Полный текст (139 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
فقلت له: إني لأحب لَسَّ هذي المحالفةِ، وسَلِّ لسانِ هذهِ المخالفةِ، فقال لي: قد فوضت زمام المحالفة إليك، وقوضت خيام هذه المخالفة لعينيك، فتقلدت عقود منته، ونسيت نقود مئنته، ولم أزلْ اتخذ المَرَحَ شعاراً، ويتّخذُ نحافةً واستشعاراً، إلى أن استولتِ الرِّبْعُ على أعضائهِ، وعدم الحركةِ بعد مواضي قضبِ مَضائهِ، وحين رز عياؤهُ، وعَز فيها دواؤهُ، خَرَجْتُ أطلبُ طبيباً يُوصَفُ بتقادم المعرفة، ويُعرفُ بمعرفةِ تَقدمة المعرَفة، ولمّا وصلتُ إليه، ونشرت عُروض الأدب لديه، قلت له: إنّ لي صاحباً حاله كذي كذى، وقد أشرفَ به على الأذى، َ فجود التبحر لإصلاَحهِ، وجردِ التردُّدَ لتحصيلِ صَلاحهِ، فإنّه من ذوي النّخَبِ، والخفرِ المُنتَخبِ، فقال لي: تاللهِ لا رفعتُ لَهُ دوَاءً، ولا دفعتُ عن جسدهِ داءً، لأنني لَم أزل أسألُ الله أنْ يقَيِّضَ لي إتيان الغَريبِ، لأبيِّضَ وجهَ حالِ امحالهِ الغِربيبِ، إلى أن قدم عليَّ شيخٌ أشكلُ المقلتينِ، دون القُلَّتينِ، يعتمِدُ على عجوز شمطاءَ، كذئبة ملطاءَ، فدلفَ دَلفةَ مُنخفِض، ووقفَ وقفةَ منقَبض، وقالَ: الرجزَ.
يا أوحدَ العصر ويا نور المُقَلْ ... ويا طبيباً طِبُّهُ فاقَ الأوَلْ
ارحمْ مُسِنّاً ساءهُ سُوْءُ السَّبَلْ ... وظلَّ يكبو في الوَرى مِنَ القَزَلْ
فذاك أولى ما صنعتَ مِنْ عملْ ... وذاك أسنَى ما ادَّخرتَ للأجلْ
فقلت له: ارفعْ رِداءَكَ، لأنظر داءَكَ، وأرني سبَلَكَ لأدرأ ما مَلْملكَ، فحَينَ حامَ حَولي، وقعد لديَّ، ألفيتُهُ كالسَّبَل وليسَ بالسَّبَلِ، وكالقزَل وليس بالقَزَل، فقلتُ لهُ تاللهِ لقد أعضلَ عِلاجُ أذاكَ، فما سببُ ذاكَ، وأشكلَ مرضاكَ، فما رِضاكَ، فقالَ لي: ألِمِّ بك برهةً يسيرةً، ونُبذةً حقيرةً فإنْ فشلَ شَرّهما شكرْتُكَ، وإن اعظوظمَ ضرُّهمِا عذرتُكَ، ثم إنّهُ أقبل يُبكرُ في كلِّ يوم إليَّ، وينثرُ من نثرهِ كلَّ فريدةٍ عليَّ، حتى قبصَ لُبِّي بأنامِل نَباهته، وقَنص قلبي ببراثنِ بداهتهِ، فلما رأى حُسْنَ إعدادِ ذاك الوِدادِ، وتحَقّقَ شدّةَ اشتدادِ ذلك الاستبدادِ، قالَ لي: هل لكَ في أنْ تُدخلَني الحمَّامَ، فقد شاهدتُ لِحمَم القشفِ الحِمَامَ، فقلتُ لهُ: لا بأسَ بما قلتَ، وحُلْت في صهوة صوابِه وجُلْتَ، فحينَ باينَ الدَّرِنَ، وعاينَ حالَهَ الحسنَ، خرجَ لاستبرادِ ريحهِ، واستنشاقِ نسيم فَسيحهِ، فأيطأ حتّى ناوحتْني الحُرَقُ، وكادَ يُربقُني بالغرَقُ، فخرجتُ وقد ابتزَّ بزَّةَ المُنّةِ مِنّي، فرأيتُ قد لبسَ ثيابي عَني فندمْتُ على عُلالَة ما صنعتُهُ، ولَعَلاَةِ هذهِ العِلّةِ منعتُ مَنْ منعتُه، قال الراوي:
стр. 72
فلما رَثَيتُ لما نَالَهُ، وأثريتُ بقلقِ ما قالَه، أيقنتُ أنّها حبائلُ أبي نصرٍ ومضارُبهُ، ومخائلُهُ ومخالبُهُ، فقلتُ لَهُ: وجدت أخيذتَكَ من غير خِداج، ورددتُ سليبتك بألطف رواجٍ، ما الذي تصنعُ بَعَليلي، ومَنْ عظمُ إلَى بُرئهِ غليلي، فقالَ: أمرُج إليهُ على سبوحي ببوحِي، وأسرج له في كلِّ يوم مروحي بروحِي، قال: فاحتملتُ إبالة منَ الكبريتِ وجعَلتُ أسَيرُ سير الخِرِّيتِ، لتحصيل العفريتِ النِّفريتِ، إلى أن ألفيتُهُ مَتبهنساً بأسواقِها، متبختراً بين جُدْرِ المخاتلة ورواقها، تهز عِطفَهُ نشوِةُ الرحيقِ، وتبُزّ قلبَ طبيبهِ جحافِلُ الحريقِ، فنفحتهُ بنسيم السَّلام، ووددت أنْ أوُدعَهُ بطونَ السّلام، وقلتُ لهُ: إلامَ تهزأ بالذّكورةِ والمِكَسال، وتَدعسُ بمِدْعسُ مكركَ العَسَّالِ، وتنازلُ فِرَقَ الرِّعَال وتقابلُ ذوي الفَعالِ، بقبائح الفِعالِ، فأفٍّ لمن عذَرَكَ وعذرك، فما أغدَرك وأثبتَ غَدَرك، فقالَ لي: لِمْ ترجُمني بجنادل مقاذعتِكَ، وتَزحُمني بحَمَةِ مُقادِعتكَ فقلت: لاستلابِ ثيابِ مِعْوانِكَ، واجتلاب جيوش عَوانِكَ إلى أعوانِكَ، وكيف لا ولي خِلٌ أمين ألوفٌ، لا يعادِلهُ مثل ولا ألوف، وقد أشرفَ على التَّلَفِ، وأسرفَ في لِباس الأسَفِ، وقد آلى مَنْ خُنتَهُ واستلبتَ سرابيلَه وامتهنتَهُ ألاّ يجودَ بدوائهِ، أو تجود بردِّ قُمصهِ وردائِهِ، فقال لي: تاللهِ لقد سألتَ أيسرَ متيسِّرٍ، وحاولتَ فتحَ بابِ أملٍ غيرِ متعسِّرٍ، فامض معي إلى الخَانِ، لأشهِدَ عليكَ بقَبْضِها بعضَ الإخوانِ، فسرتُ معَه إلى خانِ معروفٍ بالأدناس، محفَوفِ بأجناس الأنجاس، فتركني ببابهِ وولَجَ، ثم مرجَ هُنيَّةً وخرج، وقد امتطَى حماراً أخشب كفنيقٍ أغلبَ، وخلفَهُ رجلٌ أطولُ من طالوتَ وأنذل من جالوت، فمالَ أبو نصر إلى سِرّاً، وحدَثني مستسراً، وقالَ، اعلمْ أنَّ صاحبي قد ضَللَ مفتاحنا بالسوق، وأنا مغِذٌّ إليهِ كالماء المدفوقِ، فتحدّثا إلى أنْ أعودَ، ولا تسأما القعودَ، ثم إنَهُ شمَّصَ حمارهُ ومر، واستقبل سبيلَ انسيابهِ واستمرَّ، قال القاسمُ بنُ جريال: فأخذتُ أحدِّثُهُ فازدلف وانحرفَ بحمارهِ وانصرفَ، وفاخرَ بما بمثلهِ يُفاخرُ، إذ كلٌّ منا يظنُّ أنَّ صاحَبُه الآخر، فقلتُ لَهُ: بعَدَ ما جَلَتْ جموع الصِّبْرِ الأريض، وانجلت الجَوْنةُ في حلة الإحريض إني لأظنُ أنْ قد قارنَ قريتُكَ الخَيبةَ، أو المفتاح عندَ بني شيبة، فقال لي: ما هذا النّباح، ومَن صاحبي والمفتاحُ، ويلكَ أيكونُ خدينَكَ، ويبيت قرينَكَ، وتنسُبُ صحبتَه إليَّ، أتحسبُ أن يَتَمِّ مُكركما عليَّ، وقد كفتُ حينَ ماس بأكهبهِ، وهاسَ بأغلبهِ، لالتماس أهَبهِ، قادراً على إطفاءِ لهَبهِ، وردِّهِ على عقبه ثم جذب بردني إلي وإلى المظالم، وأنا في صورةِ المظلوم والظالم، فقال الوالي: ذروه بمخيس المخاصمات، فقد ضاقَ الوقتُ عن المناسمات، ورد الظلامات، وفي غد أذيقه النَّكالَ الواصِبَ، والوَبالَ اللازِبَ، قال: فلّما حضرتُ دارَ الولايةِ، وشهرَ مُخاصمي مشْرَفيَّ الشكايةِ، سللْتُ حسام حكايةِ الطبيبِ، ونثلتُ ما بينَ ذيلِ ذَنَبِ القضيةِ والسَّبيبٍ، فتبّسَم الوالي تبسُّمَ المتعجب، ونَظر إلى جلسائهِ نظرَ المُعجِّبِ، ثم قال لي: قد غفرتُ فظيعَ هفوتِكَ، وسترتُ شنيعَ فوهتِكَ توجعاً لآفتِكَ، وإكراماً لعينِ معرِفتك، فأدِّ إليه ثمنَ الحمارِ، واجتنبْ بعدَها معاشرَة المِغْوار، قال: فوزنتُ الثمنَ، وخزنتُ الغَبَنَ، وعُدْتُ إلى المريض فوجدتُه قد درج، وفي مَلاءةِ المنيّةِ قد اندرجَ، فاغتذيت بِصابه وصابي، وبكيتُ على مُصابه ومُصابي، ثم لم يزلْ أهلُها عليَّ يعطفون، ولمحنَتي يتعطَّفون، وبالتّحَفِ إليَّ يَجْرُونَ، حتى ركبتُ طريقَ جَيرونَ.
المقامةُ التاسعةُ والعشرون الإسكندريَّة الخَيفاء
стр. 73
حكَى القاسمُ بنُ جريالٍ، قالَ: لم أزل مذ جلَّتْ مآربي، وتجلَّتْ تَجاربي، وفازَ ساربي، وحسُنت مَساربي، وطرَّ شاربي، وذرَّ قمرُ مشاربي، أمارجُ الأظغانَ، ومنْ نضب وعان، وأمازُج الرِّهانَ، ومن عَظُمَ وهانَ، وانكّبُ عن الآنس، وانقبُ عن المؤانس والتفّ بالمُلاحف، واشتفُّ قَرْقَفَ المواقفِ، إلى أنْ قطفتُ ثمارَ التجاريبِ، وعرفتُ خصائصَ الخالص والضريبِ، فلم أحظَ بمَنْ يَصونُ، ولم أظفرْ بخليلٍ لا يخونُ، خصوصاً المصريُّ ذو المكائدِ الواقصة، والحبائل القانصة، الذي جبذَ المصاعبَ بإرسانها، وذلَّلَ نفوسَ شوس المعاركِ وفرسانها، وأبادَ الجُثَّم في جبالها، واقتادَ أبالسةَ المُوالسةِ في جبالها، ولما قذفني بحجرِ غدرٍ رزين، وضربَني بعَصَا إحَنِه حيناً بعد حين، أشرفت منه على سحائب الإستحاءِ، ولقيتُ من تلقائهِ قبائلَ البُرحاءِ، فحينَ مُنيتُ بوخْز صَعْدةِ صُداعه، ولُسعْتُ بإبَرِ قلب برقع خداعه، نبذته نبذ ترابِ المجْنوزِ، خشيه وخيم مَكرَه المكنوزِ، معَ ما كنتُ أودِعه من أسرارِ الإجتنان، وأُتحفُهُ بملاحف الإمتنان، وأساعده بعساكر الاآدِ، وأشاهدُهُ بالعَشيِّ والأرآدِ، وأحامي عنهُ بمضاربِ الحُسام، مُحاماةَ الطبائع عن الأجسام، وأطرِفه بلطائفِ الطيباتِ، وأكتنفهُ اكتنافَ المُلتحمَ الرُّطوباتِ، وأرتوي بمفاكهته لدى الجُلوس وأحتوي عليه احتواءَ المعِدةِ على الكَيْلوس، واضطربُ لاضطرابه اضطرابَ النابض، وألجُ إليه ولوج الحلاوة بطونَ المرابض، وأصاحبُ كلَّ منْ يَنويه، وأجانبُ وداد نِدِّه ومناويه، وأحتملُ لعدم مَنْ يساويه، أعباء عظم مساويه: الطويل:
وكنتُ أواسي الناسَ فيما أسيمه ... منَ السَّمْع في أنفاسه وأُنافسُ
فلمّا سَمَا في سُلّم السُّوءِ سالكا ... خسيسَ سراطٍ يحتذيه المجالسُ
حَسَمْتُ بسَيْفِ اليأس أسبابَ سِلمه ... كما حَسَمَتْ قبلي الرؤوسُ الأحامسُ
ولما اشرأب لشراب بغيه وباح، واستباح من حرم مصاحبتي ما استباح، وطبق كر نكره البطاح، وطبق بحسام سفهه عنق المعاهدة فطاح، آليتُ ألاَّ أميلِ لقرن قربه المقاتل، حتىَ يشارك المرض جُرْح القاتل، وتُهْدَرَ ديَةُ وَرَم غَرْز الإبر في المَقاتلِ، فبينا أنا أترنحُ في سكك الإسكندريةِ، وأتبختر تبخترَ القروم العبدريّة، ألفيتُه على فرس أشهبَ، وقد راش المَعاش سهامَ حاله وأسهبَ، وحَوْل صافنه السِّلاحُ، وتِلْوَ علندائه العبدان الملاح، فحين أبصرني وأبصرته، ونصرني صوبَ صيِّب بصرَه ونصرتُهُ، نكصتُ منْ مَكره الوَحفِ، نكوصَ الخارج من الزَّحْفِ، مخافةَ أن يسجرَ قلبي بحرارة بيانِه، أو يسحرَ لُبِّي بطِيْبِ نَضَارة لَيانه، فلما لمحَ نِفاري، وحقَّق عدم قراري، وقفلتُ إلى مُناخي: بعدَ طولِ التراخي، سَمِعْتُ صوتَ قارع، حَسَنِ التلطُّفِ بارعٍ، فأذِنتُ لَهُ بالمُثولِ، فدخلَ فتى أحلَى من اللؤلؤ المنثولِ، فوقفَ وسلَّمَ، وأحسن إذ تكلمّ، ثم إنّهُ وضعَ لديَّ طَبَقاً مشحونَاً بهدايا لطيفة، ظاهرةِ المزايا وريفةٍ، مشفوعاً برُقعةٍ مَطْويَّة، تُسْفِرُ عَنْ محاسنِ طَويَّةٍ، فأشلْتُ الطينَ، وفتحتُ المَطين، فإذا هي من ذي الفضلِ الوَضيّ، أبي نصر المصريِّ، مُشتملة على رسالةٍ خيفاءَ ناصعةِ البراعةِ وطفاءَ، تتضمن نثّ كثر إعراضي، وتطاولَ طُوال قطيعتي وارتكاضي، وما يكافحُ من قواضبِ القلقِ والصِّعادِ، وتباريح ريح إرعاد الإبعادِ، وهي:
المملوكُ فيّضَ اللهُ ... نُخَبَ حلْمِكَ، يبُثُّ هَمِّا
يَجُثُّ، لَهَمّاً يُغِثُّ، طَبعا ... يضبًّ، وصَدْراً يَذُبّ،
ودَلاً يَبُز، ووصْلاً يفِزّ، ... وحَرْداً يُذَبِّ، وحَرَداً
يُشَذِّبُ، وصدّاً يَغينُ، ... ووُداً يبين، ودهراً يَضَنُّ،
وسحْراً يَشُنُّ، وعللاً تَخُبُّ، ... ومَلَلاً يَجبُّ، مَع
شين كَدَرٍ ذَفَّفَ، وسَهَرٍ جَفَّ ... فَ، وإعمال يُخَضْخض، وآمالٍ
تقضقضُ، وأهوال تُنضنض ... وأعوال، يُغَضغضُ، وسُهاد
جنن ومهاد خنن وسواد جَنَّب، ومراد تجنّبَ، وملال
قذذ ومآلٍ جَذَّذَ، وحَسَدٍ فَتَّتَ، ولَدَدٍ شَتتَ، وحَسودٍ بغض
стр. 74
وودودٍ نَغَضَ، وسَموم خُبْثِ ألم نَفَخَ، وسَموم ضَبثِ
سدمٍ، نضخَ، وهو ضيفُ داركِ، ضيفنُ سَحِّ غَيْثِ
مدرارك، نظيفُ عودِ فنَنِ العهودِ، يُزْجى لكَ فَيْضَ ودادٍ
بَيَّنَ، وحلَلَ قَشيبِ ولاءً زَيَّنَ، والمسؤولُ في سؤددكَ، بت طِوَلَ
شغبٍ أوعدَ، فَفَضَّ وطُول نَغَبٍ أرعدَ، وسُلْوٍّ بخَبَبِ
مكروهٍ شَنَّفَ، ومُعادٍ بشنْفِ سَماع قَيْظِ صدُودِكَ تشنَّفَ، لأسرح
بخضِب إلمام فَتِيٍّ، وأمرَحَ في دَوْح تيقُّظِ صُلح جَنِي،
أمدَّكَ بِضُبَى وَصْلٍ نقيٍّ، وعَدْلٍ فَضِيِّ، وإحكام يَتَقَنَّنُ،
وأحكام تتفنَّنُ، وسعودٍ تضيءُ، ووعودٍ تَجيءُ، وحَوْلٍ ينيفُ،
وطولٍ يَزيفُ، وحِلْم يَبُذُّ، وحُكم يَجُذُّ، ومراس يُشيبُ،
ورَأسُ نشب كَرَم يَشُبُّ، وَلا يَشيبُ والسَّلام.
قال القاسمُ بنُ جريالٍ: فلمّا وقفتُ على مكاتبته، ورشفْتُ شَمول معاتبته، بكيتُ لكآبتِه ورثيْتُ لانصباب صبابتهِ، ثم ملْتُ إلى السَّلم، لعلمي أنّ الغَضبَ غولُ الحلِم وقلتُ: تالله لا أكونُ مِمَّنْ يلابسُ الأضغانَ، ولو ستر الظَّفَرُ وجهَ عَفْوهِ وغان، لأنَّ قلبَ الحليم ينقادُ، ولا تَحُلُّ بيتَ قلبه الأحقاد، ثم إنِّي نهضتُ معَ الوَصيفِ، بعدَ هَدْم أسِّ الصَّخَبِ والرَّصيفِ وجعلتُ أوجِفُ إيجافَ المشوقِ إلى لِقاءِ المعشوقِ، وأركضُ ركضَ الظليم، إلى لِيم إلمامه المُليم، فحين تحقّقَ انسرابي، وتيقَّنَ مقاطعةَ قرابي، بادَر مبادرَةَ الحريص، وسُرَ سرورَ يعقوبَ حين رُدّ بصرُه بالقميص، ثُمَّ قال لي: يا بنَ جريالِ لا يعيشُ في الخَلِّ، إلاّ دودُهُ، ومعَ الخِلِّ إلا وَدودُه، فاغتفر هذه النَّوبة، واعلم بأن التوبة تمحو الحَوْبةَ، ثم إنّه قَطَنَ في التَّلطُّف وأصعدَ، وأخذ بجمْع أرداني وأنشدَ: الطويل:
أجلُّ سنا ساميك أن يَنْقُضَ العَهدا ... وأنْ تُصحِبَ الأصحابَ مِنْ صَوبك الصَّدَّا
وأنْ تَحسِمَ الإحسانَ والحمدَ والحيا ... وأنْ تمنَحَ الأحبابَ مَعْ حِلمِكَ الحِقْدا
فليس رئيسُ الناس مَنْ سُل سلْمُهُ ... وليسَ سَنيُّ السرِّ منْ أنُسى الوُدا
وليسَ شريفُ الشأو منَ شفَّ شِفّهُ ... وليسَ نقيّ العِرْض مَن ضَيّعَ العَهْدَا
فإنْ أنتَ لم تغفِرْ وإنْ أنتَ لم تجُدْ ... كفاكَ بأنْ تُمسي حليفَ القِلى فَرْدا
قال: ولمّا رعيتُ ضَرَبَ قَريضهِ، وأوعيتُ دُرَرَ تَعْريضِه، ورأيتُ خَليّةَ خلابته، حدْتُ عن حرّةْ الحَرَد ولابته، ولَمْ أزلْ عندَهُ إلى أنْ توسَّدَ زَنْدَه، فانسللتُ إلى عريني، وقد افعوعَمَ منْ ثَمَرِ مُنافثته جريني، فصرمتُ جذوع الإقامةِ، وهدمْتُ ربوعَ المقامةِ، وقاطعتُ السّكنَ، وفارقت مَنْ سَكنَ، وودعت من عدن، وطِرْتُ بجناح الإقالة إلى عدن.
المقامة الثلاثون الآمديّة
حدَّث القاسمُ بنُ جريالٍ، قالَ: زمَّني زِمامُ الزمنِ الزَّنيم، يومَ نَوْم جَفْنِ الأشَرِ النَّويم، بعدَ إسعافِ العديم، وانعطافِ الخِدْن القديم، ومُناسمةِ الرسيم، ومُساعفةِ نسيم الوسيم، بألم مرضٍ ممدودِ المعارج، مسدودِ المناهج، فلمّا عزَّني رعيلُ ذلكَ الإعلالِ، وهزَّني ذميلُ ذيَّالكَ الإذلالِ، وبتُّ بينَ غُرئْبةٍ قاتمةِ الإضرار، وعُزْبَةٍ قائمةِ الإصرار، جعلتُ أخبُّ في بيداء داءَ الدَّنفِ، وأعُبُّ من ماءَ دأماءَ ذيَّاكَ الجَنَفِ، حتى عُدْتُ بعدَ لُبْس سِربالِ السُّعودِ، وامتطاءَ سناسن سَعْدِ السُّعود أنادم الأمراض وأصادم بجؤجؤ الجزع جآجيء العرض العراض الطويل:
وأجني بجسم قَلّبَ السقمُ قَلبَه ... ملابسَ بؤس سابغاتِ الغَلائل
تردّ عيونَ النّاظرينَ ضروبها ... إذا انبجستْ من غَور غَمْر الغوائل
стр. 75
فلمّا تجرى صبْرُ قلبي المكسور، تجزّى ضربِ الكسورِ في الكسور، وتضاعفَ هَمِّي لمفارقة الصِّحاح، تضاعفَ ضَربِ الصحاح في الصحاح، قصدتُ آمدَ بعدَما اجتديتُ الجامدَ، واجتبيتْ الحامدَ، وامتريْتُ الثاقب والخامدَ، عَل أن أجدَ لعُرام هذه الغاية معوانا، أو لغَرام غُلب هته الغابة أعوانا، فحين ألقيتُ بها هِراوتيَ، وألفيتُ البلدَ موافقاً لإعادة غَراوتي، حُدِّثت بطبيب دَرأ برداء الدِّرايةِ أعراضها وتدثَرَ أَثباج جُلِّ التَّجاربِ وراضَها، فأرسلت غلامي إليهِ، لأقُصِّ قَصصَ علّتي عليه فلم يكن إلا كنَشقةِ ناشق، أو شدة باشق راشقَ حتى أذنتُ له في الدخولِ، على الجَسَدِ الدارج المدخولِ، فحين قعدَ بازائي، واستحلسَ مَعْزائي، واحتملَ ذراعي، وجعلَ سنن الأدب يُراعي، ألفيتهُ شيخَنا المصريَّ ساحرَ الألبابِ، والساخرَ باللّبابِ فقلتُ لَهُ: إلامَ تَنهبُ الأذهانَ، وتمارسُ ما صَعُبَ وهانَ، وتُخْرجُ السُّبّحَ مع حركاتِها، وتُزعجُ الجُثّمَ في وُكناتها، فقال لي: خلني من شَظَفِ ظَرافتك، واشتغلْ عنِّي بفَيْض ضَفَفِ آفتك، وإنَي لراج أنْ أعالجَكَ وتُبلّ، واكتسبُ من ثَنائِكَ الحِل البلَّ، ثم إنَّهُ شرع لرفع شُرُع الأعلالِ وشرْبِ حَمْأَة طينة ذاكَ الخَبالِ فزالَ عني بجودة علاجه، ومداومة انعياجه، ما أعاني منَ المَرَض ومصاعبِ العَرض، ولم يزل مدَّة ذاكَ المُقام، والرُّسوبِ في سيب ذَلِكَ السَقام، ينشُرُ حُسْن حُزونه والسهولِ، ويَطوي الطمعَ عن وطنِ همتي المأهولِ، إلى أنْ غابَ عنِّي في يوم عظيم الزَّمهرير، وافر نباح الأهويةِ والهريرِ، فجعلتُ أكابِدُ لغيبتهِ ما أُكابِدُ، حتّى ضاقَتْ عليَّ بسَعَةِ أرجائها آمدُ، كُنَّا نستعينُ في ذلك السَّقَم، ومقاتلةِ قَنابلِ النِّقَم بجارٍ جميلِ اللّقَم، جَميلِ اللقم، يسعِفُنا بيواقيتِ افتنانه، ويَشغَفُنا بانهمارِ ماءِ امتنانه، فدفَع البابَ، ورجَّعَ الانتحابَ، فقصَدَ وصيفي الوصيَدَ، ليستعلم بأيِّ نقودِ صُروفِ الصُّروفِ صِيدَ، فلمّا جثَم لديَّ، وعطَّر بمجاورة أرجِهِ برْدَيّ، قلتُ لهُ: ما الذي أبكاك، وسكبَ كأسَ أذاك فأذكاكَ، فقال: اعلم أنَّ طبيبكَ الطَّمطامَ، وصارمَ صولتِكَ الصَّمصامِ، وردَ إليَّ في هذا اليوم، قبل إشالةِ فُرُش النوم وموجُ عبْرتِه يترقرقُ، وفوْجُ زَفْرته يتدفَّقُ، وجيوشُ أفكارهِ تتراكمُ، وأحبوشُ أحزانهِ تتزاحمُ، وقال لي: يا دواءَ الجُرْح الجائف، ورداءَ الحَرِجِ الخائفِ، أعلِمُكَ أنَّ خليلي، ومَنْ كانَ في الجَلَل خليلي، وبه يشتدُّ قِيلي، وإليه في الشدائد مَقبلي، قد دَرَجَ وفي شُعوبَ شعوبَ قد مَرَجَ، وما فتئَ مكفوفاً بإكرامك، محفوفاً بحللِ احترامك، وقد جئتُكَ قبل أن ينقرِضَ الجديدان، وتقرُضَ أديمَهُ مقارضُ الدِّيدانِ، فتخلَّقْ بأخلاقِ عبدِ المَدان، في هذا الميدان، وأنا أساعِدُ بما عليهِ أقوى، بعدَ ما اندرسَ رَسْمُ سَعْدهِ وأقوى، فساعِدْ بما بهِ تنهضُ وتَقْوى، وتعاونُوا على البرِّ والتقوى: الطويل:
فإنك ركنٌ يركَنُ الناسُ كلُهمْ ... إلى حالقٍ مِنْ حَولهِ غير حائرِ
رفيع منيعٍ حَيَّرَ الشّمَّ شأوه ... عزيزٍ حريزٍ جابرٍ غَيْر جائِر
стр. 76
فقلتُ لَهُ: ما الذي تريدُهُ، لينقادَ لكَ ليتُ الأرب ووريدُهُ، فقالَ: اعلم أنَّ مَحْتدَ هذا المسكين، ما برِحَ حميدَ التمكينِ، وسيعَ البقاع، رفيعَ اليفاع، وارفَ الجودِ، مُنْجدَ، المنجود فهل يسمح إحسانُك الذي لم نَزَلْ نرتجيه، بعارية خَلَق ملاءة يسجّيه، وتتوخى مواردَ توخيهِ، فإنَّ اللهَ في عَونِ العبدِ ما دامَ العبدُ في عَوْنِ أخيه، قال: فنبذتُ لَهُ ثوباً من أنفس الملابسِ، لم يتدنَّسْ بممارسةِ المُلابس، مشفوعاً بدينارينِ، لرِقَةِ رقَّةِ قولِه الليَّنِ، فتناولَهُم وصَرَفَ، وتصرَّفَ فيهما وانصرف، قال القاسم بنُ جريال: فحينَ عُمْتُ فيما شرحَهُ، وقُمْتُ على قَدَم معرفةِ ما استشرحتُهُ طَرقْتُ حَلْقَةَ النَّدم، وأطرقْتُ نحو القَدَم، ثم نهضتُ أخوضُ أقطارَهَا، وأعالجُ أمطارَهَا، وأرومُ قَطْعَ سككها وأقومُ على دكادك دِككها، إلى أنْ وجدتُهُ بالسوقِ، نَزيفاً في سرابيلِ الفُسوق، يتحرَّكُ من نَشوةِ المُدام، تَحَرُّكَ الغُصُن تحتَ تغريدِ الحَمام، فهممْتُ بأنْ أجُضَّ عليهِ بِحُسام العتابِ، وأنقضَّ إليهِ بسنانِ السِّبابِ، فغمدتُ مِخْذَمَ الصَّخَبِ، وعَدَلْتُ عن مَهْيَع اللَّعِبِ، وقُلْتُ له: هكذا تكونُ شِنشنةُ المكاشرينَ، أم هكذى تُمْطِرُ شآبيب المعاشرينَ، فقبضَ كفِّي وانقبضَ، وأعرضَ بعارضِه وامتعض، وقال لي: أتخالُني مِمَّنْ يَنْصِبُ لصديقه الحبالاتٍ، ويقرنُ أضغاثَ ضبثِ خداعه بالإبالات، أو يُمعِنُ في عِبادةِ لاتِ هذهِ الخُزَعْبلاتِ، أف لَقُبْح نِيَّتِكَ، وخبثِ طويَّتك، وغَثاثةِ مناسمتك، ورثاثةِ مُنافستك، فأقبلتُ أخدعُهُ، وأودُّ لَوْ خَدَعَ أَخْدَعُهُ، ثم قلتُ لهُ: ما حمَلَك على أخذِ ذَيْنِكَ، فأَرِحْني من مساورةِ مَيْنِكَ، وإن شِئتَ فاركبْ سبيلَ بينِكَ، وقُلْ: هذا فراق بيني وبينك قال: اعلم أنَّه وردَ عليَّ صديقٌ أودُّهُ غايةَ الودادِ، وأعدُّهُ للنّوَب الشداد، وأجلُهُ إجلالَ الأفراد، وأحِلُّهُ مَحِلَّ النكتةِ من الفؤادِ، ولم يحَضرْني ما أحضر إليه، وأمطِرُ من عَنانِ المعونةِ عليهِ، ففعلتُ ما صدرَ إليكَ إدلالاً عليكَ، وقد رهنتُهُ عندَ خَمّارٍ، على نِصْفِ دينارٍ، مِنْ ثَمَنِ مصطارٍ، وفي غدٍ يَصِلُ إلى دارِكَ، وينفصِلُ غَم جارِكَ، قال الراوي: وكنتُ لا أملك من ثَمَنِ خَمْرهِ، معْ ما اصطليتُ من حرارةِ جَمرهِ، وأغضيتُ على مَضَضِ المرض وعُسرهِ، سوى ثلاثة أمثال تُسعهِ وعُشرِهِ، فألقيتُ إليه عمامتي، وأيقنتُ قُبْحَ مُنقلبِ مَقامتي، وقلتُ له: اتركها عِوَضاً عمَّا رهنْتَ، واستُر قبيحَ ما استحسنتَ، وهَزيلَ ما استسمنتَ، ثُمَّ سِرْتُ معهُ بعدَ قَذْفِ الجِمارِ، وكَشْفِ قِناع الخَفَرِ والخِمارِ، وتَذَكُّر وقعةِ الحمار، إلى مسكنِ الخَمَّارِ، ولما مِلت إليه ميل القانط وشممت ريح الأحمر الحانط، قال لي: إنِّي لأظنَّكَ تعافُ أريجَ هذا الألنجوج، وتَخافُ مريج خَيْلِ هذي المُروج، فاحذر مجاورةَ هذا الأنام، واحرس سُورَ نفسِك من تسلق الأثام، واحفظْ عرضَكَ مَدَى الأيام، ولا تخامرْ خمرة هذا الإيام. وإن كنتَ تَخشى أن أجمعَ لكَ بهذه الحيلةِ، بين الحَشفِ وسوءِ الكيلة، فسارعْ إلى استرجاع العمامةِ، وأرحني من سحوح مِننِ هذه الغمامة، ثم إنه وقفني بباب الحانةِ، وألبسني جلابيبَ الإهانة، فلمّاَ طلع ناب فم افتكاري، وأنجمَ سحابُ سماء صَفْوِ اصطباري، ألقيتُ الدسكرةَ ذاتَ بابين، وقد امتطى طريقَ البَيْنِ، فأقبلتُ أقلِّبُ الكَفَّين، وأحترقُ احتراقَ المِرَّتينِ وأقولُ بعد عَلِّ تَيْنٍ المُرَّتين المؤمنُ لا يُلْسَعُ من جُحْرٍ مرتين.
المقامةُ الحاديةُ والثلاثون البصريّةُ
стр. 77
أخبرَ القاسمُ بنُ جريال، قالَ: أمطْتُ مُذْ نظَرْتُ بعَينِ العِنايةِ، وكَحَلتُ بؤبؤَ البصيرةِ بمِرْودِ الدّرايةِ، ثِيابَ الطّمَع عن إهاب الشَّهواتِ، ونزعتُ سِنانَ الطَّبَع في مُحرَّم شِدَّةِ الهَفواتِ ولَقيتُ النّوبَ بالعَزْم المنوع، وألقيتُ جَرير الجَنفِ عن غارب القُنوع، لعلمي أنَّ سَنَةَ الزمان سِنة، وسِنَةُ إنسان سَهْوه سَنَةٌ، وكنتُ حينَ هَبّ قبولُ هذا القبوِل وانصبَّ قِطَقِطُ مقاطعةِ الطِّفلةِ العُطْبولِ، أصاحبُ الزُّهَّادَ، ومَنْ حَسُنَ سَننُ نُسْكهِ وهادَ، فلمّا خلعْتُ البِدَعَ خَلْعَ الحَسَن الخِلافةَ، ولبستُ الورع لبس الكتم عذار أبي قحافة، جعلت أقترع إكام السباسب، على هذا التناسب، وأعومُ بهذا العابر، لإصلاح الغابر إلى أنْ كَلِفتُ بمداومة الفدافدِ، وألفتُ مفاجأة الأوابدِ وقُذفْتُ بأنامل البُرحاء إلى معالم البصرةِ الفيحاءِ، فأحببتُ زيارةَ رُموسها، ومعاشرةِ شُموسها، لا خبر جرجرةَ سُوسها من شموسها، وزمجرة هموسِها من نموسها، وكنتُ سمعت مِمن بصر، وأسهبَ بحسن وصفِها وقصَّرَ، أن مَنْ بصّر تبصَّرَ وشفَى جُرح ساعِد المساعدةِ بعدما تنصرًّ، فحينَ حللْتُ بغَريفِها، ونزلْتُ بوريفِ ريفِها، ورأيتُ صالحَ صَريفها، وحَويت خالصَ صريفِها وصريفها، طفِقتُ أقتطفُ ثِمارَ افتنانها، وأرتضع فِرصادَ الفُرَص من دناتِها، وأبتَلِي أزهارَ المَرَح بأغصانها، وأَجتلي بدورَ المبادرةِ قبلَ نقصانِها، وأجنَحُ لزُبَدِ مستّطابها، لا زُبَدِ وَطابِها، ومُلَح انعطافها لا بُلَح قِطافها، وملاحةِ أعطافها، لا حلاوةَ نِطافها، فألفيتُها مشحونةً بزواهر الزِواهر، مسجونةً بنواظرِ النواضرِ، يرتحِلُ الإنصافُ إنْ رحَلُوا وينزلُ الإسعافُ حيثُما نزَلوا، وتَحْمَدُ الأيامُ ما فعلوا، وتحسدُ هامة العلياء ما انتعلوا: البسيط:
ناس سمَوا بسماتٍ سادَ أيسرُها ... أحامس الناس لم تُطْمَسْ لهُمْ سُبلُ
إنْ أوعدوا أخلفُوا أو ما عدوا صدقُوا ... أو حُوكموا شَرَعوا أو حُكِّموا عَدَلُوا
أو أنعَموا أسرفُوا أو جالسوا نطقوا ... أو سُولموا سمعوا أو قُوتلوا قَتلوا.
أو ناظروا أنصَفوا أو ناضلوا خَسقُوا ... أو صوحبوا نَفعوا أو صولحوا فعلوا.
أو بادروا أوجفوا أو طاولوا سمقوا ... أو حوربوا منعوا أو نوزلوا نزلوا.
أو بارزوا أرهَفُوا أو سابَقُوا سبقوا ... أو خُوطِبوا بَرَعوا أو قُوطعوا وَصلوا.
стр. 78
قالَ: فما فتئتُ أترقَّبُ مواضعَ العباداتِ، وأتطلَّبُ مواطنَ الزياراتِ، إلى أنْ ألفيت فتًى فَتِيَّ الشبابِ، ظاهرَ الأحبابِ، أحلى مِنَ الكَعابِ، بريئاً من العابِ، عليه شَملةُ، العَسيفِ، ولديهِ شِمِلَّةُ التعاسيفِ، فملتُ إليهِ مَيْلَ الظمآنِ إلى ورودِه، والشِّبِقِ إلى مراودةِ رُودِهِ، وقلتُ له: يا ذا الملاحةِ السَنِيَّةِ، والفصاحةِ السًحبانيةِ، أقْسمُ عليكَ بمَنْ صَوَّرَ البصائرَ، ودوَّرَ الفَلَكَ الدائرَ، إلاَّ عرَّفَتني مَغْرِسَ شَجَرتِكَ، ومُعَرَّسَ عِترتك وأينَ موردُ فارطِكَ وحلولُ حِلَّةِ أراهطِكَ، فارفَعْ عنِّي هذهِ الحرارةَ، وأصدُقني صدْقَ حاجب بني زرارة، فقالَ لي: أما شعبةُ الشجرةِ فمِنْ هذهِ السَّحَرةِ، وأما مُقامُ عِترَتي المعَدّينَ لإقالة عثرتي فبهذهِ الرَّوضةِ الزاهرةِ والدوحة الباهرةِ ثم أومأ بيدهِ إلى البصرةِ ط وقَرَنَ بين الشّهيق والزفرةِ، فقلتُ لَهُ: ما الذي هيّجَ حِزق لَهيبِكَ، وأجّجَ حُرَقَ نَحيبِك ثم معَ ذلكَ فإلى أينَ انسحابُكَ، وبأي الرِّحال يسحُّ سَحابُكَ فقالَ لي: أما البكاءُ فلانحرافي إلى الحُوب، واعتكافي بخليةَ نُوب هذه الذنوبِ، وأما غاية الانسحاب، في هذه الرِّحابِ، فإلى طلحةِ الطلحات، المنتاب على ممرِّ اللمحاتِ، علّ أنْ يكونَ سبباً لتسهيلِ صِعابي، والنزولِ عن صهوةِ عابي، لا سيَّما وقد حَلَّ بضريحهِ رجلٌ تنزِلُ لزُمَر زهدهِ الوعولُ، وسهام سُهُوم وجهِ وَجَلهِ أبداً تعولُ، عسى أن يساعدَني بدَعوةٍ مُستجابةٍ، ولو بقبولِ تجابةٍ بعد إجابةٍ، قالَ القاسمُ بنُ جريالٍ، فبكيتُ لبكائه، ورثيتُ لحَلِّ وِكاءِ مُكائهِ، ورجوتُ قبول توبته، وأفُولَ حُفولِ حَوبتِه وقلتُ لَهُ: أتأذن لي في متابعتِك إليهِ، ومبايعتِكَ على ما تُعوّلُ عليهِ فقال لي: أنا من جملةِ عُبدانِك، ُوفسكل حَلْبَة مَيْدانكَ، والمجبوذُ بأرسانكَ، والملحوظُ بإنسان إحسانكَ، فلمّا وقفتُ على غَثِّه والسَّمين وحًلَّ عندي محلَّ اليمينِ باليمينِ، ورضيتُ بحَمْلِ ثقَيلِه، واستطبتُ ظلالَ مقيلِ قيله، دعتْني مَعاصم عِصْمتِه، إلى مباسم سِمَته، واستدعتني روضةُ نَضْرته، إلى حضرةِ مناظرته، ثم سِرْنا برئَيْنِ مِن الإخفاق، عرّيينِ من ملابس الإشفاق، إلى أنْ وردْنا جنابَهُ، وشدَدْنا على بابه نابهُ، فدَخلتِ التلامذةُ مُعْلِمينَ، وبطرازِ ذلك الطرازِ معْلَمينَ، ثم عادوا آذنين، وصاحبي يمزجُ بدَرِّ دَمعِهِ الذَّنَين، لا تنبو بواترُ عبراته، ولا تخبو زواخرُ حَسَراته، فحين حَصَلَ لنا الوصول، وعَمَّ رَبْعَ سعينا ذلك المحصولُ، ألفيتُ الزاهد المختار، أبا نصرٍ الخائن المختارَ، فشُدِهْتُ من ذلكَ الصَّمتِ، وبُهِتُّ بحُسنِ ذيّالكَ السَّمْتِ، ثّم بادرتُ إلى تقبيلِ يمينهِ، لاستخراج نُخَب كمينهِ، فرفَعَ رأسَهُ إليَّ، ثم كرَّ بطِرْفِ طَرْفهِ عليَّ، وقال لي: يا بن جريال لفحْتك أنّةُ هذا القاصد، وأنحفتك سُمومُ هذه المقاصِد، وأقلقَكَ تفاقُمُ فَرَقِ فَرَقهِ ومُدِّهِ، وتلاطُم طُول جَزْرِ زَجرهِ ومَدِّهِ، فأبْشِرْ بتخفيفِ آلامِه، وتجفيفِ أَيْكِ أَثْل إثْمه وثُمامِهِ قالَ: فعجبتُ لحسنِ مكاشفتِه وطربتُ من عثورِهِ على مكاشفتِه، ولمّا أزِفَ مُعَسكرُ السّباتِ، نهضنا لإقامةِ الصَّلاةِ، فأدَّينا الفريضةَ بِسُننها، وفدّينا انتفاع يفاع الزَّورةِ وقُننِها، فوضعَ بعد أداءِ فَرْضه، ونَشْر أنواع عَرْضِه ونَضِّه، مُصلاَّهُ على عاتمه، واندرأ إلى طاعةِ ناتقه وحينَ أدلهمَّ وجهُ الوجودِ وجَنَّ وهمَّ القانت بالسجودِ، ومَن، قابلَ مِحْرابهُ، ونزَعَ عن حُسام السهر قرابَه، ولم يَزَلْ ما بينَ أرَق مُذيب وقَسورهِ قلق وذيب، إلى أن برزَ فَلَقُ المشرقين وسعت بين سماطي طعامه إقدامُ القَين، فعند ذلكَ طلع إلينا طلوعَ الثريا علينا، فقمتُ للقائه، ولثمتُ مواضعَ تِلقائه، وقلتُ لَهُ: قد عزم الأمرُ وظهرَ، ونجمَ نجم المفارقةٍ وبَهَر، فامنحني من عِظاتِكَ لا مِنْ أضاتِكَ، ورأفة التفاتِكَ لا مكافأتِكَ، فقالَ: أكرمَكَ اللهُ إكرام المُحقِّ، وألهمَكَ امتطاءَ بازلِ الزَّهادةِ والحقِّ، وأعاذَكَ من كسادِ الحاذق، وحَرْمانِ المستحِقِّ، ثم أنشدَ بعدَ شُرْبِ حَميم همِّهِ ومُهله، وعَلِّ شرْبي المقاطعةِ ونَهلله: الكامل:
стр. 79
الدهرُ يَسعى للجَهولِ لجَهله ... ويحطُّ من رُتَبِ العَقولِ لعَقْلهِ
ويُقيم فَدْماً ثم يخفِضُ عالماً ... وَرِعاً تُحيِّرُنا محاسنُ فعْلهِ
فاصبرْ إذا نزلَ القضاءُ فإنّه ... بالصَّبْر يُعْرَفُ نابه في أهله
ودع الخيانةَ واجتنبْ في عِفِّةٍ ... فِعلَ الفَجور جزيلَهُ معْ قلِّه
واغمد لسانكَ لا يُسَلُّ فإنَّه ... سيف يسوءك إن سمحت بسله
واحفظْ عهودَ ذوي العهودِ ولا ... تَجُدْ أبداً بعرضِكَ ما استطعتَ وثلِّهِ
وتجنب النذلَ اللئيمَ فإنَّهُ ... يهوَى المعائب أنْ تكونَ بخِلّهِ
يدنو إليكَ بجسمِهِ وفؤادُهُ ... متباعِد بُعْدَ العُلى من أصلِه
والوغدُ يغتابُ العليمَ لكونهِ ... فوق السِّماكِ على مجرّة نُبلهِ
ويُريهِ حُسْنَ تودّدٍ وبقلبه ... نار تَضَرَّمُ من حرارةِ غِلِّهِ
وإذا نظرتَ بعينِ عقلك قِسْتَهُ ... دونَ الجذاذةِ من جذاذةِ نعلهِ
فاقنعْ بأيسرِ عيشةٍ إنَّ النُهى ... رَبَطَ القناعةَ والجَلاَلَ بحَبْلِهِ
وانظرْ إلى العلماءِ نظرةَ راغب ... واسلُكْ إلى الرحمن أوضحَ سُبْلِه
وتحلَّ بالعلم المُعِزّ لأنّهُ ... رَيع يعينك أو تجلّ لأجْله
واسمحْ مما ملكتْ يمينُكَ واعترفْ ... أنَّ الإله يُعيدُهُ من فَضْلِه
واخلَعْ ثيابَ مَكارهٍ وفواحشٍ ... والبسْ لفرْجِكَ جُنَّةً في قتلهِ
واحذرْ منَ الطمع الذي في طيّهِ ... طبَعٌ يطبّقُ مَعْ طلائع ذُلِّه
قالَ: فحين زَبَرْتُ ما أملاهُ، وشكرتُ طولَ مُلأةِ ما أولاهُ، نفحني بحلاوةِ فحواهُ، ومنحنيِ مِنَ التُّحَفِ بما حِواهُ حواهُ، فحرْتُ من نظافةِ زواياهُ، ولطافةِ مزاياهُ، ورَدَدْتُ في الحافرةِ صفاياهُ، وأبيتُ الصِّلةَ إلا وصاياه.
المقامةُ الثانيةُ والثلاثونَ الحمصيّة
стр. 80
روى القاسمُ بنُ جريالٍ، قالَ: أَلمَ بي أَحيانَ مجاورةِ الجآذرِ، ومسالمةِ الحذرِ الحاذرِ، طُوفانَ جَدْبٍ بَرقت لبَرْقهِ أساوِدُ الأبصارِ، وعرِقْت لأعبائهِ أظفارُ أولى الاصطبارِ، ونعقتْ لقِصرِ سيلهِ عُريانُ الأكدارِ، ونعَقَتْ لطولِ ويلهِ غِربانُ الإنكدارِ، إلى أنْ جزَّ جُرازَ الجَزَع وقطَّ، وحزَّ حسامُ حَرِّ الحُرَق واشتطَّ، وكَلَّ كُلُّ مُحتالٍ فدانَ، وأنكلَّ كلُّ مختال فهانَ، وأَذْعَنَتِ العِيالُ للإعلال، وتمسكنَتِ الأقيال للإقلال، وواصلَ القُعَدَةُ الارتحالَ، وتَغَيَّرَ الحالُ وحال، فلمّا أخذت البشر تتضاغى، وأخدرت خمْساً لم أذقْ بها مَضاغا، أقبلتُ أفكرُ فيما ينقِذني مِن صبرِ ذاكَ الوصَالِ، ويستخلِصُني من مصائبِ صائب تلكَ النّصالِ، فبينَما أنا أضطَربُ لذاكَ التَّوَى، وأشتهِبُ لَشهب أنواءِ النوَى، ألفيتُ أبا نصرٍ المصري يتقلَّب على طَنَافس الإركاس، ويتَقَلْقَلُ لسَرَفِ سُكْر ذلكَ الكأسِ، فأرقلَ نحوي إرقال التَّبار، وأقبلَ إليَّ إقبال الأدبار، وقالَ لي: يا بنَ جريالٍ أراكَ تقومُ مِنَ النَّصَبِ فيما أقومُ، وتعومُ من الوَصَب فيما أعومُ، فأخْبرنِي ماذا ترومُ، لأخبركَ ماذا أرومُ، فَقلتُ لَهُ: أطوِّحُ المطامِعَ وأسوحُ، وأسِّرحُ سفينَ السَّفَرِ وَلَو سَحَّتِ السوحُ، علّ أنْ يُراشَ من جَنَاح الأملِ ما اَنْحَصَّ ويُخاطَ من قميص المَصالح ما اَنقَصَّ، فقالَ لِي: تاللهِ لقد نظرْتَ ببصرِ مُقلتيَّ ونطقتَ بلسانِ شفَتيّ فطالما رشَدَ مَنْ شَرَدَ، وقلمّا عَقَدَ مَنْ قَعَدَ، وإنْ كنتَ تُريدُ رُوْدَ مزاملِتي وتُديرُ مزاء دُور ملازَمتي، فاصبرْ عَلَى مفارقة مَهونكَ، ومواظبة أمونكَ، عَسَى أن يجزم الزمن طماحك، وينصب رماحكَ، ويخفضَ صُماحَك، ويرفعَ من ماحَكَ ولو ماحَكَ، فَمَنْ أحبَّ الحِبَرَ ركَبَ أماليتَهُ، ومنْ رامَ رَيْمَ العلاُ عطفَ نحوَ العُلا ليَتهُ قالَ: فتقبّلتُ قُبلَ تَيكَ العَروبِ، وإنْ كنتُ أدري أنَّ قمر مرافقتهِ يُفْضِي إلى الغُروبِ، ثُمَّ أقبلَ كلّ على مِنْسأتهِ، ونَدِم على ما فَرَطَ من إساءتهِ، ولَمْ يَحْضُرْني في المزادةِ المعدودة، سوى بدلِ لبنِ المُصَرَّاةِ المردودةِ، فأخذت بالدَّينِ، عددِ عضلِ العضُدَينِ، إلى سَعَةِ اليدينِ، أو بيع أحد البُرْدَين، ثمَّ لَمْ نَزل نجتذِبُ عرائِسَ المسايرةِ ونعتَبِقُ، ونصطبح بمفازة المناهزةِ ونغتبقُ، إلى أنْ نزْعنا سنانَ الرِّحْلَةِ بحِمْصَ، وقَدْ أخلقَ الخَوَرُ صِدارَ التَّصَبُّرِ والقُمْصَ، فلمّا وصلْنَا إلى عَرصَاتِها، واهتصرنا بذوائب ناصاتِها قال لي: أرى أن نَفْصِمَ حِبَالَ التحويلِ، ونصرِم وضين عويل هذا التعويلِ، ونطأ صعيد هذهِ المدينةِ، ونرقأ بسلم ما يسد خلةَ اليَدِ المدينةِ، فإلامَ نَخِدُ بخمائلِ الخُمولِ، ونرتَعُ بينَ الحُمولِ في حنَادس المُحُول، فإن كنتَ على عَهدِكَ السالفِ، وما عهدتُكَ من حُسْن التحالُفِ، فأخِّرِ الخَبَبَ اللازمَ، والتعبَ المُلازمَ، إلى أنْ ينكسرَ سمُّ سمُوم السَّغَبِ والحرورِ، وينهزمَ جيشُ دَيلم الكُرَب الكرور وإن كنتَ تَخشى أنْ يلحقَكَ رِقُّها، وتسحقكَ شُقّةُ مَشَقَةِ لا تستحقُّها، فعلىّ زامورُ المَكادح ورَقهُا، وراووق كأس المكاسب وزِقُّها، وإنباتُ ريش فراخِكَ وَزقُّها، وما مِنْ دابِة في الأرض إلاَّ على اللهِ رزقُهاْ، فقلتُ لَهُ: أنا بنَانُكَ إنْ رحلْتَ، وجنَانُكَ حيثما حَلَلْتَ، فأعرِفكَ لراحتي تجادلُ، ولرفع باحتي تقاتِلُ، ولكنْ كيفَ تَلجُهَا وأنتَ العُقربانُ القاتلُ، فَقْهْقَهَ قهقهةَ القَسيب، وشَكَرَ سَلْسالَ سَحِّ ذلكَ السِّيْب، ثم نهضَ يُنغِضُ هامتِهِ، وينفض ثغامتهُ، فجعلتُ أقتافُهُ وأتلوهُ، وأستنشق تَفَلَ تَفل نَكْره وأبلوهُ، حتى ولجَ بي غيرَ ضَجُورِ، إلى مسجد مهجورِ، تضارعُ وحشتَهُ القبورُ، وتسوقُ وكف جدرانهِ الدَّبورُ، فَربضَ كُل بزاويةِ واكفة، مِنَ الهتُونِ هاويةٍ، فعطفتُ لِيتي إليهِ، وأرسلتُ سِباعَ المعاتبةِ عليهِ، فقالَ لي: أظنّكَ تتبرَّمُ بمصاحبتي، وتحتقرنِي لعدم حَبَّتي، ففي غَدٍ تَحْمَدُ مسعاكَ، وتشكُرُ مَرْعَاكَ وتملأ عياب قَبْقَبك، وتُقامُ عروشُ ذَبْدبكَ فقلتُ لَهُ: قاتلكَ اللهُ أما يشغُلكَ اندفاقُ جُوعِكَ، وإباقُ موجوعِكَ وهجوعِكَ، عن علِّ هَذي الدُّعابةِ، وسلِّ
стр. 81
سيوفِ هذي المداعبةِ، فقال لي: يا بنَ جريالٍ اجعلِ الصعيدَ وِسادَكَ، وتأسَ بمن بجُوعهِ شَرُفَ وسادَكَ، فما الفخرُ بنيلِ رِيِّكَ، ولا بما يلِجُ بمجارِي مَرِيك، وإنّما المفخرُ بالصَّبرِ عن الموائدِ، ونهلِ الصبْرِ عندَ نزول الشدائدِ، ثمّ إنَّهُ أقبلَ يعاملني معاملةَ الأطفال، إلى أن أعلنَ ظليمُ الظلام بالانجفالِ، وعندما بزغتِ الغزالة، ونفدَتْ لطافة المعاتبةِ والجزَالةُ، أقعدني وولّى، وطلبَ فوزَ فذِّهِ والمُعَلَّى، ثم عادَ وَقَدْ صبغَ لحيتَهُ، ودَبَغَ بقَرَظِ التّبحُّرِ حيلَتَهُ، فتنفّسَ المجهودِ، وقالَ: غيِّروا شيبكم ولا تشبَّهُوا باليهودِ وحينَ قعدَ واستقرَّ، وبردَ عَرَقُ مَفْرقِه وقَرَّ، وضَعَ شَمْلَةً مشحونة بثلثي عَرِيكَةٍ، وفخْذَيْ دَجاجةٍ وديكةٍ، ثمَّ حاذرَ الافتياتَ وقالَ: التقِمْ عَمَّا سَلَفَ وفاتَ، فأنا أحيَلُ مَنْ نفحَ بالطَّبنِ، وجَمَعَ لكَ بينَ الرئمانِ واللَّبنِ، فقلتُ لَهُ كيفَ نَعْطِشُ أو نَجوُع، وأنتَ الزَّادُ والماءُ النَّجوعُ، ومَعَ هذهِ المِيرةِ اللطيفةِ، ونَشْرِ ألويَةِ ألوَّةِ هذِي الطريقةِ، فإلى أينْ انتهى بكَ سبَبُ الرسيم، ومن أينَ حصلَ في انتهابِكَ طِيْبُ هذا النسيم، فقالَ لي: خَلِّ ما يؤدِّي إلى الانفصالِ، وجَلِّ فيما يُزيلُ ألَم تفرُّقِ الاتصالِ، فقلتُ لَهُ، قَسماً بمَنْ رَفَعَ السِّماك، وحَباكَ بأحسن الكُنَى وسَمَّاكَ، ونشرَ شوازبَ شَذاكَ، ورَّوَعَ رُوعَ الضّبارم بذاك، لا صرفتُ إليهِ جَنابي، ولا لطختُ بغَمَرهِ بناني، أو تعرِّفُني من أينَ قصدتَهُ، وبأيِّ حِبالةِ الحِيلِ صدْتَهُ، فقالَ: اعلم أننّي حِيْنَ أزمعْتُ الرواحَ ورُحتُ، وحثّني على فِراقِكَ السُّحْتُ وسُحْتُ، جَعَلْتُ أفَصِّلُ وأجملُ، وأتّقحُ وأجْمِلُ إلى أنْ وقفْتُ بالقَلْبِ القَليِّ، بباب الباقليِّ، فاكتنفتُ كفَّ فُولٍ مُضطَبع يَهمُلُ، يَسعَى بينَ مروَتَيْ القصْعة، ويرمل فملْتُ لعدَ ذاكَ إلى المَيْن، وقلتُ: هذا لا يذودُ جُوعَ يومين، فوردتُ الحمّامَ، وأردتُ الاستحمامَ لحِيلةٍ أضعُها، أو مَكيدةٍ أَصنعها، فإذا أنا بخادم قادم، ظاهرِ الكِبَرِ متقادم، فجثَمَ قُبالتِي، وأقبلَ يَرمُقُ كِبَرَ آلتِي، فلمَّا رأيتُهُ وارفَ الهمولِ، دائم النظرِ إلى الغُرْمُولِ، دلَفْتُ إليهِ، وعلمتُ أنَّهُ يَغْبُطُني عليْهِ، وقُلْتُ لروُحي: هذهِ فرصةٌ ساقَها القدرُ إليَّ، وقُرْصةٌ سَمحَ بها تَنًّورُ الظَفَرِ عليَّ، ثم إنّي مِلْتُ إليه مَيْلَ الحَنونِ، ودُرْتُ لمخاتلتهِ دَوَرانَ الجُنونِ، فلمّا أَنَسَ بموانستي، وآنسَ من جانبِ طُورِ الطَمَع نارَ موالستِي، قالَ لي: حينَ حنأتُ لحيَتي، وهنأتُ بمقدَمهِ حيلَتي، تاللهِ لقد جُدْتَ بالمناسمةِ فأحسنتَ، وأذبْتَ جامدَ القرائح وألنْتَ، وأذنْتَ بولوج جامع زُبَدِكَ وأذَّنت وآذنت، بحُلْوُ ملحِكَ وأذْعَنْتَ، وأنعمتَ بالمفاكهةِ فأمعنتَ فباقعةُ أيِّ البقاع أنتَ، فقلتُ لَهُ، أمَّا الموطنُ فطوسُ، وأمَّا الاسمُ فأبو الطُرَفِ فَطوسُ، وأمّا الصناعةُ فطِبّ يُبرئ الأسقامَ ويطفئُ العَرَّ العُقَامَ، ويُنطقُ السبّارَ، ويُنبِتُ الغَراميلَ الكِبارَ، فلمّا سِمعَ مقالتي، وشكر مِقتي، واستنفِد المحْمَدَة لمقامتِي، قالَ: سِرْ مَعي إلى الدّارِ، فلنا حاجة جليلةُ المِقدارِ، فأَجَبْتُ كواعبَ دَعوتهِ، تأملتُ مطائبَ دِعوتهِ، ولمّا فصلتُ إلى دُورهِ وقصلْتُ عصائدَ قُدورهِ، قالَ لي: أيها الحاذقُ المجرِّبُ، والكاملُ المتدرِّبُ، سَمِعْتُكَ تقول حينَ خلوْتُ بِكَ، وبلوتُ خرائدَ نُخَبِكَ، أنَا مِمَّن يُنطِقُ السِّبارَ، وينيتُ الغَراميلَ الكِبار، فإن كنتَ تقدرُ على ذلكَ، وتتجنَّبُ مواردَ آنذاكَ، فأنا أحُسِّنُ عاقبةَ حالِكَ، وأقُوِّمُ حَدَبَ ارتحالِكَ فقلتُ لَهُ: ستَرى مَقْدَمي إليكَ، نِعمةً من الدَّهْرِ المساعدِ عليكَ، وتنظرُ بين فخذيْكَ لديَّ، عَصَاً تتوكأ عليها إليَّ، وتجمَعُ شوارِدَ نَعَمكَ، وتَهشُّ بها على غنمِكَ فأعجبَهُ الكَلامُ، ولم يدرِ أنْ سيتبعُ الكَلامَ الكِلامُ، فعمدْتُ إلى مُدْيةٍ ماضيةِ الغُروبِ، مجرّبةِ المضاربِ في الحروبِ، فقالَ لِي: ما تصنعُ؟ قُلْتُ: أشُقُّ ما سَفَلَ مِنْ عَانتِكَ، ومِنَ اللهِ صولُ إعانتك، وأَضعُ مِنَ الدَواءِ حَولَيْهِ، ما يكونُ سبباً لإنباتِ المُشَار
стр. 82
إليهِ، فقالَ: دونك وما تريده، ففي يَدَيْك أخدَعُ المخادعةِ ووريده، فبادرتُ لرعانتهِ، إلى شقِّ عانتهِ، فجر إليهِ رجْلَيْهِ وخَرَّ مغشيّاً عليهِ، فوثبتُ وثبةَ الواقبِ، أو القَسْور المُراقبِ، مخافةَ أنْ يُحْرِقَني نفطُهُ، أو يُدرِكَني رَهْطُهُ، وهذا آخِرُ ما توخَيْتُهُ، من طُولِ حَبْلِ الحِيْلَةِ الذي أرخَيتُهُ، قالَ القاسمُ بنْ جريال: فلمّا حَذَقْتُ قِيلَهُ، وحَملْتُ مِنْ حَرِّ الحَذَرِ ثقيلَهُ، جَذَبْتُ بيديَّ أخدَعًيّ، وضربْتُ براحَتيًّ، على ركبَتيَّ، وقلتُ لَهُ: قَبَحَكَ اللهُ يا مُضْغَةَ العائبِ، وعيبةَ المعائبِ، وذُبحةَ الطيالسة، وسُبْحةَ الأبالسةِ، أفَما تَحْذَرُ مِنْ وَرْطة هائلةٍ، وغُرة غائلةٍ سائلةٍ، فلا ردَّم للهُ مَنْ ردَّمَكَ، وقَدَّ قَدَّ مَنْ قَدَّمكَ، وخدَّ خدَّ مَنْ خَدَّمَكَ، فلقد ضَلَّ من نادمَكَ، وفازَ منْ صَادَمَك، ورأى قَدَمَكَ، فأراقَ دَمَكَ، فالتفتَ إليَّ وقال: يا للعَجَبِ العجيب، والغضبِ الغريب الغريبِ، أجْنِي لكَ وتلتَقِمُ، وتجني عليَّ وتنتقِمُ، وأرفَعُكَ وتخفِضُني، وأَحملُكَ وتَحْفُضِني وأصلُكَ وتَحرِمُني وأواصلُكَ وتجزمُني، وأروِّقُ شرابَ حِبابكَ وتُدَفِّقُ لديَّ حبابَ حُبابِكَ، بعد أن رَهَزْتُكَ وهززتُك، وأَعْزَزْتُكَ وعزَّزْتُكَ، ومارستُكَ أحسنَ مِراس، وأوقدْتُ لاَنقيادِكَ أشرَفَ نِبراس، وزِدْتُ فَم عدِم فَهمِكَ أربعةَ أضراس، ولَمْ يكْفِ أنْ سعَيْتَ لانتصارك، مَع انحسارِكَ، حتّى تَجْعلَني عندَ مسارِكَ على يسارِكَ، فأفّ لِمَنْ يَلْمِزُ بمقلتيهِ، ويضَعُ مِلْحَهُ على رُكْبَتَيْهِ، وحيثُ قد أجْبَنْتُكَ عِندمَا عجنتك واَستهجنتُكَ بعدما اَحتجنتُكَ، فلا حاجة لي في مُحاججتِك، وطُول زمجرةِ ممازجَتِك، قال: فبينا نحنُ نتنازعُ عُقارَ الشقاق، ونتضرج بوَخزِ هاتيك الدِّقَاقِ، ألفينَا الخادِمَ يَدورُ، والجلاوزِةُ حولَهُ تمورُ وشِواظُ الصُّراخ يَتّقِدُ، وعجَاجُ العِياطِ ينعقدُ، فما لَبِثَ أنْ نَقَبَ الجِدارَ، ونقَضَ الأحجار، ثُمَّ انسربَ خلفَ المحرابِ، بحُسام الحِيَلِ والحِرابِ، فتبِعْتُهُ وَرِيْفَ الغُلواءِ، وارفَ العُرواءِ، وبينَما نحنُ نَهربُ ونتكَفَّتُ، ونُهْرِبُ ونتلفّتُ، إذ زَلِقَتْ قَدَمهُ، فانفجرَ دَمُهُ، فقلتُ لَهُ: هذا عُنوانُ قصَاص يوم الوعيدِ، ذلكَ ما قدَّمَتْ يداكَ وأن اللهَ ليسَ بظلاّم للعَبيدِ، ثم احتملتُهُ بينَ العاتقِ والوريدِ، وجريتُ بهِ جَرْيَ خَيْلِ البريد، ولما استوى على عاتقي استواءَ الظاعنين، قالَ: سبحانَ الذي سخَّرَ لنا هذا وما كناَ له مقرنينَ، فقلتُ لَهُ: أتهزأ بي والفِرَقُ خلفَكَ يتألبون، وللقيانِك فقالَ: دونك وما تريده، ففي يَدَيْك أخدَعُ المخادعةِ ووريده، فبادرتُ لرعانتهِ، إلى شقِّ عانتهِ، فجر إليهِ رجْلَيْهِ وخَرَّ مغشيّاً عليهِ، فوثبتُ وثبةَ الواقبِ، أو القَسْور المُراقبِ، مخافةَ أنْ يُحْرِقَني نفطُهُ، أو يُدرِكَني رَهْطُهُ، وهذا آخِرُ ما توخَيْتُهُ، من طُولِ حَبْلِ الحِيْلَةِ الذي أرخَيتُهُ، قالَ القاسمُ بنْ جريال: فلمّا حَذَقْتُ قِيلَهُ، وحَملْتُ مِنْ حَرِّ الحَذَرِ ثقيلَهُ، جَذَبْتُ بيديَّ أخدَعًيّ، وضربْتُ براحَتيًّ، على ركبَتيَّ، وقلتُ لَهُ: قَبَحَكَ اللهُ يا مُضْغَةَ العائبِ، وعيبةَ المعائبِ، وذُبحةَ الطيالسة، وسُبْحةَ الأبالسةِ، أفَما تَحْذَرُ مِنْ وَرْطة هائلةٍ، وغُرة غائلةٍ سائلةٍ، فلا ردَّم للهُ مَنْ ردَّمَكَ، وقَدَّ قَدَّ مَنْ قَدَّمكَ، وخدَّ خدَّ مَنْ خَدَّمَكَ، فلقد ضَلَّ من نادمَكَ، وفازَ منْ صَادَمَك، ورأى قَدَمَكَ، فأراقَ دَمَكَ، فالتفتَ إليَّ وقال: يا للعَجَبِ العجيب، والغضبِ الغريب الغريبِ، أجْنِي لكَ وتلتَقِمُ، وتجني عليَّ وتنتقِمُ، وأرفَعُكَ وتخفِضُني، وأَحملُكَ وتَحْفُضِني وأصلُكَ وتَحرِمُني وأواصلُكَ وتجزمُني، وأروِّقُ شرابَ حِبابكَ وتُدَفِّقُ لديَّ حبابَ حُبابِكَ، بعد أن رَهَزْتُكَ وهززتُك، وأَعْزَزْتُكَ وعزَّزْتُكَ، ومارستُكَ أحسنَ مِراس، وأوقدْتُ لاَنقيادِكَ أشرَفَ نِبراس، وزِدْتُ فَم عدِم فَهمِكَ أربعةَ أضراس، ولَمْ يكْفِ أنْ سعَيْتَ لانتصارك، مَع انحسارِكَ، حتّى تَجْعلَني عندَ مسارِكَ على يسارِكَ، فأفّ لِمَنْ يَلْمِزُ بمقلتيهِ، ويضَعُ مِلْحَهُ على رُكْبَتَيْهِ، وحيثُ قد أجْبَنْتُكَ عِندمَا عجنتك واَستهجنتُكَ بعدما اَحتجنتُكَ، فلا حاجة لي في مُحاججتِك، وطُول زمجرةِ ممازجَتِك، قال: فبينا نحنُ نتنازعُ عُقارَ الشقاق، ونتضرج بوَخزِ هاتيك الدِّقَاقِ، ألفينَا الخادِمَ يَدورُ، والجلاوزِةُ حولَهُ تمورُ وشِواظُ الصُّراخ يَتّقِدُ، وعجَاجُ العِياطِ ينعقدُ، فما لَبِثَ أنْ نَقَبَ الجِدارَ، ونقَضَ الأحجار، ثُمَّ انسربَ خلفَ المحرابِ، بحُسام الحِيَلِ والحِرابِ، فتبِعْتُهُ وَرِيْفَ الغُلواءِ، وارفَ العُرواءِ، وبينَما نحنُ نَهربُ ونتكَفَّتُ، ونُهْرِبُ ونتلفّتُ، إذ زَلِقَتْ قَدَمهُ، فانفجرَ دَمُهُ، فقلتُ لَهُ: هذا عُنوانُ قصَاص يوم الوعيدِ، ذلكَ ما قدَّمَتْ يداكَ وأن اللهَ ليسَ بظلاّم للعَبيدِ، ثم احتملتُهُ بينَ العاتقِ والوريدِ، وجريتُ بهِ جَرْيَ خَيْلِ البريد، ولما استوى على عاتقي استواءَ الظاعنين، قالَ: سبحانَ الذي سخَّرَ لنا هذا وما كناَ له مقرنينَ، فقلتُ لَهُ: أتهزأ بي والفِرَقُ خلفَكَ يتألبون، وللقيانِك
стр. 83
يتقلّبونَ، وأنا إلى ربّنا لمنقلبونَ، ثم ألقيتُهُ فصاحَ، وسبَّ نفسهُ والفِصاحَ فغشيني يم رحمته، وأدركَنيُ مدركة مضر مرحمته، فاحتملتُهُ احتمال الأجواد، وأعدتُهُ إلى مكان النجادِ، فأنشدَ بعدَ ما صبَّ صيِّبَ صًبْرهِ صبّاً، وضممتُ إلى فِتْرِ رأفتي بُصماً وَرتْبا: الطويل:
تجملْ رعاكَ اللهُ لا تُظهرِ العَتبا ... ولا تُسكنِ الأحزانَ منْ صَدْرِكَ القَلْبا
ولا تلبس الأوجالَ إنْ لاحَ مكْسَبٌ ... فتُمسِي وقد أهْدَتْ إلى قلبِكَ القُلبا
فأفٍّ لليثٍ لا يعفِّر أنفَهُ ... بعِثْيَره حِرصاً إذا ساور السِربَا
وتُفٍّ لَه إنْ ضاقَ ذَرعاً وخِيْسهُ ... خَلِيٌّ من الأشلا إذا شاهدَ السَّربا
وليس بعار أنْ يبيتَ وجوعُهُ ... يضِبُّ وفيضُ الرزقِ قد يشبع الضبا
فما عزَّ من أمسى من الذّلِّ كاسياً ... ولا سادَ ذو ضَنٍّ على المالِ إذ ضبَّا
قال: فسِرت تحته سير الجليدِ، إلى تربةِ خالدِ بنِ الوليدِ، وقلتُ لهُ: أقسِمُ بمسخِّرِ الرِّيْح، وجابرِ القَلْبِ القريح، لَئِنْ لَمْ تجتوِ هذهِ الإحساءَ، لا صحبتُكَ أو يصحبَ صخرُ الخنساءَ، ويعتري النِقْرسُ النساءَ، ثم إنّي رقدتُ رِقدةَ الأجير، واضطجعَ لإدبارِ جيوش الهَجيرِ، فاستيقظتُ وقد ولَّتْ قنابل الوقودِ، فألفيتُهُ قد أرقَلَ إرقالَ القرودِ، فبتُّ وأنا منَ الكُرَبِ صادٍ، مِنَ الوجلِ على مِرْصاد، كأننَّي صريعُ فِرصادٍ، لا أنطقُ بحاءٍ وميمٍ وصادٍ.
المقامةُ الثالثةُ والثلاثونَ الواسطيَّةُ
حكَى القاسمُ بنُ جريالٍ، قالَ: اتَّخذْتُ مدَّةً مِنَ الدهر الأدهم، والعصر المحلولكِ الأسحم، بالحبشةِ داراً، وقد قدَّني الملوانِ إِذعاراً، لا يرتضيها الضِّبعانُ غاراً، والثعْلُبانُ أَنَفَةً وعاراً، فحينَ كرِهْتُ مُعاقرةَ عروشها، ونَدِمْتُ على معاشرةِ أحبوشِها، اعروريتُ سنامَ العَيْسجورِ، وفَريْتُ إهابَ البحر المسْجورِ، ولم أزل أخِد بأقدام الفِرارِ، إلى مواطن القرارِ، وأجدُ مَعْ مكابرةِ البِكار، حرّ حَزِّ مرارةِ الإفتكار، إلى أنْ سَرَطَني سراطُ واسط، وأنا ما بينَ قابضٍ منَ القلقِ وباسط
стр. 84
فأرَقْتُ كَؤوسَ النُّحوس، وفارقتُ لَبُوسَ الحَظِّ المَنْحوسِ وكسرتُ كؤوسَ الوُكوس، وهجرتُ عروسَ العُكوس، فلمّا عُمْتُ بمعارج أسواقها، وأقمتُ سُوقَ المَيْسُرةِ على ساقِها، ألفيتُها ذاتَ رُواءٍ وارفٍ، ولواءٍ وطارفٍ، يَصْبو إلى أركانها الوليدُ، ويَنْبو عَنْ مُناسمة سُكّانِها البَليدُ، فجعلتُ أقْصِدُ مُنادمةِ المدُاني، وأقصِدُ يدَ دِنانِ التداني، وكنتُ أيّامَ مُبادرةِ ثمارها، ومُذاكرة أذْمارها، أنْخرِطُ إلى حاكم المدينةِ، وأًلْتَقِطُ من نَثْر مآثرهِ المتينة، وكانَ مِمّنْ يَقْلِي لقاءَ البارح، ويقضِي بَيْنَ المُقيم والنازح، فبينما أنا عندَهُ في يوم مُسْهَوْهبِ الذَّائب، مُغْلَولبِ السَّحائبِ، إذ أقبلَ شَيْخ مُسْبل سِرارَ سَاجِه، مُرْهِف غِرارَ انزعاجه، نافضٌ رِفْلَ ثوبهِ العَمَرِ، قابضٌ غِلالةَ غلام كالقمرِ، فلمّا مثلا لدَى القاضي، ونثلا وفاضَ التغاضي، شهرَ الشيخُ لساناً كالِمخْصلِ الماضي، وقالَ: أيَّدَ اللهُ سُطَا سَيْفِكَ العمري، وشيدَ رَبْعَ عِزِّ عدلِك العُمَريِّ، ولا بَرحَ لِدانُ إنصافِك مُثقّفَ الأنابيب، وعنانُ انتصافِكَ مفوَّقَ الشآبيبِ، أنُهِي إلى وَلِيِّ إفضالِكَ، وجليِّ إجلالِكَ، أنَّني وَلدْتُ هذا الغلامَ، الماهرَ العُلامَ، وعَلَّمْتُهُ الكلام، وثقفتُهُ مُذْ قامَ حتَّى استقامَ، فحينَ شَبَّ في شِبابه ودبَّ لهَبُ هِبابه جَعَلَ يَحصِبُني بشَنيع مُنازعته، ويضرْبُني بقطيع مُقاطعتهِ، ويتحفني بامتنانهِ، ويَقْصِفُني بأهوية هَوانه، ويَخْذفُني بحصى حصانهِ، ويَحْذِفُني بعصا عِصيانهِ، ويُنشِقُني رياحَ عُقارِه، ويرشُقُني بقُذَذِ نقاره، ولم أزل مذ أتَّسقَ شفق بدره، وظهرَ ثَمَرُ نَدْرهِ، وراحَ للحِكمَ واشتغل، وفاح عَرفُ مَعْرفتهِ واشتلَ، وكَملَ شاربُهُ وبَقَلَ، ودَرَأَ دَرَنَ درايته ونقلَ، وصبا ركامُ ذِهْنهِ وصبَّ، واستيقظَ مِنْ سنَة وَهْنه وهبَّ، وعدنَ بدار الأدب وألب، وامتلأ صِدار صَدْرهِ بالدّرر واتلأب، أخِيط إذا طَرَّ، وألينُ إذا اقمطَرَّ، وأقترضُ إذا اضطرَّ، وأنقبضْ إذا اسبطرّ، وهو لا يَهْبِطُ عن ساحج عَجاجهِ، ولا يَعْدِلُ عن لاحب لَجاجه، ولَمْ يَكْفِهِ كُفْرُ فَيْض إفضالي، وطول مَدِّ طُلْيَةِ الطَّمَع إلى نضالي، حتّى عادَ يُطفِئُ وميضي، ويُرفئُ سفينةَ السَّرَقِ إلى قَريضي، وقَدْ تطرَّق هواهُ، وتدفَّق شرُّهُ وشَذَاهُ، إلى أنْ أفسدَ عليَّ بشاطئ هذا العبُور، شِعراً يُشابِكُ شناتِر الشِّعرى العَبورِ، فرفعَ منه ألفاظاً يسيرةً فأف لها سيرة، ووضَعَ عِوضها حقيرةً، فتُفٍّ لها جَريرةً، ولم يزلْ يا ذا الجُودِ، وفاطر الفَلَك الموجودِ، نسبةُ حَظِّي الموؤد، مع أمِّه الولود، نسبةَ الوالدِ إلى المولودِ، من طاعة هذا المولودِ، قالَ: فأقبلَ القاضي على فَتاهُ، وقالَ لهُ: إنِّي لأخالُهُ صادقاً فيما تَعيهِ، صابراً على ما يدَّعيهِ، فاتَّقِ اللهَ في مُناقشتهِ، واصبر على شدَّة شِرّةِ معاشرته، فقالَ له الغلام: أقسِم بِمَنْ أيَّدك بالعَلاءٍ، ورفَعها بعدد حروف الاستعلاء، وجعلَ بحارَ حِكَم الحكّام، في شامخ أحكام حِكَمِك كالرُّكام، أنَّني ما أطفأتُ وميضَهُ، ولا احتقرْتُ حَضِيضَهُ، ولا رفضتُ فريضَهُ، ولا انتحلتُ قَرِيْضَهُ وها هو مُدع أِّنَني ادعيت قصيده، وهدمت أبنية شعره ووصيده وليس الحال كما ادعاه وضمه وعاء سمعك ووعاه، وإنَّماَ سمح خاطري قبله، بشعر لو رآه الأخطل قبله، ولم أكنْ رفعتُ قَبْلُ قناعَهْا، ولا تدبَّرتُ اختراعها، فإنْ أحببت شيم شرر لددنا، وتبَلُّجَ صُبْح حَقَ أَحَدِنا، فمُرْنا بإيرادِ الدُّرَّتينِ، ليتضح لكَ اختلافُ كَلم الكلمتين، فقالَ لَهُ القاضي: تالله لقد وضعت محاسنَ سِراطِكَ وأنصفتَ برفع نَصيف أشراطِكَ، وهَرَفت بمدحِكَ على نشاطِكَ، وأرهفْتَ لهياج دَم ذمِّهِ شَباةَ مِشْراطِكَ فإن شِئْتَ أن تُجَلِّي فجلِّ، وإن رُمتَ أن تُصَلِّي فصَلِّ، فقالَ الغُلامُ أما عَلِمْتَ أنَّ البركة في الأكابرِ، ولا سيما المأخوذَةَ عن الكابرِ بَعْدَ الكابرِ، فقال الحَكمُ للشَّيْخ: أتْلُ شعْرَكَ لَدَيْهِ، وقَدْ خَصَّكَ بخلاص التقدّم عليهِ، فقالَ، وقد سعَّرَ لنزاله لهيبا، وجَرَّدَ لكفاحه لساناً مهيباً: الطويل:
стр. 85
متى أمتَري رَوْض النَّجاءِ قريباً ... ويُصبحُ حُر الوجْهِ فيَّ قشيبا
وأخْلُصُ من شدِّ الإرانِ وأنثني ... أخا حَنَفٍ يهوَى المُقامَ نصيبا
فوَيْل إذا أجني الرجاء، وأجتدي ... سليم نوالٍ في الأنام عَسيبا
فإن عُدّتُ منصوراً بجَونِ سعادةٍ ... أظلُّ لأعناق القطوع قضيبا
وإنِّي وإنْ صلَّيتُ في السَّبْتِ مدَّةًوأضحيتُ دَهْراً للترابِ نسيبا
وأمسيتُ عَنْ وَصْلِ الخَليلِ مقيَّداً ... يرى جَسدي بعد المسيح صليبا
لأعلَمُ حقًّاً سوفَ أحيا وأغتدي ... إلى يَوم عَرْض للحسابِ جذيبا
وأصبحُ بعدَ الفَن في لاجبِ البِلى ... أبا جَذَلٍ حُلْوَ الشبابِ حَبيا
فلا تحسبِ الإنسانَ إلا سحابةً ... تقشَّعُ من ريح المَماتِ قَريبا
فلمّا تحيَّرَ الحَكَمُ بإنشادها، وتَعَجَّبَ بمشيد شيدِ إرشادِها، قالَ للغُلام: أخرجْ يدَ برهانِكَ، مِنْ جَيْبِ غَمائم تهتانِكَ، وتَوَّقَ مواقعَ بُهتانِكَ، قبْلَ شُرْب شَراب امتهانك، فأنْشَدَ عندما أعادَ عُوْدَ حُرمتهِ لحيبا، وملأ حَضْرةَ الحَكَم نحيباً رحيباً: الطويل:
متى أرتعي روض النّجاءِ قريباً ... وأرسو بصبْر ظلَّ فيَّ قشيبا
وأفكرُ في شَدِّ الإُرانِ وأزدَري ... أبا حَنَفٍ يَرضَى المَلامَ نصيبا
فسحقاً إذا أجْنى الرَّجاء وأنثنى ... سَليمَ نِزالٍ ظَلْت فيه عَسيبا
فإن بِتُّ منصوراً بجَوْنِ سَحابةٍ ... مِنَ الحرْص أمسى بالعَنَاءِ قضيبا
ولو أنَّني صلَّيْتُ للسَّبتِ عامداً ... لأنشأتُ دَهْراً لا تضُم نسيبا
سأضرب بالعضب الخَليل مقوِّماً ... أخا صَعَر ظن المسيحَ صَليبا
وأحيا إذا أحيي من الجودِ جانباً ... ليمسي خصيباً للعُفاة جذيبا
فمن حب هذا الفنِّ تاللهِ لم أزلْ ... مقيماً لأصحاب السؤال حَبيبا
ولم أخفض الإنسانَ إلا تعفّفاً ... لئلا يَبيتَ العارُ فيّ قريبا
стр. 86
قال: فحين فَرَغَ من استجلاءِ عجائبه، وأفرغَ غَيْثَ غِمام غرائبه قالَ له القاضي: إنّهَا لأبياتُ أبيكَ، ولا أحابيكَ، ولم تُلْقِ سوى قيلٍ قليل فسلالا لكَ من سليلٍ، فقال الغلامُ: أقسمُ بمَنْ أتاحَ لنا قصدَ هذا الطريقِ، وأباحَ للمتمتع صيامَ أيام التَّشريق، إنَّها لفريدةُ نصاحي، ووليدةُ اجتراحي ونفيسةُ عفاصِي، وفريسة اقتناصي، غيرَ أن معنى ألفاظهما متغايرٌ، وغبار شدةِ مباينتهما متطايرٌ، وأنا - أعزَّكَ الله - أبيِّنُ حقيقةَ الحالِ، وأعيِّنُ عدمَ الانتحالِ، ثم إنُّه مضى في شرح القصيدتينِ، مُضِيَّ الفَرْقَدَيْن، فحينَ فتح أبوابَهُما، وأوضحَ أسبابَهما، قال القاضي للشيخ: ها هو قد بسطَ إليكَ عَشْرَهُ، وشرحَ لديكَ شِعرَهُ، فهل بقي بوفاضِكَ سِهام، أم تخلف بشهرَيْ ناجرِ احتجاجِكَ سَهام، فقالَ لهُ: اعلم - طَوَّلَ الله بِكَ ذَلاذِلَ الذيولِ القصار، وقلَّدَ عُنُقَ اقتداركَ بتقصار الانتصار - أنَّني جئتهُ حينَ تَمَّم إحكامَها، ونمَّر طخاريرَ الشكالة وركامَها فأنكرت عليهِ، ما أفضتِ القضيةُ إليهِ، وقلتُ لَهُ: تَعساً لك من سَروقٍ، وراكب عُجلزة عقوق، وتباً لكَ من ذي لَفْظ رخيم، وصاحبِ خيم وَخيم، أتهزأ - ويلك - بأشعاري، وترزأ بقواضب القِحةِ حلائلَ ابتكاري، ثُمَّ إنّهُ قَدْ حَصَل لك حال قُبْح هذِي الخِصال، واتِّصالِ خُمْصانَةِ هذا الوصال، مَعْ ما توخيتْ من جَودةِ هذا الارتفاقِ، صياغةُ الصِّناعةِ بالاتِّفاق، فكنتُ كمُشْتارٍ قَصدَ الصابَ، أو عابثٍ قذفَ حَجَراً فأصابَ، ثم إنِّي شَرَحْتُ لَهُ ما زعم أنَّهُ اقتضبَهُ، وقدحت في حدب قرا الجهْلِ الذي ارتكبَهُ، فحين حَذقَ ما شرحتهُ، وطفقَ يُتقن ما له أبَحتُهُ، قالَ لي: يا للعَجَبِ أتسبقُني لشرح ما به دَلَّهتُ، وتُناضِلُني بالكنائنِ التي بها تنبهت، فيا خيبة من يرجو روح أرواحكَ، والرجوعَ إلى مُراحكَ، والطيرورة بجناحك، وقد جرح بخناجر اطراحك، وها أنا قد أحضرتُهُ إليكَ، وعرضتُ عُروض انتحاله عليكَ، فنظر القاضي إلى الغلام وقال له: ما الذي تُجيبُ، وقد احتدَمَ بين حربكُما الوجيبُ، فقال له: إنْ كنتَ تُحِبّ بأنْ يُحَصْحِصَ لكَ الحقُّ ويَبينَ، ويلين لَدَيكَ الظالم ويستكينَ، فَمُرْهُ بأنْ نتساجلَ بالقَريض، أو بإغريض النثرِ الأريض، فقالَ له الحكمُ: قد سَمِعْتُ نظمكما، ووعيتُ وعظَكما، ولكِنْ تساجلا بنثرٍ يشاكلُ المنثورَ، ويشاكِهُ اللؤلؤَ المنثورَ، مشابهاً لهذي الصِّناعة، مماثلاً لها في عبارة البراعة، فلمّا سَمِعا كلامَهُ، وعلِما ما رامَهُ، تَلبَّبا وتناهزا، وتصلّبا وتبارزا، ثُمَّ شَحَذَ الشيخُ النِّصالَ الصِّقَالَ، وجالَ في حَلْبَةِ المُنافرةِ وقالَ: مُجانبة الجَنَفِ نجائبُ النَّجاء، فقالَ الغلام: ومجاورةُ النجَفِ مكاسبُ النّجاءِ، قالَ: طُوبَىْ لمن اصطبحَ في السماءِ، فقال: طُوبى ولو سبَّحَ في سماءِ السماءِ، قال: بئسَ الضّرَرُ بالبَدَن الحر، فقالَ: نَعَمْ ولكن لا يَضُرُّ الفَرَسَ الحَرُّ، قال: أولى الناس بالكرامة الحرُّ، فقال: وأحقُّ الأشياءِ بضربِ الكرامةِ الحُرُّ، قال: خَابَ مَنْ هَجَمَ عفافَه ولاطَ، فقال: وطابَ من هجم، أخلافَهُ ولاطَ، قالَ: السعيدُ مَنِ اعتبرَ بهزال الهلال، فقال: والجليدُ مَنْ ساورَ هلال الهِلالِ، وقالَ: لا تؤسِّد ذا اللَّبَنِ اللَّبِنَ، فقال: ولا تُعالج باللّبَنِ اللَّبِنَ، قَالَ: رَبحَ مَنْ تعلَّمَ خاءً وطاءً، فقال: وخَسِرَ من طلقه الأطيبان وطاء، قالَ: تَعِبَ مَنْ جوَّدَ ألفاً وباءَ، فقال: وأتعب مِن زَوَّدَ ألفاً وباءَ، قالَ: اعتيام البُكَرِ للغُرابِ، فقالَ: وقِوامُ القيام بالغراب، قالَ: الحظيُّ مَنْ كذَّبَ المسيحَ، فقال: والوفي مَنْ صَدَّقَ المسيحَ المسيح، قال: أسْوَغُ مشَروبنا الفَصيحُ، فقال: وأبلغُ أريبنا الفَصيحُ الفصيحُ، قالَ الراوي: فلمّا استدلّ القاضي بما استدعاهُ، وعَلَّ رحيقَ ما أبدعاهُ، قالَ لهما: لقد صحَّ عندي مُحالُ حكايَتِكما، وإبطالُ محاكمتِكما، فكلُّ منكما شَرٌّ من صاحبه، جارٌّ ذيلَ خَتْرِه على مساحبه، لكن أنا مِمَّنْ يُحْسِنُ الإيالة، ويستحسنُ لصَيْد الكرام الحِبالةَ، ثمَّ إنَّهُ قبضَ لهما قبضةَ منَ اللُجينِ، مُذْ وَجَدَهُما محوَجَينِ، وبتاج الفصاحة متوَجَيْن، وقالَ: تغمَّرا بهذي الإراقة، وتقنَّعا
стр. 87
بهذِه المُراقةِ، واقصدا دُوركُما، واشْرَحا صدوركما، فعلَى الخُبْزِ كانت المقاتلةُ، وعندي يوجدُ الجَبْرُ لا المُقابلة، فتبسَّم الشّيْخُ وقالَ له: تالله ما قَصَدْتُ مَجْلسَكَ لشكاية، ولا لطَلب صلَةٍ ولا نكايةِ، ولمْ يَزَل الصَّلاح بَيْنَنا منظوماً، والاصطلاح عندنا مَسْجوماً، وما فتئتُ أهذِّبُ قلبَهُ المتعَبَ، وأَجَنَبُ لُبَّهُ عَنْ مَطامع أشْعَبَ وإنَّما جئناكً مَعْ معاملةِ الرِّئمانِ، لِتَذُمَّ لنا معانَدَةَ الزَّمانِ، فَرَّقَ لهُما الحَكَمُ ورقَّقَ، وتحرَّقَ لحُرقهما وحرَّقَ، ثمَّ انصرفا بعدَ ذلكَ الاختراع، مشكورَيْنِ بإجادة الافتراع قال القاسمُ بن جريال: فلمّا زهدَ في التقاطِ ذلكَ الشّيْلَم، وعامَ عَوْمَ الغَيلْم في العَيلم، وَقفت تجاهه، وشكرْت انتباهَهُ، فإذا به المصريُّ ذو الغرائبِ الغريبةِ، والعجائب العَجيبةِ، فقلت لَهُ: يا ما أُمَيْلح ما تناضلمتا، وأُحَيْسنَ ما تساجلتما، فلم حرَصْتَ راس حِرْصكَ وهَشَمْتَ، وغفْتَ غفَّةَ عُفَّة الحَكَم واحتشَمْتَ، فقال لي: يا بن جريال، دَعْني منَ العتابِ، ولومِكَ المُرتاب، فَقَدْ تُقْتُ إلى المَتابِ، وبَرقْتُ لرشق ذلكَ البَرتابِ، قالَ فجعلتُ أعجَبُ لدَرِّ ذلكَ الانصبابِ، وردّ ذيّالكَ البابِ، بعد الاعتجاب، باحتقارِ التِّجابِ، وقبض منْسأةِ التّجوابِ، بعدَ حُسنِ الجواب. بهذِه المُراقةِ، واقصدا دُوركُما، واشْرَحا صدوركما، فعلَى الخُبْزِ كانت المقاتلةُ، وعندي يوجدُ الجَبْرُ لا المُقابلة، فتبسَّم الشّيْخُ وقالَ له: تالله ما قَصَدْتُ مَجْلسَكَ لشكاية، ولا لطَلب صلَةٍ ولا نكايةِ، ولمْ يَزَل الصَّلاح بَيْنَنا منظوماً، والاصطلاح عندنا مَسْجوماً، وما فتئتُ أهذِّبُ قلبَهُ المتعَبَ، وأَجَنَبُ لُبَّهُ عَنْ مَطامع أشْعَبَ وإنَّما جئناكً مَعْ معاملةِ الرِّئمانِ، لِتَذُمَّ لنا معانَدَةَ الزَّمانِ، فَرَّقَ لهُما الحَكَمُ ورقَّقَ، وتحرَّقَ لحُرقهما وحرَّقَ، ثمَّ انصرفا بعدَ ذلكَ الاختراع، مشكورَيْنِ بإجادة الافتراع قال القاسمُ بن جريال: فلمّا زهدَ في التقاطِ ذلكَ الشّيْلَم، وعامَ عَوْمَ الغَيلْم في العَيلم، وَقفت تجاهه، وشكرْت انتباهَهُ، فإذا به المصريُّ ذو الغرائبِ الغريبةِ، والعجائب العَجيبةِ، فقلت لَهُ: يا ما أُمَيْلح ما تناضلمتا، وأُحَيْسنَ ما تساجلتما، فلم حرَصْتَ راس حِرْصكَ وهَشَمْتَ، وغفْتَ غفَّةَ عُفَّة الحَكَم واحتشَمْتَ، فقال لي: يا بن جريال، دَعْني منَ العتابِ، ولومِكَ المُرتاب، فَقَدْ تُقْتُ إلى المَتابِ، وبَرقْتُ لرشق ذلكَ البَرتابِ، قالَ فجعلتُ أعجَبُ لدَرِّ ذلكَ الانصبابِ، وردّ ذيّالكَ البابِ، بعد الاعتجاب، باحتقارِ التِّجابِ، وقبض منْسأةِ التّجوابِ، بعدَ حُسنِ الجواب.
المقامةُ الرابعةُ والثلاثونَ الحَمَويَّةُ
стр. 88
حدّث القاسمُ بن جريالٍ، قالَ: شملني حينَ عصيتُ الاشتباهَ وأطعتُ الانتباهَ، وباينْتُ مياهَ مَاهَ، أحْويةُ حاضرِ حَمَاهَ، فجعلتُ بعدَ دَعِّ الباطل، ودَفْع الناطِلِ، ومخالطةِ القساطلِ، ومصادمةِ قُبِّ الأياطلِ، أَسْرحُ في نِعَم دائمةٍ، وهِمع داميةٍ، وسُوح سامية، وسروح سائمة فلمْ أزلْ أجود بمُجمَل الصحاح، وأستر تكملة الصلة فراراً من الإيضاح وأسمح لأرباب الأصول بجمل نهاية المحصول وأورد لطلاب المصالح، وأسود باصطحاب الجليس الصالح، إلى أن ذهب لجيني لحيني، ونضبَ ماء عينتي لعيني، ولمَّا ساءني مسامرة الانخفاض، وطيّرَ غربانَ فوري بُزاةُ الابيضاض، ورَبَضتْ بهُوةِ هالةِ هَواني، وقبضتُ توقيعَ العِزْلة منْ رواجبِ حواجبِ الغَواني، وألقتِ العذارى معاذيرَ بُغْضِها المُضاجِرِ، وجادت الجآذرُ بهَجر هجَّرَتْ بهِ هِجانُ الهواجرِ، وغطَّيْن عَنِّي الطُّلى بالمَعاجر، وفتحنَ أبوابَ القِلَى بعد سدِّ الكُوى بالمحاجر، أجريتُ دُرَّ دَمعي المَصُون، وبكيتُ بكاءَ الحمائم على الغصونِ، وكنتُ قبلَ انسدادِ بابٍ اقتداري، واحتدادِ نابِ الضّرر لانهدام دارِ مِقداري، مشعوفاً بجاريةِ شَرَيْتُها أيامَ الاقتدارِ، وجعلتُها عُدَّةً لكسرِ عساكر الأقدارِ، واعتقدتُ ديْنَ حبِّها عَيْنَ الاعتقادِ، وصيّرتُ أَهْجيراي لوصلِها هجر الرُّقادِ، فحينَ قضبَ قاضبَ الغِيَرِ أسبابُ الاكتسابِ، وكفر كافور الكِبَرِ إنابَ اشتدادِ الشبابِ، قوَّضَتْ خِيامَ طاعتي، ونَقَضَتْ جِدارَ مطاوعتي، فأمسيْتُ بعدَ مَسِّ سَمِّ إلحاحها الوحِيّ، وحَسِّ سَحِّ أعراضِها المَضرَحي، أنشد للشيب والفَلَس الرَديّ، بيتي ابن الحارث الكندي، وبَيْنا أنا في ظلِّ النَواعير، أتلقى زفيرَها تلقِّي العِيرِ، أضاهِي بأنيني أنينَها، وأحاكي بحنيني حنينَها ألفيتُ أبا نصرٍ المصريَّ معْ مِراحه الزخًّار، وحُلْوِ حديث مِسْحَلهِ السحّار يهتز هزة الأفنان، منطلقَ الاعتنان، وقد أبدَى نواجذَ أفراحه، وأردَى قبائل أتراحِه، فأقبلتُ إليه إقبالَ من سَجَر، وأهملتُ ما كانَ بينَنا شَجَر، وجعلْتُ أبُلّ بوصالِه النجَرَ، وأستلم يمينهُ استلامَ الحَجيج الحَجَرَ، فقال لي: يا ابنَ جريال ما الذي حمّلك أعباءَ المُحولِ، وحَملكَ على التحافِ هذه القُحولِ، فقلتُ لَهُ: طلوعُ طلائع المعاطبِ، وأفولُ وصال السُّرْعُوبةِ الكاعبِ، ثم انطلقت إلى أناسي، بعدَ سَمْلِ إنسانِ التَّناسِي، ولّما أبثَثْتُهُ حالي مع الرَّداح، وقاسمته مالي مقاسمةَ أبي الدحداح، أعرض عن الضخام والرِّشاق، وأَخَذَ في قَصِّ قَصص مصارع العشَاق، ليُسلَي حَبَّةَ قلبي المتبول، ويجلي بإخراجي من حبالِ تلكَ الحبول، ولم يزلْ يعدُني بفناءَ الليائل، ويُسْعِدُني بحديثِ عُشّاق الأوائلِ، ومع ذلك فمَسمعي شديدُ الرتاج، ومدمَعي زاخرُ الانثجاج، فلمَّا يئسَ من علاجي وأعضلَ داءُ الدّلَه وانزعاجي، وضربَ طبلُ رحيل النوم، وانسكب وبلُ وبيلِ اللَّوم، قالَ لي، وقد اسَحَنْكَكَ الغَسَقُ وعسا، وصَلبَ جَفن طولِ المجانبة وجسا: الكامل.
ما بالُ قلبك في الغَوايةِ غلَسا ... يا منْ تعلّلَ بالوصالِ وأبلسَا
رفهْ فؤادَكَ ما استطعتَ فإنَّما ... قَلبُ الذي يَحكي الغزالةَ قَدْ قَسا
واصبر ونَفسْ من همومِك ما نرى ... فعسَى يَرُقُّ فؤادُهُ القاسي عسَى
لا تطمعن فليسَ يبلغ قصدَهُ ... رجًلٌ يَبيتُ من الدراهم مفْلِسا
قال القاسمُ بنُ جريالٍ: فشفعتُ زفراتي بالنحيبِ، حتّى ضاقتْ بأرجاءَ الجوِّ الرحيبِ، ثم إنَي استعدتُه فآلَ، واستزدتُهُ فقالَ: الكامل.
كيف الدّنو إلى حَبيبٍ دَأبُهُ ... طول الصدودِ وإنْ تدانىَ طلمسا
ملكَ الجمالَ بصارم من عِزَّةٍ ... قبلَ المِلاح وفي الملاحةِ عرّسا
فبوجهه صُبْحُ الصبَّاحة طالع ... وبشَعْرِه ليلُ القِلى قد عَسعَسا
وبفدِّهِ وحسامه من جفْنه ... قَدَّ القُدودَ وطاعنَ القلب الأسى
ولريقه ركعَ المدامُ وخالِه ... سجدَ الظلامُ وتابعَ الصبحُ المسا
فكأنَّهُ وكأنَّ حُمْرةَ خَدّه ... مِسْك علا ورداً وجالسَ نَرجسا
стр. 89
جَلَّ الذي هزَّ القوامَ وأرهفَ ... الطرفَ الكحيلَ إذا الحواجب قوسا
فاقَ الصِّباحَ لما الصَّباحُ بنُورهِ ... فاق المساءَ أخا المساءةِ إذ عسا
فجعلتُ أسكبُ وَسْميَّ المدامع، وأرسبُ في سَيْل سَحابِ الجَفنِ الدامع، وقلت لَهُ: أتحفتني بجَلْوةِ عروسِكَ رَسيسا، وسلبْتَ مني بالنَّفيس نَسيسا فأقرِن بَقرنِ ما قدّمتَهُ تخميسا، وإنْ عادَ وًجْدي بالخَميس خميسا فقالَ: الكامل.
يا مَنْ تجزَعَ بالكآبةِ أكؤوسَا
سَلِّ الفؤادَ مع التّباعُدٍ بالأسى
يا مَنْ تحمَّل في الصبابة أبؤسا
ما بالُ قلبِكَ في الغَوايةِ غلسا ... يا مَنْ تعلّلَ بالوصالِ وأبلسا
فَوِّضْ أمورّكَ للقضاءَ وسلِّما
وانصِبْ إلى رُتَب المعالي سُلّما
وَدَع الرجاءَ فما يفيدُكَ مَغْنَما
رفه فؤادك ما استطعتَ فإنَما ... قَلبُ الذي يَحْكي الغزالةَ قدْ قسا
متًع جفونكَ إن قَدَرْتَ على الكَرى
يا غاغلا سلبَ الفؤادَ وما دَرَى
لا تعتبن على الزمانِ وما جرى
واصبر ونفس مِن هُمومِكَ ما نرى ... فعسى يرِقُّ فؤاده القاسي عَسَى
يا باكيَاً تسقي المآقي خَدَّهُ
رِفقاً بقلبك كي يفيقَ وصُدهُ
يا هائمَاً يشكو الحَبيبَ وصَدَّهُ
لا تطمعن فليسَ يبلغُ قَصدَهُ ... رجلٌ يبيتُ مِنَ الدراهم مُفلسا
قالَ:. فَلَمْ تَزَل جيوشُ الوَجَلِ تجولُ، وليوثُ لَوثهِ الراحةِ تحولُ، حتّى كدت أكسِرُ بحَرِّ ماءَ الصُّراخ، سورةَ بحْرِ جَمِّ التَجلّد النُّقاخ، وما رأى أنْ قَدْ نشب شص الشجن واعتاصَ، وتحقق أنَّ الإخلاصَ مِنْ حِبالةِ الحَزَن ولا مناص، سترَ سره والعَلَنَ، وَعادل الظَّعَنَ وظَعَنَ، بَعْدَ أنْ تمنى لي الوَسَنَ، وأَجررتُهُ الرَّسن، وشكرتُ إحسانَهُ الحسنَ البَسن.
المقامةُ الخامسةُ والثلاثونَ السَّروجيّة
стр. 90
أخبر القاسمُ بنُ جريال، قالَ: سكنتُ سَروجَ أحيانَ ممازجةِ الرِّحابِ، ومجالسةِ الأنجاب، ومُجانبةِ المِنجاب، ومشاهدة الشادنِ المُجاب، فباشرتُها مباشرةَ البَشيرِ، وعاشرتهَا معاشرةَ العشيرِ المَستشيرِ، وكنتُ يومئذٍ لَهِجاً بحبِّ المُدْلَجِيّات، مبتهجاً بامتطاء الأعوجياتِ، أشتريها ولا أماكسُ، وأبالغ في أثمانِها وأنافس، فتواصينا ذات يوم للسِّباقِ، على متونِ العِتاقِ، فخرَجنا مصحوبينَ بالسَّبَقِ، على عدد حروفِ النَّسَق، فنشِطْنا نشاطَ مَنْ شارفَ الشَّبقَ، وشرطنَا السبقَ لمَن سَبَقَ، ولمّا قُمنا بعدَ قِصَرِ الحِينِ، ورُمنَا المسابقةَ بينَ السَّراحينِ، أقبلَ ذو سابح نَحيفٍ، جانح من الوَصَبِ ضعيفٍ، يسحبُ أرساغهُ لكلالهِ، ويخضِبُ عُرقوبَهُ من صككِ هُزالهِ، يبينُ عاتقُ شِمالهِ، من تَحتِ عنقِ أسمالهِ، ويَلوحُ بياضُ ثغامتِهِ، من بَيْن أدوارِ عمامتهِ، فحينَ وَصَلَ إلينا، وبزغَ قمرُ قُربهِ علينَا، قالَ أسعدَ اللهُ العِصابةَ السَّروجيَّةَ، وجدَّدَ أيامَ إنعامَها اليلنجوجِيَّةَ، فقُلْنا لهُ: حُيِّيْتَ يا ذا اللسانِ الطليقِ، واللِّثام الوَثيقِ، ثم شرعَ معهُ بعضُ الجماعةِ، في نوع من الخَلاعةِ، وقالَ لهُ: هَلْ لكَ يا ذا الشارةِ، في أنْ تسابقَ على هذهِ الفارةِ، فقال له: أنَّى أسابقُ بما لو سابقَ الدَّبا لدَبا، أو أزدفرَ زبالَ الكَبا لكبا، شازباً لو انتُدِبَ لسباقَ الصَّبا لصَبا، أو أمِرَ بمصادمةِ الرُّبا لربَا، لكن أسابقُ على رَبوةِ يفاع، بصَهوةِ صافِن صِفاع، لو خامر عُبابَ القَفا لقفا، أو جاورَ كدرَ أصحاب الصفا لصَفَا، فَمَنْ شاءَ فليبرُزْ لابِسَ لامةٍ، ومَنْ شاء فلينصرِفْ عنِّي لا بسلامةٍ، قالَ: فلّما تألقَ قمرُ فَلَكِ فُكاهتِهِ، وتعلَّق بنانُ مُداعبتنا بأَهدابِ مُفاكهته، قلنا تالله لنُرْجيَنَّ السِّباقَ، ولنرخيُنَّ لهذا الشيخ الشباقَ، فإنَّ ساعات الدُعابة بعده تموتُ، وطيبَ أوقات المسابقة متجدِّدةٌ لا تفوتُ، فتجرّدوا عن السَّوابح، وإنْ كان في خلاعتهِ عينَ الرابح، فنزلَ كلٌّ عن صَاهلهِ، وجذبَ بجلابيبِ كاهلهِ، رغبةً في عذوبةِ تأهِلهِ، وودودِ حَلاوةِ مناهلهِ، فحينَ عاين ميلنا إليه، وعَلِمَ ما نجد من المَسرَّةِ لديهِ، ألقَى رداءهُ على منكبيهِ، ثم نكصَ على عَقبيهِ، فاَعتلَقَ كل بعنانه، ومنعناهُ عن استيفاءِ مَيدانه، وقلنا لهُ: قسماً بمَنْ سخَّرَ الإعصارَ، وخفف بأيد أيدي نصرهِ الآصار، لا نفارقُك ولو لغايةِ عامِنا، أو ترتعَ في رياض طعامنا، فلمَّا سمِعَ كلامنا، وحمِدَ إلمامَنا، قال إلينا واَنضَوى، بعدَ أنْ نوى ذلكَ الهوى وهوى، فجَعَلَ كلّ مِنَّا يَجْذبُهُ إليهِ، ويتوّكأ لاستخراج نُخَبهِ عليهِ، فحينَ شاهدَ قشوفَنَا لكَشفِ أهلّةِ هالاتهِ، وتأففنَا لقلّةِ قلّةِ مُبالاتهِ، وتأثفنا حولَ مَلة ملة عُزّى لَعبهِ وَلاتهِ، قال: إنْ شِئْتُم قعدتُ بالقرعة، وإن أحببتُمْ ربضتُ بازاءِ هذا القَرعةِ، وأَومأ إليَّ، وضحِكَ ضَحِكَ المفتضِح عليَّ، وقالَ: أأقعدُ بجنْبِ هذا المولى الفاخرِ، السيّد الأجَلِ الحُرِّ المفاخرِ، فَقُهقَتُ إلى أن فحصتُ بأخمصَي، وسقطَتْ مهابةُ تقمصي، وقلتُ لهم: أتدرونَ إذْ لطَّفَ المقالَ ماذا قالَ، فقالوا: ما الذي قالَ، ألهمَهُ اللهُ القِيلَ والقالَ، وقلّدَهُ النِّقالَ، وحمَّلَهُ السحابَ الثقال، وألبَسُهُ مِنَ المَنحَسَةِ إزاراً، وجعلَ عنفقتَهُ لقَلْبِ قلبِ أخي موسى مزاراً، فقلت: قالَ اقعدُ إلى جَنبِ هَذا العبدِ الفاجرِ، التيس الكلبِ الحيةِ المفاجرِ، فلصقوا به لصوقَ العَنونةِ باللِّصاقِ، وصافحوا بينَ يدِ وجههِ وأناملِ البُصاق، ثم التفتَ إليهِ مَنْ عَنْ يميني، ومَنْ في حَلْبةِ المُلَح يَليني، وقالَ لهُ: مِن أي الأمكنةِ الشَّيَيخُ، القَذِرُ الضُّحكَةُ الوُسَيْخُ، فقالَ لَهُ: أنا مِنْ بُقْعَةٍ تَرْقُصُ بِهَا غانياتُ نَتْفِ سِبالِكَ، على إيقاع كَفِّي وقَذَالِكَ، ويُحلقُ حِينَ تحجها شعر رأسِكَ، بحدِّ حسم موسى مَداسِكَ، فقالَ لَهُ الذي يليهِ: فما أنتَ عدَاكَ العِيُ، أيهَّا اللَّوذَرِعي، فقال طبيب يُضارعُ بقراطَ، ومن وطئ بقدم قُدرتهِ هذا البِساطَ، فمتى انحرف مِزاجُك، وتعذَّرَ عِلاجُك، أسقِكَ ما يمنع سلاسةَ مسعاكً، ويقطعُ جداولَ مِعَاكَ، فلا حرسَكَ ربّكَ ولا رعاكَ
стр. 91
فقال له الذي يليهِ: ما تقولُ وقيتَ مَصارعَ الحِذَاءِ، في الرياضةِ بعَيْدَ الغذاءِ، فقال: تُخرج طعامك غير نضيج، وتُوقعُ رقابَ مرابِضكَ في صَفْع منَ السُّددِ مَريج، وتفتقِر في قهر هذهِ الأعلالِ، إلى شُرْبِ شَرابِ أصولِ النِّعالِ، ثم أنَّهُ عَطَفَ إليهِمْ وقالَ: تاللهِ إنكم لكمن عرَّضَ قفَاهُ لنَعْلهِ الخَصيفِ، وسألَ الفاجرةَ إلقاءَ النّصيفِ، واستبزلَ قَذَرَ كَنيفه الرصيف أيامَ شَبَا شِدَّة المَصيفِ، فأفٍّ لكم من أسافلةٍ، وشُموس في عينِ حَمْأةِ الحماقة آفلة، قال القاسمُ بنُ جريالٍ فعجبوا لِعَوَج مَطاه، وعدم عِوَج ما تعاطاه، وأحبوا كَشْفِ لِثامهِ فامتنعَ، ورَضِيَ بمقَةِ مُقاطعتهِم واقتنعَ، فكشفتُهُ حِرصاً على عِرفَتهِ، بعدَ اختبارِ خُرافتهِ، فألفيتُهُ عندَ كَشْفهِ، ونَهْلِ شَمول شُهدهِ ورشْفهِ، أبا نصر المصريَّ ذا الفنونِ الفائقةِ، والشُّجون الشائقةِ، فقلتُ له: إلامَ تَجْنَعُ للهُي، وتهزأ بذوي النهي، وتسخر بالبدور والسهى، وتَجْمَعُ بينَ مَجْدَل المجادلة والرهى، ثم إنِّي أثنيتُ على شيءٍ من صفاتهِ، وأخذت في وصفِ صحُف مُنصفاتِهِ، فقالَ لي: يا بنَ جريالٍ خَلِّني من مَلَقك، وانهضْ لاكتسابِ سَبقكُ، فنهضَ كل لأمرهِ، وجَمَعَ بينَ نابِ المطاوعةِ وَعمرهِ، ولمَّا امتطينا السوابقَ، لنسبرَ الفِسكلَ والسابقَ، جَلَّى صاحبُ مُلمْلَم مَحبوكٍ، كعمودِ إنابٍ مَسبوك، خالِصٍ قَرونٍ وقرونٍ، وخُصَل كالخَصْلِ غير قرونٍ، يُضارعُ الزّعزعَ في اعتراضِها، والثواقبَ في اَنقضاضِها، صُلْبِ الحوافر، سليل زاد المُسافر لا يعبأ بوُحولهِ ولا يكترثُ بعُورِ النَّصَبِ وحُولهِ، يُطيعُ فارسَهُ، ويَعصِي فوارسَهُ، يجوعُ لشبَعهِ النَّسيبُ ويَحكِي قِصَرَ غُرمولهِ العسيبُ، فاَستحسنَ القومُ حُسْنَ هِمَّتهِ وهامتهِ، وشَرعوا في رفع شُرُع شُكْرِ شَهامتهِ، واقترحوا بأن يَصِفَهُ كل بقصيدةٍ، وارفةِ الفصاحة مجيدةٍ، قالَ: فأجابتِ القرائحُ، وتبيَّن المُكدي والمائحُ، وبرزت المفاتحُ، وتُحَقِّقَ المُجبل والماتحُ، فكنت مِمَّنْ أجبلتْ قَحَتُهُ، وأكدتْ قريحتُهُ ونضَب عُبابهُ، وانقصبَ لبابهُ، فلمّا رأى أبو نصر حلوك عاهتي، وحفولَ آهتي، قال لي: يا بن جريال لِمَ تعجَلُ لدَىَ حُمْسكَ بعض خَمسك، وتخجلُ لكُسوفِ شمسِك، وقد جُرِّبَتْ. منك الشجاعةُ بأمسِكَ، فإن شِئْتَ سقيتكُ مِن قلالي، إلى وقتِ إقلالي، وأقرضتُكَ من حبالي إلى حين إحبالي، فقلتُ لَهُ: أعلى اللهُ حشاكَ، ذاك إلى مرؤتكَ وحاشاكَ، وإنِّي لمفتقرٌ إلى فِقركَ السنيَاتِ، افتقارَ الكناياتِ إلى النيّاتِ، فقالَ: سأجمع بين لباءِ لُبانتكَ والمجيع، وأسجعُ لكَ قصيدةً تخنسُ لها أسودُ الأساجيع، أذكر لك فيها من ملاحةِ مِدَح تَصطفيها ومن طمّني بهذَا المُطير، عشرينَ اسماً من الطير،، يشهدُ بفضلِها البليغُ العادل، وتُطرِّبُ بطيبِ إفصاحِها العنادلُ، فلّما سمعت ما نطق بهِ، ومنطقَ بذهبهِ، قلتَ لهُ: الحمدُ للهِ الذي نَصرني، بعدما حصرني، ورحمني حين أفحمَني، فجدْني بإنجاز وعْدِكَ وأنجِدني بصواعقِ رعْدِكَ، فأومأ إيماءَ البَيسريّ، ذي الشرفِ القعسَرِيِّ واهتزّ لذلكَ الجوهريّ، اهتزازَ السمهريِّ، وقالَ: الكامل: له الذي يليهِ: ما تقولُ وقيتَ مَصارعَ الحِذَاءِ، في الرياضةِ بعَيْدَ الغذاءِ، فقال: تُخرج طعامك غير نضيج، وتُوقعُ رقابَ مرابِضكَ في صَفْع منَ السُّددِ مَريج، وتفتقِر في قهر هذهِ الأعلالِ، إلى شُرْبِ شَرابِ أصولِ النِّعالِ، ثم أنَّهُ عَطَفَ إليهِمْ وقالَ: تاللهِ إنكم لكمن عرَّضَ قفَاهُ لنَعْلهِ الخَصيفِ، وسألَ الفاجرةَ إلقاءَ النّصيفِ، واستبزلَ قَذَرَ كَنيفه الرصيف أيامَ شَبَا شِدَّة المَصيفِ، فأفٍّ لكم من أسافلةٍ، وشُموس في عينِ حَمْأةِ الحماقة آفلة، قال القاسمُ بنُ جريالٍ فعجبوا لِعَوَج مَطاه، وعدم عِوَج ما تعاطاه، وأحبوا كَشْفِ لِثامهِ فامتنعَ، ورَضِيَ بمقَةِ مُقاطعتهِم واقتنعَ، فكشفتُهُ حِرصاً على عِرفَتهِ، بعدَ اختبارِ خُرافتهِ، فألفيتُهُ عندَ كَشْفهِ، ونَهْلِ شَمول شُهدهِ ورشْفهِ، أبا نصر المصريَّ ذا الفنونِ الفائقةِ، والشُّجون الشائقةِ، فقلتُ له: إلامَ تَجْنَعُ للهُي، وتهزأ بذوي النهي، وتسخر بالبدور والسهى، وتَجْمَعُ بينَ مَجْدَل المجادلة والرهى، ثم إنِّي أثنيتُ على شيءٍ من صفاتهِ، وأخذت في وصفِ صحُف مُنصفاتِهِ، فقالَ لي: يا بنَ جريالٍ خَلِّني من مَلَقك، وانهضْ لاكتسابِ سَبقكُ، فنهضَ كل لأمرهِ، وجَمَعَ بينَ نابِ المطاوعةِ وَعمرهِ، ولمَّا امتطينا السوابقَ، لنسبرَ الفِسكلَ والسابقَ، جَلَّى صاحبُ مُلمْلَم مَحبوكٍ، كعمودِ إنابٍ مَسبوك، خالِصٍ قَرونٍ وقرونٍ، وخُصَل كالخَصْلِ غير قرونٍ، يُضارعُ الزّعزعَ في اعتراضِها، والثواقبَ في اَنقضاضِها، صُلْبِ الحوافر، سليل زاد المُسافر لا يعبأ بوُحولهِ ولا يكترثُ بعُورِ النَّصَبِ وحُولهِ، يُطيعُ فارسَهُ، ويَعصِي فوارسَهُ، يجوعُ لشبَعهِ النَّسيبُ ويَحكِي قِصَرَ غُرمولهِ العسيبُ، فاَستحسنَ القومُ حُسْنَ هِمَّتهِ وهامتهِ، وشَرعوا في رفع شُرُع شُكْرِ شَهامتهِ، واقترحوا بأن يَصِفَهُ كل بقصيدةٍ، وارفةِ الفصاحة مجيدةٍ، قالَ: فأجابتِ القرائحُ، وتبيَّن المُكدي والمائحُ، وبرزت المفاتحُ، وتُحَقِّقَ المُجبل والماتحُ، فكنت مِمَّنْ أجبلتْ قَحَتُهُ، وأكدتْ قريحتُهُ ونضَب عُبابهُ، وانقصبَ لبابهُ، فلمّا رأى أبو نصر حلوك عاهتي، وحفولَ آهتي، قال لي: يا بن جريال لِمَ تعجَلُ لدَىَ حُمْسكَ بعض خَمسك، وتخجلُ لكُسوفِ شمسِك، وقد جُرِّبَتْ. منك الشجاعةُ بأمسِكَ، فإن شِئْتَ سقيتكُ مِن قلالي، إلى وقتِ إقلالي، وأقرضتُكَ من حبالي إلى حين إحبالي، فقلتُ لَهُ: أعلى اللهُ حشاكَ، ذاك إلى مرؤتكَ وحاشاكَ، وإنِّي لمفتقرٌ إلى فِقركَ السنيَاتِ، افتقارَ الكناياتِ إلى النيّاتِ، فقالَ: سأجمع بين لباءِ لُبانتكَ والمجيع، وأسجعُ لكَ قصيدةً تخنسُ لها أسودُ الأساجيع، أذكر لك فيها من ملاحةِ مِدَح تَصطفيها ومن طمّني بهذَا المُطير، عشرينَ اسماً من الطير،، يشهدُ بفضلِها البليغُ العادل، وتُطرِّبُ بطيبِ إفصاحِها العنادلُ، فلّما سمعت ما نطق بهِ، ومنطقَ بذهبهِ، قلتَ لهُ: الحمدُ للهِ الذي نَصرني، بعدما حصرني، ورحمني حين أفحمَني، فجدْني بإنجاز وعْدِكَ وأنجِدني بصواعقِ رعْدِكَ، فأومأ إيماءَ البَيسريّ، ذي الشرفِ القعسَرِيِّ واهتزّ لذلكَ الجوهريّ، اهتزازَ السمهريِّ، وقالَ: الكامل:
стр. 92
ومطهم عال شديدِ نَعامةٍ ... ضَاهى النعامةَ في العَراءِ تقدُّما
حسنَتُ سُماناه وأحكمِ دِيكهُ ... في هامةٍ تحكى السنامَ تسنما
وسَمَتْ سَمامتهُ وسُوِّدَ نَسْرُه ... بسواد لَوْنِ سَرارهِ وتطهَّمَا
وجَفَتْ دَجاجتهُ وحيَّر صَقرُهُ ... بعد الصُّفوفِ مُكافحاً ومسوَّما
وأضاءَ صلصلهُ وكُمّلَ فرخُهُ ... وحَلاَ المديحُ لحُسنهِ فتَعظمّا
وحكَى اللُجينَ برأسهِ عُصفورُهُ ... لمّا سَما عندَ السباقِ وتمما
وتلألأ الخَرَبُ المجاوزُ حَجْبَهُ ... لمّا استدارَ لدىَ الغُرابِ وتمِّما
واحلولكَ الحرُّ الحَميدُ وحملَقَتْ ... لقطاتهِ أهلُ الزمانِ تفخُّما
وتخطّفَ الخُطّافُ أبصار الوَرَى ... بوَميض بارقِ حُسنهِ لما طما
وصفا مِنَ الصرَد المتين نفاسةً ... وعلا بحدأته التليلُ وأفْعِما
وامتازَ منه الناهضانِ ضخَامةً ... والقر تحكى في القُنُوءَ العَنْدَما
لو ظلَّ أعوجُ في المضيِّ يَرومُهُ ... لكبَا بمَهْمه هَمِّهِ لما هَمى
قال الراوي: فحينَ تحيَّرتِ الجماعة بحذاقته، وحمِدَت طيب لذاذةِ مَذاقَتهِ، قبَلت قرا قدميهِ، وأقبلتُ بتُحَفِ اعتذارِهم إليهِ، وجعَلُوا يثنونَ على فَصاحتِهِ، وَينثنون إلى استحضار نُضارِ راحتهِ، فقلت لهم: تاللهِ ما خصَّكُم بصُبابةٍ منِ فُنونهِ، ولا بَعشر عُشْرِ العُشْرِ من مَكنونهِ، فحذارِ مِنْ أنْ تستخفّوا بانخفاض نجاده، وسَحْقِ نِجاده وبجادهِ، وهُزالِ جَوادهِ، وطُولِ جودِهِ، وجواده، فإنَه صبورٌ على مجاعتهِ، مشكورٌ على شَجاعتهِ، ولو اَمتطى طِرْفاً يَرتضيهِ، ويَميل إلى مراضيه، لرأيتم العجب، والجحفل اللّجِب، ولعلمتم أنَّ اللهَ قد منحَهُ مع هذهِ المِنة بجَودةِ التُّلنّةِ، ومكافحةِ ملاعبِ الأسنة، فلما وعَى صاحبُ الفرس ما ذكرتُهُ، وسعَى في مَدارج ما تذكّرتهُ، قالَ: إنِّي لأحبُّ أنْ ابصِرَ ركوبهُ، وأشاهدَ كأسَ ركضهِ وكُوبَه، أفتأذَنُ لي بأن أسلِّمَهُ إليهِ، قلتُ لهُ: إنَّ وعَن سلَّمْت الغزالةُ عليهِ، فناولُهُ عِنانَهُ، وأباحَ له امتحانَهُ، فلّما استوى بثَجَج قَطاتهِ، وتذكّرتُ قبائحَ وَرَطاتهِ، وندمْتُ على ما فرّطتُ، ولبِستُ سربالَ السَّدَم إذ تورّطْتُ، ثم إنَّ أبا نصر قَبَضَ لِدانَهُ، واَستقبلَ مَيدانَهُ، وجعلَ يعرِضُ علينا اَنثيالَ سُرحوبهِ، وينشرُ لدينا حُلَلَ حُروبهِ، ويُظهِرُ ضوءَ ظهيرةِ اَرتكاضهِ، وطُلاوة طِوال ضَرَبِ ضُروبهِ وعِراضهِ، إلى أن اقتنصَ قلوبَ الحاضرينَ، وملأ للملأ إشرارةَ جريهِ والجرين، وبينما هو يتفنّنُ في استنانهِ وَيَتَبخْتَر بمحاسنِ سِنانهِ، وَيتقلّبُ على سراتهِ ساحباً سرابيلَ مسرَّاته، إذ صرخَ صرخةَ المُماصِع، فخرجَ بهِ كالبرقِ القاصع، فلم نر سوى عَجاجه، بين خروقِ فجَاجِهِ، فلما رأى إباقهُ، واصطباحَهُ في الحِيلِ واغتباقَهُ، بادرَ إلى شَقِّ مُلاءتهِ، أسفاً على شَرخ شبابِ حُضره وعُلالتهِ، ثُمَّ لم يَمْضِ قَدْرُ قَطع كراع، أو خَلع يَلْمَق قِراع، حتى أقبلَ علينا رجلٌ، أشيبُ، يضع بهُ مُهر أشهب، متأبط عُكّازَةً، فدفعَ إلينا جُزازةً، وقالَ لنا: إنّ رجلاً من البادية، عَلى فرَس وافرِ الهادية، كالنخلةِ المتهاديةِ، مرَّ بي عجلانَ، مترنحاً من المَرَح جذلانَ، فأعطانيها، وقال لي: إذا مررْتَ بأولئكَ القعودِ، مؤسسي أُسَّ السيادةِ والعُقود، فانبذِ الورقة إليهم، وأحسِنِ التحيةَ عليهم، بعد أن تُقبِّلَ لديهم السّلامَ، وتقول لهم: صاحب القاسم يُقْرِيكُمُ السَّلامَ، قال القاسم بن جريال: ففضضناها بعدَ أن فضّضناها، وقبلناها قبيلَ أن قلبناها، رجاء أن يكونَ قدِ اَنخرط في نِصاح مزاحهِ مَعْ تقاصرِ أمَدِ انتزاحهِ، إذ كُلٌّ بصارم مَكْرهِ مشطورٌ، فإذا فيها مسطور: الكامل:
بسروج أسرجتُ الصباحَ سوابحا ... من حيلتي قد تخرِقَْ الأفهاما
عاشرتُهم عندَ الغَداةِ وقد غَدَتْ ... تعدو بأدهَمَ لا يَرى الإحْجاما
стр. 93
سام سما السِّرحانَ أيطلُ بَطنهِ ... وحكَى السحابَ مع المَدى إقداما
حتًّى إذا انبسطوا وجالَ حديثُهم ... في صهوةِ المَزْح المُباح وحاما
قنصَتهُ كفّ الحادثاتِ بكفّتي ... لّما تسامىَ في السِّباقِ وعاما
فأمنحهُم منّى السَّلام وقُلْ لَهُمْ ... مِلْتُم فَنِلْتُم بالكلام كِلاما
فاستنجدوا بأبي زُيَيدٍ إنّهُ ... مِمَّن يراني للحِمام حِماما
قال: فلّما بهَرنا بتسجيلهِ، وأمطرنا حجارةَ سجّيلهِ، حَمَلني رَب الفَرَس إلى الوالي، في قاربِ مَدِّ دمعه المتوالي، وكنتُ لا أملِكُ مِنَ النُّضار، سوى خُمْسَي ألفٍ مع الإنظارِ، فأحلتهُ بها على الغَريم، وانسلخَتُ منها انسلاخَ صَريم الصّريم، بعد أن أعريتُ البنين، ورهنْتُ الظاهر والجنينَ، وادّرعتُ العِلَلُ والأنينَ، وضارعتُ يوسف في السجنِ، بضعَ سنينَ.
المقامةُ السادسةُ والثلاثون السَّمنانيَّة الطبيّةُ
روى القاسمُ بنُ جريال، قالَ: ألبَّ بي إبّانَ بُدُوِّ الهياج، وسَعَةِ سَلامةِ المِنهاج، واحتمال الزِّجاج، وشَمِّ أفواهِ الزَّجاج، خيولُ وَخَم لا يخيمُ، يشيب لشربِ شَرابه الرَّشأ الرَّخيمُ، مشفوعاً بجيوش دَنف فادح، وزِناد كَمَدٍ في كَبد المكابدةِ قادح، فلمّا أرسيتُ للسَّقَم الوَبيلِ، ونسيتُ فَوح نسيم السلسبَيلِ، وجمعتُ في بُوس الجَسَدِ المريض، بين ضُرِّ المَرَض ومرارةِ التمريض جعلتُ أنظرُ في شِدَّةِ السدرِ، وأفكرُ في كَرِّ كتائب الكَدر، وأمخض وطَابَ الفِكَر، لإماطةِ سُكْر ذلك السكَرِ، عَسى أن تظفرَ يمينُ ميمنتي، بمن يُعيدُ عِيدَ مُنّتي، أو يُبيِّضُ صحائفَ تَعِلتي، حالَ حلول عرام عِلَّتي، بعد أنْ أقمتُ قريحتي مَقامَ سمسارِها، وأربابَ الجِدَةِ مكانَ تِجّارها، وطفِقتُ أطوفُ بطَرفَي المكلوم، وأعرضُ عليهم أمتعةَ العلوم، فألفيتُ إقبالَهُم كالخُشُبِ المسندةِ، وإدبارهم كالصوارم المهندة، يفضِّلون على الفِصاح الفَصيحَ، ولا يؤثرونَ على الصِّحاح، الصَّحيح فحينَ شارفتُ مشاهدةَ الحَنوط، وجدعت رجائي بحدِّ قاضبِ القُنوطِ أخذت في إصلاح ما بي، وقَطْع نِصاح طولِ اضطرابي، فإنصرم كالظلام من صباحه، والسليط من مصباحه، فحمدتُ اللهَ تعالى على ما غاضَ لديَّ، وأفاضَ من حياض التلطفِ عليَّ، ثم إنِّي شرعتُ بعدَ معاودةِ القسام، ومفارقة فِرَق فَرَف قَسام السَّقام، في تثريب قرونتي، على ما فرّطتُ أيام مُنة مؤونتي، وعظَم ماعونِ معونتي، في جَنبِ حِفْظِ صحةِ الإنسان، وحيلةِ البُرءَ وتقويم الأَبدانِ، لعلمي أنَّ علمَها شريفٌ، والاكتسابَ بها وريفٌ وريف، ولظنِّي أنَّ مَنْ فسدتْ مَعِدَتُه، لا تنفعُه عُمدتُه، ومن استحكمت ذبحتُهُ، لا تصلِحهَ مُلْحَتُهُ، ومن تنصرت جراحُهُ لا يبرئها إيضاحهُ، ومن
стр. 94
نشبت نصوله، لا يُخرِجُها مَحصولُه، ومن تألمتْ أحشاؤهُ، لا يُنْعِشُه إنشاؤه، ومَنِ انكسرَ عظمه لا يجبرهُ نظمهُ، ومن ظهرَ بَثْرهُ، لا يسترُه نَثْرهُ، ومَنْ اضطرب عقلُهُ، لا يقنعهُ نقْلُهُ، ومن بَطَلَ جماعهُ، لا يعملُه إجماعه، ومَنْ تأكَّلَتْ أضراسُهُ، لا يسعدُهُ قياسُه، قالَ: فلمَّا استقامَ قوامُ الجسَدِ الناس، وبَرَزَ بحيرَ النَّظَر من صومعةِ الحواسِّ، وحُسِدْتُ لنتاج ولَدِ الرفاهة الرِّبعيّ، ومراجعةِ حلائل حلاوةِ النوم الطبيعي، بادرتُ لهذِه الخِيرَةِ، إلى استصحاب الذَّخيرةِ، واقتنعتُ بالإقناع، بعد كَشف القِناع، واخترتُ الجوامعَ والمختارَ، مَعْمن اصطفاهما واختارَ، عَلَّ أنْ أحظَى بطبيبٍ مُعالج، ولو بإنفاقِ عددِ رملِ عالج، لأجدِّدَ ما اخلولق من بَدني واختلَّ، وأبدِّدَ لتحصيلِه جُلَّ جُملِ ما اعظوظَم وقلَّ، فبينا أنا أطأ الهالكَ، وأقطعُ المهالك، وأحذو السالكَ، وأخترِقَ المسالكَ، ألفيتُ راكبَ شِملَّةٍ، يَمْرَحُ بينَ حُسام وألةٍ، فرجوتُ أنْ أرافقَهُ، وألتمِسَ مرافقَهُ، فمِلْتُ إليه، مسلِّماً عليهِ، وعرَّضْتُ له بموافقتي، وشكوتُ إليه ألمَ مفارقتي، فقالَ لي: كيفَ تَصْبِرُ على مرافقةِ الجانِّ، أم كيفَ تَقْدِرُ على مُواهقةِ الجَنوبِ ذي المِجانِّ، فعالِ عن نَسْج هذا الصَّفيقِ، وعليكَ بُمرافقةِ الرفيقِ الرفيق، قالَ: فلمّا تحَسّيت حازِرَ إنذارهِ، وتخشَّيتُ شدَّةَ شَرَرِ انتهارهِ، أخذتُ أتردَّدُ بينَ مُصاحبتِه والهُجوع، وأجمعُ خِلافاً لبقراطَ بين التعبِ والجوع، ولم أزلْ مع الحِسِّ الحريز والإشرافِ على تثلّم الإفريز، ألِجُ بالفِجاج، ولوجَ المُقَلِ في الحِجاج، إلى أن قتلتُ الحِرمانَ، وأهزلتُ السمانَ، وكففتُ الاستنان وحققْت بحَوذانَ المناسمةِ سَمنانَ، وحينَ بزلْتُ دَنَّ وُدِّها الدَّاني، ونزلتُ لقَطفِ ثَمَرِ لُطفها المتداني، أقبلتُ أرتقبُ حَلْقَةً ألِجُها، لا خَلِفَةً استنتجُها، وفائدةً أحصرُها، لا مائدةً أحضرُها، ولما خَلَعتُ خِلافةَ الخَوَرِ ونَبَذْتُ، واطّرحْتُ نَشْوةَ سكر السَّهر بعدما انتبذْتُ، جعلتُ أتجلَّل جوادَ مجالساتِها، أتحلل بطيبِ طيبِ مؤانساتها، وأبيتُ ببيتِ مبَرّاتها، وأدوفُ مسِكَ التَّمسّك بأمراس مسرَّاتها، وأنظر إلى رُواء رزانتها، وأسبُرُ سَبْقَ نَبْلِ نُبْلِها وزانتها، فألفيتُهم ممِّنْ ارتضعوا حبَبَ المحامدِ، وازدرعوا حَبَّاتِ المحبَّةِ في قلوبِ الأماجدِ، وعرضوا عُروضَ أعراضهم على المُشيرِ، وقبضوا بديوانِ مَشْرق الشرفِ مناشيرَ التَّباشير: البسيط:
قوم لهم سُورة في المَجْدِ جامعةٌ ... آياتِ فَخْرٍ مَدَى الأيام تُسْتَطَرُ
ما إنْ لهم أبداً في نَسْخِها أرَبٌ ... مر الدُّهور ولا في طَيِّها وَطَرُ
стр. 95
قال: فبينما أنا ذاتَ ليلةٍ بمجلس رَضيٍّ، مَعْ مُجالس مَرضيٍّ، ذي حَضْرةٍ حاضرة، ومُحاضرةٍ ناضرةٍ، إذا التفتَ إليَّ التفاتَ العاتبِ، ونظر نحوي نظرَ المعاتبِ، وقال لي: أراكَ غزيرَ التّقلْقُل عازماً على التنقُّلِ، كأنكَ سَبُعَةٌ مُشْبلةٌ، أو سحابةٌ مُسْبلةٌ، فاتّخذْني لسِرِّكَ خِزانةً، ولسِهام مَشورتِكَ كِنانةً، وأشركني فيما أصابك، لأدرأ أوصابكَ، وفيما هالَكَ، لأدفع أهوالكَ، فقلتُ لهُ: ليسَ بي ما يفتقرُ إلى تطول، أو يتوقَّف على إعانةِ متطوِّلٍ، ولا انطويتُ على ما يحتاجُ إلى كِتمانٍ، ويضطر إلى معاونةِ مِعْوانٍ، ولكنَّني أعرِّفُكَ ما لَهُ غَرَبْتُ، ولجرِّ جلابيبه تغرَّبْتُ، ثمَّ قلت له: اعلم أنَّني مِمَّنْ زَهِدَ في الغِيلِ، ورغبَ في الإرقالِ والتبغيل، وفارقَ النقادَ، وانقادَ للأدبِ مَعْ مَنْ انقادَ، وسايرَ الركائبَ، وبارز الكتائبَ، وجانبَ من غَمَطَ واعترَّ، وواصلَ مُنْ قَنعَ واعترَّ، حتى وُصِفت بنفاقٍ الأَلمعيَّةِ وإنفاقِ المَعمَعيّةِ، وعُرِفْتُ بينَ الرعيةِ، بهذِه اللوذعيَّةِ، وكنتُ معْ هذا الصّيتِ الصادحِ، والمثابرةِ على ثِنْي ثنايا المادح، كثيرَ المواكلِ، قليلَ التحفُظِ في المآكلِ، أبالغُ في مناهبةِ بيضةٍ، ولا أحذرُ من أذى حُمةِ هَيْضَةٍ، إلى أن صرتُ ذا جسدٍ مِمْراض، ممنو بنصال أمراض عِراض، يُعْجزُ جالينوسَ إخراجها، ويعسُرُ على اسقليبيوس إنضاجُها، أعِد فيها لمصائبِ الأوصاب، صنوفَ العصائبِ والعِصابِ فحينَ أحلولك يَقَقُ الِحيل وحالَ، واعجوجلَ وَجَلُ الَجللِ وجَالَ، جرَعْتُ ماءَ لسان حمل الجُمل فما رَدَعَ، وبلعت بنادق بزور البراعةِ فما نَقَعَ وسَرِطْتُ حَبَّ أيارج الأوارج فما اندفعَ، وسفِفْتُ سفوف سِرِّ الصناعةِ فما رجَعَ، وشربِتُ شرابَ فاكهةِ المفاكهةِ فما نَجَعَ، فعاهدتُ اللهَ أنَّهُ متى كفاني، وكفَّ بهذه الكِفَّةِ كُفوفَ أكفاني، أتركُ التغزُّلَ بدعدٍ وليلى، وأهجرُ لنَدمانِه منادمةَ أمِّ ليلى، فكمَّلَ إحسانَهُ، وقَصَّرَ أعنَّةَ السَّقَم وأرسانَهُ، وها أنا ساع إلى تحصيله وإيصالِ ضُحى محافظته بأصيلهِ، فقالَ لي: تالله لقد وردتَ إلى رُبى أربِكَ، وبردْتَ عينَ طلبِ مطلبِكَ، وفُزْتَ بنتاج ما أحبلت، وحُزْتَ حلاوة فَتح تاج الغَرَض وما أجبلْت، ولا ريب أنَّ بهذا البلدِ مَنْ يتيهُ على سُقراطهِ، ويستهلك قِنْطارُ بقُراطه، في غواربِ قيراطه، وأنا عندَهُ عينُ الوَجيهِ، وستظفرُ بما تؤمله وترتجيه، وفي غد تزورُهُ وتراهُ، وتصافحُ قدمُكَ ذُرى دَاره وذراهُ، فاقنَ لديهِ الانخضاعَ، واشكر ضَرْعَ مواظبتهِ والارتضاعَ، واعلَمْ بأن ذلكَ الإيضاعَ ما ضاع، قال الراوي: فشكرتُ وعدَهُ، وحمِدْتُ برقَ أنعامه ورعدَه، وبِت أترنَّحُ في حلل الاستماع، وأتمايَحُ من سُكْرَي سَكرنا والاجتماع، حتى كدت أطيرُ بقوادم العِقبانِ، إلى نَشْقِ نَشُوقِ فَيْض فضله واللَّبانِ، ولما نَشرَ ميتَ الانتشار، وانتشرَ جَناحُ الاستبشار، بادر مَعْ مَعْددتهِ، إلى إنجاز ريح أعجاز عِدتهِ، وذهبَ بي إلى عَطَنه، واقتادني بربقةِ لُطْفه وشَطَنِهِ، وحينَ أولجني وولَجَ، وحازَ حظِّي ذلك البلجَ وفَلَجَ، ألفيتُهُ المصريّ ذا العارفةِ، والفنونِ الوارفةِ، فقبّلتُ حَجَرَ مصاحبتهِ، وأقبلتُ على تقبيل راحتهِ، فلمَّا قمَّصني بصرَهُ، وبصُرَ بانصبابه مَنْ أبصرَهُ، بش كمن بُشِّرَ بأحبّائهِ، وتُقبّلتْ منائحُ حِبائه، وحِينَ جَلَتْ صِحابُه، وخَلَتْ رِحابه وأماطَ احتشامَهُ، وسَلَّ حُسامَ المُلَح وشامه، قالَ لي: يا بنَ جريال أَأنسيتَ مسابقة الأعْوَجيّةِ، بين ألالِكَ السَّروجيَّةِ، فقلتُ له: خلِّ ذكرَ ما أنقدَّ ولو قدَّ، ودَعْ حديثَ ما انهدَّ ولو هدَّ، وتسلَّ عمّا مضَى وقد نضا، وعد عمّا انقضى ولو قضى، فالكريمُ مَنْ عَفا ولو عفا، والحُلاحِلُ من طفا ولو انطَفا، ولما وقفَ على جليَّة مرادي، وعرَف طلوع أشعةِ أرآدي، قال لي: قسماً بمَنْ مَنَّ بالزلالِ الباردِ، ومَنَّ حَبْل الحَذَرِ عن فؤادِ الحَذِرِ الفاردِ، لقد استوكفتَ النُّغَبَ من حَبابها، والزُّبَدَ من عُبابها، وأتيت المعيشةَ من بابها، وحيثُ ترجو أن تعومَهُ ويذوقَ لسانُ إرادتِك طعومَهُ، فلأجعلنّكَ جالينوسَ الأوانِ، وأربياسيّوس دَست هذا الإوانِ، ليحسدَك كلُّ مَنْ يعيشُ، وينوشَكَ كلَّما
стр. 96
تعيشُ المعيشُ، قالَ القاسمُ بنُ جريالٍ، فحمِدْتُهُ حَمْدَ منِ اعترفَ لَهُ، وشكرَ شِنْشَنَتَهُ ونبلَهُ، ثم إنِّي أخذتُ في إبعادِ كؤوسي، وإتقان دروسي، وشُكر ذلك الطّابع، والسهرِ المتتابع، إلى أنْ ضارعتُه بذلك النشب، مضارعةَ هاءِ التأنيثِ ياءَ النسبِ، وحينَ تكوثر مُجاجي، وتجوهر زُجاجي، قال لي: جَلَّ مَنْ جعلَكَ في نظام المحافظةِ نظيماً، وألبسَكَ مهابةً وتعظيماً، وعلَّمَكَ ما لم تكنْ تعلم وكانَ فضلُ اللهِ عليكَ عظيماً، فعندما طمَّني ذلك المزيدُ، ودعاني يزيد يوم بالزّبدِ يزيد، ترفقْتُ بعَودي فشحَّ، بعد أنْ شَجَّ جبين تصبُّرهَ فسحَّ، ثم إني سألته فاستجابَ، وجذَّذَ جِلبابَ مخالفتِه والحِجابَ، ولمّا قضى أرب جلْدَةِ الحركةِ إذ أحِكَّت، وفَصَل فِصالَ مواصلته بعدما امتكَّتْ، وحَسَمَ حبالَ محالفته من حيثُ ركَّتْ، نهضتُ إلى أشطانِ الإقامة فجذذتُها وبسطتُ له أناملَ المسألةِ ومددتُها، وسألتُه بأن يزوِّدَني، بوصيةٍ يتبلّجُ لها سراطي، ويعِف عند أرْي سأبِ اكتسابها استراطي، فلما سَمِعَ، ذلكَ المقالَ، اقتربَ منِّي وقالَ: الطويل: تعيشُ المعيشُ، قالَ القاسمُ بنُ جريالٍ، فحمِدْتُهُ حَمْدَ منِ اعترفَ لَهُ، وشكرَ شِنْشَنَتَهُ ونبلَهُ، ثم إنِّي أخذتُ في إبعادِ كؤوسي، وإتقان دروسي، وشُكر ذلك الطّابع، والسهرِ المتتابع، إلى أنْ ضارعتُه بذلك النشب، مضارعةَ هاءِ التأنيثِ ياءَ النسبِ، وحينَ تكوثر مُجاجي، وتجوهر زُجاجي، قال لي: جَلَّ مَنْ جعلَكَ في نظام المحافظةِ نظيماً، وألبسَكَ مهابةً وتعظيماً، وعلَّمَكَ ما لم تكنْ تعلم وكانَ فضلُ اللهِ عليكَ عظيماً، فعندما طمَّني ذلك المزيدُ، ودعاني يزيد يوم بالزّبدِ يزيد، ترفقْتُ بعَودي فشحَّ، بعد أنْ شَجَّ جبين تصبُّرهَ فسحَّ، ثم إني سألته فاستجابَ، وجذَّذَ جِلبابَ مخالفتِه والحِجابَ، ولمّا قضى أرب جلْدَةِ الحركةِ إذ أحِكَّت، وفَصَل فِصالَ مواصلته بعدما امتكَّتْ، وحَسَمَ حبالَ محالفته من حيثُ ركَّتْ، نهضتُ إلى أشطانِ الإقامة فجذذتُها وبسطتُ له أناملَ المسألةِ ومددتُها، وسألتُه بأن يزوِّدَني، بوصيةٍ يتبلّجُ لها سراطي، ويعِف عند أرْي سأبِ اكتسابها استراطي، فلما سَمِعَ، ذلكَ المقالَ، اقتربَ منِّي وقالَ: الطويل:
عليك رعاكَ اللهُ بالدينِ والتقى ... فليسَ أخو أمِنِ كمن باتَ يتقى
ولا تفضح المرضَى وقد بِتَّ خازِناً ... لأسرارِها والطبُّ بالفَضْح ما ارتقى
ولا ترفع الإلحاظَ في دار مَنْ لَهُ ... إلى طِبِّك المختار مَيْلٌ فتتّقى
ولا ترُج في الدنيا على الطبِ نائلاً ... وكُنْ واثقاً فالرزقُ آتٍ مَدَى البقا
ولا تمنع المسكينَ ظُلماً وتنثني ... إلىِّ كل جَبَّارِ جَنى المجد طَلَّقا
وكن في شديدِ البأس للناس رحمةً ... أعفَّ نطاسيٍّ يرى الفسْقَ موبقا
ولا تُعطِ في الداءٍ الدواء ولم تكنْ ... بإحكامه حَبْراً حكيماً محققا
فهذا الذي وصَّيتُ أوصي بمثلهِ ... أبقراطُ إذ أضحى لذا الشأوِ مَشْرِقا
قال: فلمّا وعيتُ من وصيتِه ما وعيتُ، وأوعيتُ من دُرَرِ درايته ما أوعيتُ، بكيتُ لفراقِهِ ما بكيتُ، وحكيتُ من حِكمََ محكماتِه ما حكيتُ.
المقامةُ السابعةُ والثلاثونَ البُزاعيّة
стр. 97
حكَى القاسمُ بنُ جريالٍ، قالَ: أيقنتُ غِبَّ غلَب الجهالةِ، والنزولِ بمهمهِ هذهِ الهالةِ، ومناجاةِ النحولِ، ومفاجأةِ النُّوبِ الحُولِ، ومشاركةِ الشقاشق، ومشابكة الأشَر الراشقَ، أنَّ ثمارَ الشَّرَف أشرفُ ثمار والتقاط الطُرَف أطرَفُ نثارٍ، واستماعَ الجَهَلِ أفضحُ عُوارِ، وادِّراع الكسَلِ أقبحُ شِعارٍ وعارٍ، فجعلتُ أهيمُ هَيَمانَ المُراهقِ، وأعومُ عوْمَ المُواهق، وأسهب في اعتلاءِ الشاهق وأطنِب في اجتلاءِ النّخب الشواهقِ، فبيَنا أنا أجوب جَوْبَ الوَقور، وأمور خوْفَ العَقورِ، بأخامص التَّيقور، ألفيتُ وأنا على أضالع النَّاب، بَيْنَ مزَارع بزاعة والباب، ركباً يَضع وضعَ الجنائبِ، بَأزمّةِ النجائبِ، ويَخضع لوطئِه صُم الصَّخْرِ الراسب، بينَ السَّباسب، فسلّمتُ عليهم سَلاَم مَنْ ظَفِرَ بنَدىً، أو وجدَ على نارِ طُورِ مطْلَبَهِ هُدىً، فحينَ بصرُوا بأثقالي، وشكرُوا مواقعَ أرقالي، قالوا لي: حييت يا أخا الفَدافَدِ، والسَّيْر المُخافِدِ، فَمِنْ أيِّ المَشارقِ طُلوعُكَ، وبأيِّ المَغاربِ تحطُّ قُلوعُكَ، وما الذَي تَتَوخى بجَذْبِ سِفاركَ، مَعْ مُلازمةِ أسفارِك، فقلتُ لَهُم: أمّا مَسْقِطُ لِبدتي فبابُ جيْرونَ بلدتي، وأما مالَ إسراعي، واعتقالُ رماح المَرَح وإشراعِي، فإلى بَلْدَةٍ أضعُ بها بَلْدَة هَذهِ الرَّكوبةِ، وأرضعُ كؤوسَ أكوابِ التفقة المَسْكوبةِ، وها أنا ما بَيْنَ سَيْرِ وسُهاد، ووَطءِ هَوادٍ ووهادٍ، عًلّ أنْ يظفِرَ إسآدَي، بمَنْ يظفِّرُني بُمرادي، أو يُثِمِرُ رُقادِي، لأعْطِف عِطْفَ التّعَطّفِ على نِقادِي، فقالوا: يا لهذَا العُجاب، وضَيْعَةِ ضَيْعَةِ هذا الجوابِ، أتشكو وَيْكَ شِدَّةِ الصَّدَى، ومُمارسة الرَدى، وأنتَ بالقُرْبِ من ذَوي الشّراةِ، والبَحْر الفُراتِ، ثُمَّ
стр. 98
أومأ إلى بَلْدةٍ كثيرةِ الاشتغالِ، قليلةِ المِغَال، ضَيّقَةِ الوَجَارِ، جَزيلةِ الأحجارِ، وقالوا لي: يا هذا إنْ كنتَ صادقاً في مقالكَ، واثقاً من مُدَاومةِ إرقالكَ، فعليكَ بالوقوفِ عليها، وليَ ليتِ هامةِ اهتمامك إليها، لتعودَ سِباخُ فهْمِك مزروعة، وسرر أسرة سُروركَ مرفوعة، فإنْ أنتَ سَبَرْتَ أرْىَ هذهِ الخَلّيةِ المُشتارةِ، وتدبَّرتَ صُحُفَ صحة هذهِ الإشارةِ، حَمِدْتَ عاقبةَ إسراعِك، وفارقْتَ ضُروبَ مَضَضِ إيضاعِك، قالَ: فلما سعَيْتُ لمَقالِهم، وأثنيتُ على صفاءِ قالِهم، ونَظَرْتُ في مرآةِ التدبيرْ، ورشفْتُ شِهادَ إرشادهم بالكأس الكبيرِ، امتطيتُ الثّلوثَ وأرخيتُ الزِّمامُ المُثلوثَ، ثم مِلْتُ إلى التّرحالِ، ومواصلةِ الارتحالِ، ميلَ الكليتين إلى الطِّحالِ، ولم أزلْ ما بينَ شِقِّ تبغيل، وشَقّ غِيْلِ بعدَ غِيْلِ، وخَوْض بِرْغيل أمام بِرْغيلِ، أذيبُ بنَارِ السَّموم سنامَها، وأتركُ الرِّقْدة لمَنْ نامها، إلى أنْ أتيْتُ بدَّايةَ، وأضويتُ الجِنجَنَ والدايةَ، فواللهِ ما نَضبَ اضطرابُ الأرجاب، ولا خَضَبَ ذوائبَ الغَزالةِ حنَّاءُ الحجَابِ، أو وَلَجْتُها ولوجَ من ضَمَّرَ الآطالَ، وقصَّرَ سِرْبالَ بُوسهِ بَعْدَ ما طالَ، وبَيْنا أنا أتخيّرُ مبيتي، وأعْطِفُ لتحصيل عَلَفِ العيْرانةِ ليتي، ألفيتُ الهِزَبْرَ الِهبرزي، أبا نصر المِصريَّ، فحَيَّاني تحيةَ المُلتاح، وألقَى إليَّ ساعدَ مفتاح حَرَمهِ المُمتاح، ثمَّ قالَ لي: إلامَ تعيشُ عَيْش الأجُراءِ، وترغبُ عن مناظرةِ النُّظراء ويُصافحُ عُنُقُكَ نِجادَكَ وعَنقك أنجادكَ فقلتُ لَهُ: إلى أنْ يَنْصُلَ هذا الخِضابُ، ويجتمِعَ النّينانُ والضِّبابُ، فانثنى بي إلى مثَواهُ، وثَنَى جيدَ جَدِّ الجَدَد هيلمةُ هَواهُ، ثم قالَ لي: قَدْ رفَضْتُ لِكلالكَ السَّمرَ، وإنْ غَلَبُ السَّهرُ وقَمرَ، لعلمي أن لَيْثَ نَوْمكَ قدْ هَمَرَ، وغَيْثَ تَهْويمك قد انهمر، فَنَمْ آمِناً مِنْ نَفاقِ نفقتكَ، ونُفوق ناقتك، فأنَّهما في أماني، وبَيْنَ ظَهرانَي أعُبدي وغلماني، قال فأسلتُ لسِلمه سَليلَي وأملْتُ خَوْفَ سَلمهِ تَليلي، ثم إنّهُ أمرَ بإحضارِ زادِه، واقتداح زِنادهِ، وشىِّ شَائهِ، وإلحاق دَلْو جُودهِ برشائه، ولمّا نَزَعْنا النِّزاعَ، وحَلَّت سيولُ سلمِنا الأجزاعَ، أحلَّني من ظلًّه المَمدودِ، ورطْبِ مفاكهتهِ المَحْشُوِّ بالدُّودِ، فيما ألهاني برصْفه النّاصع، عن طِيْب أوتار المَناصع، ثُمَّ قالَ لي إنّي لأكرَهُ هَمْهَمْةَ اهتمامك وأعجب لملازمة زمم زمامك، وأنا راج بأن يزول رهبك، ويبوخ لهبك، فإلى أين مذهبك، وبأي المذاهب ذهب ذهبك، فقلت له: أما ذهاب ذهبي، ففي توقد لهبي، وأما غاية مذهبي فإلى حيثُ أتقن مذهبي، فقالَ لي: تالله لقد استريت ثروة ثوابك، وامتطيت صهوة صوابك، وجَريْتَ إلى الغاية وما ونيت، وحويت أعنّة المعاني وما وَهَيْتَ، وحفرتَ بئارَ الغرض وما أكديتَ، وأصبْتَ إذ نصبت هذهِ الكِفةَ فاكتفيْتَ، لتفخر بفنونِكَ الحِسَانِ، وتجمعَ بينَ القَبَاءِ والطيلسانِ، ومّعَ هذا الرأي الرزينِ، ووجْهِ هذهِ الوجهة الحَسَنِ التَّزيين، فمِنْ أينَ تروُم تحصيلهُ، وتَّضُمّ إلى حَبِّ هذي المحبةِ قصيلَهُ، وتَزُمّ إلى حِقِّ هذه الحركة فصيلَهُ، فذكرتُ لَهُ البلدةَ التي نَصَّ الركب عليها، وأشار بالتوجُّهِ إلى إليها، فالتفتَ إلي التفاتَ منْ رمُي ببُهتان، أو كُلّفَ كفَّ كَفّ تَّهْتان، ثم فَحَّ فَحيحَ العرْبَدِّ، وزمَجَرَ زَمْجَرةَ السِّلغَدِّ، وقال لي: قَسَماَّ بمَنْ دَبَّرَ أحكامَ الفُرقانِ، وقَدَّرَ التحامَ الأذقان، لقد كنتُ أراكَ ذا عقلٍ وارف، وفَضْل مُتضاعف، وحَزْم مستثير وفهمٍ كثيرٍ بثير، أو ما بلَغَك أنَّ بها منْ يَميلُ عن الأتَيّ، ويتعظَّم تعظّمُ الملك الأبيّ، ويتبجَّحُ بحَطِّ حقوقِ الجَحاجح، ويهرأ لقَنْص نَقْصهِ بالفصيح الراجح، ويتثَبّتُ لنَحْتِ الأصولِ العَليّةِ، تشبُّثَ أقْطيقُوسَ بالأعضاءِ الأصليّةِ، ومتى حلَلْت بَحَوْمةِ هذا الانهمارِ، ألفيتُهم مَعْ خِبْثَةِ خَاثر دِخْلتِهم والسِّمارِ، سَواسية كأسنانِ الحمارِ ما بهرَبهم ذو براعةٍ، ولاَ اَشتهر لهم أخو شَجاعةٍ، ولا طفح لهم مسيلُ وادٍ، ولا عَرِقَ لَهُم في جهادٍ، مُذ مَرَّ أذُن جوادٍ، وسَلْ يَوْمَ بها نُنيخُ
стр. 99
تَنْطِقْ بصحة ما قُلتهُ التواريخُ، فارجعْ فأنا بهم عَيْنُ الخَبيرِ، وحَذارِ من نزولِ هذهِ البِيْرِ، وتَمْر اقترنَ بإبر هذي الزَّنابيرِ، ثم إنهُ سَفّهَ ذلكَ المَقال، وأشارَ بأناملهِ وقال: الطويل: طِقْ بصحة ما قُلتهُ التواريخُ، فارجعْ فأنا بهم عَيْنُ الخَبيرِ، وحَذارِ من نزولِ هذهِ البِيْرِ، وتَمْر اقترنَ بإبر هذي الزَّنابيرِ، ثم إنهُ سَفّهَ ذلكَ المَقال، وأشارَ بأناملهِ وقال: الطويل:
ألا إنَّ عيشَ الحُرِّ بينَ الأراقم ... أحَبُّ وصالاً مِنْ وصالِ المُصارم
وأهْوَنُ مِنْ هُون الهُمام ووَهْنهَ ... مُصافحة الأعناقِ بِيْضَ الصَّوارم
وأصعَبُ مِن كَوْرِ الكُروبِ وحَورِها ... محاورةٌ تُؤذي قُلوبَ الأكارِمَ
وأفظع مِنْ ضَرْبِ النُّحورِ وأسْرها ... مجاورة تؤذي رجالَ المكارم
فتُبّاً لِذمْرِ باتَ في الذّلِ رافلاَ ... يَجُرُّ رداءَ الهَمِّ بينَ الزَّراقمَ
وسحُقاً لمنْ يَهْوي المُقَامَ ببلدةٍ ... يَرَى الرِّزَقَ فيها في شُدوقِ الأراقم
فما ذاك إلا طالب فظ ضامرٍ ... ضَليع لدى لَيْثٍ ضَليع ضبارم
يُزاحِمهُ حِرْصاً على عَلِّ فَظِّه ... فَيهوي صريعاً بينَ ضَبْعَى الضبارِمَ
فويلٌ لمن أضحَى حَليفَ معُاندٍ ... ولو باتَ تَحميهِ صدورُ السَلاجِم
وويحٌ لحُرٍّ حَالَف الحُرَّ حُرُّهُ ... وحَقَّقَ أنّ الحُرَّ حامي المحاجِم
وويب لمفْضال يبيتُ مُزَاحَماً ... ويُمسْي بذّياكَ المَحَلِّ المُزاحِم
ووٌيس لمسكين يُساقُ سَفَاهةً ... إلى سُوق فسّاق حُسُول أساحم
وتعساً لمنْ لاهت عليهِ مذلَّةٌ ... تعانِقُها العِقبان فوقَ الغَمائِم
فلا خيرَ في رَبْعٍ تَظَلُّ نعالهُ ... بأقدام أهْلِ العِيِّ فَوْقَ العَمائم
فلا تَرُجُ من جِنِّ التّعدِّي فاقَةً ... وبادِرْ إلى التأخير خَيْر التمائِم
فأفٍّ لفذٍّ صَيَّرَ السَّيْرَ سُلّماً ... إلى كلِّ يقْظان الفَظاظةِ نائم
وتف لمغرورٍ بأزهارِ دِمْنَةٍ ... يُنادمُهُ فيها رَجيعُ البَهائم
فإن كنتَ ذا رأي فقوضْ مقُهقَرا ... تَعِشْ في محًلٍّ راجح غيْرَ هائم
وإنْ كنتَ ذا عَزْم عَلَى الحَثِّ جازماً ... فكُنْ بينَهم ما دُمْتَ عَينَ المُسالم
وأعلم لو أيِّدْتَ بالقُبِّ والقَنَا ... لما أبْتَ إلاّ سادِماً غيرَ سالم
قال: فلمّا قَطعً قَرْنَ أبياتهِ، ورَدَعَ أضواءَ أياةِ آياتهِ، قلتُ لَهُ: أفَكّلهم يفئونَ لهذا الضَّلال، ويتفيّئون يَحموم هذِي الظِّلالَ، فقالَ: لا ومَنْ سخّرَ الأفلاكَ، وقدّرَ رزقَك وفَلاكَ، بلْ بَها الحَلاحلُ، ومَن لفَضْلِه تُقطَعُ المراحلُ، وبها الأفاضلُ والتَّناضُلُ، ومَن له المُناضلُ ينُاضلُ وبها التناثلُ والناثلُ، ومَنْ له الأماثلُ لا تُماثل: الكامل.
فهمُ البدورُ إذا البدور تَكّورَتْ ... وهمُ الدُّرورُ إذا الدَّرورُ ترنَّقا
وهمُ البحورُ إذا البحورُ تكدَّرت ... وهمُ الحُبورُ إذا الحُبورُ تفَّرقَا
وهمُ الثُّغورُ إذا الثغورُ تهدَّمَتْ ... وهمُ السُرور إذا السرورُ تَمَزَّقَا
стр. 100
قال الراوي: فلمّا جَفَّ جُف ذلكَ الواسقِ، وانكفَ كَفّ ذيّالك الخاسق، قلتُ له: أنا مِمَّنْ يَحْملُ بُكاءَ المَطَر، لانتظارِ ضَحِكَ الزَّهَر، ويدخل تحتَ عبءٍ هذا الحَذَرِ، لعَلِّ عُبابِ هذا النَّهَرِ، فهل لكَ في المرافقةِ إليهَا، وخَلْع خِلَع هذهِ المُصاحبةِ عليها، فقال اذهَبْ رُزْقتَ منَ القَبولِ أجَلّهُ، وطيبِ نَسيم هذِي المسايرةِ أحلَّهُ، ولا تولني سَح إلحاحِكَ وطَلَّهُ، واتركني تركَ ظُبِيّ ظِلّهُ فحينَ قَنْطِتُ من مصاحبتهِ، وعلمتُ أنْ لا طمعَ في معاقرتهِ، استنهضتُ ولَدَهُ، لنصرٍ جرَّتي، وثقب بِلج نجوم مجرَّتي، فقال لي: الآنَ وقعتُ في حِبالتك، وتبعتُ جَرّ جرير حيلَتِكَ، وها أنا قَدِ امتريتُ مُرَّ أمركَ بَعْدَ المَناهي، وخَلَعْتُ بَيْعةَ الإباءَ المُباهي، فستذكرون ما أقولُ لكم وأفوِّضُ أمري إلى الله، ثم إنَّهُ أخذَ في المسير، بَعد بُعْد انقيادِهٍ العَسير، إلى أنْ رضخْنا بحُسنِ الاتفاقِ، وأنخنَا بها كَلاكَل النِّياق، ولمّا مالَ ابنهُ لمَا أمّلَهُ، واَسترألَ لتحصيل ما تأمّلَهُ، واندرأتْ فوائدُهُ تنثالُ، ووجبَ لأوامرهِ الامتثالُ، وضُربَتْ بفضْلِه الأمثالُ، رَضِعْنا مرارةَ أليمِها وطعِمْنا حرارةَ مُليمها، وسمِعْنا من نَجاسةِ وخَيمها ما يَشْهَدُ بخَساسةِ خيمها، فأبرقَ لذلك وأرعدَ، وسَحَّ مُسْبِلُ حُرَقِهِ وأرعدَ، وحَرَّقَ آرِمَه وشدَّدَ، وخرَّقَ صيدارَ تصبُّرهِ وأنشدَ: الكامل.
ساعِدْ سَليلَك إنْ سَقَط ... بَيْنَ الأسافِل والسَّقَطْ
واحرسْ حِمَاهُ ولا تكُنْ ... ممَّنْ يذِلُّ إذا قنط
واركبْ ليوم قتالهِ ... قُبّاً تَشُن إذا هبط
وكُنِ الرَّبيط فإنّما ... يحمي الحقيقةَ مِنْ رَبط
وابغ الكفاحَ لنَصْرهِ ... إنْ شاط ظلماً بالشطط
وذَرِ الظُّلامَةَ هَلْ تَرَى ... نالَ السَّلامةَ منْ سَقَطْ
ودَع الطِّماحَ فما نَرَى ... دَعَّ المطَامع مَنْ سَقَط
فأحفظ فديتُكَ حِكْمةً ... تُربي على دُرِّ السَّفَط
لولا التكرُّم والنُّهي ... حسَدَ المُفضّلَ مَنْ غبط
فالفذ مَنْ وَجَدَ العُلى ... سلْكاً يسُوِّدُ فانخرطْ
ثم إنَه تخمّطَ في غَضَبهِ ورَفَلَ، وتقمط بحمالةِ غَضَبهِ وقَفلَ، وقَدَعني وأفَلَ، وودَعَني بها ومَا احتفلَ.
المقامةُ الثامنةُ والثلاثونُ المَوْصليَّةُ
стр. 101
حدَّثَ القاسمُ بنُ جريال، قالَ: لمَّا احتنكْتني يَدُ الانبعاثِ، واستهوتْني شَياطينُ الرعاثِ، وأنساني حُبُّ الأَثاثِ، لَذاذةَ الحِثاثِ، وأغراني طَلَبُ الإحراثِ، لإثارةِ الاحتراثِ، كَلفْتُ بمُقاناة الأقلام، ومُعاطاةِ الأعلام، ومُكاسرةِ الكُتّابِ، ومُعاقرةِ الزَبربَ المُرتابِ، فلم أزلْ أتًّشِحُ بوشاح المنافع، واطَّرحُ معرفة الخافض والرافع، حتى ضمَّني نِمْنمة هذي الرَّباوة، وَزمَّني زمزمةُ هذي الشَّقاوةِ، إلى مُراودةِ الرُّودِ، والتَّخلّقِ بأخلاقِ ذي الجَمل الشَّروب، فما نزلتُ عَنْ هذِه الزَّفوفِ، إلاَّ عند مناهزة سِنِّ الوقوفِ، وما خلعتُ خِلافةَ الخفوفِ، إلاَّ عند سَحق استبرق الشرهِ والشَّفوفِ، فحينَ فارقَ فَمَ الفكرة قبحُ هذا القُلاع، وانتشرَ نَشْرُ إنابِ الإنابةِ والإقلاع، وقلَّ عِبءُ ذلك الأَوْقِ، وجلَّ عنُق عَمْروِ عبارتي عن الطَّوقِ، ملتُ ميلَ النجوم، لذلك الجموم، واحتملتُ مكابدةَ العُلكوم، لاكتسابِ الأدب المركوم، إلى أنْ رفضتُ الجَهْلَ رفضَ السقيم بأسَهُ، والقَسيمَ التباسَهُ، فلمّا تذكّرتُ ما تذكّرتُ، وشكرْتُ على ما تدبَّرتُ، أقبلتَ مَعْ مقاطعةِ المُسْطار، ومصاحبةِ الأسطارِ، أطورُ بالأقطار واحداً بينَ وُحْدان المَحامد والقِطار، فبينما أنا أرتضعُ عُقارَ التَّناهُدِ، وأفترعُ عُذْرَ هذه الناهد، إذْ رمَتْني نَشْوةُ هذهِ الأَراءِ، بَعْدَ مُباعدةِ الِمراءِ، مَعْ جماعةٍ من الأدباء إلى المَوْصل الحدْباءِ، فوردْتُها وأنا من مُفارقةِ الصِّحاب، ومحاربةِ الانتحابِ، باكٍ غيرُ متباكٍ، وبطلبِ الزُّبَدِ كاس لا باحتساء كاس، مُنقَّباً عن أعلامهِ، مُنكِّباً عن مِيمَى اللَمِم ولامهِ، فحينَ حلت عن حَببي، وحُلْتُ في متن ما أنْسى سُرَى خَببي: البسيط:
طَفِقْتُ أطْرِفُ طَرْفي مِنْ طرائِفها ... وأَصطفي خالصَ الإخوانِ ذي النُّخَبِ
وأشكرُ الدَّهرَ والأيامَ إذْ وَخَدتْ ... بِيَ النَّجائبُ نَحْوَ السَّادةِ النُجُبِ
стр. 102
قال: فجعلْتُ أسحُ بين المسارح، وأصولُ في صَهْوةِ ذلكَ القارح، وأحْمَدُ وخْدَ هاتيكَ المَطارح، حتى رُميتُ إلى مَحْفل يُعافُ عندَهُ قُسُّ البراعةِ ويناف، وتطاف فيه لطائمُ المباحثة وتُسافُ، فَنَشَبْتُ في ذلكَ الإكليل، بالكَلِم الكَليلِ، ونُسِبْتُ في ذاكَ النَّقيلِ، إلى قصر القيلِ، فما بَرحوا يَسْرحُونَ بِبَرِّ الجَدَلِ ويَمرحونَ، ويَسْبحونَ ببَحْرِ حلوِ المُلَح ويمتحونَ، إلى أنْ اتَّصل بذلكَ القراع، ذِكرُ صناعةِ الرِّقاع، التي أسْهَرتِ الحَيْص بَيْصَ، فوقعوا لِوَقع السَّدَرِ في مصايدِ حَيصَ بيصَ فقال قائلٌ: تاللهِ لَقَدِ اقتادَ بكفِّ فكرته أجيادَ الإجادةِ، وانقادَ لقدِّ مقدرته جيدُ أجنادِ هذه الإفادةِ، وقالَ قائلٌ: إنَّ وإنَّهُ حَلَبَ براحةِ قريحته أثداء البدائع، وأذابَ أفئدة أضداده بذَوب ضَرَب إبداعه الذائع، وقالَ قائل: إيْ وربِّ الكعبة، ومذلَلِ الصياصي الصّعبة، ولذلكَ أمعنَ بطلب بعقوبا، وضارعَ بانسحابِ جَللِ أحزانه بعقوبا، قال الراوي: وكنتُ حينَ أخذْتُ مكاني في المكانِ، وعُمْتُ خَلْفَ سَيْبِ سُكانِ تلك السادةِ السُّكّانِ، لحظتُ شيخاً مَسْدولَ الحاجبينِ، توذِنُ بغروبهِ غِربانُ البَيْني، يترجمُ تُرجمانُ جُفونه، عن جزالةِ فنونِه، وينبئ ابيضاضُ عًثنونه، بإسراع عساكر مُنونه، فلمّا عَرَفَ ما عرَفَ، ووقفَ بما وقَفَ وثَبَ وثوبَ العَنْكَبوت، وأومأ إلي بالسكوت، فألفيتهُ الدَبيب النافثَ، والعَنْدليبَ المُنافثَ، أبا نصر العَقوقَ، معلِّم قاضي البهائم العُقوقَ فطِبْتُ نفساً بقدومه، وضَمَمْتُ مِنْشارَ شِدةِ الفَرَح إلى قدومه، ثم إنَّه حَسْبَلَ وبرشم، وسبحل وجرشم، وقالَ: يا أولي الأواصر الباصرة، والعناصر الناصرة، أتبالغونَ غاية المُبالغةِ، وتُلغونَ ذا البلاغة البالغةِ، تُبًّا لِمَنْ يَمْتَهنُ النّزيلَ، ويَسْتَسْمِنُ الهِزيلَ، ثم أشار بيده إلي، وقال: ادْن لديّ، بحياةِ عيني، وأمْلِ عليهم من ضُروب رقاعِكَ، ما يعطرُ نواحي بقاعك، كي لا تَفتخر بعدَها بالرفاتِ، وتحتقرَ فِقرَ الكفاةِ، فقلتُ له: أتستنجدُ بالجدْجُدِ على السباع، وترومُ جرَّ المجرةِ بيدِ القصير الباع، وتستمطرُ عرمض معينه، ويغلث غث رث اختراعه بسمينه، فكيفَ تُقْدمُ على الأسود الشاءُ ويُقدمُ على الحِجاج الخشاءُ، أم كيفَ يُستسقى صاحبُ البَغَر، ويُرامُ سدُ الثّغر، بمخالبِ النُّغَر، أو ما سمِعْتَ المثل بينَ الورى، أطرِقْ كرا، إن النعام في القرى، فأبرُزْ بسيبكَ الرابي على الذّرى، فكلُّ الصيدِ في جَوفِ الفَرا، فقال لي: أما تعلمُ أنَّني مِمَن يثرُدُ لجياعه، ولا يَسْكبُ إلاَّ عندَ طَلَبِ انتجاعه فإن استوكفوني وكَفْتُ، وإن استوقفوني وقفْتُ، فقال بَعْضُ مَنْ حضرَه وقدِ استباح من ظَنَه ما حَظَرَهُ يا ذا إنْ فَرَيت بريحك شراعي ورَعيتَ أنُفَ هذي المراعي، علمنا أنَّك النَّضيرُ السَّامِقُ والأخيرُ السابقُ، والمُستمِدُّ من عطْرِ ريح هذا النافح، كاستمدادِ السَّبْسَبِ من سَيْب السَّحاب السافح، وقد كنتُ هَمَمْتُ عند ادّعائك، على كَشْفِ وعائك، وكَسْر يراعِكَ، لو لم أراعكَ، فانظرْ إلى مصيرِكَ، واسْترْ معاصمَ تقصيرك، فالأريبُ من اشتغل بغَوايته، وحَجَبَ وجه غادة غباوته، وعَلِمَ أنَّ لُبْسَ صَموتِ الصُّموتِ أسلمُ، ومَنْ تسنّمَ مَراقي هذه السلَّم قلَّما يَسْلَمُ، وأنت بقرونتِك أعلم، وإيَّاكَ وادِّعاءَ ما لا تعْلَمُ، قال القاسمُ بنُ جريالٍ: فرمقَهُ بعدَ سائرهم، وقَدْ سَبَرَ نُطْقَ خَضلهم وبائرهم، وقالَ لَهُ: تاللهِ لقد سألتَ السَّلاسلَ النِّصاحَ، والبحر الزاخرَ الضَّحْضاح، والصارمَ الجراح، والضبارمَ الاجتراح، ثُمَّ إنًّهُ مالَ إلى اليَراع، لقَطعْ النِّزاع، وصال على الرِّقاع، لنثْر الرِّقاع، فحينَ أحكم ما اجترحَ، وتحكَّم فيما اقترح، حملقَ نحوَهُم حَمْلقةَ الضِّرغام، المعفِّر أنفَ الفريسةِ بالرَّغام، وقالَ: دونَكُم وما تَظَنّيتموهُ فضولا، فإنّه أفصحُ فُصولا، وأكملُ حُصُولا، وهذه الرقعةُ.
الأولى
стр. 103
لم أرجُ يَمَ يُمْنِ العواطفِ العصاميةِ، وانحُ وصيدَ المواقف الإماميَّةِ، إلاَّ بقلاص مدح حثها سائقُ أملِ استنجعَ من غمائم الكَرَم، صَوْب هَتُونِ اندفق من غمائم النعم، راجياً أنْ يطبِّقَ بُطنانَ بطاح عِزِّه الذي انقرضَ، متوخيًّا عمارة عِزٍّ انهدمَ بمعْول مَتْربتهِ وانتقضَ، لا انصرمَ ظِلّها ولا انقبضَ، ولا انجزَم فِعْلُ أمْرِها ولا أنخفضَ.
الثانية
إنّ أمامَ أيْنُق الثَّناءِ، ويَمْنَةَ مَيْسَرَة السَّناءِ، قائدَ رجاءٍ نَزَع سِرْبالَ سَدَم نَهكَ أعضاءَ أدبه فأضواه، وفارسَ أمْلٍ أشرعَ عاملَ عزمهِ لقَتْلِ قُنوطِ مَطْلبه فأصماه، ومداعسَ عزيمة أسرع لطعن كبِدِ التردُّدِ فأرداهُ، والأجدر بالجَنَاب العالي، والعِزْم الرابي على العوالي، إناخة رِكابِ احتملَتْ دُرَّ بَحْرِ صَدْرِ نُمِّق بحالك حِبْر حَبر عُرض على خَيْرِ وتر مَنحَ مِنَحَ حكمه حُسْنَ السَّنا، واستثمرَ من مطائب إعطائهِ طيب الجنى، وشَرَى بَعْدَ دعِّ ضُرِّ الضّنا، بسوق مُدَّاح حَضْرته حُلْوَ المديح اللّذْ عنا.
الثالثة
لمّا ارتدَى مُصلَي حَلْبةِ الأَدبِ بَعْدَ مُجلِّيه، رداءَ حرمان رَفَلَ كُلٌّ منهما فيه، ظَهَرَ مِنْ سيلِ غَضَب المُسلِّي ما يُعجزُ طُوفانُ طافيه، فاستخرج قلمُ دُويِّ الحِكَم، دُرَرَ الكَلَم، من غَوص بحارِ فيهِ، وحينَ فاقا فِلْقَ كل نافثٍ وضاقا بالنجهِ ذَرْعاً عززْناهما بثالث.
الرابعة
لم أقصد إلا بصِدْقِ ولاء ملأَ البَراحَ، وصْفاَ فساح وعطر ثناءٍ ضَوع الضرّاح عَرْفاً ففاحَ، وشيمِ غَمام وَدَقَ انسكابُه فأفاح الفلاح، وخُلوص طَويةِ زَخرَ حُسنُ ظنها ففاضَ، نكوصً ياس انكسرَ ساقُ مسابقةِ أمله وإنهاضَ، والإيالة الشريفة، والولاية الوريفة، أولى بهَطل النّدَى وأندى، ورأيها العلي السني أسْمى وأسْدى.
الخامسة
ما بالُ رَنْدةِ يَدِ الطالب، عز نِتاجُها وانطمسَ سراط طِيبِ المطالبِ فاقمطر رتاجُها، وتَقَلصتْ بيداءُ المآربِ فضاقتْ فِجاجها، فعلامَ أدَع عن حياض الرغائبِ، وأدرأ عن بياض وجوه المواهب، وأنْتَ مِعْوان المَعاركِ، وعَنان الجَدب العاركِ، وغياثُ الآملِ، وثِمالُ الأراملِ، فعجل بدَرِّكَ الطمِّ، وبَرّكَ الرم، وجودِكَ اليَمَ، وجَوْدك الخِضَم، فَقَدِ انتجع مَنْ أصبح بنخَبهِ محبوباً، بباب لُباب خلائفِ الخلافة بعقوبا، ولو نَثرَ مِنْ نثار هذا المَددِ لديهِ، وَجَبَ تسليمُ زمام راس العراقين عليه إليه، فرام من الطافح الطافحَ الماتحً، وقَنعَ لِحَدَب مَطَا الأزمنة بالناقص الراجح، فَرمْت بالفرائدِ المكنونة، والقلائدِ المصونة، مِنْ منائح الكَرَم قرية الجصلونة، فأنت اسمح باذل، وأرجح صائل، وأنا أصفحُ سائل، وأفْصَحُ قائل.
السادسة
إلام تشام سحائبُ اليأس، وتسامُ ركائبُ الكُرَب في سباسب الوَسواس، وترمى كنانة خضر الرَجاءِ، وتدمى أفئِدة الفكر بينَ المدائح والهجاء، وأرفل في مطارفِ الهَوان، وأرقلُ بأيانق الطمع في مهامه الامتهان، والأحسنُ بفلكِ العوائدِ الطّافيةِ، والموارد الصافية الضافية، إدامة نظر الإحسان، وإقامة عَمَدِ الامتنانِ، والرأي فيما تَراهُ المراحم الفاخرة والمكارم الزاخرة، أيدَ اللهُ ظِلِّها الأكملَ، وفضلَها الأطول، ما نَدَبَ وجنة الخَدَ الخد، ووجَبَ على احتساء مُحرماتِ الحَدِّ الحَدُ.
السابعة
أرسلتُها سابعَةَ لتستلم رواجب الجلالِ، كالمؤمَل تؤمِّل تَسَنمَ غارب الإجلال، مُسْتَنجِعَة سبائب سيبكَ المِفضال، مِنْ عماية عَماية الإفضال، والرِّفْعة الجَلية الرّامِقَة، والعِزَّة العليةُ السامقَة، أجدر بتشييد المقاصدِ للقاصدِ، وأقدَرُ برَفْع بُنيان القواعد للقاعدِ، مَجدَ اللهُ مراتبَ أركانها، وبَدَّدَ رواتب سُلطانها، ما سَرحَ الصِّوارُ، ونفَح الصُّوارُ، وأضمرَ الليلَ الليلُ، وأظهرَ النهارَ النهارُ.
стр. 104
قال الراوي: فلمّا وقفَ ما وقَف، ووكف وتجنَّبَ الوكَف، وخَصَّهُمْ بريق ذلكَ العَريق، وحصَّهم بإبريق ذيّالك البَريق، مدحوا لسانَهُ الأقصل، وذَمُّوا زمانهُ الأعصل، وقالوا: أف لعَصْرٍ يضوعُ به ملابُ لُبابك، وتضيعُ بَيْنَ أصحابه صُنوفُ انصبابِك، وتُزْجى لكَ الأذى وتسوقُ، وتَعْلو على رؤوس إفصاحك السّوقُ، ثُم إنَّهم مالوا إلى أنامله مقبِّلين، وانثالوا إليهِ بالتّحَفِ مُقبلين، واستقبحوا قَوْلَ ذاك القرين، واستفتحُوا بابَ ربْع معرِفتِه والعرين، فَرَبَّطَ ذلك النَّوال، وتأبّطَ حُسامَهُ وقال، بَعْدَ أن عادَ غَللُ صَبْرهِ بلَلا، وبَلَلُ دَمْعهِ غَلَلاً: البسيط:
بمصْرَ داري فلا واللهِ مُذْ رُفِعَتْ ... عنِّي التمائمُ ما أَوليتُها مَلَلا
أظلُّ إنْ ذُكِرَتْ مصر وزينتُها ... أفيضُ دَمْعاً من العينين مُنْهَمِلا
دار بها يُصْبحُ الموتورُ ذا مرح ... ويُبْرئ التُّرْبُ إنْ عَزَّ الدّوا المُقُلا
تَبيتُ مَنْ أصبحت فيها جَناجِنُهُ ... مملؤةً تَرَحاً مملؤة جَذَلا
فمذْ طلَعْتُ بجسمي والفؤاد بها ... ألفيْتُ قلبي من خَوْض الفَلا أفلا
لولا الحياءُ ولولا عِفَّةٌ وتُقًى ... لكنْتُ أول مَنْ حَوْياءهُ قَتَلا
ثم إنَّه خَبَّ خَببَ الخِرْياقِ، وحَبَّ حَبَبَ مُناوحةِ النِّياقِ، بَعْدَ أنْ سَدا بمسيرهِ، وشَدا لتَشْميره، ودَرَّ مِنْ مَدِّ مَدْمعي الدَّما، وفارقني عندما أراقَ مِنْ مُقْلَتِه عَنْدما.
المقامةُ التاسعةُ والثلاثونَ الرهاويّة
أخبرَ القاسمُ بن جريالٍ، قالَ: شُعِفْتُ حالَ مناوحةِ البِعادِ، ومصافحةِ الأبعادِ، ومُضارعةِ الصِّعَادِ، ومُصارعةِ الأصعادِ، باعتلاء الأعوجياتِ، واشتراءِ الشَّدْقَميَّات، واجتباءِ السَّمْهريَّاتِ، واجتناءِ ثمارِ الرّدينيَّاتِ، حتَّى خوَّفني الزَّمانُ، والتُمِسَ من شدة شدتي الأمانُ، فصرت قسورة القتام، وطاعِنَ مقاتِل الأقوام، وهَتاك كلِّ أريكةٍ وابنَ نَجْدَةِ كِلِّ عَريكةٍ، ونَضناضَ كلِّ وقيعة، وخَوّاضُ كُلِّ سَراب بقَيْعَةٍ، لا يَسْتخفُّني هُوف، ولا تلفني هُوِفٌ لَفوفٌ، ولا يسلُبُ المبارزُ رباشي، ولا تعلَقُ أظفارُ المُضافرةِ بجاشي، فحِيْنَ قدَّر القَدَرُ ثِقافي، وجَمَعَ بينَ غَينِ عينَيْ وقاني، آليتُ ألاّ أفارقَ الصَّفَينِ، أو يُسمعَ اسمُ في صَميِم العرَب على حَرفينِ، ولمّا خُضْتُ خضارة الخَطْبِ المَهيلِ، وصحبتُ أصحابَ الصَّلصلةِ والصَّهيل، مِلْتُ عن المدارس وأهَيْلهَا، وعدلْتُ إلى شَمسْ سماء المُداعسة وسُهَيلِها، أرباً أن أجمعَ بينَ الرياستين، وأحظَى بوصلِ تَيْنِ المهاتين، فبينما أنا بمجلسِ والي الرهى، وقَدْ قَرَنَ بينَ قَرَنِ النَّباهة والنُّهى، إذْ وَقَفَ بديوانِ ولايته، وإوانِ عَدْلهِ ورعايتهِ، شَيْخٌ قد قاربتْ قَرونَهُ المَنونُ، وفارنتْ قمرَ إلفِ قَدِّهِ النونُ، تَشْتمه شَيْخة ظاهرةُ الجُرأةِ، بارزةُ الذُّراةِ، قدِ اَحقوقفَ ظهرُها وارتهشتْ، ونَقَشتْ رواهِشَها وامتهشَتْ، وهو يَجْذبُها وتَهِرُّ، وبقربِّها وتَفِرُّ، فأنَّ الشيخُ أنَّةَ الثكول، وازبأرَّ لذلكَ النُّكولِ، وقالَ: الكامل.
يا عادلاً بعِداتهِ وعُداته ... أغنَى العُفاةَ وضيَّفَ الضبعانا
إنِّي حَمَلْتُ مِنَ الزمانِ متاعباً ... لمَّا تحكَّم في المَعَانِ وعَانا
стр. 105
فقالَ لهُ الوالي: ما شأنُكَ أيها الفَصيح، ومَنْ بشُكر إفصاحهِ الفصاحة تصيحُ، فقالَ لهُ: اعلم ثَبَّتَ اللهُ سنابكَ سنائك، وألبسَكَ ملابسَ وفائكَ، وضَوّعَ عبيرَ عَلائكَ، وقوَّمَ صَعَرَ خُدودِ عدوِ أعدائِكَ، أنَّني مَمّن إذا قصد صَدَقَ، وبَرقَ ربق، وسَلبَ لَسَب، وكَسَبَ سَكَبَ، أميلُ عن الإسراف، ولا أعلم ما مذاقةٌ الإشراف، وأسعَى لِمَنْ صَفْوَهُ اصطفَى، بَيْنَ مَروةِ المُروءةِ والصَفَا، فلماّ انكسرتْ الرؤوسُ، واسْتوَى الرئيسُ والمرؤوسُ، وكلَّ الحاذُّ، وتقطعت البُطون والأفخاذُ، وتشتتتِ الجَلَبةُ، وخانت الحَجَبةُ، وتَمزّقَ المِعناق، وتَتَعْتَعت الأعناقُ، وقل الاحتمالُ وتَشَذَّرتِ الشِّمالُ، أصبحتُ لإلحافي، وعَدَم التحافي، ألينُ، لنحافِي، واستوهبُ الأحذية مِنَ الحافي: الطويل.
فيا ليتني لم أحيَ في الناسِ بَعْدَما ... تَنَاءتْ جُموعُ الجَدّ عنِّي وولَّتِ
ويا ليتني لمّا امْتطَي قِتبُ صِبْيتي ... مَطيَّ الطّوَى وسِّدْت في الترْبِ تربَتي
فلا خيرَ في عيش أبيتُ موسَّداً بهِ ... جَمر جَانٍ إنْ توالت تَولتِ
стр. 106
ثم إنَّهُ اضطربَ اضطرابَ المزؤود، وتنَفّسَ تَنَفسَّ المؤودِ، فقالَ له الوالي: تاللهِ لقد عرَقني غِزارُ غَرامك، وغرّقني طُوفانُ اضطرامكَ، فأخبرْنِي ما وراءَ صمامِك، ولأيِّ مأربٍ اتَّصلَّ بنا سَبَبُ اَنضمامِكَ، فقالَ له: اصِخْ فَدَيتُك إليَّ وأنخْ نُوقَ إنصافِك لديَّ، وأنّني لمّا هَجَرَ آلي، وأمقرَ زُلالي، وانهزمَتْ قبائلُ مالِي، وانصرمت حَبائلُ آمالي، ونفقت جِمالُ إجمالي، وبَرَقت رمالُ إرمالي، هممتُ بأنْ أتزوجَ بمَنْ تحن إلى عِيالي، وتَجِن جُيوشَ أعلالي، وتَحْتَمِلُ إرقالي، وتَحمِلُ ثِقالَ أثقالي، فاستشرتُ بمَنْ هو لسِّري مَعَان، لعلمي أنَّ المستشارَ مؤتمنٌ، والمستشيرُ معان، فزُفَّتْ إلي هذهِ العَجوزُ، التي رأسُها في جرابِ كلِّ مُجادلةٍ يَجوزُ، فأسقَمني وصلُها الذعانف، وجَزعتُ معَهَا ما بعضَهُ الحر يَعافُ، وقد أحضرتُها إليكَ، وَعَرَضْتُ عُروضَ إعراضِها عليكَ، لتُثقِّفَ أسَلَ مَنْهجِها، وتُهذِّبَ جُمَلَ لُجَج لَجِجِها، قال: فلمّا سَمِعَ الوالي حكايتَهُ، وفَهِمَ شكايتَهُ، قالَ لها: لحاك اللَهُ كيفَ تُخفرينَ عهدَهُ، وتكفرينَ رَفْدَهُ، وتُنكرينَ خَيْرَهُ، وتحتقرينَ مَيرَهُ، فقالت: إنَّهُ ومَنْ حرَّمَ أطباءَ البراطيلِ، ونَهَى عن مظالم المَطيل، لأكذُبُ من الصبح المستطيلِ، فقالَ لها الشَّيخُ: قَبَّحَكِ اللهُ بل أنتِ ومَنْ طَيرَ النّحام، وحبّبَ إلى الحَمير الزِّحامَ، أكذب من غَمامةِ مَصيفٍ، وأتْفَلُ مِنْ غَيايةِ كنيف، وأوسخُ من سِروَالِ كنّاس وأزفرُ من سربال رآس، وكيفَ لا يذمك من يدمُّكِ، وَيَصُّمكِ مَنْ يَضمُّك وقد ألفاكِ يومَ قَفَّاكِ أنْجَسُ مِن كَلْبٍ، وأنفسُ من دَرْب، وأسفقُ من رَبابةٍ، وأفَسق من زبابة، وهي أعزّكَ الله مَعْ كَثَرةِ جُرافِها، وغَزارةِ انحرافِها، إنْ غلبَت عَلَبتْ، أو جلبَتْ خلبت، أو شرقَتْ سَرقَتُ، أو حنقْت حبقَتْ، تأكل منَ الحَماةِ حِمْلين، وتنهَلُ من القَيء قُلّتَين، وتَغْتَسِلُ بُصَيِّب العَيْن، وتَكْحل أسود العَيْنِ، بأسود العيْنِ، فلا أعاذها اللهُ مِنَ العَيْن، فقالتْ له: فضحَك اللهُ يا أقفر من خَرابٍ، وأكذبَ من سَرابٍ، بل أنتَ واللهِ أنْصبُ من بُحيس، وأشأمُ مِنْ طُوَيْس، وأخَس مِنْ جَاجَةٍ، وأنَم مِنْ زُجَاجَةٍ، وأرْقَعُ مَسْبُوع، وأخْدَع مِنْ يَرْبُوع، وأرْجَسُ مَنِ أطْرَحَ العَصَا، وبَاتَ في أَهْلِهِ صُلْبَ العصا، وتجللَ سَكاب المَعاصي والعَصَا، وقال: أنا خيرُ من تفاريق العَصَا وعَصَا، فتّباً لكَ منْ هائع لائع، وجائع نائع، وماطع راطع، وقاطع لاطع ناطع، يا أخْبَثَ مَنِ اختارَ على الصادِ الميمَ، والوهادَ التسنيمَ، وفاضَ بالحججُ الجائرة، واعتاضَ عن المثلثِ بالدائرةِ، فكساكَ حلّةَ حُرافِي، ورماكَ بثالثة الأثافِي، وعزز فن سابحِ سِبالِك بالتاءِ، وقَبَّضَ لقِذالِك قلبَ شقيق بلوطِ الشتاء، لأنَّكَ إن رحلتَ خبطتَ، أو حللتَ ربطتَ، أو سألتَ قَنِطْتَ، أو سَعَلْتَ ضَرِطْتَ، فأفٍّ لما لَقيْتُ وما ألْقَى، وتُفٍّ لخسيس أنسِكَ وسُحقاً، فقالَ لهما الوالي: أخزاكما اللهُ أما تخجلانِ من سَحِّ هذهِ الدِّيمةِ، وقُبْح هذهِ الأفعالِ الذَّميمةِ، فقالتْ: قَسَماً بِمَنْ أنعَمَ على المسافر بالقَصْرِ وأنزلَ على سَيّدِ الرُّسل سُورةَ النّصْرِ، لولا احترامُكَ لأقرأت حصييهَ سورة العَصْر، ولولا الحَياءُ من أمور اشتهرتْ، وأحوال بينَ الوَرى ظهَرت، لتلَتْ لحيتهُ إذا النجومُ انتَثَرتْ، فالتفَت الوَاَلي إليه، وقالَ له: يا ذا لَمَ لا تَزْهَدُ في صَدْرِ هذهِ الوُصْلة والمَغابنِ، وترحلُ عن وَطَنِ سورة التَّغابُنِ، فقال: لأنِّي لا أملكُ في الإقامة والانطلاق، ما أتوصلُ بهِ إلى قرية سورةِ الطلاقِ، فقهقهَ الوالي واستطرفهَ، واستملحَ قولَهُ واستظرَفهُ، وقالَ له: كَمْ صَداقُها عليكَ، لأحضَرهُ إليكَ، فقالَ: مائتا درهم لا يشوبُ كمالها نَقْصٌ، ولا يَعيبُ ثوبَ إكمالِها قَص، فسلّم المبلغ إليها، وقالَ: أحلفُ الآنَ عليها، فقالَ: هي طالقُ بعدِدِ عُشرِ شهرِ تشرينَ، وأربعةَ أجذارِ خمسةٍ وعشرينَ، قال القاسمُ بنُ جريالِ: فالتفتَ حينَ حَملق الضُّبعان، وحيّرَ الخِرَقَ حرَّ ذلكَ الطِّعانِ، وطالَ بينَهما المِصاعُ، وخصَّ كلَّ واحدٍ منهما ذلك الصَّاعُ، أبا نصر المصريّ صاحبَ ذاك
стр. 107
الاقتصاص، وحالبَ هاتيكَ القِلاص، فتركتُهُ إلى أن انفصلَ عَقْدُ ذيّاكَ العِقَال، ونصلَ خِضابُ ذَّيالكَ المَقالِ، وانصرفَ يَتَغَطْرَفُ لحوْكه وَيتَخَنْدَفُ بزوكه، ولم يبقَ معَهُ من البَريّةِ، سوى ثُلثِ تسع سِهام الأكدريةِ، ثم لصقتُ به لصوقَ الحَسْدل بالمواشي، وجعلتُ أعاتبهُ، ولا أحاشي، فقَال لي: أتظُنها ربيبةَ داري، لا ومَنْ رفعَ في سُلَّم الفَصاحةِ قدمَ مِقْدارِي، وإنَّما هي امرأةُ قَمّام، أجيرِ حَمّام، استأجرتُها بحبتين، لأقتنصَ بفخِّها المائتينِ، فقلتُ لَهُ، أفلا تضربُ لي معكما بنصيبٍ، لأكونَ في نثلِ كنانتِكما ثالثَ مُصيبٍ، فقالَ لي: إنَّكَ ومَنْ فَضَّلَ ركبانَ الحرم على مُشاتهِ، وبغَّضَ إلى الوالي سعايةَ وشاتهِ، لأطمعُ من عرِس أشعبَ وشاتهِ، ثم إنّهُ انخرطَ في رشاءِ فِرقَهِ، فَرحاً بفَلّ فَلّ فرَقهِ، وبقيتُ مذ ضمَّني الرُّهاء، وطمّنِي ذلك الدّهاءُ، تُريني فعلتَهُ في المَنام الأحلامَ، وتعتَريني هَزّةُ من هَزَّهُ المُدامُ، وعزَّهُ الإعدامُ، وردَّهُ السِّلامُ والسلاّم. قتصاص، وحالبَ هاتيكَ القِلاص، فتركتُهُ إلى أن انفصلَ عَقْدُ ذيّاكَ العِقَال، ونصلَ خِضابُ ذَّيالكَ المَقالِ، وانصرفَ يَتَغَطْرَفُ لحوْكه وَيتَخَنْدَفُ بزوكه، ولم يبقَ معَهُ من البَريّةِ، سوى ثُلثِ تسع سِهام الأكدريةِ، ثم لصقتُ به لصوقَ الحَسْدل بالمواشي، وجعلتُ أعاتبهُ، ولا أحاشي، فقَال لي: أتظُنها ربيبةَ داري، لا ومَنْ رفعَ في سُلَّم الفَصاحةِ قدمَ مِقْدارِي، وإنَّما هي امرأةُ قَمّام، أجيرِ حَمّام، استأجرتُها بحبتين، لأقتنصَ بفخِّها المائتينِ، فقلتُ لَهُ، أفلا تضربُ لي معكما بنصيبٍ، لأكونَ في نثلِ كنانتِكما ثالثَ مُصيبٍ، فقالَ لي: إنَّكَ ومَنْ فَضَّلَ ركبانَ الحرم على مُشاتهِ، وبغَّضَ إلى الوالي سعايةَ وشاتهِ، لأطمعُ من عرِس أشعبَ وشاتهِ، ثم إنّهُ انخرطَ في رشاءِ فِرقَهِ، فَرحاً بفَلّ فَلّ فرَقهِ، وبقيتُ مذ ضمَّني الرُّهاء، وطمّنِي ذلك الدّهاءُ، تُريني فعلتَهُ في المَنام الأحلامَ، وتعتَريني هَزّةُ من هَزَّهُ المُدامُ، وعزَّهُ الإعدامُ، وردَّهُ السِّلامُ والسلاّم.
المقامة الأربعون الأهوازيّةُ
روَى القاسمُ بنُ جريالٍ، قال: أولَجني الدَّهْرُ ذو الإعجاز، الحَرجُ المَجازِ، إلى جامع الأهواز، ظاهرَ الاحترازِ، متظاهرَ الاهتزازِ، فائقَ الامتيازِ، في فيلق من الإعزَاز. راصدَ كواكبِ النجاز، قاصدَ مناكبِ الحِجازِ، فبينا أنَا أنفضُ الشفوفَ لِهوفها، وأخفِضُ جناح ذلِّ النظر بين صُفوفِها، مائساً بالقدِّ الرّطيب، مائلاً إلى استخراج نخَب الخَطيب، ألفيتُ شيخَاً آخذاً بِزَنْد عجوزِ، تِلَو خِشْفٍ أبوز، أذكَى مِن فراخ الحَجَلِ، لا يكترثُ بطولِ شِمراخ الحجَلِ، فحينَ اتّصلوا بالأعيانِ، وحَصَلوا على عِنانِ العِيان، أبرزَتِ العَجوزُ جماناً كالهتَّانِ، وجَناناً كالجَنان وقالت: الخفيف.
أيها الناظرون رِقةً حالِي ... واَحتيالِي على الحُطام الحقيرِ
واشتهاري لدَى الرجال وهَمّي ... بعدَ وهمي وكَسْرِ قلبي العَقير
واصفراري وطُولِ ليلي ووَيْلي ... واَرْتضاعِي ثُدِىَّ صدرِ النقيرِ
وأجاجِي وبُوسَ عيشي وطَيشي ... بعدَ رَهْطِي أولى المشيب الوَقيرِ
واَعوجاجي وذلِّ نَجْلي ورجْلِي ... بعدَ شيخي أبي الفقيرِ الوقيرِ
وافتضاحي لَدَى الصفوفِ وعُسْري ... بعدَ يُسري مِنَ الكثيرِ الوقيرِ
واتّقاحي على الوقوفِ وضرّي ... بعد ضرِّي وضَعْفِ ظَهري الوقيِر
بعدَ أنْ كنتُ في الخُدور بخَيْرٍ ... بينَ قَدْر وقَادر وقَدير
واصلوني ولو بسَحْقِ خِمَارٍ ... أو إزارٍ لبَعْلِ بَعْلي القديرِ
فلمّا اغترفوا زُبَدِ عبارتها، ووقفُوا على بدائع إشارتِها، شَهَرَ شُوَيْدنُها لسانَهُ، ورفعَ إليهم بَنانه، وقال: الخفيف.
واعطفوا لي مِنْ بَعْدِ أمِّي لأِّمي ... إنَّ أمي كضَعفِ أمِّ غَرير
واسمحُوا لي بخاثرٍ ومَخيض ... وطعام مِنَ اللطيفِ غَزيرِ
وارشَحُوا لي بحُلّةٍ وحذاءٍ ... مَعْ رداءٍ مِنَ الشفوفِ حَريرِ
стр. 108
وارفدوني برفْدِكُمْ ففؤادِي ... ذو جَريرٍ إلى الوِجار جَريرِ
وأجبروني بجُبّةٍ وبِجاد ... مَعْ جذاذ، مِنَ النَّضير نضيرِ
وانصروني بصُرَّةٍ وصِدار ... مَعْ وَصيفٍ مَعَ النَّصير نَصيرِ
قال: ثمَّ إنَّهم مكثُوا ليُحَلَّ لهم وكاء، أو يَنْهَلَّ عليهم وعاءٌ، فما ألبَّ بهمَ لُبابه، ولا انصبَّ منْ صَوْبهم صُبابةٌ، فلمّا رأى الشَّيْخُ أنْ قد أورقَ شَجَرُ إخفاقهم، وأورقَ صائد تملّق إملاقهم، وأنْ قد أوأبتْ راحُ كفوفِهم، وأبَت وأوكبت نار معروفِهَم وكَبَتْ، وأنَّ عيونَ إعطائهم مقطوعةُ الإهراق، ومَلّة مِلَل مَلَلهم حاميةُ الإحراقِ، ومذاهب ذَهَبِهم مسدورةُ الإشراقِ، وكرْمَ كَرَمَ مكارمهم مُسْقوقطُ الأوراقِ، انسلَّ سَراب قلقهِ الرَّقَراق، وسلّ سيوفَ السَّدَمِ لهَمْهَمَةِ هَمّهِ المُهراقِ، وقال: يا أعنّةَ العطايا، وأسنَّةَ الهدايا، وأخدانَ اللِبانِ وإخوانَ الخِوانِ، وحسادَ الآَكل وآسادَ المآكلِ، وعِبادَ الرياس، وعُبادَ الأكياس: هلا تنظرون بعين طالما اكتحَلت بأثْمِدِ الغوايةِ، وتَسْمعونَ باُذُنِ قلمّا امتلأتْ بماعونِ التلاوة، فترشحونَ لشيخٍ اشتغلَ بإفالهِ عن احتفالهِ، وبحَزق احتيالهِ عن مخادنةِ اختياله وعن كثرةِ عيالهِ، بتتابع أعوالهِ، فأصبحَ بعدَ اَمتطاءِ المُطَهّماتِ، واقتناءِ الصرَرِ المدَرهَماتِ، يصافح المصائبَ. ويكافحُ سَهْمَ السَّقَم الصائبَ، فحين عَمِرَ الفَناء، وصفرَ الإناءُ، وبَعُدَ الهَناء. ونفدَ الهناءُ، واربدَّ يِقَقُ الأملِ واشتدَ، وارتدَّ مؤمنُ بابِ السعادةِ واستد، ونبَا المصاحَبُ وكظَ، ورَبِا مجلِس الفَلس واكتظَّ، ومالَ بيتُ التجمُل وانقض، وحال حالُ التحيلِ وانفضَّ، تكدَّرَ الصافِي، وتغيّرَ الصديقُ المُصَافي، وتضيقَ الضافِي وتَخلًفَ الخليلُ المُضافِي، فليتنَا وافينا الوفاةَ، ولم يعْجُمْ نابُ صَفونا هَذِي الصَفاةِ. قالَ الراوي: ثم إنَّه أقلعَ إقلاعَ البَعاع، وانخرطَ بين الرعاع، وذَمَ الجمعَ الذي أمهُ واستصحبَ البويذقَ وأمَّهُ، ولم يحضرني ما أسمحُ لَهُ به، وأبيِّضَ وَجهَ جدار مَطلبهِ، وأحببت أنْ أتحقّقَ دَوحَ أيكته، وبأيِّ البُقع انصدَعتْ مُتُون تريكتهِ، فأخذتُ أقَفو إثْرهُ لأعرفَ عرينَهُ، وأصْرِفَ له ما يملأ يمينَهُ، فألفيتُهُ بعدَما أجبلَ، وافترع عاتقَ الحيل وأحبل، أبا نصر المصري ذا المناص وقانصَ الأسد القّناص، فقلتُ له: سّحقاً لكَ من باذلِ ماءِ وجنتيه، لاكتسابِ نَماء راحتيهِ، فهلا تستعينُ بحِرْفةِ تَصُونك عن السؤال. وتعيُنكَ على الخروج من مدارج السؤال، كي لا تستكف، وتنتقدَ المحافل وتستشف. فأترع أوعية قلقه. وأمجدَ وتأهب لأهب الهلع وأنشد: اّلمتقارب.
لسعْى السّباع على عاقلِ ... وقَنص العداةِ ونَقصُ العَدَدْ
ولَس القَتاد وحس الفؤادِ ... ولبس السَوادِ وجَلسُ المَدد
وحقدُ الرَداح وفَقدُ النجاح ... وقَد السَماح ووَقدُ الرمَدْ
وحسم الصلاة وطسم الفلاة ... ووهم الولاة وهم الكمد
وسلب الحبور وخب البحور ... وجب النحور وحب الحسد
وخَتلُ الخَدين وشَل المدِينِ ... وسل العدين وسل الجسد
ونَهْلُ الحميم وعَلُّ الحَميم ... وغَل الحَميم وفَل السبد
وسيرُ الهوىَ وضَيْرُ الهَوى ... وجَوْر الوَليِّ ومُورْ السند
وظعْنُ الرباب وطَعْنُ الرباب ... وضن الرباب ووَهنُ الخُلَد
وشَقُّ الجَنانِ وحَرْقُ الجنان ... وخَرْقُ الجَنان ومَحق الجَلَد
أقلُّ مصابَا، على عَائل ... يَروم القيامَ بجدَ قعد
قال: ثم إنَه أفلَي وأفليتُ: وقطعتُ رأس الفِتن وفَليتُ وفَلَيتُ من نُقودِ شعْرهِ ما فَلَيْتُ، بعدَ أن شَفت مُلَحُة الغُرامَ، وسَفَتْ ريح حَنَقهِ الدَاءَ الغرام، َ وناقشني مُناقشة مَن غَامَ، واحلولكَ يومُ ودهَ وغَام، وأوحشني ذَلكَ العامَ، مذ غرق قاربَ التقَربِ وعام.
المقامةُ الحاديةُ والأربعونَ الحنفيّةُ الكِيشيّةُ
стр. 109
حكى القاسمُ بنُ جِريالِ، قالَ: حَمَلَني صَفْوُ الزمَنِ الباهرِ، المبيِّضِّ الأباهرِ، وحُبُّ الليلِ الساهر، لمنادمةِ النديم الماهر، فلم أزلْ أزعجُ النَفور وأجاورُ الكفورَ، وأقري العالمَ، واستقرى المعَالمَ، وأُسامرُ الأعوجيَّ، وأُصادُم اللُجِّيَّ، إلى أنْ نزلتُ بساحل قيسَ، وقد ضارعت ابنَ الملوح قيس، وسئمت الهيسَ، وأنضيتُ السوابحَ والحَيسَ، فوردْتُها وأنا خفيفٌ ذفيفٌ، وارفُ الإفادة عفيفٌ، أردُ مواردَ الموداتِ، وأشهدُ مواسمَ المشاهداتِ، وأُوقدُ مصباحَ المَرَح، وأُخمدُ أنفَاس أفراس التَّرح، وأمرجُ بانسكابِ مكسبٍ هام، وأجمَحُ بأقدام إقدام مقدرة وهام، وأرفُل في بُلهنية شهيّة، وأسبلُ ثوبَ رفهنيةٍ هَنيّة، فبينما أنا أنوس لجَدِّ جُدودِ الدِّبار، وأَبوسُ بأخمص الخَبَب خدودَ حدود الديار، عَلّ أن أظفرَ بكُوع كرمٍ وساعد، أو نديم على سَدَر السَهَرِ مُساعِد، لأطَفئَ من ضَرَم الضرَرِ ما التهبَ، وأردّ إلٌى شرخِ شبيبةِ النشبِ ما اشتهب، ألفيتُ فتًى يسيرُ سيرِ السَيلِ السَائح، ويترّنّحُ ترنّحَ النزيفِ المتمائح، ينطِقُ بالفضلِ إنعطافه، وتهزأ بأعطاف الحدائق أعطافُهُ، فملْتُ إليهِ مَيْلَ الشيِّقِ إلى الوصالِ، والأجيرِ إلى راحةِ الأوصال بالآصال وقلتُ له: هل لكَ يا ذا الوجهِ الوَضيِّ، والجَدِّ الحَظي، في أن تُعرفَني مخرجَ أغصانِكَ، ومدرج صبيانِك، لأكونَ خادماً لحوائك، أو منادماً تحت ذوائبِ لوائكَ، فإنّني مِمَّنْ يتجمّلُ بالتعاليلِ، ويتحمَّل مِنَّة عَلِّ هذه اليعاليل، فقالَ لي: أمَّا المَدَرة فهذِي، وأما العِتْرَةُ فَكُلُّ فَذٍّ غير هاذي، وأَّما مرام المواصلةِ فإليكَ، وزمامُ هذه المصاحبة ففي يديكَ، قالَ: فصلَّيْتُ تِلوَهٌ وجلّى، وتمليت بما تمنيتُهُ إذْ تجَلى، ولمّا وصلَ بي إلى فِنائهِ، وأدهشني بشيد بناءه، أحضر منْ أصحابه المعارفِ، أولي السُّؤدد والعوارفِ، عدد ما لا ينصرف في النكراتِ والمعارفِ، تَتيهُ على المُبادَر بالنَوادرِ، وتنصبُ بالصَّوْبِ الصادرِ، نصْبَ المصادرِ، ثُمَّ إنَّهُ أومأ برأسه لإحضارِ نبراسِهِ وإلى إمائهِ، بتبريدِ مائه، وإلى أنماطهِ، بإظهارِ سِماطهِ، فمِلْنا إلى أطعمتهِ، وشكرْنا سوابغَ نعمتهِ، حيْنَ سالتِ المسائل، وأدالتِ الدلائلُ، ألفيتُهم مِمَّنْ يُوصفونَ، إذ للمنح، يعصفون وتطور بهم المزَاهرُ فلا يعزفونَ، وتدورُ عليهم كؤوسُ مناسمة لا يِصدعون عنها ولا ينزفون: البسيط.
نهدي وتَهدِي جُماناً منْ تهذُّبهم ... وحسنِ مذهبهم خَلقْاً إلى الرَّشد
كأنهم شُهبٌ في الأفُقِ طالعةٌ ... تَسْري الأنامُ بها للمنهج الجَدَدِ
стр. 110
فلم نزلْ نَحْضُرُ بجامع اجتماعِه، ونشكرُ عَرْفَ عرائس اَستماعه، إلى أن دخل ذاتَ يوم بعضُ وصفائِه، وقد أحدقَتْ به عيونُ أصفيائهِ، وقالَ: أراك متثبطاً عن عيادةِ خطيبكم، المُظهرِ ما يفوقُ نفحاتِ رطيبِ طيبكُم، فقالَ له: تاللهِ لقد استدعيتَ بكاءَ الثواكلِ، وهديْتَ الضيفنَ إلى مهيع المآكلِ، وطلبتَ القُبَلَ من العاشقِ، وسكبتَ الغالية لدَى الناشقِ، ثم قالَ لهم: هَلْ لكم في اقتناءَ هذه المندوية واجتناءَ ثمارِ هذهِ المثوبةِ، فقالوا له: قَسَماً إنَّكَ لَكَمَنْ سألَ النارَ الوقودَ، والفُهودَ الرقودَ، والحُمام الحِمامَ وإلْفَ طِيْبِ مَوطنه الحَمامَ، فقلتُ لهم: أتأذنونَ لي يا أولي الضِّمار، أَنْ أكون فِسْكَلَ هذا المِضمار فقالوا: بل إنْ هويتَ اهتمامنا، فكن إلى إمامِنا أمامَنا، فتقدَّمَ إذ ذاك قلبي مَعْ وفاقه، خالياً مِنْ نفاقهِ، تقدُّمَ النَّعْتِ على رفاقِه، ولما خَرَجْنَا لجَلْهةِ الأدَبِ وواديه، وولجْنا مِنَى أَياديهِ، مَعَ التيمُّنِ بيُمْنِ مُنَى مناديهِ، ألفيتُ المشارَ إليه، والمشتارَ منْ ضُرُوب الضَّرَبِ لدَيه، الليثَ المِدْرَهِيّ، أبا نصرِ المصريَّ، فمِلْنَا إلى إعمالِ واجبه، واستلام رواجبه، والقعودِ بإذْنِ حاجبِ حاجبهِ، وحينَ احتلسْنا بِساطَهُ، وحَمِدْنَا محاسنَ سَمْتِهِ وسراطه، جعل يلحظ طلاوة تلافينا، ويُقلِّبُ كَفَّيْ وكْف طَرَفهِ فينَا، ثمَّ قالَ لي: يا ابن جريالَ جَرعتُ جريال الجَرَض المبرّح، ولَقِمْتُ لقَمَ نِقَم المَرَض المُقَرِّح، وأنا ْبسلع لسع السقم مقيم، وأنتَ بهذه البقعة مقيمٌ مستقيمٌ، ثم إنَّه تتابع أناُنهُ، وتهافت ذُنانُهَ، فقلتُ لهُ: لم أشعُرْ بدائِكَ، لعدمِ ندائكَ، وها أنا بحذائِكَ، لحملِ حذائكَ، فعليَّ ما تشاءُ، وعليكَ الإجابةُ فيها أشاءُ، ثمَّ إنّي عَمَدْتُ إلى نَبْضِهِ الخَفوقِ، فوجدته مشتملاً على الطولِ والعَرْضِ والشُّهوقِ، فعلمْتُ بفِطْنَةٍ فاردةٍ، أنَّهُ عن حاجةٍ داعيةٍ، وآلةٍ مساعدةٍ، فقلتُ له: ما صنعتَ في حُمّاكَ، جُعِلْتَ من حُمة هذه الحمى حِماكَ، فقالَ لي: أرقْتَ من دَم الباسليقِ، ما أشرفَ بي على مفارقةٍ الفَريق، مع معرفتي بإسعافِ المُنَّةِ والسّنِّ، والوقتِ الصائف وصحة الذهنِ، واستعمالِ الملائِم أيام البحارين، وإهمال لطيفِ الأغذيةِ والمتين، وتناول المتوسطِ من الغَذاء، لحِفْظِ القهوةِ ووقوف الداء، فقلتُ له: بِمَ يساعدُكَ النّطاسي، وبطولِ ساعدِ يمينِ علاجك تشهدُ الأناسي، وفي غدٍ تتسنّمُ معارجَ منبرِكَ، وتترنَّمُ البَشَرُ بإنشادِ لذيذِ مَخْبرِكَ قالَ القاسمُ بنُ جِريال: فَلم يمض يومانِ، حتى واصلَ كواعبَ الأمانِ، وفارقَ شرة نَدمانِ ذلكَ الإدمانِ، ومُصِحَ عَرَضُ حُميّا حَمْوهِ فحالَ، ومُسحَ حَمَمُ مُحيا حاله فاَستحال، واعتدلَتْ عَضَلُ أعضائهِ الموؤفَةِ، وعدلَتْ إليهِ الأعراضُ المناسبةُ بعدَ المخوفةِ، غيرَ أنَّ الحُمَّى غادرتْ بشفتيهِ بَثْراً يَشُقُّ بهِ تحريكهما عليهِ فحمِدتُ اللهَ تعالى على نزع أغلالِ أعلالهِ، وَحيْعَلةِ أذان بِلالِ إبلالهِ، وقلتُ لَهُ: تالله لقد أحسنتَ في التدبيرِ، وعرفت صَوْبَ القبيلِ والدَّبيرِ، فلذا نجوتُ من غيابةِ هذه البيرِ، فقالَ لي: هذا نماءُ عافية من عِلاجكَ بَذْرُهُ، وانتماءُ سُمُوِّ سلامة من سماء انعياجِكَ بَدْرهُ، قالَ: فبينما نحن نتفاوضُ، ونذكرُ النّخُبَ ونتقارضُ، إذ برزتْ دعاةُ الجُمعَةِ بإعلامِها، متبرجةً ما بينَ أعلامِها، فقلتُ لَهُ: إنَّ وقْتَ الخطابةِ قد أطلّ، وانتظر صيِّبَ لُبابِكَ والطَّلَّ، ولا بدَّ للجمعة من صَلاةٍ، كما لا بدَّ للموصولاتِ من صِلات، فكيفَ تستطيعُ تحريكَ شفتيكَ، لأداء دُرَرِ خطبتيكَ، فقالَ لي: أنشِئُ خطبةً حنيفيّةً، ناصعةَ الفصاحةِ صفيّةً، يعجزُ عن عديدِ وصفِها الحاسبونَ، وتخضَع لوصيد باب خطبها الخاطبونَ، تسكنُ بحركةِ فَم قائلها الشِفاهُ، ويجدُ بها سليمُ أساوه الشظَف شِفَاهُ، لا يمرُّ شُهدها بدَنفٍ إلاّ شَفَاهُ، ولو أشفَى على جِزْع وادي الجَزَع وشَفاهُ ثم نهضَ يتبرنَس، يتدربسُ ويتبهنس، إلى أن صعدَ منبرهُ، وخَمَرَ قَرنَ قوّته وسَبَرهُ، فقامَ لإعلانها، بعدَ إكمال أذانها، وقالَ: شَكر لساني الصادقَ القديرَ، القاهرَ النصيرَ، الرازقَ الخلاقَ الخالقَ الرزاقَ، العزيزَ
следующие страницы →