Полный текст (283 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
الْموضع الَّذِي ترده للشُّرْب فَلَمَّا وَردت شددت سَهْما فَإِذا انا بهاتف يَقُول يَا منهلة حمرك فنفرت الْحمر كلهَا فَانْصَرَفت وَمَعِي جَارِيَة لي يُقَال لَهَا مرْجَانَة وحماران فشددتهما من وَرَاء الْحَبل وفوقت سهمي وَجَلَست أرقبهما فَلَمَّا طلعت الْحمر لم أجنح إِلَى تلبث فرميتها فصرعت حمارا مِنْهَا ثمَّ قلت ... قد فقدت حمارها منهلة ... أتبعتها سيحلة منسلة
كذنب النحلة يَعْلُو الجلة
قَالَ فَأَجَابَنِي مُجيب ... قد فقدت حمارها مرْجَانَة ... أتبعتها سيحلة خسانة
فِي قَبْضَة عسراء فِي سريانة
فَقَالَت الْجَارِيَة يَا مولَايَ قد مَاتَ وَالله أحد الحمارين وَيدخل هُنَا قصَّة جمل الْيَتَامَى وَهِي مَذْكُورَة فِي الظباء وَالله أعلم
الْبَاب الموفي خمسين فِي بَيَان صرع الْجِنّ للإنس
قَالَ الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس ﵀ صرع الْجِنّ للإنس قد يكون عَن شَهْوَة وَهوى وعشق كَمَا يتَّفق للإنس مَعَ الْجِنّ وَقد يتناكح الْإِنْس وَالْجِنّ ويولد بَينهمَا ولد وَهَذَا كثير مَعْرُوف وَقد ذكر الْعلمَاء ذَلِك وَتَكَلَّمُوا عَلَيْهِ وَقد يكون وَهُوَ كثير وَالْأَكْثَر عَن بغض ومجازاه مثل أَن يؤذيهم بعض الْإِنْس أَو يَظُنُّوا أَنهم يتعمدون آذاهم إِمَّا ببول على بَعضهم وَإِمَّا بصب مَاء حَار وَإِمَّا بقتل بَعضهم وان كَانَ الْإِنْس لَا تعرف ذَلِك وَفِي الْجِنّ ظلم وَجَهل فيعاقبونه بِأَكْثَرَ مِمَّا يسْتَحقّهُ وَقد يكون عَن عَبث مِنْهُم وَشر ميل سُفَهَاء الْإِنْس وَحِينَئِذٍ فَمَا كَانَ من الْبَاب الأول فَهُوَ من الْفَوَاحِش الَّتِي حرمهَا الله تَعَالَى كَمَا حرم ذَلِك على الْإِنْس وان كَانَ بِرِضا الآخر فَكيف
стр. 142
إِذا كَانَ مَعَ كَرَاهَته فَإِنَّهُ فَاحِشَة وظلم يُخَاطب الْجِنّ بذلك ويعرفون أَن هَذَا فَاحِشَة مُحرمَة لتقوم عَلَيْهِم الْحجَّة بذلك يعلمُوا بِأَنَّهُ يحكم فيهم بِحكم الله وَرَسُوله ﷺ الَّذِي أرْسلهُ إِلَى جَمِيع الثقلَيْن الْإِنْس وَالْجِنّ وَمَا كَانَ من الْقسم الثَّانِي فَإِن كَانَ الْإِنْسِي لم يعلم فيخاطبون بِأَن هَذَا لم يعلم وَمن لم يتَعَمَّد الْأَذَى وَلم يسْتَحق الْعقُوبَة وَإِن كَانَ قد فعل ذَلِك فِي دَاره وَملكه عرفُوا بِأَن الدَّار ملكه فَلهُ أَن يتَصَرَّف فِيهَا بِمَا يجوز وَأَنْتُم لَيْسَ لكم أَن تمكثوا فِي ملك الْإِنْس بِغَيْر إذْنهمْ بل لكم مَا لَيْسَ من مسَاكِن الْإِنْس كالخراب والفلوات وَلِهَذَا يوجدون كثيرا فِي الخراب والفلوات ويوجدون فِي مَوَاضِع النَّجَاسَات كالحمامات والحشوش والمزابل والقمامين والمقابر وَالْمَقْصُود أَن الْجِنّ إِذا اعتدوا على الْإِنْس اخبروا بِحكم الله وَرَسُوله ﷺ وأقيمت عَلَيْهِم الْحجَّة وَأمرُوا بِالْمَعْرُوفِ ونهوا عَن الْمُنكر كَمَا يفعل بالإنس لِأَن الله تَعَالَى يَقُول ﴿وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا معشر الْجِنّ وَالْإِنْس ألم يأتكم رسل مِنْكُم يقصون عَلَيْكُم آياتي﴾ صدق الله الْعَظِيم
الْبَاب الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ فِي دُخُول الْجِنّ فِي بدن المصروع
أنكر طَائِفَة من الْمُعْتَزلَة كالجبائى وأبى بكر الرازى مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا الطَّبِيب وَغَيرهمَا دُخُول الْجِنّ فى بدن المصروع وأحالوا وجود روحين فى جَسَد مَعَ إقرارهم بِوُجُود الْجِنّ إِذْ لم يكن ظُهُور هَذَا فى الْمَنْقُول عَن النبى ﷺ كظهور هَذَا وَهَذَا الذى قَالُوهُ خطأ وَذكر ابو الْحسن الأشعرى فى مقالات أهل السّنة وَالْجَمَاعَة أَنهم يَقُولُونَ إِن الْجِنّ تدخل فى بدن المصروع كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿الَّذين يَأْكُلُون الرِّبَا لَا يقومُونَ إِلَّا كَمَا يقوم الَّذِي يتخبطه الشَّيْطَان من الْمس﴾ قَالَ عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل قلت لأبى إِن قوما يَقُولُونَ إِن الْجِنّ لَا تدخل فى بدن الْإِنْس قَالَ
стр. 143
يَا بنى يكذبُون هُوَ ذَا يتَكَلَّم على لِسَانه قلت ذكر الدارقطنى فى الْجُزْء الذى انتقاه من حَدِيث أَبى سهل بن زِيَاد لفرقد السنحى عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس أَن امْرَأَة جَاءَت بِابْن لَهَا إِلَى النبى ﷺ فَقَالَت يَا رَسُول الله إِن ابنى بِهِ جُنُون وَأَنه يَأْخُذهُ عِنْد غدائنا وعشائنا فَمسح رَسُول الله ﷺ صَدره ودعا لَهُ فتفتفه فَخرج من جَوْفه مثل الجرو الْأسود فسعى رَوَاهُ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمى فى أَوَائِل مُسْنده فتفتفه اى قيأه وسيأتى إِن شَاءَ الله تَعَالَى عَن قريب حَدِيث أم أبان الذى رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره وَفِيه قَول رَسُول الله ﷺ أخرج عَدو الله وَهَكَذَا حَدِيث أُسَامَة بن زيد وَفِيه اخْرُج يَا عَدو الله فإنى رَسُول الله ﷺ
وَقَالَ القاضى عبد الجبار إِذا صَحَّ مَا دللنا عَلَيْهِ من رقة أجسامهم وَأَنَّهَا كالهواء لم يمْتَنع دُخُولهمْ فى أبداننا كَمَا يدْخل الرّيح وَالنَّفس المتردد الذى هُوَ الرّوح فى أبداننا من التخرق والتخلخل وَلَا يُؤدى ذَلِك إِلَى اجْتِمَاع الْجَوَاهِر فى حيّز وَاحِد لِأَنَّهَا لَا تَجْتَمِع إِلَّا على طَرِيق الْمُجَاورَة لَا على سَبِيل الْحَال وَإِنَّمَا تدخل فى أجسامنا كَمَا يدْخل الْجِسْم الرَّقِيق فى الظروف
فَإِن قيل إِن دُخُول الْجِنّ فى أجسامنا إِلَى هَذِه الْمَوَاضِع يُوجب تقطيعها أَو تقطيع الشَّيَاطِين لِأَن الْمَوَاضِع الضيقة لَا يدخلهَا الْجِسْم إِلَّا ويتقطع الْجِسْم الدَّاخِل فِيهَا قيل لَهُ إِنَّمَا يكون مَا ذكرته إِذا كَانَت الْأَجْسَام الَّتِى تدخل فى الْأَجْسَام كثيفة كالحديد والخشب فَأَما إِذا كَانَت كالهواء فَالْأَمْر بِخِلَاف مَا ذكرته وَكَذَلِكَ القَوْل فى الشَّيَاطِين إِنَّهُم لَا يَتَقَطَّعُون بدخولهم فى الْأَجْسَام لأَنهم إِمَّا أَن يدخلُوا بكليتهم فبعضهم مُتَّصِل بِبَعْض فَلَا يَتَقَطَّعُون وَإِمَّا أَن يدخلُوا بعض أجسامهم إِلَّا أَن بَعضهم مُتَّصِل بِبَعْض فَلَا يتقطع أَيْضا وَهَذَا مثل أَن تدخل الْحَيَّة فى جحرها كلهَا أَو يدْخل بَعْضهَا وَبَعضهَا يبْقى خَارج الْجُحر لِأَن ذَلِك لَا يُوجب تقطعها وَلَيْسَ لأحد أَن يَقُول مَا أنكرتم إِذا حصل الجنى فى الْمعدة أَن يكون قد أكلناه كَمَا إِذا حصل الطَّعَام فِيهَا كُنَّا آكلين لَهُ وَذَلِكَ لِأَن الْأكل هُوَ معالجة مَا يُوصل بالمضغ والبلع وَلَيْسَ
стр. 144
كلما يحصل فى الْمعدة نَكُون لَهُ آكلين وَلَا يكون المَاء بحصوله فى الْمعدة مَأْكُولا فَإِن قيل يجوز أَن يدخلُوا فى الْأَحْجَار قيل نعم إِذا كَانَت مخلخلة كَمَا يجوز دُخُول الْهَوَاء فِيهَا فَإِن قيل فَيجب على مَا ذكرْتُمْ دُخُول الشَّيْطَان وَزَوجته فى جَوف الآدمى فينكحها فتحبل وتلد فَيكون لَهُم فِي جَوف الْوَاحِد منا أَوْلَاد قيل قد أجَاب أَبُو هَاشم عَن هَذَا السُّؤَال بِأَن ذَلِك لَا يمْتَنع فى الْأَجْسَام الرقَاق كَمَا لَا يمْتَنع ذَلِك فى الْأَجْسَام اللطاف أَلا ترى أَنه رُبمَا يجْتَمع فى الْجوف من الدُّود وَنَحْوهَا شئ عَظِيم كثير وَكَذَلِكَ الرَّقِيق من الْأَجْسَام غير مُمْتَنع هَذَا مِنْهُ قَالَ إِلَّا أَنه لَا يقطع الْولادَة عَلَيْهِم لأَنهم مختارون فَرُبمَا لم يختاروا أَن يتوالدوا فى أَجْوَاف الْإِنْس كَمَا لَا نَخْتَار نَحن أَن نتوالد فى الْأَسْوَاق والمساجد بل نَخْتَار فعل ذَلِك فى مَوَاضِع مَخْصُوصَة فَلَا يمْتَنع أَن تكون هَذِه حَالهم وَإِذا صَحَّ مَا ذَكرْنَاهُ سقط هَذَا الِاعْتِرَاض قَالَ القاضى عبد الجبار بعد مَا قدم حَدِيث الشَّيْطَان يجرى من ابْن آدم مجْرى الدَّم هَذَا لَا يَصح إِلَّا أَن تكون أجسامهم رقيقَة على مُقْتَضَاهُ ونظائرذلك من الْأَخْبَار المروية فى هَذَا الْبَاب من أَنهم يدْخلُونَ فى أبدان الْإِنْس وَهَذَا لَا يجوز على الْأَجْسَام الكثيفة قَالَ ولشهرة هَذِه الْأَخْبَار وظهورها عِنْد الْعلمَاء قَالَ أَبُو عُثْمَان عَمْرو بن عُبَيْدَان الْمُنكر لدُخُول الْجِنّ فى أبدان الْإِنْس دهرى أَو يجِئ مِنْهُ دهرى
قَالَ عبد الجبار وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَنَّهَا قد صَارَت فى الشُّهْرَة والظهور كشهرة الْأَخْبَار فى الصَّلَاة وَالصِّيَام وَالْحج وَالزَّكَاة وَمن أنكر هَذِه الْأَخْبَار الَّتِى ذَكرنَاهَا كَانَ رادا والراد على الرَّسُول ﷺ مَا لَا سَبِيل إِلَى علمه إِلَّا من جِهَته كَافِر وَمن لَا يعلم أَن المعجزات لَا يقدر عَلَيْهَا إِلَّا الله وَحده لم يَصح لَهُ أَن يعلم أَن الْأَجْسَام لَا يَفْعَلهَا إِلَّا الله وَمن لم يعلم ذَلِك لم يُمكنهُ إِثْبَات قَادر لنَفسِهِ وَلَا عَالم لنَفسِهِ وَلَا وحى لنَفسِهِ وَمن لم يُمكنهُ إِثْبَات هَذَا لم يكنه إِثْبَات فَاعل الْأَجْسَام وَإِذا لم يُمكنهُ ذَلِك وهى مَوْجُودَة لم يُمكنهُ أَن يثبتها محدثة وَإِذا لم يُمكنهُ أَن يثبتها محدثة وهى مَعَ ذَلِك مَوْجُودَة فَلَا بُد من أَن تكون قديمَة وَمن كَانَ هَذَا حَاله كَانَ دهريا أَو جَاءَ مِنْهُ دهرى على مَا قَالَ وَفَسَاد قَوْله على مَا ذَكرْنَاهُ من
стр. 145
هَذَا التَّرْتِيب فَهَذَا معنى قَوْله دهرى أَو يجِئ مِنْهُ دهرى وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم الأنصارى وَلَو كَانُوا كثافا يَصح ذَلِك أَيْضا مِنْهُم كَمَا يَصح دُخُول الطَّعَام وَالشرَاب فى الْفَرَاغ من جِسْمه فَيجب تَصْحِيح ذَلِك وتأويله الْمس مِنْهُ عَلَيْهِ وَقَالَ قَائِلُونَ إِن معنى سلوكهم فى الْإِنْس إِنَّمَا هُوَ بإلقاء الظل عَلَيْهِم وَذَلِكَ هُوَ الْمس وَمِنْه الصرع والفزع وَذَلِكَ أَيْضا مِمَّا يَدْفَعهُ الْعقل غير أَنه ورد السّمع بسلوكهم فى الْإِنْس وَوضع الشَّيْطَان رَأسه على الْقلب وَالله تَعَالَى أعلم
الْبَاب الثانى وَالْخَمْسُونَ فى أَن حركات المصروع هَل هى من فعله أَو فعل الْجِنّ
قد تقرر أَن الْمُحدث يَسْتَحِيل أَن يفعل فى غَيره فعلا ملكا كَانَ أَو شَيْطَانا أَو إنسيا بل ذَلِك من فعل المصروع بجري الْعَادة فَإِن كَانَ المصروع قَادِرًا على ذَلِك الِاضْطِرَاب كَانَ ذَلِك كسبا لَهُ وخلقا لله وَإِن لم يكن قَادِرًا عَلَيْهِ لم يكن مكتسبا لَهُ بل هُوَ مُضْطَر إِلَيْهِ وَلَا يمْنَع أَن يكون الله تَعَالَى قد أجْرى الْعَادة بِأَنَّهُ لَا يفعل ذَلِك الصرع وَالِاضْطِرَاب إِلَّا عِنْد سلوك الجنى فِيهِ أَو عِنْد مَسّه كَمَا فى الْأَسْبَاب المستعقبة للمسببات وَكَذَلِكَ القَوْل فِيمَا يسمع من المصروع من الْكَلَام فى تَجْوِيز كَونه كسبا لَهُ أَو مُضْطَرّا إِلَيْهِ وَإِن كَانَ هُوَ الْمُتَكَلّم دون خالقه وتجويز كَونه من كَلَام شَيْطَان قد سلكه أَو مَسّه وَأَن يكون قَائِما بِذَات الشَّيْطَان دون ذَات من هُوَ سالك فِيهِ أَو مماس لَهُ وَأكْثر النَّاس يَعْتَقِدُونَ أَنه كَلَام الجنى ويضيفونه إِلَيْهِ وَلَا دَلِيل نقطع بِهِ على أَن مَا سمع مِنْهُ كَلَام لَهُ أَو للشَّيْطَان وَإِن كَانَ كلَاما لَهُ فَإِنَّهُ من كَسبه أَو ضَرُورَة فِيهِ وَإِنَّمَا يُصَار إِلَى أَحدهمَا بتوقيف مَقْطُوع بِهِ وَمَتى كَانَ كلَاما للمصروع كَانَت إِضَافَته إِلَى الشَّيْطَان مجَازًا وَمعنى الْكَلَام أَنه كَانَ مِنْهُ وسلوكه وعَلى الْجُمْلَة أَن الْمُتَكَلّم من قَامَ بِهِ الْكَلَام لَا من فعل
стр. 146
الْكَلَام ثمَّ الْكَلَام الذى يقوم بالبشر قد يكون من فعله وَكَسبه وَقد يكون مُضْطَرّا إِلَيْهِ وَقد تقدم قَول الإِمَام أَحْمد هُوَ ذَا يتَكَلَّم على لِسَانه يعْنى لِسَان المصروع فقد جعل الْمُتَكَلّم هُوَ الجنى فَكَذَلِك الْحَرَكَة وَالله أعلم
الْبَاب الثَّالِث وَالْخَمْسُونَ فى حكم معالجة المصروع
سُئِلَ أَبُو الْعَبَّاس بن تَيْمِية رَحْمَة الله عَلَيْهِ عَن رجل ابتلى بمعالجة الْجِنّ مُدَّة طَوِيلَة لكَون بعض من عِنْده ناله سحر عَظِيم قَلِيل الْوُقُوع فِي الْوُجُود وتكرر السحر أَكثر من مائَة مرّة وَكَاد يتْلف المسحور ويقتله بِالْكُلِّيَّةِ مَرَّات لَا تحصى فقابلهم الرجل الْمَذْكُور بالتوجه والصد البليغ ودوام الدُّعَاء والالتجاء وَتَحْقِيق التَّوْحِيد وَأحسن بالنصر عَلَيْهِم وَكَانَ الْمُصَاب يراهم فِي الْيَقَظَة وَفِي الْمَنَام وَيسمع كَلَامهم فِي الْيَقَظَة أَيْضا فَرَآهُمْ فِي أَوَائِل الْحَال وهم يَقُولُونَ مَاتَ البارحة منا الْبَعْض وَمرض جمَاعَة لأجل دُعَاء الدَّاعِي وسموه باسمه وَكَانَ بِالْقَاهِرَةِ رجل هائل يقل وجود مثله فِي الْوُجُود يجْتَمع بهم ويطلع على حَقِيقَة حَالهم وَله عَلَيْهِم سُلْطَان باهر مَشْهُور مشهود لغيره فَسئلَ عَن حَقِيقَة مَنَام الْمُصَاب وَعَن خبر الدُّعَاء فَأخْبر بهلك سِتَّة وَمرض كثير من الْجِنّ وتكرر هَذَا نَحوا من مائَة مرّة وَتبين للرجل الدَّاعِي الْمَذْكُور أَن الله تَعَالَى قهرهم لَهُ فَإِنَّهُ كَانَ يجد ذَلِك ويشهده ويعاضده منامات الْمُصَاب وسماعه فِي الْيَقَظَة ايضا وأخبار صَاحبهمْ الْمَذْكُور وَبعد ذَلِك أذعنوا وذلوا وطلبوا الْمَسْأَلَة فَهَل يجوز للرجل الدَّاعِي مواظبة الذب عَن صَاحبه الْمُصَاب الْمَظْلُوم مَعَ تحَققه هَلَاك طَائِفَة بعد طَائِفَة وَالْحَالة هَذِه أم لَا وَهل عَلَيْهِ من إثمهم شَيْء فَإِنَّهُ قد يكون بَعضهم مَعَ صياله مُسلما أم لَا وَهل يجوز لَهُ إِسْلَام صَاحبه والتخلي عَنهُ مَعَ مَا يُشَاهِدهُ من أَذَاهُ وَقرب هَلَاكه أم لَا وَهل هَذَا الْغَزْو مَشْرُوع وَعَلِيهِ شَاهد من السّنة النَّبَوِيَّة والطريقة السائغة أم لَا وَهل تشهد الشَّرِيعَة بِصِحَّة وُقُوع مثل ذَلِك كَمَا قد تحَققه السَّائِل وَغَيره من المباشرين والمصدقين أم ذَلِك مُمْتَنع كَمَا تَقوله الفلاسفة وَبَعض أهل الْبدع وَهل تجوز الِاسْتِعَانَة عَلَيْهِ بِشَيْء من صنع أهل التنجيم
стр. 147
وَنَحْوهم فِيمَا يعانونه من الْحجب وَالْكِتَابَة والبخور والأوراق وَغير ذَلِك لأَنهم يتحملون كبر ذَلِك والمصاب واهله يطْلبُونَ الشِّفَاء وَإِن كَانَ فِي ذَلِك كفر فَيكون فِي عنق صَاحبه الَّذِي بَاعَ دينه بالدنيا وَهَذَا من بَاب مُقَابلَة الْفَاسِد بِمثلِهِ أم لَا يجوز ذَلِك لأجل تَقْوِيَة طريقهم وَالدُّخُول فِي أَمر غير مَشْرُوع وَذكر السَّائِل أسئلة أُخْرَى أضربت عَن ذكرهَا وَالْجَوَاب فِي نَحْو كراسين وَفِيه بسط خَارج عَن مَقْصُود الْجَواب اقْتَضَاهُ طرد الْكَلَام وتشبث بعضه بأذيال بعض وَقد أثبت مِنْهُ ملخصه المطابق للسؤال
تَلْخِيص الْجَواب
يسْتَحبّ وَقد يجب أَن يذب عَن الْمَظْلُوم وَأَن ينصر فَإِن نصر الْمَظْلُوم مَأْمُور بِهِ بِحَسب الامكان وَإِذا برِئ الْمُصَاب بِالدُّعَاءِ وَالذكر وَأمر الْجِنّ ونهيهم وانتهارهم وسبهم ولعنهم وَنَحْو ذَلِك من الْكَلَام حصل الْمَقْصُود وَإِن كَانَ ذَلِك يتَضَمَّن مرض طَائِفَة من الْجِنّ أَو مَوْتهمْ فهم الظَّالِمُونَ لأَنْفُسِهِمْ إِذا كَانَ الراقي الدَّاعِي المعالج لم يَتَعَدَّ عَلَيْهِم كَمَا يتَعَدَّى عَلَيْهِم كثير من أهل العزائم فيأمرون بقتل من لَا يجوز قَتله وَقد يحبسون من لَا يحْتَاج إِلَى حَبسه وَلِهَذَا قد يقابلهم الْجِنّ على ذَلِك ففيهم من تقتله الْجِنّ أَو تمرضه وَفِيهِمْ من يفعل ذَلِك بأَهْله وَأَوْلَاده أَو دوابه وأمامن سلك فِي دفع عدوانهم مَسْلَك الْعدْل الَّذِي أَمر الله بِهِ وَرَسُوله ﷺ فَإِنَّهُ لم يظلمهم بل هُوَ مُطِيع لله تَعَالَى وَرَسُوله ﷺ فِي نصر الْمَظْلُوم وإغاثة الملهوف والتنفيس عَن المكروب بِالطَّرِيقِ الشَّرْعِيّ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شرك بالخالق وَلَا ظلم للمخلوق وَمثل هَذَا لَا تؤذيه الْجِنّ إِمَّا لمعرفتهم بِأَنَّهُ عَادل وَإِمَّا لعجزهم عَنهُ وَإِن كَانَ الْجِنّ من العفاريت وَهُوَ ضَعِيف فقد تؤذيه فَيَنْبَغِي لمثل هَذَا ان يحْتَرز بِقِرَاءَة المعوذات وَالصَّلَاة وَالسَّلَام وَالدُّعَاء وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يُقَوي الْإِيمَان يجْتَنب الذُّنُوب الَّتِي بهَا يستطيلون عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُجَاهد فِي سَبِيل الله وَهَذَا من أعظم الْجِهَاد فليحذر أَن ينصر الْعَدو عَلَيْهِ بذنوبه وَإِن كَانَ الْأَمر فَوق قدرته فَلَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا وَمن أعظم مَا ينتصر بِهِ عَلَيْهِم آيَة الْكُرْسِيّ فقد جرب المجربون الَّذين لَا يُحصونَ
стр. 148
كَثْرَة ان لَهَا من التَّأْثِير فِي دفع الشَّيَاطِين وَإِبْطَال أَحْوَالهم مَا لَا يَنْضَبِط من كثرته وقوته فَإِن لَهَا تَأْثِيرا عَظِيما فِي طرد الشَّيَاطِين عَن نفس الْإِنْسَان وَعَن المصروع وَعَمن تعينه الشَّيَاطِين من أهل الظُّلم وَالْغَضَب وَأهل الشَّهْوَة والطرب وأرباب سَماع المكاء والتصدية إِذا قَرَأت عَلَيْهِم بِصدق والصائل الْمُتَعَدِّي يسْتَحق دَفعه سَوَاء كَانَ مُسلما أَو كَافِرًا فقد قَالَ ﷺ من قتل دون مَاله فَهُوَ شَهِيد وَورد دون دَمه وَدون حرمته وَدون دينه فَإِذا كَانَ الْمَظْلُوم لَهُ أَن يدْفع عَن مَاله وَلَو بقتل الصَّائِل العادي فَكيف لَا يدْفع عَن عقله وبدنه وحرمته فَإِن الشَّيْطَان يفْسد عقله ويعاقبه فِي بدنه وَقد يفعل مَعَه فَاحِشَة وَلَو فعل إنسي هَذَا بإنسي وَلم ينْدَفع إِلَّا بِالْقَتْلِ جَازَ قَتله وَأما إِسْلَام صَاحبه والتخلي عَنهُ فَهُوَ مثل إِسْلَام أَمْثَاله من المظلومين وَهَذَا فرض على الْكِفَايَة مَعَ الْقُدْرَة فَإِن كَانَ عَاجِزا وَهُوَ مَشْغُول بِمَا هُوَ أوجب مِنْهُ أَو قَامَ غَيره بِهِ لم يجب وَإِن كَانَ قَادِرًا وَقد تعين عَلَيْهِ وَلَا يشْغلهُ عَمَّا هُوَ أوجب مِنْهُ وَجب عَلَيْهِ وَقَول السَّائِل هَل هَذَا مَشْرُوع فَهَذَا من أفضل الْأَعْمَال وَهُوَ من أَعمال الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ فَمَا زَالَ الْأَنْبِيَاء والصالحون يدْفَعُونَ الشَّيَاطِين عَن بني آدم بِمَا أَمر الله تَعَالَى بِهِ وَرَسُوله ﷺ كَمَا كَانَ الْمَسِيح ﵊ يفعل ذَلِك وكما كَانَ نَبينَا ﷺ يفعل ذَلِك وَلَو قدر أَنه لم ينْقل ذَلِك لكَون مثله لم يَقع عِنْد الْأَنْبِيَاء لكَون الشَّيَاطِين لم تكن تقدر أَن تفعل ذَلِك عِنْد الْأَنْبِيَاء وَفعلت ذَلِك عندنَا فقد أمرنَا الله تَعَالَى وَرَسُوله ﷺ بنصر الْمَظْلُوم وإغاثة الملهوف ونفع الْمُسلم بِمَا يتَنَاوَل ذَلِك وَفِي الصَّحِيح قَول النَّبِي ﷺ فِي الْفَاتِحَة وَمَا أَدْرَاك أَنَّهَا رقية وَأذن لَهُ فِي أَخذ الْجعل وَهَذَا كدفع ظَالِم الْإِنْس من الْكفَّار والفجار وَقد يحْتَاج فِي إِبْرَاء المصروع وَدفع الْجِنّ عَنْهُم إِلَى الضَّرْب فَيضْرب ضربا كثيرا جدا وَالضَّرْب إِنَّمَا يَقع الجني وَلَا يحس بِهِ المصروع ويخبر بِأَنَّهُ
стр. 149
لم يحس بِشَيْء من ذَلِك وَلَا يُؤثر فِي بدنه وَيكون قد ضرب بعصا قَوِيَّة على رجلَيْهِ نَحْو ثَلَاثمِائَة أَو أَرْبَعمِائَة ضَرْبَة وَأكْثر وَأَقل بِحَيْثُ لَو كَانَ على الْإِنْسِي تقتله وَإِنَّمَا هُوَ على الجني والجني يَصِيح ويصرخ وَيحدث الْحَاضِرين بِأُمُور مُتعَدِّدَة قَالَ الْمُجيب وَقد فعلنَا نَحن هَذَا وجربناه مَرَّات كَثِيرَة يطول وصفهَا بِحَضْرَة خلق كثير
الِاسْتِعَانَة عَلَيْهِم
قَالَ وَأما الِاسْتِعَانَة عَلَيْهِم بِمَا يُقَال وَيكْتب مِمَّا لَا يعرف مَعْنَاهُ فَلَا يشرع اسْتِعْمَاله إِن كَانَ فِيهِ شرك فَإِن ذَلِك محرم وَعَامة مَا يَقُول أهل العزائم فِيهِ شرك وَقد يقرءُون مَعَ ذَلِك شَيْئا من الْقُرْآن ويظهرونه ويكتمون مَا يَقُولُونَهُ من الشّرك وَفِي الِاسْتِشْفَاء بِمَا شَرعه الله تَعَالَى وَرَسُوله مَا يُغني عَن الشّرك وَأَهله والمسلمون وَإِن تنازعوا فِي جَوَاز التَّدَاوِي بالمحرمات فَلَا يتنازعون فِي أَن الشّرك وَالْكفْر لَا يجوز التَّدَاوِي بِهِ بِحَال لِأَن ذَلِك محرم فِي كل حَال وَلَيْسَ هَذَا كالمتكلم بِهِ عِنْد الْإِكْرَاه فَإِن ذَلِك إِنَّمَا يجوز إِذا كَانَ الْقلب مطمئنا بِالْإِيمَان والتكلم بِمَا لَا يفهم بِالْعَرَبِيَّةِ إِنَّمَا يُؤثر إِذا كَانَ بقلب صَاحبه وَلَو تكلم بِهِ مَعَ طمأنينة قلبه بِالْإِيمَان لم يُؤثر والشيطان إِذا عرف أَن صَاحبه يستخف بالعزائم لم يساعده أَيْضا فَإِن الْمُكْره مُضْطَر إِلَى التَّكَلُّم بِهِ وَلَا ضَرُورَة إِلَى إِبْرَاء الْمُصَاب بِهِ لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَنه قد لَا يُؤثر فَمَا أَكثر من يعالج بالعزائم فَلَا يُؤثر بل يزِيدهُ شرا وَالثَّانِي أَن فِي الْحق مَا يُغني عَن الْبَاطِل وَالنَّاس فِي هَذَا الْبَاب ثَلَاثَة أَصْنَاف قوم يكذبُون بِدُخُول الْجِنّ فِي الْإِنْس وَقوم يدْفَعُونَ ذَلِك بالعزائم المذمومة فَهَؤُلَاءِ يكذبُون بالموجود وَهَؤُلَاء يكفرون بالرب المعبود وَالْأمة الْوُسْطَى تصدق بِالْحَقِّ الْمَوْجُود وتؤمن بالإله الْوَاحِد المعبود وبعبادته ودعائه وَذكره وأسمائه وَكَلَامه تدفع شياطين الْإِنْس وَالْجِنّ انْتهى تَلْخِيص الْجَواب قلت قَوْله وَقد يحْتَاج فِي إِبْرَاء المصروع وَدفع الْجِنّ عَنْهُم إِلَى الضَّرْب فَيضْرب ضربا كثيرا وَقد ورد لَهُ أصل فِي الشَّرْع وَهُوَ مَا رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَأَبُو الْقَاسِم الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أم أبان بنت الْوَازِع عَن أَبِيهَا أَن جدها انْطلق إِلَى رَسُول الله ﷺ بِابْن لَهُ مَجْنُون أَو ابْن أُخْت لَهُ فَقَالَ يَا رَسُول الله إِن معي ابْنا لي أَو ابْن أُخْت لي مَجْنُونا
стр. 150
أَتَيْتُك بِهِ لتدعو الله تَعَالَى لَهُ قَالَ ائْتِنِي بِهِ قَالَ فَانْطَلَقت بِهِ إِلَيْهِ وَهُوَ فِي الركاب فأطلقت عَنهُ وألقيت عَلَيْهِ ثِيَاب السّفر وألبسته ثَوْبَيْنِ حسنين وَأخذت بِيَدِهِ حَتَّى انْتَهَيْت بِهِ إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ أدنه مني وَاجعَل ظَهره مِمَّا يليني قَالَ فَأخذ بِمَجَامِع ثَوْبه من أَعْلَاهُ وأسفله فَجعل يضْرب ظَهره حَتَّى رَأَيْت بَيَاض إبطَيْهِ وَيَقُول اخْرُج عَدو الله فَأقبل ينظر نظر الصَّحِيح لَيْسَ بِنَظَر الأول ثمَّ أقعده رَسُول الله ﷺ بَين يَدَيْهِ فَدَعَا لَهُ بِمَاء فَمسح وَجهه ودعا لَهُ فَلم يكن فِي الْوَفْد أحد بعد دَعْوَة رَسُول الله ﷺ يفضل عَلَيْهِ وَهَذَا الحَدِيث فِيهِ ضرب الجني وَإِن لم تدع الْحَاجة إِلَى الضَّرْب فَلَا يضْرب فقد روى ابْن عَسَاكِر فِي الثَّانِي من كتاب الْأَرْبَعين الطوَال حَدِيث اسامة بن زيد قَالَ حجَجنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي حجَّته الَّتِي حج فِيهَا فَلَمَّا هبطنا بطن الروحاء عارضت رَسُول الله ﷺ امْرَأَة تحمل صَبيا لَهَا فَسلمت على رَسُول الله ﷺ وَهُوَ يسير على رَاحِلَته ثمَّ قَالَت يَا رَسُول الله هَذَا ابْني فلَان وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ مَا أبقى من خَفق وَاحِد من لدن أَنِّي وَلدته إِلَى سَاعَته هَذِه فحبس رَسُول الله ﷺ الرَّاحِلَة فَوقف ثمَّ أكسع اليها فَبسط إِلَيْهَا يَده وَقَالَ هاته فَوَضَعته على يَدي رَسُول الله ﷺ فضمه إِلَيْهِ فَجعله بَينه وَبَين وَاسِطَة الرحل ثمَّ تفل فِي فِيهِ وَقَالَ اخْرُج يَا عَدو الله فَإِنِّي رَسُول الله ﷺ ثمَّ ناولها إِيَّاه فَقَالَ خذيه فَلَنْ ترى مِنْهُ شَيْئا تكرهينه بعد هَذَا إِن شَاءَ الله الحَدِيث
وَفِي أَوَائِل مُسْند أبي مُحَمَّد الدَّارمِيّ من حَدِيث أبي الزبير عَن جَابر مَعْنَاهُ وَقَالَ فِيهِ اخْسَأْ عَدو الله أَنا رَسُول الله ﷺ فحاصل ذَلِك أَنه مَتى حصل الْمَقْصُود بالأهون لَا يُصَار إِلَى مَا فَوْقه وَمَتى احْتِيجَ إِلَى الضَّرْب وَمَا هُوَ أَشد مِنْهُ صير إِلَيْهِ
وَمن قتل الصَّائِل من الْجِنّ قتل عَائِشَة ﵂ الجني الَّذِي كَانَ لَا يزَال يطلع فِي بَيتهَا وَحَدِيث مُجَاهِد كَانَ الشَّيْطَان لَا يزَال يتزيا لي بِابْن عَبَّاس إِذا قُمْت إِلَى الصَّلَاة قَالَ فَذكرت قَول ابْن عَبَّاس فحصلت عِنْدِي سكينا فتز يالي فَحملت عَلَيْهِ فطعنته فَوَقع وَله وجبة فَلم أره بعد ذَلِك
стр. 151
وَقد ذَكرْنَاهُ بِسَنَدِهِ فِي الْبَاب السَّادِس وَمن ذَلِك أَحَادِيث تعرض الشَّيْطَان للنَّبِي ﷺ وَمد يَده إِلَيْهِ ولفته وذعته وَذَلِكَ مَذْكُور فِي مَوْضِعه من هَذَا الْكتاب وَقَالَ القَاضِي أَبُو الْحسن بن القَاضِي أبي يعلى ابْن الْفراء الْحَنْبَلِيّ فِي كتاب طَبَقَات اصحاب الإِمَام أَحْمد سَمِعت أَحْمد ابْن عبيد الله قَالَ سَمِعت أَبَا الْحسن عبي بن أَحْمد بن عَليّ العكبري قدم علينا من عكبرا فِي ذِي الْقعدَة سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وثلاثمائة قَالَ حَدثنِي أبي عَن جدي قَالَ كنت فِي مَسْجِد أبي عبد الله أَحْمد بن حَنْبَل فأنفذ اليه المتَوَكل صاحبا لَهُ يُعلمهُ أَن لَهُ جَارِيَة بهَا صرع وَسَأَلَهُ أَن يَدْعُو الله لَهَا بالعافية فَأخْرج لَهُ أَحْمد نَعْلي خشب بِشِرَاك من خوص للْوُضُوء فَدفعهُ إِلَى صَاحب لَهُ وَقَالَ لَهُ امْضِ إِلَى دَار أَمِير الْمُؤمنِينَ وتجلس عِنْد رَأس هَذِه الْجَارِيَة وَتقول لَهُ يَعْنِي الجني قَالَ لَك أَحْمد أَيّمَا أحب إِلَيْك تخرج من هَذِه الْجَارِيَة أَو تصفع بِهَذِهِ النَّعْل سبعين فَمضى إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ مثل مَا قَالَ الإِمَام أَحْمد فَقَالَ لَهُ المارد على لِسَان الْجَارِيَة السّمع وَالطَّاعَة لَو أمرنَا أَحْمد أَن لَا نُقِيم بالعراق مَا أَقَمْنَا بِهِ إِنَّه أطَاع الله وَمن أطَاع الله أطاعه كل شَيْء وَخرج من الْجَارِيَة وهدأت وَرزقت أَوْلَادًا فَلَمَّا مَاتَ أَحْمد عاودها المارد فأنفذ المتَوَكل إِلَى صَاحبه أبي بكر الْمروزِي وعرفه الْحَال فَأخذ الْمروزِي النَّعْل وَمضى إِلَى الْجَارِيَة فَكَلمهُ العفريت على لسانها لَا أخرج من هَذِه الْجَارِيَة وَلَا أطيعك وَلَا أقبل مِنْك احْمَد بن حَنْبَل اطاع الله فَأمرنَا بِطَاعَتِهِ
الْبَاب الرَّابِع وَالْخَمْسُونَ فِي بَيَان سخرية الْجِنّ من الْإِنْس
قَالَ ابو بكر مُحَمَّد بن عبيد حَدثنِي عبد الرَّحْمَن بن عبد الله حَدثنَا عمي عَن عَمْرو بن الْهَيْثَم عَن ابيه عَن جده قَالَ خرجت أُرِيد مرقوعا حَتَّى إِذا كنت على اربعة فراسخ إِذا أَنا بصحاب يَلْعَبُونَ عِنْد عين قَرْيَة قُمْت أنظر إِلَيْهِم فَقَامَ أحدهم فَاسْتقْبل صَاحبه ثمَّ وثب الآخر على عُنُقه ثمَّ وثب آخر على عنق آخر فَلَمَّا رَأَيْت ذَلِك حملت الْفرس عَلَيْهِم فوقعوا يقهقهون مستلقين فَخرجت أضْرب فرسي فَمَا مَرَرْت بشجرة إِلَّا سَمِعت
стр. 152
تحتهَا ضحكا وَبِه إِلَى الهيتم عَن أَبِيه قَالَ خرجت أَنا وَصَاحب لي فَإِذا بامراة على ظهر الطَّرِيق فَسَأَلت أَن نحملها فَقلت لصاحبي أحملها قَالَ فحملها خَلفه قَالَ فَنَظَرت إِلَيْهَا ففتحت فاها فَإِذا يخرج من فِيهَا مثل لَهب الأتون فَحملت عَلَيْهَا فَقَالَت مَالِي وَلَك وصاحت فَقَالَ صَاحِبي مَا تُرِيدُ من البائسة قَالَ ثمَّ سَار سَاعَة ثمَّ الْتفت اليها ففتحت فاها فَإِذا يخرج مثل لَهب الأتون قَالَ فَحملت عَلَيْهَا فَفعلت ذَلِك حَتَّى فعلت ثَلَاث مَرَّات قَالَ فَلَمَّا رَأَيْت ذَلِك صممت فطفرت فَإِذا هِيَ بِالْأَرْضِ فَقَالَت قَاتلك الله مَا أَشد فُؤَادك مَا رَآهُ أحد قطّ إِلَّا أَنْخَلِع فُؤَاده
حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن أخي الْأَصْمَعِي قَالَ حَدثنِي عمي قَالَ خرج رجل بحضرموت ففر من الغول وَهِي سَاحِرَة الْجِنّ فَلَمَّا خَافَ أَن ترهقه دخل فِي بِئْر فبالت عَلَيْهِ فَخرج من الْبِئْر فتمعط شعره وَلم يبْق عَلَيْهِ شَيْء وَالله أعلم
الْبَاب الْخَامِس وَالْخَمْسُونَ فِي ان الطَّاعُون من وخز الْجِنّ
روى الإِمَام أَحْمد فِي مُسْنده من حَدِيث أبي مُوسَى قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ فنَاء أمتِي بالطعن والطاعون قَالُوا يَا رَسُول الله هَذَا الطعْن قد عَرفْنَاهُ فَمَا الطَّاعُون قَالَ وخز إخْوَانكُمْ من الْجِنّ وَفِي كل شَهَادَة وَرَوَاهُ ابْن ابي الدُّنْيَا فِي كتاب الطواعين وَقَالَ فِيهِ وخز أعدائكم من الْجِنّ وَلَا تنَافِي بَين اللَّفْظَيْنِ لِأَن الْأُخوة فِي الدّين لَا تنَافِي الْعَدَاوَة لِأَن عَدَاوَة الْجِنّ وَالْإِنْس بالطبع وَإِن كَانُوا مُؤمنين فالعداوة مَوْجُودَة قَالَ ابْن الْأَثِير الوخز طعن لَيْسَ بنافذ والشيطان لَهُ ركض وهمز وَنَفث وَنفخ ووخز قَالَ الْجَوْهَرِي الركض تَحْرِيك الرجل وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿اركض برجلك﴾ وَفِي حَدِيث الْمُسْتَحَاضَة هِيَ ركضة من الشَّيْطَان يُرِيد الدفعة والهمز شَبيهَة بالنفخ وَهُوَ أقل من التقل وَقد نفث الراقي ينفث وينفك والنفخ مَعْرُوف والوخز الطعْن بِالرُّمْحِ وَغَيره
стр. 153
لَا يكون نَافِذا قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ يسمون الطَّاعُون رماح الْجِنّ قَالَ الازدي لِلْحَارِثِ الْملك الغساني ... لعمرك مَا خشيت على أبي ... رماح مُقَيّدَة بني الْحمار
وَلَكِنِّي خشيت على أبي ... رماح الْجِنّ أَو إياك حَار ...
الْبَاب السَّادِس وَالْخَمْسُونَ فِي أَن الِاسْتِحَاضَة ركضة من ركضات الشَّيْطَان
روى أَبُو دَاوُد وَأحمد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ من حَدِيث حمْنَة بنت جحش قَالَت كنت استحاض حَيْضَة شَدِيدَة كَثِيرَة فَجئْت رَسُول الله ﷺ أستفتيه فَقلت يَا رَسُول الله إِنِّي أستحيض حَيْضَة كَثِيرَة شَدِيدَة فَمَا ترى فِيهَا قد منعتني الصَّلَاة وَالصِّيَام فَقَالَ انعت لَك الكرسف فَإِنَّهُ يذهب الدَّم قَالَت هُوَ أَكثر من ذَلِك قَالَ فاتخذي ثوبا قَالَت هُوَ أَكثر من ذَلِك قَالَ فتلجمي قَالَت إِنَّمَا أثج ثجأ فَقَالَ لَهَا سآمرك بأمرين أَيهمَا فعلت فقد أَجْزَأَ عَنْك من الآخر فَإِن قويت عَلَيْهِمَا فَأَنت أعلم فَقَالَ لَهَا إِنَّمَا هَذِه ركضة من ركضات الشَّيَاطِين فتحيضين سِتَّة أَيَّام أَو سَبْعَة فِي علم الله الحَدِيث بِطُولِهِ وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه من حَدِيث عَائِشَة فِي قصَّة فَاطِمَة بنت أبي حُبَيْش من قَول رَسُول الله ﷺ إِنَّمَا ذَلِك عرق وَفِي رِوَايَة دم عرق انفجر وَذَلِكَ لِأَن الشَّيْطَان يجْرِي من ابْن آدم مجْرى الدَّم كَمَا أخبر ﷺ فَإِذا ركض ذَلِك الْعرق وَهُوَ جَار سَالَ مِنْهُ الدَّم وللشيطان فِي هَذَا الْعرق الْخَاص تصرف وَله بِهِ اخْتِصَاص زَائِد على عروق الْبدن جَمِيعهَا وَلِهَذَا تتصرف السَّحَرَة فِيهِ باستنجاد الشَّيْطَان فِي نزيف الْمَرْأَة وسيلان الدَّم من فرجهَا حَتَّى يكَاد يهلكها ويسمون ذَلِك بَاب النزيف وَإِنَّمَا يستعينون فِيهِ بركض الشَّيْطَان هُنَالك وإسالة الدَّم فَكَلَامه ﷺ يصدق بعضه بَعْضًا وَهُوَ الشِّفَاء والعصمة
стр. 154
تَعْلِيق وَبَيَان قلت وَكَذَلِكَ القَوْل فِي قَوْله ﷺ فِي الطَّاعُون إِنَّه وخز أعدائكم من الْجِنّ مَعَ قَوْله ﷺ غُدَّة كَغُدَّة الْبَعِير يخرج من مراق الْبَطن وَذَلِكَ أَن الجني إِذا وخز الْعرق من مراق الْبَطن خرج من وخزه الغدة فَيكون وخز الجني سَببا للغدة الخارجية
الْبَاب السَّابِع وَالْخَمْسُونَ فِي نظرة الْجِنّ وإصابتها بني آدم بِالْعينِ
الْعين عينان عين إنسية وَعين جنية وَقد صَحَّ عَن أم سَلمَة ﵂ أَن النَّبِي ﷺ رأى فِي بَيتهَا جَارِيَة فِي وَجههَا سفعة فَقَالَ استرقوا لَهَا فَإِن بهَا النظرة قَالَ الْحُسَيْن بن مَسْعُود الْفراء وَقَوله سفعة أَي نظرة يَعْنِي من الْجِنّ يَقُول بهَا عين أصابتها من نظر الْجِنّ أنفذ من أسنة الرماح وَقَالَ الصولي يُقَال أزلقه إِذا عانه وعانه ولفعه بِعَيْنِه حَدثنَا الْفضل بن الْحباب حَدثنَا أَبُو عُثْمَان الْمَازِني سَمِعت أَبَا عُبَيْدَة يَقُول يُقَال رجل معِين للَّذي أَصَابَته عين وَرجل معيون للَّذي بِهِ منظر وَلَا مخبر لَهُ حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد الْأَسدي سَمِعت الرياشي يَقُول يُقَال رجل معِين ومعيون للَّذي أَصَابَته الْعين ولبعضهم ... وَقد عالجوه بالتمائم والرقى ... وَصبُّوا عَلَيْهِ المَاء من ألم النكس
وَقَالُوا أَصَابَته من الْجِنّ أعين ... وَلَو علمُوا داووه من أعين الْإِنْس ...
وَقَالَ أَحْمد فِي مُسْنده حَدثنَا ابْن نمير حَدثنَا ثَوْر بن يزِيد عَن مَكْحُول عَن أبي هُرَيْرَة يرفعهُ الْعين ويحضرها الشَّيْطَان وَالله اعْلَم
стр. 155
الْبَاب الثَّامِن وَالْخَمْسُونَ
فِي قتال عمار بن يَاسر الْجِنّ
قَالَ أَبُو بكر بن عبيد حَدثنَا اسحاق بن اسماعيل حَدثنَا وهب ابْن جرير حَدثنَا ابي عَن الْحسن عَن عمار بن يَاسر قَالَ قَاتَلت مَعَ رَسُول الله ﷺ الْجِنّ وَالْإِنْس قيل وَكَيف قَاتَلت الْجِنّ وَالْإِنْس قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي سفر فنزلنا منزلا فَأخذت قربتي ودلوي لأستقي فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أما إِنَّه سيأتيك على المَاء آتٍ يمنعك مِنْهُ فَلَمَّا كنت على رَأس الْبِئْر إِذا رجل أسود كَأَنَّهُ مرس فَقَالَ وَالله لَا تستقي مِنْهَا الْيَوْم ذنوبا وَاحِدًا فأخذني وأخذته فصرعته ثمَّ أخذت حجرا فَكسرت بِهِ وَجهه وَأَنْفه ثمَّ مَلَأت قربتي فَأتيت رَسُول الله ﷺ فَقَالَ هَل أَتَاك على المَاء من أحد فَقلت نعم فقصصت عَلَيْهِ الْقِصَّة فَقَالَ أَتَدْرِي من هُوَ قلت لَا قَالَ ذَاك الشَّيْطَان وَقَالَ أَبُو نعيم حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد بن جَعْفَر حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم حَدثنَا مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن أبي الْحُسَيْن عَن حميد بن هِلَال عَن الْأَحْنَف بن قيس قَالَ قَالَ عَليّ بن أبي طَالب وَالله لقد قَاتل عمار بن يَاسر الْجِنّ وَالْإِنْس على عهد رَسُول الله ﷺ فَقُلْنَا هَذَا الْإِنْس قد قَاتل فَكيف الْجِنّ فَقَالَ كُنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي سفر فَقَالَ لعمَّار انْطلق فاستق لنا من المَاء فَانْطَلق فَعرض لَهُ الشَّيْطَان فِي صُورَة عبد أسود فحال بَينه وَبَين المَاء فَأَخذه فصرعه عمار فَقَالَ لَهُ دَعْنِي وأخلي بَيْنك وَبَين المَاء فَفعل ثمَّ أَتَى فَأَخذه عمار الثَّانِيَة فصرعه فَقَالَ دَعْنِي وأخلي بَيْنك وَبَين المَاء فَتَركه فَأتى فصرعه فَقَالَ لَهُ مثل ذَلِك فَتَركه فوفى لَهُ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الشَّيْطَان قد حَال بَين عمار وَبَين المَاء فِي صُورَة عبد أسود وَإِن الله أظفر عمارا بِهِ قَالَ عَليّ فلقينا عمارا فَقلت ظَفرت يداك يَا أَبَا الْيَقظَان فَإِن رَسُول الله ﷺ قَالَ كَذَا وَكَذَا أما وَالله لَو شَعرت أَنه شَيْطَان لقتلته وَلَكِن هَمَمْت أَن أعض بِأَنْفِهِ لَوْلَا نَتن رِيحه وَالله أعلم
стр. 156
الْبَاب التَّاسِع وَالْخَمْسُونَ فِي تصفيد مَرَدَة الْجِنّ فِي شهر رَمَضَان
روى التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِذا كَانَ أول لَيْلَة من رَمَضَان صفدت الشَّيَاطِين ومردة الْجِنّ وغلقت أَبْوَاب النَّار فَلم يفتح مِنْهَا بَاب وَفتحت أَبْوَاب الْجنَّة فَلم يغلق مِنْهَا بَاب وينادي مُنَاد يَا باغي الْخَيْر أقبل وَيَا باغي الشَّرّ أقصر وَللَّه عُتَقَاء من النَّار وَذَلِكَ عِنْد كل لَيْلَة وروى مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة يرفعهُ إِذا جَاءَ رَمَضَان فتحت أَبْوَاب الْجنَّة وغلقت أَبْوَاب النَّار وصفدت الشَّيَاطِين وَفِي رِوَايَة إِذا جَاءَ رَمَضَان فتحت أَبْوَاب الرَّحْمَة وغلقت أَبْوَاب جَهَنَّم وسلسلت الشَّيَاطِين قَالَ عبد الله بن أَحْمد سَأَلت أبي عَن حَدِيث إِذا جَاءَ رَمَضَان صفدت الشَّيَاطِين قَالَ نعم قلت الرجل يوسوس فِي رَمَضَان ويصرع قَالَ هَكَذَا جَاءَ الحَدِيث فِي قَوْله صفدت أَي شدت وأوثقت يُقَال صفده يصفده صفدا والصفد الوثاق والصفد مَا يوثق بِهِ الْأَسير من قد وَقيد وغل والأصفاد الْقُيُود وَالله أعلم
الْبَاب الموفي سِتِّينَ فِي أَن الظباء مَاشِيَة الْجِنّ
قَالَ عبد الله بن مُحَمَّد حَدثنِي هِشَام بن مُحَمَّد عَن أَيُّوب بن خوط عَن حميد بن هِلَال أَو غَيره قَالَ كُنَّا نتحدث أَن الظباء مَاشِيَة الْجِنّ فَأقبل غُلَام وَمَعَهُ قَوس ونبل فاستتر بارطأة وَبَين يَدَيْهِ قطيع من ظَبْي وَهُوَ يُرِيد أَن يَرْمِي بعضه فَهَتَفَ بِهِ هَاتِف لَا يرى ... إِن غُلَام عسر الْيَدَيْنِ ... يسْعَى بلبد أَو بلهزمين
متخذ الأرطاة جنتين ... ليقْتل التيس مَعَ العنزين ...
فَسمِعت الظباء فتفرقت حَدثنِي مُحَمَّد بن صدران الْأَزْدِيّ حَدثنَا نوح ابْن قيس حَدثنَا قيس حَدثنَا نعْمَان بن سهل الْحَرَّانِي قَالَ بعث عمر ابْن الْخطاب ﵁ رجلا إِلَى الْبَادِيَة فَرَأى ظَبْيَة مصرورة فطاردها
стр. 157
حَتَّى إِذا أَخذهَا فَإِذا رجل من الْجِنّ يَقُول ... يَا صَاحب الكنانة الْمَكْسُورَة ... خل سَبِيل الظبية المصرورة
فَإِنَّهَا لضبية مضرورة ... غَابَ أبوهم غيبَة مَذْكُورَة
فِي كورة لَا بوركت من كورة
حَدثنِي أبي عَن هِشَام عَن مُحَمَّد أَن مَالك بن نصر الدالاني من هَمدَان قَالَ سَمِعت شَيخا لنا يذكر قَالَ خرج مَالك بن حَرِيم الدلاني فِي نفر من قومه فِي الْجَاهِلِيَّة يُرِيدُونَ عكاظ فاصطادوا ظَبْيًا وأصابهم عَطش شَدِيد فَانْتَهوا إِلَى مَوضِع يُقَال لَهُ أجيرة فقصدوا ظَبْيًا وَجعلُوا يشربون من دَمه من الْعَطش فَلَمَّا ذهب دَمه ذبحوه وَخَرجُوا فِي طلب الْحَطب وَكَمن مَالك فِي خبائه فأثار بَعضهم شجاعا فَأقبل منسابا حَتَّى دخل رجل مَالك فلاذ بِهِ وَأَقْبل الرجل فِي أَثَره فَقَالَ يَا مَالك اسْتَيْقَظَ فَإِن الشجاع عنْدك فَاسْتَيْقَظَ مَالك فَنظر إِلَيْهِ وَهُوَ يلوذ فَقَالَ مَالك للرجل عزمت عَلَيْك إِلَّا تركته فَكف عَنهُ وانساب الشجاع إِلَى مأمنه وَأَنْشَأَ مَالك يَقُول ... وأوصاني الْحَرِيم بعز جاري ... وأمنعه وَلَيْسَ بِهِ امْتنَاع
وأدفع ضيمة وأذب عَنهُ ... وأمنعه إِذا منع الْمَتَاع
فذلكم أبي عَنهُ ينحو ... لسيء مَا استجار بِهِ الشجاع
وَلَا تتحملوا دم مستجير ... تضمنه أجيرة فالتلاع
فَإِن لما ترَوْنَ على أمرا ... لَهُ من دون أعينكُم قناع ...
فارتحلوا وَاشْتَدَّ بهم الْعَطش فَإِذا هَاتِف يَهْتِف بهم ... أَيهَا الْقَوْم لَا مَاء أمامكم ... حَتَّى تسوموا المطايا يَوْمهَا التعبا
ثمَّ اعدلوا شامة فالماء عَن كثب ... عين رواء وَمَاء يذهب اللغبا
حَتَّى إِذا مَا أصبْتُم مِنْهُ ريكم ... فاسقوا المطايا مِنْهُ فاملئوا القربا ...
فنزلوا شامة فَإِذا هم فِي عين خرارة فِي أصل جبل فَشَرِبُوا وَسقوا هم إبلهم وحملوا ريهم حَتَّى أَتَوا عكاظ ثمَّ أقبئوا حَتَّى انْتَهوا إِلَى ذَلِك الْموضع فَلم يرَوا شَيْئا وَإِذا هَاتِف يَقُول ... يَا مَال عني جَزَاك الله صَالِحَة ... هَذَا وداع لكم مني وتنسيم ...
стр. 158
. لَا تزهدن فِي اصطناع الْخَيْر مَعَ أحد ... إِن الَّذِي يحرم الْمَعْرُوف محروم
من يفعل الْخَيْر لَا يعْدم مغبته ... مَا عَاشَ وَالْكفْر بعد الغب مَذْمُوم
أَنا الشجاع الَّذِي أنجبت من رهق ... شكرت ذَلِك أَن الشُّكْر مقسوم ...
فطلبوا الْعين فَلم يجدوها وَالله اعْلَم حَدثنَا أَبُو بكر التَّيْمِيّ رجل من ولد أبي بكر الصّديق ﵁ سَمِعت رجلا من بني عقيل قَالَ صدت يَوْمًا تَيْسًا من الظباء فَجئْت بِهِ إِلَى منزلي فأوثقته هُنَاكَ فَلَمَّا كَانَ من اللَّيْل سَمِعت هاتفا يَقُول أَنا فلَان هَل رَأَيْت جمل الْيَتَامَى أَخْبرنِي صبي أَن الْإِنْسِي أَخذه قَالَ أما وَرب الْبَيْت لَئِن كَانَ أحدث فِيهِ شَيْئا لأخذن مثله فَلَمَّا سَمِعت ذَلِك جِئْت إِلَى التيس فأطلقته فَسَمعته يَدعُوهُ فَأقبل نَحْو الصَّوْت وَله حنين وإرزام كلحنين الْجمل وإرزامه قَالَ أَبُو بكر التَّيْمِيّ وَأصَاب رجل قنفذا فكفأ عَلَيْهِ برمة فَبينا هُوَ على المَاء إِذْ نظر إِلَى رجلَيْنِ عريانين أَحدهمَا يَقُول واكبداه إِن كَانَ عفارا ذبح فَقَالَ الآخر ثكلت بعل عَمَّتي إِن لم أنح فَلَمَّا سَمِعت ذَلِك جِئْت إِلَى البرمة وَله جلبة تحتهَا فَكشفت عَنهُ فَمر يخْطر حَدثنِي أَبُو الْحسن الْبَاهِلِيّ حَدثنِي حسان بن غَزوَان الْأَسدي حَدثنِي رقاد بن زِيَاد قَالَ حملت ظَبْيًا جنح اللَّيْل فَبَاتَ عِنْدِي فَسمِعت هاتفا يَهْتِف من اللَّيْل يَقُول ... أيا طَلْحَة الْوَادي أَلا إِن شاتنا ... أُصِيبَت بلَيْل وَهِي مِنْك قريب
أحسي لنا من بَات يخْتل فرقنا ... لَهُ بهليع الواديين دَبِيب ...
قَالَ فبشكتها أَي أطلقتها قَالَ وَسَأَلته عَن هليع الْوَادي قَالَ أَسْفَله وَالْفرق من الظباء مثل القطيع من الْغنم وَالله أعلم
стр. 159
الْبَاب الْحَادِي وَالسِّتُّونَ فِي عبَادَة الْإِنْس الْجِنّ
قَالَ الإِمَام أَحْمد حَدثنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر حَدثنَا شُعْبَة عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم عَن أبي معمر قَالَ قَالَ عبد الله بن مَسْعُود كَانَ نفر من الْإِنْس يعْبدُونَ نَفرا من الْجِنّ فَأسلم النَّفر من الْجِنّ واستمسك هَؤُلَاءِ بعبادتهم فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ الَّذين يدعونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبهم الْوَسِيلَة أَيهمْ أقرب﴾
وَرَوَاهُ شُعَيْب عَن الاعمش وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِسَنَدِهِ عَن سُفْيَان عَن الْأَعْمَش وَمن طَرِيق آخر عَن عبد الله بن عتبَة ابْن مَسْعُود قَالَ نزلت فِي نفر من الْعَرَب كَانُوا يعْبدُونَ نَفرا من الْجِنّ فَأسلم الجنيون وَالْإِنْس كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَنزلت ﴿أُولَئِكَ الَّذين يدعونَ﴾ الْآيَة وَالله تَعَالَى أعلم
الْبَاب الثَّانِي وَالسِّتُّونَ فِي جَوَاز المذاكرة بِحَدِيث الْجِنّ
قَالَ عبد الله بن مُحَمَّد الْقرشِي حَدثنَا الْحسن بن عَليّ حَدثنِي إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن زُرَيْق حَدثنِي عَمْرو بن الْحَارِث حَدثنَا عبد الله بن سَالم عَن الزبيدِيّ قَالَ أَخْبرنِي مُحَمَّد بن مُسلم أَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ يَوْمًا لمن حضر من جُلَسَائِهِ اذْكروا شَيْئا من حَدِيث الْجِنّ فَقَالَ رجل يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ خرجت أَنا وصاحبان لي نُرِيد الشَّام فأصبنا ظَبْيَة عضباء وأدركنا رَاكب من خلفنا وَكُنَّا أَرْبَعَة فَقَالَ خل سَبِيلهَا فَقلت لَا لعمرك لَا أخلي سَبِيلهَا فَقَالَ لربما رَأَيْتنَا فِي هَذِه الطَّرِيق وَنحن أَكثر من عشرَة فيخطف بَعْضنَا بَعْضًا فأذهلني مَا كَانَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ حَتَّى نزلنَا ديرا يُقَال لَهُ دير العنيف فارتحلنا وَهِي مَعنا فَإِذا هَاتِف يَهْتِف وَهُوَ يَقُول ... يَا أَيهَا الركب السراع الْأَرْبَعَة ... خلوا سَبِيل النافر المروعة
مهلا عَن العضبا فَفِي الأَرْض سَعَة ... وَلَا أقل قَول كذوب إمعة ...
قَالَ فخليت سَبِيلهَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَعرض لَازِمَة رِكَابنَا فأميل بِنَا إِلَى
стр. 160
حَيّ عَظِيم فَأتى علينا طَعَام وشراب ثمَّ مضينا حَتَّى أَتَيْنَا الشَّام وقضينا حوائجنا ثمَّ رَجعْنَا حَتَّى إِذا كُنَّا فِي الْمَكَان الَّذِي ميل بِنَا إِلَيْهِ إِذا أَرض قفر لَيْسَ بهَا سفر فأيقنت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنهم حَيّ من الْجِنّ فَأَقْبَلت سائرا إِلَى الدَّيْر فَإِذا هَاتِف يَهْتِف ... إياك لَا تعجل وخذها من ثِقَة ... إِنِّي أَسِير الْحَد يَوْم الحجفقة
قد لَاحَ نجم واستوى بمشرقه ... ذُو ذَنْب كالشعلة المحرقة
يخرج من ظلماء عسر موبقه ... إِنِّي امْرُؤ أنباؤه مصدقة ...
فَأَقْبَلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِذا النَّبِي ﷺ قد ظهر ودعا إِلَى الْإِسْلَام فَأسْلمت قَالَ رجل وَأَنا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ خرجت وَصَاحب لي نُرِيد حَاجَة لنا فَإِذا شخص رَاكب حَتَّى إِذا كَانَ منا مزجر الْكَلْب هتف بِأَعْلَى صَوته أَحْمد يَا أَحْمد الله أَعلَى وأمجد مُحَمَّد أَتَانَا بإله يوحد يَدْعُو إِلَى الْخَيْر وَإِلَيْهِ فاعمد فراعنا ذَلِك فَأَجَابَهُ صَوت عَن يسَاره يَقُول ... أنْجز مَا أوعد من شقّ الْقَمَر ... حَان لَهُ وَالله إِذْ دين ظهر ... فَإِذا النَّبِي ﷺ يَدْعُو إِلَى الْإِسْلَام فَأسْلمت قَالَ عمر وَأَنا كنت عِنْد دريح لنا إِذْ هتف هَاتِف من جَوْفه يَا لدريح يَا لدريح صائح يَصِيح بِأَمْر فليح ورشد نجيح يَقُول لَا إِلَه إِلَّا الله فَأَقْبَلت فَإِذا النَّبِي صلى قد ظهر ودعا إِلَى الله فَأسْلمت قَالَ خريم ابْن فاتك وَأَنا أضللت إبِلا لي فَخرجت فِي طلبَهَا حَتَّى إِذا كنت ببارق الْعرَاق فأنخت رَاحِلَتي ثمَّ علقتها ثمَّ أنشأت أَقُول أعوذ بِسَيِّد هَذَا الْوَادي أعوذ بعظيم هَذَا الْوَادي ثمَّ وضعت رَأْسِي على جمل فَإِذا بهاتف من اللَّيْل يَهْتِف وَيَقُول ... الا فعذ بِاللَّه ذِي الْجلَال ... ثمَّ اقْرَأ آيَات من الْأَنْفَال
ووحد الله وَلَا تبال ... مَا هول الْجِنّ من الْأَهْوَال ...
فانتبهت فَزعًا فَقلت ... يَا أَيهَا الْهَاتِف مَا تَقول ... ارشد عنْدك أم تضليل ...
فَأَجَابَنِي ... هَذَا رَسُول الله ذُو الْخيرَات ... أرْسلهُ يَدْعُو إِلَى النجَاة
وَينْزع النَّاس عَن الهنات ... يَأْمر بِالصَّوْمِ وبالصلاة ...
стр. 161
وَفِي الْخَبَر زِيَادَة من غير هَذَا الطَّرِيق الْهَاتِف ظهر لَهُ وَضمن عود إبِله إِلَى أَهله وَأمره بالمضي إِلَى النَّبِي ﷺ أَنه مضى فَدخل الْمَدِينَة وَجَاء الْمَسْجِد وَالنَّبِيّ ﷺ يخْطب فَأخْبرهُ النَّبِي ﷺ بِحَال الْهَاتِف وانه مِمَّن آمن بن من الْجِنّ وَهَذِه الْقِصَّة تدخل فِي مَوَاضِع من الْكتاب مِنْهَا أَن الظباء مَاشِيَة الْجِنّ وَمِنْهَا إِخْبَار الْجِنّ بِظُهُور النَّبِي ﷺ وَمِنْهَا دُعَاء الْإِنْس إِلَى الْإِسْلَام وَمِنْهَا دلَالَة الْجِنّ على مَا يدْفع كيدهم وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
الْبَاب الثَّالِث وَالسِّتُّونَ فِي إِخْبَار الْجِنّ بمبعث النَّبِي ﷺ وحراسة السَّمَاء مِنْهُم بالنجوم
ذكر الزبير بن أبي بكر وَغَيره أَن إِبْلِيس كَانَ يخترق السَّمَوَات قبل عِيسَى ﵇ فَلَمَّا ولد وَبعث ﵇ حجب عَن ثَلَاث سموات فَلَمَّا ولد مُحَمَّد ﷺ حجب عَنْهَا كلهَا وقذفت الشَّيَاطِين بالنجوم
وَقَالَت قُرَيْش حِين كثر الْقَذْف بالنجوم قَامَت السَّاعَة فَقَالَ عتبَة ابْن ربيعَة انْظُرُوا إِلَى العيوق فَإِن كَانَ قد رمي بِهِ فقد آن قيام السَّاعَة وَإِلَّا فَلَا وَذكر ابْن اسحاق مَا رميت بِهِ الشَّيَاطِين حِين ظهر الْقَذْف بالنجوم لِئَلَّا يلتبس بِالْوَحْي وليكون ذَلِك أظهر للحجة وأقطع للشُّبْهَة قَالَ السُّهيْلي وَالَّذِي قَالَه صَحِيح وَلَكِن الْقَذْف بالنجوم كَانَ قَدِيما وَذَلِكَ مَوْجُود فِي أشعار القدماء من الْجَاهِلِيَّة مِنْهُم عَوْف بن الخرع وَأَوْس بن حجر وَبشر بن أبي خازم وَكلهمْ جاهلي وَقد وصفوا الرَّمْي بالنجوم وأبياتهم فِي ذَلِك مَذْكُورَة فِي مُشكل ابْن قُتَيْبَة فِي تَفْسِير سُورَة الْجِنّ وَذكر عبد الرازق فِي تَفْسِيره عَن معمر عَن ابْن شهَاب انه سُئِلَ عَن هَذَا الرَّمْي بالنجوم أَكَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة قَالَ نعم وَلكنه لما جَاءَ الْإِسْلَام غلظ وشدد وَفِي قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿وَأَنا لمسنا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا ملئت حرسا شَدِيدا وشهبا﴾ وَلم يقل
стр. 162
حرست دَلِيل على أَنه قد كَانَ مِنْهُ شَيْء فَلَمَّا بعث النَّبِي ﷺ ملئت حرسا شَدِيدا وشهبا وَذَلِكَ لينحسم أَمر الشَّيَاطِين وتخليطهم ولتكون الْآيَة أبين وَالْحجّة أقطع وَإِن وجد الْيَوْم كَاهِن فَلَا يدْفع ذَلِك بِمَا أخبر الله من طرد الشَّيْطَان عَن استراق السّمع فَإِن ذَلِك التَّغْلِيظ وَالتَّشْدِيد كَانَ زمن النُّبُوَّة ثمَّ بقيت مِنْهُ أَعنِي من استراق السّمع بقايا يسيرَة بِدَلِيل وجودهم على الندور وَفِي بعض الْأَزْمِنَة فِي بعض الْبِلَاد وَقد سُئِلَ رَسُول الله ﷺ عَن الْكُهَّان فَقَالَ لَيْسُوا بِشَيْء فَقيل إِنَّهُم يَتَكَلَّمُونَ بِالْكَلِمَةِ فَتكون كَمَا قَالُوا فَقَالَ تِلْكَ الْكَلِمَة من الْحق يحفظها الجني فيقرها فِي أذن وليه قر الزجاجة فيخلط فِيهَا أَكثر من مائَة كذبة ويروى قر الدَّجَاجَة بِالدَّال وعَلى هَذِه الرِّوَايَة تكلم قَاسم بن ثَابت فِي الدَّلَائِل قَالَ السُّهيْلي والزجاجة بالزاي اولى لما ثَبت فِي الصَّحِيح فيقرها فِي أذن وليه كَمَا تقر القارورة وَمعنى يقرها يصبهَا ويفرغها قَالَ الراجز ... لَا تفرغن فِي أُذُنِي بعْدهَا ... مَا يسْتَقرّ فأريك فقدها ...
وَقَالَ ابْن دُرَيْد يُقَال قر عَلَيْهِ دلوا من مَاء إِذا صبها عَلَيْهِ وَفِي تَفْسِير ابْن سَلام عَن ابْن عَبَّاس قَالَ إِذا رمى الشهَاب الجني لم يخطئه وَيحرق مَا أصَاب وَلَا يقْتله وَعَن الْحسن قَالَ يقْتله فِي أسْرع من طرفَة الْعين وَفِي تَفْسِير ابْن سَلام أَيْضا عَن أبي قَتَادَة أَنه كَانَ مَعَ قوم فَرمى بِنَجْم فَقَالَ لَا تَتبعُوهُ أبصاركم وَفِيه أَيْضا عَن حَفْص أَنه سَأَلَ الْحسن أيتبع بَصَره الْكَوْكَب فَقَالَ قَالَ الله تَعَالَى ﴿وجعلناها رجوما للشياطين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أولم ينْظرُوا فِي ملكوت السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ قَالَ كَيفَ نعلم إِذا لم نَنْظُر إِلَيْهِ لأتبعنه بصرى وَذكر ابْن اسحاق حَدِيث ابْن عَبَّاس وَفِيه كُنَّا إِذا رَأَيْنَاهُ نقُول يَمُوت عَظِيم أَو يُولد عَظِيم والْحَدِيث فِي صَحِيح مُسلم وَلَفظه أَن عبد الله بن عَبَّاس قَالَ أَخْبرنِي رجل من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ من الْأَنْصَار أَنهم بَينا هم جُلُوس عِنْد النَّبِي ﷺ إِذْ رمى بِنَجْم فَاسْتَنَارَ فَقَالَ لَهُم رَسُول الله ﷺ مَا كُنْتُم تَقولُونَ فِي الْجَاهِلِيَّة
стр. 163
إِذا رمى بِمثل هَذَا قَالُوا الله وَرَسُوله أعلم كُنَّا نقُول ولد اللَّيْلَة رجل عَظِيم أَو مَاتَ رجل عَظِيم فَقَالَ رَسُول الله ﷺ فَإِنَّهَا لَا يرْمى بهَا لمَوْت أحد وَلَا لِحَيَاتِهِ وَلَكِن رَبنَا تبَارك اسْمه إِذا قضى أمرا سبح حَملَة الْعَرْش ثمَّ سبح أهل السَّمَوَات الَّذين يَلُونَهُمْ حَتَّى يبلغ التَّسْبِيح أهل هَذِه السَّمَاء الدُّنْيَا ثمَّ يَقُول الَّذين يلون حَملَة الْعَرْش لحملة الْعَرْش مَاذَا قَالَ ربكُم فَيُخْبِرُونَهُمْ مَاذَا قَالَ فيستخبر بعض أهل السَّمَاء بَعْضًا حَتَّى يبلغ الْخَبَر هَذِه السَّمَاء الدُّنْيَا فيخطف الْجِنّ السّمع فيقذفون إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ ويرمون فَمَا جَاءُوا بِهِ على وَجهه فَهُوَ حق وَلَكنهُمْ يقذفون فِيهِ وَيزِيدُونَ وَفِي هَذَا دَلِيل على مَا قدمْنَاهُ من أَن الْقَذْف بالنجوم قد كَانَ قَدِيما وَلكنه إِذْ بعث رَسُول الله ﷺ غلظ وشدد كَمَا قَالَ الزُّهْرِيّ ملئت السَّمَاء حرسا شَدِيدا وشهبا وَقَوله فِي آخر الحَدِيث من رِوَايَة ابْن اسحاق وَقد انْقَطَعت الكهانة الْيَوْم فَلَا كهَانَة يدل قَوْله الْيَوْم على تَخْصِيص ذَلِك الزَّمَان كَمَا قدمْنَاهُ وَالَّذِي انْقَطع الْيَوْم وَإِلَى يَوْم الْقِيَامَة أَن تدْرك الشَّيَاطِين مَا كَانَت تُدْرِكهُ فِي الْجَاهِلِيَّة الجهلاء عِنْد تمكنها من سَماع أَخْبَار السَّمَاء وَمَا يُوجد الْيَوْم من كَلَام الْجِنّ على أَلْسِنَة المجانين إِنَّمَا هُوَ خبر مِنْهُم عَمَّا يرونه فِي الأَرْض مِمَّا لَا نرَاهُ نَحن كسرقة سَارِق وخبية فِي مَكَان خَفِي أَو نَحْو ذَلِك وَأَن أخبروا بِمَا سَيكون كَانَ تخرصا وتظننا فيصيبون قَلِيلا ويخطئون كثيرا وَذَلِكَ الْقَلِيل الَّذِي يصيبون فِيهِ هُوَ مَا تَتَكَلَّم بِهِ الْمَلَائِكَة فِي الْعَنَان كَمَا فِي حَدِيث البُخَارِيّ فيطردون بالنجوم فيضيفون إِلَى الْكَلِمَة الْوَاحِدَة أَكثر من مائَة كذبة كَمَا قَالَ ﷺ فِي الحَدِيث الْمُتَقَدّم
وَذكر ان أول الْعَرَب فزع للرمي بالنجوم حِين رمى بهَا للقذف ثَقِيف وَأَنَّهُمْ جَاءُوا إِلَى رجل مِنْهُم يُقَال لَهُ عَمْرو بن امية أحد بني علاج وَكَانَ أدهى الْعَرَب وأكثرها رَأيا فَقَالُوا لَهُ يَا عَمْرو ألم تَرَ مَا حدث فِي السَّمَاء من الْقَذْف بِهَذِهِ النُّجُوم قَالَ بلَى فانظروا فَإِن كَانَت معالم النُّجُوم الَّتِي يهتدى بهَا فِي الْبر وَالْبَحْر وتعرف بهَا الأنواء من الصَّيف والشتاء لما تصلح النَّاس فِي مَعَايشهمْ هِيَ الَّتِي يرْمى بهَا فَهُوَ وَالله طي الدُّنْيَا وهلاك هَذَا الْخلق الَّذِي فِيهَا وان كَانَت نجوما غَيرهَا وَهِي ثَابِتَة فَهَذَا الْأَمر أَرَادَ الله تَعَالَى
стр. 164
بِهَذَا الْخلق وروى ابْن عبد الْبر من طَرِيق أبي دَاوُد بِسَنَدِهِ إِلَى الشّعبِيّ قَالَ لما بعث النَّبِي ﷺ رجمت الشَّيَاطِين بنجوم لم تكن ترْجم بهَا قبل فَأتوا عبد ياليل بن عَمْرو الثَّقَفِيّ فَقَالُوا إِن النَّاس قد فزعوا وأعتقوا رقبتهم وسيبوا أنعامهم لما رَأَوْا فِي النُّجُوم فَقَالَ لَهُم وَكَانَ رجلا أعمى لَا تعجلوا وانظروا فَإِن كَانَت النُّجُوم الَّتِي تعرف فَهِيَ عِنْد فنَاء النَّاس وَإِن كَانَت لَا تعرف فَهِيَ من حدث فنظروا فَإِذا هِيَ نُجُوم لَا تعرف فَقَالُوا هَذَا من حدث فَلم يَلْبَثُوا حَتَّى سمعُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ
فصل
روى أَبُو جَعْفَر الْعقيلِيّ فِي كتاب الصَّحَابَة عَن رجل من بني لَهب يُقَال لَهُ لَهب أَو أَبُو لَهب قَالَ حضرت مَعَ رَسُول الله ﷺ فَذكرت عِنْده الكهانة فَقلت بِأبي أَنْت وَأمي نَحن أول من عرف حراسة السَّمَاء وزجر الشَّيَاطِين ومنعهم من استراق السّمع عِنْد قذف النُّجُوم وَذَلِكَ أننا أجتمعنا إِلَى كَاهِن لنا يُقَال لَهُ خطر بن مَالك وَكَانَ شَيخا كَبِيرا قد أَتَت عَلَيْهِ مِائَتَان وَثَمَانُونَ سنة وَكَانَ من أعلم كهاننا فَقُلْنَا يَا خطر هَل عنْدك علم من هَذِه النحوم الَّتِي يرْمى بهَا فَإنَّا قد فزعنا لَهَا وخشينا سوء عَاقبَتهَا فَقَالَ ... عودوا إِلَى السحر ... أخْبركُم الْخَبَر
ألخير أم ضَرَر ... أَو لأمن أَو حذر ...
قَالَ فانصرفنا عَنهُ يَوْمنَا فَلَمَّا كَانَ من غَد وَجه السحر أتيناه فَإِذا هُوَ قَائِم على قَدَمَيْهِ شاخص فِي السَّمَاء بِعَيْنيهِ فناديناه يَا خطر يَا خطر فَأَوْمأ إِلَيْنَا أَمْسكُوا فأمسكنا فانقض نجم عَلَيْهِ من السَّمَاء وصرخ الكاهن رَافعا صَوته ... أَصَابَهُ أصابة ... خامره عِقَابه
عاجله عَذَابه ... احرقه شهابه
يَا ويله مَا حَاله ... بلبله بلباله
عاوده خباله ... تفصمت حباله
وغيرت أَحْوَاله
ثمَّ أمسك طَويلا وَقَالَ ... يَا معشر بني قحطان ... أخْبركُم بِالْحَقِّ وَالْبَيَان
أَقْسَمت بِالْكَعْبَةِ والاركان ... والبلد المؤتمن السدان ...
стр. 165
. قد منع السّمع عناة الجان ... بثاقب بكف ذِي سُلْطَان
من أجل مَبْعُوث عَظِيم الشَّأْن ... يبْعَث بالتنزيل وَالْقُرْآن
وبالهدى وفاضل الْقُرْآن ... يبطل بِهِ عبَادَة الْأَوْثَان ...
فَقُلْنَا لَهُ وَيحك يَا خطر إِنَّك لتذكر أمرا عَظِيما فَمَاذَا ترى لقَوْمك فَقَالَ ... أرى لقومي مَا أرى لنَفْسي ... إِن يتبعوا خير نَبِي الْإِنْس
برهانه مثل شُعَاع الشَّمْس ... يبْعَث فِي مَكَّة دَار الْخمس
بمحكم التَّنْزِيل غير اللّبْس
فَقُلْنَا لَهُ يَا خطر وَمِمَّنْ هُوَ فَقَالَ والحياة والعيش إِنَّه لمن قُرَيْش مَا فِي حكمه طيش وَلَا فِي خلقه هيش يكون فِي جَيش وَأي جَيش من آل قحطان وَآل إيش فَقُلْنَا لَهُ بَين لنا من أَي قُرَيْش هُوَ فَقَالَ وَالْبَيْت ذِي الدعائم والركن والأحائم إِنَّه لمن نجل هَاشم من معشر أكارم يبْعَث بالملاحم وَقتل كل ظَالِم ثمَّ قَالَ هَذَا هُوَ الْبَيَان أَخْبرنِي بِهِ رَئِيس الجان ثمَّ قَالَ الله أكبر جَاءَ الْحق وَظهر وَانْقطع عَن الْجِنّ الْخَبَر ثمَّ سكت وأغمي عَلَيْهِ فَمَا أَفَاق إِلَّا بعد ثَلَاثَة فَقَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لقد نطق عَن مثل نبوة وَإنَّهُ ليَبْعَث يَوْم الْقِيَامَة أمة وَحده قَوْله اصابه إِصَابَة الثَّانِي بِكَسْر الْهمزَة وَهِي بدل من وَاو مَكْسُورَة وَالْمعْنَى أَصَابَهُ وصابه جمع وصب وَقَوله من آل قحطان هم الْأَنْصَار لأَنهم من قحطان وَآل إيش قَالَ السُّهيْلي يحْتَمل أَن يكون قَبيلَة من الْجِنّ الْمُؤمنِينَ ينسبون إِلَى إيش قلت ذكر ابْن دُرَيْد أَن بني الشَّيْطَان وَبني إيش قبيلتان من الْجِنّ ثمَّ قَالَ السُّهيْلي وَأَحْسبهُ أَرَادَ بآل إيش بني إقيش وهم حلفاء الْأَنْصَار من الْجِنّ فَحذف من الِاسْم حرفا وَقد تفعل الْعَرَب مثل هَذَا وَقد وَقع ذكر بني أقيش فِي السِّيرَة فِي حَدِيث الْبيعَة قلت وَقد وَقع ذكر بَين الشَّيْطَان وَبني أقيش فِي قصَّة وأنهما حَيَّان من الْجِنّ وَقد ذكرتها فِي أَمر الْجِنّ الَّذين سمعُوا الْقُرْآن من النَّبِي ﷺ
وَقَوله والأحائم يجوز أَن يكون أَرَادَ الأحاوم بِالْوَاو فهمز الْوَاو لانكسارها والأحاوم جمع أحوام وأحوام جمع حوم وَهُوَ المَاء فِي الْبِئْر فَكَأَنَّهُ أَرَادَ مَاء زَمْزَم والحوم أَيْضا إبل كَثِيرَة ترد المَاء فَكَأَنَّهُ أَرَادَ مَاء
стр. 166
زَمْزَم وَيجوز أَن يُرِيد بهَا الطير الَّتِي تحوم على المَاء فَيكون بِمَعْنى الحوائم وقلب اللَّفْظ فَصَارَ بعد فواعل افاعل وَالله أعلم وروى ابْن اسحاق حَدِيث عمر ابْن الْخطاب وقصته مَعَ سَواد بن قَارب وروى غير ابْن اسحاق هَذَا الْخَبَر عَن عمر وَأَن عمر مازح سوادا فَقَالَ مَا فعلت كهانتك يَا سَواد فَغَضب سَواد فَقَالَ قد كنت أَنا وَأَنت على شَرّ من هَذَا من عبَادَة الْأَصْنَام وَأكل الميتات أفتعيرني بِأَمْر قد تبت مِنْهُ فَقَالَ عمر حِينَئِذٍ الْهم غفرانك والْحَدِيث فِي صَحِيح البُخَارِيّ أخصر وَفِي الْأَلْفَاظ اخْتِلَاف وَقد روى فِي الحَدِيث زِيَادَة حَسَنَة وَهِي أَن سوادا حدث عمر أَن رئيه جَاءَهُ ثَلَاث لَيَال مُتَوَالِيَات هُوَ فِيهَا كلهَا بَين النَّائِم وَالْيَقظَان فَقَالَ لَهُ قُم يَا سَواد اسْمَع مَقَالَتي واعقل إِن كنت تعقل قد بعث رَسُول الله ﷺ من لؤَي من غَالب يَدْعُو إِلَى الله وعبادته وأنشده فِي كل لَيْلَة من الثَّلَاث لَيَال ثَلَاثَة أَبْيَات مَعْنَاهَا وَاحِد وقافيتها مُخْتَلفَة
فِي الأولى ... عجبت للجن وتطلابها ... وشدها العيس بأقتابها
تهوى إِلَى مَكَّة تبغي الْهدى ... مَا صَادِق الْجِنّ ككذابها
فأرحل إِلَى الصفوة من هَاشم ... لَيْسَ قداماها كأذنابها ...
وَفِي الثَّانِيَة ... عجبت للجن وإبلاسها ... وشدها العيس بأحلاسها
تهوى إِلَى مَكَّة تبغي الْهدى ... مَا طَاهِر الْجِنّ كأنجاسها
فارحل على الصفوة من هَاشم لَيْسَ ذنابا الطير من رَأسهَا ...
وَفِي الثَّالِثَة ... عجبت للجن وتنفارها ... وشدها العيس بأكوارها
تهوى إِلَى مَكَّة تبغي الْهدى ... مَا مُؤمن الْجِنّ ككفارها
فارحل إِلَى الأتقين من هَاشم ... لَيْسَ ذَوُو الشَّرّ كأخيارها ...
وَذكر تَمام الْخَبَر فَقَالَ لَهُ عمر هَل يَأْتِيك رئيك الْآن فَقَالَ مُنْذُ الْقُرْآن لم يأتني وَنعم الْعِوَض كتاب الله من الْجِنّ وَفِي آخِره شعر
стр. 167
سَواد إِذْ قدم على رَسُول الله ﷺ وأنشده مَا كَانَ من الْجِنّ رئيه إِلَيْهِ ثَلَاث لَيَال مُتَوَالِيَات وَذكر قَوْله ... أَتَانِي نجيي بعد هدء ورقدة ... وَلم يَك فِيمَا قد بلوت بكاذب
ثَلَاث لَيَال قَوْله كل لَيْلَة ... أَتَاك نَبِي من لؤَي بن غَالب
فَرفعت أذيال الْإِزَار وشمرت ... بِي العرمس الوجنا هجول السباسب
فَأشْهد أَن الله لَا شَيْء غَيره ... وَأَنَّك مَأْمُون على كل غَائِب
وَأَنَّك أدنى الْمُرْسلين وَسِيلَة ... من الله بِابْن الأكرمين الأطايب
فمرنا بِمَا يَأْتِيك من وَحي رَبنَا ... وَإِن كَانَ مِمَّا جِئْت شيب الذوائب
وَكن لي شَفِيعًا يَوْم لاذو شَفَاعَة ... بمغن فتيلا عَن سَواد بن قَارب ...
فَضَحِك النَّبِي ﷺ حَتَّى بَدَت نَوَاجِذه وَقَالَ لي أفلحت يَا سَواد وَقَالَ أَبُو بكر بن مُحَمَّد الْقرشِي حَدثنَا أَبُو الْأَحْوَص مُحَمَّد ابْن الْهَيْثَم حَدثنَا عَمْرو بن عُثْمَان حَدثنَا ابو عُثْمَان بن سعيد بن كثير ابْن دِينَار حَدثنَا عبد الله بن عبد الْعَزِيز الزُّهْرِيّ حَدثنِي أخي مُحَمَّد ابْن عبد الْعَزِيز عَن ابْن شهَاب عَن عبد الرَّحْمَن بن أنس السّلمِيّ عَن عَبَّاس ابْن مرداس قَالَ كَانَ إِسْلَام عَبَّاس بن مرداس أَنه كَانَ فِي لقاح نصف النَّهَار إِذْ طلعت نعَامَة بَيْضَاء عَلَيْهَا رَاكب عَلَيْهِ ثِيَاب مثل اللَّبن قَالَ فَقَالَ لي يَا عَبَّاس ألم تَرَ أَن السَّمَاء بثت احراسها وَأَن الْجِنّ جرعت أنفاسها وَأَن الْخَيل وضعت أحلاسها وان الَّذِي نزل بِالْبرِّ وَالتَّقوى يَوْم الأثنين لَيْلَة الثُّلَاثَاء صَاحب النَّاقة القصوى قَالَت فَخرجت مَرْعُوبًا قد راعني مَا رَأَيْت وَسمعت حَتَّى جِئْت وثنا لنا يدعى الضمار كُنَّا نعبده ونكلم من جَوْفه فَدخلت عَلَيْهِ فكنست مَا حوله وَقمت ثمَّ تمسحت بِهِ وقبلته فَإِذا صائح يَصِيح من جَوْفه يَا عَبَّاس ... قل للقبائل من سليم كلهَا ... هلك الضمار وفاز أهل الْمَسْجِد
هلك الضمار وَكَانَ يعبد مرّة ... قبل الصَّلَاة إِلَى النَّبِي مُحَمَّد
ذَاك الَّذِي جا بِالنُّبُوَّةِ وَالْهدى ... بعد ابْن مَرْيَم من قُرَيْش مهتدى ...
قَالَ فَخرجت مَرْعُوبًا حَتَّى جِئْت قومِي فقصصت عَلَيْهِم الْقِصَّة وَأَخْبَرتهمْ الْخَبَر قَالَ فَخرجت فِي ثَلَاثمِائَة من قومِي من بني حَارِثَة إِلَى
стр. 168
رَسُول الله ﷺ بِالْمَدِينَةِ فَتَبَسَّمَ ثمَّ قَالَ يَا عَبَّاس كَيفَ كَانَ إسلامك فقصصت عَلَيْهِ الْقِصَّة فسر بذلك وَأسْلمت أَنا وقومي وَقَالَ أَبُو بكر الْقرشِي حَدثنَا حَاتِم بن اللَّيْث الْجَوْهَرِي حَدثنِي سليم بن عبد الْعَزِيز الزُّهْرِيّ حَدثنِي أبي عبد الْعَزِيز بن عمرَان عَن عَمه مُحَمَّد بن عد الْعَزِيز عَن ابيه عمر بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف قَالَ لما ولد رَسُول الله ﷺ هَتَفت الْجِنّ على أبي قبيس وعَلى الْجَبَل الَّذِي بالحجون ... فأقسم لَا أُنْثَى من النَّاس أنجبت ... وَلَا ولدت أُنْثَى من النَّاس واحده
كَمَا ولدت زهرية ذَات مفخر ... مجنبة لوم الْقَبَائِل ماجده
فقد ولدت خير الْقَبَائِل أحمدا ... فَأكْرم بمولود وَأكْرم بوالده ...
وَقَالَ الَّذِي على أبي قبيس ... يَا سَاكِني الْبَطْحَاء لَا تغلطوا ... وميزوا الْأَمر بعقل مضى
إِن بني زهرَة من سركم ... فِي غابر الدَّهْر وَعند الْبَدِيِّ
وَاحِدَة مِنْكُم فهاتوا لنا ... فِيمَن مضى فِي النَّاس أَو من بَقِي
وَاحِدَة من غَيْركُمْ وَمثلهَا ... جَنِينهَا مثل النَّبِي التقى ...
وروى البُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَن عبد الله بن عمر قَالَ مَا سَمِعت عمر يَقُول لشَيْء قطّ إِنِّي لأظنه كَذَا إِلَّا كَانَ كَمَا يظنّ بَينا عمر جَالس إِذْ مر بِهِ رجل جميل فَقَالَ لقد أَخطَأ ظَنِّي أَو أَن هَذَا على دينه فِي الْجَاهِلِيَّة أَو لقد كَانَ كاهنهم على بِالرجلِ فدعى لَهُ فَقَالَ لَهُ عمر لقد أَخطَأ ظَنِّي أَو أَنَّك على دينك فِي الْجَاهِلِيَّة أَو لقد كنت كاهنهم فَقَالَ مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ اسْتقْبل بِهِ رجل مُسلم قَالَ فَإِنِّي أعزم عَلَيْك إِلَّا مَا أَخْبَرتنِي قَالَ كنت كاهنهم فِي الْجَاهِلِيَّة قَالَ فَمَا أعجب مَا جاءتك بِهِ جنيتك قَالَ بَينا انا فِي سوق يَوْمًا جَاءَتْنِي أعرف فِيهَا الْفَزع فَقَالَت ... ألم تَرَ إِلَى الْجِنّ وإبلاسها ... ويأسها بعد إبلاسها
ولحوقها بالقلاص وأحلامها ...
قَالَ عمر صدق بَينا أَنا قَائِم عِنْد آلِهَتهم إِذْ جَاءَ رجل بعجل فذبحه فَصَرَخَ بِهِ صارخ لم اسْمَع قطّ صَارِخًا أَشد صَوتا مِنْهُ يَقُول يَا جليح أَمر
стр. 169
نجيح رجل يَصِيح يَقُول لَا إِلَه إِلَّا الله فَوَثَبَ الْقَوْم فَقلت لَا أَبْرَح حَتَّى أعلم مَا وَرَاء هَذَا ثمَّ نَادَى يَا جليح أَمر نجيح رجل يَصِيح يَقُول لَا إِلَه إِلَّا الله قلت لَا أَبْرَح حَتَّى أعلم مَا وَرَاء هَذَا ثمَّ نَادَى يَا جليح أَمر نجيح رجل يَصِيح يَقُول لَا إِلَه إِلَّا الله فَمَا نشبت أَن قيل هَذَا نَبِي قَالَ الْبَيْهَقِيّ ظَاهر هَذِه الرِّوَايَة يُوهم أَن عمر نَفسه سمع الصَّارِخ يصْرخ من الْعجل الَّذِي ذبح وَكَذَلِكَ هُوَ صَرِيح فِي رِوَايَة عَن عمر فِي إِسْلَامه وَسَائِر الرِّوَايَات تدل على أَن هَذَا الكاهن أخبر بذلك عَن رُؤْيَته وسماعه وَالله أعلم
وَقد روى الإِمَام أَحْمد عَن مُجَاهِد قَالَ حَدثنَا شيخ أدْرك الْجَاهِلِيَّة وَنحن فِي غَزْوَة رودس يُقَال لَهُ ابْن عِيسَى قَالَ كنت اسوق لآل لنا بقرة فَسمِعت من جوفها يال ذريح يَا قَول فصيح رجل يَصِيح أَن لَا إِلَه إِلَّا الله قَالَ فقدمنا مَكَّة فَوَجَدنَا النَّبِي ﷺ قد خرج بِمَكَّة قَالَ عبد الله بن احْمَد حَدِيث غَرِيب بِإِسْنَاد جيد وروى الْبَيْهَقِيّ بِسَنَدِهِ قصَّة مَازِن الطَّائِي وَأَنه كَانَ بِأَرْض عمان بقرية تدعى شمائل وَكَانَ يسدن الْأَصْنَام لأَهله وَكَانَ لَهُ صنم يُقَال لَهُ ناجر فَقَالَ مَازِن فعترت ذَات يَوْم عتيرة وَهِي الذَّبِيحَة فَسمِعت صَوتا من الصَّنَم يَقُول يَا مَازِن يَا مَازِن أقبل إِلَيّ أقبل إِلَيّ تسمع مَا لَا تجْهَل هَذَا نَبِي مُرْسل جَاءَ بِحَق منزل فَآمن بِهِ كي تعدل عَن حر نَار تشعل وقودها بالجندل قَالَ مَازِن فَقلت وَالله إِن هَذَا لعجب ثمَّ عترت بعد أَيَّام عتيرة أُخْرَى فَسمِعت صَوتا أَشد من الأول وَهُوَ يَقُول يَا مَازِن اسْمَع تسر ظهر خير وبطن شَرّ بعث نَبِي مُضر بدين الله الْأَكْبَر فدع نحيتا من حجر تسلم من حر سقر قَالَ مَازِن فَقلت وَالله إِن هَذَا لعجب وَأَنه لخير يُرَاد بِي وَقد مر علينا رجل من أهل الْحجاز فَقُلْنَا مَا الْخَبَر وَرَاءَك قَالَ خرج رجل من تهَامَة يَقُول لمن أَتَاهُ أجِيبُوا دَاعِي الله يُقَال لَهُ احْمَد قَالَ فَقلت هَذَا وَالله نبأ مَا سَمِعت فسرت إِلَى الصَّنَم فَكَسرته جذاذا وشددت رَاحِلَتي ورحلت حَتَّى أتيت رَسُول الله ﷺ فشرح الله صَدْرِي إِلَى الْإِسْلَام فَأسْلمت وأنشأت أَقُول ... كسرت ناجر أجذاذا وَكَانَ لنا ... رَبًّا نطيف بِهِ ضلا بتضلال
بالهاشمي هدَانَا من ضلالتنا ... وَلم يكن دينه مني على بَال ...
стр. 170
. يَا رَاكِبًا بَلغنِي عمرا وَإِخْوَته ... إِنِّي لمن قَالَ رَبِّي ناجر قالى ...
يَعْنِي بِعَمْرو وَإِخْوَته بن خطامة قَالَ مَازِن فَقلت يَا رَسُول الله إِنِّي امْرُؤ مولع بالطرب وَشرب الْخمر وبالهلوك من النِّسَاء فألحت علينا السنون فاذهبن الْأَمْوَال وأهزلهن الذَّرَارِي وَالرِّجَال وَلَيْسَ لي ولد فَادع الله أَن يذهب عني مَا أجد ويأتيني بِالْحَيَاةِ ويهب لي ولدا فَقَالَ النَّبِي ﷺ الْهم أَبَد لَهُ بالطرب قِرَاءَة الْقُرْآن وبالحرام الْحَلَال وبالخمر ريا لَا إِثْم فِيهِ وبالعهر عفة الْفرج وأته بالحيا وهب لَهُ ولدا قَالَ مَازِن فَأذْهب الله عني كل مَا كنت أجد وأخصب عمان وَتَزَوَّجت أَربع حرائر ووهب لي حَيَّان بن مَازِن وأنشأت أَقُول ... إِلَيْك رَسُول الله حنت مطيتي ... تجوب الفيافي من عمان إِلَى العرج
لتشفع لي يَا خير من وطئ الْحَصَى ... فَيغْفر لي رَبِّي فأرجع بالفلج
إِلَى معشر خَالَفت فِي الله دينهم ... فَلَا رَأْيهمْ رَأْيِي وَلَا سرجهم سرجي
وَكنت امْرأ بالعزف وَالْخمر مُولَعا ... حَياتِي حَتَّى آذن الْجِسْم بالنهج
فبدلني بِالْخمرِ خوفًا وخشية ... وبالعهر أحصانا وحصن لي فَرجي
فَأَصْبَحت همي فِي جِهَاد ونيتي ... فَللَّه مَا صومي وَللَّه مَا حجي ...
قَالَ مَازِن فَلَمَّا رجعت إِلَى قومِي أنبوني وشتموني وَأمرُوا شَاعِرهمْ فهجاني فَقلت إِن هجوتهم فَإِنَّمَا أهجو نَفسِي فتركتهم وأنشأت أَقُول ... شتمكم عندنَا مر مذاقته ... وشتمنا عنْدكُمْ يَا قَومنَا حسن
لَا ينشب الدَّهْر إِن بثت معائبكم ... وكلكم أبدا فِي عينا فطن
شَاعِرنَا مفحم عَنْكُم وشاعركم ... فِي حربنا مبلغ فِي شَتمنَا لسن
مَا فِي الصُّدُور عَلَيْكُم من منغصة ... وَفِي صدوركم الْبغضَاء والأحن ...
وروى أَن مازنا لما تنحى عَن قومه أَتَى موضعا فابتنى مَسْجِدا يتعبد فِيهِ فَهُوَ لَا يَأْتِيهِ مظلوم يتعبد فِيهِ ثَلَاثًا ثمَّ يَدْعُو محقا على من ظلمه يَعْنِي إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ فيكاد يعافى من البرص وَالْمَسْجِد يدعى مبرصا إِلَى الْيَوْم قَالَ مَازِن ثمَّ إِن الْقَوْم ندموا وَكنت الْقيم بأمورهم فَقَالُوا مَا عسينا ان نصْنَع بِهِ فَجَاءَنِي طَائِفَة عَظِيمَة فَقَالُوا يَا ابْن عَم عبنا عَلَيْك أمرا فنهيناك عَنهُ فَإِذا تبت فَنحْن تاركوك ارْجع مَعنا فَرَجَعت مَعَهم فأسلموا بعد كلهم
стр. 171
وَقد روى فِي معني حَدِيث مَازِن أَخْبَار كَثِيرَة مِنْهَا حَدِيث عَمْرو بن جبلة فِيمَا سمع من جَوف الصَّنَم يَا عِصَام يَا عِصَام جَاءَ الْإِسْلَام وَذَهَبت الْأَصْنَام وَمِنْهَا حَدِيث طَارق من بني هِنْد بن حرَام يَا طَارق ابْن يَا طَارق بعث النَّبِي الصَّادِق وَمِنْهَا حَدِيث وقشة فِيمَا أخبر بِهِ رئيه فَنظر إِلَى ذُبَاب بن الْحَارِث فَقَالَ يَا ذُبَاب يَا ذُبَاب اسْمَع الْعجب العجاب بعث مُحَمَّد بِالْكتاب يَدْعُو بِمَكَّة لَا يُجَاب وَغير ذَلِك مِمَّا يطول استقصاؤه وَقَالَ عبد الرَّزَّاق أخبرنَا معمر عَن الزُّهْرِيّ أَخْبرنِي عَليّ بن الْحُسَيْن قَالَ إِن أول خبر قدم الْمَدِينَة أَن امْرَأَة من أهل يثرب تدعى فطيمة كَانَ لَهَا تَابع من الْجِنّ فَجَاءَهَا يَوْمًا فَوَقع على جدارها فَقَالَت مَالك لَا تدخل فَقَالَ إِنَّه بعث نَبِي حرم الزِّنَا فَحدثت تِلْكَ الْمَرْأَة عَن تابعها من الْجِنّ فَكَانَ أول خبر حدث بِالْمَدِينَةِ عَن رَسُول الله ﷺ وروى الْبَيْهَقِيّ بِسَنَدِهِ عَن جَابر قَالَ أول خبر قدم الْمَدِينَة عَن النبى ﷺ أَن امْرَأَة من أهل الْمَدِينَة كَانَ لَهَا تَابع فجَاء فى صُورَة طَائِر حَتَّى وَقع على حَائِط دارها فَقَالَت لَهُ الْمَرْأَة انْزِلْ نخبرك وتخبرنا قَالَ لَا إِنَّه بعث بِمَكَّة نبى منع منا الْقَرار وَحرم علينا الزِّنَا وَالله الْمُوفق
الْبَاب الرَّابِع وَالسِّتُّونَ فى إِخْبَار الْجِنّ بنزول النبى ﷺ خيمة أم معبد حِين الْهِجْرَة
قَالَ ابْن إِسْحَاق حدثت عَن أَسمَاء بنت أَبى بكر أَنَّهَا قَالَت لما خرج رَسُول الله ﷺ وَأَبُو بكر أَتَانَا نفر من قُرَيْش فيهم أَبُو جهل فوقفوا على بَاب أَبى بكر فَخرجت إِلَيْهِم فَقَالُوا أَيْن أَبوك يَا بنت أَبى بكر قلت لَا أدرى وَالله أَيْن أَبى قَالَت فَرفع أَبُو جهل يَده وَكَانَ فَاحِشا خبيثا فلطم خدى لطمة طرح مِنْهَا قرطى قَالَت ثمَّ انصرفوا فَمَكثْنَا ثَلَاث لَيَال لَا ندرى أَيْن وَجه رَسُول الله ﷺ حَتَّى أقبل رجل من الْجِنّ من أَسْفَل مَكَّة يتَغَنَّى بِأَبْيَات من شعر غناء الْعَرَب وَإِن النَّاس ليتبعونه يسمعُونَ صَوته وَمَا يرونه حَتَّى خرج من أَسْفَل مَكَّة وَهُوَ يَقُول
стр. 172
. جزى الله رب النَّاس خير جَزَائِهِ ... رَفِيقَيْنِ حلا خَيْمَتي أم معبد
هما نزلا بِالْبرِّ ثمَّ ترحلا ... فأفلح من أَمْسَى رَفِيق مُحَمَّد
لِيهن بني كَعْب مَكَان فَتَاتهمْ ... ومقعدها للْمُؤْمِنين بِمَرْصَد ...
قَالَت أَسمَاء فَلَمَّا سمعنَا قَوْله علمنَا حَيْثُ وَجه رَسُول الله ﷺ وَإِن وَجهه إِلَى الْمَدِينَة لم يزدْ ابْن هِشَام فِي رِوَايَته عَن ابْن اسحاق على هَذَا وروى ابْن قُتَيْبَة الْقِصَّة بِأَلْفَاظ مُخْتَلفَة يقصر شرح ألفاظها وفيهَا زِيَادَة مِنْهَا قَوْله ... فيال قصي مَا زوى الله عَنْكُم ... بِهِ من فعال لَا تجارى وسؤدد
سلوا اختكم عَن شَاتِهَا وإناثها ... فَإِنَّكُم إِن تسألوا الشَّاة تشهد
دَعَاهَا بِشَاة حَائِل فتحلبت ... عَلَيْهِ صَرِيحًا صرة الشَّاة مُزْبِد
فغادرها رهنا لَدَيْهَا لحالب ... يُرَدِّدهَا فِي مصدر ثمَّ مورد ...
ويروى أَن حسان بن ثَابت لما بلغه شعر الجني وَمَا هتف بِهِ بِمَكَّة قَالَ يجِيبه ... لقد خَابَ قوم غَابَ عَنْهُم نَبِيّهم ... وَقدس من يسرى إِلَيْهِم ويغتدى
ترحل عَن قوم فضلت عُقُولهمْ ... وَحل على قوم بِنور مُجَدد
هدَاهُم بِهِ بعد الضَّلَالَة رَبهم ... وأرشدهم من يتبع الْحق يرشد
وَهل يَسْتَوِي ضلال قوم تسفهوا ... عمايتهم هاد بِهِ كل مهتدي
لقد نزلت مِنْهُ على أهل يثرب ... ركاب هدى حلت عَلَيْهِم بِأَسْعَد
نَبِي يرى مَالا يرى النَّاس حوله ... وَيَتْلُو كتاب الله فِي كل مَسْجِد
وَإِن قَالَ فِي يَوْم مقَالَة غَائِب ... فَتَصْدِيقُهَا فِي الْيَوْم أَو فِي ضحى الْغَد
لِيهن أَبَا بكر سَعَادَة جده ... بِصُحْبَتِهِ من يسْعد الله يسْعد ...
وَزَاد يُونُس فِي رِوَايَته أَن قُريْشًا لما سَمِعت الْهَاتِف من الْجِنّ أرْسلُوا إِلَى أم معبد وَهِي بخيمتها فَقَالُوا هَل مر بك مُحَمَّد الَّذِي من حليته كَذَا فَقَالَت لَا أَدْرِي مَا تَقولُونَ وَإِنَّمَا صادفني حالب الشَّاة الْحَائِل وَكَانُوا أَرْبَعَة رَسُول الله ﷺ وَأَبُو بكر ومولاه عَامر بن فهَيْرَة وَعبد الله بن أريقط اللَّيْثِيّ دليلهم وَلم يكن إِذْ ذَاك مُسلما وَلَا صَحَّ أَنه أسلم بعد ذَلِك وَأم معبد اسْمهَا عَاتِكَة بنت خَالِد الاشعري وَوهم ابْن هِشَام
стр. 173
فَقَالَ أم معبد بنت كَعْب امْرَأَة من بني كَعْب وَزوجهَا ابو معبد لَا يعرف اسْمه توفّي فِي حَيَاة رَسُول الله ﷺ وَيُقَال إِن لَهُ رِوَايَة وَكَانَ منزل أم معبد بِقديد
وَذكر ابْن قُتَيْبَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لأم معبد وَكَانَ الْقَوْم مُرْمِلِينَ مُسنَّتَيْنِ فطلبوا لَبَنًا أَو لَحْمًا يشترونه فَلم يَجدوا عِنْدهَا شَيْئا فَنظر إِلَى شَاة فِي كسر الْخَيْمَة خلفهَا الْجهد عَن الْغنم فَسَأَلَهَا هَل بهَا من لبن فَقَالَت هِيَ أجهد من ذَلِك فَقَالَ أَتَأْذَنِينَ لي أَن أَحْلَبَهَا فَقَالَت بِأبي أَنْت وَأمي إِن رَأَيْت بهَا حَلبًا فاحلبها فَدَعَا بِالشَّاة فاعتقلها وَمسح ضرْعهَا فتفاجت وَدرت واجترت ودعا بِإِنَاء يربض الرَّهْط فَحلبَ فِيهِ حَتَّى ملأَهُ لَبَنًا وَسَقَى الْقَوْم حَتَّى رووا ثمَّ شرب آخِرهم ثمَّ حلب فِيهِ مرّة أُخْرَى فَشَرِبُوا نهلا بعد نهل ثمَّ غَادَرَهُ وَالشَّاة عِنْدهَا وذهبوا وَجَاء أَو معبد وَكَانَ غَائِبا فَلَمَّا رأى اللَّبن قَالَ مَا هَذَا يَا أم معبد أَنِّي لَك هَذَا وَالشَّاة عَازِب حِيَال وَلَا حَلُوب بِالْبَيْتِ فَقَالَت لَا وَالله إِلَّا أَنه مر بِنَا رجل مبارك فَقَالَ صَفيه يَا أم معبد فوصفته بِمَا ذكره القتيبي وَورد فِي حَدِيث آخر أَن آل أم معبد كَانُوا يؤرخون بذلك الْيَوْم ويسمونه يَوْم الرجل الْمُبَارك يَقُولُونَ فعلنَا كَيْت وَكَيْت قبل أَن يأتينا الرجل الْمُبَارك أَو بعد مَا جَاءَنَا الرجل الْمُبَارك ثمَّ أَن أم معبد أَتَت الْمَدِينَة بعد ذَلِك بِمَا شَاءَ الله وَمَعَهَا ابْن لَهَا صَغِير قد بلغ السَّعْي فَمر فِي الْمَدِينَة على مَسْجِد رَسُول الله ﷺ وَهُوَ يكلم النَّاس على الْمِنْبَر فَانْطَلق إِلَى أمه يشْتَد وَقَالَ يَا أُمَّاهُ إِنِّي رَأَيْت الْيَوْم الرجل الْمُبَارك فَقَالَت لَهُ وَيحك يَا بني هُوَ رَسُول الله ﷺ وروى هِشَام بن حُبَيْش الكعبي قَالَ أَنا رَأَيْت تِلْكَ الشَّاة يَعْنِي الَّتِي حلبها رَسُول الله ﷺ وَأَنَّهَا لتأدم أم معبد وَجَمِيع صرمها أَي أهل ذَلِك المَاء وَالله أعلم
стр. 174
الْبَاب الْخَامِس وَالسِّتُّونَ فِي إِخْبَار الْجِنّ بِإِسْلَام السعدين
قَالَ أَبُو بكر عبد الله بن مُحَمَّد حَدثنِي أبي عَن هِشَام بن مُحَمَّد أَنبأَنَا عبد الْمجِيد بن أبي عِيسَى بن مُحَمَّد بن أبي عِيسَى بن جُبَير عَن أَبِيه عَن جده قَالَ سَمِعت قُرَيْش صائحا يَصِيح على أبي قبيس ... فَإِن يسلم السعدان يصبح مُحَمَّد ... بِمَكَّة لَا يخْشَى خلاف مُخَالف ...
فَقَالَ أَبُو سُفْيَان وأشراف قُرَيْش من السُّعُود سعد بن بكر وَسعد ابْن زيد مَنَاة وَسعد بن قضاعة فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلَة الثَّانِيَة سمعُوا صَوته على أبي قبيص ... أيا سعد سعد الْأَوْس كن انت ناصرا ... وَيَا سعد سعد الخزرجين الغطارف
أجيبا دَعَا دَاعِي الْهدى وتمنيا ... على الله فِي الفردوس ذَات رفائف ...
قَالَ فَقَالُوا هَذَا سعد بن عبَادَة وَسعد بن معَاذ وَذكره أَبُو عمر ابْن عبد الْبر وَقَالَ أَبُو بكر حَدثنَا الْعَبَّاس بن هِشَام حَدثنِي هِشَام بن مُحَمَّد ابْن عبد الْمجِيد بن أبي عِيسَى قَالَ سمع بِالْمَدِينَةِ فِي بعض اللَّيْل هَاتِف يَقُول ... خير كهلين فِي بني الْخَزْرَج الغر ... يَسِيرُوا سعد بن عبَادَة
المحيبان إِذْ دَعَا أَحْمد الْخَيْر ... فنالتهما هُنَاكَ السَّعَادَة
ثمَّ عاشا مهذبين جَمِيعًا ... ثمَّ لقاهما المليك شَهَادَة ...
стр. 175
الْبَاب السَّادِس وَالسِّتُّونَ فِي إِخْبَار الْجِنّ بِقصَّة بدر
ذكر قَاسم بن ثَابت فِي الدَّلَائِل أَن قُريْشًا حِين تَوَجَّهت إِلَى بدر مر هَاتِف من الْجِنّ على مَكَّة فِي الْيَوْم الَّذِي أوقع بِهِ الْمُسلمُونَ وَهُوَ ينشد بأبعد صَوت وَلَا يرى شخصه ... أزار الحنيفيون بَدْرًا وقيعة ... سينقض مِنْهَا ركن كسْرَى وقيصرا
أبادت رجَالًا من لؤَي وأبرزت ... حرائر يضربن الترائب حسرا
فيا وَيْح من أَمْسَى عَدو مُحَمَّد ... لقد حاد عَن قصد الْهدى وتحيرا ...
فَقَالَ قَائِلهمْ من الحنيفيون فَقَالُوا هُوَ مُحَمَّد وَأَصْحَابه يَزْعمُونَ أَنهم على دين إِبْرَاهِيم الحنيف ثمَّ لم يَلْبَثُوا أَن جَاءَهُم الْخَبَر الْيَقِين وَالله أعلم
الْبَاب السَّابِع وَالسِّتُّونَ فِي إِخْبَار الْجِنّ بِقَتْلِهِم سعد بن عبَادَة
ذكر ابْن عبد الْبر وَغَيره أَن سعد بن عبَادَة كَانَ تخلف عَن بيعَة أبي بكر وَخرج عَن الْمَدِينَة وَلم ينْصَرف إِلَيْهَا إِلَى ان مَاتَ بحوران من أَرض الشَّام لِسنتَيْنِ وَنصف مصتا من خلَافَة عمر وَذَلِكَ سنة خمس عشرَة وَقيل سنة أَربع عشرَة وَقيل بل مَاتَ سعد بن عبَادَة فِي خلَافَة أبي بكر وَقيل سنة إِحْدَى عشرَة وَلم يَخْتَلِفُوا أَنه وجد مَيتا فِي مغتسله وَقد أَخْضَر جسده وَلم يشعروا بِمَوْتِهِ حَتَّى سمعُوا قَائِلا يَقُول وَلَا يرَوْنَ أحدا ... قد قتلنَا سيد الْخَزْرَج ... سعد بن عبَادَة
ورميناه بسهمين ... فَلم نخط فُؤَاده ...
стр. 176
وَيُقَال إِن الْجِنّ قتلته وروى ابْن جريج عَن عَطاء أَنه قَالَ سَمِعت أَن الْجِنّ قَالَت فِي سعد بن عبَادَة فَذكر الْبَيْتَيْنِ وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ يَزْعمُونَ أَن عَلْقَمَة بن صَفْوَان وَحرب بن أُميَّة من قَتْلَى الْجِنّ قَالُوا وَقَالَت الْجِنّ ... وقبر حَرْب بمَكَان قفر ... وَلَيْسَ قرب قبر حَرْب قبر ...
قَالُوا وَمن الدَّلِيل على أَن هَذَا من شعر الْجِنّ أَن أحدا لَا يقدر أَن ينشده ثَلَاث مَرَّات مُتَّصِلَة من غير تتعتع وَيقدر على تكْرَار اشق بَيت من أَبْيَات غير الْجِنّ عشر مَرَّات من غير تتعتع وَالله أعلم
الْبَاب الثَّامِن وَالسِّتُّونَ فِي جَوَاز سُؤال الْجِنّ عَن الْأَحْوَال الْمَاضِيَة دون الْأُمُور الْمُسْتَقْبلَة
قَالَ ابو بكر الْقرشِي حَدثنَا عبد الله بن بدر حَدثنَا يحيى بن يمَان عَن سُفْيَان عَن عمر بن مُحَمَّد عَن سَالم بن عبيد الله قَالَ أَبْطَأَ خبر عمر على أبي مُوسَى فَأتى امْرَأَة فِي بَطنهَا شَيْطَان فجَاء فَسَأَلَهَا عَنهُ فَقَالَت حَتَّى يجِئ إِلَى شيطاني فجَاء فَسَأَلته عَنهُ قَالَ تركته مؤتزرا بكساء يهنأ إبل الصَّدَقَة وَذَاكَ لَا يرَاهُ شَيْطَان إِلَّا خر لمنخره الْملك بَين يَدَيْهِ وروح الْقُدس ينْطق بِلِسَانِهِ وَقَالَ عبد الله بن احْمَد بن حَنْبَل فِي فَضَائِل الصَّحَابَة حَدثنَا دَاوُد ابْن رشيد حَدثنَا الْوَلِيد يَعْنِي ابْن مُسلم عَن عمر بن مُحَمَّد حَدثنَا سَالم ابْن عبد الله قَالَ راث على أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ خبر عمر وَهُوَ أَمِير الْبَصْرَة وَكَانَ بهَا امْرَأَة فِي جنبها شَيْطَان يتَكَلَّم فَأرْسل اليها رَسُولا فَقَالَ لَهَا مري صَاحبك فليذهب فليخبرني عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَت هُوَ بِالْيمن يُوشك أَن يَأْتِي فَمَكَثُوا غير طَوِيل قَالُوا اذْهَبْ فَأخْبرنَا عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِنَّهُ قد راث علينا فَقَالَ إِن ذَلِك الرجل مَا نستطيع أَن ندنو مِنْهُ بَين عَيْنَيْهِ روح الْقُدس وَمَا خلق الله شَيْطَانا يسمع صَوته إِلَّا خر لوجهه وَفِي خبر آخر أَن عمر أرسل جَيْشًا فَقدم شخص إِلَى الْمَدِينَة فَأخْبر أَنهم انتصروا على عدوهم وشاع الْخَبَر فَسَأَلَ عمر عَن ذَلِك فَذكر لَهُ فَقَالَ هَذَا ابو الْهَيْثَم يُرِيد الْمُسلمين من الْجِنّ وَسَيَأْتِي يُرِيد الْإِنْس فجَاء بعد ذَلِك بعدة أَيَّام
стр. 177
فصل
قَالَ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن تَيْمِية أما سُؤال الْجِنّ وسؤال من يسألهم فَهَذَا إِن كَانَ على وَجه التَّصْدِيق لَهُم فِي كل مَا يخبرون بِهِ والتعظيم للسؤال فَهُوَ حرَام كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح عَن مُعَاوِيَة بن الحكم أَن النَّبِي ﷺ قيل لَهُ إِن قوما منا يأْتونَ الْكُهَّان قَالَ فَلَا تأتوهم وَفِي صَحِيح مُسلم عَنهُ ﵊ انه قَالَ من أَتَى عرافا فَسَأَلَهُ عَن شَيْء لم تقبل لَهُ صَلَاة أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأما إِن كَانَ يسْأَل الْمَسْئُول ليمتحن حَاله ويختبر بَاطِن أمره وَعِنْده مَا يُمَيّز بِهِ صدقه من كذبه فَهَذَا جَائِز كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ أَن النَّبِي ﷺ سَأَلَ ابْن صياد فَقَالَ مَا يَأْتِيك قَالَ يأتيني صَادِق وكاذب قَالَ مَا ترى قَالَ ارى عرشا على المَاء قَالَ فَإِنِّي قد خبأت لَك خبيئا قَالَ هُوَ الدخ قَالَ اخْسَأْ فَلَنْ تعدو قدرك فَإِنَّمَا أَنْت من إخْوَان الْكُهَّان وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ يسمع مَا يَقُولُونَ ويخبرون بِهِ عَن الْجِنّ كَمَا يسمع الْمُسلمُونَ مَا يَقُوله الْكفَّار والفجار ليعرفوا مَا عِنْدهم فَكَمَا يسمع خبر الْفَاسِق ويتبين ويتثبت فَلَا يجْزم بصدقه وَلَا بكذبه إِلَّا بِبَيِّنَة كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن جَاءَكُم فَاسق بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن أبي هُرَيْرَة أَن اهل الْكتاب كَانُوا يقرءُون التَّوْرَاة ويفسرونها بِالْعَرَبِيَّةِ فَقَالَ النَّبِي ﷺ إِذا حَدثكُمْ أهل الْكتاب فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تكذبوهم فإمَّا أَن يحدثوكم بِحَق فتكذبوه وَإِمَّا أَن يحدثوكم بباطل فتصدقوه وَقُولُوا آمنا بِاللَّه وَمَا أنزل إِلَيْنَا وَمَا أنزل إِلَيْكُم وإلهنا وإلهكم وَاحِد وَنحن لَهُ مُسلمُونَ فقد جَازَ للْمُسلمين سَماع مَا يَقُولُونَهُ وَإِن لم يصدقوه وَلم يكذبوه ثمَّ سَاق حَدِيث يُرِيد الْجِنّ الَّذِي قدمْنَاهُ وَحَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ الْمُتَقَدّم
رَأْي الْمُؤلف وتعليقه
قلت لَا شكّ أَن الله تَعَالَى أقدر الْجِنّ على قطع الْمسَافَة الطَّوِيلَة فِي الزَّمن الْقصير بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى ﴿قَالَ عفريت من الْجِنّ أَنا آتِيك بِهِ قبل أَن تقوم من مقامك﴾ فَإِذا سَأَلَ سَائل عَن حَادِثَة وَقعت أَو شخص فِي بلد بعيد فَمن الْجَائِز أَن يكون الجني عِنْده علم من تِلْكَ الْحَادِثَة وَحَال ذَلِك الشَّخْص
стр. 178
فيخبر وَمن الْجَائِز أَن لَا يكون عِنْده علم فَيذْهب ويكشف ثمَّ يعود فيخبر وَمَعَهُ هَذَا فَهُوَ خبر وَاحِد لَا يُفِيد غير الظَّن وَلَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ حكم غير الِاسْتِئْنَاس وَسَيَأْتِي فِي الْأَبْوَاب الْآتِيَة أَنْوَاع مِمَّا أخبروا بِهِ عقيب وُقُوعه ثمَّ تبين بعد ذَلِك وُقُوعه بِإِخْبَار الْإِنْس وَأما سُؤَالهمْ عَمَّا لم يَقع وتصديقهم فِيهِ بِنَاء على أَنهم يعلمُونَ الْغَيْب فَكفر وَعَلِيهِ يحمل قَوْله ﷺ لَا تأتوهم وَقَوله من أَتَى عرافا الحَدِيث وَالله أعلم
الْبَاب التَّاسِع وَالسِّتُّونَ فِي شَهَادَة الْجِنّ للمؤذنين يَوْم الْقِيَامَة
فِي صَحِيح البُخَارِيّ والموطأ وَغَيرهمَا من حَدِيث ابْن أبي صعصعة أَن أَبَا سعيد قَالَ لَهُ أَرَاك تحب الْغنم والبادية فَإِذا كنت فِي باديتك أَو غنمك فَأَذنت بِالصَّلَاةِ فارفع صَوْتك بالنداء فَإِنَّهُ لَا يسمع مدى صَوت الْمُؤَذّن جن وَلَا إنس إِلَّا شهد لَهُ يَوْم الْقِيَامَة قَالَ أَبُو سعيد سمعته من رَسُول الله ﷺ
الْبَاب الموفي سبعين فِي نعي الْجِنّ عبد الله بن جدعَان وَفِيه قصَّة إِصَابَته الْكَنْز
قَالَ عبد الله بن مُحَمَّد بن عبيد حَدثنِي أبي حَدثنَا هِشَام بن مُحَمَّد قَالَ أَخْبرنِي مَعْرُوف بن خَرَّبُوذ عَن أبي الطُّفَيْل عَامر بن وائلة قَالَ أَخْبرنِي شيخ من أهل مَكَّة عَن الْأَعْشَى بن إلْيَاس بن زُرَارَة التَّمِيمِي حَلِيف بني عبد الدَّار قَالَ خرجت مَعَ نفر من قُرَيْش نُرِيد الشَّام فنزلنا بواد يُقَال لَهُ وَادي عَوْف فعرسنا بِهِ فَاسْتَيْقَظت فِي بعض اللَّيْل فَإِذا أَنا بقائل يَقُول ... أَلا هلك النساك غيث بني فهر ... وَذُو الباع وَالْمجد التليد وَذُو الْفَخر ...
فَقلت فِي نَفسِي وَالله لأجيبنه فَقلت ... أَلا أَيهَا الناعي أَخا الْجُود وَالْفَخْر ... من الْمَرْء تنعاه لنا من بني فهر ...
стр. 179
فَقَالَ ... نعيت ابْن جدعَان بن عَمْرو أَخا الندى ... وَذَا الْحسب القدموس والمنصب الْقَهْر ...
فَقلت ... لعمري لقد نوهت بالسيد الَّذِي ... لَهُ الْفضل مَعْرُوفا على ولد النَّضر ...
فَقَالَ ... مَرَرْت بنسوان يخمشن أوجبهَا ... صياحا عَلَيْهِ بَين زَمْزَم وَالْحجر ...
فَقلت ... مَتى إِن عهدي فِيهِ مُنْذُ عرُوبَة ... وَتِسْعَة أَيَّام لغرة ذَا الشَّهْر ...
فَقَالَ ... ثوى مُنْذُ أَيَّام ثَلَاث أَيَّام كوامل ... مَعَ اللَّيْل أَو فِي اللَّيْل أَو وضح الْفجْر ...
فَاسْتَيْقَظت الرّفْقَة فَقَالُوا من تخاطب فَقلت هَذَا هَاتِف ينعى ابْن جدعَان فَقَالُوا وَالله لَو بَقِي اُحْدُ بشرف أَو عز أَو كَثْرَة مَال لبقي عبد الله بن جدعَان فَقَالَ ذَلِك الْهَاتِف ... أرى الْأَيَّام لَا تبقى عَزِيزًا ... لعزته وَلَا تبقي ذليلا ...
فَقلت ... وَلَا تبقى من الثقلَيْن شغرا ... وَلَا تبقي الحزون وَلَا السهولا ...
قَالَ فَنَظَرْنَا فِي تِلْكَ اللَّيْلَة فرجعنا إِلَى مَكَّة فوجدناه قد مَاتَ كَمَا قَالَ
قلت عبد الله بن جدعَان بن عَمْرو بن كَعْب بن سعد بن تيم يكنى أَبَا زُهَيْر هُوَ ابْن عَم عَائِشَة الصديقة كَانَ فِي ابْتِدَاء أمره صعلوكا وَكَانَ مَعَ ذَلِك شريرا لَا يزَال يجني الْجِنَايَات فيعقل عَنهُ أَبوهُ وَقَومه حَتَّى أبغضته عشيرته ونفاه أَبوهُ وَحلف أَن لَا يؤويه أبدا لما أثقله من الْغرم وَحمله من الدِّيات فَخرج فِي شعاب مَكَّة حائرا يتَمَنَّى نزُول الْمَوْت بِهِ فَدخل فِي شقّ جبل يَرْجُو أَن يكون فِيهِ مَا يقْتله ليستريح فَإِذا ثعبان عَظِيم لَهُ عينان تقدان كالسراجين فَحمل عَلَيْهِ الثعبان فأفرج لَهُ فانساب عَنهُ مستديرا بدارة عِنْدهَا بَيت فخطا خطْوَة أُخْرَى فَصَعدَ بِهِ الثعبان وَأَقْبل اليه كالسهم فأفرج لَهُ
стр. 180
فانساب فَوَقع فِي نَفسه أَنه مَصْنُوع فأمسكه فَإِذا هُوَ مَصْنُوع من ذهب وَعَيناهُ ياقوتتان فَكَسرهُ وَأخذ عَيْنَيْهِ وَدخل الْبَيْت فَإِذا جثث طوال على سرر لم ير مثلهم طولا وعظما وَعند رؤوسهم لوح من فضَّة فِيهِ تاريخهم فَإِذا هم رجال من مُلُوك جرهم وَآخرهمْ موتا الْحَارِث بن مضاض صَاحب الْقرْيَة الطَّوِيلَة وَإِذا عَلَيْهِم ثِيَاب لَا يمس مِنْهَا شَيْء إِلَى أنتثر كالهباء من طول الزَّمن قَالَ ابْن هِشَام كَانَ اللَّوْح من رُخَام وَكَانَ فِيهِ أَبُو نفيلة بن عبد المدان ابْن خشرم بن عبد ياليل بن جرهم بن قحطان بن هود نَبِي الله عِشْت خَمْسمِائَة عَام وَقطعت غور الأَرْض بَاطِنهَا وظاهرها فِي طلب الثروة وَالْمجد وَالْملك فَلم يكن ذَلِك ينجيني من الْمَوْت وَتَحْته مَكْتُوب ... قد قطعت الْبِلَاد فِي طلب الثروة ... وَالْمجد قالص الأثواب
وسريت الْبِلَاد قفرا لقفر ... بقناتي وقوتي واكتسابي
فَأصَاب الردى سَواد فُؤَادِي ... بسهام من المنايا صعاب
فانقضت شرتي واقصر جهلي ... واستراحت عواذلي من عتابي
وَدفعت السفاه بالحلم لما ... نزل الشيب فِي مَحل الشَّبَاب
صَاح هَل رَأَيْت أَو سَمِعت براع ... رد فِي الضَّرع مَا قرى فِي الحلاب ...
وَإِذا فِي وسط الْبَيْت كوم عَظِيم من الْيَاقُوت واللؤلؤ وَالذَّهَب وَالْفِضَّة والزبرجد فَأخذ مِنْهُ مَا أَخذ ثمَّ علم على الشق بعلامة وأغلق بَابه بِالْحِجَارَةِ وَأرْسل إِلَى أَبِيه بِالْمَالِ الَّذِي خرج بِهِ يسترضيه ويستعطفه وَوصل عشيرته كلهم وسادهم وَجعل ينْفق من ذَلِك الْكَنْز وَيطْعم النَّاس وَيفْعل الْمَعْرُوف فَلَمَّا كبر وهرم أَرَادَ بَنو تَمِيم أَن يمنعوه من تبذير مَاله ولاموه فِي الْعَطاء فَكَانَ يَدْعُو الرجل فَإِذا دنا مِنْهُ لطمه لطمة خَفِيفَة ثمَّ يَقُول قُم فَأَنْشد لطمتك واطلب دِيَتهَا فَإِذا فعل أَعطَتْهُ بَنو تَمِيم من مَال ابْن جدعَان حَتَّى يرضى وَذكر ابْن قُتَيْبَة فِي غَرِيب الحَدِيث أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ كنت أستظل بِظِل جَفْنَة عبد الله بن جدعَان صَكَّة عمى يَعْنِي بالهاجرة قَالَ ابْن قُتَيْبَة كَانَت جفنته يَأْكُل مِنْهَا الرَّاكِب على الْبَعِير وَسقط فِيهَا صبي فغرق أَي مَاتَ وَكَانَ أُميَّة بن أبي الصَّلْت قبل أَن يمدحه اتى بني الديَّان من بني الْحَارِث بن كَعْب فراى طَعَام بني عبد المدان مِنْهُم لباب الْبر والشهد
следующие страницы →