← Акыда

Акыда · id 6451

آكام المرجان في أحكام الجان

الشبلي

Полный текст (283 стр.). Показаны 246–283 · переход к 251.

стр. 246

وأسكن آدم الْجنَّة فَكَانَ يمشي فِيهَا وحشيا لَيْسَ لَهُ زوج يسكن إِلَيْهَا فَنَامَ نومَة فَاسْتَيْقَظَ فَإِذا عِنْد رَأسه امْرَأَة قَاعِدَة خلقهَا الله تَعَالَى من ضلعه فَسَأَلَهَا مَا انت فَقَالَت امْرَأَة قَالَ وَلم خلقت قَالَت لتسكن إليى قَالَت لَهُ الْمَلَائِكَة ينظرُونَ مَا مبلغ علمه مَا اسْمهَا قَالَ حَوَّاء قَالُوا لم سميت حَوَّاء قَالَ لِأَنَّهَا خلقت من شَيْء حَيّ قَالَ الله ﴿يَا آدم اسكن أَنْت وزوجك الْجنَّة وكلا مِنْهَا رغدا حَيْثُ شئتما﴾ وَهَذَا الَّذِي سَاقه ابْن جرير من حَدِيث مُوسَى بن هَارُون منتزع من نَص التَّوْرَاة الَّتِي بأيدي أهل الْكتاب وَسِيَاق الْآيَات وظاهرها يقتضى أَن خلق حَوَّاء كَانَ قبل دُخُول آدم ﵇ إِلَى الْجنَّة كَقَوْلِه ﴿يَا آدم اسكن أَنْت وزوجك الْجنَّة﴾ وَهَذَا قد صرح بِهِ ابْن اسحاق وَذكر ابْن اسحاق عَن ابْن عَبَّاس ان حَوَّاء خلقت من ضلعه الأقصر وَهُوَ نَائِم ولثم مَكَانَهُ لحم ومصداق هَذَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّاس اتَّقوا ربكُم الَّذِي خَلقكُم من نفس وَاحِدَة وَخلق مِنْهَا زَوجهَا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي خَلقكُم من نفس وَاحِدَة وَجعل مِنْهَا زَوجهَا ليسكن إِلَيْهَا﴾ قَالَ ابْن جرير لما أسكن الله تَعَالَى آدم وزوجه جنته أطلق الله لَهما تبَارك اسْمه أَن يأكلا كل مَا شَاءَ أكله من كل مَا فِيهَا من ثمارها غير ثَمَرَة شَجَرَة وَاحِدَة ابتلاء مِنْهُ لَهما بذلك وليمضي قَضَاء الله فيهمَا وَفِي ذريتهما كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَيَا آدم اسكن أَنْت وزوجك الْجنَّة فكلا من حَيْثُ شئتما وَلَا تقربا هَذِه الشَّجَرَة فتكونا من الظَّالِمين فوسوس لَهما الشَّيْطَان ليبدي لَهما مَا ووري عَنْهُمَا﴾ أكل مَا نهاهما رَبهَا عَن أكله من ثَمَر تِلْكَ الشَّجَرَة وَحسن لَهما حَتَّى أكلا مِنْهَا فَبَدَا لَهما من سوآتهما مَا كَانَ توارى عَنْهُمَا مِنْهَا وَكَانَ وُصُول عَدو الله إِبْلِيس إِلَى تَزْيِين ذَلِك مَا ذكر فِي الْخَبَر الَّذِي حَدثنِي مُوسَى بن هَارُون حَدثنَا عَمْرو بن حَمَّاد حَدثنَا اسباط عَن السّديّ فِي خبر ذكره عَن ابي مَالك وَعَن أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس وَعَن مرّة الْهَمدَانِي عَن ابْن مَسْعُود وَعَن اناس من اصحاب رَسُول الله ﷺ قَالَ لما قَالَ الله تَعَالَى لآدَم ﴿اسكن أَنْت وزوجك الْجنَّة وكلا مِنْهَا رغدا حَيْثُ شئتما وَلَا تقربا هَذِه الشَّجَرَة فتكونا من الظَّالِمين﴾

стр. 247

أَرَادَ إِبْلِيس أَن يدْخل عَلَيْهِمَا الْجنَّة فمنعته الخزنة فَأتى الْحَيَّة هِيَ دَابَّة لَهَا أَربع قَوَائِم كَأَنَّهَا الْبَعِير وَهِي كأحسن الدَّوَابّ فكلمها أَن تدخله فِي فمها حَتَّى يدْخل إِلَى آدم فأدخلته فِي فمها فمرت الْحَيَّة على الخزنة فَدخلت وهم لَا يعلمُونَ مَا أَرَادَ الله تَعَالَى من الامر فَكَلمهُ من فمها فَلم ينل كَلَامه فَخرج إِلَيْهِ فَقَالَ ﴿يَا آدم هَل أدلك على شَجَرَة الْخلد وَملك لَا يبْلى﴾ يَقُول هَل أدلك على شَجَرَة إِذا أكلت مِنْهَا كنت ملكا وَتَكون من الخالدين فَلَا تَمُوت أبدا وَحلف لَهما بِاللَّه ﴿إِنِّي لَكمَا لمن الناصحين﴾ وَإِنَّمَا أَرَادَ بذلك ليبدي لَهما مَا توارى عَنْهُمَا من سوآتهما يهتك لباسهما وَكَانَ قد علم أَن لَهما سوآت لما كَانَ يقْرَأ من كتاب الْمَلَائِكَة وَلم يكن آدم يعلم ذَلِك وَكَانَ لباسهما الظفر فَأبى آدم أَن يَأْكُل مِنْهَا فتقدمت حَوَّاء فَأكلت مِنْهَا ثمَّ قَالَت يَا آدم كل فَإِنِّي قد أكلت فَلم يضرني فَلَمَّا أكل آدم بَدَت لَهما سوآتهما فطفقا يخصفان عَلَيْهِمَا من ورق الْجنَّة طفقا أَقبلَا أَي جعلا يلصقان عَلَيْهِمَا من ورق التِّين حَدثنَا ابْن حميد حَدثنَا سَلمَة عَن ابْن اسحاق عَن لَيْث بن أبي سليم عَن طَاوس الْيَمَانِيّ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ إِن عَدو الله إِبْلِيس عرضه نَفسه على دَوَاب الارض أَيهَا يحملهُ حَتَّى يدْخل بِهِ مَعَه حَتَّى يكلم آدم وَزَوجته فَكل الدَّوَابّ أَبى ذَلِك عَلَيْهِ حَتَّى كلم الْحَيَّة فَقَالَ لَهَا امنعك من بني آدم فَأَنت فِي ذِمَّتِي إِن أَنْت أدخلتني الْجنَّة فَجَعَلته بَين نابين من أنيابها ثمَّ دخلت بِهِ فكلمهما من فِيهَا وَكَانَت كاسية تمشي على أَربع قَوَائِم فأعراها الله تَعَالَى وَجعلهَا تمشي على بَطنهَا قَالَ يَقُول ابْن عَبَّاس اقتلوها حَيْثُ وجدتموها اخفروا ذمَّة عَدو الله تَعَالَى فِيهَا قَالَ ابْن جرير حدثت عَن عمار بن الْحسن حَدثنَا عبد الله بن أبي جَعْفَر عَن أَبِيه عَن الرّبيع قَالَ حَدثنِي مُحدث أَن الشَّيْطَان دخل الْجنَّة فِي صُورَة دَابَّة ذَات قَوَائِم فَكَانَ يرى أَنه الْبَعِير قَالَ فلعن فَسَقَطت قوائمه فَصَارَ حَيَّة قَالَ الرّبيع وحَدثني أَبُو الْعَالِيَة أَن من الْإِبِل مَا كَانَ وَلها من الْجِنّ حَدثنَا ابْن حميد حَدثنَا سَلمَة حَدثنَا مُحَمَّد بن اسحاق عَن بعض أهل الْعلم أَن آدم حِين دخل الْجنَّة وَرَأى مَا فِيهَا من الْكَرَامَة وَمَا اعطاه الله مِنْهَا قَالَ لَو أَن لي خلدا فِيهَا فاغتنم مِنْهُ إِبْلِيس لما سَمعهَا مِنْهُ فَأَتَاهُ من قبل الْخلد

стр. 248

قَالَ ابْن اسحاق حدثت أَن أول مَا ابتدأهما بِهِ من كَيده إيَّاهُمَا أَنه ناح عَلَيْهِمَا نياحة حزنتهما حِين سمعاها فَقَالَا لَهُ مَا يبكيك قَالَ أبْكِي عَلَيْكُمَا تموتان فتفارقان مَا أَنْتُمَا فِيهِ من النِّعْمَة والكرامة فَوَقع ذَلِك فِي أَنفسهمَا ثمَّ أتاهما فوسوس إِلَيْهِمَا فَقَالَ ﴿يَا آدم هَل أدلك على شَجَرَة الْخلد وَملك لَا يبْلى﴾ ﴿وَقَالَ مَا نهاكما رَبكُمَا عَن هَذِه الشَّجَرَة إِلَّا أَن تَكُونَا ملكَيْنِ أَو تَكُونَا من الخالدين وقاسمهما إِنِّي لَكمَا لمن الناصحين﴾ أَي تَكُونَا ملكَيْنِ أَو تخلدان إِن لم تَكُونَا ملكَيْنِ فِي نعْمَة الْجنَّة فَلَا تموتان قَالَ الله تَعَالَى ﴿فدلاهما بغرور﴾ قا ل ابْن جرير حَدثنِي يُونُس أَنبأَنَا ابْن وهب قَالَ قَالَ أَبُو زيد وسوس الشَّيْطَان إِلَى حَوَّاء فِي شَجَرَة حَتَّى أَتَى بهَا إِلَيْهَا ثمَّ حسنها فِي عينهَا ثمَّ حسنها فِي عين آدم قَالَ فَدَعَاهَا آدم لحَاجَة قَالَت لَا إِلَّا أَن تَأتي هَهُنَا فَلَمَّا أَتَى قَالَت لَا إِلَّا أَن تَأْكُل من هَذِه الشَّجَرَة فَأكل مِنْهَا فبدت لَهما سوآتهما قَالَ وَذهب آدم هَارِبا فِي الْجنَّة فناداه ربه يَا آدم مني تَفِر قَالَ لَا يَا رب وَلَكِن حَيَاء مِنْك قَالَ يَا آدم أَنِّي أتيت قَالَ من قبل حَوَّاء يَا رب فَقَالَ تَعَالَى فَإِن لَهَا على أَن أدميها فِي كل شهر مرّة وَأَن أجعلها سَفِيهَة فقد كنت خلقتها حليمة وَأَن أجعلها تحمل كرها وتضع كرها فقد كنت جَعلتهَا تحمل يسرا وتضع يسرا قَالَ أَبُو زيد وَلَوْلَا البلية الَّتِي أَصَابَت حَوَّاء لَكَانَ نسَاء الدُّنْيَا لَا يحضن وَكن حليمات وَكن يحملن يسرا ويضعن يسرا فَلَمَّا أكل آدم وحواء من الشَّجَرَة أخرجهُمَا الله من الْجنَّة وسلبهما كل ماكانا فِيهِ من النِّعْمَة والكرامة وأهبطهما وعدويهما إِبْلِيس والحية فَقَالَ تَعَالَى ﴿اهبطوا بَعْضكُم لبَعض عَدو﴾ وَهَذَا قَول ابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود فِي آخَرين من الصَّحَابَة وَغَيرهم من التَّابِعين فِي قَوْله تَعَالَى ﴿اهبطوا بَعْضكُم لبَعض عَدو﴾ لآدَم وحواء وإبليس والحية قَالَ ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وأناس من اصحاب رَسُول الله ﷺ فلعن الْحَيَّة وَقطع قَوَائِمهَا وَتركهَا تمشي على بَطنهَا وَجعل رزقها فِي التُّرَاب

стр. 249

الِاخْتِلَاف على جنَّة آدم فصل اخْتلف الْمُفَسِّرُونَ فِي الْجنَّة الَّتِي ادخلها آدم هَل هِيَ فِي السَّمَاء أَو فِي الأَرْض وَإِذا كَانَت فِي السَّمَاء هَل هِيَ جنَّة الْخلد أَو جنَّة أُخْرَى فالجمهور على أَنَّهَا هِيَ الَّتِي فِي السَّمَاء وَهِي جنَّة المأوى لظَاهِر الْآيَات وَالْأَحَادِيث كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَقُلْنَا يَا آدم اسكن أَنْت وزوجك الْجنَّة﴾ وَالْألف وَاللَّام لَيست للْعُمُوم وَلَا لمعهود لَفْظِي وَإِنَّمَا تعود على مَعْهُود ذهني وَهُوَ المستقر شرعا من جنَّة المأوى وكقول مُوسَى لآدَم عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام اخرجتنا ونفسك من الْجنَّة وروى مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي مَالك الْأَشْجَعِيّ واسْمه سعد بن طَارق عَن أبي حَازِم سَلمَة بن دِينَار عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يجمع الله النَّاس فَيقوم الْمُؤْمِنُونَ حِين تزلف لَهُم الْجنَّة فَيَأْتُونَ آدم فَيَقُولُونَ يَا أَبَانَا استفتح لنا الْجنَّة فَيَقُول وَهل اخرجكم من الْجنَّة إِلَّا خَطِيئَة أبيكم وَرَوَاهُ مُسلم أَيْضا من حَدِيث أبي مَالك عَن ربعي عَن حُذَيْفَة وَهَذَا فِيهِ قُوَّة جَيِّدَة ظَاهِرَة فِي الدّلَالَة على أَنَّهَا جنَّة المأوى وَقَالَ آخَرُونَ بل الْجنَّة الَّتِي أسكنها آدم لم تكن جنَّة الْخلد لِأَنَّهُ كلف فِيهَا أَن لَا يَأْكُل من تِلْكَ الشَّجَرَة وَلِأَنَّهُ نَام فِيهَا وَأخرج مِنْهَا وَدخل عَلَيْهِ إِبْلِيس فِيهَا وَهَذَا مِمَّا يُنَافِي أَن تكون جنَّة المأوى وَهَذَا القَوْل محكي عَن أبي بن كَعْب وَعبد الله بن عَبَّاس ووهب ابْن مُنَبّه وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَاخْتَارَهُ ابْن قُتَيْبَة فِي المعارف وَالْقَاضِي مُنْذر ابْن سعيد البلوطي فِي تَفْسِيره وَحَكَاهُ عَن أبي حنيفَة الإِمَام وَأَصْحَابه وَنَقله أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عمر الرَّازِيّ عَن أبي الْقَاسِم وَأبي مُسلم الْأَصْبَهَانِيّ وَنَقله الْقُرْطُبِيّ فِي تَفْسِيره عَن الْمُعْتَزلَة والقدرية وَحكى الْخلاف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة أَبُو مُحَمَّد بن حزم فِي الْملَل والنحل وَأَبُو مُحَمَّد بن عَطِيَّة فِي تَفْسِيره وَأَبُو عِيسَى الرماني فِي تَفْسِيره وَحكى عَن الْجُمْهُور الأول وَأَبُو الْقَاسِم الرَّاغِب وَالْقَاضِي الْمَاوَرْدِيّ فِي تَفْسِيره فَقَالَ وَاخْتلف فِي الْجنَّة الَّتِي أسكنها يَعْنِي آدم وحواء على قَوْلَيْنِ أَحدهمَا إِنَّهَا جنَّة الْخلد وَالثَّانِي أَنَّهَا جنَّة أعدهَا الله تَعَالَى لَهما وَجعلهَا دَار ابتلاء وَلَيْسَت جنَّة الْخلد الَّتِي جعلهَا

стр. 250

دَار جَزَاء وَمن قَالَ بِهَذَا القَوْل اخْتلفُوا على قَوْلَيْنِ أَحدهمَا إِنَّهَا فِي السَّمَاء لِأَنَّهُ أهبطهما مِنْهَا وَهَذَا قَول الْحسن وَالثَّانِي أَنَّهَا فِي الأَرْض لِأَنَّهُ امتحنهما فِيهَا بِالنَّهْي عَن الشَّجَرَة الَّتِي نهيا عَنْهَا دون غَيرهَا من الثِّمَار وَهَذَا قَول ابْن يحيى وَكَانَ ذَلِك بعد أَمر إِبْلِيس بِالسُّجُود لآدَم وَالله أعلم بصواب ذَلِك هَذَا كَلَامه فقد تضمن كَلَامه حِكَايَة ثَلَاثَة أَقْوَال وَكَلَامه مشْعر بِالْوُقُوفِ وَلِهَذَا حكى الرَّازِيّ فِي تَفْسِيره أَرْبَعَة أَقْوَال وَجعل الْوَقْف هُوَ الرَّابِع وَحكى القَوْل بِأَنَّهَا فِي السَّمَاء وَلَيْسَت جنَّة المأوى عَن أبي عَليّ الجبائي وَقد أورد أَصْحَاب القَوْل الثَّانِي سؤالا يحْتَاج مثله إِلَى جَوَاب فَقَالُوا لَا شكّ أَن الله تَعَالَى طرد إِبْلِيس حِين امْتنع من السُّجُود عَن الحضرة الإلهية وَأمره بِالْخرُوجِ عَنْهَا والهبوط مِنْهَا وَهَذَا الْأَمر لَيْسَ من الْأَوَامِر الشَّرْعِيَّة بِحَيْثُ يُمكنهُ مُخَالفَته وَإِنَّمَا هُوَ أَمر قدري لَا يُخَالف وَلَا يمانع وَلِهَذَا قَالَ ﴿فَاخْرُج مِنْهَا فَإنَّك رجيم﴾ وَالضَّمِير عَائِد إِلَى الْجنَّة أَو السَّمَاء أَو الْمنزلَة وأيا مَا كَانَ فمعلوم أَنه لَيْسَ لَهُ الْكَوْن قدرا فِي الْمَكَان الَّذِي طرد عَنهُ وَأبْعد مِنْهُ لَا على سَبِيل الِاسْتِقْرَار وَلَا على الْمُرُور والاجتياز قَالُوا وَمَعْلُوم من سياقات الْقُرْآن أَنه وسوس لآدَم وخاطبه بقوله ﴿هَل أدلك على شَجَرَة الْخلد وَملك لَا يبْلى﴾ وَبِقَوْلِهِ ﴿مَا نهاكما رَبكُمَا عَن هَذِه الشَّجَرَة﴾ إِلَى قَوْله ﴿بغرور﴾ وَهَذَا ظَاهر فِي اجتماعه مَعَهُمَا فِي جنتهما وأجيبوا عَن هَذَا بِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن يجْتَمع بهما فِي الْجنَّة على سَبِيل الْمُرُور لَا على سَبِيل الِاسْتِقْرَار بهَا أَو أَنه وسوس لَهما وَهُوَ على بَاب الْجنَّة أَو من تَحت السَّمَاء وَفِي الثَّالِثَة نظر وَالله أعلم وَمِمَّا احْتج بِهِ أَصْحَاب هَذِه الْمقَالة مَا رَوَاهُ عبد الله بن الإِمَام أَحْمد فِي الزِّيَادَات عَن هدبة ابْن خَالِد عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن حميد عَن الْحسن الْبَصْرِيّ عَن يحيى بن ضَمرَة عَن أبي بن كَعْب قَالَ إِن آدم لما احْتضرَ اشْتهى قطفا من عِنَب الْجنَّة فَانْطَلق بنوه ليطلبوه فلقيتهم الْمَلَائِكَة فَقَالُوا أَيْن تُرِيدُونَ يَا بني آدم فَقَالُوا إِنَّا أَبَانَا اشْتهى قطفا من عِنَب الْجنَّة فَقَالُوا لَهُم ارْجعُوا فقد كفيتموه فَانْتَهوا إِلَيْهِ فقبضوا روحه وغسلوه وحنطوه وكفنوه وَصلى عَلَيْهِ جِبْرِيل ﵊ وَالْمَلَائِكَة وَبَنوهُ خلف الْمَلَائِكَة ودفنوه وَقَالُوا هَذِه سنتكم فِي مَوْتَاكُم قَالُوا فلولا أَن الْوُصُول إِلَى الْجنَّة الَّتِي كَانَ فِيهَا آدم الَّتِي

стр. 251

اشْتهى مِنْهَا القطف مُمكنا لما ذَهَبُوا يتطلبون ذَلِك فَدلَّ على أَنَّهَا فِي الأَرْض لَا فِي السَّمَاء وَالله أعلم قَالُوا والاحتجاج بِأَن الْألف وَاللَّام فِي قَوْله ﴿اسكن أَنْت وزوجك الْجنَّة﴾ لم يتَقَدَّم مَعْهُود يعود عَلَيْهِ فَهُوَ الْمَعْهُود الذهْنِي مُسلم وَلَكِن هُوَ مَا دلّ عَلَيْهِ سِيَاق الْكَلَام فَإِن آدم ﵊ خلق من الأَرْض وَلم ينْقل أَنه رفع إِلَى السَّمَاء وَخلق ليَكُون فِي الأَرْض وَبهَا أعلم الرب سُبْحَانَهُ الْمَلَائِكَة حَيْثُ قَالَ تَعَالَى ﴿إِنِّي جَاعل فِي الأَرْض خَليفَة﴾ قَالُوا وَهَذَا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿إِنَّا بلوناهم كَمَا بلونا أَصْحَاب الْجنَّة﴾ فالألف وَاللَّام لَيست للْعُمُوم وَلم يتَقَدَّم مَعْهُود لَفْظِي وانما هُوَ الْمَعْهُود الذهْنِي الَّذِي دلّ عَلَيْهِ السَّاق وَهُوَ الْبُسْتَان قَالُوا وَذكر الهبوط لَا يدل على النُّزُول من السَّمَاء قَالَ الله تَعَالَى ﴿قيل يَا نوح اهبط بِسَلام منا﴾ وَإِنَّمَا كَانَ فِي السَّفِينَة حَتَّى اسْتَقَرَّتْ على الجودى ونضب المَاء عَن وَجه الأَرْض أَمر أَن اهبط اليها هُوَ وَمن كَانَ مُبَارَكًا عَلَيْهِ وَقَالَ ﴿اهبطوا مصرا فَإِن لكم مَا سَأَلْتُم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن مِنْهَا لما يهْبط من خشيَة الله﴾ وَهَذَا كثير فِي الْأَحَادِيث واللغة قَالُوا وَلَا مَانع بل هُوَ الْوَاقِع إِن الْجنَّة الَّتِي أسكنها الله آدم كَانَت مُرْتَفعَة على سَائِر بقاع الأَرْض ذَات أَشجَار وثمار وظلال ونعيم ونضرة وسرور كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِن لَك أَلا تجوع فِيهَا وَلَا تعرى﴾ أَي لَا يذل باطنك بِالْجُوعِ وَلَا ظاهرك بالعرى ﴿وَأَنَّك لَا تظمأ فِيهَا وَلَا تضحى﴾ أَي لَا يمس باطنك حر الظمأ وَلَا ظاهرك حر الشَّمْس وَلِهَذَا قرن بَين هَذَا وَهَذَا لما بَينهمَا من الْمُقَابلَة فَلَمَّا كَانَ مِنْهُ مَا كَانَ من أكله من الشَّجَرَة الَّتِي نهى عَنْهَا أهبط إِلَى أَرض الشَّقَاء والتعب وَالسَّعْي وَالنّصب والكدوالنكد والابتلاء والاختبار والامتحان وَاخْتِلَاف السكان دينا وأخلاقا وأعمالا وتعودا وإرادات كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلكم فِي الأَرْض مُسْتَقر ومتاع إِلَى حِين﴾ وَلَا يلْزم من هَذَا أَنهم كَانُوا فِي السَّمَاء كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَقُلْنَا من بعده لبني إِسْرَائِيل اسكنوا الأَرْض فَإِذا جَاءَ وعد الْآخِرَة جِئْنَا بكم لفيفا﴾ وَمَعْلُوم أَنهم كَانُوا فِي الأَرْض لم يَكُونُوا فِي السَّمَاء الِاخْتِلَاف على شَجَرَة ادم فصل وَاخْتلف الْمُفَسِّرُونَ فِي الشَّجَرَة الَّتِي نهى آدم وحواء

стр. 252

عَنْهَا فَقيل هِيَ الْكَرم روى عَن ابْن عَبَّاس وَسَعِيد بن جُبَير وَالشعْبِيّ وجعدة بن هُبَيْرَة وَمُحَمّد بن قيس وَالسُّديّ وَرَوَاهُ عَن ابْن عَبَّاس وَابْن وَابْن مَسْعُود وأناس من الْأَصْحَاب كَذَا قَالَ السّديّ وتزعم يهود أَنَّهَا الْحِنْطَة وَهَذَا مَرْوِيّ عَن ابْن عَبَّاس وَالْحسن الْبَصْرِيّ ووهب بن مُنَبّه وعطية الصُّوفِي وَأبي مَالك ومحارب بن دثار وَعبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى قَالَ وهب الْحبَّة مِنْهَا فِي الْجنَّة ككلى الْبَقر وَالْخبْز مِنْهُ أَلين من الزّبد وَأحلى من الْعَسَل وَقَالَ الثَّوْريّ عَن حُصَيْن عَن أبي مَالك هِيَ النَّخْلَة وَقَالَ ابْن جريج عَن مجعد هِيَ التينة وَبِه قَالَ قَتَادَة وَابْن جريج وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة كَانَت شَجَرَة من أكل مِنْهَا أحدث وَلَا يَنْبَغِي فِي الْجنَّة حدث وَقَالَ أَحْمد حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن شُعْبَة عَن أبي الضَّحَّاك عَن أبي هُرَيْرَة سمعته يَقُول قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن فِي الْجنَّة شَجَرَة يسير الرَّاكِب فِي ظلها مائَة عَام لَا يقطعهَا شَجَرَة الْخلد وَكَذَا رَوَاهُ أَيْضا عَن غنْدر وحجاج عَن شُعْبَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي مُسْنده عَن شُعْبَة أَيْضا بِهِ قَالَ غنْدر قلت لشعبة هِيَ شَجَرَة الْخلد قَالَ لَيْسَ فِيهَا شكّ تفرد بِهِ احْمَد وَهَذَا الْخلاف قريب وَقد أبهم الله تَعَالَى ذكرهَا وتعيينها وَلَو كَانَ فِي ذكرهَا مصلحَة تعود إِلَيْنَا لعينها لنا كَمَا فِي غَيرهَا تَعْلِيق فصل بَقِي مِمَّا يُنَبه عَلَيْهِ فِي هَذِه الْقِصَّة على سَبِيل الطَّرْد وَإِن يكن من شَرط كتَابنَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَعلم آدم الْأَسْمَاء كلهَا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس هِيَ هَذِه الْأَسْمَاء الَّتِي يتعارف النَّاس بهَا إِنْسَان ودابة وَأَرْض وَسَهل وجبل وبحر وجمل وحمار وَأَشْبَاه ذَلِك من الْأُمَم وَغَيرهَا وَقَالَ مُجَاهِد علمه اسْم الصحفة والفدر حَتَّى الفسوة والفسية وَقَالَ مُجَاهِد علمه اسْم

стр. 253

كل دَابَّة وكل طير وكل شَيْء وَكَذَا قَالَ سعيد بن جُبَير وَقَتَادَة وَغير وَاحِد وَقَالَ الرّبيع علمه أَسمَاء الْمَلَائِكَة وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن زيد علمه أَسمَاء ذُريَّته وَالصَّحِيح أَنه علمه أَسمَاء الدَّوَابّ وأفعالها مكبرها ومصغرها كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْن عَبَّاس ﵄ وَذكر البُخَارِيّ هَهُنَا مَا رَوَاهُ هُوَ وَمُسلم من طَرِيق سعيد وَهِشَام عَن قَتَادَة عَن أنس عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ يجْتَمع الْمُؤْمِنُونَ يَوْم الْقِيَامَة فَيَقُولُونَ لَو اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبنَا فَيَأْتُونَ آدم فَيَقُولُونَ أَنْت أَب الْبشر خلقه الله بيد واسجد لَك مَلَائكَته وعلمك أَسمَاء كل شَيْء فتعليمه أَسمَاء كل شَيْء أحد التشريفات الْأَرْبَع وَالثَّانِي خلقه لَهُ بِيَدِهِ الْكَرِيمَة وَالثَّالِث نفخه فِيهِ من روحه وَالرَّابِع امْر مَلَائكَته لَهُ بِالسُّجُود وَكَذَا قَالَ لَهُ مُوسَى لما تناظرا وَكَذَا يَقُول لَهُ أهل الْمَحْشَر وَالله أعلم الْبَاب الْخَامِس وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَة فِي بَيَان تعرض الشَّيْطَان لحواء قَالَ الإِمَام احْمَد حَدثنَا عبد الصَّمد حَدثنَا عمر بن ابراهيم حَدثنَا قَتَادَة عَن الْحسن عَن سَمُرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ لما ولدت حَوَّاء طَاف بهَا إِبْلِيس وَكَانَ لَا يعِيش لَهَا ولد فَقَالَ سميه عبد الْحَارِث فَإِنَّهُ يعِيش فَسَمتْهُ عبد الْحَارِث فَكَانَ ذَلِك من وَحي الشَّيْطَان وَأمره فَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه فِي تفاسيرهم وَأخرجه الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه كلهم من حَدِيث عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث بِهِ قَالَ الْحَاكِم صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حسن غَرِيب لانعرفه إِلَّا من حَدِيث عمر بن ابراهيم وَرَوَاهُ بَعضهم عَن عبد الصَّمد وَلم يرفعهُ فَهَذِهِ عِلّة قادحة فِي الحَدِيث أَنه روى مَوْقُوفا على الصَّحَابِيّ وَهَذَا أشبه وَالظَّاهِر أَن هَذَا من الْإسْرَائِيلِيات وَهَكَذَا روى مَوْقُوفا على ابْن عَبَّاس وَالظَّاهِر أَنه متلقى عَن كَعْب وَذَوِيهِ وَقد فسر الْحسن قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّاس اتَّقوا ربكُم الَّذِي خَلقكُم من نفس وَاحِدَة وَخلق مِنْهَا زَوجهَا وَبث مِنْهُمَا رجَالًا كثيرا وَنسَاء﴾

стр. 254

بِخِلَاف هَذَا فَلَو كَانَ عِنْده عَن سَمُرَة مَرْفُوعا لما عدل عَنهُ إِلَى غَيره وَالله أعلم وَأَيْضًا فَالله تَعَالَى إِنَّمَا خلق آدم وحواء ليكونا أصل الْبشر وليبث مِنْهُمَا رجَالًا كثيرا وَنسَاء فَكيف كَانَت حَوَّاء لَا يعِيش لَهَا ولد كَمَا ذكر فِي هَذَا الحَدِيث إِن كَانَ مظنونا والمظنون بل الْمَقْطُوع بِهِ رَفعه إِلَى النَّبِي ﷺ خطأ وَالصَّوَاب وَقفه وَالله أعلم وَقد ذكر الإِمَام أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن جرير فِي تَارِيخه إِن حَوَّاء ولدت لآدَم أَرْبَعِينَ ولدا فِي عشْرين بَطنا قَالَه ابْن اسحاق وَالله أعلم وَقيل مائَة وَعشْرين بَطنا فِي كل بطن ذكر وَأُنْثَى أَو لَهُم قابيل واخته قليما وَآخرهمْ عبد المغيث وَأُخْته ام المغيث ثمَّ انْتَشَر النَّاس بعد ذَلِك وكثروا وامتدوا فِي الأَرْض ونموا وَذكر أهل التَّارِيخ أَن آدم لم يمت حَتَّى رأى من ذُريَّته أَوْلَاده وَأَوْلَاد أَوْلَاده أَرْبَعِينَ ألف نسمَة وَالله أعلم وَقَالَ تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي خَلقكُم من نفس وَاحِدَة وَجعل مِنْهَا زَوجهَا ليسكن إِلَيْهَا﴾ إِلَى قَوْله ﴿فتعالى الله عَمَّا يشركُونَ﴾ فَهَذَا تَنْبِيه بِذكر آدم أَولا ثمَّ استطراد إِلَى الْجِنْس وَلَيْسَ المُرَاد بِهَذَا ذكر آدم وحواء بل لما جرى ذكر الشَّخْص استطرد إِلَى الْجِنْس كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَد خلقنَا الْإِنْسَان من سلالة من طين ثمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَة فِي قَرَار مكين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَد زينا السَّمَاء الدُّنْيَا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين﴾ وَمَعْلُوم أَن رجوم الشَّيَاطِين لَيست هِيَ أَعْيَان مصابيح السَّمَاء وَإِنَّمَا استطرد من شخصها إِلَى جِنْسهَا وَالله أعلم الْبَاب السَّادِس وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَة فِي تعرضه لنوح ﵇ فِي السَّفِينَة قَالَ أَبُو بكر بن عبيد حَدثنَا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن مُوسَى حَدثنَا جَعْفَر بن سُلَيْمَان حَدثنَا عَمْرو بن دِينَار قهرمان آل الزبير حَدثنَا سَالم ابْن عبد الله عَن أَبِيه قَالَ لما ركب نوح السَّفِينَة رأى فِيهَا شَيخا لم يعرفهُ

стр. 255

قَالَ لَهُ نوح مَا أدْخلك قَالَ دخلت لأصيب قُلُوب أَصْحَابك فَتكون قُلُوبهم معي وأبدانهم مَعَك قَالَ نوح اخْرُج يَا عَدو الله فَقَالَ خمس أهلك بِهن النَّاس وسأحدثك مِنْهُنَّ بِثَلَاث وَلَا أحَدثك بِاثْنَتَيْنِ فَأوحى إِلَى نوح لَا حَاجَة بك إِلَى الثَّلَاث مره يحدثك بالثنتين فَإِن بهما أهلك النَّاس وَقَالَ هما الْحَسَد وبالحسد لعنت وَجعلت شَيْطَانا رجيما والحرص أَبَاحَ لآدَم الْجنَّة كلهَا فَأَصَبْت حَاجَتي مِنْهُ بالحرص قَالَ وَلَقي إِبْلِيس مُوسَى فَقَالَ يَا مُوسَى أَنْت الَّذِي اصطفاك الله برسالته وكلمك تكليما وَأَنا من خلق الله أذنيت فَأَنا أُرِيد أَن أَتُوب فاشفع لي عِنْد رَبك أَن يَتُوب على فَدَعَا مُوسَى ربه فَقيل يَا مُوسَى قد قضيت حَاجَتك فلقي مُوسَى إِبْلِيس فَقَالَ قد أمرت أَن تسْجد لقبر آدم ويتاب عَلَيْك فاستكبر وَغَضب وَقَالَ لم أَسجد لَهُ حَيا أأسجد لَهُ مَيتا ثمَّ قَالَ إِبْلِيس يَا مُوسَى إِن لَك حَقًا بِمَا شفعت لي رَبك فاذكرني عِنْد ثَلَاث ولأهلك إِلَّا فِيهِنَّ اذْكُرْنِي حِين تغْضب فَإِن وحيي فِي قَلْبك وعيني فِي عَيْنَيْك وأجرى مِنْك مجْرى الدَّم اذْكُرْنِي حِين تلقى الزَّحْف فَإِنِّي أُتِي ابْن آدم حِين يلقى الزَّحْف فأذكره وَلَده وَزَوجته وَأَهله حَتَّى يولي وَإِيَّاك أَن تجَالس امْرَأَة لَيست بِذَات محرم فإنى رسولها إِلَيْك وَرَسُولك إِلَيْهَا وَقَالَ ابْن عبيد حَدثنِي اسحاق بن اسماعيل حَدثنَا جرير عَن الاعمش عَن زِيَاد بن الْحصين عَن أبي الْعَالِيَة قَالَ لما رست السَّفِينَة سفينة نوح إِذا هُوَ بإبليس على كوثل السَّفِينَة فَقَالَ لَهُ نوح وَيلك قد غرق اهل الأَرْض من أَجلك قد أهلكتهم قَالَ لَهُ إِبْلِيس فَمَا أصنع قَالَ لَهُ تتوب قَالَ فسل رَبك هَل لي من تَوْبَة فَدَعَا نوح ربه فَأوحى الله إِلَيْهِ أَن تَوْبَته أَن يسْجد لقبر آدم فَقَالَ لَهُ نوح قد جعلت لَك تَوْبَة قَالَ وَمَا هِيَ قَالَ أَن تسْجد لقبر آدم قَالَ تركته حَيا وأسجد لَهُ مَيتا وَحدثنَا الْقَاسِم بن هَاشم حَدثنَا أَحْمد بن يُونُس الْبَزَّاز الْحِمصِي حَدثنَا عبد الله بن وهب عَن اللَّيْث قَالَ بَلغنِي لِأَن إِبْلِيس لَقِي نوحًا ﵇ فَقَالَ لَهُ إِبْلِيس يَا نوح اتقِي الْحَسَد وَالشح فَإِنِّي حسدت فَخرجت من الْجنَّة وشح آدم على شَجَرَة وَاحِدَة منعهَا حَتَّى خرج من الْجنَّة وَذكر بَعضهم ويروى عَن ابْن عَبَّاس أَن أول مَا دخل السَّفِينَة من الطُّيُور الدرة وَآخر مَا دخل من الْحَيَوَانَات الْحمار وَدخل إِبْلِيس مُتَعَلقا بذنب الْحمار وَالله تَعَالَى أعلم

стр. 256

الْبَاب السَّابِع وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَة فِي تعرضه لإِبْرَاهِيم ﵇ لما أَرَادَ ذبح وَلَده وَفِيه تعين الذَّبِيح قَالَ عبد الرازق أَخْبرنِي معمر عَن الزُّهْرِيّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنِّي أرى فِي الْمَنَام أَنِّي أذبحك﴾ قَالَ أَخْبرنِي الْقَاسِم بن مُحَمَّد أَنه اجْتمع أَبُو هُرَيْرَة وَكَعب فَجعل أَبُو هُرَيْرَة يحدث كَعْبًا عَن النَّبِي ﷺ وَجعل كَعْب يحدث أَبَا هُرَيْرَة عَن الْكتب فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة قَالَ النَّبِي ﷺ إِن لكل نَبِي دَعْوَة مستجابة وَإِنِّي خبأت دَعْوَتِي شَفَاعَة لأمتي يَوْم الْقِيَامَة فَقَالَ كَعْب أَنْت سَمِعت هَذَا من رَسُول الله ﷺ فَقَالَ نعم قَالَ فَقَالَ كَعْب فدَاء لَهُ أبي وَأمي أَفلا أخْبرك عَن إِبْرَاهِيم ﷺ لما رأى ذبح وَلَده اسحاق ﷺ قَالَ الشَّيْطَان إِن لم أفتن هَؤُلَاءِ عِنْد هَذِه لم أفتنهم أبدا قَالَ فَخرج إِبْرَاهِيم بِابْنِهِ ليذبحه فَذهب الشَّيْطَان فَدخل على سارة فَقَالَ أَيْن يذهب إِبْرَاهِيم بابنك قَالَت ذهب بِهِ لِحَاجَتِهِ قَالَ فَإِنَّهُ لم يغد بِهِ لحَاجَة إِنَّمَا ذهب بِهِ ليذبحه قَالَت وَلم يذبحه قَالَ يزْعم أَن ربه أمره بذلك قَالَت قد أحسن إِن أطَاع ربه فَخرج الشَّيْطَان فَقَالَ لإسحاق أَيْن يذهب بك أَبوك قَالَ لبَعض حَاجته قَالَ إِنَّه لم يذهب بك لِحَاجَتِهِ وَلكنه يذهب بك ليذبحك قَالَ وَلم يذبحني قَالَ يزْعم أَن الله أمره بذلك قَالَ فوَاللَّه إِن كَانَ الله أمره بذلك ليفعلن فَتَركه وَذهب إِلَى إِبْرَاهِيم ﷺ فَقَالَ أَيْن غَدَوْت بابنك قَالَ إِلَى حَاجَة قَالَ فَإنَّك لم تغد بِهِ لحَاجَة إِنَّمَا غَدَوْت بِهِ لتذبحه قَالَ وَلم أذبحه قَالَ تزْعم أَن الله أَمرك بذلك قَالَ فوَاللَّه لَئِن أَمرنِي بذلك لَأَفْعَلَنَّ فَتَركه ويئس أَن يطاع فَلَمَّا أسلما قَالَ قَتَادَة سلما الْأَمر لله وتله للجبين قَالَ قَتَادَة أضجعه للجبين وناداه ﴿أَن يَا إِبْرَاهِيم قد صدقت الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِك نجزي الْمُحْسِنِينَ إِن هَذَا لَهو الْبلَاء الْمُبين وفديناه بِذبح عَظِيم﴾ قَالَ الزُّهْرِيّ فَأوحى الله إِلَى اسحاق أَن ادْع فلك دَعْوَة مستجابة قَالَ

стр. 257

معمر قَالَ الزُّهْرِيّ فِي غير حَدِيث كَعْب قَالَ رب أَدْعُوك أَن تَسْتَجِيب لي أَيّمَا عبد من الْأَوَّلين والآخرين لقيك لَا يُشْرك بك شَيْئا أَن تدخله الْجنَّة تَعْلِيق وَبَيَان فصل قَول كَعْب لما رأى ابراهيم ذبح وَلَده اسحاق وَقَوله ذهب إِلَى سارة فَقَالَ أَيْن يذهب إِبْرَاهِيم بابنك يدل على أَن الذَّبِيح هُوَ اسحاق وَهُوَ الْمَرْوِيّ عَن عمر بن الْخطاب وَالْعَبَّاس بن عبد الْمطلب وَعبد الله ابْن مَسْعُود وَأنس بن مَالك وابي هُرَيْرَة وَاخْتلفت الرِّوَايَة فِيهِ عَن عَليّ ابْن أبي طَالب وَقَالَ بِهِ من التَّابِعين غير كَعْب سعيد بن جُبَير وَمُجاهد وَالقَاسِم ابْن بره ومسروق وَقَتَادَة وَعِكْرِمَة ووهب بن مُنَبّه وَعبيد بن عُمَيْر وَعبد الرَّحْمَن بن زيد وَأَبُو الْهُذيْل وَالزهْرِيّ وَالسُّديّ وَهُوَ اخْتِيَار ابْن احْمَد ابْن حَنْبَل وَقَالَ السُّهيْلي لَا شكّ هُوَ اسحاق وَقَالَت طَائِفَة اخرى هُوَ اسماعيل وَهُوَ الْمَرْوِيّ عَن عبد الله بن عمر بن الْخطاب وَعبد الله بن عَبَّاس وَالْحسن بن أبي الْحسن وَسَعِيد بن الْمسيب وَالشعْبِيّ وَمُحَمّد بن كَعْب الْقرظِيّ وروى أَيْضا عَن عمر بن عبد الْعَزِيز وَأبي عَمْرو بن الْعَلَاء وَقد بسطت الْأَدِلَّة من الْجَانِبَيْنِ والأجوبة فِي كتابي المرسوم بقلادة النَّحْر ضمنته تَفْسِير سُورَة الْكَوْثَر الْبَاب الثَّامِن وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَة فِي تعرضه لمُوسَى ﵇ قَالَ عبد الله بن مُحَمَّد حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الاعلى الشَّيْبَانِيّ حَدثنَا فرج بن فضَالة عَن عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد بن انْعمْ قَالَ بَيْنَمَا مُوسَى جَالس فِي بعض مجالسه إِذْ أقبل إِبْلِيس وَعَلِيهِ برنس لَهُ يَتلون فِيهِ ألوانا فَلَمَّا دنا مِنْهُ خلع الْبُرْنُس فَوَضعه ثمَّ أَتَاهُ فَقَالَ لَهُ السَّلَام عَلَيْك يَا مُوسَى قَالَ لَهُ مُوسَى من أَنْت قَالَ إِبْلِيس قَالَ فَلَا حياك الله مَا جَاءَ بك قَالَ جِئْت لأسلم عَلَيْك لمنزلتك من الله ومكانتك مِنْهُ قَالَ مَاذَا الَّذِي رَأَيْت عَلَيْك قَالَ بِهِ اخْتَطَف قُلُوب بني آدم قَالَ فَمَاذَا إِذا صنعه الْإِنْسَان استحوذت

стр. 258

عَلَيْهِ قَالَ إِذا أَعْجَبته نَفسه واستكبر عمله وَنسي ذنُوبه وأحذرك ثَلَاثًا لَا تخل بِامْرَأَة لَا تحل لَك فَإِنَّهُ مَا خلا رجل بِامْرَأَة لَا تحل لَهُ إِلَّا كنت صَاحبه دون أَصْحَابِي حَتَّى أفتنه بهَا وَلَا تعاهد الله عهداإلا وفيت بِهِ فَإِنَّهُ مَا عَاهَدَ الله اُحْدُ عهدا إِلَّا وَكنت صَاحبه حَتَّى أَحول بَينه وَبَين الْوَفَاء بِهِ وَلَا تخرجن صَدَقَة إِلَّا أمضيتها فَإِنَّهُ مَا أخرج رجل صَدَقَة فَلم يمضها إِلَّا كنت دون أَصْحَابِي حَتَّى أَحول بَينه وَبَين الْوَفَاء بهَا ثمَّ ولى وَهُوَ يَقُول يَا ويله ثَلَاثًا علم مُوسَى مَا يحذر بِهِ بني ادم حَدثنِي الْقَاسِم بن هَاشم عَن إِبْرَاهِيم بن الْأَشْعَث عَن فُضَيْل بن عِيَاض قَالَ حَدثنِي بعض أشياخنا أَن إِبْلِيس جَاءَ إِلَى مُوسَى وَهُوَ يُنَاجِي ربه فَقَالَ لَهُ الْملك وَيلك مَا ترجو مِنْهُ وَهُوَ على ذَلِك الْحَال يُنَاجِي ربه قَالَ أَرْجُو مِنْهُ مَا رَجَوْت من أَبِيه آدم وَهُوَ فِي الْجنَّة وَقد قدمنَا فِي تعرض الشَّيْطَان لنوح ﵇ قصَّة لإبليس مَعَ مُوسَى ﵇ وَأَنه سَأَلَهُ الدُّعَاء لَهُ بِالتَّوْبَةِ وَأَن مُوسَى دَعَا ربه فَقيل يَا مُوسَى قد قضيت حَاجَتك وَإِن إِبْلِيس حذر مُوسَى ثَلَاثًا كَمَا حذره هُنَا ثَلَاثًا الْبَاب التَّاسِع وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَة فِي تعرضه لذِي الكفل ﵇ قَالَ ابْن أبي الدُّنْيَا حَدثنَا اسحاق بن اسماعيل حَدثنَا قبيصَة حَدثنَا سُفْيَان عَن الْأَعْمَش عَن الْمنْهَال بن عَمْرو عَن عبد الله بن الْحَارِث فِي ذِي الكفل قَالَ قَالَ نَبِي من الْأَنْبِيَاء لمن مَعَه هَل مِنْكُم من يكفل لي لَا يغْضب وَيكون معي فِي درجتي وَيكون بعدِي فِي قومِي فَقَالَ شَاب من الْقَوْم أَنا ثمَّ أعَاد عَلَيْهِ فَقَالَ الشَّاب انا فَلَمَّا مَاتَ قَامَ الشَّاب بعده فِي مقَامه فأتاء إِبْلِيس ليغضبه فَقَالَ الرجل اذْهَبْ مَعَه فجَاء فَأخْبرهُ أَنه لم ير شَيْئا ثمَّ أَتَاهُ فَأرْسل مَعَه آخر فجَاء فَقَالَ لم أر شَيْئا ثمَّ أَتَاهُ فَأَخذه بِيَدِهِ فانفلت مِنْهُ فَسمى ذَا الكفل لِأَنَّهُ كفل ان لَا يغْضب

стр. 259

الْبَاب الموفي ثَلَاثِينَ بعد الْمِائَة فِي تعرضه لأيوب ﵇ قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي تَفْسِيره حَدثنَا أبي حَدثنَا مُوسَى ابْن إِسْمَاعِيل حَدثنَا حَمَّاد أَنبأَنَا عَليّ بن زيد عَن يُوسُف بن مهْرَان عَن ابْن عَبَّاس أَن الشَّيْطَان قَالَ يَا رب سَلطنِي على أَيُّوب قَالَ الله تَعَالَى قد سلطتك على مَاله وَولده وَلم أسلطك على جسده فَنزل وَجمع جُنُوده فَقَالَ لَهُم قد سلطت على أَيُّوب فأروني سلطانكم فصاروا نيرانا ثمَّ صَارُوا مَاء فَبَيْنَمَا هم بالمشرق إِذا هم بالمغرب وبينما هم بالمغرب إِذا هم بالمشرق فَأرْسل طَائِفَة مِنْهُم إِلَى زرعه وَطَائِفَة إِلَى إبِله وَطَائِفَة إِلَى بقره وَطَائِفَة إِلَى غنمه وَقَالَ إِنَّه لَا يعتصم مِنْكُم إِلَّا بِالصبرِ فَأتوهُ بالمصائب بَعْضهَا على بعض فجَاء صَاحب الزَّرْع فَقَالَ يَا أَيُّوب ألم تَرَ إِلَى رَبك أرسل على زرعك نَارا فَأَحْرَقتهُ ثمَّ جَاءَ صَاحب الْإِبِل فَقَالَ لَهُ يَا أَيُّوب ألم تَرَ إِلَى رَبك أرسل إِلَى إبلك عدوا فَذهب بهَا ثمَّ جَاءَ صَاحب الْغنم فَقَالَ لَهُ يَا أَيُّوب ألم تَرَ إِلَى رَبك أرسل على غنمك عدوا فَذهب بهَا وَتفرد هُوَ لِبَنِيهِ فَجَمعهُمْ فِي بَيت أكبرهم فَبَيْنَمَا هم يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ إِذْ هبت الرّيح فَأخذت بأركان الْبَيْت فألقته عَلَيْهِم فجَاء الشَّيْطَان إِلَى أَيُّوب بِصُورَة غُلَام فِي أُذُنَيْهِ قرطان قَالَ يَا أَيُّوب ألم تَرَ إِلَى رَبك جمع بنيك فِي بَيت أكبرهم فَبَيْنَمَا هم يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ إِذْ هبت ريح فَأخذت بأركان الْبَيْت فألقته عَلَيْهِم فَلَو رَأَيْتهمْ حِين اخْتلطت دِمَاؤُهُمْ بطعامهم وشرابهم فَقَالَ أَيُّوب لَهُ فَأَيْنَ كنت أَنْت قَالَ كنت مَعَهم قَالَ وَكَيف انفلت قَالَ انفلت قَالَ ايوب أَنْت الشَّيْطَان ثمَّ قَالَ أَيُّوب أَنا الْيَوْم كهيئتي يَوْم ولدتني أُمِّي فَقَامَ فحلق رَأسه ثمَّ قَامَ يُصَلِّي فرن إِبْلِيس رنة سَمعهَا أهل السَّمَاء وَأهل الأَرْض ثمَّ قرح إِلَى السَّمَاء فَقَالَ أَي رب إِنَّه قد اعْتصمَ فسلطني عَلَيْهِ فَإِنِّي لَا استطيعه إِلَّا بسلطانك قَالَ قد سلطتك على جسده وَلم أسلطك على قلبه قَالَ فَنزل فَنفخ تَحت قَدَمَيْهِ نفخة فرج مَا بَين قَدَمَيْهِ إِلَى قرنه فَصَارَ قرحَة وَاحِدَة وَألقى على الرماد حَتَّى بدا بَطْنه فَكَانَت امْرَأَته تسْعَى عَلَيْهِ حَتَّى قَالَت لَهُ أما ترى يَا أَيُّوب

стр. 260

قد وَالله نزل بِي من الْجهد والفافة مَا إِن بِعْت قروني برغيف فأطعمك أدع الله أَن يشفيك قَالَ وَيحك كُنَّا فِي النعماء سبعين عَاما فاصبري حَتَّى نَكُون فِي الضراء سبعين عَاما فَكَانَ فِي الْبلَاء سبع سِنِين وَقَالَ أَبُو بكر بن مُحَمَّد حَدثنَا سوار بن عبد الله الْعَنْبَري حَدثنَا مُعْتَمر بن سلمَان عَن لَيْث عَن طَلْحَة بن مصيرف قَالَ قَالَ إِبْلِيس مَا أصبت من أَيُّوب شَيْئا أفرح بِهِ إِلَّا إِنِّي كنت إِذا سَمِعت أنينه علمت أَنِّي قد أوجعته حَدثنَا فُضَيْل ابْن عبد الْوَهَّاب حَدثنَا أَبُو بكر بن عَيَّاش عَن ابْن وهب بن مُنَبّه عَن أَبِيه قَالَ قَالَ إِبْلِيس لامْرَأَة أَيُّوب ﷺ بِمَ أَصَابَكُم مَا أَصَابَكُم قَالَت بِقدر الله تَعَالَى قَالَ فاتبعيني فَأَتْبَعته فأراها جَمِيع مَا ذهب مِنْهُم فِي وَاد فَقَالَ اسجدي لي وأرده عَلَيْكُم فَقَالَت إِن لي زوجا أستأمره فاخبرت أَيُّوب فَقَالَ أما آن لَك أَن تعلمي ذَاك الشَّيْطَان لَئِن بَرِئت لأضربنك مائَة جلدَة الْبَاب الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَة فِي تعرضة ليحيى بن زَكَرِيَّا ﵉ قَالَ عبد الله بن مُحَمَّد بن عبيد أخبرنَا أَحْمد بن إِبْرَاهِيم الْعَنْبَري حَدثنَا مُحَمَّد بن يزِيد بن حنيش عَن وهب بن الْورْد قَالَ بلغنَا أَن الْخَبيث إِبْلِيس تبدى ليحيى بن زَكَرِيَّا فَقَالَ إِنِّي أُرِيد أَن أنصحك قَالَ كذبت أَنْت لَا تنصحني وَلَكِن أَخْبرنِي عَن بني آدم قَالَ هم عندنَا على ثَلَاثَة أَصْنَاف أما صنف مِنْهُم فهم أَشد الْأَصْنَاف علينا نقبل عَلَيْهِ حَتَّى نفتنه ونستكن مِنْهُ ثمَّ يتفرغ للاستغفار وَالتَّوْبَة فَيفْسد علينا كل شَيْء أدركنا مِنْهُ ثمَّ نعود لَهُ فَيَعُود فَلَا نَحن نيأس مِنْهُ وَلَا نَحن ندرك مِنْهُ حاجتنا فَنحْن من ذَلِك فِي عناء وَأما الصِّنْف الآخر فهم فِي أَيْدِينَا بِمَنْزِلَة الكرة فِي أَيدي صِبْيَانكُمْ نتلقفهم كَيفَ شِئْنَا قد كفونا أنفسهم وَأما الصِّنْف الآخر فهم مثلك معصومون لَا نقدر مِنْهُم على شَيْء قَالَ يحيى على ذَلِك هَل قدرت مني على شَيْء قَالَ لَا إِلَّا مرّة وَاحِدَة فَإنَّك قدمت طَعَاما تَأْكُل فَلم أزل أشهيه إِلَيْك حَتَّى أكلت مِنْهُ أَكثر مِمَّا تُرِيدُ فَنمت تِلْكَ اللَّيْلَة فَلم تقم إِلَى الصَّلَاة كَمَا

стр. 261

كنت تقوم إِلَيْهَا فَقَالَ لَهُ يحيى لَا جرم لَا شبعت من طَعَام أبدا قَالَ لَهُ الحَدِيث لاجرم لَا نصحت نَبيا بعْدك وَقَالَ عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل حَدثنِي عَليّ بن مُسلم حَدثنَا سيار حَدثنَا جَعْفَر حَدثنَا ثَابت البنائي قَالَ بلغنَا أَن إِبْلِيس ظهر ليحيى بن زَكَرِيَّا فَرَأى عَلَيْهِ معاليق من كل شَيْء فَقَالَ يحيى يَا إِبْلِيس مَا هَذِه المعاليق الَّتِي أرى عَلَيْك قَالَ هَذِه الشَّهَوَات الَّتِي أصبت بِهن ابْن آدم قَالَ فَهَل لي فِيهَا من شَيْء قَالَ رُبمَا شبعت فنقلناك عَن الصَّلَاة ونقلناك عَن الذّكر قَالَ فَهَل غير ذَلِك قَالَ لَا وَقَالَ لله على أَن لَا أملأ بَطْني من طَعَام أبدا قَالَ إِبْلِيس وَللَّه على أَن لَا أنصح مُسلما أبدا لعنة الله عَلَيْهِ وَقَالَ ابْن أبي الدُّنْيَا حَدثنَا مُحَمَّد ابْن يحيى الْمروزِي حَدثنَا عبد الله بن خيبق قَالَ لَقِي يحيى بن زَكَرِيَّا عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام إِبْلِيس فِي صورته فَقَالَ لَهُ يَا إِبْلِيس أَخْبرنِي مَا أحب النَّاس إِلَيْك وَأبْغض النَّاس إِلَيْك قَالَ أحب النَّاس إِلَيّ الْمُؤمن الْبَخِيل وأبغضهم إِلَيّ الْفَاسِق السخي قَالَ يحيى وَكَيف ذَلِك قَالَ لِأَن الْبَخِيل قد كفاني بخله وَالْفَاسِق السخي أَتَخَوَّف أَن يطلع الله عَلَيْهِ فِي سخاه فيقبله ثمَّ ولى وَهُوَ يَقُول لَوْلَا أَنَّك يحيى لم أخْبرك وَالله أعلم الْبَاب الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَة فِي لقِيه عِيسَى ابْن مَرْيَم ﵉ قَالَ أَبُو بكر مُحَمَّد حَدثنَا الْفضل بن مُوسَى الْبَصْرِيّ حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن بشار قَالَ سَمِعت سُفْيَان بن عُيَيْنَة يَقُول لَقِي عِيسَى ابْن مَرْيَم إِبْلِيس فَقَالَ لَهُ إِبْلِيس أَنْت الَّذِي بلغ من عظم ربوبيتك أَنَّك تَكَلَّمت فِي المهد صَبيا وَلم يتَكَلَّم فِيهِ أحد قبلك قَالَ بل الربوبية وَالْعَظَمَة للإله الَّذِي أنطقني ثمَّ يميتني ثمَّ يحييني قَالَ فَأَنت الَّذِي بلغ من عظم ربوبيتك أَنَّك تحيي الْمَوْتَى قَالَ بل الربوبية لله الَّذِي يميتني وَيُمِيت من أَحييت ثمَّ يحييني قَالَ وَالله إِنَّك لإله فِي السَّمَاء وإله فِي الأَرْض قَالَ فَصَكَّهُ جِبْرِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة السَّلَام بجناحه صَكَّة فَمَا تناهى دون قرن الشَّمْس ثمَّ صَكه أُخْرَى فَمَا تناهى دون الْعين الحامية ثمَّ صَكه صَكَّة فَأدْخلهُ بحار

стр. 262

السَّابِعَة فأساحه فِيهَا حَتَّى وجد طعم الحمأة فَخرج مِنْهَا وَهُوَ يَقُول مَا لَقِي أحد من أحد مَا لقِيت مِنْك يَا ابْن مَرْيَم حَدثنَا اسحاق بن اسماعيل وَعَمْرو بن مُحَمَّد قَالَا حَدثنَا سُفْيَان عَن عَمْرو ابْن دِينَار عَن طَاوس قَالَ لَقِي الشَّيْطَان عِيسَى ابْن مَرْيَم فَقَالَ يَا ابْن مَرْيَم إِن كنت صَادِقا فَارق على هَذِه الشاهقة فألق نَفسك مِنْهَا فَقَالَ وَيلك ألم يقل الله يَا ابْن آدم لَا تختبرني بهلاكك فَإِنِّي أفعل مَا أَشَاء حَدثنِي شُرَيْح بن يُونُس حَدثنَا عَليّ بن ثَابت عَن خطاب بن الْقَاسِم عَن أبي عُثْمَان قَالَ كَانَ عِيسَى ﵊ يُصَلِّي على رَأس جبل فَأَتَاهُ إِبْلِيس فَقَالَ أَنْت الَّذِي تزْعم أَن كل شَيْء بِقَضَاء وَقدر قَالَ نعم قَالَ ألق نَفسك من الْجَبَل وَقل قدر عَليّ قَالَ يَا لعين الله يختبر الْعباد لَيْسَ للعباد أَن يختبروا الله حَدثنِي الْحسن بن عبد الْعَزِيز الجروي حَدثنَا ابْن مسْهر حَدثنَا سعيد بن عبد الْعَزِيز أَن عِيسَى ابْن مَرْيَم ﵊ نظر إِلَى إِبْلِيس فَقَالَ هَذَا ركون الدُّنْيَا إِلَيْهَا خرج وَإِيَّاهَا سَأَلَ لَا أشركه فِي شَيْء مِنْهَا وَلَا حجر أَضَعهُ تَحت رَأْسِي وَلَا أكون فِيهَا ضَاحِكا حَتَّى أخرج مِنْهَا حَدثنَا الْحسن حَدثنَا عَمْرو بن أبي سَلمَة عَن أبي سَلمَة عَن سعيد بن عبد الْعَزِيز عَن ابْن حليس قَالَ قَالَ عِيسَى ﵊ إِن الشَّيْطَان مَعَ الدُّنْيَا ومكره مَعَ المَال وتزيينه عِنْد الْهوى واستمكانه عِنْد الشَّهَوَات وَرَوَاهُ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن إِدْرِيس عَن حَيْوَة بن شُرَيْح عَن بَقِيَّة بن الْوَلِيد عَن سعيد بن عبد الْعَزِيز عَن ابْن حليس من قَوْله وتزيينه عِنْد اللَّهْو الْبَاب الثَّالِث وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَة فِي تعرضه للنَّبِي ﷺ ثَبت فِي صَحِيح مُسلم عَن أبي الدَّرْدَاء قَالَ قَامَ رَسُول الله ﷺ يُصَلِّي فسمعناه يَقُول أعوذ بِاللَّه مِنْك ثمَّ قَالَ ألعنك بلعنة الله وَبسط يَده ثَلَاثًا كَأَنَّهُ يتَنَاوَل شَيْئا فَلَمَّا فرغ من الصَّلَاة قُلْنَا يَا رَسُول الله

стр. 263

قد سمعناك تَقول فِي الصَّلَاة شَيْئا لم نسمعك تَقوله قبل ذَلِك ورأيناك بسطت يدك قَالَ إِن عَدو الله إِبْلِيس جَاءَ بشهاب من نَار ليجعله فِي وَجْهي فَقلت أعوذ بِاللَّه ثَلَاث مَرَّات ثمَّ قلت ألعنك بلعنة الله التَّامَّة فَلم يسْتَأْخر ثَلَاث مَرَّات ثمَّ أردْت أَن آخذه وَالله لَوْلَا دَعْوَة أخينا سُلَيْمَان لأصبح موثقًا فلعب بِهِ ولدان أهل الْمَدِينَة وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن الشَّيْطَان عرض لي فَشد عَليّ ليقطع الصَّلَاة عَليّ فأمكنني الله مِنْهُ فذعته وَلَقَد هَمَمْت أَن أوثقه إِلَى سَارِيَة حَتَّى تصبحوا فتنظروا إِلَيْهِ فَذكرت قَول سُلَيْمَان ﴿وهب لي ملكا لَا يَنْبَغِي لأحد من بعدِي﴾ فَرده الله خاسئا وَقد روى النَّسَائِيّ على شَرط البُخَارِيّ عَن عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا النَّبِي ﷺ كَانَ يُصَلِّي فَأَتَاهُ الشَّيْطَان فَأَخذه فصرعه فخنقه قَالَ رَسُول الله ﷺ حَتَّى وجدت برد لِسَانه على يَدي وَلَوْلَا دَعْوَة سُلَيْمَان لأصبح موثقًا حَتَّى يرَاهُ النَّاس وَرَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد من حَدِيث ابي سعيد وَفِيه فَأَهْوَيْت بيَدي فَمَا زلت أخنقه حَتَّى برد لعابه أُصْبُعِي هَاتين الْإِبْهَام وَالَّتِي تَلِيهَا قَالَ الْحسن بن شادان أخبرنَا عُثْمَان بن أَحْمد الدقاق حَدثنَا يحيى ابْن جَعْفَر أَنبأَنَا ثَابت حَدثنَا اسحاق بن مَنْصُور أَنبأَنَا إِسْرَائِيل عَن أبي إِسْحَاق عَن أبي عُبَيْدَة عَن عبد الله قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مر بِي الشَّيْطَان فَأَخَذته فخنقته حَتَّى أَنى لأجد برد لِسَانه على يَدي فَقَالَ أوجعتني أوجعتني فتركته وَقَالَ أَحْمد بن الْحسن بن الْجَعْد حَدثنَا مُحَمَّد ابْن بكار حَدثنَا خديج حَدثنَا أَبُو اسحاق عَن أبي عُبَيْدَة بن عبد الله عَن أَبِيه عَن النَّبِي ﷺ قَالَ لقد مر عَليّ الْخَبيث فَأَخَذته فخنقته خنقا شَدِيدا حَتَّى قَالَ أوجعتني وَقَالَ ابْن أبي الدُّنْيَا حَدثنَا بشر بن الْوَلِيد حَدثنَا عُثْمَان بن مطر عَن ثَابت عَن أنس قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ سَاجِدا بِمَكَّة فجَاء إِبْلِيس فَأَرَادَ أَن يطَأ عُنُقه فلفحه جِبْرِيل ﵊ بجناحه لفحة فَمَا اسْتَقَرَّتْ قدماه حَتَّى بلغ الْأُرْدُن

стр. 264

وروى مَالك فِي الْمُوَطَّأ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ رَأَيْت لَيْلَة أسرى بِي عفريتا من الْجِنّ يطلبني بشعلة نَار كلما الْتفت رَأَيْته فَقَالَ جِبْرِيل أَلا أعلمك كَلِمَات تقولهن فتطفئ شعلته ويخر لفيه قَالَ رَسُول الله ﷺ بلَى فَقَالَ جِبْرِيل قل أعوذ بِوَجْه الله الْكَرِيم وبكلمات الله التامات الَّتِي لَا يجاوزهن بر وَلَا فَاجر من شَرّ مَا ينزل من السَّمَاء وَمَا يعرج فِيهَا وَمن شَرّ مَا ذَرأ فِي الأَرْض وَمن شَرّ مَا يخرج مِنْهَا وَمن فتن اللَّيْل وَالنَّهَار وَمن طوارق اللَّيْل وَالنَّهَار إِلَّا طَارق يطْرق بِخَير يَا رَحْمَن بَين فِي الحَدِيث الأول الِاسْتِعَاذَة من الشَّيْطَان ولعنه بلعنة الله وَلم يسْتَأْخر بذلك فَمد يَده إِلَيْهِ وَبَين فِي الحَدِيث الثَّانِي أَن مد الْيَد كَانَ لخنقه لقَوْله ﵊ دَفعته وَهَذَا دفع لعداوته بِالْفِعْلِ وَفِيه الخنق وَبِه اندفعت عداوته فَرده الله خاسئا وَأما الزِّيَادَة وَهُوَ ربطه إِلَى السارية وَهُوَ من بَاب التَّصَرُّف الملكي الَّذِي تَركه لِسُلَيْمَان فَإِن نَبينَا ﷺ كَانَ يتَصَرَّف فِي الْجِنّ كتصرفه فِي الْإِنْس التَّصَرُّف عبد رَسُول الله يَأْمُرهُم بِعبَادة الله تَعَالَى وطاعته لَا يتَصَرَّف لأمر يرجع إِلَيْهِ وَهُوَ التَّصَرُّف الملكي فَإِنَّهُ كَانَ عبدا رَسُولا وَسليمَان نَبِي ملك وَالْعَبْد الرَّسُول أفضل من النَّبِي الْملك كَمَا أَن السَّابِقين المقربين أفضل من عُمُوم الْأَبْرَار أَصْحَاب الْيَمين وَالدَّلِيل على أَن العَبْد الرَّسُول أفضل من النَّبِي الْملك أَن النَّبِي ﷺ عرض عَلَيْهِ أَن يكون نَبيا ملكا أَو عبدا رَسُولا فَاخْتَارَ أَن يكون عبدا رَسُولا وَلَا يخْتَار لنَفسِهِ إِلَّا مَا هُوَ الْأَفْضَل فِي نفس الْأَمر وَقَوله فَمَا زلت اخنقه حَتَّى برد لعابه وَقَوله حَتَّى وجدت برد لِسَانه على يَدي فَهَذَا فعله فِي الصَّلَاة وَهُوَ مِمَّا احْتج بِهِ الْعلمَاء على جَوَاز مثل هَذَا فِي الصَّلَاة وَهُوَ كدفع الْمَار وَقتل الأسودين وَالصَّلَاة حَالَة الْمُسَابقَة وَقد تنَازع الْعلمَاء فِي شَيْطَان الْجِنّ إِذا مر بَين يَدي الْمُصَلِّي هَل يقطع الصَّلَاة على قَوْلَيْنِ هما قَولَانِ فِي مَذْهَب أَحْمد وَقد تقدم هَذَا فِي الْبَاب الَّذِي عقدناه لهَذِهِ الْمَسْأَلَة وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق

стр. 265

الْبَاب الرَّابِع وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَة فِي فرار الشَّيْطَان من عمر بن الْخطاب ﵁ وصرعه إِيَّاه روى البُخَارِيّ وَمُسلم من حَدِيث سعد بن أبي وَقاص قَالَ اسْتَأْذن عمر على رَسُول الله ﷺ وَعِنْده نسْوَة من قُرَيْش يكلمنه وَفِي رِوَايَة يسألنه ويستكثرنه عالية أصواتهن على صَوته فَلَمَّا نزل على رَسُول الله آيَة الْحجاب أذن رَسُول الله ﷺ لعمر فَدخل عمر مستأذنا وَالنَّبِيّ يضْحك فَقَالَ عمر أضْحك الله سنك يَا رَسُول الله بِأبي أَنْت وَأمي مَا يضحكك قَالَ عجبت من هَؤُلَاءِ اللَّاتِي كن عِنْدِي فَلَمَّا سمعن صَوْتك ابتدرن الْحجاب قَالَ عمر فَأَنت يَا رَسُول الله أَحَق أَن يهبن ثمَّ قَالَ عمر أَي عدوات أَنْفسهنَّ أتهبنني وَلَا تهبن رَسُول الله ﷺ قُلْنَ نعم أَنْت أفظ وَأَغْلظ من رَسُول الله ﷺ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ إيه يَا ابْن الْخطاب وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا لقيك الشَّيْطَان سالكا فجا إِلَّا سلك فجا غير فجك وروى التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث بُرَيْدَة قَالَ خرج رَسُول الله ﷺ فِي بعض مغازيه فَلَمَّا انْصَرف جَاءَت جوَيْرِية سُودًا فَقَالَت إِنِّي كنت نذرت إِن ردك الله سالما أَن أضْرب بَين يَديك بالدف وأتغنى فَقَالَ لَهَا إِن كنت نذرت فاضربي وَإِلَّا فَلَا فَقَالَت نذرت فَجَلَست تضرب فَدخل أَبُو بكر وَهِي تضرب ثمَّ دخل عَليّ وَهِي تضرب ثمَّ دخل عُثْمَان وَهِي تضرب ثمَّ دخل عمر فَأَلْقَت الدُّف تَحت استها وَقَعَدت عَلَيْهِ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الشَّيْطَان ليخاف مِنْك يَا عمر أَنِّي كنت جَالِسا وَهِي تضرب فَدخل أَبُو بكر وَهِي تضرب ثمَّ دخل عَليّ وَهِي تضرب ثمَّ دخل عُثْمَان وَهِي تضرب فَلَمَّا دخلت أَنْت يَا عمر القت الدُّف وَجَلَست عَلَيْهِ وروى التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ أَيْضا من حَدِيث عَائِشَة ﵂ قَالَت كَانَ رَسُول الله ﷺ جَالِسا فسمعنا لَغطا وَصَوت صبيان فَقَامَ رَسُول الله ﷺ فَإِذا حبشية تدفن وَالصبيان حولهَا فَقَالَ يَا عَائِشَة تعالي فانظري فَجئْت فَوضعت لحيي على منْكب رَسُول الله ﷺ فَجعلت أنظر إِلَيْهَا مَا بَين الْمنْكب إِلَى رَأسه

стр. 266

فَقَالَ لي أما شبعت قَالَت فَجعلت أَقُول لَا لأنظر منزلتي عِنْده إِذْ طلع عمر قَالَت فانفض النَّاس عَنْهَا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِنِّي لأنظر إِلَى شياطين الْجِنّ وَالْإِنْس قد فروا من عمر قَالَت فَرَجَعت وَقَالَ ابْن أبي الدُّنْيَا حَدثنَا عَليّ بن الْجَعْد قَالَ أَخْبرنِي عِكْرِمَة بن عمار عَن عَاصِم قَالَ حَدثنِي زر قَالَت سَمِعت عبد الله يَقُول خرج رجل من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فلقي الشَّيْطَان فاشتجرا فاصطرعا فصرعه الَّذِي من أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ فَقَالَ الشَّيْطَان أَرْسلنِي أحَدثك حَدِيثا عجيبا يُعْجِبك قَالَ فَأرْسلهُ قَالَ فَحَدثني قَالَ لَا قَالَ فاتخذا الثَّانِيَة فاصطرعا فصرعه الَّذِي من أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ قَالَ أَرْسلنِي فلأحدثك حَدِيثا يُعْجِبك فَأرْسلهُ فَأرْسلهُ فَقَالَ حَدثنِي فَقَالَ لَا قَالَ فاتخذا الثَّالِثَة فصرعه الَّذِي من أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ ثمَّ جلس على صَدره وَأخذ بإبهامه يلوكها فَقَالَ أَرْسلنِي قَالَ لَا أرسلك حَتَّى تُحَدِّثنِي قَالَ سُورَة الْبَقَرَة فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْهَا آيَة تقْرَأ فِي وسط شياطين إِلَّا تفَرقُوا وَلَا تقْرَأ فِي بَيت فَيدْخل ذَلِك الْبَيْت شَيْطَان قَالُوا يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن فَمن ذَلِك الرجل قَالَ فَمن تَرَوْنَهُ إِلَّا عمر بن الْخطاب ﵁ وَرَوَاهُ أَبُو نعيم فَقَالَ حَدثنَا جَعْفَر الصَّائِغ حَدثنَا عَفَّان حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن عَاصِم بِنَحْوِهِ وَالله أعلم الْبَاب الْخَامِس وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَة فِي بَيَان لَقِي الشَّيْطَان حَنْظَلَة بن أبي عَامر غسيل الْمَلَائِكَة قَالَ ابْن عبيد حَدثنِي مُحَمَّد بن الْحُسَيْن حَدثنِي قدامَة بن مُحَمَّد الخشرمي حَدثنِي مُحَمَّد بن حَفْص وَكَانَ من خِيَار أهل الْمَدِينَة عَن صَفْوَان ابْن سليم قَالَ يتحدث أهل الْمَدِينَة أَن عبد الله بن حَنْظَلَة بن الغسيل لقِيه الشَّيْطَان وَهُوَ خَارج من الْمَسْجِد فَقَالَ تعرفنِي يَا ابْن حَنْظَلَة فَقَالَ نعم فَقَالَ من أَنا قَالَ أَنْت الشَّيْطَان قَالَ فَكيف علمت ذَاك قَالَ خرجت وَأَنا أذكر الله فَلَمَّا بدأت أنظر إِلَيْك فشغلني النّظر إِلَيْك عَن

стр. 267

ذكر الله فَعلمت أَنَّك الشَّيْطَان قَالَ صدقت يَا ابْن حَنْظَلَة فاحفظ عني شَيْئا أعلمكه قَالَ لَا حَاجَة لي بِهِ قَالَ تنظر فَإِن كَانَ خيرا قبلت وَإِن كَانَ شرا رددت يَا ابْن حَنْظَلَة لَا تسْأَل أحدا غير الله سُؤال رَغْبَة وَانْظُر كَيفَ تكون إِذا غضِبت قلت غسيل الْمَلَائِكَة هُوَ حَنْظَلَة بن أبي عَامر وَاسم أبي عَامر عَمْرو وَقيل عبد عَمْرو بن صَيْفِي اسْتشْهد يَوْم اُحْدُ فروى عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ رَأَيْت الْمَلَائِكَة تغسله فِي صحاف الْفضة بِمَاء المزن بَين السَّمَاء وَالْأَرْض قَالَ ابْن اسحاق فَسَأَلت امْرَأَته فَقَالَت كَانَ جنبا فَسمع الْهَاتِف فَخرج وَامْرَأَته هِيَ جميلَة بنت أبي بن سلول أُخْت عبد الله وَكَانَ ابتنى بهَا فِي تِلْكَ اللَّيْلَة وَكَانَت عروسا عِنْده فرأت فِي النّوم تِلْكَ اللَّيْلَة أَن بَابا فِي السَّمَاء قد فتح لَهُ فدخله ثمَّ أغلق دونه قَالَت فَعلمت أَنه ميت من هَذِه فدعَتْ رجَالًا حِين أَصبَحت من قَومهَا فأشهدتهم على الدُّخُول بهَا خشيَة أَن يكون فِي ذَلِك نزاع ذكره الْوَاقِدِيّ وَذكره غَيره أَنه التمس فِي الْقَتْلَى فوجدوه يقطر رَأسه مَاء وَلَيْسَ بِقُرْبِهِ مَاء تَصْدِيقًا لما قَالَه الرَّسُول الله ﷺ وَفِي هَذَا دَلِيل لما ذهب أَبُو حنيفَة ﵁ إِلَيْهِ أَن الشَّهِيد إِذا كَانَ جنبا يغسل الْبَاب السَّادِس وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَة فِي بَيَان إغواء الشَّيْطَان قَارون قَالَ أَبُو بكر الْقرشِي حَدثنَا مُحَمَّد بن إِدْرِيس حَدثنَا أَحْمد ابْن أبي الْحوَاري قَالَ سَمِعت أَبَا سُلَيْمَان وَغَيره قَالَ تبدى إِبْلِيس لقارون قَالَ وَقد كَانَ قَارون أَقَامَ فِي جبل أَرْبَعِينَ سنة يتعبد فِيهِ قد فاق بني اسرائيل فِي الْعِبَادَة قَالَ فَبعث إِلَيْهِ بشياطين لَهُ فَلم يقدروا عَلَيْهِ فتبدى لَهُ فَجعل يتعبد مَعَه وَجعل قَارون يفْطر وَهُوَ لَا يفْطر وَجعل هُوَ يظْهر من الْعِبَادَة مَا لَا يقوى عَلَيْهَا قَارون قَالَ فتواضع لَهُ قَارون قَالَ لَهُ إِبْلِيس قد رضيت بِهَذَا يَا قَارون لَا تشهد لبني إِسْرَائِيل جَنَازَة وَلَا جمَاعَة قَالَ فأحذره من الْجَبَل حَتَّى أدخلهُ الْبيعَة قَالَ فَجعلُوا يحملون إِلَيْهِمَا الطَّعَام قَالَ فَقَالَ لَهُ قد رَضِينَا بِهَذَا صرنا كلا على بني إِسْرَائِيل قَالَ فَأَي شَيْء الرَّأْي

стр. 268

قَالَ نكسب يَوْمًا ونتعبد بَقِيَّة الْجُمُعَة قَالَ نعم ثمَّ قَالَ لَهُ بعد قد رَضِينَا بُد أَن لَا نتصدق وَلَا نَفْعل قَالَ فَأَي شَيْء الرَّأْي قَالَ نكسب يَوْمًا ونتعبد يَوْمًا فَلَمَّا فعل ذَلِك حبس عَنهُ وَتَركه وَفتحت على قَارون الدُّنْيَا نَعُوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان وشره الْبَاب السَّابِع وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَة فِي بَيَان حُضُور الشَّيْطَان مجمع قُرَيْش بدار الندوة للتشاور فِي أَمر النَّبِي ﷺ وتقبيحه آراءهم وتصويبه رَأْي أبي جهل قَالَ ابْن اسحاق لما رَأَتْ قُرَيْش أَن رَسُول الله ﷺ قد كَانَت لَهُ شيعَة وَأَصْحَاب من غَيرهم بِغَيْر بلدهم وَرَأَوا خُرُوج أَصْحَابه من الْمُهَاجِرين إِلَيْهِم عرفُوا أَنهم قد نزلُوا دَارا وَأَصَابُوا سَعَة فحذروا خُرُوج رَسُول الله ﷺ وَعرفُوا أَنه قد أجمع لحربهم فَاجْتمعُوا لَهُ فِي دَار الندوة وَهِي دَار قصي بن كلاب الَّتِي كَانَت قُرَيْش لَا تقضي أمرا إِلَّا فِيهَا يتشاورون فِيهَا مَا يصنعون فِي أَمر رَسُول الله ﷺ حِين خافوه فَحَدثني من لَا أتهم من أَصْحَابنَا عَن عبد الله بن أبي نجيح عَن مُجَاهِد بن جبر أبي الْحجَّاج وَغَيره مِمَّن لَا أتهم عَن ابْن عَبَّاس قَالَ لما اجْتَمعُوا لذَلِك واتعدوا أَن يدخلُوا دَار الندوة ليتشاوروا فِيهَا فِي أَمر رَسُول الله ﷺ غدوا فِي الْيَوْم الَّذِي اتعدوا لَهُ وَكَانَ ذَلِك الْيَوْم يُسمى يَوْم الرَّحْمَة فاعترضهم إِبْلِيس فِي صُورَة شيخ جليل عَلَيْهِ بت لَهُ فَوقف على بَاب الدَّار فَلَمَّا رَأَوْهُ وَاقِفًا على بَابهَا قَالُوا من الشَّيْخ فَقَالَ شيخ من أهل نجد سمع بِالَّذِي اتعدتم لَهُ فَحَضَرَ مَعكُمْ ليسمع مَا تَقولُونَ وَعَسَى أَن لَا يعدمكم مِنْهُ رَأيا وَنصحا قَالُوا أجل فَادْخُلْ فَدخل وَقد اجْتمع فِيهَا أَشْرَاف قُرَيْش من بني عبد شمس عتبَة بن ربيعَة وَشَيْبَة بن ربيعَة وَأَبُو سُفْيَان بن حَرْب وَمن بني نَوْفَل بن عبد منَاف طعيمة بن عدي وَجبير بن مطعم والْحَارث ابْن عَمْرو بن نَوْفَل وَمن بني عبد الدَّار بن قصي النَّضر بن الْحَارِث بن كلدة وَمن بني أَسد بن عبد الْعُزَّى أَبُو البخْترِي بن هِشَام وَزَمعَة بن الْأسود وَحَكِيم ابْن حزَام وَمن بني مَخْزُوم أَبُو جهل بن هِشَام وَمن بني سهم نبيه ومنبه

стр. 269

ابْنا الْحجَّاج وَمن بني جمح أُميَّة بن خلف وَمن كَانَ مِنْهُم وَمن غَيرهم مِمَّن لَا يعد من قُرَيْش فَقَالَ بَعضهم لبَعض إِن هَذَا الرجل قد كَانَ من أمره مَا قد رَأَيْتُمْ وَأَنا وَالله لَا نَأْمَن من الْوُثُوب علينا بِمن قد اتبعهُ من غَيرنَا فاجمعوا بِهِ رَأيا قَالَ فتشاوروا ثمَّ قَالَ قَائِل مِنْهُم احْبِسُوهُ فِي الْحَدِيد واغلقوا عَلَيْهِ بَابا ثمَّ تَرَبَّصُوا بِهِ مَا اصاب اشباهه من الشُّعَرَاء الَّذين كَانُوا قبله زُهَيْر والنابغة من مضى مِنْهُم من هَذَا الْمَوْت حَتَّى يُصِيبهُ مَا أَصَابَهُم فَقَالَ الشَّيْخ النجدي لَا وَالله مَا هَذَا لكم بِرَأْي وَالله لَئِن حبستموه كَمَا تَقولُونَ ليخرجن أمره من وَرَاء الْبَاب الَّذِي أغلقتم دونه إِلَى أَصْحَابه فَلَا يُوشك أَن يثبوا عَلَيْكُم فينتزعوه من أَيْدِيكُم ثمَّ يكاثروكم حَتَّى يغلبوكم على أَمركُم مَا هَذَا لكم بِرَأْي فانظروا فِي غَيره فتشاوروا ثمَّ قَالَ قَائِل مِنْهُم نخرجهُ من بَين ظهرنا فننفيه من بِلَادنَا فَإِذا خرج عَنَّا فوَاللَّه مَا نبالي أَيْن ذهب وَلَا حَيْثُ وَقع إِذا غَابَ عَنَّا وفرغنا مِنْهُ أَصْلحنَا أمرنَا وَآلِهَتنَا كَمَا كَانَت فَقَالَ الشَّيْخ النجدي وَالله مَا هَذَا لكم بِرَأْي ألم تروا حسن حَدِيثه وحلاوة مَنْطِقه وغلبته على قُلُوب الرِّجَال بِمَا يَأْتِي بِهِ وَالله لَو فَعلْتُمْ ذَلِك مَا أمنت أَن يحل على حَيّ من الْعَرَب فيغلب بذلك عَلَيْهِم من قَوْله وَحَدِيثه حَتَّى يبايعوه عَلَيْهِ ثمَّ يسير بهم اليكم حَتَّى يطأكم بهم فَيخرج أَمركُم من أَيْدِيكُم ثمَّ يفعل بكم مَا أَرَادَ فأروا فِيهِ رَأيا غير هَذَا قَالَ فَقَالَ أَبُو جهل بن هِشَام وَالله إِن لي لرأيا مَا أَرَاكُم وقفتم عَلَيْهِ بعد قَالُوا وَمَا هُوَ يَا أَبَا الحكم قَالَ أرى أَن تَأْخُذُوا من كل قَبيلَة فَتى شَابًّا جلدا نسيبا وسطا ثمَّ نعطي كل فَتى مِنْهُم سَيْفا صَارِمًا ثمَّ يعمدوا إِلَيْهِ فَيَضْرِبُوهُ ضَرْبَة رجل وَاحِد فيقتلوه فنستريح مِنْهُ فَإِنَّهُم إِذا فعلوا ذَلِك تفرق دَمه فِي الْقَبَائِل جَمِيعًا فَلَا تقدر بَنو عبد منَاف على حَرْب قَومهمْ جَمِيعًا فرضوا منا بِالْعقلِ فعقلناه لَهُم قَالَ يَقُول الشَّيْخ النجدي القَوْل مَا قَالَ الرجل هَذَا الرَّأْي لَا أرى غَيره فَتفرق الْقَوْم على ذَلِك وهم مجمعون لَهُ فَأتى جِبْرِيل رَسُول الله ﷺ فَقَالَ لَا تبيت اللَّيْلَة على فراشك الَّذِي كنت تبيت عَلَيْهِ قَالَ فَلَمَّا كَانَت عتمة من اللَّيْل اجْتَمعُوا على بَابه يَرْصُدُونَهُ حَتَّى ينَام فيثبوا عَلَيْهِ فَلَمَّا رأى رَسُول الله ﷺ مكانهم قَالَ لعَلي بن أبي طَالب نم على فِرَاشِي وتوشح ببردي هَذَا

стр. 270

الْأَخْضَر فنم فِيهِ فَإِنَّهُ لن يخلص إِلَيْك شَيْء تكرههُ مِنْهُم وَكَانَ رَسُول الله ﷺ ينَام فِي برده ذَلِك إِذا نَام فَحَدثني يزِيد بن زِيَاد عَن مُحَمَّد بن كَعْب قَالَ لما أَجمعُوا لَهُ وَفِيهِمْ أَبُو جهل بن هِشَام فَقَالَ وهم على بَابه إِن مُحَمَّدًا يزْعم أَنكُمْ إِن بايعتموه على أمره كُنْتُم مُلُوك الْعَرَب والعجم ثمَّ إِن بعثتم من بعد موتكم جعلت لكم جنان كجنان الْأُرْدُن وَإِن لم تَفعلُوا كَانَ لَهُ فِيكُم ذبح ثمَّ بعثتم بعد موتكم فَجعلت لكم نَارا تحرقون فِيهَا قَالَ وَخرج رَسُول الله ﷺ فَأخذ حفْنَة من تُرَاب فِي يَده ثمَّ قَالَ نعم أَنا أَقُول ذَلِك أَنْت أحدهم وَأخذ الله أَبْصَارهم عَنهُ فَلَا يرونه فَجعل ينثر التُّرَاب على رؤوسهم وَهُوَ يَتْلُو هَذِه الْآيَات ﴿يس﴾ إِلَى ﴿فهم لَا يبصرون﴾ وَلم يبْق رجل إِلَّا وَقد وضع على رَأسه تُرَابا وَانْصَرف إِلَى حَيْثُ أَرَادَ أَن يذهب فَأَتَاهُم آتٍ مِمَّن لم يكن مَعَهم فَقَالَ وَمَا تنتظرون هَهُنَا قَالُوا مُحَمَّدًا ﷺ قَالَ قد خيبكم الله قد وَالله خرج عَلَيْكُم مُحَمَّد ﷺ وَمَا ترك أحدا مِنْكُم إِلَّا وضع على رَأسه تُرَابا وَانْطَلق لِحَاجَتِهِ فَمَا ترَوْنَ مَا بكم قَالَ فَوضع كل رجل مِنْهُم يَده على رَأسه فَإِذا عَلَيْهِ تُرَاب ثمَّ جعلُوا يتطلعون فيرون عليا على الْفراش متشحا بِبرد النَّبِي ﷺ فَيَقُولُونَ وَالله إِن هَذَا لمُحَمد نَائِما عَلَيْهِ برده فَلم يزَالُوا كَذَلِك حَتَّى أَصْبحُوا فَقَامَ عَليّ عَن الْفراش فَقَالُوا وَالله لقد صدقنا الَّذِي كَانَ حَدثنَا فَكَانَ مِمَّا أنزل الله تَعَالَى من الْقُرْآن فِي ذَلِك ﴿وَإِذ يمكر بك الَّذين كفرُوا ليثبتوك أَو يَقْتُلُوك أَو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله وَالله خير الماكرين﴾ وَقَول الله تَعَالَى ﴿أم يَقُولُونَ شَاعِر نتربص بِهِ ريب الْمنون قل تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعكُمْ من المتربصين﴾ تَعْلِيق وَبَيَان فصل قد قدمنَا فِي بَيَان طُلُوع قرن الشَّيْطَان من نجد الْمَعْنى الَّذِي تمثل من اجله الشَّيْطَان فِي صُورَة شيخ نجدي وَهُوَ أَن قُريْشًا قَالُوا لَا يدْخل مَعَهم فِي الْمُشَاورَة أحد من أهل تهَامَة لِأَن هواهم مَعَ مُحَمَّد ﷺ وَلم يسم ابْن اسحاق من المشيرون الَّذين أشاروا غير أبي جهل فَقَالَ ابْن سَلام الَّذِي أَشَارَ بحبسه هُوَ أَبُو البخْترِي بن هِشَام وَالَّذِي أَشَارَ بِإِخْرَاجِهِ ونفيه

стр. 271

هُوَ أَبُو الْأسود ربيعَة بن عُمَيْر اُحْدُ بني عَامر بن لؤَي وَأما وقوفهم على بَابه يتطلعون فيرون عليا وَعَلِيهِ برد رَسُول الله ﷺ فيظنونه إِيَّاه فَلم يزَالُوا كَذَلِك قيَاما حَتَّى اصبحوا فَذكر بعض أهل السّير السَّبَب الْمَانِع لَهُم من التقحم عَلَيْهِ فِي الدَّار مَعَ قصر الْجِدَار وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا جَاءُوا لقَتله فَذكر فِي الْخَبَر أَنهم هموا بالولوج عَلَيْهِ فصاحت امْرَأَة من الدَّار فَقَالَ بَعضهم لبَعض وَالله إِنَّهَا لسبة فِي الْعَرَب أَن يتحدث عَنَّا إِنَّا تسورنا الْحِيطَان على بَنَات الْعم وهتكنا ستر حرمنا فَهَذَا الَّذِي أقامهم فِي الْبَاب حَتَّى أَصْبحُوا ينتظرون خُرُوجه ثمَّ طمست ابصارهم عَنهُ حِين خرج وَفِي قِرَاءَة الْآيَات من سُورَة يس من الْفِقْه التَّذْكِرَة بِقِرَاءَة الْخَائِفِينَ لَهَا اقْتِدَاء بِهِ ﷺ وَقد روى الْحَارِث بن اسامة فِي مُسْنده عَن النَّبِي ﷺ أَنه ذكر فِي فضل يس أَنَّهَا إِن قَرَأَهَا خَائِف أَمن أَو جَائِع شبع أَو عَار كسى أَو عاطش سقى أَو سقيم شفى حَتَّى ذكر خلالا كَثِيرَة وَالله أعلم الْبَاب الثَّامِن وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَة فِي بَيَان صُرَاخ الشَّيْطَان من رَأس الْعقبَة وَقت الْبيعَة بيعَة الرضْوَان قَالَ ابْن اسحاق بن عَاصِم حَدثنَا عمر بن قَتَادَة أَن الْقَوْم لما اجْتَمعُوا لبيعة رَسُول الله ﷺ قَالَ الْعَبَّاس بن عبَادَة بن نَضْلَة الْأنْصَارِيّ أَخُو بني سَالم بن عَوْف يَا معشر الْخَزْرَج هَل تَدْرُونَ علام تُبَايِعُونَ هَذَا الرجل قَالُوا نعم قَالَ إِنَّكُم تبايعونه على حَرْب الْأَحْمَر وَالْأسود من النَّاس فَإِن كُنْتُم ترَوْنَ إِذا نهكت أَمْوَالكُم مُصِيبَة وأشرافكم قتلا كَذَا استلمتموه فَمن الْآن فَهُوَ وَالله إِن فَعلْتُمْ خزي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَإِن كُنْتُم ترَوْنَ أَنكُمْ وافون لَهُ مِمَّا دعوتموه إِلَيْهِ على نهب الْأَمْوَال وَقتل الاشراف فَخُذُوهُ فَهُوَ وَالله خير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة قَالُوا نَأْخُذهُ على مُصِيبَة الْأَمْوَال وَقتل الْأَشْرَاف فَمَا لنا بذلك يَا رَسُول الله إِن نَحن وَفينَا قَالَ الْجنَّة قَالُوا ابْسُطْ يدك فَبسط يَده فَبَايعُوهُ قَالَ ابْن اسحاق فبنوا النجار يَزْعمُونَ أَن أَبَا أُمَامَة أسعد ابْن زُرَارَة كَانَ أول من ضرب على يَده وَبَنُو عبد الاشهل تَقول بل الْهَيْثَم

стр. 272

ابْن النيهان قَالَ ابْن اسحاق وحَدثني معبد بن كَعْب فِي حَدِيثه عَن أَخِيه عبد الله بن كَعْب عَن أَبِيه كَعْب بن كَعْب بن مَالك قَالَ كَانَ أول من ضرب على يَد رَسُول الله ﷺ الْبَراء بن معْرور تَعْلِيق وَبَيَان قلت وَقد ذكرت ذَلِك فِي كتابي الموسوم بمحاسن الْوَسَائِل إِلَى معرفَة الْأَوَائِل قَالَ كَعْب فَلَمَّا بَايعنَا رَسُول الله ﷺ صرخَ الشَّيْطَان من رَأس الْعقبَة بأنفذ صَوت مَا سمعته قطّ يَا أهل الحباحب هَل لكم فِي مذمم وَالصبَا مَعَه قد اجْتَمعُوا على حربكم قَالَ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ هَذَا أزب الْعقبَة هَذَا ابْن أزنب قَالَ ابْن هِشَام وَيُقَال ابْن أزيب أتسمع أَي عَدو الله لأفرغن لَك قَالَ ثمَّ قَالَ رَسُول الله ﷺ ارفضوا إِلَى رحالكُمْ قَالَ فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاس بن عبَادَة ابْن نَضْلَة وَالله الَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ إِن شِئْت لنميلن على أهل منى غَدا بأسيافنا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لم تُؤمر بذلك وَلَكِن ارْجعُوا إِلَى رحالكُمْ فَإِن رَجعْنَا إِلَى مضاجعنا فنمنا عَلَيْهَا حَتَّى أَصْبَحْنَا فَلَمَّا أَصْبَحْنَا غَدَتْ عَلَيْهِ جلة من قُرَيْش حَتَّى جَاءُونَا فِي مَنَازلنَا فَقَالُوا يَا معشر الْخَزْرَج إِنَّه قد بلغنَا أَنكُمْ جئْتُمْ إِلَى صاحبنا هَذَا تستخرجونه من بَين أظهرنَا وتبايعونه على حربنا وَإنَّهُ وَالله مَا من حَيّ من الْعَرَب أبْغض إِلَيْنَا أَن تنشب الْحَرْب بَيْننَا وَبينهمْ مِنْكُم قَالَ فانبعث من هُنَاكَ من مُشْركي قَومنَا يحلفُونَ بِاللَّه مَا كَانَ من هَذَا شَيْء وَمَا علمناه قَالَ وَصَدقُوا لم يعلمُوا قَالَ وبعضنا ينظر إِلَى بعض قَالَ ثمَّ قَامَ الْقَوْم وَفِيهِمْ الْحَارِث بن هِشَام بن الْمُغيرَة المَخْزُومِي وَعَلِيهِ نَعْلَانِ لَهُ جديدان قَالَ فَقلت لَهُ كلمة كَأَنِّي أُرِيد أَن أشرك الْقَوْم بهَا فِيمَا قَالُوا يَا ابا جَابر أما نستطيع أَن نتَّخذ وَأَنت سيد من سَادَاتنَا ثمَّ نَعْلي هَذَا الْفَتى من قُرَيْش قَالَ فَسَمعَهَا الْحَارِث فخلعهما من رجلَيْهِ ثمَّ رمى بهما إِلَى وَقَالَ وَالله لينتعلهما قَالَ يَقُول جَابر مَه أحفظت وَالله الْفَتى فأردد إِلَيْهِ نَعْلَيْه قَالَ قلت وَالله لَا أردهما فأل وَالله صَالح وَالله لَئِن صدق الفأل لأسلبنه قَالَ ابْن اسحاق وحَدثني عبد الله بن أبي بكر انهم اتوا عبد الله

стр. 273

ابْن أبي بن ساول فَقَالُوا لَهُ مثل مَا ذكر كَعْب من القَوْل فَقَالَ لَهُم وَالله ان هَذَا الْأَمر جسيم مَا كَانَ قومِي ليفتاتوا على بِمثل هَذَا وَمَا عَلمته كَانَ فانصرفوا عَنهُ قَالَ وتفرق النَّاس مني فتصنت الْقَوْم الْخَبَر فوجدوه قد كَانَ وَخَرجُوا فِي طلب الْقَوْم فأدركوا سعد بن عبَادَة بإذاخر وَالْمُنْذر بن عمر وأخا بني سَاعِدَة وَكِلَاهُمَا قد كَانَا تغيبا فَأَما الْمُنْذر فأعجز الْقَوْم وَأما سعد فَأَخَذُوهُ وربطوا يَدَيْهِ إِلَى عُنُقه بشسع رَحْله ثمَّ أَقبلُوا بِهِ حَتَّى أدخلوه مَكَّة يضربونه ويجذبونه بحمته وَلم يزل يعذب فِي الله حَتَّى نما الْخَبَر على يَد ابي البخْترِي بن هِشَام إِلَى جبر ابْن مطعم والْحَارث بن حَرْب بن أُميَّة وَكَانَ بَينه وَبَينهمَا جوَار وَكَانَ يجير لَهما تجارتهما ويمنعهما أَن يظلما بِبَلَدِهِ قَالَ فجَاء فخلصا سَعْدا من أَيْديهم فَانْطَلق وروى أَبُو الْأَشْهب عَن الْحسن قَالَ لما بُويِعَ رَسُول الله ﷺ بمنى صرخَ الشَّيْطَان فَقَالَ رَسُول الله ﷺ هَذَا أَبُو لبينى قد أنذر بكم فَتَفَرَّقُوا تَعْلِيق وَبَيَان فصل قَوْله بأنفذ صَوت هَذَا هُوَ الصَّحِيح وَقَيده أَبُو بَحر عَن أبي الْوَلِيد بأبعد صَوت والجباجب يَعْنِي منَازِل منى قَالَ السُّهيْلي وَأَصله أَن الأوعية من الْأدم كالزنبيل وَنَحْوه يُسمى جبجبة فَجعل الْخيام والمنازل لأَهْلهَا كالأوعية وأزب الْعقبَة كَذَا تقيد فِي هَذَا الْموضع وَقَالَ ابْن مَاكُولَا أم كرز بنت الأزب بن عَمْرو بن بكيل من هَمدَان جدة أم الْعَبَّاس أمه عقيلة وَقَالَ لَا يعرف الأزب فِي الْأَسْمَاء إِلَّا هَذَا وإزب الْعقبَة وَهُوَ اسْم شَيْطَان قَالَ السُّهيْلي وَوَقع فِي غَزْوَة أحد إزب الْعقبَة بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الزَّاي وَفِي حَدِيث ابْن الزبير مَا يشْهد لَهُ حِين رأى رجلا على برذعة رَحْله طوله شبر فَقَالَ مَا أَنْت قَالَ إزب قَالَ وَمَا إزب قَالَ رجل فَضَربهُ على رَأسه بِعُود السَّوْط حَتَّى باض أَي هرب وَقَالَ يَعْقُوب فِي الْأَلْفَاظ الإزب الْقصير وَحَدِيث ابْن الزبير ذكره القتبي فِي الْغَرِيب فَالله أعلم أَي الضبطين أصح وَقَالَ السُّهيْلي فِي يَوْم اُحْدُ الله أعلم هَل الأزب أَو الإزب شَيْطَان وَاحِد أَو اثْنَان وَابْن أزيب فِي رِوَايَة ابْن هِشَام يجوز أَن يكون فعيلا من الإزب والأزيب والبخيل وأزيب

стр. 274

اسْم ريح من الرِّيَاح الْأَرْبَع والأزيب الْفَزع أَيْضا والأزيب الرجل المتقارب الْمَشْي وَهُوَ على وزن أفعل قَالَه صَاحب الْعين وَيحْتَمل أَن يكون ابْن أزيب من هَذَا أَيْضا وَأما الْبَخِيل فأزيب على وزن فعيل لِأَن يَعْقُوب حكى فِي الْأَلْفَاظ أمرأ أزيبة وَلَو كَانَ على وزن أفعل فِي الْمُذكر لَكَانَ فِي الْمُؤَنَّث على وزن زيباء إِلَّا أَن فعيلا فِي أبنية الْأَسْمَاء عَزِيز وَقد قَالُوا فِي ضهياء وَهِي الَّتِي لَا تحيض من النِّسَاء فعلى وَجعلُوا الْهمزَة زَائِدَة قَالَ السُّهيْلي وَهِي عِنْدِي فعيل لِأَن الْهمزَة فِي قِرَاءَة عَاصِم لَام الْفِعْل فِي قَوْله ﴿?﴾ ﴿يضاهئون﴾ والضهيا من هَذَا لِأَنَّهَا تضاهي الرجل أَي تشبهه وَيُقَال فِيهِ ضهياء بِالْمدِّ فَلَا إِشْكَال أَنَّهَا للتأنيث على لُغَة من قَالَ ضاهيت بِالْيَاءِ وَقد يجوز أَن تكون أزيب وأزيبة مثل أرمل وأرملة فَلَا يكون فعيلا وَقَوله وَكَانَ عَلَيْهِ نَعْلَانِ جديدان النَّعْل مُؤَنّثَة وَلَا يُقَال جَدِيدَة فِي الفصيح من الْكَلَام وَإِنَّمَا يُقَال ملحفة جَدِيد لِأَنَّهَا فِي معنى مجدودة أَي مَقْطُوعَة فَهِيَ من بَاب كف خضيب وَامْرَأَة قَتِيل قَالَ سِيبَوَيْهٍ وَمن قَالَ جَدِيدَة فَإِنَّمَا أَرَادَ معنى حَدِيثَة أَي بِمَعْنى حَادِثَة وكل فعيل بِمَعْنى فَاعل تدخله التَّاء فِي الْمُؤَنَّث وَالله أعلم الْبَاب التَّاسِع وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَة فِي بَيَان حُضُور الشَّيْطَان وقْعَة بدر قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِذ زين لَهُم الشَّيْطَان أَعْمَالهم وَقَالَ لَا غَالب لكم الْيَوْم من النَّاس وَإِنِّي جَار لكم فَلَمَّا تراءت الفئتان نكص على عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيء مِنْكُم إِنِّي أرى مَا لَا ترَوْنَ إِنِّي أَخَاف الله وَالله شَدِيد الْعقَاب﴾ قَالَ ابْن اسحاق حَدثنِي مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ وَعَاصِم بن عمر بن قَتَادَة وَعبد الله ابْن أبي بكر وَيزِيد بن رُومَان عَن عُرْوَة بن الزبير وَغَيرهم من عُلَمَائِنَا عَن ابْن عَبَّاس كل قد حَدثنِي بعض الحَدِيث فَاجْتمع حَدِيثهمْ فِيمَا سقت من حَدِيث بدر قَالَ لما سمع رَسُول الله ﷺ بِأبي سُفْيَان مُقبلا من الشَّام ندب الْمُسلمين اليهم وَقَالَ هَذِه عير قُرَيْش فِيهَا أَمْوَالهم فاخرجوا

стр. 275

إِلَيْهَا لَعَلَّ الله ينفلكموها فَانْتدبَ الْمُسلمُونَ فخف بَعضهم وَثقل بَعضهم وَذَلِكَ أَنهم لم يَظُنُّوا أَن رَسُول الله ﷺ يلقِي حَربًا وَكَانَ أَبُو سُفْيَان حِين دنا من الْحجاز يتجسس الْأَخْبَار وَيسْأل من يلقى من الركْبَان حَتَّى قيل لَهُ إِن مُحَمَّدًا ﷺ قد اسْتنْفرَ أَصْحَابه لَك وأميرك فحذر عِنْد ذَلِك فاستأجر ضَمْضَم بن عَمْرو الْغِفَارِيّ فَبَعثه إِلَى مَكَّة وَأمره أَن يَأْتِي قُريْشًا ويستنفرهم إِلَى أَمْوَالهم ويخبرهم أَن مُحَمَّدًا ﷺ قد عرض لَهَا فِي أَصْحَابه فَخرج ضَمْضَم سَرِيعا إِلَى مَكَّة فَصَرَخَ بِبَطن الْوَادي وَاقِفًا على بعيره وَقد جدع بعيره وحول رَحْله وشق قَمِيصه يَقُول يَا معشر قُرَيْش اللطيمة اللطيمة أَمْوَالكُم مَعَ أبي سُفْيَان قد عرض لَهَا مُحَمَّد ﷺ فِي أَصْحَابه لَا أرى أَن تدركوها الْغَوْث الْغَوْث فتجهز النَّاس سرَاعًا فَكَانُوا بَين رجلَيْنِ إِمَّا خَارج وَإِمَّا باعث مَكَانَهُ رجلا وأوعيت قريس فَلم يتَخَلَّف من أَشْرَافهَا أحد الا أَبُو لَهب بن عبد الْمطلب قد تخلف وَبعث مَكَانَهُ الْعَاصِ بن هِشَام بن الْمُغيرَة وَكَانَ قد لَاطَ لَهُ بأَرْبعَة آلَاف دِرْهَم كَانَت لَهُ عَلَيْهِ أفلس بهَا فاستأجره على أَن يجْرِي عَنهُ بَعثه وتخلف أَبُو لَهب قَالَ ابْن اسحاق وحَدثني عبد الله بن أبي نجيح بن أُميَّة بن خلف وَقد أجمع على الْقعُود وَكَانَ شَيخا جَلِيلًا ثقيلا فَأَتَاهُ عقبَة بن أبي معيط وَهُوَ جَالس فِي الْمَسْجِد فِي قومه بمجمرة يحملهَا فِيهَا نَار وهجم حَتَّى وَضعهَا بَين يَدَيْهِ ثمَّ قَالَ لَهُ يَا أَبَا عَليّ استجمر فَإِنَّمَا أَنْت من النِّسَاء فَقَالَ قبحك الله وقبح مَا جِئْت بِهِ قَالَ ابْن اسحاق وَلما فرغوا من جهازهم وَأَجْمعُوا السّير ذكرُوا ماكان بَينهم وَبَين بني بكر بن عبد مَنَاة بن كنَانَة بن الْحَارِث فَقَالُوا إِنَّا نخشى أَن يَأْتُونَا من خلفنا فتبدى لَهُم إِبْلِيس فِي صُورَة سراقَة بن مَالك بن جشم الْكِنَانِي المدلجي وَكَانَ من أَشْرَاف بني كنَانَة فَقَالَ أَنا جَار لكم من أَن تَأْتيكُمْ كنَانَة من خلفكم بِشَيْء تكرهونه فَخَرجُوا سرَاعًا وَذكر ابْن عقبَة وَابْن عَائِذ فِي هَذَا الْخَبَر وَأَقْبل الْمُشْركُونَ وَمَعَهُمْ إِبْلِيس فِي صُورَة سراقَة فَحَدثهُمْ أَن بني كنَانَة وَرَاءَهُمْ قد أَقبلُوا لنصرهم وَأَنه لَا غَالب لكم الْيَوْم من النَّاس وَإِنِّي جَار لكم قَالَ ابْن اسحاق وَعُمَيْر بن وهب والْحَارث بن هِشَام هُوَ الَّذِي راى إِبْلِيس حِين نكص على عَقِبَيْهِ عِنْد نزُول الْمَلَائِكَة وَقَالَ ﴿إِنِّي أرى مَا لَا ترَوْنَ﴾ فَلم يزل حَتَّى أوردهم ثمَّ أسلمهم فَفِي ذَلِك يَقُول حسان

стр. 276

. سرنا وَسَارُوا إِلَى بدر لحينهم ... لَو يعلمُونَ يَقِين الْعلم مَا سَارُوا دلاهما بغرور ثمَّ أسلمهم ... إِن الْخَبيث لمن وَالَاهُ غرار ... وَذكر غير ابْن اسحاق أَن الْحَارِث بن هِشَام تشبث بإبليس وَهُوَ يرى أَنه سراقَة بن مَالك فَقَالَ إِلَى أَيْن يَا سراق أَيْن تَفِر فلكمه لكمة طَرحه على قَفاهُ ثمَّ قَالَ ﴿إِنِّي أَخَاف الله رب الْعَالمين﴾ قَالَ السُّهيْلي ويروى أَنهم رَأَوْا سراقَة بِمَكَّة بعد ذَلِك فَقَالُوا لَهُ يَا سراقَة أخرمت الصَّفّ وأوقعت فِينَا الْهَزِيمَة فَقَالَ وَالله ماعلمت بِشَيْء من أَمركُم حَتَّى كَانَت هزيمتكم وَمَا شهِدت وَمَا علمت فَمَا صدقوه حَتَّى أَسْلمُوا وسمعوا مَا أنزل الله فِيهِ فَعَلمُوا أَنه كَانَ إِبْلِيس تمثل لَهُم وَقَول اللعين ﴿إِنِّي أَخَاف الله﴾ لِأَن الْكَافِر لَا يخَاف الله إِلَّا أَنه لما رأى جنود الله تنزل من السَّمَاء فخاف أَن يكون الْيَوْم الْموعد الَّذِي قَالَ الله سُبْحَانَهُ فِيهِ ﴿يَوْم يرَوْنَ الْمَلَائِكَة لَا بشرى يَوْمئِذٍ للمجرمين﴾ وَقبل أَيْضا إِنَّمَا خَافَ أَن تُدْرِكهُ الْمَلَائِكَة لما رأى من فعلهَا بحزبه الْكَافرين وَذكر قَاسم بن ثَابت فِي الدَّلَائِل أَن قُريْشًا حِين تَوَجَّهت إِلَى بدر مر هَاتِف من الْجِنّ على مَكَّة فِي الْيَوْم الَّذِي أوقع بهم الْمُسلمُونَ وَهُوَ ينشد بأنفذ صَوت وَلَا يرى شخصه ... أزار الحنيفيون بَدْرًا وقيعة ... سينقض مِنْهَا ركن كسْرَى وقيصرا أبادت رجَالًا من لؤَي وأبرزت ... خرائد يضربن الترائب حسرا فياويح من أَمْسَى عَدو مُحَمَّد ... لقد جَار عَن قصد الْهدى وتحيرا ... فَقَالَ قَائِلهمْ من الحنيفيون فَقَالُوا هُوَ مُحَمَّد ﷺ وَأَصْحَابه يَزْعمُونَ أَنهم على دين إِبْرَاهِيم الحنيف ثمَّ لم يَلْبَثُوا أَن جَاءَهُم الْخَبَر الْيَقِين وَقد بوبنا على هَذِه الأبيات فِيمَا تقدم لمناسبة ذَلِك الْموضع بالأخبار واعدناها فِي هَذَا الْبَاب لتعلقها بِقصَّة بدر وَلَيْسَ الْغَرَض هَا هُنَا إِلَّا ذكر إِبْلِيس وتبديه لقريش دون سِيَاق الْغَزْوَة بكمالها إِذْ لَيْسَ مَوْضُوع هَذَا الْكتاب إِلَّا ذكر الْجِنّ وَالشَّيَاطِين بَقِي مِمَّا يتَعَرَّض إِلَى ذكره قَوْله تَعَالَى ﴿وَينزل عَلَيْكُم من السَّمَاء مَاء ليطهركم بِهِ وَيذْهب عَنْكُم رجز الشَّيْطَان﴾ قَالَ السُّهيْلي كَانَ الْعَدو قد أحرزوا المَاء دون الْمُسلمين وحفروا الْقلب لأَنْفُسِهِمْ وَكَانَ الْمُسلمُونَ قد أَحْدَثُوا واجنب بَعضهم وهم لَا يصلونَ

стр. 277

إِلَى المَاء فوسوس الشَّيْطَان لَهُم أَو لبَعْضهِم وَقَالَ تَزْعُمُونَ أَنكُمْ على الْحق وَقد سبقكم أعداؤكم إِلَى المَاء وَأَنْتُم عطاش وتصلون بِلَا وضوء وَمَا ينْتَظر أعداؤكم إِلَّا أَن يقطع الْعَطش رِقَابكُمْ وَتذهب قواكم فيتحكموا فِيكُم كَيفَ شَاءُوا فَأرْسل الله السَّمَاء فَحلت عزاليها فتطهروا وَرووا وتلبدت الأَرْض لأقدامهم وَكَانَت رمالا وسبخات فتثبتت فِيهَا أَقْدَامهم وَذهب عَنْهُم رجز الشَّيْطَان ثمَّ نهضوا إِلَى أعدائهم وحازوا الْقلب الَّتِي كَانَت لِلْعَدو فعطش الْكفَّار وَجَاء النَّصْر من عِنْد الله وَقبض رَسُول الله ﷺ قَبْضَة من الْبَطْحَاء وَرَمَاهُمْ بهَا فَمَلَأ عُيُون جَمِيع الْعَسْكَر فَذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا رميت إِذْ رميت وَلَكِن الله رمى﴾ وَالله الْهَادِي للحق الْبَاب الموفي اربعين بعد الْمِائَة فِي بَيَان صُرَاخ الشَّيْطَان يَوْم أحد قَالَ مُحَمَّد بن سعد لما رَجَعَ من حضر بَدْرًا من الْمُشْركين إِلَى مَكَّة وجدوا العير الَّتِي قدم بهَا أَبُو سُفْيَان بن حَرْب مَوْقُوفَة فِي دَار الندوة فمشت اشراف قُرَيْش إِلَى أبي سُفْيَان وَقَالُوا نَحن طيبو الْأَنْفس أَن تجهزوا بِرِبْح هَذِه العير جَيْشًا إِلَى مُحَمَّد ﷺ فَقَالَ أَبُو سُفْيَان فَأَنا أول من أجَاب إِلَى ذَلِك وَبَنُو عبد منَاف فَبَاعُوهَا فَصَارَت ذَهَبا وَكَانَت الف بعير وَخمسين ألف دِينَار فَسلم إِلَى أهل العير رُؤُوس أَمْوَالهم وأخرجوا أرباحهم وَكَانُوا يربحون فِي تِجَارَتهمْ لكل دِينَار دِينَارا قَالَ ابْن اسحاق ففيهم كَمَا ذكر لي أنزل الله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين كفرُوا يُنْفقُونَ أَمْوَالهم ليصدوا عَن سَبِيل الله﴾ إِلَى قَوْله ﴿يحشرون﴾ فاجتمعت قُرَيْش لِحَرْب رَسُول الله ﷺ بأحابيشها وَمن اطاعها من قبائل كنَانَة وَأهل تهَامَة

стр. 278

قَالَ ابْن سعد وَكتب الْعَبَّاس إِلَى رَسُول الله ﷺ يُخْبِرهُمْ كُله فَأخْبر رَسُول الله ﷺ سعد بن الرّبيع بِكِتَاب الْعَبَّاس قَالَ ابْن اسحاق وَخرج رَسُول الله ﷺ فِي ألف من أَصْحَابه حَتَّى إِذا كَانُوا بِالسَّوْطِ بَين الْمَدِينَة وَأحد انْخَذَلَ عَنهُ عبد الله بن أبي بِثلث النَّاس وتعبى رَسُول الله ﷺ لِلْقِتَالِ وَهُوَ فِي سَبْعمِائة رجل وتعبأت قُرَيْش وَهِي فِي ثَلَاثَة آلَاف رجل وَمَعَهُمْ مِائَتَا فرس قَالَ ابْن عقبَة وَلَيْسَ فِي الْمُسلمين فرس وَاحِد وَقَالَ الْوَاقِدِيّ لم يكن مَعَ الْمُسلمين يَوْم أحد من الْخَيل إِلَّا فرس لرَسُول الله ﷺ وَفرس لأبي بردة قَالَ ابْن اسحاق وَقَالَ رَسُول الله ﷺ من يَأْخُذ هَذَا السَّيْف بِحقِّهِ فَقَامَ إِلَيْهِ رجال فأمسكه عَنْهُم ثمَّ قَامَ أَبُو دُجَانَة سماك بن حَرْب فَقَالَ وَمَا حَقه يَا رَسُول الله قَالَ أَن تضرب بِهِ حَتَّى ينحني قَالَ أَنا آخذه بِحقِّهِ فَأعْطَاهُ إِيَّاه وَكَانَ أَبُو دُجَانَة رجلا شجاعا يختال عِنْد الْحَرْب إِذا كَانَت وَحين رَآهُ رَسُول الله ﷺ يتبختر قَالَ إِنَّهَا لمشية يبغضها الله إِلَّا فِي مثل هَذَا الْيَوْم وَقَالَ ابْن هِشَام حَدثنِي غير وَاحِد أَن الزبير بن الْعَوام قَالَ وجدت فِي نَفسِي حِين سَأَلت السَّيْف فمنعته واعطاه أَبَا دُجَانَة فَقلت وَالله لأنظرن مَا يصنع فاتبعته فَأخذ عِصَابَة لَهُ حَمْرَاء فعصب رَأسه فَقَالَت الْأَنْصَار أخرج أَبُو دُجَانَة عِصَابَة الْمَوْت وَهَكَذَا كَانَ يَقُول إِذا عصب بهَا فَجعل لَا يلقى أحدا إِلَّا قَتله قَالَ ابْن اسحاق وَقَاتل مُصعب بن عُمَيْر دون رَسُول الله ﷺ حَتَّى قتل وَكَانَ الَّذِي قَتله ابْن قميئة اللَّيْثِيّ وَهُوَ يَظُنّهُ رَسُول الله ﷺ فَرجع إِلَى قُرَيْش فَقَالَ قتلت مُحَمَّدًا ﷺ فَلَمَّا قتل مُصعب أعْطى رَسُول الله ﷺ الرَّايَة عليا وَقَالَ ابْن سعد قتل مُصعب فَأخذ اللِّوَاء ملك فِي صُورَة مُصعب وَحَضَرت الْمَلَائِكَة الْهَزِيمَة لَا شكّ فِيهَا قَالَ وصرخ صارخ يَعْنِي لما قتل مُصعب بن عُمَيْر أَلا إِن مُحَمَّدًا ﷺ قد قتل قَالَ الرَّاوِي فانكفأنا وانكفأ الْقَوْم علينا بعد أَن أصبْنَا أَصْحَاب اللِّوَاء حَتَّى مَا يدنوا مِنْهُ أحد من الْقَوْم قَالَ ابْن سعد فَلَمَّا قتل أَصْحَاب اللِّوَاء انْكَشَفَ الْمُشْركُونَ منهزمين لَا يلوون وَنِسَاؤُهُمْ يدعونَ بِالْوَيْلِ وتبعهم الْمُسلمُونَ يضعون السِّلَاح فيهم حَيْثُ سَارُوا وَثَبت أَمِير الرُّمَاة عبد الله بن جُبَير فِي نفر يسير

стр. 279

دون الْعشْرَة مَكَانَهُ وَانْطَلق بَاقِي الرُّمَاة يتبعُون الْعَسْكَر وَحمل خَالِد بن الْوَلِيد وتبعة عِكْرِمَة بن أبي جهل وحملوا على من بَقِي من الرُّمَاة فَقَتَلُوهُمْ وَقتلُوا أَمِيرهمْ عبد الله بن جُبَير وانتفضت صُفُوف الْمُسلمين ونادى إِبْلِيس أَن مُحَمَّدًا ﷺ قد قتل وَاخْتَلَطَ الْمُسلمُونَ فصاروا يقتلُون على غير شعار وَثَبت رَسُول الله ﷺ يَرْمِي عَن قوسه حَتَّى صَار شظايا وَيَرْمِي بِالْحجرِ وَثَبت مَعَه عِصَابَة من أَصْحَابه أَرْبَعَة عشر رجلا سَبْعَة من الْمُهَاجِرين فيهم أَبُو بكر الصّديق وَسَبْعَة من الْأَنْصَار حَتَّى تحاجزوا وروى البُخَارِيّ لم يبْق مَعَ النَّبِي ﷺ إِلَّا اثْنَي عشر رجلا قَالَ أَبُو طَلْحَة وَكَانَ يَوْم بلَاء وتمحيص أكْرم الله فِيهِ من أكْرم بِالشَّهَادَةِ من الْمُسلمين حَتَّى خلص الْعَدو إِلَى رَسُول الله ﷺ قَالَ ابْن اسحاق فَحَدثني حميد الطَّوِيل عَن أنس بن مَالك قَالَ كسرت ربَاعِية النَّبِي ﷺ يَوْم أحد وشج وَجهه فَجعل الدَّم يسيل على وَجهه فَجعل يمسح الدَّم وَيَقُول كَيفَ يفلح قوم خضبوا وَجه نَبِيّهم وَهُوَ يَدعُوهُم إِلَى رَبهم فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْء أَو يَتُوب عَلَيْهِم أَو يعذبهم فَإِنَّهُم ظَالِمُونَ﴾ وَذكر ابْن اسحاق قَول النَّبِي ﷺ حِين سمع الصَّارِخ يصْرخ بقتْله هُوَ إزب الْعقبَة هَكَذَا قيد فِي هَذَا الْمَوْضُوع بِكَسْر الْهمزَة وَإِسْكَان الزَّاي وَقد تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ قَالَ السُّهيْلي وَيُقَال للموضوع الَّذِي صرخَ مِنْهُ الشَّيْطَان جبل عينين وَلذَلِك قيل لعُثْمَان أفررت يَوْم عينين وعينان أَيْضا بلد عِنْد الجيزة وَبِه عرف خُلَيْد بن عينين الشَّاعِر قَالَ ابْن هِشَام وَوَقع رَسُول الله ﷺ لما أُصِيب فِي حُفْرَة من الْحفر الَّتِي عَملهَا أَبُو عَامر فَأخذ عَليّ ابْن أبي طَالب بيد رَسُول الله ﷺ وَرَفعه طَلْحَة بن عبيد الله حَتَّى اسْتَوَى قَائِما ومص مَالك بن سِنَان الْخُدْرِيّ وَالِد أبي سعيد الدَّم من وَجهه ثمَّ أزدرد دَمه ﷺ وَعَن عِيسَى بن صلحة عَن عَائِشَة ﵂ عَن أبي بكر الصّديق ﵁ أَن أَبَا عُبَيْدَة بن الْجراح نزع إِحْدَى الحلقتين من وَجه رَسُول الله ﷺ فَسَقَطت ثنيته ثمَّ نزع الْأُخْرَى فَسَقَطت ثنيته الْأُخْرَى فَكَانَ سَاقِط الثنيتين قَالَ ابْن اسحاق وَكَانَ أول من عرف رَسُول الله ﷺ بعد الْهَزِيمَة وَقَول

стр. 280

النَّاس قتل رَسُول الله ﷺ كَمَا ذكر ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ كَعْب بن مَالك قَالَ عرفت عَيْنَيْهِ يزهران من تَحت المغفر فناديت بِأَعْلَى صوتي يَا معشر الْمُسلمين أَبْشِرُوا هَذَا رَسُول الله ﷺ فَأَشَارَ إِلَيْهِ ﷺ أَن اسْكُتْ فَلَمَّا عرف الْمُسلمُونَ رَسُول الله ﷺ نهضوا بِهِ ونهض مَعَهم نَحْو الشّعب وَمَعَهُ أَبُو بكر وَعمر وَعلي وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر والْحَارث بن الصمَّة فَلَمَّا انْتَهوا إِلَى فَم الشّعب خرج عَليّ حَتَّى مَلأ درقته من المهراس فجَاء بِهِ إِلَى رَسُول الله ﷺ ليشْرب مَه فَوجدَ لَهُ ريحًا فعافه وَلم يشرب مِنْهُ وَغسل عَن وَجهه الدَّم وصب على رَأسه وَهُوَ يَقُول اشْتَدَّ غضب الله على من أدْمى على وَجه نبيه وَذكر عمر مولى غفرة أَن النَّبِي ﷺ صلى الظّهْر يَوْم أحد قَاعِدا من الْجراح الَّتِي أَصَابَته وَصلى الْمُسلمُونَ خَلفه قعُودا وَلما أنصرف أَبُو سُفْيَان وَأَصْحَابه نَادَى أَن مَوْعدكُمْ بدر للعام الْقَابِل فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لرجل من أَصْحَابه نعم هُوَ بَيْننَا وَبَيْنكُم موعد تَعْلِيق وَبَيَان قلت غَزْوَة أحد فِي شَوَّال فِي السّنة الثَّالِثَة من الْهِجْرَة النَّبَوِيَّة وَأما غَزْوَة بدر الْموعد فَفِي ذِي الْقعدَة فِي السّنة الرَّابِعَة وَهِي الْغَزْوَة الصُّغْرَى من غزوات بدر وَهِي ثَلَاث الأولى فِي ربيع الأول فِي السّنة الثَّانِيَة وتعرف بغزوة طلب كرز ابْن جَابر وَكَانَ أغار على سرح النَّبِي ﷺ وَالثَّانيَِة وَهِي الْعُظْمَى فِي شهر رَمَضَان فِي السّنة الثَّانِيَة أَيْضا وَالثَّالِثَة هِيَ الصُّغْرَى الْمَذْكُورَة نقل ذَلِك شَيخنَا الْعَلامَة أَبُو الْحسن المارديني الْحَنَفِيّ فِي مُخْتَصر السِّيرَة رَضِي الله عَنهُ

стр. 281

خَاتِمَة فِي التحذر من فتن الشَّيْطَان ومكائده قَالَ ابو الْفرج بن الْجَوْزِيّ ﵀ أعلم أَن الْآدَمِيّ لما خلق ركب فِيهِ الْهوى والشهوة ليجتلب بذلك مَا يَنْفَعهُ وَوضع فِيهِ الْغَضَب لتدفع بِهِ مَا يُؤْذِيه واعطى الْعقل كالمؤدب يَأْمُرهُ بِالْعَدْلِ فِيمَا يجتلب ويجتنب وَخلق الشَّيْطَان محرضا لَهُ على الْإِسْرَاف فِي اجتلابه واجتنابه فَالْوَاجِب على الْعَاقِل أَن يَأْخُذ حذره من هَذَا الْعَدو الَّذِي قد أبان عداوته من زمن آدم وَقد بذل نَفسه وعمره فِي إِفْسَاد أَحْوَال بني آدم وَقد أَمر الله بالحذر مِنْهُ فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تتبعوا خطوَات الشَّيْطَان إِنَّه لكم عَدو مُبين إِنَّمَا يَأْمُركُمْ بالسوء والفحشاء﴾ الْآيَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿الشَّيْطَان يَعدكُم الْفقر﴾ الْآيَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَيُرِيد الشَّيْطَان أَن يضلهم﴾ الْآيَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يُرِيد الشَّيْطَان أَن يُوقع بَيْنكُم الْعَدَاوَة والبغضاء﴾ الْآيَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّه عَدو مضل مُبين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الشَّيْطَان لكم عَدو فاتخذوه عدوا﴾ وروى الإِمَام أَحْمد من حَدِيث عِيَاض بن حَمَّاد أَن النَّبِي ﷺ خطب ذَات يَوْم فَقَالَ فِي خطبَته إِن رَبِّي أَمرنِي أَن أعلمكُم مَا جهلتم مِمَّا عَلمنِي فِي يومي هَذَا كل مَال نحلته عبَادي حَلَال وَإِنِّي خلقت عبَادي حنفَاء كلهم وَأَنَّهُمْ أَتَتْهُم الشَّيَاطِين فأضلتهم عَن دينهم وَحرمت عَلَيْهِم مَا أحللت لَهُم وأمرتهم أَن يشركوا بِي مَا لم أنزل بِهِ سُلْطَانا ثمَّ إِن الله تَعَالَى نظر إِلَى أهل الأَرْض فمقتهم عربهم وعجمهم إِلَّا بقايا من أهل الْكتاب وَقَالَ عبد الله بن احْمَد حَدثنِي عَليّ بن مُسلم حَدثنَا سيارة حَدثنَا حَيَّان الْجريرِي حَدثنَا سُوَيْد القتادي عَن قَتَادَة قَالَ إِن لإبليس شَيْطَانا يُقَال لَهُ قبقب يجمه أَرْبَعِينَ سنة فَإِذا دخل الْغُلَام فِي هَذَا الطَّرِيق قَالَ لَهُ دُونك إِنَّمَا كنت أجمك لمثل هَذَا أجلب عَلَيْهِ وأفتنه وَقَالَ أَبُو بكر بن مُحَمَّد سَمِعت سعيد ابْن سُلَيْمَان يحدث عَن الْمُبَارك بن فضَالة عَن الْحسن قَالَ كَانَت شَجَرَة تعبد من دون الله فجَاء إِنْسَان إِلَيْهَا فَقَالَ لأقطعن هَذِه الشحرة فجَاء ليقطعها غَضبا لله فَلَقِيَهُ الشَّيْطَان فِي صُورَة إِنْسَان فَقَالَ مَا تُرِيدُ قَالَ أُرِيد أَن أقطع هَذِه الَّتِي تعبد من دون الله قَالَ إِذا أَنْت لم تعبدها فَمَا يَضرك من عَبدهَا قَالَ لأقطعنها فَقَالَ لَهُ الشَّيْطَان هَل لَك فِيمَا هُوَ خير لَك لَا تقطعها

стр. 282

وَلَك دِينَارَانِ كل يَوْم إِذا أَصبَحت عِنْد وِسَادَتك قَالَ فَمن لي بذلك قَالَ أَنا لَك فَرجع فَأصْبح فَوجدَ دينارين عِنْد وسادته ثمَّ أصبح فَلم يجد شَيْئا فَقَامَ غَضبا ليقطعها فتمثل لَهُ الشَّيْطَان فِي صورته فَقَالَ مَا تُرِيدُ قَالَ أُرِيد قطع هَذِه الشَّجَرَة الَّتِي تعبد من دون الله قَالَ كذبت مَا لَك إِلَى ذَلِك سَبِيل فَذهب ليقطعها فَضرب بِهِ الأَرْض وخنقه حَتَّى كَاد يقْتله قَالَ أَتَدْرِي من أَنا أَنا الشَّيْطَان جِئْت أول مرّة غَضبا لله فَلم يكن لي سَبِيل فخدعتك بِالدِّينَارَيْنِ فتركتها فَلَمَّا جِئْت غَضبا للدينارين سلطت عَلَيْك خَاتِمَة صَالِحَة وَهِي خَاتِمَة الْكتاب وَإِذا انْتهى الْكَلَام بِنَا إِلَى هُنَا فلنعوذ أَنْفُسنَا بِمَا كَانَ النَّبِي ﷺ يعوذ بِهِ الْحسن وَالْحُسَيْن وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ يعوذ الْحسن وَالْحُسَيْن فَيَقُول أُعِيذكُمَا بِكَلِمَة الله التَّامَّة من كل شَيْطَان وَهَامة وَمن كل عين لَامة ثمَّ يَقُول هَكَذَا كَانَ إِبْرَاهِيم يعوذ اسماعيل واسحاق

стр. 283

قَالَ أَبُو بكر الْأَنْبَارِي الهامة وَاحِد الْهَوَام وَيُقَال هِيَ كل نسمَة تهتم لسوء واللامة الملمة وَإِنَّمَا قَالَ لَامة ليُوَافق لفظ هَامة فَتكون بذلك أخف على اللِّسَان فنعوذ بِاللَّه من همزات الشَّيَاطِين وَأَعُوذ بك رب أَن يحْضرُون وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وعَلى آله وَصَحبه وسلما تَسْلِيمًا كثيرا وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل