Полный текст (283 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وَيُقَال إِن الْجِنّ قتلته وروى ابْن جريج عَن عَطاء أَنه قَالَ سَمِعت أَن الْجِنّ قَالَت فِي سعد بن عبَادَة فَذكر الْبَيْتَيْنِ وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ يَزْعمُونَ أَن عَلْقَمَة بن صَفْوَان وَحرب بن أُميَّة من قَتْلَى الْجِنّ قَالُوا وَقَالَت الْجِنّ ... وقبر حَرْب بمَكَان قفر ... وَلَيْسَ قرب قبر حَرْب قبر ...
قَالُوا وَمن الدَّلِيل على أَن هَذَا من شعر الْجِنّ أَن أحدا لَا يقدر أَن ينشده ثَلَاث مَرَّات مُتَّصِلَة من غير تتعتع وَيقدر على تكْرَار اشق بَيت من أَبْيَات غير الْجِنّ عشر مَرَّات من غير تتعتع وَالله أعلم
الْبَاب الثَّامِن وَالسِّتُّونَ فِي جَوَاز سُؤال الْجِنّ عَن الْأَحْوَال الْمَاضِيَة دون الْأُمُور الْمُسْتَقْبلَة
قَالَ ابو بكر الْقرشِي حَدثنَا عبد الله بن بدر حَدثنَا يحيى بن يمَان عَن سُفْيَان عَن عمر بن مُحَمَّد عَن سَالم بن عبيد الله قَالَ أَبْطَأَ خبر عمر على أبي مُوسَى فَأتى امْرَأَة فِي بَطنهَا شَيْطَان فجَاء فَسَأَلَهَا عَنهُ فَقَالَت حَتَّى يجِئ إِلَى شيطاني فجَاء فَسَأَلته عَنهُ قَالَ تركته مؤتزرا بكساء يهنأ إبل الصَّدَقَة وَذَاكَ لَا يرَاهُ شَيْطَان إِلَّا خر لمنخره الْملك بَين يَدَيْهِ وروح الْقُدس ينْطق بِلِسَانِهِ وَقَالَ عبد الله بن احْمَد بن حَنْبَل فِي فَضَائِل الصَّحَابَة حَدثنَا دَاوُد ابْن رشيد حَدثنَا الْوَلِيد يَعْنِي ابْن مُسلم عَن عمر بن مُحَمَّد حَدثنَا سَالم ابْن عبد الله قَالَ راث على أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ خبر عمر وَهُوَ أَمِير الْبَصْرَة وَكَانَ بهَا امْرَأَة فِي جنبها شَيْطَان يتَكَلَّم فَأرْسل اليها رَسُولا فَقَالَ لَهَا مري صَاحبك فليذهب فليخبرني عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَت هُوَ بِالْيمن يُوشك أَن يَأْتِي فَمَكَثُوا غير طَوِيل قَالُوا اذْهَبْ فَأخْبرنَا عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِنَّهُ قد راث علينا فَقَالَ إِن ذَلِك الرجل مَا نستطيع أَن ندنو مِنْهُ بَين عَيْنَيْهِ روح الْقُدس وَمَا خلق الله شَيْطَانا يسمع صَوته إِلَّا خر لوجهه وَفِي خبر آخر أَن عمر أرسل جَيْشًا فَقدم شخص إِلَى الْمَدِينَة فَأخْبر أَنهم انتصروا على عدوهم وشاع الْخَبَر فَسَأَلَ عمر عَن ذَلِك فَذكر لَهُ فَقَالَ هَذَا ابو الْهَيْثَم يُرِيد الْمُسلمين من الْجِنّ وَسَيَأْتِي يُرِيد الْإِنْس فجَاء بعد ذَلِك بعدة أَيَّام
стр. 177
فصل
قَالَ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن تَيْمِية أما سُؤال الْجِنّ وسؤال من يسألهم فَهَذَا إِن كَانَ على وَجه التَّصْدِيق لَهُم فِي كل مَا يخبرون بِهِ والتعظيم للسؤال فَهُوَ حرَام كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح عَن مُعَاوِيَة بن الحكم أَن النَّبِي ﷺ قيل لَهُ إِن قوما منا يأْتونَ الْكُهَّان قَالَ فَلَا تأتوهم وَفِي صَحِيح مُسلم عَنهُ ﵊ انه قَالَ من أَتَى عرافا فَسَأَلَهُ عَن شَيْء لم تقبل لَهُ صَلَاة أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأما إِن كَانَ يسْأَل الْمَسْئُول ليمتحن حَاله ويختبر بَاطِن أمره وَعِنْده مَا يُمَيّز بِهِ صدقه من كذبه فَهَذَا جَائِز كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ أَن النَّبِي ﷺ سَأَلَ ابْن صياد فَقَالَ مَا يَأْتِيك قَالَ يأتيني صَادِق وكاذب قَالَ مَا ترى قَالَ ارى عرشا على المَاء قَالَ فَإِنِّي قد خبأت لَك خبيئا قَالَ هُوَ الدخ قَالَ اخْسَأْ فَلَنْ تعدو قدرك فَإِنَّمَا أَنْت من إخْوَان الْكُهَّان وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ يسمع مَا يَقُولُونَ ويخبرون بِهِ عَن الْجِنّ كَمَا يسمع الْمُسلمُونَ مَا يَقُوله الْكفَّار والفجار ليعرفوا مَا عِنْدهم فَكَمَا يسمع خبر الْفَاسِق ويتبين ويتثبت فَلَا يجْزم بصدقه وَلَا بكذبه إِلَّا بِبَيِّنَة كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن جَاءَكُم فَاسق بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن أبي هُرَيْرَة أَن اهل الْكتاب كَانُوا يقرءُون التَّوْرَاة ويفسرونها بِالْعَرَبِيَّةِ فَقَالَ النَّبِي ﷺ إِذا حَدثكُمْ أهل الْكتاب فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تكذبوهم فإمَّا أَن يحدثوكم بِحَق فتكذبوه وَإِمَّا أَن يحدثوكم بباطل فتصدقوه وَقُولُوا آمنا بِاللَّه وَمَا أنزل إِلَيْنَا وَمَا أنزل إِلَيْكُم وإلهنا وإلهكم وَاحِد وَنحن لَهُ مُسلمُونَ فقد جَازَ للْمُسلمين سَماع مَا يَقُولُونَهُ وَإِن لم يصدقوه وَلم يكذبوه ثمَّ سَاق حَدِيث يُرِيد الْجِنّ الَّذِي قدمْنَاهُ وَحَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ الْمُتَقَدّم
رَأْي الْمُؤلف وتعليقه
قلت لَا شكّ أَن الله تَعَالَى أقدر الْجِنّ على قطع الْمسَافَة الطَّوِيلَة فِي الزَّمن الْقصير بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى ﴿قَالَ عفريت من الْجِنّ أَنا آتِيك بِهِ قبل أَن تقوم من مقامك﴾ فَإِذا سَأَلَ سَائل عَن حَادِثَة وَقعت أَو شخص فِي بلد بعيد فَمن الْجَائِز أَن يكون الجني عِنْده علم من تِلْكَ الْحَادِثَة وَحَال ذَلِك الشَّخْص
стр. 178
فيخبر وَمن الْجَائِز أَن لَا يكون عِنْده علم فَيذْهب ويكشف ثمَّ يعود فيخبر وَمَعَهُ هَذَا فَهُوَ خبر وَاحِد لَا يُفِيد غير الظَّن وَلَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ حكم غير الِاسْتِئْنَاس وَسَيَأْتِي فِي الْأَبْوَاب الْآتِيَة أَنْوَاع مِمَّا أخبروا بِهِ عقيب وُقُوعه ثمَّ تبين بعد ذَلِك وُقُوعه بِإِخْبَار الْإِنْس وَأما سُؤَالهمْ عَمَّا لم يَقع وتصديقهم فِيهِ بِنَاء على أَنهم يعلمُونَ الْغَيْب فَكفر وَعَلِيهِ يحمل قَوْله ﷺ لَا تأتوهم وَقَوله من أَتَى عرافا الحَدِيث وَالله أعلم
الْبَاب التَّاسِع وَالسِّتُّونَ فِي شَهَادَة الْجِنّ للمؤذنين يَوْم الْقِيَامَة
فِي صَحِيح البُخَارِيّ والموطأ وَغَيرهمَا من حَدِيث ابْن أبي صعصعة أَن أَبَا سعيد قَالَ لَهُ أَرَاك تحب الْغنم والبادية فَإِذا كنت فِي باديتك أَو غنمك فَأَذنت بِالصَّلَاةِ فارفع صَوْتك بالنداء فَإِنَّهُ لَا يسمع مدى صَوت الْمُؤَذّن جن وَلَا إنس إِلَّا شهد لَهُ يَوْم الْقِيَامَة قَالَ أَبُو سعيد سمعته من رَسُول الله ﷺ
الْبَاب الموفي سبعين فِي نعي الْجِنّ عبد الله بن جدعَان وَفِيه قصَّة إِصَابَته الْكَنْز
قَالَ عبد الله بن مُحَمَّد بن عبيد حَدثنِي أبي حَدثنَا هِشَام بن مُحَمَّد قَالَ أَخْبرنِي مَعْرُوف بن خَرَّبُوذ عَن أبي الطُّفَيْل عَامر بن وائلة قَالَ أَخْبرنِي شيخ من أهل مَكَّة عَن الْأَعْشَى بن إلْيَاس بن زُرَارَة التَّمِيمِي حَلِيف بني عبد الدَّار قَالَ خرجت مَعَ نفر من قُرَيْش نُرِيد الشَّام فنزلنا بواد يُقَال لَهُ وَادي عَوْف فعرسنا بِهِ فَاسْتَيْقَظت فِي بعض اللَّيْل فَإِذا أَنا بقائل يَقُول ... أَلا هلك النساك غيث بني فهر ... وَذُو الباع وَالْمجد التليد وَذُو الْفَخر ...
فَقلت فِي نَفسِي وَالله لأجيبنه فَقلت ... أَلا أَيهَا الناعي أَخا الْجُود وَالْفَخْر ... من الْمَرْء تنعاه لنا من بني فهر ...
стр. 179
فَقَالَ ... نعيت ابْن جدعَان بن عَمْرو أَخا الندى ... وَذَا الْحسب القدموس والمنصب الْقَهْر ...
فَقلت ... لعمري لقد نوهت بالسيد الَّذِي ... لَهُ الْفضل مَعْرُوفا على ولد النَّضر ...
فَقَالَ ... مَرَرْت بنسوان يخمشن أوجبهَا ... صياحا عَلَيْهِ بَين زَمْزَم وَالْحجر ...
فَقلت ... مَتى إِن عهدي فِيهِ مُنْذُ عرُوبَة ... وَتِسْعَة أَيَّام لغرة ذَا الشَّهْر ...
فَقَالَ ... ثوى مُنْذُ أَيَّام ثَلَاث أَيَّام كوامل ... مَعَ اللَّيْل أَو فِي اللَّيْل أَو وضح الْفجْر ...
فَاسْتَيْقَظت الرّفْقَة فَقَالُوا من تخاطب فَقلت هَذَا هَاتِف ينعى ابْن جدعَان فَقَالُوا وَالله لَو بَقِي اُحْدُ بشرف أَو عز أَو كَثْرَة مَال لبقي عبد الله بن جدعَان فَقَالَ ذَلِك الْهَاتِف ... أرى الْأَيَّام لَا تبقى عَزِيزًا ... لعزته وَلَا تبقي ذليلا ...
فَقلت ... وَلَا تبقى من الثقلَيْن شغرا ... وَلَا تبقي الحزون وَلَا السهولا ...
قَالَ فَنَظَرْنَا فِي تِلْكَ اللَّيْلَة فرجعنا إِلَى مَكَّة فوجدناه قد مَاتَ كَمَا قَالَ
قلت عبد الله بن جدعَان بن عَمْرو بن كَعْب بن سعد بن تيم يكنى أَبَا زُهَيْر هُوَ ابْن عَم عَائِشَة الصديقة كَانَ فِي ابْتِدَاء أمره صعلوكا وَكَانَ مَعَ ذَلِك شريرا لَا يزَال يجني الْجِنَايَات فيعقل عَنهُ أَبوهُ وَقَومه حَتَّى أبغضته عشيرته ونفاه أَبوهُ وَحلف أَن لَا يؤويه أبدا لما أثقله من الْغرم وَحمله من الدِّيات فَخرج فِي شعاب مَكَّة حائرا يتَمَنَّى نزُول الْمَوْت بِهِ فَدخل فِي شقّ جبل يَرْجُو أَن يكون فِيهِ مَا يقْتله ليستريح فَإِذا ثعبان عَظِيم لَهُ عينان تقدان كالسراجين فَحمل عَلَيْهِ الثعبان فأفرج لَهُ فانساب عَنهُ مستديرا بدارة عِنْدهَا بَيت فخطا خطْوَة أُخْرَى فَصَعدَ بِهِ الثعبان وَأَقْبل اليه كالسهم فأفرج لَهُ
стр. 180
فانساب فَوَقع فِي نَفسه أَنه مَصْنُوع فأمسكه فَإِذا هُوَ مَصْنُوع من ذهب وَعَيناهُ ياقوتتان فَكَسرهُ وَأخذ عَيْنَيْهِ وَدخل الْبَيْت فَإِذا جثث طوال على سرر لم ير مثلهم طولا وعظما وَعند رؤوسهم لوح من فضَّة فِيهِ تاريخهم فَإِذا هم رجال من مُلُوك جرهم وَآخرهمْ موتا الْحَارِث بن مضاض صَاحب الْقرْيَة الطَّوِيلَة وَإِذا عَلَيْهِم ثِيَاب لَا يمس مِنْهَا شَيْء إِلَى أنتثر كالهباء من طول الزَّمن قَالَ ابْن هِشَام كَانَ اللَّوْح من رُخَام وَكَانَ فِيهِ أَبُو نفيلة بن عبد المدان ابْن خشرم بن عبد ياليل بن جرهم بن قحطان بن هود نَبِي الله عِشْت خَمْسمِائَة عَام وَقطعت غور الأَرْض بَاطِنهَا وظاهرها فِي طلب الثروة وَالْمجد وَالْملك فَلم يكن ذَلِك ينجيني من الْمَوْت وَتَحْته مَكْتُوب ... قد قطعت الْبِلَاد فِي طلب الثروة ... وَالْمجد قالص الأثواب
وسريت الْبِلَاد قفرا لقفر ... بقناتي وقوتي واكتسابي
فَأصَاب الردى سَواد فُؤَادِي ... بسهام من المنايا صعاب
فانقضت شرتي واقصر جهلي ... واستراحت عواذلي من عتابي
وَدفعت السفاه بالحلم لما ... نزل الشيب فِي مَحل الشَّبَاب
صَاح هَل رَأَيْت أَو سَمِعت براع ... رد فِي الضَّرع مَا قرى فِي الحلاب ...
وَإِذا فِي وسط الْبَيْت كوم عَظِيم من الْيَاقُوت واللؤلؤ وَالذَّهَب وَالْفِضَّة والزبرجد فَأخذ مِنْهُ مَا أَخذ ثمَّ علم على الشق بعلامة وأغلق بَابه بِالْحِجَارَةِ وَأرْسل إِلَى أَبِيه بِالْمَالِ الَّذِي خرج بِهِ يسترضيه ويستعطفه وَوصل عشيرته كلهم وسادهم وَجعل ينْفق من ذَلِك الْكَنْز وَيطْعم النَّاس وَيفْعل الْمَعْرُوف فَلَمَّا كبر وهرم أَرَادَ بَنو تَمِيم أَن يمنعوه من تبذير مَاله ولاموه فِي الْعَطاء فَكَانَ يَدْعُو الرجل فَإِذا دنا مِنْهُ لطمه لطمة خَفِيفَة ثمَّ يَقُول قُم فَأَنْشد لطمتك واطلب دِيَتهَا فَإِذا فعل أَعطَتْهُ بَنو تَمِيم من مَال ابْن جدعَان حَتَّى يرضى وَذكر ابْن قُتَيْبَة فِي غَرِيب الحَدِيث أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ كنت أستظل بِظِل جَفْنَة عبد الله بن جدعَان صَكَّة عمى يَعْنِي بالهاجرة قَالَ ابْن قُتَيْبَة كَانَت جفنته يَأْكُل مِنْهَا الرَّاكِب على الْبَعِير وَسقط فِيهَا صبي فغرق أَي مَاتَ وَكَانَ أُميَّة بن أبي الصَّلْت قبل أَن يمدحه اتى بني الديَّان من بني الْحَارِث بن كَعْب فراى طَعَام بني عبد المدان مِنْهُم لباب الْبر والشهد
стр. 181
وَالسمن وَكَانَ ابْن جدعَان يطعم التَّمْر والسويق ويسقي اللَّبن فَقَالَ أُميَّة ... وَلَقَد رَأَيْت الفاعلين وفعلهم ... فَرَأَيْت أكْرمهم بني الديَّان
الْبر يلبك بالشهاد طعامهم ... لَا مَا تعللنا بَنو جدعَان ...
فَبلغ شعره عبد الله بن جدعَان فَأرْسل ألفي بعير إِلَى الشَّام تحمل إِلَيْهِ الْبر والشهد وَالسمن وَجعل مناديا يُنَادي على الْكَعْبَة إِلَّا هلموا إِلَى جَفْنَة عبد الله ابْن جدعَان فَقَالَ أُميَّة عِنْد ذَلِك ... لَهُ دَاع بِمَكَّة مشمعل ... وَآخر فَوق كعبتها يُنَادي
إِلَى ردح من الشيزا عَلَيْهَا ... لباب الْبر يلبك بالشهاد ...
وَفِي صَحِيح مُسلم أَن عَائِشَة ﵂ قَالَت لرَسُول الله ﷺ إِن ابْن جدعَان كَانَ يطعم الطَّعَام ويقري الضَّيْف فَهَل يَنْفَعهُ ذَلِك يَوْم الْقِيَامَة فَقَالَ لَا لِأَنَّهُ لم يقل يَوْمًا رب اغْفِر لي خطيئتي يَوْم الدّين وروى ابْن اسحاق ان رَسُول الله ﷺ قَالَ لقد شهِدت فِي دَار عبد الله بن جدعَان حلفا مَا أحب أَن لي بِهِ حمر النعم وَلَو دعيت إِلَيْهِ فِي الْإِسْلَام لَأَجَبْت المُرَاد بِهِ حلف الفضول وَكَانَ فِي ذِي الْقعدَة قيل المبعث بِعشْرين سنة وَالله أعلم
الْبَاب الْحَادِي وَالسَّبْعُونَ فِي بَيَان نوح الْجِنّ على أبي عُبَيْدَة وَأَصْحَابه
قَالَ أَبُو بكر بن مُحَمَّد حَدثنِي الْعَبَّاس بن هِشَام بن مُحَمَّد عَن أَبِيه عَن مُحَمَّد بن سعيد بن رَاشد مولى النخع عَن رجل من اهل الطَّائِف قَالَ لما أَبْطَأَ عَليّ عمر بن الْخطاب خبر أبي عُبَيْدَة بن مَسْعُود وَأَصْحَابه وَكَانُوا بقبس الناطف اشْتَدَّ همه وَجعل يسْأَل عَن خبرهم فَقدم رجل من أهل الطَّائِف فَحدث فِي مَسْجِد رَسُول الله ﷺ أَنهم كَانُوا بواد من أَوديَة الطَّائِف يُقَال لَهُ سهر أسمار فَسَمِعُوا نائحة يحسبون أَنَّهَا بِالْقربِ مِنْهُم فَسَمِعُوا نسَاء يَنحن وَيَقُلْنَ ... مت على الْخيرَات ميتَة خَالِد ... إِذا مَا صبرت يَوْم اللِّقَاء
قدس الله معركا شهدوه ... والملا الْأَبْرَار خير ملاء ...
стр. 182
معركا فِيهِ ظلت الْجِنّ تبْكي ... مبسمات الْأَبْكَار بيض الدِّمَاء
كم كريم مجدل غادروه ... مُؤمن الْقلب مستجاب الدُّعَاء
يقطع اللَّيْل لَا ينَام صَلَاة ... وجؤارا يمده ببكاء ...
ثمَّ يقلن يَا أَبَا عبيداه يَا سليطاه قَالَ الطَّائِفِي فَجعلنَا نتبع الصَّوْت فنسمع الأبيات وَمَا يقلن بعْدهَا وَنحن مِنْهُ فِي الْبعد على حَال وَاحِدَة فَقدم الطَّائِفِي على عمر فَأخْبرهُ فَكتب عمر الَّذِي سمع مِنْهُ فوجدوا أَبَا عُبَيْدَة وَأَصْحَابه قتلوا ذَلِك الْيَوْم سليطاه الْمَذْكُور فِي الندبة هُوَ سليط بن قيس الْأنْصَارِيّ كَانَ على النَّاس هُوَ وَأَبُو عُبَيْدَة بن مَسْعُود وَالله تَعَالَى أعلم
الْبَاب الثَّانِي وَالسَّبْعُونَ فِي نوحهم على النخع لما أصيبوا يَوْم الْقَادِسِيَّة
قَالَ ابْن ابي الدُّنْيَا حَدثنِي الْعَبَّاس بن هِشَام بن مُحَمَّد عَن أَبِيه عَن جده قَالَ سَمِعت أَشْيَاخ النخع يذكرُونَ قَالُوا أُصِيب النخع بالقادسية فَسَمِعُوا نوح الْجِنّ فِي وَاد من أَوديَة الْيمن وهم يَقُولُونَ ... أَلا فاسلمي يَا عكرم ابْنة خَالِد ... وَمَا خير زَاد بِالْقَلِيلِ المصرد
فحيتك عني الشَّمْس عِنْد طُلُوعهَا ... وحيال عني كل ركب مُفْرد
وحيتك عني عصبَة نخعية ... حسان الْوُجُوه آمنُوا بِمُحَمد
أَقَامُوا لكسرى يضْربُونَ جُنُوده ... بِكُل رَقِيق الشفرتين مهند
إِذا ثوب الدَّاعِي أَقَامُوا بكلكل ... من الْمَوْت مغبر العياطيل أسود ...
قَالَ فَجَاءَهُمْ مَا أصَاب النخع يَوْم الْقَادِسِيَّة من الْقَتْل وَالله تَعَالَى أعلم
стр. 183
الْبَاب الثَّالِث وَالسَّبْعُونَ فِي رثاء الْجِنّ عمر بن الْخطاب ﵁
قَالَ الْقرشِي حَدثنِي مُحَمَّد بن عباد بن مُوسَى حَدثنِي مُحَمَّد ابْن ثَابت الْبنانِيّ عَن ابيه قَالَ قَالَت عَائِشَة ﵂ إِذا سركم أَن يحسن الْمجْلس فَأَكْثرُوا وَذكر عمر بن الْخطاب ثمَّ قَالَت وَالله إِنَّا لوقوف بالمحصب إِذْ أقبل رَاكب حَتَّى إِذا كَانَ قدر مَا يسمع صَوته قَالَ ... أبعد قَتِيل بِالْمَدِينَةِ اشرقت ... لَهُ الأَرْض واهتز الفضاء بأسوق
جزى الله خيرا من إِمَام وباركت ... يَد الله فِي ذَاك الْأَدِيم الممزق
قضيت أمورا ثمَّ غادرت بعْدهَا ... بوائح فِي أكمامها لم تفتق ... وَكنت نشرت الْعدْل بِالْبرِّ والتقى ... وحلم صَلِيب الدّين غير مروق
فَمن يسع أَو يركب جناحي نعَامَة ... ليدرك مَا قدمت بالْأَمْس يسْبق
أَمِين النَّبِي حبه وَصفيه ... كَسَاه المليك جُبَّة لم تمزق
ترى الْفُقَرَاء حوله فِي مفازة ... شباعا رواء ليلهم لم يروق ...
قَالَت ثمَّ انصرفنا فَلم نر شَيْئا قَالَ النَّاس هَذَا مزرد ثمَّ أَقبلنَا حَتَّى انتهينا على الْمَدِينَة فَوَثَبَ إِلَيْهِ أَبُو لؤلؤة الْخَبيث فَقتله فوَاللَّه إِنَّه لمسجى بَيْننَا إِذْ سمعنَا صَوتا فِي جَانب الْبَيْت لَا نَدْرِي من أَيْن يَجِيء ... ليبك على الْإِسْلَام من كَانَ باكيا ... فقد أوشكوا هلكي وَمَا قرب الْعَهْد
وأدبرت الدُّنْيَا وَأدبر خَيرهَا ... وَقد ملها من كَانَ يُوقن بالوعد ...
فَلَمَّا ولي عُثْمَان لَقِي مزردا فَقَالَ انت صَاحب الأبيات قَالَ وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا قلتهن قَالَ فيرون أَن بعض الْجِنّ رثاه وَقَالَ أَبُو بكر بن مُحَمَّد حَدثنَا يجيى السَّاجِي حَدثنَا عَبدة بن عبد الله حَدثنَا مُحَمَّد بن بشر حَدثنَا مسعر عَن عبد الْملك بن عُمَيْر عَن الصَّقْر بن عبد الله عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت بَكت الْجِنّ على عمر بن الْخطاب قبل أَن يقتل بِثَلَاث فَقَالَت ... جزى الله خيرا من أَمِير وباركت ... يَد الله فِي ذَاك الْأَدِيم الممزق ...
стр. 184
. وليت أمورا ثمَّ غادرت بعْدهَا ... بوائح فِي أكمامها لم تفتق
فَمن يسع أَو يركب جناحي نعَامَة ... ليدرك مَا قدمت بالْأَمْس يسْبق
وَمَا كنت أخْشَى أَن تكون وَفَاته ... بكفي سليف أَزْرَق الْعين مطرق
فيالقتيل بِالْمَدِينَةِ أظلمت ... لَهُ الأَرْض واهتز الفضاء بأسوق
فلقاك رَبِّي فِي الْجنان تَحِيَّة ... وَمن كسْوَة الفردوس لَا تنخرق ...
وَرَوَاهُ عَبَّاس الدوري عَن مُحَمَّد بن بشر فَذكره
الْبَاب الرَّابِع وَالسَّبْعُونَ
فِي نوحهم على عُثْمَان بن عَفَّان ﵁
قَالَ ابْن أبي الدُّنْيَا حَدثنَا مُحَمَّد بن عتاب ابو بكر الْأَعْين حَدثنَا أَبُو عَاصِم النَّبِيل عَن عُثْمَان بن مرّة عَن أمه قَالَت لما قتل عُثْمَان بن عَفَّان ناحت الْجِنّ عَلَيْهِ فَقَالُوا ... لَيْلَة للجن إِذْ ... يرْمونَ بالصخر الصلاب
ثمَّ قَامُوا بكرَة ... ينعون صقرا كالشهاب
زينهم فِي الْحَيّ والمجلس فكاك الرّقاب ...
الْبَاب الْخَامِس وَالسَّبْعُونَ فِي نوحهم على بعض من أُصِيب بصفين
قَالَ الْقرشِي حَدثنِي الْعَبَّاس بن هِشَام حَدثنِي ابْن مسعر بن كدام عَن ابيه قَالَ قتل رجل من بني عَمْرو بن عبد منَاف بن هِلَال بن عَامر مَعَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ يَوْم صفّين فَسَمِعُوا نائحة من الْجِنّ وَهِي تَقول ... أَلا فاسألوا العمرين عَن صَاحب الْجمل ... فِي غير مسهام وَلَا طائش وكل
يكر الركائب فِي المكاره كلهَا ... وَيعلم أَن الْأَمر مُنْقَطع الأمل ...
رأى الْمُؤلف وتعليقه
قلت كَانَت وقْعَة صفّين فِي سنّ سبع وَثَلَاثِينَ من الْهِجْرَة وَلَا حَاجَة بِنَا إِلَى ذكر مَا شجر بَين الصَّحَابَة ﵃ أَجْمَعِينَ
стр. 185
الْبَاب السَّادِس وَالسَّبْعُونَ فِي إعلامهم بوفاة عَليّ بن أبي طَالب
قَالَ أَبُو بكر بن مُحَمَّد حَدثنَا يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن كثير حَدثنَا الْحَارِث بن مرّة حَدثنَا عمر بن عَامر السّلمِيّ قَالَ عَاتب صَاحب شرطة مُعَاوِيَة ابْنا لَهُ حَتَّى أخرجه من الْبَيْت ثمَّ قَامَ حَتَّى أغلق الْبَاب بَينه وَبَينه وَابْنه فِي الصّفة فأرق الْفَتى من سخط أَبِيه فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِك إِذا مُنَاد يُنَادي على الْبَاب يَا سُوَيْد فَقَالَ الْفَتى وَالله مَا فِي دَارنَا سُوَيْد حر وَلَا عبد قَالَ فانخرط لنا سنور أسود من شرجع لنا فِي الصّفة قَالَ فَأتى الْبَاب قَالَ من هَذَا قَالَ أَنا فلَان قَالَ من أَيْن جِئْت قَالَ من الْعرَاق قَالَ فَمَا حدث فِيهَا قَالَ قتل على بن أبي طَالب ﵁ قَالَ فَهَل عنْدك شَيْء تطعمنيه فَإِنِّي جوعان فَقَالَ وَالله لقد خمروا آنيتهم وَسموا عَلَيْهَا غير أَن هَهُنَا سفودا شووا عَلَيْهِ شواية لَهُم وَعَلِيهِ وضر فَهَل لَك فِيهِ قَالَ نعم قَالَ فجَاء سُوَيْد بالسفود قَالَ والسفود مُسْند فِي زَاوِيَة الْبَيْت قَالَ فغمض الْفَتى عَيْنَيْهِ فَأخذ سُوَيْد السفود فَأخْرجهُ إِلَيْهِ من ذَلِك الْبَاب قَالَ فعرقه حَتَّى سَمِعت عرقه إِيَّاه قَالَ ثمَّ جَاءَ بِهِ فأسنده على زَاوِيَة الصّفة قَالَ فَقَامَ الْفَتى فَضرب على أَبِيه الْبَاب حَتَّى أيقظه فَقَالَ من هَذَا قَالَ فلَان قَالَ أخرج إِلَى قَالَ لَا قَالَ إِنَّه حدث امْر عَظِيم قَالَ فَفتح لَهُ قَالَ فحدثه الحَدِيث قَالَ اسرج لي فأسرج لَهُ فَأتى بَاب مُعَاوِيَة فَطلب الْإِذْن حَتَّى وصل إِلَيْهِ فحدثه الحَدِيث قَالَ من سمع هَذَا قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ سَمعه ابْن أَخِيك قَالَ وَهُوَ مَعَك قَالَ نعم قَالَ فَأدْخلهُ فَأدْخلهُ عَلَيْهِ فحدثه الحَدِيث قَالَ فَكتب تِلْكَ السَّاعَة وَتلك اللَّيْلَة فَكَانَ كَذَلِك وَالله أعلم
стр. 186
الْبَاب السَّابِع وَالسَّبْعُونَ فِي نوحهم على الْحُسَيْن بن عَليّ ﵄
قَالَ ابْن أبي الدُّنْيَا حَدثنَا مُنْذر بن عمار الْكَاهِلِي أَنبأَنَا عَمْرو ابْن الْمِقْدَام أَنبأَنَا الجصاصون أَنهم كَانُوا يسمعُونَ نوح الْجِنّ على الْحُسَيْن ... مسح النَّبِي جَبينه ... فَلهُ بريق فِي الخدود
أَبَوَاهُ من عليا قري ... ش وجده خير الجدود ...
وَقَالَ عَبَّاس الدوري حَدثنَا يُونُس بن مُحَمَّد حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن عمار بن أبي عمار عَن ام سَلمَة قَالَت ناحت الْجِنّ على الْحُسَيْن بن عَليّ ﵄ قَالَ ابْن أبي الدُّنْيَا حَدثنِي سُوَيْد بن سعيد حَدثنَا عَمْرو ابْن ثَابت عَن حبيب بن أبي ثَابت عَن ام سَلمَة قَالَت مَا سَمِعت نوح الْجِنّ على اُحْدُ مُنْذُ قبض النَّبِي ﷺ حَتَّى قتل الْحُسَيْن فَسمِعت جنية تنوح ... أَلا يَا عين فاحتفلي بِجهْد ... وَمن يبكي على الشُّهَدَاء بعدِي
على رَهْط تقودهم المنايا ... إِلَى متجبر فِي الْملك عِنْد ...
حَدثنِي مُحَمَّد بن عباد بن مُوسَى حَدثنَا هِشَام بن مُحَمَّد حَدثنِي ابْن حيزوم الْكَلْبِيّ عَن أمه قَالَت لما قتل الْحُسَيْن سَمِعت مناديا يُنَادي فِي الْجبَال ... أَيهَا الْقَوْم القاتلون حُسَيْنًا ... أَبْشِرُوا بِالْعَذَابِ والتنكيل
كل أهل السَّمَاء يَدْعُو عَلَيْكُم ... من نَبِي وَمَالك وقبيل
قد لعنتم على لِسَان ابْن داو ... د ومُوسَى وحامل الْإِنْجِيل ...
стр. 187
الْبَاب الثَّامِن وَالسَّبْعُونَ
فِي نوحهم على الشُّهَدَاء بِالْحرَّةِ
قَالَ عبد الله بن مُحَمَّد حَدثنَا أَبُو زيد النميري حَدثنِي أَبُو غَسَّان مُحَمَّد بن يحيى الْكِنَانِي حَدثنِي بعض آل الزبير قَالَ لما قتل أهل الْحرَّة هتف هَاتِف بِمَكَّة على أبي قبيس ... قتل الْخِيَار بَنو الْخِيَار ... ذَوُو المهابة والسماح
الصائمون القائمون ... القانتون أولو الصّلاح
المهتدون المتقون ... السَّابِقُونَ إِلَى الْفَلاح
مَاذَا بواقم والبقي ... مَعَ من الجحا جحة والصباح
وبقاع يثرب ويحهن ... من النوائح والصياح ...
فَقَالَ ابْن الزبير لأَصْحَابه يَا هَؤُلَاءِ قد قتل أصحابكم فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون
رَأْي الْمُؤلف وتعليقه
قلت كَانَت وقْعَة الْحرَّة لثلاث بَقينَ من ذِي الْحجَّة سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ على بَاب طيبَة وَاسْتشْهدَ فِيهَا خلق كثير وَجَمَاعَة من الصَّحَابَة ﵃ قَالَ خَليفَة فَجَمِيع من أُصِيب من قُرَيْش وَالْأَنْصَار ثَلَاثمِائَة وَسِتُّونَ وروى أَن رَسُول الله ﷺ وقف على الْحرَّة وَقَالَ ليقْتلن بِهَذَا بِهَذَا الْمَكَان رجال هم خِيَار أمتِي بعد أَصْحَابِي وَكَانَ سَببهَا أَن اهل الْمَدِينَة خلعوا يزِيد بن مُعَاوِيَة وأخرجوا مَرْوَان بن الحكم وَبني أُميَّة وَأمرُوا عَلَيْهِم عبد الله بن حَنْظَلَة الغسيل وَلم يُوَافق أهل الْمَدِينَة أحد من أكَابِر أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ الَّذين كَانُوا فيهم فَجهز إِلَيْهِم يزِيد بن مُعَاوِيَة مُسلم بن عقبَة فأوقع بهم
قَالَ السُّهيْلي وَقتل فِي ذَلِك الْيَوْم من وُجُوه الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار ألف وَسَبْعمائة وَقتل من أخلاط النَّاس عشرَة آلَاف قَالَ شَيخنَا الْحَافِظ أَبُو عبد الله الذَّهَبِيّ هَذَا خسف ومجازفة والحرة الَّتِي يعرف بهَا هَذَا
стр. 188
الْيَوْم يُقَال لَهَا حرَّة زهرَة وَعرفت حرَّة زهرَة بقرية كَانَت لبنى زهرَة قوم من الْيَهُود قَالَ الزبير فِي فَضَائِل الْمَدِينَة كَانَت قَرْيَة كَبِيرَة فِي الزَّمن الْقَدِيم وَكَانَ فِيهَا ثَلَاثمِائَة صانع وَكَانَ يزِيد قد أعذر إِلَى أهل الْمَدِينَة وبذل لَهُم من الْعَطاء أَضْعَاف مَا يُعْطي النَّاس واجتهد فِي استمالتهم إِلَى الطَّاعَة والتحذير من الْخلاف وَلَكِن أبي الله إِلَّا مَا أَرَادَ ﴿فَالله يحكم بَينهم يَوْم الْقِيَامَة فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾
الْبَاب التَّاسِع وَالسَّبْعُونَ فِي إِخْبَار الْجِنّ بوفاة عمر بن عبد الْعَزِيز وَهَارُون الرشيد
قَالَ شكر الْهَرَوِيّ حَدثنَا مُحَمَّد بن عبيد الله بن مُحَمَّد بن عبيد الله ابْن عَاصِم بن عمر بن عبد الْعَزِيز حَدثنِي مُؤَمل بن إياب حَدثنَا اسماعيل ابْن دَاوُد المخراق حَدثنَا الْمَاجشون قَالَ خرجت بِمَكَّة فِي لَيْلَة وَإِذا أَنا بكلب يعدو حَتَّى دخل فِي وسط كلاب فَقَالَ أتضحكن وتلعبن وَقد مَاتَ اللَّيْلَة عمر بن عبد الْعَزِيز قَالَ فانجفلت ومررت فحسبنا تِلْكَ اللَّيْلَة فَوَجَدنَا عمر بن عبد الْعَزِيز قد مَاتَ
قَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي تَارِيخ نيسابور فِي تَرْجَمَة هَارُون الرشيد قَالَ سَمِعت أَبَا الْوَلِيد حسان بن مُحَمَّد الْفَقِيه يَقُول سَمِعت ابراهيم بن عبد الله السَّعْدِيّ يَقُول صعدت المئذنة لأؤذن فوقفت انْتظر الصُّبْح فَإِذا شبه كلب فِي نَاحيَة الرّيّ مستقبله مثله من النَّاحِيَة الْأُخْرَى فَقَالَ أَحدهمَا لصَاحبه سويق فَقَالَ بليق فَقَالَ إيش الْخَبَر قَالَ توفّي أَمِير الْمُؤمنِينَ فَنزلت وكتبت فَإِذا هَارُون مَاتَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَة
قلت توفّي هَارُون بطوس لَيْلَة السبت لثلاث خلون من جمادي الْآخِرَة سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَمِائَة وَمكث خَليفَة ثَلَاثًا وَعشْرين سنة وشهرا وعمره سبع واربعون سنة وَالله أعلم
стр. 189
الْبَاب الموفي ثَمَانِينَ فِي بكاء الْجِنّ أَبَا حنيفَة ﵀
قَالَ أَبُو الْقَاسِم عبد الله بن أبي الْعَوام السَّعْدِيّ أخبرنَا أُسَامَة بن أَحْمد ابْن اسامة أَبُو سَلمَة حَدثنَا الْحسن بن مَنْصُور النَّيْسَابُورِي حَدثنَا مُحَمَّد ابْن مَنْصُور الْملَائي حَدثنَا أَبُو عَاصِم الرقي حَدثنَا الخليجي أَن الْجِنّ بَكت أَبَا حنيفَة لَيْلَة مَاتَ وَكَانُوا يسمعُونَ الصَّوْت وَلَا يرَوْنَ الشَّخْص ... ذهب الْفِقْه فَلَا فقه لكم ... فَاتَّقُوا الله وَكُونُوا خلفا
مَاتَ نعْمَان فَمن هَذَا الَّذِي ... يحيى اللَّيْل إِذا مَا سدفا ...
وَكَانَت وَفَاة أبي حنيفَة سنة خمسين وَمِائَة بِبَغْدَاد
الْبَاب الْحَادِي وَالثَّمَانُونَ فِي نوحهم على وَكِيع بن الْجراح
قَالَ عَبَّاس الدوري فِي تَارِيخه حَدثنَا أَصْحَابنَا عَن وَكِيع أَنه خرج إِلَى مَكَّة وَكَانُوا إِذْ ذَاك يخرجُون فِي الصَّيف فَجعل أَهله يسمعُونَ النوح فِي دَارهم وَكَانَت دَارهم قوراء كَبِيرَة فَجعلُوا لَا يَشكونَ أَن النوح من دَارهم فَاسْتَيْقَظَ عِيَاله فَجعلُوا يسمعُونَ النوح فَلَمَّا قضى النَّاس الْحَج وَقدمُوا سَأَلَهُمْ النَّاس عَن وَكِيع مَتى مَاتَ فَقَالُوا فِي لَيْلَة كَذَا وَكَذَا فَإِذا هِيَ اللَّيْلَة الَّتِي سمعُوا النوح فِيهَا
قلت كَانَ وَكِيع إِمَامًا حَافِظًا واعيا للْعلم يَصُوم الدَّهْر وَيخْتم الْقُرْآن كل لَيْلَة مَعَ خشوع وورع وَكَانَ يُفْتِي بقول أبي حنيفَة وَسمع مِنْهُ كثيرا وَتُوفِّي سنة سبع وَتِسْعين وَمِائَة عَن ثَمَان وَسِتِّينَ سنة وَله أَخْبَار ﵀ وترجمته كَبِيرَة
حكى الزَّمَخْشَرِيّ أَنه حج أَرْبَعِينَ حجَّة ورابط فِي عبادان أَرْبَعِينَ لَيْلَة وَختم بهَا الْقُرْآن أَرْبَعِينَ ختمة وروى اربعة آلَاف حَدِيث وَتصدق بِأَرْبَعِينَ ألفا وَمَا روى وَاضِعا جنيه وَالله تَعَالَى اعْلَم
стр. 190
الْبَاب الثَّانِي وَالثَّمَانُونَ فِي نوحهم على الْخَلِيفَة المتَوَكل
قَالَ أَبُو بكر بن أبي الدُّنْيَا حَدثنَا عبد الله بن عَمْرو حَدثنِي المؤمل ابْن حَمَّاد الْكَلْبِيّ حَدثنِي عَمْرو بن شَيبَان قَالَ كنت لَيْلَة قتل المتَوَكل فِي منزلي بِالشَّام وَلم أعلم أَنَّهَا اللَّيْلَة الَّتِي قتل فِيهَا جَعْفَر فَلم اشعر إِلَّا وهاتف يَهْتِف فِي زَوَايَا الدَّار يَقُول ... يَا نَائِم اللَّيْل فِي جثمان يقظان ... أفض دموعك يَا عَمْرو بن شَيبَان ...
فَفَزِعت لذَلِك ثمَّ إِنِّي نمت فَأَعَادَ الصَّوْت فَمَا زَالَ على هَذَا ثَلَاث مرار كَأَنَّهُ يفهمني فَقلت لِلْجَارِيَةِ اعطيني دَوَاة وقرطاسا فَوَضَعته بجنبي فَانْدفع يَقُول يَا نَائِم اللَّيْل الْبَيْت ... أما ترى الْعصبَة الأنجاس مَا فعلوا ... بالهاشمي وبالفتح بن خاقَان
وافى إِلَى الله مَظْلُوما فعج لَهُ ... أهل السَّمَوَات من مثنى ووحدان
فالطير ساهمة والغيث منحبس ... والنيت منتقص فِي كل أبان
والسعر ينْقض والأنهار يابسة ... وَالْأَرْض هامدة فِي كل أوطان
وسوف تَأْتيكُمْ أُخْرَى مسومة ... توقعوها لَهَا شَأْن من الشان
فابكوا على جَعْفَر وارثوا خليفتكم ... فقد بكاه جَمِيع الْإِنْس والجان ...
قَالَ عبد الله بن مُحَمَّد حَدثنِي ميسرَة بن حسان حَدثنِي جَعْفَر ابْن مسْعدَة قَالَ كنت بسامرا بعد قتل المتَوَكل فَأريت فِي النّوم كَأَن قَائِلا يَقُول ... لقد خلوك وانصدعوا ... فَمَا ألووا وَمَا ربعوا
وَلم يوفوا بعهدهم ... فتبا للَّذي صَنَعُوا
أَلا يَا معشر الْمَوْتَى ... إِلَى من كُنْتُم تقعوا
لنطلبها فَإِن الْقلب ... قد أودى بِهِ وجع
وَلم نَعْرِف لكم خَبرا ... فقلبي حشوه الْجزع ...
قَالَ فَبَكَيْت فِي نومي أَشد الْبكاء فانتبهت وَقد حفظت الأبيات
стр. 191
فَقَالَ لي صَاحب لي كَانَ معي مَا قصتك مَا زلت سَائِر ليلتك تبْكي فِي نومك
قلت المتَوَكل على الله هُوَ جَعْفَر أَبُو الْفضل بن المعتصم بِاللَّه ابي اسحاق مُحَمَّد بن هَارُون الرشيد بن مُوسَى الْهَادِي بن مُحَمَّد الْمهْدي ابْن أبي جَعْفَر الْمَنْصُور قتل فِي شَوَّال سنة سبع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَكَانَت مُدَّة خِلَافَته أَربع عشرَة سنة وَعشرَة أشهر وَثَلَاثَة أَيَّام وسنه اربعون سنة أباؤه كلهم خَليفَة وَكَذَلِكَ أَخَوَاهُ المعتز بِاللَّه وَالْمُعْتَمد على الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم
الْبَاب الثَّالِث وَالثَّمَانُونَ فِي بَيَان هَل الْجِنّ كلهم منظرون
قَالَ ابو الشَّيْخ فِي النَّوَادِر حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن دَاوُد حَدثنَا أَحْمد بن عبد الْوَهَّاب حَدثنَا أَبُو الْمُغيرَة حَدثنَا أَبُو معشر حَدثنَا عِيسَى ابْن أبي عِيسَى قَالَ بلغ الْحجَّاج بن يُوسُف أَن بِأَرْض الصين مَكَانا إِذا اخطأوا فِيهِ الأَرْض سمعُوا صَوتا يَقُول هَلُمَّ الطَّرِيق وَلَا يرَوْنَ أحدا فَبعث نَاسا وَأمرهمْ أَن يتخاطوا الطَّرِيق عمدا فَإِذا قَالُوا لكم هلموا الطَّرِيق فاحملوا عَلَيْهِم فانظروا مَا هم فَفَعَلُوا ذَلِك قَالَ فدعوهم فَقَالُوا هلموا الطَّرِيق فحملوا عَلَيْهِم فَقَالُوا إِنَّكُم لن ترونا فَقَالُوا مُنْذُ كم أَنْتُم هَهُنَا قَالُوا مَا نحصي السنين غير أَن الصين خربَتْ ثَمَانِي مرار وعمرت ثَمَانِي مرار وَنحن هَهُنَا
وَرَوَاهُ أَبُو عبد الرَّحْمَن مُحَمَّد بن الْمُنْذر الْهَرَوِيّ الْمَعْرُوف بشكر فِي كتاب الْعَجَائِب فَقَالَ حَدثنَا عَبَّاس الدوري حَدثنَا مُحَمَّد بن بكار حَدثنَا ابو معشر فَذكره وَقَالَ ابْن ابي الدُّنْيَا حَدثنَا زَكَرِيَّا بن الْحَارِث بن مَيْمُون
стр. 192
الْعَبْدي حَدثنَا معَاذ بن هِشَام عَن ابيه عَن قَتَادَة قَالَ قَالَ الْحسن الْجِنّ لَا يموتون قَالَ قلت قَالَ الله تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ الَّذين حق عَلَيْهِم القَوْل فِي أُمَم قد خلت من قبلهم من الْجِنّ وَالْإِنْس﴾
قلت وَمعنى قَول الْحسن أَن الْجِنّ لَا يموتون أَنهم منظرون مَعَ إِبْلِيس فَإِذا مَاتَ مَاتُوا مَعَه وَظَاهر الْقُرْآن يدل على أَن إِبْلِيس غير مَخْصُوص بالإنظار إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَأما وَلَده وقبيله فَلم يقم دَلِيل على أَنهم منظرون مَعَه وَظَاهر قَوْله تَعَالَى ﴿فَإنَّك من المنظرين﴾ يدل على أَن ثمَّ منظرين غير إِبْلِيس وَلَيْسَ فِي الْقُرْآن مَا يدل على أَن المنظرين يهم الْجِنّ كلهم فيتحمل أَن يكون بعض الْجِنّ منظرين وَأما كلهم فَلَا دَلِيل عَلَيْهِ وَقد قدمنَا فِي أَمر الْجِنّ الوافدين على رَسُول الله ﷺ أَخْبَارًا تدل على مَوْتهمْ وَكَذَلِكَ فِي غُضُون الْأَبْوَاب الْمُتَقَدّمَة وَقد صرح ابْن عَبَّاس بذلك وَأَن إِبْلِيس مَخْصُوص بالإنظار
قَالَ أَبُو الشَّيْخ فِي كتاب العظمة حَدثنَا الْوَلِيد حَدثنَا الْعَبَّاس بن حمدَان حَدثنَا مُؤَمل حَدثنَا اسماعيل عَن الْجريرِي عَن حبَان عَن زرْعَة ابْن ضَمرَة قَالَ قَالَ رجل لِابْنِ عَبَّاس أتموت الْجِنّ قَالَ نعم غير إِبْلِيس قَالَ فَمَا هَذِه الْحَيَّة الَّتِي تدعى الحان قَالَ هِيَ صغَار الْجِنّ وَقَالَ ابْن شاهين فِي غرائب السّنَن حَدثنَا عُثْمَان بن احْمَد حَدثنَا حَنْبَل ابْن اسحاق حَدثنَا سعيد بن سُلَيْمَان حَدثنَا شُعَيْب بن هَارُون حَدثنَا فُضَيْل بن كثير بن دِينَار حَدثنَا عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ إِن الدَّهْر يمر بإبليس فيهرم ثمَّ يعود ابْن ثَلَاثِينَ وَقَالَ ابْن أبي الدُّنْيَا حَدثنَا إِبْرَاهِيم ابْن رَاشد حَدثنَا دَاوُد بن مهْرَان حَدثنَا حَمَّاد بن شُعَيْب عَن عَاصِم الْأَحول قَالَ سَأَلت الرّبيع بن أنس فَقلت أَرَأَيْت هَذَا الشَّيْطَان الَّذِي مَعَ الْإِنْسَان لَا يَمُوت قَالَ وَشَيْطَان وَاحِد هُوَ أَنه ليتبع الرجل الْمُسلم فِي الْفِتْنَة مثل ربيعَة وَمُضر قَالَ ابْن أبي الدُّنْيَا حَدثنَا زَكَرِيَّاء بن الْحَارِث بن مَيْمُون الْعَبْدي
стр. 193
حَدثنَا معَاذ بن هِشَام عَن أَبِيه عَن قَتَادَة عَن عبد الله بن الْحَارِث قَالَ الْجِنّ يموتون وَلَكِن الشَّيْطَان بكر البكرين لَا يَمُوت قَالَ قَتَادَة أَبوهُ بكر وَأمه بكر وَهُوَ بكرهما وَأوردهُ أَبُو الشَّيْخ فِي كتاب العظمة فَقَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن يحيى حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمثنى حَدثنَا معَاذ فَذكره وَالله أعلم حشر الْجِنّ
فصل فِي حشر الْجِنّ قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَيَوْم نحشرهم جَمِيعًا﴾ الْآيَة روى سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس قَالَ يحْشر الله تَعَالَى الْجِنّ وَالْإِنْس فِي الأَرْض الَّتِي قد مدت مد الْأَدِيم العكاظي ينفذهم الْبَصَر وَيسْمعهُمْ الدَّاعِي وَينزل سبط من الْمَلَائِكَة فيطوفون بالإنس وَالْجِنّ ثمَّ ينزل سبط ثَان فيطوفون بِالْمَلَائِكَةِ ثمَّ ثَالِث ثمَّ ذكر السَّادِس ذكره إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي الشَّامِل
قَالَ وَمن صَحِيح الْأَخْبَار أَن الأَرْض إِذا زلزلت وسير جبالها فتحاول الْجِنّ النّفُوذ من أقطار السَّمَوَات فيلقون ثَمَانِيَة عشرَة صفا من الْمَلَائِكَة حراسا فيضربون وُجُوههم وَيَقُولُونَ إِلَيْكُم ﴿لَا تنفذون إِلَّا بسُلْطَان﴾ قَالَ وَهَذَا الحَدِيث أوردهُ الضَّحَّاك فِي تَفْسِيره وَغَيره وَالله أعلم
الْبَاب الرَّابِع وَالثَّمَانُونَ فِي أَن إِبْلِيس هَل كَانَ من الْمَلَائِكَة
قَالَ أَبُو الوفا على بن عقيل فِي كتاب الْإِرْشَاد إِن قيل لَك إِبْلِيس كَانَ من الْمَلَائِكَة أم لَا فَقل من الْمَلَائِكَة خلافًا لبَعض أَصْحَابنَا وَبِهَذَا قَالَ أَبُو بكر عبد الْعَزِيز لِأَن الْبَارِي سُبْحَانَهُ وَقَالَ ﴿وَإِذ قُلْنَا للْمَلَائكَة اسجدوا لآدَم فسجدوا إِلَّا إِبْلِيس﴾ وَالِاسْتِثْنَاء لَا يكون من غير الْجِنْس هَذَا هُوَ الْمَشْهُور فِي لُغَة الْعَرَب بِدلَالَة أَنه لَا يحسن قَول الْقَائِل فتح الخبازون إِلَّا فلَانا ويريدون فلَانا الْحداد وَلَا يحسن أَن يَقُول رَأَيْت النَّاس إِلَّا حمارا وان اسْتدلَّ مستدل على جَوَازه بقول الْقَائِل
стр. 194
. وبلدة لَيْسَ بهَا أنيس ... إِلَّا اليعافير وَإِلَّا العيس ...
فَقل اليعافير والعيس من جنس مَا يؤنس بِهِ وَإِنَّمَا استثناهما من الإيناس لَا من غير ذَلِك لِأَنَّهُ لم يجز لغير الأنيس ذكر لَا آدَمِيّ وَلَا جني وَلَا غير ذَلِك قَالَ وَالَّذِي يدل على صِحَة هَذَا وانه من الْمَلَائِكَة أَنه لَو لم يكن مِنْهُم لما حسن لومه وسبه بامتناعه لِأَن لَهُ أَن يَقُول أمرت وَقد كَانَ مناظرا على مَا هُوَ أقل من هَذَا فَلَمَّا عدل إِلَى قَوْله ﴿أَنا خير مِنْهُ﴾ علم أَنه انْصَرف الْأَمر إِلَيْهِ وَلِهَذَا لَو نَادَى السُّلْطَان لَا يفتح البزازون فَفتح الخبازون لم يحسن لومهم لأَنهم لم يدخلُوا تَحت النَّهْي فَإِن قَالُوا فقد خصّه باسم فَقَالَ إِلَّا إِبْلِيس كَانَ من الْجِنّ قيل الْجِنّ نوع من الْمَلَائِكَة يُقَال لَهُم الْجِنّ كَمَا يُقَال الكروبيون والروحانيون والخزنة والزبانية وهم كلهم جنس وَاحِد يشْتَمل على أَنْوَاع كالآدميين زنج وعرب وعجم فَلَو قَالَ قَائِل أمرت عَبِيدِي كلهم بِالطَّاعَةِ فأطاعوا إِلَّا فلَانا فَإِنَّهُ كَانَ من الزنج فعصاني لم يدل على ان عَبده الزنْجِي لَا يُشَارك عبيده فِي الجنسية وَإِن فارقهم فِي النوعية أنْتَهى وَقَالَ أَبُو يعلى رَأَيْت فِي تعليقات أبي اسحاق بن شاقلا يَقُول سَمِعت الشَّيْخ يَعْنِي أَبَا بكر وَقد سُئِلَ عَن إِبْلِيس أَمن الْمَلَائِكَة فَقَالَ أَمر بِالسُّجُود فلولا أَن إِبْلِيس مِنْهُم مَا كَانَ مَأْمُورا قَالَ أَبُو اسحاق فَقلت أجمعنا أَن الْمَلَائِكَة لَا تتناكح وَلَا لَهَا ذُرِّيَّة وَقد كَانَ لإبليس ذُرِّيَّة دلّ على أَنه من غَيرهَا وَظَاهر كَلَام أبي بكر عبد الْعَزِيز أَنه من جملَة الْمَلَائِكَة وَقد صرح أَبُو بكر فِي كتاب التَّفْسِير أَنه من الْمَلَائِكَة وَحكى الِاخْتِلَاف فِيهِ وانه لَو لم يكن من الْمَلَائِكَة خرج عَن أَن يكون مَأْمُورا بِالسُّجُود لِأَن السُّجُود انْصَرف إِلَى الْمَلَائِكَة وَقد أجمعنا على أَنه كَانَ مَأْمُورا بِهِ وَهُوَ قَول الْأَكْثَر من الْمُفَسّرين ابْن عَبَّاس وَغَيره وَقَول ابْن مَسْعُود وَجَمَاعَة من الصَّحَابَة وَسَعِيد بن الْمسيب وَآخَرين وَبِه قَالَ جمَاعَة من الْمُتَكَلِّمين قَالَ أَبُو الْقَاسِم الْأنْصَارِيّ وَهُوَ مَذْهَب شَيخنَا أبي الْحسن وَظَاهر كَلَام ابي اسحاق انه لَيْسَ من الْمَلَائِكَة وَأَنه من الْجِنّ لِأَنَّهُ اعْترض
стр. 195
على أبي بكر بِالدَّلِيلِ وَهُوَ قَول ابي الْحسن الْبَصْرِيّ قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ لم يكن إِبْلِيس من الْمَلَائِكَة طرفَة عين قَالَ أَبُو يعلى فَإِن قيل فقد قَالَ تَعَالَى ﴿إِلَّا إِبْلِيس كَانَ من الْجِنّ﴾ قَالَ قبل هَذَا إِخْبَار عَمَّا كَانَ مستترا فِيهِ من مَعْصِيّة الله وَمُخَالفَة أمره لِأَن اشتقاق الْجِنّ من الاستتار وَمِنْه قَوْله فِي الْجَنِين جَنِين لاستتاره فِي بطن أمه وَمِنْه سمي الْمَجْنُون مَجْنُونا لِأَنَّهُ قد ستر بالخبال عقله وَجَوَاب آخر وَهُوَ أَن أَبَا بكر قد ذكره فِي كتاب التَّفْسِير فِي كِتَابه عَن ابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود جعل إِبْلِيس على ملك سَمَاء الدُّنْيَا وَكَانَ من قَبيلَة من الْمَلَائِكَة يُقَال لَهُم الْجِنّ وَإِنَّمَا سموا الْجِنّ لأَنهم خزان الْجنَّة وَكَانَ إِبْلِيس مَعَ ملكه خَازِنًا وَأما مَا احْتج بِهِ أَبُو اسحاق من أَن إِبْلِيس لَهُ الشَّهْوَة فقد حدثت لَهُ الشَّهْوَة بعد أَن مُحي من ديوانهم كَمَا حدثت الشَّهْوَة فِي هاروت وماروت بعد أَن هبطا إِلَى الأَرْض وَقيل إنَّهُمَا هويا امْرَأَة وَقد كَانَا ملكَيْنِ وَإِذا ثَبت أَنه من الْمَلَائِكَة وَأَنه محى من ديوانهم لما كَانَ مِنْهُ من الْعِصْيَان وَكَذَلِكَ هاروت وماروت انْتهى
رَأْي الْمُؤلف
قلت وَقد ذكر الطَّبَرِيّ فِي تَارِيخه قَول ابْن عَبَّاس فَقَالَ حَدثنَا الْقَاسِم بن الْحسن حَدثنَا الْحُسَيْن بن دَاوُد حَدثنِي حجاج عَن ابْن جريج قَالَ قَالَ ابْن عَبَّاس كَانَ إِبْلِيس من أشرف الْمَلَائِكَة وَأكْرمهمْ قَبيلَة وَكَانَ خَازِنًا على الْجنان وَكَانَ لَهُ سُلْطَان سَمَاء الدُّنْيَا وَكَانَ لَهُ سُلْطَان الأَرْض وَبِه عَن ابْن جريج عَن صَالح مولى التَّوْأَمَة وَشريك بن أبي نمر أَحدهمَا أَو كِلَاهُمَا عَن ابْن عَبَّاس قَالَ إِن من الْمَلَائِكَة قَبيلَة من الْجِنّ كَانَ إِبْلِيس مِنْهَا وَكَانَ يسوس مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض حَدثنِي مُوسَى بن هَارُون الهمدني حَدثنَا عَمْرو بن حَمَّاد حَدثنَا أَسْبَاط بن نصر عَن السّديّ فِي خبر ذكره عَن ابي مَالك وَعَن أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس وَعَن مرّة الْهَمدَانِي عَن عبد الله بن مَسْعُود وَعَن أنَاس من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ جعل إِبْلِيس ملك سَمَاء الدُّنْيَا وَكَانَ من قَبيلَة من الْمَلَائِكَة يُقَال لَهُم الْجِنّ وَإِنَّمَا سموا الْجِنّ لأَنهم خزان الْجنَّة وَكَانَ إِبْلِيس مَعَ ملكه خَازِنًا وَقَالَ أَبُو بكر
стр. 196
الْقرشِي حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن سعيد حَدثنَا نصر بن عَليّ حَدثنَا نوح بن قيس عَن أبي يسر بن جزور عَن قَتَادَة قَالَ كَانَ إِبْلِيس عَاشر عشرَة من الْمَلَائِكَة على الرّيح
قَالَ الطَّبَرِيّ حَدثنَا أَبُو كريب عُثْمَان بن سعيد حَدثنَا بشر بن عمار عَن أبي روق عَن الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس قَالَ كَانَ إِبْلِيس من حَيّ من أَحيَاء الْمَلَائِكَة يُقَال لَهُم الْجِنّ خلقُوا من نَار السمُوم من بَين الْمَلَائِكَة قَالَ وَكَانَ اسْمه الْحَارِث يَعْنِي بِالْعَرَبِيَّةِ قَالَ وَكَانَ خَازِنًا من خزان الْجنَّة قَالَ وخلقت الْمَلَائِكَة كلهم من نور غير هَذَا الْحَيّ قَالَ وخلقت الْجِنّ الَّذين ذكرُوا فِي الْقُرْآن من مارج من نَار وَهُوَ لِسَان النَّار الَّذِي يكون فِي طرفها إِذا التهبت قَالَ وَخلق الْإِنْسَان من طين فَأول من سكن الأَرْض بَنو الْجِنّ فأفسدوا فِيهَا وسفكوا الدِّمَاء وَقتل بَعضهم بَعْضًا فَبعث الله إِلَيْهِم إِبْلِيس وَمن مَعَه حَتَّى ألحقهم بجزاير البحور وأطراف الْجبَال فَلَمَّا فعل إِبْلِيس ذَلِك اغْترَّ فِي نَفسه وَقَالَ قد صنعت شَيْئا لم يصنعه أحد قَالَ فَاطلع الله على ذَلِك من قلبه وَلم يطلع عَلَيْهِ الْمَلَائِكَة الَّذين كَانُوا مَعَه
قلت وَيدل على قَول ابْن شاقلا مَا رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا عَن عَليّ ابْن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم حَدثنَا أَبُو صَالح حَدثنِي مُعَاوِيَة بن صَالح أَن الْعَلَاء بن الْحَارِث حَدثهُ عَن ابْن شهَاب أَنه سُئِلَ عَن إِبْلِيس قَالَ إِبْلِيس من الْجِنّ وَهُوَ أَبُو الْجِنّ كَمَا أَن آدم من النَّاس وَهُوَ أَبُو النَّاس وَالله أعلم
стр. 197
الْبَاب الْخَامِس وَالثَّمَانُونَ فِي أَن إِبْلِيس هَل كلمة الله تَعَالَى أم لَا
قَالَ ابْن عقيل ان قَالَ لَك قَائِل هَل كلم الله تَعَالَى إِبْلِيس من غير واسطه فقد اخْتلف الْعلمَاء فِي ذَلِك أَعنِي الاصوليين فَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْهُم لم يكلمهُ قَالَ وَقَالَ بَعضهم بل كَلمه وَالصَّحِيح أَنه لَا يجوز أَن يكون كلمة كفاحا وَإِنَّمَا يكون على لِسَان ملك لِأَن كَلَام الْبَارِي لمن كَلمه رَحْمَة ورضى وتكرم وإجلال أَلا ترى أَن نَبيا من الْأَنْبِيَاء فضل بذلك على سَائِر الْأَنْبِيَاء مَا عدا الْخَلِيل مُحَمَّدًا ﷺ وَجَمِيع الآى الْوَارِدَة مَحْمُولَة على أَنه أرسل إِلَيْهِ بِملك يَقُول فَإِن قيل أَلَيْسَ رسَالَته تَشْرِيفًا وَقد كَانَت لإبليس على غير وَجه التشريف كَذَلِك يكون كَلَامه تَشْرِيفًا لغير إِبْلِيس وَلَا يكون تَشْرِيفًا لإبليس قيل مُجَرّد الْإِرْسَال لَيْسَ بتشريف وَإِنَّمَا يكون لإِقَامَة الْحجَّة بِدلَالَة أَن مُوسَى ﵇ أرْسلهُ إِلَى فِرْعَوْن وهامان وَلَا شرف لَهما وَلَا قصد إكرامهما وإعظامهما لعلمه بِأَنَّهُمَا عدوان لَهُ وَكَلَامه إِيَّاه تَشْرِيفًا لَهُ قَالُوا لما قَالَ للْمَلَائكَة اسجدوا هَل كَانَ مُخَاطبا مَعَهم أم لَا قيل يجوز أَن يدْخل فِي عُمُوم النُّطْق وَلَا يخص بذلك بِدلَالَة أَنه سُبْحَانَهُ شرف نبيه بتخصيصه على سَائِر الْأُمَم فَلم يبلغُوا بخطاب الْعُمُوم خطابه الْخَاص وَيجوز أَيْضا حمل خطابه وَأمره بِالسُّجُود الْخَاصَّة من الْمَلَائِكَة كفاحا ولإبليس بالارسال وَيكون اللَّفْظ عَاما مُطلقًا وَالْمعْنَى مفصلا كَمَا يُقَال أَمر السُّلْطَان رَعيته بِالْخدمَةِ لزيد وَإِن كَانُوا مُخْتَلفين فِي مَرَاتِب أمره بَعضهم شافهه وَبَعْضهمْ أرسل إِلَيْهِ قَالُوا كَيفَ يَجْعَل غَضَبه عَلَيْهِ وَكَونه عَاصِيا حجَّة فِي عدم كَلَامه وَقد أخبر سُبْحَانَهُ بِأَنَّهُ يكلم من هَذَا حَاله فَقَالَ ﴿وَيَوْم يناديهم فَيَقُول أَيْن شركائي الَّذين كُنْتُم تَزْعُمُونَ﴾ ﴿قَالَ اخسؤوا فِيهَا وَلَا تكَلمُون﴾ وَلِأَن الْكَلَام بِالْغَضَبِ وَالْعَذَاب لَا يكون تَشْرِيفًا بل انتقاما كالملك إِذا شتم خادمه وضربه وَأمر بقتْله لَا يُقَال قد أكْرمه قيل كَلَام العالي تشريف لمن يكلمهُ وَإِن كَانَ وعيدا فَلهَذَا لَا يكلم السُّلْطَان لمن غضب عَلَيْهِ ولعنه بِنَفسِهِ فَأَما السقاط والحارس فَإِنَّهُ بِكُل ذَلِك إِلَى خدمه
стр. 198
ورعيته وَقد نبه سُبْحَانَهُ على ذَلِك وَأَن كَلَامه يشرف بِهِ الْمُخَاطب فَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وَلَا يكلمهم الله وَلَا ينظر إِلَيْهِم يَوْم الْقِيَامَة وَلَا يزكيهم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لبشر أَن يكلمهُ الله إِلَّا وَحيا﴾ وَهَذَا يدل على مَا ذكرت وَأما قَوْلهم وَيَوْم يناديهم فَالْمُرَاد يناديهم على لِسَان بعض مَلَائكَته إرْسَالًا بِدلَالَة الْآيَة الثَّانِيَة وَهِي قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿وَلَا يكلمهم الله يَوْم الْقِيَامَة﴾ وَلَو كَانَ النداء هُنَاكَ الْكَلَام لَكَانَ الْقُرْآن متناقضا وَنحن نجمع بَين الْآيَتَيْنِ فَنَقُول يناديهم بِبَعْض مَلَائكَته وَلَا يكلمهم بِنَفسِهِ وَلِهَذَا يُقَال قد نَادَى السُّلْطَان فِي الْبَلَد بِمَعْنى أَمر مناديا فَنَادَى لَا أَنه نَادَى بِنَفسِهِ وَالله تَعَالَى أعلم
الْبَاب السَّادِس وَالثَّمَانُونَ فِي خطأ إِبْلِيس فِي دَعْوَاهُ أَنه خير من آدم ﵇ وتعليله بِأَنَّهُ خلق من نَار
اعْلَم أَن هَذِه الشُّبْهَة الَّتِي ذكرهَا إِبْلِيس إِنَّمَا ذكرهَا على سَبِيل التعنت وَإِلَّا فامتناعه من السُّجُود لآدَم إِنَّمَا كَانَ عَن كبر وَكفر وَمُجَرَّد إباء وحسد وَمَعَ ذَلِك فَمَا أبداه من الشُّبْهَة فَهُوَ داحض لِأَنَّهُ رتب على ذَلِك أَنه خير من آدم لكَونه خلق من نَار وآدَم خلق من طين ورتب على هَذَا أَنه لَا يحسن مِنْهُ الخضوع لمن دونه وَمن هُوَ خير مِنْهُ وَهَذَا بَاطِل من وُجُوه
الأول أَن النَّار طبعها الْفساد وَإِتْلَاف مَا تعلّقت بِهِ بِخِلَاف التُّرَاب
الثَّانِي أَن النَّار طبعها الخفة والطيش وَالْجدّة وَالتُّرَاب طبعه الرزانة والسكون والثبات
الثَّالِث أَن التُّرَاب يتكون فِيهِ وَمِنْه أرزاق الْحَيَوَان وأقواتهم ولباس الْعباد وزينتهم وآلات مَعَايشهمْ ومساكنهم وَالنَّار لَا يكون فِيهَا شَيْء من ذَلِك
стр. 199
الرَّابِع أَن التُّرَاب ضَرُورِيّ للحيوان لَا يسْتَغْنى عَنهُ الْبَتَّةَ وَلَا عَمَّا يتكون فِيهِ وَمِنْه وَالنَّار يسْتَغْنى عَنْهَا الْحَيَوَان البهيم مُطلقًا وَقد يَسْتَغْنِي عَنْهَا الْإِنْسَان الْأَيَّام والشهور فَلَا يَدعُوهُ إِلَيْهَا ضَرُورَة
الْخَامِس أَن التُّرَاب إِذا وضع فِيهِ الْقُوت أخرجه أَضْعَاف أَضْعَاف مَا وضع فِيهِ فَمن بركته يُؤَدِّي مَا استودعته فِيهِ إِلَيْك مضاعفا وَلَو استودعته النَّار لخانتك وأكلته وَلم تبْق وَلم تذر
السَّادِس أَن النَّار لَا تقوم بِنَفسِهَا بل هِيَ مفتقرة إِلَى مَحل تقوم بِهِ يكون حَامِلا لَهَا وَالتُّرَاب لَا يفْتَقر إِلَى حَامِل فالتراب أكمل مِنْهَا لغناه وافتقارها
السَّابِع أَن النَّار مفتقرة إِلَى التُّرَاب وَلَيْسَ التُّرَاب مفتقرا إِلَيْهَا فَإِن الْمحل الَّذِي تقوم بِهِ النَّار لَا يكون إِلَّا متكونا أَو فِيهِ من التُّرَاب فَهِيَ الفقيرة إِلَى التُّرَاب وَهُوَ الْغنى عَنْهَا
الثَّامِن أَن الْمَادَّة الإبليسية هِيَ المارج من النَّار وَهُوَ ضَعِيف تتلاعب بِهِ الأهوية فيميل مَعهَا كَيْفَمَا مَالَتْ وَلِهَذَا غلب الْهوى على الْمَخْلُوق مِنْهُ فَأسرهُ وقهره وَلما كَانَت الْمَادَّة الْآدَمِيَّة هِيَ التُّرَاب وَهُوَ قوي لَا يذهب مَعَ الْهَوَاء أَيّمَا ذهب قهر هَوَاهُ وأسره وَرجع إِلَى ربه فاجتباه واصطفاه وَكَانَ الْهَوَاء الَّذِي مَعَ الْمَادَّة الْآدَمِيَّة عارضا سريع الزَّوَال فَزَالَ وَكَانَ الثَّبَات والرزانة اصليا لَهُ فَعَاد إِلَيْهِ وَكَانَ إِبْلِيس بِالْعَكْسِ من ذَلِك فَعَاد كل مِنْهُمَا إِلَى أَصله وعنصره آدم إِلَى أَصله الطّيب الشريف واللعين إِلَى أَصله الردي
التَّاسِع أَن النَّار وَإِن حصل مِنْهَا بعض الْمَنْفَعَة وَالْمَتَاع فالشر كامن فِيهَا لَا يصدها عَنهُ إِلَّا قسرها وحبسها وَلَوْلَا القاسر والحابس لَهَا لأفسدت الْحَرْث والنسل التُّرَاب فالخير وَالْبركَة كامن فِيهِ كلما أثير وقلب ظَهرت بركته وخيره وثمرته فَأَيْنَ أَحدهمَا من الآخر
الْعَاشِر أَن الله تَعَالَى أَكثر ذكرهَا فِي كِتَابه وَأخْبر عَن مَنَافِعهَا وخلقها وَأَنه جعلهَا مهادا وفراشا وبساطا وقرارا أَو كفات للأحياء والأموات ودعا عباده إِلَى التفكر فِيهَا وَالنَّظَر فِي آياتها وعجائبها وَمَا أودع فِيهَا وَلم
стр. 200
يذكر النَّار إِلَّا فِي معرض الْعقُوبَة والتخويف وَالْعَذَاب إِلَّا فِي مَوضِع أَو موضِعين ذكرهَا فِيهِ بِأَنَّهَا تذكرة ومتاع للمقوين تذكرة بِنَار الْآخِرَة ومتاع لبَعض أَفْرَاد النَّاس وهم المقوون النازلون بالقرى وَهِي الأَرْض الخالية إِذا نزلها الْمُسَافِر يمتع بالنَّار فِي منزله فَأَيْنَ هَذَا من أَوْصَاف الأَرْض فِي الْقُرْآن
الْحَادِي عشر أَن الله تَعَالَى وصف الأَرْض بِالْبركَةِ فِي غير مَوضِع من كِتَابه خُصُوصا وَأخْبر أَنه بَارك فِيهَا عُمُوما فَقَالَ تَعَالَى ﴿أئنكم لتكفرون بِالَّذِي خلق الأَرْض فِي يَوْمَيْنِ﴾ إِلَى أَن قَالَ ﴿وَبَارك فِيهَا وَقدر فِيهَا أقواتها﴾ فَهَذِهِ بركَة عَامَّة وَأما الْبركَة الْخَاصَّة بِبَعْضِهَا فكقوله تَعَالَى ﴿ونجيناه ولوطا إِلَى الأَرْض الَّتِي باركنا فِيهَا﴾ وَأما النَّار فَلم يخبر انه جعل فِيهَا بركَة أصلا بل الْمَشْهُود أَنَّهَا مذهبَة للبركات ماحقة لَهَا فَأَيْنَ الْمُبَارك فِي نَفسه الْمُبَارك فِيمَا وضع فِيهِ إِلَى مزيل الْبركَة وَمَا حَقّهَا
الثَّانِي عشر أَن الله تَعَالَى جعل الأَرْض مَحل بيوته الَّتِي يذكر فِيهَا اسْمه ويسبح لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال عُمُوما وبيته الْحَرَام الَّذِي جعله قيَاما للنَّاس مُبَارَكًا وَهدى للعاملين خُصُوصا فَلَو لم يكن فِي الأَرْض إِلَّا بَيته الْحَرَام لكفاها ذَلِك شرفا وفخرا على النَّار
الثَّالِث عشر أَن الله تَعَالَى أودع الأَرْض من الْمَعَادِن والأنهار والعيون والثمرات والحبوب والأقوات وأصناف الْحَيَوَانَات وامتعتها وَالْجِبَال والرياض والمراكب البهية والصور البهيجة مَا لم يودع فِي النَّار شَيْئا مِنْهُ فَأَي رَوْضَة وجدت فِي النَّار أَو جنَّة أَو مَعْدن أَو صُورَة أَو عين خرارة أَو نهر مطرد أَو ثَمَرَة لذيذة
الرَّابِع عشر إِن غَايَة النَّار أَنَّهَا وضعت خادمة لما فِي الأَرْض فَالنَّار إِنَّمَا محلهَا مَحل الْخَادِم لهَذِهِ الْأَشْيَاء فَهِيَ تَابِعَة لَهَا خادمة فَقَط إِذا استغنت عَنْهَا طردتها وأبعدتها عَن قربهَا وَإِذا احْتَاجَت إِلَيْهَا استدعتها استدعاء المخدوم لِخَادِمِهِ
الْخَامِس عشر أَن اللعين لقُصُور نظره وَضعف بصيرته رأى صُورَة الطين تُرَابا ممتزجا بِمَاء فاحتقره وَلم يعلم أَن الطين مركب من أصلين
стр. 201
المَاء الَّذِي جعل الله تَعَالَى مِنْهُ كل شَيْء حَيا وَالتُّرَاب الَّذِي جعله خزانَة الْمَنَافِع وَالنعَم هَذَا وَلم يجِئ من الطين من الْمَنَافِع وأنواع الْأَمْتِعَة فَلَو تجَاوز نظره صُورَة الطين إِلَى مادته ونهايته لرَأى أَنه خير من النَّار وَأفضل ثمَّ لَو سلم بطرِيق الْفَرْض الْبَاطِل إِن النَّار خير من الطين لم يلْزم من ذَلِك أَن يكون الْمَخْلُوق مِنْهَا خيرا من الطين فَإِن الْقَادِر على كل شَيْء يخلق من الْمَادَّة المفضولة من هُوَ خير مِمَّن خلقه من الْمَادَّة الفاضلة فالاعتبار بِكَمَال النِّهَايَة لَا بِنَقص الْمَادَّة فاللعين لم يتَجَاوَز نظره مَحل الْمَادَّة وَلم يعبر مِنْهَا إِلَى كَمَال الصُّورَة وَنِهَايَة الْخلقَة وَالله أعلم
الْبَاب السَّابِع وَالثَّمَانُونَ فِي كَيْفيَّة الوسوسة وَمَا ورد فِي الوسواس
قَالَ الله تَعَالَى ﴿قل أعوذ بِرَبّ النَّاس ملك النَّاس﴾ السُّورَة بكمالها هَذِه السُّورَة مُشْتَمِلَة على الِاسْتِعَاذَة من الشَّرّ الَّذِي هُوَ سَبَب الذُّنُوب والمعاصي كلهَا وَهُوَ منشأ الْعُقُوبَات فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فسورة الفلق تَضَمَّنت الِاسْتِعَاذَة من الشَّرّ الَّذِي هُوَ ظلم الْغَيْر لَهُ بِالسحرِ والحسد وَهُوَ شَرّ من خَارج وَسورَة النَّاس تَضَمَّنت الِاسْتِعَاذَة من الشَّرّ الَّذِي هُوَ سَبَب ظلم العَبْد نَفسه فَهُوَ شَرّ من دَاخل فالشر الأول لَا يدْخل تَحت التَّكْلِيف وَلَا يطْلب مِنْهُ الْكَفّ عَنهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ من كَسبه وَالشَّر الثَّانِي يدْخل تَحت التَّكْلِيف وَيتَعَلَّق بِهِ النَّهْي والوسواس فعلال من وسوس وأصل الوسوسة الْحَرَكَة وَالصَّوْت الْخَفي الَّذِي لَا يحس فيحترز مِنْهُ فالوسواس الْإِلْقَاء الْخَفي فِي النَّفس وَلما كَانَت الوسوسة كلَاما يكرره الموسوس ويؤكده عِنْد من يلقيه إِلَيْهِ كرر لَفظهَا بازاء تَكْرِير مَعْنَاهَا وَاخْتلف النُّحَاة فِي لفظ الوسواس هَل هُوَ وصف أَو مصدر على قَوْلَيْنِ وَأما الخناس ففعال من خنس يخنس إِذا توارى واختفى وَمِنْه قَول أبي هُرَيْرَة فانخنست مِنْهُ وَحَقِيقَة اللَّفْظ اختفاء بعد ظُهُور فَلَيْسَتْ لمُجَرّد الاختفاء وَلِهَذَا وصف بهَا الْكَوَاكِب وَقَوله ﴿يوسوس فِي صُدُور النَّاس﴾ صفة ثَالِثَة للشَّيْطَان فَذكر وسوسته أَولا ثمَّ ذكر محلهَا ثَانِيًا فِي صُدُور النَّاس وَتَأمل حكم الْقُرْآن وجلالته كَيفَ أوقع الِاسْتِعَاذَة من شَرّ الشَّيْطَان الْمَوْصُوف بِأَنَّهُ ﴿الوسواس الخناس الَّذِي يوسوس فِي صُدُور النَّاس﴾
стр. 202
وَلم يقل من شَرّ وسوسته لنعم الِاسْتِعَاذَة شَره جَمِيعه فَإِن قَوْله ﴿من شَرّ الوسواس﴾ نعم كل شَره وَوَصفه بأعظم صِفَاته وأشدها شرا وأقواها تَأْثِيرا وأعمها فَسَادًا وَتَأمل السِّرّ فِي قَوْله ﴿يوسوس فِي صُدُور النَّاس﴾ وَلم يقل فِي قُلُوبهم والصدور هِيَ ساحة الْقلب وبيته فَمِنْهُ تدخل الواردات عَلَيْهِ فتجتمع فِي الصَّدْر ثمَّ تلج فِي الْقلب فَهُوَ بِمَنْزِلَة الدهليز وَمن الْقلب تخرج الْأَوَامِر والإرادات إِلَى الصَّدْر ثمَّ تتفرق على الْجنُود وَمن فهم هَذَا فهم قَوْله تَعَالَى ﴿وليبتلي الله مَا فِي صدوركم وليمحص مَا فِي قُلُوبكُمْ﴾ فالشيطان يدْخل إِلَى ساحة الْقلب وبيته فَيلقى مَا يُرِيد إلقاءه إِلَى الْقلب فَهُوَ يوسوس فِي الصَّدْر وسوسته واصلة إِلَى الْقلب وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى ﴿فوسوس إِلَيْهِ الشَّيْطَان﴾ وَلم يقل فِيهِ وَالله أعلم وَقَالَ القَاضِي أَبُو يعلى ﴿الوسواس﴾ يحْتَمل أَن يفعل كلَاما خفِيا يُدْرِكهُ الْقلب وَيُمكن أَن يكون هُوَ الَّذِي يَقع عِنْد الْفِكر وَيكون مِنْهُ مس وسلوك وَذُهُول فِي أَجزَاء الْإِنْسَان ويتحفظه وَهَذَا ظَاهر كَلَام أَحْمد فِي رِوَايَة بكر بن مُحَمَّد هُوَ يتَكَلَّم على لِسَانه خلافًا لبَعض الْمُتَكَلِّمين فِي إنكارهم سلوك الشَّيْطَان فِي أجسام الْإِنْس وَزَعَمُوا انه لَا يجوز وجود روحين فِي جَسَد فَإِن قيل كَيفَ يَصح سلوكه فِي الْإِنْسَان وَتَحفظه لَهُ وَهُوَ من نَار وَمَعْلُوم أَن النَّار تحرق الْآدَمِيّ قيل النَّار لَا تحرق بطبعها وَإِنَّمَا يحدث الله تَعَالَى فِيهَا الإحراق حَالا فحالا فَيجوز أَن لَا يحدث فِيهَا الإحراق فِي حَال سلوكه فَإِن قيل يحمل قَوْله ﵊ يجْرِي من ابْن آدم مجْرى الدَّم يَعْنِي وساوسه تجْرِي مِنْهُ هَذَا المجرى كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وأشربوا فِي قُلُوبهم الْعجل﴾ مَعْنَاهُ حبه قيل لَو لم يدْخل فِي جَوف الْإِنْسَان لم يحس بوسوسة لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يحس بِكَلَام أَو وَسْوَسَة خَارِجَة من جِسْمه إِلَّا بِصَوْت يسمعهُ بِإِذْنِهِ وَلَيْسَ للشَّيْطَان صَوت يسمع فَهُوَ بِمَثَابَة حَدِيث النَّفس
فَإِن قيل فَيَقُولُونَ للشَّيْطَان سَبِيل إِلَى تخبيط الْإِنْسِي كَمَا لَهُ سَبِيل إِلَى
стр. 203
سلوكه ووسوسته وَإِنَّمَا يرَاهُ من الصرع والتخبط وَالِاضْطِرَاب من فعل الشَّيْطَان قيل لَا نقُول ذَلِك لما بَينا من قبل اسْتِحَالَة فعل الْفَاعِل فِي غير مَحل قدرته بل ذَلِك من فعل الله تَعَالَى مَعَه يجْرِي الْعَادة فَإِن كَانَ الْمَجْنُون قَادِرًا على ذَلِك كَانَ كسبا لَهُ وَإِن لم يكن قَادِرًا كَانَ مُضْطَرّا
فصل
قَالَ ابْن عقيل فَإِن قَالَ لَك قَائِل كَيفَ الوسوسة من إِبْلِيس وَكَيف وُصُوله إِلَى الْقلب قل هُوَ كَلَام على مَا قيل تميل إِلَيْهِ النُّفُوس والطبع وَقد قيل يدْخل فِي جَسَد ابْن آدم لِأَنَّهُ جسم لطيف ويوسوس وَهُوَ أَنه يحدث النَّفس بالأفكار الردية قَالَ تَعَالَى ﴿يوسوس فِي صُدُور النَّاس﴾ فَإِن قَالُوا فَهَذَا لَا يَصح لِأَن الْقسمَيْنِ باطلان أما حَدِيثه فَلَو كَانَ مَوْجُودا لسمع بالآذان وَأما دُخُوله فِي الْأَجْسَام فالأجسام لَا تتداخل وَلِأَنَّهُ نَار فَكَانَ يجب أَن يَحْتَرِق الْإِنْسَان قيل أما حَدِيثه فَيجوز أَن يكون شَيْئا تميل إِلَيْهِ النَّفس كالساحر الَّذِي يتوخى النفث إِلَى المسحور وَإِن لم يكن صَوتا وَأما قَوْله لَو أَنه دخل فِيهِ لتداخلت الْأَجْسَام ولاحترق الْإِنْسَان فغلط لِأَن الْجِنّ لَيْسُوا بِنَار محرقة وَإِنَّمَا هم خلقُوا من نَار فِي الأَصْل وَأما قَوْلك إِن الْأَجْسَام لَا تتداخل فالجسم اللَّطِيف يجوز أَن يدْخل إِلَى مُخَارق الْجِسْم الكثيف كالروح عنْدكُمْ أَو الْهَوَاء الدَّاخِل فِي سَائِر الْأَجْسَام وَالْجِنّ جسم لطيف
فصل وَقَوله ﴿من الْجنَّة وَالنَّاس﴾ اخْتلف النَّاس فِي هَذَا الْجَار وَالْمَجْرُور بِمَاذَا يتَعَلَّق فَقَالَ الْفراء وَجَمَاعَة هُوَ بَيَان للنَّاس الموسوس فِي صُدُورهمْ وَالْمعْنَى ﴿يوسوس فِي صُدُور النَّاس﴾ الَّذين هم من الْجِنّ وَالْإِنْس أَي الموسوس فِي صُدُورهمْ قِسْمَانِ إنس وجن فالوسواس يوسوس للجني كَمَا يوسوس للإنسي وَهَذَا ضَعِيف جدا لوجوه
أَحدهَا أَنه لم يقم دَلِيل على أَن الْجِنّ يوسوس فِي صدر الجني وَيدخل فِيهِ كَمَا يدْخل فِي الْإِنْسِي وَيجْرِي مِنْهُ مجْرَاه من الْإِنْسِي فَأَي دَلِيل يدل على هَذَا حَتَّى يَصح حمل الْآيَة عَلَيْهِ
стр. 204
الثَّانِي أَنه فَاسد من جِهَة اللَّفْظ أَيْضا فَإِنَّهُ قَالَ الَّذِي يوسوس فِي صُدُور النَّاس فَكيف يبين النَّاس بِالنَّاسِ أفيجوز أَن يُقَال فِي صُدُور النَّاس الَّذين هم من النَّاس وَغَيرهم هَذَا مَالا يجوز وَلَا هُوَ اسْتِعْمَال فصيح
الثَّالِث أَن يكون قد قسم النَّاس إِلَى قسمَيْنِ جنَّة وناس وَهَذَا غير صَحِيح فَإِن الشَّيْء لَا يكون قسيم نَفسه
الرَّابِع أَن الْجنَّة لَا يُطلق عَلَيْهِم اسْم نَاس بِوَجْه لَا أصلا وَلَا اشتقاقا وَلَا اسْتِعْمَالا وَلَفْظهمَا يَأْبَى ذَلِك فَإِن قيل لَا مَحْذُور فِي ذَلِك فقد أطلق على الْجِنّ اسْم الرِّجَال كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنه كَانَ رجال من الْإِنْس يعوذون بِرِجَال من الْجِنّ﴾ فَإِذا أطلق عَلَيْهِم اسْم الرِّجَال لم يمْتَنع أَن يُطلق عَلَيْهِم اسْم النَّاس
قلت هَذَا هُوَ الَّذِي غر من قَالَ إِن النَّاس اسْم للجن وَالْإِنْس فِي هَذِه الْآيَة وَجَوَاب ذَلِك ان اسْم الرِّجَال إِنَّمَا وَقع عَلَيْهِم وقوعا مُقَيّدا فِي مُقَابلَة ذكر الرِّجَال من الْإِنْس وَلَا يلْزم من هَذِه أَن يَقع اسْم النَّاس وَالرِّجَال عَلَيْهِم مُطلقًا وَأَنت إِذا قلت إِنْسَان من حِجَارَة أَو رجل من خشب وَنَحْو ذَلِك لم يلْزم من ذَلِك وُقُوع الرجل وَالْإِنْسَان عِنْد الْإِطْلَاق على الْحجر والخشب وَأَيْضًا فَلَا يلْزم من إِطْلَاق اسْم الرجل على الجني أَن يُطلق عَلَيْهِ اسْم النَّاس والآيات أبين حجَّة عَلَيْهِم فِي أَن الْجِنّ لَا يدْخلُونَ فِي لفظ النَّاس لِأَنَّهُ قَابل بَين الْجنَّة وَالنَّاس فَعلم أَن احدهما لَا يدْخل فِي الآخر وَالصَّوَاب وَالله أعلم أَن قَوْله ﴿من الْجنَّة وَالنَّاس﴾ بَيَان للَّذي يوسوس وَأَنَّهُمْ نَوْعَانِ إنس وجن فالجني يوسوس فِي صدر الْإِنْسِي والإنسي أَيْضا يوسوس إِلَى الْإِنْسِي فالموسوس نَوْعَانِ إنس وجن والموسوس إِلَيْهِ نوع وَاحِد وَهُوَ الْإِنْس وَقد قدمنَا أَن الوسوسة هِيَ الْإِلْقَاء الْخَفي فِي الْقلب وَهَذَا يشْتَرك بَين الْجِنّ وَالْإِنْس وعَلى هَذَا فتزول تِلْكَ الإشكالات وتدل الْآيَة على الِاسْتِعَاذَة من شَرّ نَوْعي الشَّيْطَان شياطين الْإِنْس وَالْجِنّ وعَلى القَوْل الأول يكون الِاسْتِعَاذَة من شَرّ شَيْطَان الْجِنّ فَقَط وَقد دلّ الْقُرْآن على أَن من الْإِنْس شياطين كشياطين الْجِنّ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ جعلنَا لكل نَبِي عدوا شياطين الْإِنْس وَالْجِنّ﴾
стр. 205
فصل
قَالَ أَبُو بكر عبد الله بن أبي دَاوُد سُلَيْمَان السجسْتانِي حَدثنَا اسحاق بن إِبْرَاهِيم بن زيد حَدثنَا أَبُو دَاوُد حَدثنَا فرج عَن مُعَاوِيَة ابْن أبي طَلْحَة قَالَ كَانَ من دُعَاء النَّبِي ﷺ اللَّهُمَّ أعمر قلبِي من وساوس ذكرك واطرد عني وساوس الشَّيْطَان حَدثنَا مُحَمَّد ابْن عبد الْملك حَدثنَا يزِيد أَنا روح بن الْمسيب حَدثنَا عَمْرو بن مَالك عَن أبي الجوزاء عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى ﴿الوسواس الخناس﴾ قَالَ مثل الشَّيْطَان كَمثل ابْن عرس وَاضع فَمه على فَم الْقلب يوسوس إِلَيْهِ فَإِذا ذكر الله خنس وَإِن سكت عَاد إِلَيْهِ فَهُوَ الوسواس الخناس
حَدثنَا اسحاق بن إِبْرَاهِيم حَدثنَا دَاوُد حَدثنَا فرج عَن عُرْوَة ابْن رُوَيْم أَن عِيسَى ابْن مَرْيَم دَعَا ربه أَن يرِيه مَوضِع الشَّيْطَان من ابْن آدم قَالَ فخلاله فَإِذا بِرَأْسِهِ مثل الْحَيَّة وَاضع رَأسه على ثَمَرَة الْقلب فَإِذا ذكر العَبْد الله خنس بِرَأْسِهِ وَإِذا ترك الذّكر مناه وحدثه قَالَ الله تَعَالَى ﴿من شَرّ الوسواس الخناس الَّذِي يوسوس فِي صُدُور النَّاس﴾
وَحكى أَبُو الْقَاسِم السُّهيْلي عَن مَيْمُون بن مهْرَان عَن عمر بن عبد الْعَزِيز أَن رجلا سَأَلَ ربه أَن يرِيه مَوضِع الشَّيْطَان مِنْهُ فَأرى جسدا ممهى يرى دَاخله من خَارجه والشيطان فِي صُورَة ضفدع عِنْد نغض كتفه حذاء قلبه لَهُ خرطوم كخرطوم الْبَعُوضَة وَقد أدخلهُ إِلَى قلبه يوسوس فَإِذا ذكر الله العَبْد خنس قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ قَوْله ممهى قلب مموه مجعول مَاء فِي ر قته وشفيفه وَقيل مصفى أشبه المها وَهُوَ البلور قَالَ السُّهيْلي وضع خَاتم النَّبِي ﷺ عِنْد نغض كتفه لِأَنَّهُ مَعْصُوم من وَسْوَسَة الشَّيْطَان وَذَلِكَ الْموضع مِنْهُ يوسوس الشَّيْطَان لِابْنِ آدم
وَقَالَ ابْن أبي الدُّنْيَا حَدثنَا مُحَمَّد بن الْحَارِث الْمقري حَدثنَا سيار ابْن حَاتِم حَدثنَا جَعْفَر بن سُلَيْمَان حَدثنَا عَمْرو بن مَالك الْبكْرِيّ سَمِعت أَبَا الجوزاء يَقُول وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ أَن الشَّيْطَان لَازم بِالْقَلْبِ مَا يَسْتَطِيع صَاحبه يذكر الله تَعَالَى أما ترونهم فِي مجَالِسهمْ وأسواقهم يأتى على أحدهم
стр. 206
عَامَّة يَوْمه لَا يذكر الله تَعَالَى إِلَّا حَالفا مَاله من الْقلب طرد إِلَّا قَوْله لَا إِلَه إِلَّا الله ثمَّ قَرَأَ ﴿وَإِذا ذكرت رَبك فِي الْقُرْآن وَحده ولوا على أدبارهم﴾ قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ كَانَت الصَّحَابَة ﵃ تَقول إِن الشَّيَاطِين ليجتمعون على الْقلب كَمَا يجْتَمع الذُّبَاب فَإِن لم يذب وَقع الْفساد
قَالَ ابْن أبي الدُّنْيَا وحَدثني الْحُسَيْن بن السكن حَدثنَا مُعلى بن أَسد حَدثنَا عدي بن أبي عمَارَة حَدثنَا زِيَاد النميري عَن أنس بن مَالك عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن الشَّيْطَان وَاضع خطمه على قلب ابْن آدم فَإِن ذكر الله خنس وَإِن نسي الله الْتَقم قلبه حَدثنَا أَبُو بكر بن مَنْصُور حَدثنَا ابْن عفير حَدثنِي ابْن لَهِيعَة عَن أبي قبيل أَنه سمع حَيْوَة بن شرَاحِيل من بني سريع يَقُول سَمِعت عبد الله بن عَمْرو يَقُول إِن إِبْلِيس موثوق فَإِذا تحرّك فَكل شَرّ يكون بَين اثْنَيْنِ فَصَاعِدا على وَجه الأَرْض فَمن تحريكه وَرَوَاهُ أَحْمد بن عبد الله الْحَافِظ عَن إِبْرَاهِيم بن عبد الله حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق حَدثنَا قُتَيْبَة بن سعيد عَن ابْن لَهِيعَة قَالَ موثق بِالْأَرْضِ السُّفْلى وَقَالَ ابْن أبي الدُّنْيَا حَدثنَا أَبُو سَلمَة المَخْزُومِي حَدثنَا ابْن أبي فديك عَن الضَّحَّاك ابْن عُثْمَان عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة ﵂ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن الشَّيْطَان يَأْتِي أحدكُم فَيَقُول من خلقك فَيَقُول الله ﵎ فَيَقُول من خلق الله فَإِذا وجد أحدكُم ذَلِك فَلْيقل آمَنت بِاللَّه وَرَسُوله فَإِن ذَلِك يذهب عَنهُ
وَقَالَ أَبُو بكر عبد الله بن أبي الدُّنْيَا السجسْتانِي حَدثنَا سهل بن مُحَمَّد ابو حَاتِم السجسْتانِي حَدثنَا الْأَصْمَعِي حَدثنِي جرير بن عبد الله عَن أَبِيه قَالَ كنت أجد من الوسواس شَيْئا فَسَأَلت الْعَلَاء بن زِيَاد فَقَالَ يَا ابْن أخي إِنَّمَا مثل ذَلِك مثل اللُّصُوص يَمرونَ بِالْبَيْتِ فَإِن كَانَ فِيهِ خير نالوه وَإِن لم يكن فِيهِ خير طَوَوْا عَنهُ حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد بن خَلاد حَدثنَا يزِيد ابْن هَارُون أَنبأَنَا مُحَمَّد بن الْفضل عَن أَبِيه عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ تعوذوا بِاللَّه من وَسْوَسَة الْوضُوء
стр. 207
وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي بن كَعْب أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن للْوُضُوء شَيْطَانا يُقَال لَهُ الولهان فَاتَّقُوا وسواس المَاء وروى ابْن أبي الدُّنْيَا بِسَنَدِهِ إِلَى الْحسن قَالَ شَيْطَان الْوضُوء يدعى الولهان يضْحك بِالنَّاسِ فِي الْوضُوء وَكَانَ طَاوُوس يَقُول هُوَ أَشد الشَّيَاطِين
وروى ابو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث عبد الله بن مُغفل عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا يبولن أحدكُم فِي مستحمه فَإِن عَامَّة الوسواس مِنْهُ وَقَالَ ابْن أبي دَاوُد حَدثنَا أَحْمد بن يحيى بن مَالك حَدثنَا عبد الْوَهَّاب عَن سعيد عَن قَتَادَة عَن سعيد بن ابي الْحسن قَالَ كُنَّا نُحدث ان الوسواس يعتري مِنْهُ أَو قَالَ يهيج مِنْهُ قَالَ سعيد وَلَا أرى بَأْسا أَن يَبُول عَن متعبة وروى مُسلم من حَدِيث عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ قَالَ قلت يَا رَسُول الله إِن الشَّيْطَان قد حَال بيني وَبَين صَلَاتي وَبَين قراءتي فلبسها على فَقَالَ ﷺ ذَاك الشَّيْطَان يُقَال لَهُ خنزب فَإِذا احسست بِهِ فتعوذ بِاللَّه مِنْهُ وأتفل عَن يسارك ثَلَاثًا قَالَ فَفعلت ذَلِك فأذهبه الله عني وروى مُسلم من حَدِيث قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن إِبْلِيس قد يئس أَن يعبده المصلون وَلَكِن فِي التحريش بَينهم وَفِي لفظ قد يئس أَن يعبده المصلون فِي جَزِيرَة الْعَرَب وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده من طَرِيق مَاعِز التَّمِيمِي وَأبي الزبير عَن جَابر وَقَالَ احْمَد حَدثنَا وَكِيع حَدثنَا الْأَعْمَش عَن خَيْثَمَة عَن الْحَارِث بن قيس قَالَ إِذا أَتَاك الشَّيْطَان وَأَنت تصلي فَقَالَ أَنْت ترائي فزدها طولا وَقَالَ سعيد بن دَاوُد حَدثنَا مخلد بن الْحُسَيْن قَالَ مَا ندب الله تَعَالَى الْعباد إِلَى شَيْء إِلَّا اعْترض إِبْلِيس بأمرين مَا يُبَالِي بِأَيِّهِمَا ظفر إِمَّا غلو فِيهِ وَإِمَّا تَقْصِير عَنهُ وَقَالَ ابْن أبي دَاوُد حَدثنَا عمر بن شبة حَدثنِي هَارُون بن عبد الله حَدثنِي ابْن أبي حَازِم عَن أَبِيه قَالَ أَتَاهُ رجل فَقَالَ يَا أَبَا حَازِم إِن الشَّيْطَان يأتيني فيوسوس إِلَى وأشده عِنْدِي أَنه يأتيني فَيَقُول إِنَّك طلقت امْرَأَتك فَقَالَ لَهُ أَبُو حَازِم أَو لم تأتني فَتُطَلِّقهَا عِنْدِي قَالَ وَالله مَا طَلقتهَا عنْدك قطّ قَالَ فاحلف للشَّيْطَان كَمَا حَلَفت لي وَالله تَعَالَى أعلم
стр. 208
الْبَاب الثَّامِن وَالثَّمَانُونَ فِي إِخْبَار الوسواس بِمَا وَقع فِي قلب ابْن آدم
قَالَ ابْن أبي دَاوُد حَدثنَا هَارُون بن سُلَيْمَان حَدثنَا أَبُو عَامر حَدثنَا كثير بن زيد عَن الْمطلب بن عبد الله بن حنظب أَن عمر بن الْخطاب ذكر امْرَأَة فِي نَفسه وَلم يبح بهَا لأحد فَأَتَاهُ رجل فَقَالَ ذكرت فُلَانَة إِنَّهَا لحسنة شريفة فِي بَيت صدق قَالَ من حَدثَك بِهَذَا قَالَ النَّاس يتحدثون بِهِ قَالَ فوَاللَّه مَا بحت بِهِ لأحد فَمن أَيْن ثمَّ قَالَ بلَى قد عرفت خرج بِهِ الخناس حَدثنَا يُونُس بن حبيب حَدثنَا أَبُو دَاوُد حَدثنَا المستمر ابْن الريان عَن ابي الجوزاء قَالَ طلقت امْرَأَتي يَوْم الْجُمُعَة وَحدثت نَفسِي أَن اراجعها يَوْم الْجُمُعَة الْأُخْرَى وَلم أخبر بذلك أحدا فَقَالَت امْرَأَتي أَنْت تُرِيدُ أَن تراجعني فَقلت إِن هَذَا لشَيْء مَا حدثت بِهِ أحدا حَتَّى ذكرت قَول ابْن عَبَّاس إِن وسواس الرجل يخبر وسواس الرجل فَمن ثمَّ يفشو الحَدِيث حَدثنِي أبي بِإِسْنَاد ذكره أَن الْحجَّاج بن يُوسُف أَتَى بِرَجُل رمي بِالسحرِ فَقَالَ أساحر أَنْت قَالَ لَا فَأخذ الْحجَّاج كفا من حصا فعده ثمَّ قَالَ لَهُ فِي يَدي كم من الْحَصَا قَالَ كَذَا وَكَذَا فَطرح الْحجَّاج الْحَصَا ثمَّ أَخذ كفا آخر وَلم يعده ثمَّ قَالَ كم فِي يَدي قَالَ لَا أَدْرِي قَالَ الْحجَّاج كَيفَ دَريت الأول وَلم تدر الثَّانِي قَالَ إِن ذَلِك عَرفته أَنْت فَعرفهُ وسواسك فَأخْبر وسواسك وسواسي وَهَذَا لم تعرفه فَلم يعرفهُ وسواسك فَلم يخبر وسواسي فَلم أعرفهُ
حَدثنَا مُحَمَّد بن مصطفى حَدثنَا عُثْمَان بن عبد الرَّحْمَن حَدثنَا ثَابت ابْن رمادة اللَّخْمِيّ عَن جده عَن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان أَنه أَمر كَاتبه أَن يكْتب كتابا فِي السِّرّ فَبَيْنَمَا هُوَ يكْتب إِذْ وَقع ذُبَاب على حرف من الْكتاب فَضَربهُ الْكَاتِب بالقلم فَانْقَطع بعض قوائمه فَخرج الْكَاتِب فَاسْتَقْبلهُ النَّاس على بَاب الْقصر فَقَالُوا كتب أَمِير الْمُؤمنِينَ بِكَذَا وَكَذَا قَالَ وَمَا علمكُم قَالُوا حبشِي أقطع خرج علينا فَأخْبرنَا فَرجع الْكَاتِب إِلَى مُعَاوِيَة فَقَالَ
стр. 209
يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ الَّذِي أَمرتنِي ان أكتبه سرا استقبلني بِهِ النَّاس قَالَ وَمَا علمهمْ قَالَ ذكرُوا لي حَبَشِيًّا أقطع خرج عَلَيْهِم فَأخْبرهُم قَالَ هُوَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ الشَّيْطَان هُوَ الذُّبَاب الَّذِي ضربت بالقلم
الْبَاب التَّاسِع وَالثَّمَانُونَ فِيمَا يَدْعُو الشَّيْطَان اليه ابْن آدم وينحصر فِي سِتّ مَرَاتِب
قَالَ أَحْمد حَدثنَا هَاشم بن الْقَاسِم حَدثنَا أَبُو عقيل عبد الله السقفي حَدثنَا مُوسَى بن الْمسيب عَن سَالم بن أبي الْجَعْد عَن سُبْرَة بن أبي فَاكِهَة قَالَت سَمِعت رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن الشَّيْطَان قعد لِابْنِ آدم بأَطْرُقِهِ فَقعدَ لَهُ بطرِيق الْإِسْلَام فَقَالَ أتسلم وَتَذَر ذريتك وَدين آبَائِك قَالَ فَعَصَاهُ وَأسلم قَالَ وَقعد لَهُ بطرِيق الْهِجْرَة فَقَالَ أتهاجر وَتَذَر أَرْضك وَسماك وَإِنَّمَا مثل المُهَاجر كالفرس فِي الطول فَهَاجَرَ وَعَصَاهُ ثمَّ قعد لَهُ بطرِيق الْجِهَاد وَهُوَ جهد النَّفس وَالْمَال فَقَالَ تقَاتل فَتقْتل فَتنْكح الْمَرْأَة وَيقسم المَال قَالَ فَعَصَاهُ فَجَاهد قَالَ رَسُول الله ﷺ لمن فعل ذَلِك مِنْكُم كَانَ حَقًا على الله أَن يدْخلهُ الْجنَّة وَإِن قتل كَانَ حَقًا على الله أَن يدْخلهُ الْجنَّة وَإِن غرق كَانَ حَقًا على الله ان يدْخلهُ الْجنَّة وَإِن رقصته دَابَّته كَانَ حَقًا على الله أَن يدْخلهُ الْجنَّة وَأما الْمَرَاتِب السِّت
فَالْأولى مرتبَة الْكفْر والشرك ومعادات الله تَعَالَى وَرَسُوله فَإِذا ظفر بذلك من ابْن آدم برد أنينه واستراح من تَعبه مَعَه هَذَا أول مَا يُريدهُ من العَبْد
الْمرتبَة الثَّانِيَة مرتبَة الْبِدْعَة وَهِي أحب اليه من الفسوق والمعاصي لِأَن ضررها فِي الدّين قَالَ سُفْيَان النوري الْبِدْعَة أحب إِلَى إِبْلِيس من الْمعْصِيَة لِأَن الْمعْصِيَة يُتَاب مِنْهَا والبدعة لَا يُتَاب مِنْهَا فَإِذا عجز عَن ذَلِك انْتقل إِلَى
الْمرتبَة الثالثه وَهِي الْكَبَائِر على اخْتِلَاف أَنْوَاعهَا فَإِذا عجز عَن ذَلِك
стр. 210
الْمرتبَة الرَّابِعَة وَهِي الصَّغَائِر الَّتِي إِذا اجْتمعت رُبمَا أهلكت صَاحبهَا كَمَا قَالَ ﷺ إيَّاكُمْ ومحقرات الذُّنُوب فَإِن مثل ذَلِك مثل قوم نزلُوا بفلاة من الارض فجَاء كل وَاحِد بِعُود حطب حَتَّى أوقدوا نَارا عَظِيمَة فطبخوا واشتووا فَإِذا عجز عَن ذَلِك انْتقل إِلَى
الْمرتبَة الْخَامِسَة وَهِي اشْتِغَاله بالمباحات الَّتِي لَا ثَوَاب فِيهَا وَلَا عِقَاب بل عقابها فَوَات الثَّوَاب الَّذِي فَاتَ عَلَيْهِ باشتغاله بهَا فَإِن عجز عَن ذَلِك نَقله إِلَى
الْمرتبَة السَّادِسَة وَهُوَ أَن يشْغلهُ بِالْعَمَلِ الْمَفْضُول عَمَّا هُوَ أفضل مِنْهُ ليستريح عَلَيْهِ الفضلة ويفوته ثَوَاب الْعَمَل الْفَاضِل فنعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان وَحزبه
الْبَاب الموفي تسعين فِي بَيَان أَي أَعمال الشَّرّ أحب إِلَى إِبْلِيس
قَالَ أَبُو بكر بن عبيد حَدثنَا احْمَد بن جميل الْمروزِي حَدثنَا عبد الله بن الْمُبَارك أَنبأَنَا سُفْيَان عَن عَطاء بن السَّائِب عَن أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ قَالَ إِذا أصبح إِبْلِيس بَث جُنُوده فَيَقُول من أضلّ مُسلما ألبسته التَّاج قَالَ فَيَقُول لَهُ الْقَائِل لم أزل بفلان حَتَّى طلق امْرَأَته قَالَ يُوشك أَن يتَزَوَّج وَيَقُول الآخر لم أزل بفلان حَتَّى عق قَالَ يُوشك أَن يبر قَالَ فَيَقُول الْقَائِل لم أزل بفلان حَتَّى شرب قَالَ أَنْت قَالَ وَيَقُول الآخر لم أزل بفلان حَتَّى زنى فَيَقُول انت وَيَقُول الآخر لم يزل بفلان حَتَّى قتل فَيَقُول انت أَنْت
وَقد روى مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث جَابر سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِن عرش إِبْلِيس على الْبَحْر فيبعث سراياه فيفتنون بَين النَّاس فأعظم فتْنَة يَجِيء أحدهم فَيَقُول فعلت كَذَا وَكَذَا فَيَقُول مَا صنعت شَيْئا ثمَّ يَجِيء أحدهم فَيَقُول فعلت كَذَا وَكَذَا فَيَقُول مَا تركته حَتَّى فرقت بَينه وَبَين امْرَأَته فيدنيه مِنْهُ وَيَقُول نعم أَنْت وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده بِنَحْوِهِ قَوْلهم نعم أَنْت يروي بِفَتْح النُّون بِمَعْنى نعم أَنْت ذَاك الَّذِي
стр. 211
تسْتَحقّ الأكرام وبكسرها أَي نعم مِنْك وَقد اسْتدلَّ بِهِ بعض النُّحَاة على جَوَاز كَون فَاعل فعل نعم مضمرا وَهُوَ قَلِيل
وَاخْتَارَ شَيخنَا أَبُو الْحجَّاج الْحَافِظ الْمزي الأول وَرجحه وَوَجهه بِمَا ذكرنَا وَقَالَ الطرطوشي فِي كتاب تَحْرِيم الْفَوَاحِش حَدثنَا يزِيد ابْن عبد الله الْأَصْبَهَانِيّ حَدثنَا سَلمَة بن شبيب حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن وَاقد حَدثنَا شُجَاع بن أبي نصر عَن رجل من عليلة أهل الشَّام قَالَ قَالَ سُلَيْمَان ابْن دَاوُد لعفريت من الْجِنّ وَيلك أَيْن إِبْلِيس قَالَ يَا نَبِي الله هَل أمرت فِيهِ بشي قَالَ لَا أَيْن هُوَ قَالَ انْطلق يَا نَبِي الله حَتَّى أريكه فسعى العفريت بَين يَدَيْهِ وَمَعَهُ سُلَيْمَان حَتَّى هجم بِهِ على الْبَحْر فَإِذا إِبْلِيس على بِسَاط على المَاء فَلَمَّا رأى سُلَيْمَان ﵇ ذعر مِنْهُ وَفرق فَقَامَ فَتَلقاهُ فَقَالَ يَا نَبِي الله هَل أمرت فِي بِشَيْء قَالَ لَا وَلَكِن جِئْت لأسألك عَن أحب الْأَشْيَاء إِلَيْك وأبغضها إِلَى الله فَقَالَ أما وَالله لَوْلَا ممشاك إِلَى مَا أَخْبَرتك بِهِ لَيْسَ شَيْء أبْغض إِلَى الله تَعَالَى من أَن يَأْتِي الرجل الرجل وَالْمَرْأَة الْمَرْأَة وَالله تَعَالَى أعلم
الْبَاب الْحَادِي وَالسِّتُّونَ فِي بَيَان مَا يَسْتَعِين بِهِ الشَّيْطَان من فتْنَة ابْن آدم
قَالَ أَبُو بكر بن عبيد حَدثنَا سُوَيْد بن سعيد حَدثنَا مُعْتَمر بن سُلَيْمَان عَن أَبِيه قَالَ حَدثنَا قَتَادَة عَن أبي الأخوص عَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الْمَرْأَة عَورَة وَإِنَّهَا إِذا خرجت استشرفها الشَّيْطَان فَلَا يكون أبدا أقرب إِلَى الله تَعَالَى مِنْهَا إِذا كَانَت فِي قَعْر بَيتهَا وَرَوَاهُ عَن الْحُسَيْن بن بَحر إلاهوازي حَدثنَا عَمْرو بن عَاصِم حَدثنَا همام حَدثنَا قَتَادَة عَن مُورق الْعجلِيّ عَن أبي الأخوص عَن عبد الله بن مَسْعُود نَحوه
حَدثنَا مُحَمَّد بن إِدْرِيس حَدثنَا أَحْمد بن يُونُس حَدثنَا حُسَيْن بن صَالح قَالَ سَمِعت أَن الشَّيْطَان قَالَ للْمَرْأَة أَنْت نصف جندي وَأَنت سهمي الَّذِي أرمي بِهِ فَلَا أخطى وَأَنت مَوضِع سري وَأَنت رَسُولي فِي حَاجَتي حَدثنَا عبيد الله بن جرير العتكى حَدثنَا هزيم بن عُثْمَان حَدثنَا سَلام
стр. 212
ابْن مِسْكين عَن مَالك بن دِينَار قَالَ حب الدُّنْيَا رَأس الْخَطِيئَة وَالنِّسَاء حبالة الشَّيْطَان
حَدَّثَنى عَبَّاس بن جَعْفَر حَدَّثَنى منتجع بن مُصعب حَدَّثَنى عبيد ابْن جريج عَن عَمْرو سَمِعت مَالك بن دِينَار يَقُول لَيْسَ شئ أوثق فى نفس إِبْلِيس من الدُّنْيَا حَدَّثَنى أَبُو حَفْص الصفار حَدثنَا جَعْفَر بن سُلَيْمَان حَدثنَا شُعْبَة عَن على بن زيد عَن سعيد بن الْمسيب قَالَ مَا بعث الله تَعَالَى نَبيا إِلَّا لم ييأس إِبْلِيس أَن يهلكه بِالنسَاء وَقَالَ أَبُو بكر مُحَمَّد بن أَحْمد بن أَبى بكر فى كتاب القلائد حَدثنَا ابْن بكير حَدثنَا أَبُو زيد حَدثنَا سهل ابْن يُوسُف عَن أبان بن صمعة عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ إِن الشَّيْطَان من الرجل فى ثَلَاثَة منَازِل فى عَيْنَيْهِ وفى قلبه وفى ذكره وَهُوَ من الْمَرْأَة فى ثَلَاثَة منَازِل فى عينيها وَفِي قَلبهَا وفى عجزها وَقَالَ عبد الله بن مُحَمَّد القرشى حَدثنَا الْحسن بن بَحر العبدى حَدثنَا عبد الرزاق حَدثنَا معمر عَن قَتَادَة قَالَ لما هَبَط إِبْلِيس قَالَ يَا رب قد لعنته فَمَا عمله قَالَ السحر قَالَ فَمَا قِرَاءَته قَالَ الشّعْر قَالَ فَمَا كِتَابَته قَالَ الوشم قَالَ فَمَا طَعَامه قَالَ كل ميتَة وَمَا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ قَالَ فَمَا شرابه قَالَ كل مُسكر قَالَ فَأَيْنَ مَسْكَنه قَالَ الْحمام قَالَ فَأَيْنَ مَجْلِسه قَالَ الْأَسْوَاق قَالَ فَمَا مؤذنه قَالَ المزمار قَالَ فَمَا مصائده قَالَ النِّسَاء حَدثنَا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن صبيح المروزى حَدثنَا الْحسن بن بشر بن سلم حَدثنَا الحكم بن عبد الملك عَن قَتَادَة عَن الْحسن عَن سَمُرَة بن جُنْدُب قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن للشَّيْطَان كحلا ولعوقا فَإِذا كحل الْإِنْسَان من كحله ثقلت عَيناهُ وَإِذا ألعقه من لعوقه درب لِسَانه بِالشَّرِّ حَدَّثَنى أَبى أَنبأَنَا أَحْمد بن إِسْحَاق الحضرمى أَنبأَنَا عبد الواحد بن زِيَاد حَدثنَا عَاصِم الْأَحول عَن الْحسن قَالَ إِن للشَّيْطَان ملعقة ومكحلة فملعقته الْكَذِب ومكحلته النّوم عَن الذّكر حَدَّثَنى أَحْمد ابْن الْحَارِث عَن شيخ من قُرَيْش قَالَ قَالَ خَالِد بن صَفْوَان إِن الشَّيْطَان باحتياله وَنصب أحباله يخْتل بِالشُّبْهَةِ ويكابر بالشهوة فَإِذا أعيا مختالا كرّ مكابرا حَدثنَا عبد الله بن رومى حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن عبد الكريم حَدَّثَنى
стр. 213
عبد الصَّمد بن معقل قَالَ سَمِعت وهب بن مُنَبّه قَالَ كَانَ عَابِد من السياحين فأراده الشَّيْطَان فَلم يسْتَطع مِنْهُ شَيْئا فَقَالَ لَهُ الشَّيْطَان أَلا تَسْأَلنِي عَمَّا أضلّ بِهِ بني آدم قَالَ بلَى قَالَ فَأَخْبرنِي مَا أوثق شَيْء فِي نَفسك أَن تضلهم قَالَ الشُّح والحدة وَالسكر فَإِن الرجل إِذا كَانَ شحيحا قللنا مَاله فِي عَيْنَيْهِ ورغبناه فِي أَمْوَال النَّاس وَإِذا كَانَ حديدا أدرناه بَيْننَا كَمَا يتداور الصببان الأكرة فَلَو كَانَ يحيى الْمَوْتَى بدعوته لم نيئس مِنْهُ وَإِذا هُوَ سكر اقتدناه إِلَى كل شَهْوَة كَمَا تقاد العنز بأذنها وَقَالَ أَحْمد حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن عَطاء بن السَّائِب عَن عَمْرو ابْن مَيْمُون عَن ابْن مَسْعُود قَالَ إِن الشَّيْطَان أطاف بِأَهْل مجْلِس ذكر ليفتنهم فَلم يسْتَطع أَن يفرق بَينهم فَأتى حَلقَة يذكرُونَ الدُّنْيَا فأغرى بَينهم حَتَّى اقْتَتَلُوا فَقَامَ أهل الذّكر فحجزوا بَينهم فَتَفَرَّقُوا
قَالَ الْقرشِي حَدثنَا سعد بن سُلَيْمَان الوَاسِطِيّ عَن سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة عَن ثَابت الْبنانِيّ قَالَ لما بعث النَّبِي ﷺ جعل إِبْلِيس يُرْسل شياطينه إِلَى أَصْحَاب النَّبِي ﷺ فيجيئوا بصحفهم لَيْسَ فِيهَا شَيْء فَقَالَ مَا لكم لَا تصيبون مِنْهُم شَيْئا فَقَالُوا مَا صَحِبنَا قوما قطّ مثل هَؤُلَاءِ قَالَ رويدا بهم عَسى أَن تفتح لَهُم الدُّنْيَا هُنَاكَ تصيبون حَاجَتكُمْ مِنْهُم وَحدثنَا يَعْقُوب بن اسماعيل أَنا حسان أَنا عبد الله يَعْنِي ابْن الْمُبَارك قَالَ أَنا عبيد الله بن موهب قَالَ سَأَلَ بعض الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام إِبْلِيس وأبداله بِأَيّ شَيْء تغلب ابْن آدم قَالَ آخذه عِنْد الْغَضَب وَعند الْهوى حَدثنَا اسحاق بن إِبْرَاهِيم حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة حَدثنَا الْأَعْمَش عَن خَيْثَمَة قَالَ كَانُوا يَقُولُونَ إِن الشَّيْطَان يَقُول وَكَيف يغلبني ابْن آدم إِذا رضى جِئْت حَتَّى أكون فِي قلبه وَإِذا غضب طرت حَتَّى أكون فِي رَأسه
تَعْلِيق وَبَيَان
قلت يشْهد لصِحَّة ذَلِك مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن رجلا قَالَ للنَّبِي ﷺ أوصني قَالَ لَا تغْضب فردد مرَارًا قَالَ لَا تغْضب وَفِي الصَّحِيح أَن رجلَيْنِ اسْتَبَّا عِنْد النَّبِي
стр. 214
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى احمر وَجه أَحدهمَا فَقَالَ ﷺ إِنِّي لأعْلم كلمة لَو قَالَهَا لذهب عَنهُ مَا يجد أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم وَفِي السّنَن قَالَ إِن الْغَضَب من الشَّيْطَان وَإِن الشَّيْطَان من النَّار وَإِنَّمَا تطفأ النَّار بِالْمَاءِ فَإِن غضب أحدكُم فَليَتَوَضَّأ ذكر الْمحَامِلِي فِي الْبَاب اسْتِحْبَاب الْوضُوء عِنْد الْغَضَب قَالَ بعض الشَّافِعِيَّة لَا نعلم أحدا قَالَ بِهِ غَيره وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿خُذ الْعَفو وَأمر بِالْعرْفِ وَأعْرض عَن الْجَاهِلين وَإِمَّا يَنْزغَنك من الشَّيْطَان نَزغ فاستعذ بِاللَّه إِنَّه سميع عليم﴾ فالشيطان يحمل الغضبان على أَن يَقُول مَا هُوَ كَارِه لقَوْله وَغير محب لقَوْله لَكِن يَقُوله ليستريح بذلك ويبرد غَضَبه فَيدْفَع عَنهُ حرارة الْغَضَب كَمَا يقْصد المكرة أَن يستريح من ألم الْإِكْرَاه وضرره بِفعل مَا أكره عَلَيْهِ وَالله الْمُوفق
الْبَاب الثَّانِي وَالتِّسْعُونَ فِي أَن الشَّيْطَان مَعَ من يُخَالف الْجَمَاعَة
روى الإِمَام أَحْمد من حَدِيث ابْن عمر أَن عمر بن الْخطاب ﵄ خطب النَّاس بالجابية فَقَالَ قَامَ فِينَا رَسُول الله ﷺ فَقَالَ من أَرَادَ مِنْكُم بحبوحة الْجنَّة فليلزم الْجَمَاعَة فَإِن الشَّيْطَان مَعَ الْوَاحِد وَهُوَ من الِاثْنَيْنِ أبعد ثمَّ رَوَاهُ الإِمَام احْمَد من حَدِيث جَابر بن سَمُرَة قَالَ خطب عمر ﵁ النَّاس بالجابية فَذكر نَحوه وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح
وَقَالَ ابْن صاعد حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن سعد الْجَوْهَرِي حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة عَن يزِيد بن مردانية عَن يزِيد بن علاقَة عَن عرْفجَة قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول يَد الله على الْجَمَاعَة والشيطان مَعَ من يُخَالف الْجَمَاعَة
стр. 215
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ حَدثنَا أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن اسحاق بن البهلول حَدثنِي ابي حَدثنَا مُحَمَّد بن يعلى حَدثنَا سُلَيْمَان العامري عَن الشَّيْبَانِيّ عَن زِيَاد ابْن علاقَة عَن أُسَامَة عَن شريك قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول يَد الله على الْجَمَاعَة فَإِذا شَذَّ الشاذ مِنْهُم اختطفته الشَّيَاطِين كَمَا يختطف الذِّئْب الشَّاة من الْغنم وروى الإِمَام أَحْمد من حَدِيث أبي وَائِل عَن عبد الله وَهُوَ ابْن مَسْعُود قَالَ خطّ رَسُول الله ﷺ خطا بِيَدِهِ ثمَّ قَالَ هَذَا سَبِيل الله مُسْتَقِيمًا قَالَ ثمَّ عَن يَمِينه وشماله ثمَّ قَالَ هَذِه السبل لَيْسَ مِنْهَا سَبِيل إِلَّا عَلَيْهِ شَيْطَان يَدْعُو إِلَيْهِ ثمَّ قَرَأَ ﴿وَأَن هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبعُوهُ وَلَا تتبعوا السبل﴾ وروى الإِمَام أَحْمد أَيْضا من حَدِيث معَاذ بن جبل أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن الشَّيْطَان ذِئْب الْإِنْسَان كذئب الْغنم يَأْخُذ الشَّاة القاصية والناحية فإياكم والشعاب وَعَلَيْكُم بِالْجَمَاعَة وَالْمَسْجِد نسْأَل الله التَّوْفِيق
الْبَاب الثَّالِث وَالتِّسْعُونَ فِي بَيَان شدَّة الْعَالم على الشَّيْطَان
روى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لفقيه وَاحِد أَشد على الشَّيْطَان من ألف عَابِد وَقَالَ ابْن عبيد حَدثنِي أَبُو عبد الله احْمَد بن بجير حَدثنَا عَليّ بن عَاصِم عَن بعض الْبَصرِيين قَالَ كَانَ عَالم وعابد متواخيين فِي الله فَقَالَت الشَّيَاطِين لإبليس إِنَّا لَا نقدر على أَن نفرق بَينهمَا فَقَالَ إِبْلِيس لَعنه الله أَنا لَهما فَجَلَسَ بطرِيق العابد إِذْ أقبل العابد حَتَّى إِذا دنا من إِبْلِيس قَامَ إِلَيْهِ فِي مِثَال شيخ كَبِير بَين عَيْنَيْهِ أثر السُّجُود فَقَالَ للعابد إِنَّه قد حاك فِي صَدْرِي شَيْء أَحْبَبْت أَن أَسأَلك عَنهُ فَقَالَ لَهُ العابد سل فَإِن يكن عِنْدِي علم أَخْبَرتك عَنهُ فَقَالَ لَهُ إِبْلِيس هَل يَسْتَطِيع الله أَن يَجْعَل السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال الشّجر وَالْمَاء فِي بَيْضَة من غير أَن يزِيد فِي الْبَيْضَة شَيْئا وَمن غير أَن ينقص من هَذَا شَيْئا
следующие страницы →