← Адаб

Адаб · id 644

المقامات الزينية

ابن الصيقل الجزري

Полный текст (139 стр.). Показаны 106–139 · переход к 111.

стр. 106

ثم إنَّهُ اضطربَ اضطرابَ المزؤود، وتنَفّسَ تَنَفسَّ المؤودِ، فقالَ له الوالي: تاللهِ لقد عرَقني غِزارُ غَرامك، وغرّقني طُوفانُ اضطرامكَ، فأخبرْنِي ما وراءَ صمامِك، ولأيِّ مأربٍ اتَّصلَّ بنا سَبَبُ اَنضمامِكَ، فقالَ له: اصِخْ فَدَيتُك إليَّ وأنخْ نُوقَ إنصافِك لديَّ، وأنّني لمّا هَجَرَ آلي، وأمقرَ زُلالي، وانهزمَتْ قبائلُ مالِي، وانصرمت حَبائلُ آمالي، ونفقت جِمالُ إجمالي، وبَرَقت رمالُ إرمالي، هممتُ بأنْ أتزوجَ بمَنْ تحن إلى عِيالي، وتَجِن جُيوشَ أعلالي، وتَحْتَمِلُ إرقالي، وتَحمِلُ ثِقالَ أثقالي، فاستشرتُ بمَنْ هو لسِّري مَعَان، لعلمي أنَّ المستشارَ مؤتمنٌ، والمستشيرُ معان، فزُفَّتْ إلي هذهِ العَجوزُ، التي رأسُها في جرابِ كلِّ مُجادلةٍ يَجوزُ، فأسقَمني وصلُها الذعانف، وجَزعتُ معَهَا ما بعضَهُ الحر يَعافُ، وقد أحضرتُها إليكَ، وَعَرَضْتُ عُروضَ إعراضِها عليكَ، لتُثقِّفَ أسَلَ مَنْهجِها، وتُهذِّبَ جُمَلَ لُجَج لَجِجِها، قال: فلمّا سَمِعَ الوالي حكايتَهُ، وفَهِمَ شكايتَهُ، قالَ لها: لحاك اللَهُ كيفَ تُخفرينَ عهدَهُ، وتكفرينَ رَفْدَهُ، وتُنكرينَ خَيْرَهُ، وتحتقرينَ مَيرَهُ، فقالت: إنَّهُ ومَنْ حرَّمَ أطباءَ البراطيلِ، ونَهَى عن مظالم المَطيل، لأكذُبُ من الصبح المستطيلِ، فقالَ لها الشَّيخُ: قَبَّحَكِ اللهُ بل أنتِ ومَنْ طَيرَ النّحام، وحبّبَ إلى الحَمير الزِّحامَ، أكذب من غَمامةِ مَصيفٍ، وأتْفَلُ مِنْ غَيايةِ كنيف، وأوسخُ من سِروَالِ كنّاس وأزفرُ من سربال رآس، وكيفَ لا يذمك من يدمُّكِ، وَيَصُّمكِ مَنْ يَضمُّك وقد ألفاكِ يومَ قَفَّاكِ أنْجَسُ مِن كَلْبٍ، وأنفسُ من دَرْب، وأسفقُ من رَبابةٍ، وأفَسق من زبابة، وهي أعزّكَ الله مَعْ كَثَرةِ جُرافِها، وغَزارةِ انحرافِها، إنْ غلبَت عَلَبتْ، أو جلبَتْ خلبت، أو شرقَتْ سَرقَتُ، أو حنقْت حبقَتْ، تأكل منَ الحَماةِ حِمْلين، وتنهَلُ من القَيء قُلّتَين، وتَغْتَسِلُ بُصَيِّب العَيْن، وتَكْحل أسود العَيْنِ، بأسود العيْنِ، فلا أعاذها اللهُ مِنَ العَيْن، فقالتْ له: فضحَك اللهُ يا أقفر من خَرابٍ، وأكذبَ من سَرابٍ، بل أنتَ واللهِ أنْصبُ من بُحيس، وأشأمُ مِنْ طُوَيْس، وأخَس مِنْ جَاجَةٍ، وأنَم مِنْ زُجَاجَةٍ، وأرْقَعُ مَسْبُوع، وأخْدَع مِنْ يَرْبُوع، وأرْجَسُ مَنِ أطْرَحَ العَصَا، وبَاتَ في أَهْلِهِ صُلْبَ العصا، وتجللَ سَكاب المَعاصي والعَصَا، وقال: أنا خيرُ من تفاريق العَصَا وعَصَا، فتّباً لكَ منْ هائع لائع، وجائع نائع، وماطع راطع، وقاطع لاطع ناطع، يا أخْبَثَ مَنِ اختارَ على الصادِ الميمَ، والوهادَ التسنيمَ، وفاضَ بالحججُ الجائرة، واعتاضَ عن المثلثِ بالدائرةِ، فكساكَ حلّةَ حُرافِي، ورماكَ بثالثة الأثافِي، وعزز فن سابحِ سِبالِك بالتاءِ، وقَبَّضَ لقِذالِك قلبَ شقيق بلوطِ الشتاء، لأنَّكَ إن رحلتَ خبطتَ، أو حللتَ ربطتَ، أو سألتَ قَنِطْتَ، أو سَعَلْتَ ضَرِطْتَ، فأفٍّ لما لَقيْتُ وما ألْقَى، وتُفٍّ لخسيس أنسِكَ وسُحقاً، فقالَ لهما الوالي: أخزاكما اللهُ أما تخجلانِ من سَحِّ هذهِ الدِّيمةِ، وقُبْح هذهِ الأفعالِ الذَّميمةِ، فقالتْ: قَسَماً بِمَنْ أنعَمَ على المسافر بالقَصْرِ وأنزلَ على سَيّدِ الرُّسل سُورةَ النّصْرِ، لولا احترامُكَ لأقرأت حصييهَ سورة العَصْر، ولولا الحَياءُ من أمور اشتهرتْ، وأحوال بينَ الوَرى ظهَرت، لتلَتْ لحيتهُ إذا النجومُ انتَثَرتْ، فالتفَت الوَاَلي إليه، وقالَ له: يا ذا لَمَ لا تَزْهَدُ في صَدْرِ هذهِ الوُصْلة والمَغابنِ، وترحلُ عن وَطَنِ سورة التَّغابُنِ، فقال: لأنِّي لا أملكُ في الإقامة والانطلاق، ما أتوصلُ بهِ إلى قرية سورةِ الطلاقِ، فقهقهَ الوالي واستطرفهَ، واستملحَ قولَهُ واستظرَفهُ، وقالَ له: كَمْ صَداقُها عليكَ، لأحضَرهُ إليكَ، فقالَ: مائتا درهم لا يشوبُ كمالها نَقْصٌ، ولا يَعيبُ ثوبَ إكمالِها قَص، فسلّم المبلغ إليها، وقالَ: أحلفُ الآنَ عليها، فقالَ: هي طالقُ بعدِدِ عُشرِ شهرِ تشرينَ، وأربعةَ أجذارِ خمسةٍ وعشرينَ، قال القاسمُ بنُ جريالِ: فالتفتَ حينَ حَملق الضُّبعان، وحيّرَ الخِرَقَ حرَّ ذلكَ الطِّعانِ، وطالَ بينَهما المِصاعُ، وخصَّ كلَّ واحدٍ منهما ذلك الصَّاعُ، أبا نصر المصريّ صاحبَ ذاك

стр. 107

الاقتصاص، وحالبَ هاتيكَ القِلاص، فتركتُهُ إلى أن انفصلَ عَقْدُ ذيّاكَ العِقَال، ونصلَ خِضابُ ذَّيالكَ المَقالِ، وانصرفَ يَتَغَطْرَفُ لحوْكه وَيتَخَنْدَفُ بزوكه، ولم يبقَ معَهُ من البَريّةِ، سوى ثُلثِ تسع سِهام الأكدريةِ، ثم لصقتُ به لصوقَ الحَسْدل بالمواشي، وجعلتُ أعاتبهُ، ولا أحاشي، فقَال لي: أتظُنها ربيبةَ داري، لا ومَنْ رفعَ في سُلَّم الفَصاحةِ قدمَ مِقْدارِي، وإنَّما هي امرأةُ قَمّام، أجيرِ حَمّام، استأجرتُها بحبتين، لأقتنصَ بفخِّها المائتينِ، فقلتُ لَهُ، أفلا تضربُ لي معكما بنصيبٍ، لأكونَ في نثلِ كنانتِكما ثالثَ مُصيبٍ، فقالَ لي: إنَّكَ ومَنْ فَضَّلَ ركبانَ الحرم على مُشاتهِ، وبغَّضَ إلى الوالي سعايةَ وشاتهِ، لأطمعُ من عرِس أشعبَ وشاتهِ، ثم إنّهُ انخرطَ في رشاءِ فِرقَهِ، فَرحاً بفَلّ فَلّ فرَقهِ، وبقيتُ مذ ضمَّني الرُّهاء، وطمّنِي ذلك الدّهاءُ، تُريني فعلتَهُ في المَنام الأحلامَ، وتعتَريني هَزّةُ من هَزَّهُ المُدامُ، وعزَّهُ الإعدامُ، وردَّهُ السِّلامُ والسلاّم. قتصاص، وحالبَ هاتيكَ القِلاص، فتركتُهُ إلى أن انفصلَ عَقْدُ ذيّاكَ العِقَال، ونصلَ خِضابُ ذَّيالكَ المَقالِ، وانصرفَ يَتَغَطْرَفُ لحوْكه وَيتَخَنْدَفُ بزوكه، ولم يبقَ معَهُ من البَريّةِ، سوى ثُلثِ تسع سِهام الأكدريةِ، ثم لصقتُ به لصوقَ الحَسْدل بالمواشي، وجعلتُ أعاتبهُ، ولا أحاشي، فقَال لي: أتظُنها ربيبةَ داري، لا ومَنْ رفعَ في سُلَّم الفَصاحةِ قدمَ مِقْدارِي، وإنَّما هي امرأةُ قَمّام، أجيرِ حَمّام، استأجرتُها بحبتين، لأقتنصَ بفخِّها المائتينِ، فقلتُ لَهُ، أفلا تضربُ لي معكما بنصيبٍ، لأكونَ في نثلِ كنانتِكما ثالثَ مُصيبٍ، فقالَ لي: إنَّكَ ومَنْ فَضَّلَ ركبانَ الحرم على مُشاتهِ، وبغَّضَ إلى الوالي سعايةَ وشاتهِ، لأطمعُ من عرِس أشعبَ وشاتهِ، ثم إنّهُ انخرطَ في رشاءِ فِرقَهِ، فَرحاً بفَلّ فَلّ فرَقهِ، وبقيتُ مذ ضمَّني الرُّهاء، وطمّنِي ذلك الدّهاءُ، تُريني فعلتَهُ في المَنام الأحلامَ، وتعتَريني هَزّةُ من هَزَّهُ المُدامُ، وعزَّهُ الإعدامُ، وردَّهُ السِّلامُ والسلاّم. المقامة الأربعون الأهوازيّةُ روَى القاسمُ بنُ جريالٍ، قال: أولَجني الدَّهْرُ ذو الإعجاز، الحَرجُ المَجازِ، إلى جامع الأهواز، ظاهرَ الاحترازِ، متظاهرَ الاهتزازِ، فائقَ الامتيازِ، في فيلق من الإعزَاز. راصدَ كواكبِ النجاز، قاصدَ مناكبِ الحِجازِ، فبينا أنَا أنفضُ الشفوفَ لِهوفها، وأخفِضُ جناح ذلِّ النظر بين صُفوفِها، مائساً بالقدِّ الرّطيب، مائلاً إلى استخراج نخَب الخَطيب، ألفيتُ شيخَاً آخذاً بِزَنْد عجوزِ، تِلَو خِشْفٍ أبوز، أذكَى مِن فراخ الحَجَلِ، لا يكترثُ بطولِ شِمراخ الحجَلِ، فحينَ اتّصلوا بالأعيانِ، وحَصَلوا على عِنانِ العِيان، أبرزَتِ العَجوزُ جماناً كالهتَّانِ، وجَناناً كالجَنان وقالت: الخفيف. أيها الناظرون رِقةً حالِي ... واَحتيالِي على الحُطام الحقيرِ واشتهاري لدَى الرجال وهَمّي ... بعدَ وهمي وكَسْرِ قلبي العَقير واصفراري وطُولِ ليلي ووَيْلي ... واَرْتضاعِي ثُدِىَّ صدرِ النقيرِ وأجاجِي وبُوسَ عيشي وطَيشي ... بعدَ رَهْطِي أولى المشيب الوَقيرِ واَعوجاجي وذلِّ نَجْلي ورجْلِي ... بعدَ شيخي أبي الفقيرِ الوقيرِ وافتضاحي لَدَى الصفوفِ وعُسْري ... بعدَ يُسري مِنَ الكثيرِ الوقيرِ واتّقاحي على الوقوفِ وضرّي ... بعد ضرِّي وضَعْفِ ظَهري الوقيِر بعدَ أنْ كنتُ في الخُدور بخَيْرٍ ... بينَ قَدْر وقَادر وقَدير واصلوني ولو بسَحْقِ خِمَارٍ ... أو إزارٍ لبَعْلِ بَعْلي القديرِ فلمّا اغترفوا زُبَدِ عبارتها، ووقفُوا على بدائع إشارتِها، شَهَرَ شُوَيْدنُها لسانَهُ، ورفعَ إليهم بَنانه، وقال: الخفيف. واعطفوا لي مِنْ بَعْدِ أمِّي لأِّمي ... إنَّ أمي كضَعفِ أمِّ غَرير واسمحُوا لي بخاثرٍ ومَخيض ... وطعام مِنَ اللطيفِ غَزيرِ وارشَحُوا لي بحُلّةٍ وحذاءٍ ... مَعْ رداءٍ مِنَ الشفوفِ حَريرِ

стр. 108

وارفدوني برفْدِكُمْ ففؤادِي ... ذو جَريرٍ إلى الوِجار جَريرِ وأجبروني بجُبّةٍ وبِجاد ... مَعْ جذاذ، مِنَ النَّضير نضيرِ وانصروني بصُرَّةٍ وصِدار ... مَعْ وَصيفٍ مَعَ النَّصير نَصيرِ قال: ثمَّ إنَّهم مكثُوا ليُحَلَّ لهم وكاء، أو يَنْهَلَّ عليهم وعاءٌ، فما ألبَّ بهمَ لُبابه، ولا انصبَّ منْ صَوْبهم صُبابةٌ، فلمّا رأى الشَّيْخُ أنْ قد أورقَ شَجَرُ إخفاقهم، وأورقَ صائد تملّق إملاقهم، وأنْ قد أوأبتْ راحُ كفوفِهم، وأبَت وأوكبت نار معروفِهَم وكَبَتْ، وأنَّ عيونَ إعطائهم مقطوعةُ الإهراق، ومَلّة مِلَل مَلَلهم حاميةُ الإحراقِ، ومذاهب ذَهَبِهم مسدورةُ الإشراقِ، وكرْمَ كَرَمَ مكارمهم مُسْقوقطُ الأوراقِ، انسلَّ سَراب قلقهِ الرَّقَراق، وسلّ سيوفَ السَّدَمِ لهَمْهَمَةِ هَمّهِ المُهراقِ، وقال: يا أعنّةَ العطايا، وأسنَّةَ الهدايا، وأخدانَ اللِبانِ وإخوانَ الخِوانِ، وحسادَ الآَكل وآسادَ المآكلِ، وعِبادَ الرياس، وعُبادَ الأكياس: هلا تنظرون بعين طالما اكتحَلت بأثْمِدِ الغوايةِ، وتَسْمعونَ باُذُنِ قلمّا امتلأتْ بماعونِ التلاوة، فترشحونَ لشيخٍ اشتغلَ بإفالهِ عن احتفالهِ، وبحَزق احتيالهِ عن مخادنةِ اختياله وعن كثرةِ عيالهِ، بتتابع أعوالهِ، فأصبحَ بعدَ اَمتطاءِ المُطَهّماتِ، واقتناءِ الصرَرِ المدَرهَماتِ، يصافح المصائبَ. ويكافحُ سَهْمَ السَّقَم الصائبَ، فحين عَمِرَ الفَناء، وصفرَ الإناءُ، وبَعُدَ الهَناء. ونفدَ الهناءُ، واربدَّ يِقَقُ الأملِ واشتدَ، وارتدَّ مؤمنُ بابِ السعادةِ واستد، ونبَا المصاحَبُ وكظَ، ورَبِا مجلِس الفَلس واكتظَّ، ومالَ بيتُ التجمُل وانقض، وحال حالُ التحيلِ وانفضَّ، تكدَّرَ الصافِي، وتغيّرَ الصديقُ المُصَافي، وتضيقَ الضافِي وتَخلًفَ الخليلُ المُضافِي، فليتنَا وافينا الوفاةَ، ولم يعْجُمْ نابُ صَفونا هَذِي الصَفاةِ. قالَ الراوي: ثم إنَّه أقلعَ إقلاعَ البَعاع، وانخرطَ بين الرعاع، وذَمَ الجمعَ الذي أمهُ واستصحبَ البويذقَ وأمَّهُ، ولم يحضرني ما أسمحُ لَهُ به، وأبيِّضَ وَجهَ جدار مَطلبهِ، وأحببت أنْ أتحقّقَ دَوحَ أيكته، وبأيِّ البُقع انصدَعتْ مُتُون تريكتهِ، فأخذتُ أقَفو إثْرهُ لأعرفَ عرينَهُ، وأصْرِفَ له ما يملأ يمينَهُ، فألفيتُهُ بعدَما أجبلَ، وافترع عاتقَ الحيل وأحبل، أبا نصر المصري ذا المناص وقانصَ الأسد القّناص، فقلتُ له: سّحقاً لكَ من باذلِ ماءِ وجنتيه، لاكتسابِ نَماء راحتيهِ، فهلا تستعينُ بحِرْفةِ تَصُونك عن السؤال. وتعيُنكَ على الخروج من مدارج السؤال، كي لا تستكف، وتنتقدَ المحافل وتستشف. فأترع أوعية قلقه. وأمجدَ وتأهب لأهب الهلع وأنشد: اّلمتقارب. لسعْى السّباع على عاقلِ ... وقَنص العداةِ ونَقصُ العَدَدْ ولَس القَتاد وحس الفؤادِ ... ولبس السَوادِ وجَلسُ المَدد وحقدُ الرَداح وفَقدُ النجاح ... وقَد السَماح ووَقدُ الرمَدْ وحسم الصلاة وطسم الفلاة ... ووهم الولاة وهم الكمد وسلب الحبور وخب البحور ... وجب النحور وحب الحسد وخَتلُ الخَدين وشَل المدِينِ ... وسل العدين وسل الجسد ونَهْلُ الحميم وعَلُّ الحَميم ... وغَل الحَميم وفَل السبد وسيرُ الهوىَ وضَيْرُ الهَوى ... وجَوْر الوَليِّ ومُورْ السند وظعْنُ الرباب وطَعْنُ الرباب ... وضن الرباب ووَهنُ الخُلَد وشَقُّ الجَنانِ وحَرْقُ الجنان ... وخَرْقُ الجَنان ومَحق الجَلَد أقلُّ مصابَا، على عَائل ... يَروم القيامَ بجدَ قعد قال: ثم إنَه أفلَي وأفليتُ: وقطعتُ رأس الفِتن وفَليتُ وفَلَيتُ من نُقودِ شعْرهِ ما فَلَيْتُ، بعدَ أن شَفت مُلَحُة الغُرامَ، وسَفَتْ ريح حَنَقهِ الدَاءَ الغرام، َ وناقشني مُناقشة مَن غَامَ، واحلولكَ يومُ ودهَ وغَام، وأوحشني ذَلكَ العامَ، مذ غرق قاربَ التقَربِ وعام. المقامةُ الحاديةُ والأربعونَ الحنفيّةُ الكِيشيّةُ

стр. 109

حكى القاسمُ بنُ جِريالِ، قالَ: حَمَلَني صَفْوُ الزمَنِ الباهرِ، المبيِّضِّ الأباهرِ، وحُبُّ الليلِ الساهر، لمنادمةِ النديم الماهر، فلم أزلْ أزعجُ النَفور وأجاورُ الكفورَ، وأقري العالمَ، واستقرى المعَالمَ، وأُسامرُ الأعوجيَّ، وأُصادُم اللُجِّيَّ، إلى أنْ نزلتُ بساحل قيسَ، وقد ضارعت ابنَ الملوح قيس، وسئمت الهيسَ، وأنضيتُ السوابحَ والحَيسَ، فوردْتُها وأنا خفيفٌ ذفيفٌ، وارفُ الإفادة عفيفٌ، أردُ مواردَ الموداتِ، وأشهدُ مواسمَ المشاهداتِ، وأُوقدُ مصباحَ المَرَح، وأُخمدُ أنفَاس أفراس التَّرح، وأمرجُ بانسكابِ مكسبٍ هام، وأجمَحُ بأقدام إقدام مقدرة وهام، وأرفُل في بُلهنية شهيّة، وأسبلُ ثوبَ رفهنيةٍ هَنيّة، فبينما أنا أنوس لجَدِّ جُدودِ الدِّبار، وأَبوسُ بأخمص الخَبَب خدودَ حدود الديار، عَلّ أن أظفرَ بكُوع كرمٍ وساعد، أو نديم على سَدَر السَهَرِ مُساعِد، لأطَفئَ من ضَرَم الضرَرِ ما التهبَ، وأردّ إلٌى شرخِ شبيبةِ النشبِ ما اشتهب، ألفيتُ فتًى يسيرُ سيرِ السَيلِ السَائح، ويترّنّحُ ترنّحَ النزيفِ المتمائح، ينطِقُ بالفضلِ إنعطافه، وتهزأ بأعطاف الحدائق أعطافُهُ، فملْتُ إليهِ مَيْلَ الشيِّقِ إلى الوصالِ، والأجيرِ إلى راحةِ الأوصال بالآصال وقلتُ له: هل لكَ يا ذا الوجهِ الوَضيِّ، والجَدِّ الحَظي، في أن تُعرفَني مخرجَ أغصانِكَ، ومدرج صبيانِك، لأكونَ خادماً لحوائك، أو منادماً تحت ذوائبِ لوائكَ، فإنّني مِمَّنْ يتجمّلُ بالتعاليلِ، ويتحمَّل مِنَّة عَلِّ هذه اليعاليل، فقالَ لي: أمَّا المَدَرة فهذِي، وأما العِتْرَةُ فَكُلُّ فَذٍّ غير هاذي، وأَّما مرام المواصلةِ فإليكَ، وزمامُ هذه المصاحبة ففي يديكَ، قالَ: فصلَّيْتُ تِلوَهٌ وجلّى، وتمليت بما تمنيتُهُ إذْ تجَلى، ولمّا وصلَ بي إلى فِنائهِ، وأدهشني بشيد بناءه، أحضر منْ أصحابه المعارفِ، أولي السُّؤدد والعوارفِ، عدد ما لا ينصرف في النكراتِ والمعارفِ، تَتيهُ على المُبادَر بالنَوادرِ، وتنصبُ بالصَّوْبِ الصادرِ، نصْبَ المصادرِ، ثُمَّ إنَّهُ أومأ برأسه لإحضارِ نبراسِهِ وإلى إمائهِ، بتبريدِ مائه، وإلى أنماطهِ، بإظهارِ سِماطهِ، فمِلْنا إلى أطعمتهِ، وشكرْنا سوابغَ نعمتهِ، حيْنَ سالتِ المسائل، وأدالتِ الدلائلُ، ألفيتُهم مِمَّنْ يُوصفونَ، إذ للمنح، يعصفون وتطور بهم المزَاهرُ فلا يعزفونَ، وتدورُ عليهم كؤوسُ مناسمة لا يِصدعون عنها ولا ينزفون: البسيط. نهدي وتَهدِي جُماناً منْ تهذُّبهم ... وحسنِ مذهبهم خَلقْاً إلى الرَّشد كأنهم شُهبٌ في الأفُقِ طالعةٌ ... تَسْري الأنامُ بها للمنهج الجَدَدِ

стр. 110

فلم نزلْ نَحْضُرُ بجامع اجتماعِه، ونشكرُ عَرْفَ عرائس اَستماعه، إلى أن دخل ذاتَ يوم بعضُ وصفائِه، وقد أحدقَتْ به عيونُ أصفيائهِ، وقالَ: أراك متثبطاً عن عيادةِ خطيبكم، المُظهرِ ما يفوقُ نفحاتِ رطيبِ طيبكُم، فقالَ له: تاللهِ لقد استدعيتَ بكاءَ الثواكلِ، وهديْتَ الضيفنَ إلى مهيع المآكلِ، وطلبتَ القُبَلَ من العاشقِ، وسكبتَ الغالية لدَى الناشقِ، ثم قالَ لهم: هَلْ لكم في اقتناءَ هذه المندوية واجتناءَ ثمارِ هذهِ المثوبةِ، فقالوا له: قَسَماً إنَّكَ لَكَمَنْ سألَ النارَ الوقودَ، والفُهودَ الرقودَ، والحُمام الحِمامَ وإلْفَ طِيْبِ مَوطنه الحَمامَ، فقلتُ لهم: أتأذنونَ لي يا أولي الضِّمار، أَنْ أكون فِسْكَلَ هذا المِضمار فقالوا: بل إنْ هويتَ اهتمامنا، فكن إلى إمامِنا أمامَنا، فتقدَّمَ إذ ذاك قلبي مَعْ وفاقه، خالياً مِنْ نفاقهِ، تقدُّمَ النَّعْتِ على رفاقِه، ولما خَرَجْنَا لجَلْهةِ الأدَبِ وواديه، وولجْنا مِنَى أَياديهِ، مَعَ التيمُّنِ بيُمْنِ مُنَى مناديهِ، ألفيتُ المشارَ إليه، والمشتارَ منْ ضُرُوب الضَّرَبِ لدَيه، الليثَ المِدْرَهِيّ، أبا نصرِ المصريَّ، فمِلْنَا إلى إعمالِ واجبه، واستلام رواجبه، والقعودِ بإذْنِ حاجبِ حاجبهِ، وحينَ احتلسْنا بِساطَهُ، وحَمِدْنَا محاسنَ سَمْتِهِ وسراطه، جعل يلحظ طلاوة تلافينا، ويُقلِّبُ كَفَّيْ وكْف طَرَفهِ فينَا، ثمَّ قالَ لي: يا ابن جريالَ جَرعتُ جريال الجَرَض المبرّح، ولَقِمْتُ لقَمَ نِقَم المَرَض المُقَرِّح، وأنا ْبسلع لسع السقم مقيم، وأنتَ بهذه البقعة مقيمٌ مستقيمٌ، ثم إنَّه تتابع أناُنهُ، وتهافت ذُنانُهَ، فقلتُ لهُ: لم أشعُرْ بدائِكَ، لعدمِ ندائكَ، وها أنا بحذائِكَ، لحملِ حذائكَ، فعليَّ ما تشاءُ، وعليكَ الإجابةُ فيها أشاءُ، ثمَّ إنّي عَمَدْتُ إلى نَبْضِهِ الخَفوقِ، فوجدته مشتملاً على الطولِ والعَرْضِ والشُّهوقِ، فعلمْتُ بفِطْنَةٍ فاردةٍ، أنَّهُ عن حاجةٍ داعيةٍ، وآلةٍ مساعدةٍ، فقلتُ له: ما صنعتَ في حُمّاكَ، جُعِلْتَ من حُمة هذه الحمى حِماكَ، فقالَ لي: أرقْتَ من دَم الباسليقِ، ما أشرفَ بي على مفارقةٍ الفَريق، مع معرفتي بإسعافِ المُنَّةِ والسّنِّ، والوقتِ الصائف وصحة الذهنِ، واستعمالِ الملائِم أيام البحارين، وإهمال لطيفِ الأغذيةِ والمتين، وتناول المتوسطِ من الغَذاء، لحِفْظِ القهوةِ ووقوف الداء، فقلتُ له: بِمَ يساعدُكَ النّطاسي، وبطولِ ساعدِ يمينِ علاجك تشهدُ الأناسي، وفي غدٍ تتسنّمُ معارجَ منبرِكَ، وتترنَّمُ البَشَرُ بإنشادِ لذيذِ مَخْبرِكَ قالَ القاسمُ بنُ جِريال: فَلم يمض يومانِ، حتى واصلَ كواعبَ الأمانِ، وفارقَ شرة نَدمانِ ذلكَ الإدمانِ، ومُصِحَ عَرَضُ حُميّا حَمْوهِ فحالَ، ومُسحَ حَمَمُ مُحيا حاله فاَستحال، واعتدلَتْ عَضَلُ أعضائهِ الموؤفَةِ، وعدلَتْ إليهِ الأعراضُ المناسبةُ بعدَ المخوفةِ، غيرَ أنَّ الحُمَّى غادرتْ بشفتيهِ بَثْراً يَشُقُّ بهِ تحريكهما عليهِ فحمِدتُ اللهَ تعالى على نزع أغلالِ أعلالهِ، وَحيْعَلةِ أذان بِلالِ إبلالهِ، وقلتُ لَهُ: تالله لقد أحسنتَ في التدبيرِ، وعرفت صَوْبَ القبيلِ والدَّبيرِ، فلذا نجوتُ من غيابةِ هذه البيرِ، فقالَ لي: هذا نماءُ عافية من عِلاجكَ بَذْرُهُ، وانتماءُ سُمُوِّ سلامة من سماء انعياجِكَ بَدْرهُ، قالَ: فبينما نحن نتفاوضُ، ونذكرُ النّخُبَ ونتقارضُ، إذ برزتْ دعاةُ الجُمعَةِ بإعلامِها، متبرجةً ما بينَ أعلامِها، فقلتُ لَهُ: إنَّ وقْتَ الخطابةِ قد أطلّ، وانتظر صيِّبَ لُبابِكَ والطَّلَّ، ولا بدَّ للجمعة من صَلاةٍ، كما لا بدَّ للموصولاتِ من صِلات، فكيفَ تستطيعُ تحريكَ شفتيكَ، لأداء دُرَرِ خطبتيكَ، فقالَ لي: أنشِئُ خطبةً حنيفيّةً، ناصعةَ الفصاحةِ صفيّةً، يعجزُ عن عديدِ وصفِها الحاسبونَ، وتخضَع لوصيد باب خطبها الخاطبونَ، تسكنُ بحركةِ فَم قائلها الشِفاهُ، ويجدُ بها سليمُ أساوه الشظَف شِفَاهُ، لا يمرُّ شُهدها بدَنفٍ إلاّ شَفَاهُ، ولو أشفَى على جِزْع وادي الجَزَع وشَفاهُ ثم نهضَ يتبرنَس، يتدربسُ ويتبهنس، إلى أن صعدَ منبرهُ، وخَمَرَ قَرنَ قوّته وسَبَرهُ، فقامَ لإعلانها، بعدَ إكمال أذانها، وقالَ: شَكر لساني الصادقَ القديرَ، القاهرَ النصيرَ، الرازقَ الخلاقَ الخالقَ الرزاقَ، العزيزَ

стр. 111

الحنّانَ، العادل الديّانَ، قاسر سِقَاط الساقطينَ، كاسرَ عساكر القاسطينَ، ساطحَ هالةِ الهدايةِ، ناشرَ راية الدرايةِ، ناسخ آيةِ الغيابةِ، ناحض داحض الإيالةِ، قارضَ عارض الجَهالةِ هاديَ العهد الهاطل، أهل العدل الآهلِ، ذا الظلِّ الظليلِ، العالي الجَدِّ الأثيلِ، الذي شَرعَ الصلاةَ، إذ ذللَ لآياتِ آياتهِ اللات، أرسل جَدّ الحسنين، عارياً عن الشَّين، عالماً على النيّرين، نذيراً إلى الثقلين، جادعاً عرنينَ العنادِ، رادعاً إرعادَ الأندادِ، طالعاً كاهلَ الشَّدادِ، قاطعاً أعناقَ الأضدادِ، نازعاً أسنَّةَ الاختلالِ، قادعاً نِضالَ آلِ الضَلال، صلّى عليهِ صلاةً رائجةً لا انقضاءَ لرشَدِها، غاديةً لا انتهاء لعددها، خاليةً لاَ انحلال لحلالِ حَلالِها، عاليةً لا اَعتلالَ لجلائلِ جَلالِها، خدينَ الخِداع ذا الخِتلِ الخدَّاع، تذكَّرْ هِزّة الرحيلِ، حالَ ارتحالِ الجسدِ النحيل، حالَ صكَّةِ القَلَقِ، حال شِدَّةِ الشرَق، حالَ شَدِّ الخِناقِ، حالَ اعتناقِ خَيْلِ الانخِناقِ، آهاً عليكَ، أرسلتَ رائدَ الدَّنَسِ لديك، هَلاّ تدثرتَ صاهلَ صلاحكَ، هل انتجعتَ غَيْثَ إغاثة إصلاحكَ، هلاّ نتقت جانحَ جناحِك، هَلا حَدَجْتَ ساجحَ نجاحِك، لترِدَ السَّاهرةَ عريّاً عَنِ الدينِ، خليََّ الأخدَعَينِ، أيَّدَك لإهداءَ هَدْي هذي الشريعةِ، لا لنَحْرِ حِقِّ حَقِّ هذه الشيعةِ، قالَ الراوي: فحينَ تخلَّى مِنْ نَشْرِ صُحُفِ فَصاحته، وتَحَلَّى مَنْ تَحَلَّى بحَلْي حُسْنِ مُناوحتهِ، أخذَ بِرُدْنِي أخذَ المُباهِي، وقالَ: فإذا قُضيتِ الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغُوا من فَضل اللهِ، فأقمتُ عندَهُ تتمةَ نهاره، راتعاً في خمائلِ أزهاره، ثم استأذنتُه في ذهابي إلى مصاحبةِ صِحابي فقالَ لِي: قُمْ يا نُصيِّفَ أدبهِ، ووصيِّفَ قبقبه، الراغبَ في خَبَبه، الزاهدَ في نُخَبهِ، عبدَ الطعام عندَ المطعام، السائرَ إلى الأنعام بأكارع النَّعام، فانهَضْ نهوضَ مَنْ حاذرَ الغَبَنَ، واَضطغَنَ ضفْثَ ضغنه واضطبنَ، الصيفَ ضيعتِ اللبَن، ثم أنشدَ: الطويل: ّانَ، العادل الديّانَ، قاسر سِقَاط الساقطينَ، كاسرَ عساكر القاسطينَ، ساطحَ هالةِ الهدايةِ، ناشرَ راية الدرايةِ، ناسخ آيةِ الغيابةِ، ناحض داحض الإيالةِ، قارضَ عارض الجَهالةِ هاديَ العهد الهاطل، أهل العدل الآهلِ، ذا الظلِّ الظليلِ، العالي الجَدِّ الأثيلِ، الذي شَرعَ الصلاةَ، إذ ذللَ لآياتِ آياتهِ اللات، أرسل جَدّ الحسنين، عارياً عن الشَّين، عالماً على النيّرين، نذيراً إلى الثقلين، جادعاً عرنينَ العنادِ، رادعاً إرعادَ الأندادِ، طالعاً كاهلَ الشَّدادِ، قاطعاً أعناقَ الأضدادِ، نازعاً أسنَّةَ الاختلالِ، قادعاً نِضالَ آلِ الضَلال، صلّى عليهِ صلاةً رائجةً لا انقضاءَ لرشَدِها، غاديةً لا انتهاء لعددها، خاليةً لاَ انحلال لحلالِ حَلالِها، عاليةً لا اَعتلالَ لجلائلِ جَلالِها، خدينَ الخِداع ذا الخِتلِ الخدَّاع، تذكَّرْ هِزّة الرحيلِ، حالَ ارتحالِ الجسدِ النحيل، حالَ صكَّةِ القَلَقِ، حال شِدَّةِ الشرَق، حالَ شَدِّ الخِناقِ، حالَ اعتناقِ خَيْلِ الانخِناقِ، آهاً عليكَ، أرسلتَ رائدَ الدَّنَسِ لديك، هَلاّ تدثرتَ صاهلَ صلاحكَ، هل انتجعتَ غَيْثَ إغاثة إصلاحكَ، هلاّ نتقت جانحَ جناحِك، هَلا حَدَجْتَ ساجحَ نجاحِك، لترِدَ السَّاهرةَ عريّاً عَنِ الدينِ، خليََّ الأخدَعَينِ، أيَّدَك لإهداءَ هَدْي هذي الشريعةِ، لا لنَحْرِ حِقِّ حَقِّ هذه الشيعةِ، قالَ الراوي: فحينَ تخلَّى مِنْ نَشْرِ صُحُفِ فَصاحته، وتَحَلَّى مَنْ تَحَلَّى بحَلْي حُسْنِ مُناوحتهِ، أخذَ بِرُدْنِي أخذَ المُباهِي، وقالَ: فإذا قُضيتِ الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغُوا من فَضل اللهِ، فأقمتُ عندَهُ تتمةَ نهاره، راتعاً في خمائلِ أزهاره، ثم استأذنتُه في ذهابي إلى مصاحبةِ صِحابي فقالَ لِي: قُمْ يا نُصيِّفَ أدبهِ، ووصيِّفَ قبقبه، الراغبَ في خَبَبه، الزاهدَ في نُخَبهِ، عبدَ الطعام عندَ المطعام، السائرَ إلى الأنعام بأكارع النَّعام، فانهَضْ نهوضَ مَنْ حاذرَ الغَبَنَ، واَضطغَنَ ضفْثَ ضغنه واضطبنَ، الصيفَ ضيعتِ اللبَن، ثم أنشدَ: الطويل: تركنا لكَ الترحالَ حينَ تركتَنا ... على قلَق عاري الأضالع عائرِ

стр. 112

ترّكناكَ لا ترجعْ إلينا لأنَّنا ... عهدناكَ خِدْناً للقِصاع الصغائرِ قالَ: فشُدهتُ بإنشادِ البيتينِ، العريَّيْنِ من تحرُّكِ الشفَتينِ، وأقبلتُ بعدَ انحرافهِ، على تقبيلِ أطرافهِ، إلى أنْ سكَّنَ هَمَّهُ وسكَنَ ما أهمّهُ، وجعلتُ أكتفي بكؤوس مُضْحكاته، وأَصطَفي من لَبُوسِ حِكاياته، ما نسيتُ بهِ مغازلةَ الأوانس، وهويْتُ فيهِ مجانبةَ الموانس، حتى أمالني، إلى الغُوطةِ شَطَنُ شَيطانِ التشيُّط المَريدِ، واستمالَني نَيْرِبُ نَيْربِ بابِ البريدِ، فعرّضت بمعاودةِ العَطَنِ، وتخفيف أثقالِ فَقَارهِ والقَطَن، فقالَ لي: إنْ كنتَ تطمَع في المسيرِ، وتقنعُ مِن مصاحبتي باليسير، فأطعْ إرادتَكَ ودَعْني، ومَنِّني بطِيبِ عَوْدِ عَوْدِكَ وعِدْنِي، ثمَّ أَمَرَ بإحضار أصحابي، بعد تتابُع انتحابي، وسردَ عليهم سورةَ العويلِ، وعرضَ لديهم زنجيَّة ذلكَ التعويل، فأظهروا كنوزَ بكائهم، وأبرزوا مكنوز برحائهم، وهطلَتْ مدامع ذلكَ العبقريِّ، وجَرَى الوادي فطمَّ على القَري ولما مضّهُمْ ضَيْمُ ذلكَ الرُّداع، وتفاءَل كلٌّ بقَلْب ذاكَ الوَداع، أقالَ وقالَ وهَجّرْتُ بالهواجر وقالَ: الطويل: أفارِقُهُ والنفسُ ليسَ تُفارق ... وأصدُقُهُ الصَّفْوَ الذي هو صادقُ وأصْفِي له ودِّي وإنْ ظلًّ ظاعناً ... تُسامِرهُ دونَ الرِّفاقِ الأيانق وأغضِي على لَذْع الرحيلِ وأنثنِي ... على طُور ذا التَّفريقِ والقَلْبُ صاعِق وإنِّي وإنْ عزَّ اللقاءُ وأترِعَتْ ... بحارُ الجَفَا راج جَنَى العَوْدِ واثقُ قالَ: فرثيتُ لُهزالِ ذاكَ السمينِ، وإظهارِ جَيْش ذيَّاك الكمينٍ، وأذريتُ لآلئ الدمع الثمين، وفارقتُهُ مفارقَةَ النكاح مِلْكَ اليمينِ. المقامةُ الثانيةُ والأربعونَ الصوفيّةُ الأرز نكانيّة حَدَّثَ القاسمُ بنُ جريال، قالَ: سَمَتْ بي قَدَمُ الذِّمَم الوفيَّةِ، والهمَم الصَّفيَّة والعفَّةِ المصطفيّةِ، إلى مصاحبةِ الصوفِيّةِ لأكتَسَي صَوت صُماتِهم، وأكتسبَ حُسْن سمتهم وسِماتِهم، فدخلتُ الحمّامَ لأبيدَ الوَسَخَ، وأعيدَ من سُوَر التنظُفِ مَا انتسخَ وحِيْنَ حَلَقْتُ لمَّتي، وأرقتُ ماءَ مُلَمّتي، زَهِدْتُ في عُنْصرِ الصَّخَب وخَصْلهِ، وصدفِ كِيس المكاسب وخَضْلهِ، الطويل. وقلتُ على اسم الله هذا بفضله ... فلا زلتُ مشمولاً بفَضْفاض ذا الفَضُل فما أسعدَ الإنسانَ إنْ باتَ خاليَاً ... خليّاً من الإخوان والمالِ والأهل فما الذي أغنَى الملوكَ وقد ثوتْ ... تحيت الثَرَى رغماً علَى فرش المُهْل وماذا الذي أبقَى الزَّمانُ وصَرْفُهُ ... على مَنْ مضَى قُدْماً مِنَ الكُثْرِ والقل فكم مَزَّقَ التفريقُ قُمْصاً على أمرئ ... وكَمْ خَدَّد الإخوانُ خَدَّاً على خَلِّ فلا تَحْسُدِ الحرِّيصَ يوماً لوَبْلِهِ ... فكم وابلٍ أمسى أقلَّ مِنَ الِّطل وكم رَبِّ بُخْلٍ حامَ في حَوْمةِ الشّقا ... وكَمْ رَبِّ ظلِّ ظَلَّ في ناضر الظل وكمِّ طامع ألقاهُ في الهُونِ حِرْصُه ... فأضحىَ سَليبَ العِزِّ في كِفِّة الذُلِّ فأفٍّ على أفٍّ لِمَنْ باتَ قَلْبُهُ ... حليفَ مُنىً رهْنَ المَطامع في قُفْلِ

стр. 113

قال: فلم أزلْ ألامسُ أربابَ هذي الطريقةِ وألابسُ، وأجالسُ أزهارَ هذِه الحديقةِ وأمارسُ، وأجوبُ كلَّ فجٍّ عَميقٍ، وأشوبُ الدَّعَةَ بكلِّ قُطرِ سحيقٍ، إلى أنْ مجَّني فم حُلقوم القَدَرِ المرقوم، إلى مدائنِ الروم، معْ معاقرةِ القُروم، فجعلتُ أجتَبي بَلدة تصلحُ لطلبي، ولا تفضحُ ستورَ مُتَقَلبي، ففرَّحني لفِكرُ المدقِّقُ، وسَّرحَني الحِسُّ المحقِّقُ، إلى استحلاس أرزنكانَ، وقد كانَ مِن شدةِ المحافظةِ ما كانَ، فدخلتُها فَرِحاً باهتزازٍ، دخولَ مَنْ حَظِيَ بركازٍ أو مُنِح بقبض توقيع اعتزاز، فبينَا أَنا أطوي المَناهجَ، واسْتَنْشرُ المعارجَ، واسترشدُ الساكنَ والمارجَ ألفيتُ صُوفيَة صَفَتْ صِفتُهم صَفاء الزلالِ، وضَفَتْ مودَّتُهم المائلةُ عنِ المَلالِ. وأنحفهُم محالفةُ الاجتهاد، وأسكَرهُم كأسُ سُلافِ السُّهادِ، فسَلّمْتُ عليهم تسليمَ مَنْ وَلَجَ في مَضيقهم، وصبرَ على صبر ضُرِّ ضيقِهم، فانثالُوا إلى مصافحِتي، وانهالُوا للالتحافِ بلِحافِ ملاحفتِي، فاَبتهجتُ بتعييدِهِم، وأكرموني إكرامَ عميدهِم، وأنا مَعَ إجادةِ تُؤدتِهم، وحسَنِ مودتهم، أعجبُ لجَودةِ اَرتباطِهم، ولا أعلم مَنْ زعيمُ رِباطِهم، لإنفاقِهم من ذلكَ الإلمام، واتفاقِهم في السَّحْلِ والإبرام، وحينَ شرعَ البَشرُ في الصِّياح، وانتشرَ ريشُ جؤجؤ الفَلَق والجَناح، أخذتُ بعد نَهْلِ نعيمِهم، في استعلام خبرِ زعيمهم، قالوا: اَعلمْ لا زلتَ عينَ العزيزِ، مضاعفَ التعزيز، أنَّهُ درجَ منذُ أيام قلائلَ، فشققنا لفراقه الغَلائلَ، أنفقنا لتجهيزهِ الجلائلَ، وطُفْنا بعدَ دَفْنهِ القبائلَ، فلم نرَ مَنْ يَليقُ لمَسْنَدهِ، ولا مَنْ يُطيقُ قَبْضَ قائم مُسْنَدهِ، وأمَّا الآن فقد مَنَّ اللهُ علينا، بقدوم قدمِكَ إلينا، ونَحنُ نَمُدُّ إلى سماء إحسانِكَ أكفَّنَا، لتحسمَ نظرنَا عن غير زعامتِكَ وتكفّنا، لِمَا شاهدْناهُ من شَرَفِ شِمالِكَ، وعَدَم جَنُوبِك في المُجانبة وشَمالِكَ، ففي قَبولكَ أنفسُ مسرَّةِ، وفي ضمَّنا إليكَ أعظمُ مبرّةٍ، فقلتُ لَهُم: أنَّى تُظلّلُ الدّوْحَ الأجارعُ، وتعلو على رؤوس السادةِ الأكارعُ، أم كيفَ يرتاحُ مَعَ الخليَ النازعُ، وتنقادُ بِرَسَنِ يدِ النَّسيم الزعازعُ، وأنىِّ لِما ذكرتُمُوهُ وَجومٌ، فَكَمْ صرَع هجومٌاً هجوم، وما أمّلتموهُ فملومٌ، وما منّا إلاّ لَهُ مَقامٌ معلومٌ، فقالوا: قد رأْينا قربَكَ نعيماً، ورضيناكَ لرَهْطِنَا زعيماً، فأجِبْ لِنُسعدَ بد، ونكتسبَ عقودَ أدبِك، قالَ: فأجبتُ إلى ما سألوهُ، وبذلتُ لَهم مِنْ خِزانةِ الإجابةِ ما اَستبذلوهُ، وبينما أنا ذاتَ ليلةٍ أطْرِفُ. بِما أقولُ، ونَشُولُ عَلَى ألسنة أسِنّة السَّهرِ بما نقولُ، إذ قرعَ حلقةَ البابِ، مع انسكابِ الرَّبابِ ضيف اعتادَ الطروقَ، واَتّخذَ مصباحَهُ البُروقَ، وقالَ: يا قضَاةَ القُضاةِ، وأساةَ الأساةِ، وفرسانَ التجمُّلِ، وإخوانَ التّململِ، هل لكُم في إيواء غَرْيب سائح، وزهيدٍ نازح، وفقيرِ طائح، ووقيرٍ نائحٍ، قد أذلَّتُهُ حنادسُ لونها الحَمَمُ يَسودُ، وأضّلته ضِباعٌ المَضْيعةِ، والأسودُ، وهو مَعْ صَعَرِ اللِّيتِ، وصَفَر الحَميْتِ، مستغن عن البِيْتِ، مفتقر إلى المَبِيْتِ، قال القاسمُ بنُ جريالِ: فلمّا نبأتْنَا بوارقُ غَمامهِ بما سيطفحُ من سيولِ إلمامهِ، وعرَّفَنا عَرْفُ عباراتهِ، بما سيتوقَّدُ من حرارةِ محاوراتهِ، أيقْنا أنَّهُ مِمَّنْ يثابرُ على مناظراتهِ، ويبادرُ إلى حلِّ حلاوةِ حُلْوِ محاضراتهِ، ولمَّا ردَى نحونا وردينا، وطالعَ صبحُ صَباحةِ قربهِ فاهتدينا، ألفينا عليهِ شعارَ الزهَّادِ، واستشعارَ العُبَّادِ، وإماراتِ الجوع، وإشاراتِ الخشوع، فاستحضرنا نفاضة الزبيلِ، وملنا إلى غَمْزِ يدهِ أو التقبيل معتذرينَ لذلكَ القَبيل، فأعرضَ عن

стр. 114

النفاضةِ، وعرَّضَ بدُخولهِ في الريَاضةِ، ثم أقبلَ يُسمعُنا من لمحاتِ حقائقهِ، ما يُغنِي عَنْ نفحاتِ حدائقهِ، ويَنْشُرُ من لَطيفِ طرائقهِ، ما اَنطوَى عَنْ بهجةِ نُضَارِ النَّضَارةِ ورائقهِ، حتَّى اقتنصَ بمَخْلبِ بَراعتهِ حبّاتِ البصائرِ، وقَنَصَ عينَ عقولِنا بطوال عرائسه القَصائرِ، ونَقَصَ قطرُنَا عندَ سُحُوح سَحائبهِ، ورقَصَ حَبَبُ إفصاحهِ، على رؤوس كؤوس سبائبهِ، فشُغْلنا بذلكَ الشِّهادِ، عن مراجعةِ الجِهاد، واشتغلْنا بذلكَ الإروادِ، عن مُراودةِ الأورادِ ولمّا فَرّتْ جَحافلُ جهادِنا، وكرَّتْ كتائبُ رقادِنَا، انكفأَ كلٌّ إلى مرقدهِ، وقد شُدِهَ بأسودِ إرشاده ونقدهِ، فانطلقتُ بهِ إلى مَخْدَع شاغرٍ، وأنا بمدح فضائلهِ أفضلُ فاغر، فتهلَّلَ لمفارقتهِ، واستقبلَ قنابلَ قبلتهِ، وباتَ محتجباً عن الرِباطِ. لا تلجُ مقلتُهُ بينَ خلَلِ الرقدةِ والرباط، حتى أويْنا لطولِ قيامهِ، ورثينا لأفولُ منامِهِ، وأخذْنا نعجَبُ من بَدائع عاداتهِ، وعظمَ طلائع عبادته، ونقول: حينَ حسمَ حبالَ التهويم، وأعجزنا بوسيم ذلكَ التسويم، وأخرس الألسنَ بنثرِ نثرهِ النِظيم، يختصُّ برحمتهِ مَنْ يشاء واللهُ ذو الفضلِ العظيم، قالَ: وكنتُ لمّا ندَّد بمعانيهِ، وبرَّدَ بينَنا لطائفَ ما يعانيهِ، أَظُنُّ أنَّ أبا نصرِ جالبُ هذهِ الآياتِ، وناصبَ قَصَبِ هذهِ الراياتِ، وأنا فلا أتمَكّنُ من تدقيق النظر فيهِ، لاَزدحام حِزَقِ معتفيهِ، فلمَّا استبَاحَ مِنْ حلائلِ سَحَرهِ ما استباحَ، وهَزَمَ معسكرَ الصباح المصباحَ، ألفيتُ مَعَ صَيِّب نَصْرِنا، صاحبَ نَصْرِنا أبا نَصرِنَا، فأقبلتُ إليهِ إقبال العِشْرِ الشاربِ، على طيب مَشَارع المَشاربِ، فقالَ لِي: أراكَ عدْلتَ عن مَبْيَع المُجْتدي، واَعتدلتَ عند اعوجاج المعتدي، فقلتُ له: كيف لا وسيبُ سيرتك أجتدِي، وبسَبَب سَنَنِكَ أقتدِي، ومن يهَدِي اللهُ فهو المهتدي فقالَ: الحمدُ للهِ الذي اطلعَ في خضراء عِفتِك: غمائم جابتِهِ، ورفع على جباهِ معرفتِك عمائمَ إجابتهِ، وندَبَك إلى طريقِ طاعتهِ، وضرَبَكَ في قالبِ أهْل إطاعتهِ، فطوبَى لِمَنْ أخلصَ في قِصاصهِ، وتذكّرَ يومَ قِصاصهِ وفَكّر في خَلاصهِ، لإتقانِ إخلاصهِ، ثم إنه شكَرَ ذلكَ القال، وشَهَرَ شَبا مشرفيِّ قيلهٍ وقال: الوافر: لقد ضَل أمرؤ أمسَى عكوفاً ... على رَاح الجَهالةِ والشموع يبيتُ وطَرفُهُ سام طَموحٌ ... إلى خَوْدِ المطامع والشّموع ويُصبحُ قلبُهُ في حَصْرِ حِرْص ... قَنيصَ نقيصَةٍ صِنوَ الوُلوع ويمسي هَمهُ كَسْبَ المساوى ... بسُوقِ فسوقِهِ السَّاهي الوَلوع ويَبرقُ عقلُهُ منَ برقِ تَوْقٍ ... إلى الرَّاووقِ مَمْقوت اللموع ويْرفلُ تائهَاً في رِفْل ثَوْبٍ ... يَثوبُ بذمِّهِ الدَّنَس اللَّموع وتجْذِبُ لُبَّهُ بُرةُ الأماني ... بكَفِّ رَجائهِ الوافي القُنُوع فيا نُعْمَى لَهُ لو ظلَّ يَوماً ... بظِلِّ قَنوطِهِ عَيْنَ القَنوع قال الراوي: فازددتُ بأبياتهِ حماسةً ونُسكا، وقَنِعْتُ بما يكون للرَّمْقِ مُراقَة ومسكاً ولمّا أسنَّ إنسانُ ليلنا، ومَنَّ المَلَلُ سِنانَ مَيْلِنا، أحضرْنا ما تخلَّفَ مِنْ خِواننا، وأظهرْنَا لَهُ ما استتَر في صِواننا، فأخرجَ مَريساً مِن جِرابهِ، الذي اضطبنهَ وجرى بهِ، وقالَ لنا: مُذْ طلّقتُها كرهتُ بَنيهَا، وكلفت بتَرْكِ مواكليها، فقالوا لَهُ: فخوّلْنَا ممّا لديك، لتحلَّ البركةُ بحلولِ يديكَ، فقَدّمَ لنَا وعاء مريسهِ، ولَمْ ندر أنهُ شَابَ حلاوةَ مريسهِ، بمرِّ مرمريسهِ، وحين حصلَ بالمِعَدِ، وشَمَل كُلَّ العَددِ، إنصرعَ كلٌّ علَى مُصلاهُ، واَرتفعَ قَطَنُ فقارهِ وصلاهُ، فمالَ إلى كَسواتنا، وتركنا بانحسار سوءاتنا، ثمَّ انسابَ بالبابِ انسيابَ الذُّباب، فكنتُ أَوَلَ مَنْ غُمِط حقُهُ، وقَصِدَ مَحْقُهُ، وأطربَهُ فِلْقُهُ، وصَحبَهُ دِلْقُهُ. المقامة الثالثة والأربعون الدمشقية

стр. 115

أخبر القاسمُ بن جريال، قالَ: جَنَحْتُ حينَ جُنوح النَّوائب، وسُحوح أَنُوح الركائبِ، ونُكوص شُصُوص المَصائبِ، وخُصُوص خلوصَ الرَّغائب، إلى مُحادثةِ الحبائبِ، ومُناوحةِ هذي السَّحائبِ، فألقيتُ مِنْسَأَةَ الارتحالاتِ، واتَّقيتُ أراقمَ الانتقالاتِ، وأقبلتُ أروضَ الذِّعبليّاتِ، وأتوسَّدُ الحشيّاتِ بالعَشيّاتِ، وأهزُّ أغصانَ المُصاهرةِ، وأبُزُّ لها أثوابَ المُثابرةِ، وأَمْرَحُ بحُلَلِ الأرْيحيَّةِ، بين حدائقِ الصالحيّةِ، يُساعدني مُساهرةُ القمرين، ومحاضرةُ الأحمرين، ومسامرةُ الأسمرين، فبينما أنا قافلٌ من مَغَارةِ الدَّم، رافلٌ بالخَدْين المُخدَّم، أترنَّحُ ترنُّحَ المِزْهَري، بالرِّيح العنبريِّ، على شاطئ السَّريِّ، بالطِّرْفِ العَبْهرى، إذْ لحظتُ بالطَّرفِ البَريِّ، فُرَيْخَ أبي نصرٍ المِصريَ، وهو يلتوي لغَيْثِ غَرَثِهِ، ويَرْعَوي لِعَيْث شعَثهِ، ويَنْضَوي لفَيْض قَضَفهِ، وينطوي لنَشْرِ شَظَفه، فاَلتفتَ إليَّ اَلتفاتَ العاتب، ورمقَني بحُسْن لَحْظهِ المُعاتبِ، وقال لي: شغلكَ عنِّي ببابِ البريد، طُلاوةُ دَثركَ الرَّبيد، وألهاك كثرةُ الثريد، عَنْ حفْظ ودنا الرَّثيد، وحجبَكَ عَدَمُ عَقْلك الرِشيدِ، عن إسعافِ الشَّادنِ الشَّريدِ، وأعجبكَ مكاثرةُ العَبيدِ، إنَّكَ لفي تِيه تيهِكَ البعيدِ، فقلتُ له: معاذَ اللهِ أنْ أَكفَّ وَكْفَ هذهِ الدِّيمةِ، أو أتناسىَ سَحَّ عهدِ العهودِ القديمةِ، ثمَّ إنِّي أحللتُهُ قَريعة قراري، وأجللتُهُ بتجديدِ وَكيرةِ داري، ونفحتُهُ بجبّةٍ وحظيّةٍ وعمامةٍ قاضويّةٍ، وأمرْتُ بإحضارِ الأَطعماتِ، والجِفانِ المُطعِمَاتٍ، وبقيتُ مدّةَ مُقامهِ لا أسألهُ عن نوازل الزمن واَنتقامه، إلى أن ذكر لي أن سببَ كسرِ ساعدهِ، اَنزعاجٌ حصلَ بينَهُ ووالدهِ، فقلتُ له: إنِّي لأرى المبادرةَ إلى الاصطلاح، عَيْنَ الصَّلاح، والمسابقةَ إلى سبيل هذا الفلاح، أولى من تقبيل فَم قُبح هذا القُلاح فالصوابُ أنْ تَنْصَبَّ إلى منْ يكْثِرُ خُبوُب خوابيْكَ، ويملأ جيوبَ جَوابيكَ وتَخْلَعَ شِعارَ تَغابيكَ، وَتخْفِضَ جَناحَ المذلَّةِ لأبيك ومتى خالفتَهُ وعصيت، وأسرَرْتَ عقوقَهُ وتعاصيتَ، قلَّ نيلُكَ، وكثُرَ مَيْلُكَ، وطالَ ويلك، وقصر ذيلك، فمِثلك منْ أكرمَ والدَه وبر، وأبحرَ إلى حِواءَ إحسانِه وأبر، قالَ: فجعلَ قُبَلَ عَروس وَصيَّتي قَبولاً، وفتحَ لَهُ مِنْ رِيْح حُسْن قَبولهِ صبَاً وقبولاً، قال القاسمُ بن جريالِ: وكنتُ أنشأتُ مدّةَ مَدِّ الطّوائلِ، وإدبارِ أَدبار الغَوائلِ، داراً دارتْ في فَلكِ الفِخارِ، وأدارتْ دِرَر تَسْنيم نَسيمها الزخَّار، وحَسَدَ فِردوسُها سَنَا سَعَدِها المكينِ، وسَجَدَ لآدم دُمَى أركانها ملائكةُ التمكين، بينما نحنُ ذات يوم نتتبَّع بدائعَ المُداعباتِ، ونتوقعُ ذخائرَ المخاطباتِ، إذْ دخلَ عليَّ وصيف، بكتابٍ ما رُفعَ لَهُ نَصيفٌ فكسرْتُ صِمامَهُ، وشكرتُ اهتمامَهُ، فإذا هو مِنْ أبيهِ، ذي الفَضْلِ النبيهِ تتضمَّن دُرَرَ ألفاظهِ المُجيدةٍ، تهنيئةً بنزولِ الدارِ الجديدةِ، لا يُعيبُ ذوائبَ عروسِها قَطَطٌ، ولا يَشُوبُ شمولَ شُمولِ إنشائها نُقَ، وهي: أطالَ اللهُ طِوالَ الطَّوْدِ الأَطولِ، والمالكِ الأكملِ، وأدام دُولَ آدهِ ووطَّدَهَا، وعدَّلَ دعامَ عُلوها وأسعدَها، وحرسَ سوامَ سُموِّها وسرمدهَا، وحسمَ حسودَ حولِها وأكدها، وألهمَ كحْلَ حِكمهِ كحْلَ سوداء، سِرِّهَا ومِرْوَدَها، وأمرَ عَددَها وعُددَها وأمرَّ كأسَ أعداءَ عَمْرِها وأوعدَهَا، وسدَّدَ أراء سَعْدِها ومَعْدَدِها، المملوكُ أصدَره حاملَ دُرِّ مِدَح لا ساحلَ لمدَدِ مَدِّهَا، ولا حاسمَ لحللِ حَدِّ حَمْدِها، ولا صارمَ لعرمرِم عِهادِ عهدِها، ولا طاسم لحَدَ دُورِ درورِ وُدِّها، ولا هادمَ لأسس سُؤْددٍ سَرْدِها، ومادحَ حِوَاءَ حُرِّرَ للعطاء والكَرَمِ، وأهِّلَ لصُعُود صعودِ السماحِ والهِمم، أمدَّهُ اللهُ مَدَد الدُّهورِ والأَعوام، وأحلَّه مَحَلَّ الصارِم الصَّمصام، لا الطّالحَ الكَهام: الكاملَ: دارٍ سمَا سَعْدَ السُّعودِ سماؤها ... وسُموُّها وسَلا اللَّعا حُسَّادُها دامَ السرورُ مَعَ السعودِ وحَلِّها ... وأسالَ سَحَّ سَدادِها إسعادُها

стр. 116

عطّر اللهُ صدورَ صلاحِها المُحسَّد، وكرَّم مكارمَ كَرَمِها المحمَّدِ، وما دار عاطلٌ، وأطلَّ هاطلٌ، وعطل آهِلٌ، وسرحَ صاهلٌ، وسطَا سامُه وسمَا سامهُ وَسامُهُ، وسَلَّ حُسامَهُ إسلامُه، وإكرامهُ لمحمَّدٍ وآلهِ وسلامُه. قالَ: فأقبلتُ أفكرُ في حلاوة رُضابها، وَنضارةِ اقتضابها، وإجَادَةِ حَثْلِها، والعَجْز عن رَدِّ جواب مِثْلِها، فقالَ لي اَبنهُ: أرى حَلَّتْ بحُلولي الألوكة ركائبُ افتكارِكَ، ونزلتْ بنزولِ هذهِ الرسالة مقانبُ اصفرارِكَ، فهلْ لكَ في أَن تعرِّفَني فَحوَى هذا المسطورِ، أو تشنفَني بما اَحتَوى عليه صَدْرُ هذهِ السُّطور، فقلتُ لَه: ليسَ بها ما يُوهِنُ، ولا اشتملَ عُنوانُها على ما يُحزِنُ، وإنَّما هي مالكةُ أبيكَ اليمِّ، الفائض الخضم، تترجم عن ذيت وذيت، لا عما ارتديت من سوء سفهك واحتذيت فسبَبُ هُمومي وتَلاطمُ وجُومي، عَدَمُ رَدِّ الجَوابِ بالصفةِ، والاعترافِ بالتقصيرِ من جملةِ المعرفةِ، فقالَ لي: أتهتمُّ وعندَكَ المطَرُ الخارجُ من غَمامِها، والثمرُ البارز من كِمامِها، والشِّبْلُ المستنجلُ من أَسَدِها، والظلّ المِستخرجُ من مُسْتاسَدِها، فلمَّا سمِعْتُ تقريد أليفاظه، وشكرتُ شَيْمَ شرر شُواظهِ، ألقيتُ إليه الكتابَ، وقَدِ ازدحَمَ جحْفَلُ الخَجَلِ وانتابَ، فحينَ فهم مضمونَهُ، وفَقهَ ما تَقِفُ الأفهامُ دونَهُ، دَفع إليَّ دواتَهُ، ووضع بمنجنيقْ الفِكرِ مِرداتهُ، وقالَ: اكتبْ: وردَ الصَّادرُ الأكرمُ، والوارد المكرَّمُ، أدامَ اللهُ سُعود مُرسِلهِ ومَدَاهُ، ودلَّه لأعلام المحامدِ وحَدَاهُ، ودَلَّهَ عدو حَولهِ وحِمَاهُ، وأمَدَّ سموَّ سماء سَعدِه وحمَاهُ، ومهَّدَ مِهادَ عدلهِ وهداهُ، وطول طَولِ طوله وهُداهُ، وصَرَمَ عِصَمَ هَمِّهِ وعدَاهُ، وطمس صورَ حسَّادهِ وعِدَاه ورودا أمطرَ رُكامُ وصولهِ دُرَرَ الكَلمِ، وأصدرَ دأماء حُصولهِ سَحَّ سِحْرِ حَلال الحكم ودَحَا مُراحَ المَرح سِوادُها، ومَحا سُوَرَ عُكاِمس السَّدَرِ أرْآدُها الكامل: ما الدّرُّ الدَّرورُ وسحه ... لمّا عَلاَ صَدْرَ الطّروسِ مِدادُها ملا الصُّدورَ سرورُ حُلْوِ حلولها ... وسما وما حُرِمَ السَّما روَّادُها عَمَرَ اللهُ معالم إرعادهِ، وعمر عساكر إسعادِهِ، وأهلَّهُ لصلاحِ مَعَادهِ، ومَدَّ دَوَّ وِدادِهِ وعَراهُ، وأسعدَ ساعداً أم أمَّهُ وعَراهُ، وأحْكَمَ وِعَاء عَلاءَ عِلْمهِ وعُرَاهُ، وكَساهُ دُروع عُلُوِّ عملهِ ولاَ أعراه، وألْهمَ هِمَمَ مملوكهِ، وحامدَ لألّ لؤلؤ ألوكهِ، حَمْدَ ما لو اَسطَاعَ هداء روحه ما أسَدَاهُ، وكمل لحم كرمه وسداه، لما أداه ما كلم الإكآم، واحلولك الركام وعمر الإسلام، ووصل السلام والسلام. قال الراوي: فعجبتُ من مَلاحةِ وشائهما، وفصاحة إنشائهما، واشتباه نصاحهما، وانتباه إفصاحِهما، وقلتُ، عندَ انصبابِ ذاك الهباب، وانسكاب ذيالك الإلباب يُؤتى الحكمةَ مَنْ يشاء ومن يؤتَ الحكمةَ فقد أوتي خيراً كثيراً وما يذكر إلا أولو الألباب.. المقامة الرابعة والأربعون التجنيسية القَزْوينية روَى القاسمُ بنُ جريالِ، قالَ: ما فتئتُ مُذْ حَرَصْتُ على النَّضَارة والنضَالِ، وخلصتُ مِنْ قِسيّ الجهالةِ والنِّصالِ، واَعتليْتُ قُنَّةَ الإقبالِ، واَحتذيتُ قبائلَ الأقتالِ، وقَلَلتُ قُلَلَ الجَنَفِ والاحتيالِ، وخلعتُ خاتِمَ خِنْصِرِ الخديعةِ والاختيالِ، أتوخَّى قليلاً لا يَحتذي لاحبَ خيانةٍ، ولا يحتذِي رَواحب جنايةٍ، ولا يَجْحَدُ لي إيالةً، ولا أحمِلَ من ثِقَل إبَّائه إبالةً، إلى أن ظَفِرْتُ بخلٍّ مُخْضَرِّ النعال، غير مُتَقَلْقِلٍ لمفارقةِ البِعالِ، ذي جَنان مِزْحَمٍ، ولسانٍ مِرْجَم، يسبحُ العائمُ في لُبَابهِ، ويركع إيوانُ كسرى لِبابهِ، لا يميلُ عنْ حِبابهِ، ولا يستنجعُ محارِمَ جَنابهِ، ولا يَفْري بغَابهِ، عِرْضَ منَ اتَّشحَ بعَابهِ: الطويل: فكانَ على أزْم الخَنا وخِطابهِ ... أخا خَفَرٍ لا يَخْتَلي غيرَ طابهِ وكانَ على رَشْفٍ الشرى ورُضابهِ ... أبا سَفرٍ لا يَجْتلي ضَيْمَ ظَابهِ

стр. 117

فلم أزلْ منذُ أحسن وَربي، وخوَّلني رُخالاً ورُبِّي أشكرُ شَيْمَ تلك الخلالِ، وأسكنُ في وَسيم ذاكَ الحِلالِ، وألتحِفُ بشف تِيْكَ الشِّمالِ، وأتصف بسَف سَفوفِ نَسيم الشمالِ، إلى أنْ مجَّنا فَمُّ قَزوينَ بعدَ طُولِ النَّقلِ، واَحتمالِ الصَّارم الثقيلِ، فولجتُها بقَلْبٍ قلّبَ ما نَضبَ وَدرَّ، وقلّبٍ جرَّبَ ما غَرَبَ وذَرَّ، لنكتَسِبَ ضَرَبَ زُبدِها، ونَخْتَبرَ شَرَفَ رُبَدِها، فحين طافتْ علينا طوائفُ إبداعِهم، واَصطافَتْ أسماعُنا في طرائف إيداعهم، ألفيتُهم سِّن يفضِّلونَ أصواتَ الجُدَاةِ، على طِيبِ نَغَماتِ الحُداةِ، لا تَنسى بمناسمةِ وسنانِها، مصادمةَ عاملِ الغيِرَ وسِنانِها، ولا تَسْتُرُ مَرأى عيانِها، مخافةَ انتجاع عَنانها: الكامل: فَهُمُ السحائبُ إنْ تعذَّرَ هاطل ... يوماً وأقلعَتِ السماءُ وشحَّتِ ومَتى ترنَّقَتِ المواردُ أو خَلتْ ... جادتِ بثجَّاج النَّوالِ وسحَّتِ وإذا تزاحمتِ الحروبُ وحَمْلَقَت ... قامَتْ على قمَم القُبول وشَجّتِ وإذا تهتكتِ السُّتورُ ومُزِّقَتْ ... سدَّتْ كُوى بِدَع الهَناتِ وسَجَّتِ قال القاسمُ بن جريالِ: ثم لم نزلْ نرتعُ في حِمَى حِوارهِم، ونَرْبعُ حَجرَ حِجْرِ جودةِ جوارِهم، ونَشْتارُ مِنْ شهْدَةِ نشاطهم، ونَمتارُ من زُبْدَةِ سَعَةِ بساطهم، حتَّى بُهتنا بَهتونِ هباتهم، وشُدِهْنا بشيْم شآبيبِ هيئاتِهم، ولمَّا حانَ حِيْنُ الارتحالِ وطابتْ بوصفهِم جلائلُ الارتجالِ، عَرَضَ لَهُ دِقٌّ اندقَّتْ فيهِ صِعادُ صَبره وبارتْ، وهاجَتْ بهِ هُوجُ ريْح تَباريحهِ وثَارَتْ، واَنجزلَتْ حِبالُ حِدَّتهِ وحارَتْ، وانخزَلَتْ جِبالُ جدَّتهِ وخَارتْ، فلمَّا عالَ عَناؤهُ، واستطالَ عياؤهُ، وتغيَّرت سحناؤهُ، وكرَّتْ من كَمينِ الكُرَبِ شحناؤهُ، واَنشقَّ مِنْ مشقَّةِ المَرَض شقَّاهُ، وسَقاهُ كأسُ السَّقَم ما سقاهُ، وعَزاهُ إلى الرِّمَم ما عَزَاهُ، وغَزاهُ مِنْ غُزاةِ الرَّزايا ما غَزاهُ، طاحتْ عليهِ رَحاَ الحِمام، وناحَتْ على آدابهِ وُرْقُ الحَمام، فبادرتُ إلى إحضارِ، حنوطهِ وغِسْلهِ وتنظيفِ رداءَ دَفْنهِ وغسْلهِ، ولمّا ضمَّهُ بُهرة لَحَدِهِ والحوافي، وأنبتَ الأسف عُوجَ قوادم الجَزَع والخوَافي، حَضرَ واعظٌ قَدْ لوَّحَتْ حَرورُ الهَرَم وجوهَ قطَنهِ، وصوَّحتْ رياحُ الحِكَم حدائقَ فِطَنهِ، فقعدَ من حيثُ نرقُبُه ونرَاهُ، وقد تَبعَ قَرَنَ المقاربةِ وتَراهُ، فلمّا قطعَ القارئُ ألحانَهُ وقُرانَهُ، وحسَمَ وضَين تَرجيعهِ وقرانه، حمِدَ اللهَ تعالى وشكرَ، بعدَ أنْ جَدَّ سُيولَ انسجامهِ وسكر، ثم قالَ: صدقَ اللهُ العظيمُ.

стр. 118

الحفيّ الكريم، الخفيُّ رازق الأنام، وغافرُ الآثام، رافع الجرباء، وساطحُ الحزباء، الوافر الحياء، المتضاعف الحباء. مُخَدِّدُ الخدودِ، الواضحُ الحدود، ذو الجدِّ الفاصل، والحدِّ القاصل، والمِنَنِ الظاهرةِ، والسُّنَن الطاهرةِ، الذي أوعدَ أربابَ الفُجورِ، وأرعدَ لتَرْك زَكاةِ الفجور، وتَعْتَعَ المساكنَ وذمَّر، وزعزعَ الأماكنَ ودمَّرَ، أحمدُهُ على تكاملِ نِعمِهِ، وتَزايُدِ نَعَمِهِ، وإفضالهِ المعروفِ، ونَوالهِ الغامرِ المَغروفِ، وأشفعهُ بالصَلاةِ على خيرِ مَنْ خَلَقَ، وعَجَّ بتَطوافهِ إذ حلَقَ، عِبادَ اللهِ ما لكُم أهملتُم الخُشوعَ، وأعملتُم الأملَ الجَشوعَ، وغفلتُم عَن انجذاب زمامِكم، وأَغفلتُم ذكرَ مكاسرةِ رِمامِكُمْ وسُحْتُم، إلى جِفانِ الجَهْلِ واغتذيتم، ورحتُم بارتياح راح الحَنَقِ واَغتديتُم، طالما ذكَرتُم حلاوةَ منافستِكُم، ونسيتُمْ مرارةَ مناقشتكُم، وقلَّما نَفِدَ أعياؤكُم، أو خفَّتْ أعباؤكم، لا تتَّعظونَ بمالكٍ غَبرَ، ولا تعتبرون بهالكٍ عَبر، ولا تكترثونَ بمصادمةِ المآتم، ولا تحترثونَ لحَصْدِ مُنافثَةِ المآتم، همّكم أَكْلُ القاترِ، ومحاضرةُ الطَّرْفِ الفاترِ، ومَنْعُ الإعانةِ والأَعطيةِ، وهَتْكِ سُتورِ الفواحش والأَغطيةِ. هًلاّ ادكرتُمْ السَّيْبَ الذي نَقَضَ جُدُد جُدودكُم وحَطَّ، والشَّيْب الذي وخَطَ بعَرْض عَارضَيْ خُدودِكُم وخَطَّ، والسَّهو الذي مَقَلَ مَقْلَ عقولِكم وغَطّ، والمَهْوَ الذي نَقَلَ نُقَلَ قَمَر اقتداركم وعطَّ، فإلامَ تختالونَ، وعلى حَقير الحُطام تَحتالونَ، أفٍّ لما تتركونَ، وتُفً لعَطنِ عُطلةِ بهِ تَبركونَ، وتَبّاً لِمَا تجلُبونَ، وعُسِّ سَفهٍ بهِ خِلْفَ المخالفةِ تَحلبونَ، إنكم لفي بحرٍ من الحِيَلِ سابحون وَبرٍّ من عَدَم حُسن بِرِّكم سائحون، ثُمَّ أنشدَ: الكامل: يا مَن تروَّح بالمُنى ثم اغتدَى ... وبدايَتَيهِ ببغْيهِ لمّا اَعتدَى إنْ كنتَ مغروراً بتنقيس المَدى ... فَلعَنْ قريب تَرتوي منكَ المُدَى ببنانٍ حَينِكَ إنْ تراهُ قد سدا ... حتّى تَصيرَ بعَرْقِها العاسي سدا

стр. 119

فحينَ قَضبَ جريرَ جرَّتهِ، ونَضَبَ ماءُ مَسيلِ حرَّتهِ، وأَلجم أسَد وعظهِ القَضْقاض، وألجمَ سَدا فضلهِ الفَضْفَاض، وقدَّ قميصَ يُوسُف عِظتهِ وقَصّ، وسدّ ما انسجمَ من سَحَ سحابهِ وفصَّ، قالَ: أًلهمكُم اللهُ الصبرَ الجميلَ، وأتبعَ في دَعَ سَيْلِ مصابكم الحًميلِ، وجعلَ هذا الرُّزء فِسْكِل أتراحِكم والهموم، وآخِرَ ذَمّة أحزانِكم والهموم. ونفَحكُم بأَجْرٍ تضيقُ بهِ متونُ العَراءَ، ويَصْغُرُ في جَنبه كبَرُ هذا العزاءَ، بطولهِ السابغ الذُّيولِ، ودَوح إحسانهِ المنَّزهِ عَنِ الذّبولِ، قال الراوي: فلمّا غَبَطُوا جودَةَ فيضه النجيبِ، وأغبطوا الأنفسَ حَلَّ نظام لآلئ النحيبِ، جَبرُوه عندما خَبرُوهُ، وشبروه بعدما سبروهُ، فكنتُ أولَ مَن حضرَهُ وحيّاهُ، وحل بمحضره حباه وحباهُ، وكنتُ أرجَي حينَ سكرتُ من سلافةِ شموله وشكرْتُ تألقَ ضياءَ شُمولهِ، مَعْ ما أمارسُ مِن مُزاحمةِ العَمِّ، وسَورةِ سُكْر مزاحمة الغَمِّ، حصولَ معرفتهِ، وما الذي حَصَلَ برفع غَوْرِ مِغْرفَتِهِ، لأعرفَ من أي سحاب انسكب سيبُهُ، وفي أيَ شِعْب شَعْبِ انتشرَ شَيبهُ، فم أستطِعْ للجَلبةِ إبصارَهُ فما ثلت بالأثنيةِ أنصارهُ، وأمهلتُه إلى أنْ قرَّ المجلسُ وتَسَعْسعَ، ورقَّ قَرْقَفُ المطاللةِ وتشعشعَ، وتَقَهْقرَ النهارُ ويرَفع وجهَ الغزالةِ البَهارُ، ولم يبقَ معه من الخَلْق، سوى سدس عددِ أحرفِ الحَلْق، فألفيتُهُ النّهْشلَ الشريَّ، والسَّميدعَ السريَّ، ذا الفضل المضري، أبا نصر المصريّ، صاحب البطش الضرّيَ، وعاشقَ الدَرهم الصريَ، فأقبلتْ أمورُ مَوْرَ الخائم، وأتردّدُ تردد الحائم، إلى أنْ سلّمْتُ عليهِ تسليمَ مَن ظفَرَ برجائهِ، وقرن هُوجَ هَجُوم جَذَلهِ برُخائه، وقلتُ لهُ: إلامَ معْ سَعَةِ سأوكَ، وشَرَف شِنْشنَةِ شأوك، وتطاولِ سِنِّكَ، وتضاؤل شَنِّكَ، تُظْمئُ وتعُلُّ، وتَسرِق وتَغُلُّ، وتَنْقُصُ وتَحيس، وتنقضُ وتخيسُ، وتزهدُ في نديك، وتُزعجُ أوابدَ بديِّكَ، وتَروضُ ضُبارماً وعامراً، وتخوضُ عامراً وغامراً، وتَلبِسُ أسماطكَ والأسمالَ، وتستأصِلُ الباكورةَ والأشمال، وتلتقمُ التقام الناهِش، وتتأوّد تأوّدَ النزيفِ الباهش وتجيء بالصُقْرِ والبُقْرِ، وتهزأ بالأسودِ والبَقرِ، فحينَ جُرحَ بحسام سام مَعْتَبتهِ، وعُقِرَ بعُقارِ قارِ مَعْيَبَتِهِ، نظرَ إليَّ نظر الأسدِ الباسلِ، وانهمرَ كالسيلِ الناسل، وزفَر زفرةَ المُعل، ونفثَ نفثةَ الأفعوانِ المُغِل، وقال لي: خَلَني من نِمْنَمَةِ فُصولكَ، وحلِّني بحلْي قَضْبِ فائض فُضُولِكَ، واذهب بداءَ غُلِّكَ واكفني غَلْغلَةَ غَلَلِ غِلّكَ، فلستَ لي بصاحبِ ظريفِِ، ولا باذلِ تالدِ ولا طريفٍ، وحيثُ لا تُعِينُ، ولا تسامح ولا تغِين، فأنتَ أولُ مَنْ مَنَّ ودَّهُ وجَبَّ، وكسرَ ساعدَ مساعدتهِ وخبَّ، فلا خيرَ في مساترتِك، وخساسةِ مُسايرتِكَ، ومعَ لَسْع سِفّ سَفائكَ، وطُولِ طِيَلِ شُقَّةِ شَقائكَ، لو مَنَحتني من تكملةِ إفصاحِكَ سطرينِ، لجعلتُ صِلَة هذهِ الموعظةِ بيننا شطرينِ، فالَ: فكأنه نَدِمَ على كَلامه، فطفق يداوي مواضع كلامهِ، فألقاهما إلي وسكع ونسأ بعيرَ عزمه وشكعَ، وقال لي: إلى كَم بالغرامة أغطِّيك، فتارة آخذ منك وتارةً أعطيكَ ثم إنَهُ جالَ جَولَ المقاطعةِ وحامَ، وأحجمَ عن خيول المخاتلةِ وخامَ فتظنيته أقتنصَ بحبائلِ الحِن، أو احتُنِك بأناملِ جحافلِ الجن. المقامةُ الخامسةُ والأربعون الفرضيّة حكَى القاسمُ بنُ جريال، قال: مُنيتُ حِينَ عَرَضَ عارضي، واعترضَ فِي عنَان المعارضةِ مُعارضي، بحُبِّ حِب حَوَى الحمرة والبياض، وملأ قَرِيَّ قُرى مقاطعتهِ والحياض، وكنتُ يومئذٍ ذا نُصرة خارجةٍ وحَسْرَةٍ والجةٍ، وعتبةٍ واهيةٍ، ومَعتَبَةٍ هاويةٍ، أتقلقلُ تقلقُلَ المغلوبِ، وأنشِدُ على هذا الأسلوبِ: الوافر: نَقِي الخَدِّ ليسَ بهِ اجتماع ... ولا بياض مَجْلسهِ الأنيقِ يُسَعِّرُ مهجَتي مَرَحاً وسِحْراً ... بحُمرةِ وَجْنةٍ شِبْهِ العَقيق إذا رمْتُ الوصالَ يقولُ عَجِّلْ ... بقَبْض داخلٍ قَبْلَ الطريقِ

стр. 120

فحينَ تحَسّيت مفاضَة الإيلام، من أنامل يدِ الملام، ومارستُ معْ عَدَم صِرام المَرام، خَيْلِ خَبْلِ عُرام الغَرام، وهَطَلَ سَفّاحُ عبرتي المستورُ، وبَطَلَ بَطَلُ صِيْتِ نُصْرتي المنصورُ، وأدخلني الخِدْنُ فيَنْ يمونُ، ورقَّ لي الخِلُّ الأمينُ والمأمونُ، تَضاءلتُ لذلكَ الاجِتزاءِ، ومَضِّ ضمِّ خَصْرِ الزَّهقةِ العجْزاءِ، تضاؤلَ ضرب الأجزاءِ في الأجزاءِ، فلَّما تضرَّرتُ بتضيقِ المَدارج، تضرُّر الأم مع الأخوينِ وأبِ الدارج، ركضتُ ضامرَ غيْرةِ القرونِ، وأمطتُ الدّرنَ عن صهوةِ الوطَرِ القَرونِ، وأبتعتُ مطية صبوراً على الإرانِ، لا تعلمُ ما مرارةُ العِرانِ، لا تَحِنُّ إلى حُوارٍ رضيع، ولا تئنّ لسرف فادح فظيعٍ تَردي على خبَبِ المِزاج، ولا تدرِي ما زعازعُ الإزعاج، شريتُها بدرهمينِ، وَتِخْذُتها عُدّةً ليوم البَينِ الخفيف: تَلْعقَ الصبر في مَضيقي ... وتَصْبِرُ أيامَ بؤسي وضيقي فَهيَ محمودة على الرُحْبِ عندي ... وهي مشكورة على التضييقِ تبذلُ الجُهدَ كلّما جُبْتَ فَجّاً ... بعدَ فَجٍّ من المكانِ السَّحيقِ قال القاسمُ بنُ جريال: ثم أقبلتُ ارتقبُ رُفقةً تَحْدج للرِّحلةِ نِياقاً، لأجعل قربهُم لداءِ ذلكَ الدَّله دِرْياقاً، إلى أنْ فزتُ برفاقِ تفوقُ أَصحابَ الرَّقيم، على عددِ أسماءِ الخطِّ المستقيم، يتناضلون بسهام مَقتهم، ويمتطون حِقاقَ موافقتهم، يقصُرُ بمصاحبتِهم الطريقُ، وتَروقُ سحائبُ سرْوهم وتريقُ، فخفّ لخَطْفِ الأرقِ بارقي، وثَقُلَ بسحِّ سُحْبِ إحسانِهم عاتقي: الكامل: فكأنّهم شُهبُ السَّماءِ ولفظُهم ... دُرّ تساقَط من نُحورِ عَواتق يمضونَ في الخَطْبِ الخطيرِ بهمة ... أمضَى مِن العَضْبِ الخشيب الفاتق قال: فلم نزلْ نساورُ عوابسَ البراري، ونحالِسُ حَنادسَ الليلِ الساري، ونَسْتنْتِجُ مواعيدَ الأملِ اليتربية، ونستنشقُ ريحَ رياحينِ الرياح اليثربيةِ، حتى حَلْلنَا طيبة الرسولِ بعدَ حطم المكناتِ والحسول، فقلتُ عندَ لِمّ جناني الجَريح، وضمِّ ضَريح ذلكَ الصَّريح: الطويل: حِماكَ إلهي من ضَريح وُجِّدَدتْ ... يَدُ المَجْد في ذاكَ الجَلال الممحد ضريح عَلا هامَ الضّراح مُحَلهُ ... شريفٍ منيف بالعَلاءِ مُعَمدِ سأجعلُ قُربانِي إلى اللهِ حُبَّهُ ... وحُبَّ بنيهِ الطّهرِ آلِ محمد

стр. 121

قالَ: وحينَ حَمِدْنَا محاسنَ الظّفَرِ، وكَسرْنا مِنساةَ سَموم السَّفرِ، جعلنا نجولُ لضَربِ ضروبِها، ونحومُ بمسلولِ الفصاحةِ ومقروبِها، إلى أنْ انتهى بنا آخرُ النّقَل، وقطعُ السُّهولةِ والنَقَلِ، إلى مدرسةٍ متدَفِّقة البَهاءِ، مُفْهَقةٍ بمقاولِ الفقهاءِ، قد اَرتفعَ نقْعُ مباحثتِهم، وطلعَ نفعُ طلْع مطارحتِهم، تُجاه مدرِّس مطلّس، ظاهرِ المناظرةِ، قملس، تسجدُ دروسُ الدرايةِ لدروسهِ، وتغربُ شُموسُ البلاغةِ لشَّموس شُموسهِ، فتأملْتُهُ بالنظرِ الصّفيِّ، تأملَ الصَّيرفيِّ، فإذا هو الدِّهانُ المتلوِّنُ، والسرحانُ المتفنِّن، والفَذ القيصريُّ، أبو نصرٍ المِصْريُّ، فأحجمتُ إلى أنْ شام سيوفَ درسهِ، وسردَ ما سدّدَ من ثمارِ جَرْسِهِ، ثم سلّمَتُ عليهِ، وجثَمْتُ بين يديهِ، وقلتُ لَهُ: جلَ مَنْ جَلَّلَكَ بجليلِ التّدريس، وخلّصُكَ من دراسةِ التدليس، وخصَّكَ بربْع البَراعةِ والمربَع، اختصاص الأترجِّ بالطبائع الأربع، ثم إنّهُ اَنطلقَ بي إلى طِرافهِ، مترنِّحاً بملاحةِ أطرافه، فبسطَ ساعِدَهْ وحَسّرَ، وأحضرَ ما كانَ عندَه تيسَّرَ، ولّما سكنَ مَوْرهُ، وظعنَ زَورهُ، ألبسني جُبّةَ أجادَها كفُّ إسكافِها، وكثرُ جوَابُ سؤالِ ميمِها وكافها، ثُمّ قال لي: يا بنَ جِريالٍ ما الذي سلكَكَ في سلوك المفاليسِ، وأدخلَكَ في خَللِ غَليس هذا التغليس، وقتلكَ بثقلِ هذهِ المِرْداةِ، ونقلك إلى مجالس الساداتِ، فقْفِنِي على خبر ابتداءِ ارتحالكَ، وخَفْضِ نَصبِ تَمييزِ حُسْن حالِكَ، قال: فأخبرتُهُ بما تمَّ، وما سفك من دَم الثروةِ ثَمَ، وعرّفتُهُ صورةَ النّزالِ، في وقيعةِ ذيّاكَ الغَزالِ، فجبذني متظارفاً، ونبذَني متلاطفاً، وقالَ لي: أراكَ هَويت الهُوِيَّ بعدَ الهَوِيِّ، وهوَيْتَ إلى الواوِ الساكنةِ قبلَ حرفِ التّرويِّ، وجررْتَ في المَخازي المُروطَ، وأولجْتَ في الدائرةِ المخروطَ، فأطعَم الله رهطَ لوط البلّوطَ وسقاهم من نهرِ قَلّوطَ، ثم قالَ لي: غِبَّ نَثْلِ جَعْبَتهِ، وطيب ظلِّ أثْلِ مداعبتِه، تالله لقد بِت أسعدَ أولادِ سام وسامٍ، وأطهرَ أولادِ حَام وَحام، فَوَمَنْ شرّف بكّةَ، وأخرسَ اللُسُنَ لكَ وبَكَّتَ، لقد حللْتَ بكِناسكَ، ونزلْت بمَنْ لم يُناسِكَ، ونزعتَ سرابيلَ باسِكَ، وخلعْتَ جلابيبَ التباسِكَ، فقلت لَهُ: الحمدُ للهِ الذي سلَّمني من المَدانس، وخلّصني من حِبالةِ المناحس، وقَلَسَ عَنِّي ثيابَ الثُّبورِ، وقمسَ قلبي في بحورِ الحُبورِ، ثم إنِّي أقمتُ في قَرائع دَارهِ، سابحاً في سحائبِ إدرارهِ، يُتحِفُني بالهدايا، ويزورني بالعَشايا والغَدايا، ويمنحُني السِمانَ والدِّقاقَ، ويشاركُني مشاركتَها في مصدرِ الفَعْلِ الرِقاقَ، حتى حُسِدْتُ لكثرةِ سوادي، واتّحادِ وسادهِ ووسادِي، وعُدْتُ بعدَ طولِ مصاحبتهِ، وتطاولِ مناوحتهِ، سنانَ غِرارهِ، وصِوانَ أسرارهِ، ونبالَ سَطوتهِ، وبِلالِ دَعوتهِ، وحَسّانَ ثنائه، وسلماَنَ فنائه، فبينما نحن ذاتَ يوم نخترفُ ثمُرَ المثابرة، ونحترفُ بأسواق تِجّارِ المجاورةِ، ونختلفَ إلى معاهدِ المنادلةِ، ونَجْتَلف وجوهَ جذالةِ المجادلة، إذ وقفَ بنا جماعةٌ يستفتونَ، وعلى تركةِ مَيْتٍ يتهافتونَ، فناولوهُ رقعةَ لا يفارقُ قَلْبَ مقلِّب حِبرِهَا حُبورٌ، فإذا فيها مزبور: الخفيف: يا فقيهاً علا على الثقلين ... وإماماً سَما بعِلْم لِذَين نَبِّنا وأفصِحَنَّ عمَّا عَرانا ... في مُصَابٍ أجْرَى عيونَ العين مَيِّتٌ طُمَّ عن ثَلاثِ بَنَاتٍ ... مُحصنَاتٍ مِنْ غيرِ رَيْبٍ ومَين فَحَوَتْ إرثَها الكبيرةُ ثُمناً ... غيرَ بَخْس مِنْ كُلِّ عَرْض وعين وغدت أختها برُبْع صحيح ... بعد ثمن وربعهِ مرتين مثلما حازَتِ الصغيرةُ فاعلم ... يا خَلياً مِنْ كُلِّ غشّ وشين ثمَ ماتَتْ صُغْرى البناتِ بجَمْع ... عَنْ نصابَيْنِ عَسْجدٍ ولُجين فمَضَتْ أختُها التي حازتِ الثُمْنَ ... بخمسى تُراثِها النقدين وأغتدَتْ أختُها بباقيهِ قهراً ... تُتْحِفُ النَقْصَ أختَها كرّتين

стр. 122

فاَرض تساؤلنا بحُسْنِ جَوابٍ ... مِنْ صوابٍ فلستَ فينا بهين قال: فهَوَى إلى الرقعةِ وأطالَ، واستوَى لطَلَبِ الرفعةِ وقَال: الخفيف: أَيها السائلي عَنِ الحالتينِ ... والنبيهُ الفقيهُ يَفْقَهُ تين إنَّ مَنْ حازتِ الفريضةَ ثُمناً ... ابنةُ المَيْتِ يا وخيَّ وعيني من سفَاح زُفَّتْ إليه حلالاً ... بوليٍّ وحضرتي عَدْلَينِ ثم ألقت بعدَ الدخول ولاء ... مِنهُ بنتينِ أيّما بِنْتَيْن فسَقَى زوجها الزمانُ كؤوساً ... مُترعاتٍ مِنْ بَعْد حينٍ بحَينِ فجَبَتْ بنتُهُ بحَق جلي ... ما ذكرتُم من غَيرِ نَهْب وبيْنِ وكذا ضمَّتِ الصغيرة شرعاً ... بَعْدَ ثُمن لامِّها نِصْفَينِ فلهذا موتَ الصغيرة حازت ... حَقّها الأم خالصاً خُمْسَيْنِ وحَوَتْ أخْتُها بفرض ورد ... باقيَ المالِ في كِلا المأتمينِ فاجْزِ زيديّةً بنثر ثناء ... شبه دُرّ يَحكي دُرور العينِ قال الراوي: فلم أعجبْ من فرضه العجاب، الوارف الإعجاب، بأوفى من موافقة عددِ أبياتِ سؤالِهِ والجواب، فرضي كل بحضور العالمين، وقضي بينهم بالحق وقيل: الحمدُ للهِ ربِ العالمينَ. المقامةُ السادسةُ والأربعونَ الحصكفيّةُ الرقطَاءُ حدّثَ القاسمُ بن جريال: قال: صحِبت وقيت اقتراب المزَارِ، واسودادِ الإزار ومباعدة الأسدار، ومساعدة الأقدار، ركْباً من الحصَكفيّة أولى الفَصاحة الصفيّةِ، والصباحةِ المصطفيَّة، لا يسبقون في سنن مساجلة، ولا يلحقون في جدد حنى معالجة، ولا يندهون عن قارب مقاربة ولا يبدهون في مشورة شرة محاربة، فحملني نشر معاشرتهم الشهية، على أن أشزر معهم شملة السنة السنية، فعدلت إليهم عدول من ألف بمحبوب، أو كَلِفَ بمداومةِ إثمٍ وحُوْبٍ، حتى صِرْتُ منهمِ صيرورةَ البَطَل من الذِّمارِ، والغَيرةِ من الأذمارِ، والزِّمارِ من فَم المِزمارِ فلم أزل أجُث العريّةَ، وأحُث الداعرية، وأحاربُ بياسرة سفْنِ السهرِ الجسيمةِ، وألاعبُ أسنةَ عساكرِ المسرَّةِ الوسيمةِ، حتى ولجتُها في اليوم النَطوفِ بالقَلْبِ العَطوفِ، محسوداً على يَدِ يَدٍ لا تضامُ، وألفَ عينِ عينِ لا تنامُ، ولَمّا اَسبطرت جداولُ الجُدودِ وحفَّتْ بنا أوراقُ المجدِ المجدود اندرأت إلى تصفيفِ العَقَارِ، والتذفيف على الوَقَارِ، وشمِّ أنفاس القارِ، من أفواهِ العُقَار: الطويل: فما زِلتُ أحسُو الراحَ فيها وأنثني ... على كُورِ لذَّاتِ الفُكاهةِ والرَّقْص وأركبُ أثياجَ التفكُّهِ في الدجَى ... إلى كلِّ فتَّان أميناً مِنَ الوَقْص وأسعَى بساقِ السكرِ في كل ساعة ... إلى كُل مِفْضاَل بَريٍء مِنَ النقص وأسحَب رِفلاً في الإخاء مضَوّعاً ... بعِطر ولاء يُدنَّسُ بالقَصِّ

стр. 123

قال: فما زِلتُ أصبو إلى ذلكَ المَنَارِ، وأعشو إلى جُلِّ نارِ ذلكَ الجلَنار، وأترَنَّحُ بذلكَ الشَفير، وأتنقّل بقبَلِ أفواهِ اليعافير، إلى أنْ ظعنَ الذهبُ وبانَ، وظهرَ فَلَقُ القَلَقِ واستبانَ، فلما لَبِست رثيثَ خِلافِي، وخلعتُ بيعةَ خِلافةِ اختلافي، أقسمتُ ألاّ أفارقَ الصيانةَ، وجذذتُها جذَّ العَيرِ الصِّليَّانةَ، فبينَا أنا أنظرُ في مَضاضةَ الإفلاس، وحقارةِ الأحلاس، والالتحافِ بالدريس، والإياب إلى باب الفراديس، ألفيتُ أبا نصر المصريَّ يرفلُ في ثياب ثروتهِ، لعدَ إحرامهِ من يلملم إلمام مترَبتهِ، فهويتُ إليهِ هوىّ الأجدلِ المطلِّ، وأحببتُ بأنَّ أعْرِفَ موارد ذلكَ الطلِّ، ولمّا انطلقَ بي إلى جُدرانهِ وأطلقَ يدِي في عِنان ماعُونهِ وعِرانهِ، قال لي: إيَّاكَ وأنْ ترغبَ في قرابِكَ، أو تزهدَ في اَرتشافِ شرابكَ وعلي ما يمونك في احتلابك، إلى وقتِ اَقتراب انقلابك، فأنا الخليلُ لذي لا يتسربلُ بيأسهِ، والكريمُ الذي لا يَخْنُقُ حُلَوقَ أكياسهِ، ثُمَّ إنّهُ أخذَ يَسبأ السُّلافةَ ويَستريها، ويعبأ لنا طِيبَ المصائب ويشتريها، وتسحَبُ في الدساكرِ العبقريّةِ، ويُوصلُ بالغَبوق الجاشريّةِ، وأنا معَ العَوْم في مياهِ مئنَاتهِ، وفَلِّ شَبَا الشَّتْوَة بِشَبا شِيناتِه، لا أسألهُ عن انتقائه، ولا مِنْ أيِّ ركيَّةٍ امتلأتْ غصونُ سِقائهِ، فبينما نحنُ في طُلاوةِ الأصحابِ، على مصاطبِ الاصطحابِ، نترنَّحُ معَ الإفضالِ، ونتناضلُ بالمُلَح تناضلَ المِفضَالِ، وإذ اقترنَ بمذاكرةِ تيك الكرماءِ، ذِكْرُ رسائلِ القدماءِ، فقالَ بعضُ مَنْ ابتهج ببهجة ندوتِنا، وأولجَ بمغربِ فَمِهِ نجوم قَهوتنا: أقسمُ بمَنْ سَتُرَ الإخطاءَ، وأسبَغَ الإعطاء، لا أحبُّ مِمّا سَبَقَ سِمْعُهُ الخيَطاءَ، سِوى كلِّ مكاتبةِ رقطاء، فهي التي تَشهَدُ لشُهدِها شِفاهُ الشِّهادِ، وتهمدُ لنُورها نارُ أزنادِ الاجتهادِ، ويتشَبّهُ لقسرِهَا القسَورةُ بالقُرادِ، ويُقْرِدُ لقراعِها إقرادَ الأقرادِ، فلمّا سَمِعَ أبو نصرٍ ما نطَقَ بهِ، ومنطقَ بذهبهِ، مِنْ حُسْن مذهبهِ، قالَ لَهُ: أتحِبٌ يا ذا الفضل الفائض، والظِّلّ الخائض، ومَنْ خَضَعَ لإفصاحه الفريدُ، بأن أنشئ لكَ مِنْ ضروبهِ ما تُريد، فقال لَهُ: تاللهِ إنْ ذا لريعٌ انجدم، وربَعُ انهدمَ، وفضَلٌ نُكِسَ، وعِلم وكِسَ وَعَلَمٌ درسَ، ومَعلَمٌ اَندرسَ، فخلِّني من خِضابِ عملٍ يَنْصُلُ، ولا تُولني سَحُّ ولَيِّ ولايةٍ أمل لا تحصلُ، فاللبيبُ مَنْ عَرَفَ نفسهُ، وشكر أمسَهُ، ولَمْ يرسلْ لسَبُع هذهِ المَسْبعةِ نِمسَهُ، فقالَ لَهُ: وأيمنُ الله لو نظرتَ ببصرِ توفيقكَ، وتحقَّقتَ نَصاحةَ رفيقكَ وميزَّتَ بينَ صيفِكَ وخريفِكَ، وحلوِكَ، وحِّريفكَ، لوجدتَ كُلاًّ كَلاًّ على حَريفِكَ، فقالَ لَهُ: إنْ كنتَ ممّنْ يقلعُ قُلَلَ هذي القِلاع، ولا يهْلَعُ لِهَوْلِ هَمْهَمَةِ هذا الهزْلاع، فبَيِّنْ حيَّكَ مِنْ رميمِكَ، ونُقاخَكَ مِنْ حَميمِك، وغَثّكَ مِنْ سمينِكَ وأبرُزْ بزُبَدِ ثمينِكَ، لأقبِّلَ رواجبَ يمينِكَ، ولتكُنْ جواباً عن مراسلة قادمةٍ، بلسان البراعة ناسلةٍ، يتمطَّقُ بعذبِها العليمُ، وبتمنْطَقُ بُدرِّ دَرِّها الدرُّ النظيمُ فقالَ لَهُ: أيمُ اللهِ لَقَدِ استهديتَ الجدايةَ من القانص، والجُمانةَ منِ الغائص والصُبايةَ من السحِّاح، والصَّبايةَ من الوضّاح، ثم إنَّهُ عدل عن عتابهِ ومالَ، وعدَّل جَلْفَةَ يراعهِ وأمال، وقالَ لَهُ: أنكرْتَ قِرواحَ قريحتي فجُبْ، وأسأتَ لدي الأدبَ فَتُبْ، واستقْبِلْ بكفَّيْ فكرِكَ النُخَبَ واكتبْ: وَفَدَتْ صنوفُ كتابِكَ، بل جميلُ ضرَبَ انصبابكَ، شَرَّفَهُ جِدٌّ بَرَقَ، وفَرْقُ لُب أشرق، وبلِ شوبِ منح فرى، وجمّ فلق سَيرِ فْلق رَبا، فحضَرَ بهِ بلاغُ إنابٍ هَجَمَ، بَلْبَلَ بوَبْلِ نَاضر تَهتانهِ فانسجَمَ: الطويل: فلي مِنْه بُسْتَانُ صفا ضوءِ بَعْضهِ ... يسيرُ بهِ نَدٌّ نَدِيٌّ ونَرجسُ فَعَنَّ لنا فوْزٌ وقدْ جابَ طَيُّهُ ... غلائلَ تَوْق مِنْ حِبابكَ تُلْبَسُ

стр. 124

فلبابُكَ نديم شَهِيٌّ، وبابُكَ قديمٌ بَهَيٌّ، وشَرَفُك خليلٌ ذَكيٌّ، وترفُكَ قليلٌ بَكيٌّ، وجَلْبُكَ جابر زكيٌّ، وخِلْبُك ناظِرٌ ذكيٌّ، ويكبُكَ جائلٌ ثَرِيّ، ونَسبكَ شائغٌ جَلِيٌّ، وخَطبُكَ جازمٌ يَحُف، وخُطبُكَ جلائلُ تَهِفُّ، وفَرْشُكَ تكتسبُ، وفُرْشُكَ تُرتَهِبُ، ونَهيُكَ يلتهبُ، ونهبُكَ يستلِبُ، ويَمُّ يُمنِكَ يَرُبُّ، وَزَعْزعُ تُحفِكَ تَهُبُّ، ويديمُ شِدّتكَ يكُبّ وَضلِيعُ شَدّتِكَ يَعُبَّ، وضرْبُ سُيوفِكَ يعترِقُ، وضَرْبُ عُناتِكَ يَحترقُ، وجميلُ فَلذكَ يُصَب، وجَليلُ خُلقُك زاخر يحب، ويعقوب حبك يرج، ويعبوب رِفدِ يديَك يُمَج، وبطشك نافع ضَري، وجأشكَ شافعٌ قَوِيّ، وجؤجؤُ قِرْنِكَ غًلَى، وبرُّ برِّ قُربِكَ فَلا: الطويل. فَمِنْ أيّ وجهٍ جاءَ نُطْقُكَ جلْتُهُ ... جَرِيَّ عُبابٍ من صفاتك يَطفَح فلا زلْتَ أبهى من سنا بَرْفِ مُجْلِف ... لتُصْبحَ تَرْفُو قَلْبَ مِثلي وتَمنَح فليكفِ عبدَ نهىُ مِزِّكَ، ثمَّ بَلَجَ مشرق عِزِّكَ، بأنَّهُ باءَ بعتابكَ، ذو توَّج وناءَ بعُبابِكَ، بسناءٍ بَلَّج، وشَرَقٍ لَجْلَجَ، وقَلَقِ أخدجَ وشَرٍّ غاضَ، وضَرٍّ جاض وتصبّر خَرَّ، ثم شديدِ شَوْق اشمخَرَّ، فمثلُ شمَّخ آياتِكَ تُحَجُّ، وبصفا زمْزَم باب هباتِكَ يُعَجُّ، وبمنكب لَجِّ إبائكَ نطيرُ بلْ بمَجْرِ نَوْءِ نكُتَ آبائِكَ نسيرُ، فَلَتْ عِترتُك فمجِّدَتْ، وفلّتْ رفعتُكَ فعُظِّمَتْ، لتمنحَ جَوْنَ مُشرِّفاتِكَ، قَلِقاً ترنَّحَ بريْح بان لُباناتِكَ، قالَ الراوي: فلمّا طرَّب بطيبِ رسالته وجدَّل المجادِلَ بجِدالةِ مجادلتهِ، قالوا لهُ: تاللهِ لقد تسوَّرْتَ من الفصاحةِ أعلاها وسُدْتَ مَنْ تسنَّمَ البراعةَ واعتلاها، وفُقْتَ بإخراج المستطابِ، من طاب هذهِ الوِطاب وميَّزَ رندُكَ عن الأَحطابِ، بإجادة هذا الاحتطاب، ولعمرُكَ إنَّها لمخيلة ممن البلغاءُ قلَّة في ماء دجلته، وبقلَةٌ بازاء رقلته فما أحسنَ لك أنْ تجمعَ بين طرَفِ فطَنِكَ، وتعريفِ نكرةِ وطنكِ، فقال: طاعاً لأمرِكَ المُطاع، وإن آلَ بنا إلى الانقطاع، ثم إنَّه أراقَ مِنْ مقلتيهِ القِلالِ، وأرهفَ قواضبَ المقالِ، وقالَ: الكامل: ربعي يشرف أن يُعابَ بمنطق ... أو أنْ يُدَنسَ في الزمانِ بمقْوَلِ فحسابُ أحرفهِ النفيسة تسعةٌ ... في تسعةٍ شبهُ الصباح المنجلي مَعْ أربع في خَمْسةٍ في ستَّةٍ ... مَعْ واحدٍ في واحدٍ لم يشكلِ بعدَ المربَّع مِنْ ثَماني مَرَّةً ... وكذاك أخرى في الحسابِ المجملِ ها قْدْ رفعْتُ لكَ الحجابَ فَعُدّها ... عَدَّ العليم على حروفِ الجملِ قال: ثم إنَّه ودعهُم غِبَّ اكتسابه، وأودَعهُم سجونَ انتسابهِ، وغادرَهُم يخبِطونَ في حسابه، بعد أنْ عطفَ عُنُقَهُ إليَّ، وذرفَ لؤلؤَ عبرَته عليَّ، وقالَ لي: يا بنَ جريالٍ توق جرّ حبلِ بُرَحَيْنِك، وجَرَّ حَرورِ بَرِّحَيْنِك، فقدْ آن دنو بيني وبينِك، وهذا فِراقُ بَيْني وبينِكَ، فاتركني تركَ رؤوفٍ، وسرِّحْ سِرْيَاحَ عزمتي بمعروفٍ، لأنَّ مخالبَ خيانتي ورواجبَ جنايتي، جَنَتْ بأرزنَ جنايةَ يشبُ لها فَوْدُ الفَطيم، وتغيب لها شجاعةُ شُجعانِ الحطيم، فالأريبُ مَنْ خرجَ قبلَ إسفار صباحه ودَرَجَ قُبَيل إشراقِ افتضاحه، فما الشرفُ بالتقام طُعم المصايد، إلا بالتخلصِ من حِبالة الصايدِ، ثم إنَّه لوى جانبَ اللِّيتِ، ومضَى مُضَيِّ المَصاليتِ وعانقني عند لوب الأماليت، وأقلقني قَلَقَ قلوب المقاليت. المقامةُ السابعةُ والأربعونَ الضَّبْطاء أخبرَ القاسمُ بنُ جريال، قالَ: عَزَمْتُ زيارَةَ الحَسَنِ والحسينِ، معَ صَحابة مِنَ الحَسَن والحسينِ، تنتمي بعدَ طيِّئٍ إلى شَعبان، في غَرّةِ المعظَّم شعبان، ما وهى حِلمُهم ولا وَجَبَ، ولا سُتِرَ وجه شكرِ جودِهِمْ مذْ وَجَبَ، ولا هُجِرَ وصلُهم ولا من، ولا عُرف أن مَلَّ معروفهم ولا مَن يُريقُ سحابُ سروهم الحَسَنُ، ويحتقرُ في جنب حصَاةِ حصاتهم الحَسَنُ، ما فيهم إلاَّ مَنْ أمهى مهْوَ المهابةِ، وسَن، وأفاض على وجهه ماءَ المرؤةِ وسن، ومزَج كأسَ كَيْسهِ. وشَنَّ وأغارَ على فوارس فارس السَّفاهةِ وشَنَّ: الطويل:

стр. 125

فلولا هُمُ ما زِلْتُ نِضْوَ كآبة ... حليفَ الأذى صِنْوَ الشَّقاوةِ في الخَلِّ ولولا اعتقادي أنْ أسيرَ مكرَّماً ... لما مال ليتي للمسيرِ مَعَ الخَلِّ ولولا اعتمادي في الرحيلِ عليهِمِ ... لعُدْتُ سليبَ العقلِ في صورةِ الخَلِّ ولولا اجتهادي حِينَ مِلْتُ إليهِم ... لكنْتُ شَبيهَ الدُّودِ في جَمَّةِ الخَلِّ ولولا اتَّحادي بالأَمونِ إليهِمَ ... لمزَّقْتُ جلبابي القَشيبِ معَ الخَلِّ ولو أنَّني خُلِّفْتُ في الربع بعدَهُمْ ... لأعجزَني الضرُّ الشديد عن الخَلِّ وَبِعْتُ سِلاحي والقلوصَ وكُورَها ... وأتبعْتُها السَّقْبَ السنيَّ أخا الخَلّ

стр. 126

قال: فَلَمْ أزلْ بينَ تلكَ الصناديدِ، آمناً من صَرْفِ صروفِ الصناديدِ، متوسِّداً هودج القضيبِ، متقلداً بحمالةِ القضيب، نوجِف إيجافَ الآجالِ، ونقطِفُ جَنَى الجَزَع من غصون الآجال، ونزعج سواكنَ الأوابدِ، ولا نَلِجُ مساكنَ الأوابدِ، ونُخَبُّ في صَبَبِ الوصبِ ونكرعُ، ونصبّ مياهَ مُرِّ النَّصب ونكرَعُ، فبينا نحنُ نُقَلْقِلُ قُلَل الأقتابِ، ولا نَخْشى تقلقلَ مقانب الأقتابِ، ألفينا حّياً من الخزرَج والأوسِ، غَزِيْرَ الفصاحةِ والأوس، وبه فتى شريفُ السِّيَرِ والساقِ، نظيف إزارِ زورقيِّ القوم والسَّاق، يرفل مَع كثرة هبابه وعَقلهِ، بينَ بُرْدَي شبابه وعَقْلهِ، فانطلقَ بنا إلى فنائه وكَسره، وأعرض عن لُفاظاتِ زاده وكسره، ولمّا شكَرَ شُهدَ سَوادِ سَعينا والبياض، وقَرَنَ قَرَن أحد أحمريهِ بالمحاضرةِ والبياض، أسرعنا إليه إسراعَ الحَمام، وجَمَعنا بينَ أرشية الشَرَهِ وبطون الحَمام، وحينَ أفعوعَمتْ حقائبُ المَصير، وحُمِدَ غُبَّر ذياك المصيرِ، وتُحقِّقتِ المذاهبُ، واغلولقتِ المذاهبُ، سمِعْتُ صوتاً يكسدُ عندَهُ عرف عبير القُطامي، وتطيرُ إليه أقدامُ القادم بقوادم القُطامي، فأقبل القومُ لطيب ذلكَ الطِّلاء، مجبوذَينَ ببُرَةِ طول ذيالك الطِّلاءِ، تسرَحُ في حُلَلِ أحلام نائم، لم تدر ما حلاوةُ حلواءَ نائم، فكنت مِمَّنْ نحَا نحوَه، واستمعَ مَع عِظَم عظتهِ نحوَهُ، فسمعْتُهُ عندما جثَمَ الغائرُ والجالسُ، وازدحَمَ القائمُ والجالسُ، ووسقَ سُفُنَ مجلسهِ، وشَحَنَ وطَرد طِرْفَ ملاطفةِ طرَفِه وشَحنَ يقولُ: الحمدُ لله ناشر الخَلْقِ، وقاهر الخلْقِ، مُفْهِقِ أوشال الذِّمام ومورقِ أغصان دَوح الذِّمام، مُزَيِّن النحور بالعقودِ، ومحسِّن الوقورِ بحفظ العقودِ، ومخرج تَهْتانِ نَصْره، ومتوّج الإسلامَ بتاج إجلالِ نَصْرهِ، ذي العظمةِ والجدِّ، المنزهِ عن الوَلَدِ والوالدِ والجَدِّ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ، وحدَهُ لا شريكَ لهُ، شهادةَ مَنْ بحواءِ أمانهِ حَلَّ، وعقدَ منشورَ لواءِ إيمانهِ وما حَلَّ، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه المبعوثُ إلى الأمم الغابرةِ، المحثوثُ الإنذار بمصارع الرِّمَم الغابرةِ، فَنَشَرَ ذوائبَ الأعلام، ونسر حافرُ انتصاره صَياصَي الأعلام، ووعَد عليه أفضلُ السَّلام، بحلول دارة دار السَّلام، صلَّى اللهُ عليهِ صلاةً لا يعارِضُها فَنَاءٌ، ولا يفارقُها مدَى تفنُّن الأفنيةِ فناء، وعلى آله وصحبهِ ما كرُمَ قصَر عَسيب، وثبتَتْ قواعدُ عسيب، ونفعَ حمل قريب، وردعَ سلُّ سيفِ رقيب قريب: عبادَ الله إلام تُكرمونَ أولي المكانةِ والخَفْض وتُحرمونَ ذوي الديانة والخفض، وتغالونَ بطولِ مرحِكم والعَرْض، وتُلغونَ حديث ترحِكُم حالَ المناقشةِ والعَرْض، وحتَّامَ نراكُم قادرين وأنتم لإطعام القرِم غيرُ قادرينَ، وتمسون بالحرم محرمينَ، وأنتم بكسبِ السّحُت شرُّ محرمين، طالما تطاللتم لِحُبِّ الرِّباع، وتطاولتم لهتكِ كواعب الرِّباع، وقد آل بِكُم درُّ خَلِفَةِ المخالفة والمصباح، وانطفاء نبراس الرياسة والمصباح، إلى أن غفلتم عَنِ الحِسانِ، وعقلتُم أيانقَ الإحسانِ بأبوابِ الحسان، وسلكتُم مسلكَ مَنْ ألحمَ بالسفهِ وسَدَّى، وجعلَ بينَهُ وبينَ الورع خندقاً وسدّا، فهلا أفضتُم مِنَ العيوب، ما يفوقُ تدفُّقَ العيونِ، وسكبتُم من مسايلِ الجفون، ما تغرق به محاملُ الجُفونِ، فيا ويلَ مَنْ ملأ بالشَّحناءِ ربوعَ قلبه، وعَلِمَ أنَّهُ لم يبقَ مِنْ قَمَرِ قُربه غيرُ قليلِ قلبه، ثم أنشد مترنّحاً بحسن الهديل، باكياً بكاءَ الحمائم على الهديلِ، بعد أنْ هُدْنا وتُبْنا وقلنا لمِثْلكَ المدارسُ تُجْنَى وتُبْنَى: الخفيف: كم حَجَلْنا حَوْلَ الحُطام ولُبْنا ... وسبَتْنا أعلامُ سَلْع ولُبْنا واعتكفنا على اللهى وانتبهنا ... ثم ثُبْنَا بعدَ الأذى وانتبهنا واستلبنا بِكَر المُنى وافترعْنا ... ثم جُزنا بابَ الخَنا وافترَعْنا وارتحلْنا مَتْنَ الأسى وافتقرنا ... منذُ حُرنا إلى الثَّرى وافتقرنا واحتملْنا سُمْرَ القنا واعتقلْنا ... حينَ دُسْنا بُسطَ الهَوى واعتقلنا

стр. 127

واجْتذبْنا رأس العُلى واحتنكنا ... ثَم صِرْنا إلى البلَى واحتنكنا قالَ القاسمُ بنُ جريالٍ: فحينَ حبَّرَ محكماتِ فيهُ، وحيَّرُ بحِبَرِ بَحْرِ حذاقةٍ مُدِحَ فيهِ، وأرضى اللهَ والمَلَكَ، واطَّرحَ الزادَ والملَكَ واقتنصَ القلوبَ وملكَ، وأحكمَ عَجْنَ مُعجزاتهِ ومَلَكَ، أطاعوا مواعظَهُ إطاعة ثواب، وانصاعوا لَهُ بأوفرِ ثوابِ، فصرفَ صِلتَهم صَرْفَ شاكر، وانصرفَ إلى شَعْبِ بني شاكر، ولما سحَّ الرجلُ وارتجلَ، ورجعَ الرجلُ بالجلائلِ وارتجلَ، جعلتُ أعلِّلُ وقلبي بليت وعلَّ، لأعلم أَنَّى نَهِلَ أبْحُرَ الحِيَلِ وعَلَّ، فألفيتُها صنوفَ أبي نَصْر الصلِّ، صاحب صِلّ الفصاحة الصِّلّ، فقلتُ لَهُ: إلامَ تدوسُ متونَ المَشيبِ والحرِّ، وتقوَّمُ صَعَرَ عنق المعاندِ والحُرِّ، وتُصْلِحُ بوعظِكَ العَرَبَ، وتمنحُ منكَ العَرَب العَربَ، فقال لي: يا جريالٍ: إنْ كانَ أعجبكَ سيبي وشوبي وحَجَبَكَ قبحُ شيبي وشوْبي، وأطربَكَ طيب صبّي وصوبي، وإلاَّ فدَعْني وعليَّ خَطَئي وصَوْبي، ثم إنَّهُ حاولَ المَفَرَّ وفرًّ، وافترَّ إذ فغر فَمَ براعتهِ وفَرَّ، وجرَّ عني ما أخشوشَن ومَرَّ، وخَلفني حِلفَ حومة الفكَرِ ومرَّ. المقامةُ الثامنةُ والأربعونَ الجماليةُ الجوينيّةُ روَى القاسمُ بنُ جريالِ، قالَ: آليتُ مذ صَفرَ صابي، وظَفِرَ نصابي، وصهَرَ اغتصابي، واشتهرَ في التصابي انتصابي، أنْ احتلسَ بساطَ المكاسرةِ، واختلسَ انبساطَ المكاشرةِ، وأميلَ إلى المجالس وأستميلَ، رضى المُجالس، وأمارسَ الأقتارَ، وأجالسَ الأوتارَ، فلم أَزَل أستلِبُ سرابيلَ الإسفارِ وأنقلبُ بزمام سفار السَفار، إلى أنْ فارقتُ الأَيْنَ، ورافقتُ الهَيْنَ، وقمرتُ البَيْن، ورمقتُ بمُقْلة المِقَةِ جوين، فولجتُها بجوادِ جِدةٍ لا يعتورُه عِثَارٌ، ونِجادِ تجملّ لا يهتصرُه إعسار، حائلاً في سناسِن السعادةِ، جائلاً في دنادن السيادةِ، فأقبلتُ أكافحُ رِماحَ المراح، وأناوحُ رياح الرياح، يمنحني وصالُ الملاح، ويصافحني راح كُفوفِ الفَلاح، أجيرُ مِنْ جَلَلِ الجُناح، وأطيرُ بجَناح النّجاح، وأصبو معْ إجالةِ القداح، وإدارةِ الأقداح، إلى عضِّ غَضّ الكاعبِ الرَّداح، فما فتئتُ بعدما نضحَ نَضَحُ المرح فسرى، ووضحَ وضَحُ الوضَح وانسرَى: الطويل: أغازلُ غزلانا وألثمُ لؤلؤاً ... وأقبضُ رُمَّاناً وأرشُفُ سُكرّا وأصحَبُ أغصاناً وألحظُ ربرباً ... وأغمِزُ عُنَّاباً وأنشقُ عَنْبَرا وأركب كثباناً وأقرصُ عنْدَماً ... وأنظرُ بستاناً وأمسَحُ عَبْهَرا قال: فحينَ حللتُ بالعِيم، ونزلتُ بالسادةِ البراعيم، كنتُ كَمَنْ حلَّ في النعيم، وحلَّ بعدَ إحرامه من التنعيم: الطويل: وكنتُ كَمَنْ أمسَى يَسوفُ بأنفهِ ... سحيق إناب في شُعورِ العواتق وكنتُ كَمَنْ أضحَى يصافحُ طَرْفُهُ ... وبيصُ صُوارٍ في صوارٍ معانق ولما انسلكتُ في نِصاح مصاحبتهم، وسلكتُ سبيلَ مراح مناوحتِهم، أقبلتُ أشكرُ طولَ مروطِ طَوْلهم وأطولُ، وأذكرُ ذكورَ ذكيِّ إفصاحهم وأقول: الخفيف: أبِّدوا أيِّدوا بزفِّ يرِفّ ... واستروا واشتروا بشَفٍّ يَشِف فجرُهُمْ فخرُهم وحالوا وجالوا ... عيدُهُم عندَهُم بصفٍّ يُصَفُّ حَدَّهُم جَدّهُم وعَالوا وغَالوا ... وافتدوا واقتدوا بعفٍّ يعِفّ جبرهم حَبرُهُم جلالُ خِلال ... صدهم ضِدهم بذف يدِف حزمُهُم جَزْمهم نِزاع يراع ... عابثٍ عائثٍ بكفٍّ تُكَف

стр. 128

وحينَ جَذَبني جَرُّ هذا العِنانِ، وبهظَني حَرُّ حَمْلِ ذَيَّاكَ العَنَانِ، واستنتجت قريحَتي المِتأم، واستخرجْتُ جلائلَ تيجانِهِم هذهِ التُّواءم عَزَمتُ على قَدِّ هذا الوثاقِ، وسَدًّ سيولِ سَحِّ ذلك الانبثاقِ وكنتُ قبلَ أن مِلْتُ لرَشْفِ المُدامةِ وعدلتُ عَنْ منازلةِ لامَة الملامةِ، وسدا صَفْوُ الصافنِ والقريع، وشِدا فم القريع بالتقريع، وصَبَأْتُ نيوبَ أنوقِ الأملاقِ، وأصبأتْ بدورُ مبادرةِ الانطلاقِ أسائِلُ الأظعانَ، ومَنْ مارسَ المَعْمَعانَ، عن ذي الفضلِ الرَضِيِّ، أبي نصر المصريَ لأفترس أوابدَ إفاداته، وأفترشَ وسائدَ مودَّاته، وأفوزَ بعقيانِ مناسمته الأنيقةِ وأجوز لبستانِ منادمته الوريقةِ، فبينما أنا أجمحُ على غواربِ السرَّاءِ، وأخطرُ في الحُلّةِ السيراء، ألفيتهُ بعيالهِ الخِماص، على قِلاص القماص، وهو يكتنِف الكِسَرَ بأردانهِ، في ميدانِ رَدَيانهِ، ويشابك الكُرَبَ ببنانهِ، بعدَ ارتفاع يفاع بنيانهِ، فأرخيتَ إليهِ خِشاش التقريبِ، وأويتُ لاستقائه من ذلِكَ القَليب، وتأفَفْتُ لاختلاقِه، وخساسةِ أخلاقهِ، وانخراق نُعَيْلَتهِ وإحراقِ نار عُرام عيْلَته، فأسفرَ صباحُ مسرَّتهِ وجأرَ بهُجْرِ هَجْرِ هِجرته، وقالَ لي: يا بنَ جريالَ ما الذي سلَبَ بِزَّةَ جِدَّتِكَ، وقضبَ عِزَّة حِدَّتِك، فقلتُ لهُ: مجاورةُ الجِنانِ، وفَضُّ خِتام الدِّنانِ، وإنفاقُ الحمولِ، ومشاهدةُ الشمائلٍ والشَّمول، فقالَ: وما الذي عزمتَ أنْ تصنع بإنفاقِكَ لنفاقِك، وبإملاقك لو لم ألاقِك، فقلت له: ألجُ في مجاري مجالِكَ، وأدلُج في مخازي مُحالِكَ، وأحذفُ الحياةَ بين نأي وكسرةٍ، حذفَ الواوِ الواقعةِ بين ياءِ وكسرةٍ، فقالَ لي: تالله إنك لَكَمَنْ ضَيَّع نفيع شرابه، وتتبّعَ لموعَ سَرَابِه، أو ما علمتَ أنَّ مَنْ مالَ عَنِ المال مالَ، ومَنْ حالَ في صهوةِ المحال حالَ، فليسَ لكلِّ رائدِ يساعدُ القَدَرُ، ولا لِكُلِّ صائدٍ يضافرُ الظَّفرُ، وليس المتغترِفُ كالمتملّقِ، ولا المتعلِّقِ كالمتأنق لكنْ أنا أسعى لما يُفْقِدُ وبال صِباحِكَ، ويوقِدُ ذبالَ مِصباحِك، ويُظهِرُ أضواء اجتراحِكَ، ويُمْطِرُ غَيْثَ الإغاثةِ براحِك، فارتقبني بُكْرَة غدٍ بدار الأحكام، وَبدَار بدارِ إلى مدارِ الأحكام، لأجعل ندى عيشك بَحْراً، وسُهى معيشتِك بَدْراً، فأصلحُ صحبكَ مَنْ إذا قعدتَ قام، وأحضرَ الالتقامَ وإن غانَ دهرُكَ وعانَ، ازدلفَ لنفعِكَ وأعانَ، وحمدَ لكَ الامتحانَ وحانَ، ولو خفض لكَ الدُّخَانَ وخَانَ، ثُمَّ إنَّهُ سابقَ صريمه، وقَصدَ حريمه وريمَهُ، وحينَ شرَق الفَلَقُ فلاحَ، وكرَّر المحيعِلُ الفلاحَ، بادرت إلى إشارته، رافلاً في شمالِ الشَرَهِ وشارته ثم إنِّي تأخرْتُ إلى أن تقدَّمَ الحاكمُ، وازدحمَ المحاكِمُ، وطلعَ سِنِّ سَيْلِ القساماتِ ودلعَ لسانُ سُهيلِ المخاصماتِ ولمّا انفصلَ عصامُ الخصام، ونصلَ عُصْمُ مِعْصم مخاصمة الأعصام، أقبلَ يُرقلُ إلى المعاش، بمُشاش الارتعاش، تلوَ خَوْدٍ كالزبرقانِ في تِمّهِ، معتلقةٍ بعروةِ كعبةِ كُمِّهَ، فَشَغَلَني عن طولِ طَمَع هِمَّتي العلياءِ، عَرْضُ بهاءِ بهجة نعجتهِ الألياء، ولمّا جَلا جحفلُ الالتحام، وانجلا صدأ حسام حام الاقتحام انغضت البنام، وأيقظت منَ رَقَدَ عن المحاكمةِ ونامَ، ثم إنها حالَتْ في ثَبَج القلق وجالَتْ، وسَلَّتْ سيوفَ إذلالها وذالتْ، وأسالتْ أوديةَ إدلالها وقالتْ: ضوعِف فيض القاضي، المِخْضل الراضي، الخَضِلِ التراضي، الضابثِ المرَاضي، المُضابثِ المُراضي، الفائض الجرواض، النابض الفياض، الجاهض الضِّرغام، الناهض الإضرام، العَريض الأحفاض، الغريض الأحماض، الخضرِم الفضفاض، الضيغَم النضناض، حضَار خضراءِ القُضاةِ، ضبارمةِ غوامض المُعضلات، مُقْرِض النَضِّ، ومبغض البَضِّ، ومُفَيّض الناضبِ، ومغيض القاضب، ومُضِيفِ القراضبِ ومُضيف القراضب، ضيعةِ الاضطرارِ، خَيْضَعةِ الإضرار، خَضَبَتْ ضرائبهُ ففاضَتْ ونَضَبتْ ضغائنهُ فغاضَتْ وضَفَتْ فرائضُهُ فراضتْ، وقَضَتْ أقضيتُه فهاضَتْ، ونضدَ فضلَهُ فأرَّضَ وخَضَدَ مخضلَّهُ فتأرَّضَ، وخَضَعَ لنصالِه المناضِلُ، وتَضَعْضَعَ لضنئه الأفاضل، ونَحض لقضائه الضَّليعُ، ونهضَ لإمضائه التضليع: الخفيف:

стр. 129

فائضٌ قابضٌ رضِيٌّ ضَرِيّ ... صابطٌ ضامر وضيٌّ رِضَام فاضلٌ ناضِلٌ حضين خضمّ ... خائضُ الضَّبح والضرامُ ضرام غض رضا وفاضَ فضلاً وضرًّاً ... ضمَّرَ الضُرَّ فاقتضاهُ انهضام قاضبُ الضَّيرِ والضَّريرِ هَضيمٌ ... هاضمُ الضَّيم والهضيمُ يُضاف حياضُ فضائلِه تفيضُ، ورياضُ فواضلهِ تستفيضُ، وضيفانُه تُضيفُ، وإضغانه تضيفُ، ومعارضتُهُ عريضة، ورياضته أريضة، وحاضرةُ حضرتهِ، ومحاضرةُ خضرة نظرته، خُضُلَّةُ الخُضَعَةِ الخاضم، الضجعَةِ الحاضرِ الجُراضم، أحضرتُهُ لضفف خضعني وقضف قضعني وعرض عضبني ومضض أغضبني، وضر غضضني وضر قرضني وضر خفضني وأبض رضني وبرض مضني وقرض حضني، وفرض أضني ومرض أمرض، وعرض أعرض، وغرَض أنغضَ، وغضارةٍ انقرضَتْ، وغضارة انخفضتْ، وفيض نَضَب، وقَبَض انقَضبَ، وضَرب ضربَتْ، وعَضُدٍ ضَرب اضطربَتْ، فانْقُضْ بقضائك ضيمَهُ، وأرحضْ هُضَيمَهُ، فمحاضرته ناحِضةٌ، ومضاجرتُهُ واضِحةٌ، فلضِغنهِ نَفَضت قاضِمتُهُ، وانفَضَتْ ناهضتُهُ، ومضَى أنْضَادُهُ وأنضادهُ، وانقضى عِضادهُ وأعضادهُ، وانخفَضَ نَحْضُه ومَحْضُهُ، وانقرضَ ومخَضَهُ، خفضُه ومخضُه، وانقبضَ عرضُه وعِرْضُه، وانتفض عِرضُهُ وعَرضه، وفاضَ مُهيضهُ ومهْيضُهُ، وجاضَ إغريضُهُ وإحريضهُ وضيَّع بضاعتَهُ وبضاعتي، وضَوّع ضَراعتهُ وضراعتي، وقَضَمَ بضِرْس قرْضبته مَخَاضي، وخَضَمَ بخَضخْضَة ماضغيه خضاضي، وقرضَ بمقراضَيْ رَفْضِه إرفضاضي، وتعرَّضَ بانقراض قراضي لانقراضي الطويل: وفضَّ نضاري واضمحلَّ وضَرني ... بضرَةِ ضَرٍّ مَضَّ ضَيْري ببغضِها وهاضَ اتِّضاحي وافتضاحي ورضَّني ... ضرائبُ ضَيْم ضاق ضبعي ببعضها قالَ: فلما روَّقَ غَسَقُ قضيّتِها، وتروّق قَرْقَفُ ضُروبِ ضأديّتِها وختمتْ بديغَْ ماذيِّها، واَنْحَسَمَتْ ذوائب أواذِبِّها، وقتلَتْ بردفها الضخم وتقتَّلَتْ بنُطقها الفَخْم، قال له: ما تقولُ فيما عطبولتُك تقولُ فإني لأظنها منَ الصادقينَ، فكُنْ فيما تقولُهُ منَ المتقينَ، قبلَ أنْ أتلو تلاوةَ الفاغرينَ، ولئن لم يفعلْ ما آمرُه ليسجنَنَّ، وليكونا من الصاغرينْ، قال القاسمُ بنُ جريالٍ: فأرهف سنانَ انزعاجه، وثقّفَ خِرصانَ انعياجه، وكثَّفَ عِثْيَرِ عجاجهِ، وهَدَّفَ درر احتجاجهِ، بعد أنْ أنَّ وانتحبَ، وهنَّ وانتخَبَ، وقال: حَفِظَكَ للظالع الظليم، وأيقظَكَ العظيمُ لتعظيم التعظيم، وبَهَظَ بمظاهرتكَ الظالم ودلظَ بظبىَ مناظرتِك المظالمَ، وأظهرَ لَظى تيقُّظكَ الواظبِ، واستظهرَ ظَرْفُ تحفّظِكَ المواظبِ، وظفَّرَكَ لمحافظةِ العظاتِ، وأنظركَ لملاحظةِ الظُّلاماتِ، ونظرَ ظليفُ ظلالِكَ، ونظَرَ ظليفُ ظِلالكَ الظاهرَ، وشظمَ إيقاظَك المتظاهرِ، ظفِرَتْ ظرافتُك فتكظكظتْ، وظَهَرَتْ نظافتُكَ فَتَدَلْظتْ، ونَظَرَ ظِلّكَ فعظَّم، وحظِي حَظلك فتعظم، فانظرْ لحظل أَظَرَّ بتمظيغ ظعينةٍ غليظة، شاظِفَةٍ وشيظة، حَظَرَتْ حظ حَظِّها وتفظّعَتْ وفظَّعَتْ فظاظة ظأبها ومَظّعَتْ، وتشظَّى لحظِّها الظَّلِفُ والشَّظيفُ، وظعنَتِ الوظائفُ والوظيفُ، وأفاظَ الطلفُ والأظَلُّ، وأظلَّ حَنْظَلُ الحفيظةِ وظَلَّ، وظهرَ المظاهرُ وفاظَ، وظفرَ ظُفْرُ عَظِّ العظيمةِ وغاظَ، وجُعِظَتْ الظَهرة والمظهرونَ، وأُجْعِظَتِ الظواهرُ والمستظهرون، فلعظم عَظْعظَةِ أَلظاظها، تعظَّلتْ غِلاظُ إِغلاظِها، وتدلَّظَتْ عظائمُ أوشاظِها، وما ظَظتْ بفَظاظِها لِظَعْن ظِعان حفاظِها، وأحفظَها قَيْظ شِواظها، لظهار انعاظِ شِظاظِها، ووظِرَتْ عكاظُ تعَظُّمِها، بظهور ظُرَر تظلُّمها، وتظاهرَتْ بظَلَفها، لِشَيْظَم شِنْظير شظَفِها، فلظلظَني غِلَظ لَفْظ نظمها، وغاظني عِظَمُ ظُلْم ظَلمها: الخفيف: ظَلَمْتَني وظلّمتني فحظّي ... مُظْلِمٌ عِظْلِمٌ عظيمُ الظَّلام كظّني الكَظْمُ والكُظومُ فغَنْظي ... جاحِظٌ باهظ فظيعُ النظام فادْلُظِ الظُلم والكِظاظ فظهري ... ظاهرُ الظُرِّ غنْظُبِيِّ العِظام

стр. 130

فحينَ شَنّفَ بشُنوفِ ظائيتهِ، وشرَّفَ بانسحابِ سحابِ سحبانيتهِ، وحسَمَ مادَّةَ غضبه، وطسمَ عيونَ عيونِ صَخَبهِ، وقفلَتْ سمائمُ سُمومهِ، وأفلَتْ غمائمُ غُمومهِ، قالَ له القاضي: اصبر لحظِّكَ الفاركِ، وحِقِّ حِقِّكَ الباركِ، واتَّخِذْها صِفوة المباركِ، واعلَمْ أنَّ الإنجاب أولادُ الفواركِ ثم ما الذي تشكو لأزيلَ شكواكَ، وأعطِفَ عُنُقَ الإعانة لعدواكَ، وأستعطفَ لك قلبَ أمِّ مثواكَ، فقال: لستُ أشكو إلاَّ منَّها ومَنَّها، وحُبَّها لا لا إنَّها ولأنَّها، الخفيف: جَذذتني بجَيْش جَذٍّ فجذي ... غِبّ بَغَضيْْ يَجزّ خفظيَ بخفضي تتجنَّى بغُنْج جَفْن فجفني ... نَشَجٌ ثجَّ بَيْنَ قَضٍّ فغَض تتثنى فتنثني بقضيبٍ ... قضف يجتني تبيغ غضي ضيفتني بفيض غيظ بغيض ... خشِب نيفٍ بضيفنِ بغض شنفتني بشنفِ شِف فبثي ... بث فذ يبيت ضيف تقضي شتتني ففتتني فقضني ... في ضجيج يبتز بضي بفض شيَّبتني فشيْبُ شيبي بشغْب ... غَيْثِ نَقْض يَقضي تَشَظي نُقْضي قال: فلمّا حَسَرَ وجوهَ عُقودِ جُماناتِه، وكَسَرَ سَوْرَة وقودِ وقودِ أنَّاتهِ، وشرَقَ قَمَرُ مشارقِ آياته، وتُحقّق عدمُ عَدَم نَقْطِ حروفِ أبياتهِ، بكى الحاكمُ والحاضرون، وشكا له من نوازلِ الزمنِ المحاضرون، وحين فاحَ فائحُ فلاحه، ولاحَ كوكبُ صُبح صَلاحهِ، وأجنَتْ شجراتُ آمالهِ، وأينعَتْ ثمراتُ إعمالهِ، تألَمتْ لميلِ الحكم إليهِ، بعدَ أنْ كانَ مائلاً مع الزمان عليهِ، ثم إنَّها نظرتْ نظرَ اللبيبِ، وشَرَقتْ شمسُ شِقْشِقَتها والنزيبِ، وصكَّتْ بكفّها الخَضيبِ، ديباجةَ خدِّها الرطيبِ الخصيبِ، ولمَّا انهمَّ سَمُّ ذلك الجام، وهمَّ جَمُّ جَحْفلِ حَجَّتِها بالإحجام، ضارعَتْ سَحَّ ذلكَ الانسجام، بأبياتٍ عاريةٍ عن الاعجام وقالت: البسيط: كم حكَّمَ الدهرُ حُكّاماً وعلّمهم ... مَعالمَ الحُكمِ والإحكامِ والحِكمِ وكم هَوَوا وهَوُوا أهواءَ واطَّرحوا ... أوامرَ الرُّسْل والإسراءِ والحَكَم وكم سَعَوا لطِماح طالح وسَدَوا ... لحاصلِ الحرْص كالمِرْسالةِ السَّدِم وكم سَهَوا وسطَوا عمداً وطَحْطَحَهم ... معسكرُ السَّامِ والأرماس والسدَم وكم علوا معهداً عَدْواً وما عَدَلوا ... وطالما عَدَلوا للحِرْم والحَرَمِ وكم واصلوا مَطْمعاً حِرْصاً وكم ... حَرموا وصارموا رحم المحرومِ والحُرم لو حاولوا عَذْلَهُم ما آل حالُهم ... حالَ المَعادِ لِهَصْرِ الرأس واللِمم آهاً لهم لو رأوا ما سرَّ مسلكُهم ... لهلمموا هادماً للّوم واللَّمَم

стр. 131

قال الراوي: فانهمرَ غينُ عينِ الحكم وعبَرَ، واعتبرَ بمَنْ عبرَ واستعبرَ، ورَثى كلٌّ لحالِهما، ولم يشعُرْ أحد بمُحالهما، ثم إنَّه جَثَا جُثوة النّصَّار، وحثالهما حفنة من النّضَار، فخرصَتْ ذيّالكَ المعينَ، فكانَ سبعةَ أتساع تسعةٍ وسبعين، ثم إنّه غاص في لجَّةِ الحِزَقِ وحاص، وحاصَ عن مهيع المعاهدةِ واعتصاصَ، فحثَّني الحِرصُ على تعنيفه، وضَمِّ رفيق مرافقه إلى عنيفه، فامتطيتُ عَوْداً عَجمْتُ عودَ إقدامه، واستعجمتُ عن جوابِ مستامهِ، وأقبلتُ أتلوهُ كاليعفورِ المعفَّر، إلى أنْ آن اجتلاءُ الجونة في المُعَصْفَرِ، فألفيتُهُ عند عواءِ الوحوش، بخانٍ خالٍ منَ الحروش، خاو على العروش، فنزلتُ بالقلب الهالع، نزولَ الهوالع، وبرداءةِ الطالع عن أضالع الظالع، ثم بادرْتُ إلى تأنيبه، وذمّه على مَيْنهِ وتأويبه، وقلتُ لهُ: تَاللهِ لا أنتجعُ هتونَ اتّهابكَ، ولا أجتمعُ بعدها بكَ، أو يصيد السوذقَ ساقُ حرّ، ويُفيدُ الاختلاعُ برقبةِ مَنْ تحتَ حُرٍّ، ويوافق المهذب الوسيط ويُغَذِّي المركبَ البسيطُ، وتشرَبُ الوكنات بالمُغارف فقال لي: يا بنَ جريالٍ كيفَ يحظَى بحاجته، مَنْ لَمْ يفِدْ بإجابتهِ، أم كيف يظفَرُ بتجابته، مَنْ لم يَصِدْ بنجابتهِ، فأنَّى تطمعُ أنْ تكون في المغارم، كالمحلِّل الغانم لا الغارم، فدعْني مِنْ هذا السَّفَاءِ، وسِفِّ فَم فعلكَ الفأفاءِ، فإنِّي مختصٌّ معَ الكاعب اللفَّاء، بشطْرِ هذا اللفاءِ، اختصاص جوابِ الجَحدِ بملازمةِ الفاءِ، ثم إنَّه لبّق قلبي واستمالَ، وحبَّقَ خُلقانَه والشمالَ، ولَبَقَ قلبَهُ والمقالَ، وحَبَق بي مستهزئاً وقالَ: البسيط: احذر فديتكَ أنْ تُلفى أخا طَمَع ... يُلقيْكَ في طَبَع ناهيكَ من طبع والبس مِنَ اليأس سِرْبا لا تُزانُ بهِ ... فالعِزُّ في اليأس والإذلالُ في الطَّمَع قال: فانثنيتُ عارياً منْ وبيلِ مننهِ، كاسياً من سرابيلِ سُنَنهِ، بعدَ أنْ فَرَرْتُ من عوالي نَكْر نُكْرهِ إذ عوى لي، فرارَ الصَّلَع من الدوالي، لعلمي أنَّ سِلْمَهُ مِنْ أنفعَ الدوالي. المقامةُ التاسعةُ والأربعونَ الجزيريّةُ

стр. 132

حكَى القاسمُ بنُ جريال، قالَ: اجتويتُ جيرونَ عاماً لا عِلّةَ بهِ قَطّ، ولا جبذَ زِمامَ نوقِ مَنْ أحِبُّ بهِ الشَّحْط، وأنا في شَرْخ شَبَابٍ ما شابَه الوَخطُ، ولا خالطَ خطَّ عِذاري شَكْلُ البياض ولا النَّقْطُ، فخَرَجْتُ بقلبٍ منَ الجَوى وَجِل، ومَنسْم إلى الوَجىَ عَجِل، لا أتشوَّق إلى مرافق، ولا أتوقَّفُ على قَرقفِ موافقةِ موافق، فحينَ ظَهَرَتْ ثنيةُ العُقاب، وعَقَرَتْ بفَم الرِّحلَةِ ثنية الأعقابِ، أقبلتُ أتقلّدُ قلائدَ الدموع، وأتردَّدُ في ركوبِ رَكوبةِ الرجوع، ولم أزل أتذكّرُ نوائبَ السَّلفِ، وأتوقَّعُ توقيعَ ديوانِ وقائع التلَفِ، إلى أنْ شاهدْتُ المُناخ واتخْتُ الشَّدنيَّةَ مَعْ من أناخَ، فقُمْتُ حينَ رقَدَ التوقّدُ وباخَ، وتسنّمَتْ سُلامي النسيم السباخَ، لأصطفي صديقاً يُعادلني، أو أرتادَ رقيقاً لا يجادلني، فألقيتُ أبا نصر المصريَّ ينتجعُ شآبيب المعادلة، ويختلعُ رعابيبَ الخاتلةِ، فجنحتُ إليهِ جنوحَ مَنْ حظِيَ بربح نجائهِ، ووقَفَ مِنَ الأملِ على أرجائهِ، وأيقنتُ أنْ قَدْ فُزْتُ بلقائه، وإنْ كنتُ لأجِدُ ريحَ يوسفِ الحَذَرِ من تلقائه، فلمّا ألبسَني حُقل حِمْلاقِه، وألبستُ بَصَري قميصَ إملاقه، مالَ إلى مصافحتي، وأذكرَني أيام مناوحتي، ثم قالَ لي: إلامَ تركبُ التلاتلَ، وتصحبُ المخاتلَ، وتقلقُ المَقاتلَ، وتقلقلُ المُقاتلَ، فقلتُ لهُ: إلى أنْ ينشرَ مَيْتُ إفاقتي، وتُطوى من أجزاع الجزَع دروعُ فاقتي، ومعَ مفارقةِ منْ ضمَّهُ صيْرُكَ، وعمَّهُ عصيرُكَ، فإلى أينَ مصيرُكَ، وبأيّ البُقع يستجمُ قصيرُكَ، فقال لي: بلغَني ما تعطّرتْ بذكره الأكنافُ، وتشوَّفت بصنوفِ أوصافه الأصنافُ، وتشنَّفَتْ به الأسماعُ، وامتدَّتْ إلى طِيْبِ طيبهِ الأطماعُ، من وصفِ الجزيرةِ العمريّةِ، وأرجَ أخلاقِ قومها الشِمَّرية، وما حوَتْ منَ الصفاتِ، والأحكام المنصفاتِ، فحملَني الشوقُ الشديدُ الشامخُ، والتَّوْقُ المَشيدُ المتشامخُ، على أن اتضمَّخَ بصعيدِها، وأتشرَّفَ بوصيدها وصِيْدِها، علَّ أنْ أستخرجَ من عُباِبهم جمُانةً، أو أضَّمَ إلى سَفَطِ ما جَمَعْتُهُ مرجانةً، فقلتُ له: متى تخِذَتِ المجرّةُ للكرم جسورا واتَّخذَتِ الخُنسَُّ خوفَ الجلَل سُورا، وقَلّدَتِ الصفائحُ بالمِنَح نحوراً، وضمت الجزائرُ بحوراً وحوراً، فقال لي: سُبحان مَنْ سَلَب سَنا حِسِّكَ السليم، وألجأِ عوج حَدْسِكَ إلى العتابِ الأليم، وأحوجَ عَوَجَ نفسِكَ إلى ثقافة التعليم، ذلك تقديرُ العزيز العليم، ثم قال لي: هل لكَ في الموافقة إليها، وكثرةِ نثارِ هذه الأثنية عليها، لأنسيك مُرَّ انقطاع الرضاع، بحلاوةِ ارتضاع هذا الإيضاع، فقلتُ: من لي بأنْ أحمل ترابَ شراكِكَ، ولو نشِبتُ في شَطنِ إشراكِكَ، وأنسلكَ في علاط عيالكَ ولو رميتُ بسِلاطِ اغتيالك، ثمّ لَمْ نزل نَسري لسَرْوها الرائق بينَ الطرائقِ، ونقطعُ عُرَى العلائقِ، خوفَ العُذْرِ العائقِ، إلى أَنْ قبَّلَ فَمُ فِرسن الدرفسة سقلانَ وتقبَّل أرْيُ المرافقة ذلكً الجُلجلان، وحين ابتهجنا بمفارَقةَ اليَهماء، وولجْنا بابَ سورها السامي على السماءِ: البسيط: ألفيُتها بَحْرةً بالبحرُِمحْدقَةً ... كأنَّها دُرَّةٌ في لُجِّ مُنْهمر أو جَوْنةً قُلِّدَتْ بالشهب لَبَّتُها ... لتجتلا بالعُلى يوماً على قَمَر ثم أخذنا بعدَ تحصيل الغَريفِ، ومدح دَوْحِها الورَيفِ، وحمد زيارةِ جودِّيها الشريفِ، نسبرُ مُرَسَ مراسِها، وشرفَ لِباس باسها، وعدم أدناس ناسِها، فلم نرَ إلاّ مَنْ يطيرُ بالقوادِم، لإسعافِ القادم، ويصافحُ بالعقلِ الثاقبِ، أناملَ الثواقبِ، ويُبرمُ قوى الأمراس، ليوم المِراس، ويُخمدُ أنفاسَ الخَرّاص، بالرُمح العرّاص، لا يلحقُون بحلبةِ محادثةٍ ولا يبرقونَ لحدوثِ حادثةَ محادثة، همهم إرغام المناخر، وإنعاشُ الرميم الناخر، وكسب المفاخر، وفتُّ فؤاد المفاخرِ، يُخْجِلُ نورُ إحكامَهَا القمرينِ، ويعدل عدِلُ حُكّامِها العُمرين، لا تنظرُ سوى أندية بالمناظرة موصوفةٍ، أو نمارِق حِكمٍ فوقَ قُرشُ المنافرةِ مصفوفةِ: البسيط: كأنَّها جَنّةُ المأوَى وساكنُها ... حُوْرٌ حَوَتْ حُسْنَ أحكام وإحكام

стр. 133

لا يخفِضُونَ نزيعاً حل رَبْعهُمُ ... بل ينصبون بأنعام وإنعام فيها الأذانُ وفيها للطِعانِ مَعاً ... مذ يُعرفون بأعلام وإعلام لا يسبقون إلى العلياءِ إذ سَبَقوا ... كلَّ الأنام بأقدامٍ وإقدام قالَ: فطفقتُ تدورُ لدينا فواكِهُ مفاكهاتِهم، وتسيرُ إلينا مناسمُ مناسماتِهم، ونحنُ نمرج في مروج افتنانِهم ونمرحُ، ونسرجُ عناجيجَ المَرَح، بلا حبِ إحسانِهم ونسرحُ، حتى صرنا مِنهم كاللازم من الملزوم، واتصلْنا بِهم اتصالَ الحازم بالحيزوم، وبينما نحنُ نشمخُ بشامخَ ذاك الحُدورِ، ونسمحُ بكاملِ بدورِتِيكَ الخدورِ، إذ عنَّ للخواطرِ، الطلوعُ بالعطر الماطر إلى الظواهر، بالقصفِ الظاهرِ، مشفوعاً بالقناني، والرحيق القاني، ولمّا بركتْ بنا أيانقُ القعودِ، وزمجرتْ علينا أسودُ الرعودِ، وأخذتِ السماءُ في الانتقابِ، وجعلت الشمسُ تنظرُ من خِلال النقاب، وسلّتْ سيوفُ السحبِ على مَدَرِها، فسالت أوديةٌ بقدرِها، أقبلتُ أفكِّرُ في الدرانكِ السُندسيّةِ، والطنافس السونيّةِ، ومدائنِ المنادمةِ مفتّحةَ الحصونِ، والطيرُ يشدو لرَقْص أعطافِ الغُصون، والغلائلُ تعبَثُ بها أيدي النسيمِ، والزهرُ قد عَمَّمِ رؤوسَ التسنيمِ، والبهارُ كالعاشقِ في انتظاره، والعبهر يبهر بلجينه ونضاره، والجسد فوق زلال مائه، كالعلم الراقي على ملائه، والسفنُ ترقُصُ على تصفيقِ الماءِ، رقص الغواني في إيقاع الغناءِ، والبقعةُ مع لُطفِ جَهْرِها والسِّوادِ، كالعروس المجلوةِ في السّوادِ: البسيط: كأنّها مِزْهَرٌ في حِجْر غانيةٍ ... موصوفةٍ بغناءِ طائل الطَرَب أو غاده لَبسَتْ غِربيب حُلّتِها ... من غير ما حَزنٍ منْها ولا حرَب

стр. 134

قالَ: فلمّا بلونا سبائكَ بَهارِها، وجَلَوْنا وجوهَ عرائس أزهارِها، تخيرنا وهدةً لزَفْنِ القيانِ، وروضةً لإدارةِ العقيانِ، تجاه جماعةٍ التحفوا بريطِ المطارحةِ، وأتزّروا بإزارِ المناوحةِ، يتدفَقُ حُلْو رحيق تحقيقهِم، ويترقرقُ برقُ جُلِّْ جَزلِهم ورقيقهم، ولما مارتْ أكوابُ مُسطارهم، وحَمِدوا سحائبَ أمطارهِم أحببنا استنشاقَ ألنجوجهم، واختبارَ نطقِ حَبرهم وعُلوجِهم، فقلنا لهم: هل لكم في ارتشاف شمطائنا، والانعطافِ لقطافِ زهرِ وطائنا، فقالوا لنا: تاللهِ لقد رقشتُم بأقلام أوفاضِنا، ورشقْتُم بسيِّ قِسيِّ وفاضنا، واعتقلتم رماح مستفاضنا، واعتلقتُم بقُوى أسبابِ أغراضنا، ثم إنَهم نهضوا من حالهم مرتاحين بحلاوةِ ارتحالِهم، فذكرَ كلّ حديثِ قديماً، وقبل كلّ نديم نديماً، وحل حَلَلنا محلَّ شِقهم وأقبَلنا عَلى نقلِ نُقْلهِم وزقِّهم، ملنا إلى شيِّ الكبابِ، وغيِّ الحَبابِ، ونشر الحِبابِ، وطَيِّ الضِّباب، حتى نصفنا المدامةَ، وعَرَفنا باقلَ القوم من قدامةَ، ولما ثارتْ زَعازعُ نزاعِهمِ، وأثارَتْ هُوج المناظرةِ خرائدَ اختراعِهم، تململ منْ بينهم أتيّ، ظاهرُ الفصاحةِ فتي، وقالَ: يمين اللهِ لقد غُلّتْ يدُ البلاغةِ بعد النواخر واعتلّت أجسامُ المفاخرةِ بين الأواخر، وعادتِ الدرَرُ إلى أصدافهاِ وزاحمَتِ البهائمُ الدُولَ بأَكتافِها، حتَّى لم نَرَ مَنْ يفوهُ بألوكة غريبِةِ، أو يَتِيهُ بوشي صناعةٍ غربيبة، قالَ: فلمّا طافت علينا سُقاة قاله، وتجافتْ جنوبنا عن مضاجع صِقالهِ، وذَوَتْ بُستانُ مسرّتنا الخضراءِ، وانزوِت أرجاءُ أرض نضرتِنا الغضراءِ، أقدم أبو نصر للحديثِ المسحَنفِر، كالغيثِ المثعنَجِر، وقال لَهُ: يا ذا المقْوَلِ الضَاربِ، والمخضَل المُضَاربِ، هلاّ ردعْتَ طلائعَ بدعِك وقد وقدعت بعيضَ عارض سَرعك، لئلا تسير بمنعكَ، سيرَ واخد، وتسوق الورى بقطيع واحدٍ أو ما علمتَ أنَّ بحضرتك، وحوزةِ محاضرتكَ، مَنْ تُزَفُّ عليه أبكارُ البدائع، وتَزِفّ إليهِ حمولةُ حسنِ الثناءِ الذائع، وتمنحهُ الفِكرُ بحسانِها، وتنقادُ لَهُ الزُّبَدُ بأرسانِها، إن قامَ لمعنىً بهرَ، أو أقامَ بمغنىً اشتهر، وأن تلفّظَ بقريضِه، فضحَ الأفاضلَ بإغريضهِ، أو ترنَّمَ باختراعهِ، بلبل البلابلَ بأسجاعهِ، ثم إنّه أدار نظرَهُ عليَّ، وغمزَ بحاجبهِ إليَّ، وقالَ: ها هو بازائكم، والمُجالسُ على مُزّائِكمَ فإن شئتُم أن تبصُروا لؤلؤَ فِصاحهِ، فسارعوا إلى معرفةِ إفصاحهِ أو تَخبروا قِرواحَ قِراحهِ، فبادروا إلى حلِّ حقيبةِ اقتراحهِ، قال القاسمُ بنُ جريالٍ: فأقبلتُ عليهِ، وأقتلتُ مِمَا أشارَ إليهِ، وقلتُ لهم: قَسَماً بمَنْ حَرَم الحَظ المنيحَ، وحرَّمَ على الشحيح المديحَ، إنّهُ لمدرج هذهِ الجبوبِ، ومخرجُ هِتِهِ الريح الجَنوبِ، ومستخرجُ نُقودِ النُخبَ مِنْ هذي الجُيوبِ، الذي أدهشَ بنفائس حوبائهِ، واحتوشَ الحِكمَ إلى حَرمَ حِوائهِ، وترك كلاً يصبو إلى وشائه ويحشو بعرَ شائه بإنشائه، وأننِّي لدى تبره الخالص، وبحرهِ الغائص، كالدرهم الردي، والدرِع النّدي، وأنّهُ مِمَّن يقتلُ، ولا يدِي، ويصيدُ الأفاعي على يدي، فإيّاكَ وأن تصطلي بنارهِ، أو تبتلى غَواربَ تيّارهِ، فإنّه إنْ شَربَ شَربِ خابيةً، وإنما أخذ أخذ أخذةً رابيةً، فقال لَهُم: أرى كلاً شاهداً لرفيقهِ، قاصراً عن صعودِ عَقَبةِ فِيقه، عاجزاً عن مدِّ شعر أفيقهِ، قال: فزجرَهُ القومُ على مسيلِ ثقاله، وفكِّ عقالهِ في مقالهِ، وقالوا له: أنت يا هذا قدمْتَ بالأمس، بعد مفارقةِ الخْمس، ولم تعرف الضبارمة من النمْس، فكيفَ تَحاربُ العقاربُ السودَ، ويضارع السَّيد المسودَ فأخضعْ لفيضَ فضيلهما، ولا تمتر في إصابةِ نَبْلِ نَيْلِ نُيلهَما، قال: فأنه اكتأبَ لفَرَطاته، فعطفِ ليتَه إلى قَطاتهِ، وجعل يفكرُ في وَرطاته، بعد أنْ عظُمَ عليهِ وشقَّ، وقدَّ قميصَ يوسفِ سرورهِ فانشقّ فلمّا عرَفَ أبو نصر ضيقَ صَدرهِ، وطلوعَ غمائم غَمْغَمَةِ فِكرهِ، أخذَ في تغميزِ قَدَمه، وتمزيقِ زيقِ ندمهِ، وقالَ لهُ: أدنُ بحياتِكَ إليَّ، واقترحُ بما تحبُّه عليَّ، لئلا يعُمَّ صفوَ صحونا نَغَصٌ ولا يَضُمَّ شحرور انشراح قلبِنَا قَفَصٌ، ولتعلم أنَّ كل فصيح إلى وصيدِ إفصاحي يَصيرُ، وكلَّ بليغ تحتَ ألويةِ جيوش بإنشائي يسيرُ، فقال له:

стр. 135

أحبُّ أن تَبْتَدِعَ رسالةً تثقِّف مَيْلَ ظنِّ كُلِّ مائلٍ، وتُمزّقَ لسان لسانِ كلِّ قائِلِ، يكون آخرُ حرف من اللفظةِ الماضيةِ، كأولِ حرف من اللفظة التالية، لا يشوب شرابها لمعُ سراب، ولا يصوب بصوابِها إنصاب صاب معربة عن أشواق صادحة، وأتواق فادحة، وأشجان طافحة، وأحزان لافحة فقال: حباً لأمرك الكريم وحرم أربك المنزه الحريم، ثم إنه وقف قيس تعريس أو حلب ثعل عنتريس وقال له: أكتب: جدد دوام مجلس سيدنا العالم. ملك كرماء الزمان. نافع علماء الأوان. ناقد درَر رواءِ البيان نظام مَجرة هالة هذا البرهان ناسف فناء السفاء، الواسع عداء العَطاءِ السماء الخنذيذ ذا الرداء الجذيذ. ذو وجب بحضرته هناءْ النمو. وانسكب بها امتداد دأماء الدنوِّ وهطل لنا أنواء أحياء الحنوَ، وعرب بطلوع عز زهوهِا اعتداء العدُو. وأغرب بمدحِها ألسن نماء السموُ، ولالاهَ هَم معادِ دعَيِ، يانعٍِ عرواء أعضاءِ البطش شقي، يرفضُ ضياء بإحسانها المحذو ويكفر رَفَدَ دوم مدد دَرُها المرجو. والخادمْ مملوك كرمِها أصدَرَ رسالته هذه هادمة هُوةَ هفوتهِ. هاتمة هامة هامة هِزلاع عثرتهِ. هارب بخطا الخطاء إليك كاسر رديني يدداء الزَلل لديكَ: الطويل: بُّ أن تَبْتَدِعَ رسالةً تثقِّف مَيْلَ ظنِّ كُلِّ مائلٍ، وتُمزّقَ لسان لسانِ كلِّ قائِلِ، يكون آخرُ حرف من اللفظةِ الماضيةِ، كأولِ حرف من اللفظة التالية، لا يشوب شرابها لمعُ سراب، ولا يصوب بصوابِها إنصاب صاب معربة عن أشواق صادحة، وأتواق فادحة، وأشجان طافحة، وأحزان لافحة فقال: حباً لأمرك الكريم وحرم أربك المنزه الحريم، ثم إنه وقف قيس تعريس أو حلب ثعل عنتريس وقال له: أكتب: جدد دوام مجلس سيدنا العالم. ملك كرماء الزمان. نافع علماء الأوان. ناقد درَر رواءِ البيان نظام مَجرة هالة هذا البرهان ناسف فناء السفاء، الواسع عداء العَطاءِ السماء الخنذيذ ذا الرداء الجذيذ. ذو وجب بحضرته هناءْ النمو. وانسكب بها امتداد دأماء الدنوِّ وهطل لنا أنواء أحياء الحنوَ، وعرب بطلوع عز زهوهِا اعتداء العدُو. وأغرب بمدحِها ألسن نماء السموُ، ولالاهَ هَم معادِ دعَيِ، يانعٍِ عرواء أعضاءِ البطش شقي، يرفضُ ضياء بإحسانها المحذو ويكفر رَفَدَ دوم مدد دَرُها المرجو. والخادمْ مملوك كرمِها أصدَرَ رسالته هذه هادمة هُوةَ هفوتهِ. هاتمة هامة هامة هِزلاع عثرتهِ. هارب بخطا الخطاء إليك كاسر رديني يدداء الزَلل لديكَ: الطويل: كئيب به هم مقيم مقلقل ... له هدة هالت تلاتلها البشر رسا أسها أيام مارس سمها ... أخو وله هاو وحقك كالأثر رهبانية هفواته هامية. هِزة همهمة همومه هائلة. هدد دلالك كلام مغناه هَزه هوان نهنهه هِجاء الصلف فما أغناه. هبر رئته هلال لواء الاغتراف فأضحى يرقب ببصيرة هدايته هلالاً لألأ لأواء الاعتراف: الطويل: فها أنا أرجو وسع عَفوك كلما ... أسا الحلم ما أهفو وصفحكَ كافل ليجمعنا إلٌ له همة هَمَت ... تلألأ، لا لاغ غلامك كامل لو واصلني يوسفْ فتاءِ العِلاء، لأتيتْ تائباً ألتمس سناء العْلو والعفو. وأضرب بهذا اللقاء أقفاء الهفو والسهو والسلام: قال الراوي: فحين زَفَ عرائسَ الإرادة. وحفَ وحفْ أفنان، الإفادة، وضم تليل الشرفِ إلى دسيعه، ومَنَ بدرياق الملاطفةِ على لسيعهِ. وعلمَ من لفظ ماذي فضله المذاب. إشارته إلى تساوي الرؤوس والأذناب. أفعم وعاء علمه ثناء. وسماءُ سنى مسرته سناءَ. وثبتَ ثَبتْ براعته لديهم، وعكفت راح راح عبارته عليهم، ولما آن حِينُ الذهابِ، وحانَ حلولُ الفاحم الإهابِ، رفلَ في رداءِ ظرْفهِ واستدعاني بكفِّ كَفِّ طَرْفهِ، وقالَ: اعلم أنَّني عازمٌ تَرْكَ هذا الملحوب، وفَرْك سَراة شَرَاةِ سُرحوبِ هذا الحُوبِ، بعدَ أنْ أقلبَ له العَنْبرَ، وأقصدَ بَلْعَنْبَر، لأمر عَناني فإنْ كنتَ تُحِبُّ محالفتي وترومُ، فأنا مِمَّنْ يضمُّ شَمْلَهُ الرُّومُ، ثم إنَّهُ اَنخرطَ بسناسنه العُوج، بينَ المروج، انخراطَ البهلولْ والأرقط الزّهلولِ، وخلّفني ألاّ أذُمَّ ألفَهُ، وخلَّفني خَلْفَه، كفصيلٍ فارقَ خِلْفَهُ، فكنتُ كَمَنْ أودَعَ قلبَهُ السِهام وخِلبهُ السُهامَ، وأسبلَ ثجَّاجَ دمعه والرِّهَامَ، وخَرَجَ مِنَ الجنَّةِ وهَامَ.

стр. 136

المقامة الخمسونَ اليَمنيَّة حدَّثَ القاسمُ بنُ جريال، قالَ: صَلفْتُ حين واجهتني شَوائبُ المشيبِ، وشافهتني شِفاه الغدائر الشّيْبِ، وقاطعتني شمائلُ الشبيبِ، وواصلتني عقائلُ الهرم القَشيبِ، مجاولةَ السَّلاهبِ، ومحاولة الأصاهب، واجتلاء العواتكِ، وابتلاء الرواتكِ، والتئامَ الدساكرِ، والتحامَ العساكرِ، وأنا ذو رفاهيةِ، وفراهيةِ غير متناهيةٍ، أسوفُ إنابَ الملاعبِ، وأطوفُ بكعبةِ بيتِ الكواعبِ، أظَلُّ بين سِدْرِ المُساهرةِ وسيالها، وأملأ ذنوبَ المسرةِ إلى أسبالِها، فقلتُ حينَ رهنت النُّخَبَ في رهاني، وأرهنتُ النظرَ فيما ازدهاني: الوافر: رعاكَ اللهُ منْ شَيْبٍ نَهاني ... عن اللهوِ المزهرهِ والهوان وألهمني الهداية بعدَ عَشرِ ... وتِسْع في ثمانٍ مَعْ ثمان وأنساني التدهدُه في الدواهي ... وإدمانَ الدنادن للدنان وعوّضني عن الكاساتِ كَيْساً ... وتجويدِ المثاني بالمثاني وأغناني عن الغادات رَغْما ... وتغريد المعاني بالمغاني وحوَّلني خلائقَ لم أخلها ... تُخامرُ خّلِتي خَلْفَ الخِتانِ

стр. 137

ثم إنَي رجوتُ نشورَ الطَّاع، وقبضتُ منشورَ الإقطاع بالانقطاع، وأخذتُ أزحلُ عن المحدوج، وأرحلُ واحداً عن الحُدوج، علىَّ أن أظفَر بعد هياج الخَبَبِ والخُبوبِ، والقيام على ساقِ السَفَه والظُنبوبِ بمَنْ زهِدَ في الحُطام، وعَبِدَ من عبادة ذلك الالتطام، وطلَّقَ الدنيا وأشاحَ، وأعرضَ عن عَرَضِها والتاجَ، لأجعلَهُ جَوْنا لِظُلَم المتشابهاتِ، وعَوْنا لقَدْع شهواتِ الشبهاتِ، وبُراقاً لميدانِ الغايةِ، ودرياقاً لأفعوان الغوايةِ، فبينما أنا أمور مورَ الذعالب، وأغورُ غورَ الثعالب، ألفيتُ سريّة تسوحُ بأسنتها، وتروح ريح ريح المرَح بأعنتها، قد صرموا مصارم الرياس، وحصرموا أوتارَ القياس، منكبين عن الغزارةِ، متلببين للإغارةِ، تحكي المجادِلَ في ركوبها، والجنادلَ في كروبها، والبوارقَ في ذهوبها، والزعازعَ في هبوبها، فحينَ شاهدتْ غُباري، وشارفت غواربَ إغباري، بادرتُ إلى كفِّ مرامي، وكسفِ اجترامي لاَجترامي، ولم يبقَ سوى اللزوم، والأخذِ في الحُزوم على الحيزوم، فجعلتُ أنبسطُ وانقبضُ، وأرتفعُ وأنخفضُ، إلى أن ركضَني رئيسهم الأليسُ وهمامُهم الأهيسُ بسَاقه، وجمعَ بين وجوهِ الهربِ وبُساقه فانتقدتُه باللحظِ الصفيِّ، انتقادَ الصيرفيِّ، فإذا هو الغيثُ الغضنفريّ، أبو نصر المصريّ، فخبا عند ذلك حريقي، واغدودق بريقي وريقي، ثم قلت له: بفم مَنْ بلطفه استدلَّ، ورَفَلَ في ذلاذل المذلَّةِ وذل أما يعِظُكَ واعِظُ الهرَم، ويزجُركَ مؤدِّبُ النَّدم، وتوهنك خلائقُ الاختلاق، ويحزنك فزع يوم التلاقِ، فإلامَ تقطَر الكَميَّ، وتكدِّرُ الزاخر والسُّمِيًّ، وتنسكبُ انسكابَ سكابٍ، وتكتسب اكتسابَ كسابِ، وتلسعُ بسَلْع كبرك والِحدثان، آمناً من محادثة الحَدَثانِ، حتّى كأنَّك عينُ العاصم، أو أميرُ القدرِ القاصم، فَأفٍّ لشيبٍ لا تشيبُ أطماعُهُ ولا تحولُ لطولِ طُوَلِ التطاولِ طباعُهُ، قالَ: فذرفَتْ شآبيبُ أجفانِه، ووكفَتْ غرابيبُ عرفانهِ، وانسجمَ بلَبانهِ ما رخص محْمَلُ جُرُبَّانهِ، مَضَّني بإقناعه، وحضَّني حسنُ حَطِّ قناعهِ، قلتُ له: إنَّهُ الهازمُ بجيش سَعْدهِ، واللازمُ بزمام عبدِه، فعسى اللهُ أن يأتيَ بالفتح أو أمر من عنده، فقال لّي: إنِّي لأظنُّها ومَنْ زيّنَ الغَرَبَ وشرف العَربَ، وحرَّمَ الحَربَ، عنيّةً تشفي الجَرَب، ثم إنَّهُ ذَمَّ ورْدَهُ والجناح، وأورد وَرْدهَ وِرْدَ الصَّدَر وناحَ، فلبستُ سرابيلَ الانسلات، وطعمتُ حلاوة صلاتِ الانصلاتِ، بصُبْرٍ أطولَ مِنْ ظِلِّ القناةِ، وصَبْر أقصرُ من إبهام القطاةِ، ولم أزلْ بعد ما جرَعَ قلبي الجَزع، وقطعَ جَرَع الوَجَلِ وجَزع، ما بين ذلك اللاب، ومقاتلةِ الانقلابِ، أمزّقُ بنائقَ الارتفاقِ، وأشقِّقُ شقاشِقَ الإشفاقِ، وأهجرُ إلف الراقدِ، وأسيرُ سيرَ الفراقدِ، وألثم بشناتر الأخمصين، مواقعَ براثن أبي الحُصين، إلى أن رشَقَتْ سحنتي سهامُ السمائم وبَرَقَتْ مقلتي لسحِّ تلك الغمائم، فحينَ قهرْتُ الضَّنى والظلامَ، وهجرتُ المَها والمنامَ وقيل: لو تُركَ القَطا لنامَ، عطفتُ إلى معاقل اليَمَنِ، وأتحفتُ الزمنَ بالثناء الحَسَنِ، لأمتِّعَ البَصَرَ بكشْفِ نصيفُها، وأخيِّمَ بزخاريفِ ريفها، لعلمي أنَّ المقامَ بريفِها لذيذُ المذاقةِ كتصحيفها، قالَ القاسمُ بنُ جريال: فوالذي فصَّل إحكام القرآن، وفَضَّلَ الإفرادَ على القران، أسقيت مقلتي حِثاثا، ولا ألقيت عني رثاثا، أو أقبلَ أبو نصر في ثياب بذلته، بعد طِرفه المطهَّم وبدلتهِ، يفوجُ لديهِ جَنَى عيادةِ العبادةِ، ويلوحُ عليهِ سناسهم سعادةِ السعادةِ فقلتُ لهُ: ما الذي ألهمكَ مع امتطاء القطوفِ، الموصوفِ بالتحافِ الصوفِ المخصوفِ، فقال لي: يا بنَ جريال دَعْ فنيقَ المنافقةِ، واردَعْ شياطينَ الموافقةِ، عسى أن تشقِّق بهذه الرِّقاق شقَقَ الشِّقاقِ، ونخرجَ من نافقاءِ النِّفاق، إلى قاصعاء الاتفاقِ، فقلتُ له: لا مُدَّت يدُ مَنْ عليك يبغي، ذلك ما كُنَّا نبغي، ولمّا انطلق بي إلى رَحْل قُتوته ومَحْل قنوته وقُوتهِ، أقبلتُ أفكرُ في ارتداعه، وإقلاعه عن ربَض الدنسَ وقلاعه، فقال لي: أنا أمنحك علمَ ما حرصتَ عليه، ونصصت جيد انجذابك إليه ثم قال: اعلم أنني بت ليلة فراقكَ على قلق من أباقك، لمقاطعة رفاقك. ومواصلة اندفاقكَ ثملاً من خمر عِظاتكَ، متململاً لخوض

стр. 138

خمر عِضواتِك، فلمَا رنقَ السهر بأطنابه، وروق السحَر بأطنابه، وأخذَت مقلتي في الاغتماض. ورؤيا رقدتي في الأحماض، وجعلت جحافلُ البَخبَخة تعول، وحلائلْ الحلحَلة تحول، سمعتْ قائلاً يقول: الوافر: مر عِضواتِك، فلمَا رنقَ السهر بأطنابه، وروق السحَر بأطنابه، وأخذَت مقلتي في الاغتماض. ورؤيا رقدتي في الأحماض، وجعلت جحافلُ البَخبَخة تعول، وحلائلْ الحلحَلة تحول، سمعتْ قائلاً يقول: الوافر: أتجمح بالجهالة في المراح ... وتسر بينَ إلحاح المراح وتحمل بارتياح واتَقاح ... إلى الشحناء أرماحَ الجماح وتصحَبْ كُل حين بعدَ حين ... إلى الحانات أقداحَ القداح وتركب كلَ يوم في المَعاصي ... مدى الأزمان أحراح السفاح وتسبأ بعد شيبكَ للمساوي ... من الإصباح أرواح الرياح وتنسى ما ينوشك من رماح ... بباح الحين والراح المتاح ستلقى ما ستلقى وقت تلقى ... إلى الأجداث من راح الصفاح قال أبو نصر: فاستيقظتُ مرعوبَاً بفوارس الأحلام، مرهوباً بنشْر أعلام ذلك الإعلام، تمطرُني سحائب الشؤون، وتزجرُني شوائبُ الشجون، فضارعت بوعظِك الرَّقوبَ، وفارقت الفرقَ فراقَ القائبةِ القوبَ، واقتريتُ ملابسَ الاستنان، واقتريت إثرك مسلوبَ الاعتنان، يروقني راووق الهزال، ويسوقني وَقْعُ هادية هدايةِ الاعتزال قال الراوي: فقلتُ له: الحمدُ لله الذي أخرجكَ من هوةِ الهلكةِ، وتوجك بتاج هذه المملكة، واستجابَ ما أمّلتهُ من الاعتراءِ، وقناعة الارتعاءَ وترك ركوبة الكبيرة الفدعاء، إنَ ربي لسميع الدعاءِ، ثم إننا أقبلنا نرتحل رواحلَ التعبد ونحتمل ألوية جيوش التهجدِ، وأبو نصر لا يرقأ وَدْقُ تهتان جفونه، ولا يُرْفأ خرق خفقان شجونه، مجل بزهدهِ العَديم، مصل في حَلبة التقديم حتى عادَ كالعُرجون القديم، فانثنت له ورثيت، وأويت إلى بيت عذله وأويتُ، وقلتُ له: استبق بعض طلعِك، وارقَ على ظلعكَ فقالَ لي: يا بنَ جريالِ، أما علمتَ أن أجمل المعتبة أوجزها. وأفضلُ الأعمال أحمزُها، فمن صدقَتْ همَّتُهُ وصفَتْ وصِفت ومن برقت مقلته وغفت وغفت، ومَنْ سلكَ سبيلَ تسبيحه، فازَ بكسر كسر قبيح قبيحه، ومن انسلكَ في سفينة نوح نوحِه، ظفر بسكينة روح روحه، ومن استصبح ببوح بوحه أمن من عثار بوح بوحه، ثم إنه ولج إلى مخدعهِ وأنَّ، ودَلج في سَنن نُسكهِ واستَنَّ، وأعلن بالشهيق، وأمعنَ في ملازمة تلك الأزاهيق فلما سلَّم مَن سجوده، وسَلمَ من مفارقةِ وجوده، حاولَ الانتقالَ، وأرهفَ قواضبَ مقالهِ وقالَ: الوافر: لحاك اللهُ من عُمَرِ عَميم ... تقضَّى بالدَّميم وبالدّميم وإزعاجي الأوابد بالفيافي ... وشربي للذميم من الذميم وتقريع القريع متى لحاني ... وتَجْريع الحَميم من الحَميم وإظهار المساوي للمُساوي ... وإيصال الرسَيم إلى الرسيم وإتحافي المزايا بالرزايا ... وإلحاق الَكليم إلى الكليم وخَوضي للمَناهي والملاهي ... وفتكي في الظليم مع الظليم فعيثي مثلُ غيثي لاحتراثي ... قبيحٌ والحكيم مِنَ الحكيم سأسعى للحِسابِ وليسَ عندي ... سِوى ثوبي الكريم إلى الكريم وقال: فما فتئ يتذكّرُ سوسَ سيئاتِه، ويكْرِّرُ شَوس شموس أبياتهِ، حتى شهَقَ شهقة فماتَ، والتحقَ بمن فاتَ، فأمسيتُ بعدَ إسهاب جزلهِ ووجيزه، ولباب حاوي ملَحهِ وتَعجيزه، كإوانٍ هَوَتْ عَروسُ خِدره، أو بستان ذَوَتْ غُروسُ ثمره، مُحَولقاً لمحاقِ مِزِّه، متحرّقا لفراقِ حُلوه ومُزِّه، مفتوناً بحرارةِ عَزائه، محزوناً بحزازة نزول معزائه، ولما سامرَ وريدَهُ الدُّودُ، وخامرَ خدَّهُ الأخدودُ، وثُلّتْ عليَّ معالي الأمورِ، وبُلَّتْ ضفائرُ خرائد نُخبه بالخمورِ، قلتُ والقومُ لمصابهم متوجِّعون، ولصَوب أوصابهم مسترجعون، ولانصباب صابهم متجرعون، كل شيءٍ هالكٌ إلاَّ وَجْهُهُ، لهُ الحكمُ وإليه ترجعون.

стр. 139

تمت المقاماتُ الزينيّةُ بحمدِ اللهِ وحُسْنِ توفيقِه على يدي أفقرِ العباد المحتاج إلى رحمةِ ربه الولي يوسف بن محمد بن علي أعانه اللهُ يوم الفزع الأكبر في رابع عشر صَفر ختَم بالخيرِ والظفر من شهورِ سنة اثنتين وسبعمائة حامداً. الاعتذار يقول العبدُ المفتقرُ إلى رحمة اللهِ وغفرانه أبو المعالي محمد بن بلكو بن أبي طالب الأوي أصلح الله شأنه وصانه عما شأنه. قالَ مولانا الصاحبُ الإمام المعظم، العالمُ المؤيدُ الأعظمُ، علامة الأمم، أفصح العربِ والعجم، ملك الأئمة، افتخار الأمةِ، ناشر رمم البلاغةِ غِب دثورها، ومنور بدورِ الفصاحةِ بعد انمحاقِ نورِها، وعامر رباع الأدبِ وقد عَفَت آثارها، ورافع شعار العلوم وقد كاد ينهدمُ منارها، حتى أذعنَتْ رؤساء العصر لسلطان فضله الكاملِ، وتوَّجتِ الأماثلُ آمالها بالتوجّهِ إلى كعبة أفضالهِ الشاملِ، واعترف الفضلاء - بإحرازِهِ قصبَ السبق على الأوائلِ والأواخرِ، واغترف الفصحاءُ من عُباب تيار علمه الخِضمّ الزاخر، شمس الملةِ والحقّ والدين عزّ الإسلام والمسلمين، أبو الندى معد بن نصر الله الجزري، لا زالَ مرتقياً في السعادة إلى أقصى الكمالات، ومتمكناً من سُدة السيادةِ أجلِّ المقاماتِ، هذهِ غايةُ مقاماتي التي نسجتُها بأناملِ البيانِ القصير واستخرجتها من عِنانِ لسان التقصير، وانتزعتُ مُجاجها من ضحضاح نضوبِ، وصنعتُ زُجاجها بعزم صائك الصدأ مقضوب، وشحنت خلالها بزخاريف الخرافات، وكلِّلت أغفالَها بتكاليف المستقذفاتِ وأنا راج خفاء خللِ خداجها واستخفاء وَخيم وشَل إخداجها، ولولا صنوفُ صروفِ القضاءِ، واقتحامُ التحام هولِ هذا الفضاء، والنظرُ بالمقلةِ الهاميةِ المَرْهاءِ، والخبط بهوى هَوَى هذه الشوهاءِ، لما أبتُ بالعناق، وتلبّبتُ لهذا الاعتناق، واستعطفت ذرار هذا المِعْذارِ، وعطفتُ لخلع العِذار في الاعتذارِ، ولو تسنَّمت سنان الاستواء، وأعتمت محاسن رواء الأراء، ونصرت ببصيرة صافية، وانتصرت بمريرة مصافية، لرأيت مفصل عنق عبارتي مسلولاً، ومقصل عنق براعتي مشلولاً، وأيانق رويّتي لا تُفْعِمُ ثعولاً، وعواتق قريحتي لا تستحق بعولا، ولكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً. هذا آخر الاعتذار والحمد لله رب العالمين فصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين.