوي، نسأل الله الإعانة على إتمامه بمنه وكرمه.

стр. 109

الفصل الثاني المسلك الثاني من مسالك الضعف إِلى الحديث النبوي الشريف الطعن في الراوي تعريف الطعن: لغة: مصدر طعن يطعن -بفتح العين- طعنا وطعنانا (١) ثلبه بالقول السيء، ومنه قول الشاعر: وأبى الكاشحون يا هند إلا ... طعنانا وقول ما لا يقال (٢) وفلان طعان: أي وقاع في أعراض الناس بالذم والغيبة ونحوهما، ومنه الحديث: "لا يكون المؤمن طعانا" (٣). وأما الطعن بالرمح فمضارعه: يطعن -بضم العين- فهو من باب نصر ينصر. هكذا فرق علماء اللغة بينهما، لكن الكسائي (٤) يرى أنهما من باب

стр. 110

واحد، وهو الضم فقط فيهما، حيث يقول: لم أسمع أحدا من العرب يقول: يطعن بالرمح، ولا في الحسب، إنما سمعت يطعن (١) -يعني بالضم- والمراد بالطعن -هنا-: جرح الراوي باللسان، والتكلم فيه من ناحية عدالته ودينه، ومن ناحية ضبطه وحفظه وتيقظه. تنبيه: الكلام في الرواة ليس من الغيبة المحرمة، بل هو أمر جائز بإجماع أهل العلم (٢)، وقد أوجبه بعضهم للحاجة إليه (٣)، قال الحسن بن علي الإسكافي (٤): سألت أحمد بن حنبل عن معنى الغيبة؟ فقال: إذا لم ترد عيب الرجل. قلت: فالرجل يقول: فلان لم يسمع، وفلان يخطئ؟ قال: لو ترك الناس هذا لم يعرف الصحيح من غيره (٥). والكلام في الرجال قديم قدم الحديث نفسه، فقد تكلم الرسول ﷺ
следующие страницы →