Полный текст (283 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
تسْتَحقّ الأكرام وبكسرها أَي نعم مِنْك وَقد اسْتدلَّ بِهِ بعض النُّحَاة على جَوَاز كَون فَاعل فعل نعم مضمرا وَهُوَ قَلِيل
وَاخْتَارَ شَيخنَا أَبُو الْحجَّاج الْحَافِظ الْمزي الأول وَرجحه وَوَجهه بِمَا ذكرنَا وَقَالَ الطرطوشي فِي كتاب تَحْرِيم الْفَوَاحِش حَدثنَا يزِيد ابْن عبد الله الْأَصْبَهَانِيّ حَدثنَا سَلمَة بن شبيب حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن وَاقد حَدثنَا شُجَاع بن أبي نصر عَن رجل من عليلة أهل الشَّام قَالَ قَالَ سُلَيْمَان ابْن دَاوُد لعفريت من الْجِنّ وَيلك أَيْن إِبْلِيس قَالَ يَا نَبِي الله هَل أمرت فِيهِ بشي قَالَ لَا أَيْن هُوَ قَالَ انْطلق يَا نَبِي الله حَتَّى أريكه فسعى العفريت بَين يَدَيْهِ وَمَعَهُ سُلَيْمَان حَتَّى هجم بِهِ على الْبَحْر فَإِذا إِبْلِيس على بِسَاط على المَاء فَلَمَّا رأى سُلَيْمَان ﵇ ذعر مِنْهُ وَفرق فَقَامَ فَتَلقاهُ فَقَالَ يَا نَبِي الله هَل أمرت فِي بِشَيْء قَالَ لَا وَلَكِن جِئْت لأسألك عَن أحب الْأَشْيَاء إِلَيْك وأبغضها إِلَى الله فَقَالَ أما وَالله لَوْلَا ممشاك إِلَى مَا أَخْبَرتك بِهِ لَيْسَ شَيْء أبْغض إِلَى الله تَعَالَى من أَن يَأْتِي الرجل الرجل وَالْمَرْأَة الْمَرْأَة وَالله تَعَالَى أعلم
الْبَاب الْحَادِي وَالسِّتُّونَ فِي بَيَان مَا يَسْتَعِين بِهِ الشَّيْطَان من فتْنَة ابْن آدم
قَالَ أَبُو بكر بن عبيد حَدثنَا سُوَيْد بن سعيد حَدثنَا مُعْتَمر بن سُلَيْمَان عَن أَبِيه قَالَ حَدثنَا قَتَادَة عَن أبي الأخوص عَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الْمَرْأَة عَورَة وَإِنَّهَا إِذا خرجت استشرفها الشَّيْطَان فَلَا يكون أبدا أقرب إِلَى الله تَعَالَى مِنْهَا إِذا كَانَت فِي قَعْر بَيتهَا وَرَوَاهُ عَن الْحُسَيْن بن بَحر إلاهوازي حَدثنَا عَمْرو بن عَاصِم حَدثنَا همام حَدثنَا قَتَادَة عَن مُورق الْعجلِيّ عَن أبي الأخوص عَن عبد الله بن مَسْعُود نَحوه
حَدثنَا مُحَمَّد بن إِدْرِيس حَدثنَا أَحْمد بن يُونُس حَدثنَا حُسَيْن بن صَالح قَالَ سَمِعت أَن الشَّيْطَان قَالَ للْمَرْأَة أَنْت نصف جندي وَأَنت سهمي الَّذِي أرمي بِهِ فَلَا أخطى وَأَنت مَوضِع سري وَأَنت رَسُولي فِي حَاجَتي حَدثنَا عبيد الله بن جرير العتكى حَدثنَا هزيم بن عُثْمَان حَدثنَا سَلام
стр. 212
ابْن مِسْكين عَن مَالك بن دِينَار قَالَ حب الدُّنْيَا رَأس الْخَطِيئَة وَالنِّسَاء حبالة الشَّيْطَان
حَدَّثَنى عَبَّاس بن جَعْفَر حَدَّثَنى منتجع بن مُصعب حَدَّثَنى عبيد ابْن جريج عَن عَمْرو سَمِعت مَالك بن دِينَار يَقُول لَيْسَ شئ أوثق فى نفس إِبْلِيس من الدُّنْيَا حَدَّثَنى أَبُو حَفْص الصفار حَدثنَا جَعْفَر بن سُلَيْمَان حَدثنَا شُعْبَة عَن على بن زيد عَن سعيد بن الْمسيب قَالَ مَا بعث الله تَعَالَى نَبيا إِلَّا لم ييأس إِبْلِيس أَن يهلكه بِالنسَاء وَقَالَ أَبُو بكر مُحَمَّد بن أَحْمد بن أَبى بكر فى كتاب القلائد حَدثنَا ابْن بكير حَدثنَا أَبُو زيد حَدثنَا سهل ابْن يُوسُف عَن أبان بن صمعة عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ إِن الشَّيْطَان من الرجل فى ثَلَاثَة منَازِل فى عَيْنَيْهِ وفى قلبه وفى ذكره وَهُوَ من الْمَرْأَة فى ثَلَاثَة منَازِل فى عينيها وَفِي قَلبهَا وفى عجزها وَقَالَ عبد الله بن مُحَمَّد القرشى حَدثنَا الْحسن بن بَحر العبدى حَدثنَا عبد الرزاق حَدثنَا معمر عَن قَتَادَة قَالَ لما هَبَط إِبْلِيس قَالَ يَا رب قد لعنته فَمَا عمله قَالَ السحر قَالَ فَمَا قِرَاءَته قَالَ الشّعْر قَالَ فَمَا كِتَابَته قَالَ الوشم قَالَ فَمَا طَعَامه قَالَ كل ميتَة وَمَا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ قَالَ فَمَا شرابه قَالَ كل مُسكر قَالَ فَأَيْنَ مَسْكَنه قَالَ الْحمام قَالَ فَأَيْنَ مَجْلِسه قَالَ الْأَسْوَاق قَالَ فَمَا مؤذنه قَالَ المزمار قَالَ فَمَا مصائده قَالَ النِّسَاء حَدثنَا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن صبيح المروزى حَدثنَا الْحسن بن بشر بن سلم حَدثنَا الحكم بن عبد الملك عَن قَتَادَة عَن الْحسن عَن سَمُرَة بن جُنْدُب قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن للشَّيْطَان كحلا ولعوقا فَإِذا كحل الْإِنْسَان من كحله ثقلت عَيناهُ وَإِذا ألعقه من لعوقه درب لِسَانه بِالشَّرِّ حَدَّثَنى أَبى أَنبأَنَا أَحْمد بن إِسْحَاق الحضرمى أَنبأَنَا عبد الواحد بن زِيَاد حَدثنَا عَاصِم الْأَحول عَن الْحسن قَالَ إِن للشَّيْطَان ملعقة ومكحلة فملعقته الْكَذِب ومكحلته النّوم عَن الذّكر حَدَّثَنى أَحْمد ابْن الْحَارِث عَن شيخ من قُرَيْش قَالَ قَالَ خَالِد بن صَفْوَان إِن الشَّيْطَان باحتياله وَنصب أحباله يخْتل بِالشُّبْهَةِ ويكابر بالشهوة فَإِذا أعيا مختالا كرّ مكابرا حَدثنَا عبد الله بن رومى حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن عبد الكريم حَدَّثَنى
стр. 213
عبد الصَّمد بن معقل قَالَ سَمِعت وهب بن مُنَبّه قَالَ كَانَ عَابِد من السياحين فأراده الشَّيْطَان فَلم يسْتَطع مِنْهُ شَيْئا فَقَالَ لَهُ الشَّيْطَان أَلا تَسْأَلنِي عَمَّا أضلّ بِهِ بني آدم قَالَ بلَى قَالَ فَأَخْبرنِي مَا أوثق شَيْء فِي نَفسك أَن تضلهم قَالَ الشُّح والحدة وَالسكر فَإِن الرجل إِذا كَانَ شحيحا قللنا مَاله فِي عَيْنَيْهِ ورغبناه فِي أَمْوَال النَّاس وَإِذا كَانَ حديدا أدرناه بَيْننَا كَمَا يتداور الصببان الأكرة فَلَو كَانَ يحيى الْمَوْتَى بدعوته لم نيئس مِنْهُ وَإِذا هُوَ سكر اقتدناه إِلَى كل شَهْوَة كَمَا تقاد العنز بأذنها وَقَالَ أَحْمد حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن عَطاء بن السَّائِب عَن عَمْرو ابْن مَيْمُون عَن ابْن مَسْعُود قَالَ إِن الشَّيْطَان أطاف بِأَهْل مجْلِس ذكر ليفتنهم فَلم يسْتَطع أَن يفرق بَينهم فَأتى حَلقَة يذكرُونَ الدُّنْيَا فأغرى بَينهم حَتَّى اقْتَتَلُوا فَقَامَ أهل الذّكر فحجزوا بَينهم فَتَفَرَّقُوا
قَالَ الْقرشِي حَدثنَا سعد بن سُلَيْمَان الوَاسِطِيّ عَن سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة عَن ثَابت الْبنانِيّ قَالَ لما بعث النَّبِي ﷺ جعل إِبْلِيس يُرْسل شياطينه إِلَى أَصْحَاب النَّبِي ﷺ فيجيئوا بصحفهم لَيْسَ فِيهَا شَيْء فَقَالَ مَا لكم لَا تصيبون مِنْهُم شَيْئا فَقَالُوا مَا صَحِبنَا قوما قطّ مثل هَؤُلَاءِ قَالَ رويدا بهم عَسى أَن تفتح لَهُم الدُّنْيَا هُنَاكَ تصيبون حَاجَتكُمْ مِنْهُم وَحدثنَا يَعْقُوب بن اسماعيل أَنا حسان أَنا عبد الله يَعْنِي ابْن الْمُبَارك قَالَ أَنا عبيد الله بن موهب قَالَ سَأَلَ بعض الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام إِبْلِيس وأبداله بِأَيّ شَيْء تغلب ابْن آدم قَالَ آخذه عِنْد الْغَضَب وَعند الْهوى حَدثنَا اسحاق بن إِبْرَاهِيم حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة حَدثنَا الْأَعْمَش عَن خَيْثَمَة قَالَ كَانُوا يَقُولُونَ إِن الشَّيْطَان يَقُول وَكَيف يغلبني ابْن آدم إِذا رضى جِئْت حَتَّى أكون فِي قلبه وَإِذا غضب طرت حَتَّى أكون فِي رَأسه
تَعْلِيق وَبَيَان
قلت يشْهد لصِحَّة ذَلِك مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن رجلا قَالَ للنَّبِي ﷺ أوصني قَالَ لَا تغْضب فردد مرَارًا قَالَ لَا تغْضب وَفِي الصَّحِيح أَن رجلَيْنِ اسْتَبَّا عِنْد النَّبِي
стр. 214
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى احمر وَجه أَحدهمَا فَقَالَ ﷺ إِنِّي لأعْلم كلمة لَو قَالَهَا لذهب عَنهُ مَا يجد أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم وَفِي السّنَن قَالَ إِن الْغَضَب من الشَّيْطَان وَإِن الشَّيْطَان من النَّار وَإِنَّمَا تطفأ النَّار بِالْمَاءِ فَإِن غضب أحدكُم فَليَتَوَضَّأ ذكر الْمحَامِلِي فِي الْبَاب اسْتِحْبَاب الْوضُوء عِنْد الْغَضَب قَالَ بعض الشَّافِعِيَّة لَا نعلم أحدا قَالَ بِهِ غَيره وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿خُذ الْعَفو وَأمر بِالْعرْفِ وَأعْرض عَن الْجَاهِلين وَإِمَّا يَنْزغَنك من الشَّيْطَان نَزغ فاستعذ بِاللَّه إِنَّه سميع عليم﴾ فالشيطان يحمل الغضبان على أَن يَقُول مَا هُوَ كَارِه لقَوْله وَغير محب لقَوْله لَكِن يَقُوله ليستريح بذلك ويبرد غَضَبه فَيدْفَع عَنهُ حرارة الْغَضَب كَمَا يقْصد المكرة أَن يستريح من ألم الْإِكْرَاه وضرره بِفعل مَا أكره عَلَيْهِ وَالله الْمُوفق
الْبَاب الثَّانِي وَالتِّسْعُونَ فِي أَن الشَّيْطَان مَعَ من يُخَالف الْجَمَاعَة
روى الإِمَام أَحْمد من حَدِيث ابْن عمر أَن عمر بن الْخطاب ﵄ خطب النَّاس بالجابية فَقَالَ قَامَ فِينَا رَسُول الله ﷺ فَقَالَ من أَرَادَ مِنْكُم بحبوحة الْجنَّة فليلزم الْجَمَاعَة فَإِن الشَّيْطَان مَعَ الْوَاحِد وَهُوَ من الِاثْنَيْنِ أبعد ثمَّ رَوَاهُ الإِمَام احْمَد من حَدِيث جَابر بن سَمُرَة قَالَ خطب عمر ﵁ النَّاس بالجابية فَذكر نَحوه وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح
وَقَالَ ابْن صاعد حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن سعد الْجَوْهَرِي حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة عَن يزِيد بن مردانية عَن يزِيد بن علاقَة عَن عرْفجَة قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول يَد الله على الْجَمَاعَة والشيطان مَعَ من يُخَالف الْجَمَاعَة
стр. 215
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ حَدثنَا أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن اسحاق بن البهلول حَدثنِي ابي حَدثنَا مُحَمَّد بن يعلى حَدثنَا سُلَيْمَان العامري عَن الشَّيْبَانِيّ عَن زِيَاد ابْن علاقَة عَن أُسَامَة عَن شريك قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول يَد الله على الْجَمَاعَة فَإِذا شَذَّ الشاذ مِنْهُم اختطفته الشَّيَاطِين كَمَا يختطف الذِّئْب الشَّاة من الْغنم وروى الإِمَام أَحْمد من حَدِيث أبي وَائِل عَن عبد الله وَهُوَ ابْن مَسْعُود قَالَ خطّ رَسُول الله ﷺ خطا بِيَدِهِ ثمَّ قَالَ هَذَا سَبِيل الله مُسْتَقِيمًا قَالَ ثمَّ عَن يَمِينه وشماله ثمَّ قَالَ هَذِه السبل لَيْسَ مِنْهَا سَبِيل إِلَّا عَلَيْهِ شَيْطَان يَدْعُو إِلَيْهِ ثمَّ قَرَأَ ﴿وَأَن هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبعُوهُ وَلَا تتبعوا السبل﴾ وروى الإِمَام أَحْمد أَيْضا من حَدِيث معَاذ بن جبل أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن الشَّيْطَان ذِئْب الْإِنْسَان كذئب الْغنم يَأْخُذ الشَّاة القاصية والناحية فإياكم والشعاب وَعَلَيْكُم بِالْجَمَاعَة وَالْمَسْجِد نسْأَل الله التَّوْفِيق
الْبَاب الثَّالِث وَالتِّسْعُونَ فِي بَيَان شدَّة الْعَالم على الشَّيْطَان
روى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لفقيه وَاحِد أَشد على الشَّيْطَان من ألف عَابِد وَقَالَ ابْن عبيد حَدثنِي أَبُو عبد الله احْمَد بن بجير حَدثنَا عَليّ بن عَاصِم عَن بعض الْبَصرِيين قَالَ كَانَ عَالم وعابد متواخيين فِي الله فَقَالَت الشَّيَاطِين لإبليس إِنَّا لَا نقدر على أَن نفرق بَينهمَا فَقَالَ إِبْلِيس لَعنه الله أَنا لَهما فَجَلَسَ بطرِيق العابد إِذْ أقبل العابد حَتَّى إِذا دنا من إِبْلِيس قَامَ إِلَيْهِ فِي مِثَال شيخ كَبِير بَين عَيْنَيْهِ أثر السُّجُود فَقَالَ للعابد إِنَّه قد حاك فِي صَدْرِي شَيْء أَحْبَبْت أَن أَسأَلك عَنهُ فَقَالَ لَهُ العابد سل فَإِن يكن عِنْدِي علم أَخْبَرتك عَنهُ فَقَالَ لَهُ إِبْلِيس هَل يَسْتَطِيع الله أَن يَجْعَل السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال الشّجر وَالْمَاء فِي بَيْضَة من غير أَن يزِيد فِي الْبَيْضَة شَيْئا وَمن غير أَن ينقص من هَذَا شَيْئا
стр. 216
فَقَالَ لَهُ العابد من غير أَن ينقص من هَذَا شَيْئا وَمن غير أَن يزِيد فِي هَذَا شَيْئا كالمتعجب فَوقف العابد فَقَالَ لَهُ إِبْلِيس امضه ثمَّ الْتفت إِلَى اصحابه فَقَالَ اما هَذَا فقد أهلكته جعلته شاكا فِي الله تَعَالَى ثمَّ جلس على طَرِيق الْعَالم فَإِذا هُوَ مقبل حَتَّى إِذا دنا من إِبْلِيس قَامَ إِلَيْهِ إِبْلِيس فَقَالَ يَا هَذَا إِنَّه قد حاك فِي صَدْرِي شَيْء أَحْبَبْت أَن أَسأَلك عَنهُ فَقَالَ لَهُ الْعَالم سل فَإِن يكن عِنْدِي علم أَخْبَرتك فَقَالَ لَهُ إِبْلِيس هَل يَسْتَطِيع الله أَن يَجْعَل السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال وَالشَّجر وَالْمَاء فِي بَيْضَة من غير أَن يزِيد فِي الْبَيْضَة شَيْئا وَمن غير أَن ينقص من هَذَا شَيْئا فَقَالَ لَهُ الْعَالم نعم قَالَ فَرد عَلَيْهِ إِبْلِيس كالمنكر من غير أَن يزِيد فِي هَذَا شَيْئا وَمن غير أَن ينقص من هَذَا شَيْئا فَقَالَ لَهُ الْعَالم نعم بانتهار وَقَالَ ﴿إِنَّمَا أمره إِذا أَرَادَ شَيْئا أَن يَقُول لَهُ كن فَيكون﴾ فَقَالَ إِبْلِيس لأَصْحَابه من قبل هَذَا أتيتم نسْأَل الله الْعِصْمَة
стр. 217
الْبَاب الرَّابِع وَالتِّسْعُونَ فِي بكاء الشَّيْطَان على الْمُؤمن لفَوَات فتنته عِنْد الْمَوْت
قَالَ الْقرشِي حَدثنَا الْقَاسِم بن هَاشم حَدثنَا ابو الْيَمَان حَدثنَا صَفْوَان عَن بعض الأشياح قَالَ الشَّيْطَان أَشد بكاء على الْمُؤمن إِذا مَاتَ من بعض أَهله لما فَاتَهُ من افتانه إِيَّاه فِي الدُّنْيَا وَقَالَ صَالح بن أَحْمد بن حَنْبَل رَأَيْت أبي عِنْد الْمَوْت يلهج بقوله لَا بعد لَا بعد فَقلت يَا أَبَت رَأَيْتُك تَقول لَا بعد لَا بعد فَمَا هَذَا قَالَ الشَّيْطَان وَاقِف عِنْد رَأْسِي يَقُول فتنى يَا أَحْمد وَأَنا أَقُول لَا بعد لَا بعد وروى أَبُو دَاوُد عَن رَسُول الله ﷺ كَمَا يَقُول فِي دُعَائِهِ وَأَعُوذ بك أَن يتخبطني الشَّيْطَان عِنْد الْمَوْت نسْأَل الله التثبيت بمنه وَكَرمه
الْبَاب الْخَامِس وَالتِّسْعُونَ فِي تعجب الْمَلَائِكَة عِنْد خُرُوج روح الْمُؤمن ونجاته من الشَّيْطَان
قَالَ عبد الله بن احْمَد بن حَنْبَل حَدثنِي شُرَيْح بن النُّعْمَان حَدثنِي عَنْبَسَة بن عبد الْوَاحِد عَن مَالك بن مغول عَن عبد الْعَزِيز بن رفيع قَالَ إِذا عرج بِروح الْمُؤمن إِلَى السَّمَاء قَالَت الْمَلَائِكَة سُبْحَانَ الَّذِي نجى هَذَا العَبْد من الشَّيْطَان يَا ويحه كَيفَ نجا قَالَ أَبُو الْفرج بن الْجَوْزِيّ ولكثرة فتن الشَّيْطَان وتشبثها بالقلوب عزت السَّلامَة فَإِنَّهُ يَدْعُو إِلَى مَا يحث عَلَيْهِ الطَّبْع فَهُوَ كمداد لسفينة منحدرة فيا سرعَة انحدارها وَلما ركب الْهوى فِي هاروت وماروت لم يستمسكا فَإِذا رَأَتْ الْمَلَائِكَة مُؤمنا قد مَاتَ على الْإِيمَان تعجبت من سَلَامَته وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
стр. 218
الْبَاب السَّادِس وَالتِّسْعُونَ فِي أَفعَال لم يسْبق إِبْلِيس إِلَيْهَا
روى ابْن أبي شيبَة وَأَبُو عرُوبَة فِي أوائلهما قَالَ ابْن سِيرِين أول من قَاس إِبْلِيس وَإِنَّمَا عبدت الشَّمْس وَالْقَمَر بالمقاييس وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ قَاس إِبْلِيس وَهُوَ أول من قَاس رَوَاهُمَا ابْن جرير وَمعنى هَذَا أَنه نظر نَفسه بطرِيق المقايسة بَينه وَبَين آدم فراى نَفسه أشرف من أَدَم فَامْتنعَ من السُّجُود مَعَ وجود الْأَمر لَهُ ولسائر الْمَلَائِكَة وَالْقِيَاس إِذا كَانَ مُقَابلا للنَّص كَانَ فَاسد الِاعْتِبَار ثمَّ هُوَ فَاسد فِي نَفسه لما قدمْنَاهُ فِي الْبَاب السَّادِس والثمانين من خَمْسَة عشر وَجها وروى ابْن أبي شيبَة بِسَنَدِهِ قَالَ مَيْمُون بن مهْرَان سَأَلت ابْن عمر من أول من سمي الْعشَاء الْعَتَمَة قَالَ الشَّيْطَان وَذكر الْبَغَوِيّ أَنه أول من ناح وروى جَابر مَرْفُوعا أَنه أول من تغنى وَالله أعلم
الْبَاب السَّابِع وَالتِّسْعُونَ فِي رنات إِبْلِيس لَعنه الله
ذكر بَقِي بن مخلد فِي تَفْسِيره أَن إِبْلِيس رن أَربع رنات رنة حِين لعن وَرَنَّة حِين أهبط وَرَنَّة حِين بعث رَسُول الله ﷺ وَرَنَّة حِين أنزلت فَاتِحَة الْكتاب قَالَ والرنين والنخار من عمل الشَّيْطَان وَقَالَ ابْن دُرَيْد رن وأرن من الرنين وَهُوَ شَبيه بالحنين قَالَ الشَّاعِر ... أرن على حقب حِيَال طروقة ... كذود الْأَجِير الاربع الأشرات ... وَقَالُوا فِي بَيت رَوَوْهُ ... نبهت مَيْمُون لَهَا فَأَنا ... وَقَامَ يشكو عصبا قَدرنَا ...
وَقَالَ الْأَصْمَعِي إِنَّمَا هُوَ زن أَي تقبض ويبس وَقَالَ ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب مكايد الشَّيْطَان حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن رَاشد حَدثنَا دَاوُد بن مهْرَان حَدثنَا يَعْقُوب القمي عَن جَعْفَر عَن سعيد بن جُبَير قَالَ لما لعن الله تَعَالَى إِبْلِيس تَغَيَّرت صورته عَن صُورَة الْمَلَائِكَة فَخرج فرن رنة كل رنة إِلَى يَوْم
стр. 219
الْقِيَامَة مِنْهَا قَالَ سعيد وَلما رأى النَّبِي ﷺ قَائِما يُصَلِّي بِمَكَّة رن رنة أُخْرَى قَالَ سعيد وَلما افْتتح النَّبِي ﷺ مَكَّة رن رنة أُخْرَى اجْتمعت إِلَيْهِ ذُريَّته فَقَالَ إيأسوا أَن تردوا أمة مُحَمَّد إِلَى الشّرك وَلَكِن افتنوهم فِي دينهم وأفشوا بَينهم النوح وَالشعر وَقَالَ ابْن أبي الدُّنْيَا حَدثنَا عَليّ بن أبي الْجَعْد حَدثنَا ابْن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار سَمِعت شَيخنَا يَقُول سَمِعت ابْن عَبَّاس يَقُول لما خلق الله تَعَالَى إِبْلِيس نخر لَعنه الله تَعَالَى
الْبَاب الثَّامِن وَالتِّسْعُونَ فِي أَن عرش إِبْلِيس على الْبَحْر
روى مُسلم من حَدِيث جَابر سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِن عرش إِبْلِيس على الْبَحْر فيبعث سراياه فيفتنون النَّاس فأعظمهم عِنْده منزلَة أعظمهم فتْنَة يجِئ أحدهم فَيَقُول فعلت كَذَا وَكَذَا فَيَقُول مَا صنعت شَيْئا ثمَّ يَجِيء أَحدهمَا فَيَقُول مَا تركته حَتَّى فرقت بَينه وَبَين امْرَأَته فيدنيه مِنْهُ وَيَقُول نعم أَنْت أَنْت وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده بِنَحْوِهِ من عدَّة طرق فَقَالَ حَدثنَا أَبُو الْمُغيرَة حَدثنَا صَفْوَان حَدثنَا مَاعِز التَّمِيمِي عَن جَابر وَرَوَاهُ أَيْضا عَن روح عَن ابْن جريج عَن أبي الزبير عَن جَابر وَسَاقه أَيْضا من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ فَقَالَ حَدثنَا عَفَّان حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة أَنبأَنَا عَليّ بن زيد عَن أبي نَضرة عَن أبي سعيد ان رَسُول الله ﷺ قَالَ لِابْنِ صائد مَا ترى قَالَ ارى عرشا على المَاء أَو قَالَ على الْبَحْر حوله حيات قَالَ ذَاك عرش إِبْلِيس وَقَالَ سنيد فِي تَفْسِيره حَدثنَا أَبُو بكر بن عَيَّاش وَحميد الْكِنْدِيّ عَن عبَادَة بن نسي عَن أبي ريحانه قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن إِبْلِيس اتخذ عرشا على المَاء ووكل بِكُل رجل شَيْطَانَيْنِ وأجلهما سنة فَإِن فتناه وَإِلَّا قطع ايديهما وأرجلهما وصلبهما ثمَّ بعث لَهُ شَيْطَانَيْنِ آخَرين قَالَ الْحَافِظ ابْن مُنَبّه هَذَا حَدِيث تفرد بِهِ أَبُو بكر بن عَيَّاش وَقَالَ الْحَافِظ الذَّهَبِيّ هَذَا حَدِيث غَرِيب مُنكر لَا يعرف إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَاد
стр. 220
الْبَاب التَّاسِع وَالتِّسْعُونَ فِي مَكَان ركز الشَّيْطَان رايته
روى مُسلم من حَدِيث سلمَان قَالَ ﷺ لَا تكونن إِن اسْتَطَعْت أول دَاخل السُّوق وَلَا آخر من يخرج مِنْهَا فَإِنَّهَا معركة الشَّيْطَان وَبهَا تركز رايته وَرَوَاهُ عَبَّاس الدوري عَن سعيد بن عَامر الضبعِي عَن عَوْف عَن أبي عُثْمَان النَّهْدِيّ عَن سلمَان الْفَارِسِي مَوْقُوفا عَلَيْهِ وَلَفظه فَإِنَّهَا مبيض الشَّيْطَان وَبهَا يقرب لِوَاؤُهُ
الْبَاب الموفي مائَة فِي جعل إِبْلِيس كل وَاحِد من وَلَده عَن شَيْء من أمره
قَالَ عبد الله بن مُحَمَّد بن عبيد حَدثنَا بشر بن الْوَلِيد الْكِنْدِيّ حَدثنَا مُحَمَّد بن طَلْحَة عَن زيد عَن مُجَاهِد قَالَ لإبليس خَمْسَة من وَلَده قد جعل كل وَاحِد مِنْهُم على شَيْء من أمره ثمَّ سماهم فَذكر ثبر والأعور ومسؤط وداسم وزلبنور فَأَما ثبر فَهُوَ صَاحب المصيبات الَّذِي يَأْمر بالثبور وشق الْجُيُوب وَلَطم الخدود وَدَعوى الْجَاهِلِيَّة وَأما الْأَعْوَر فَهُوَ صَاحب الزِّنَا الَّذِي يامر بِهِ ويزينه وَأما مسوط فَهُوَ صَاحب الْكَذِب الَّذِي يسمع فَيلقى الرجل فيخبره بالْخبر فَيذْهب الرجل إِلَى الْقَوْم فَيَقُول لَهُم قد رَأَيْت رجلا أعرف وَجهه وَمَا أَدْرِي مَا اسْمه حَدثنِي بِكَذَا وَكَذَا وَأما داسم فَهُوَ الَّذِي يدْخل مَعَ الرجل إِلَى أَهله يرِيه الْعَيْب فيهم ويغضبه عَلَيْهِم وَأما زلنبور فَهُوَ صَاحب السُّوق الَّذِي تركز رايته فِي السُّوق وَالله أعلم
стр. 221
الْبَاب الأول بعد الْمِائَة فِي حُضُور الشَّيْطَان كل شَيْء من شئون الْإِنْس
روى مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث جَابر عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن الشَّيْطَان يحضر أحدكُم عِنْد كل شَيْء من شَأْنه حَتَّى يحضرهُ عِنْد طَعَامه فَإِذا سَقَطت لقْمَة أحدكُم فليأخذها وليمط مَا كَانَ بهَا من أَذَى وليأكلها وَلَا يَدعهَا للشَّيْطَان فَإِذا فرغ فليلعق أَصَابِعه فَإِنَّهُ لَا يدْرِي فِي أَي طَعَامه الْبركَة
الْبَاب الثَّانِي بعد الْمِائَة فِي حُضُور الشَّيْطَان جماع الرجل أَهله
عَن أنس بن مَالك قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَو أَن أحدكُم إِذا أَرَادَ أَن يَأْتِي أَهله قَالَ بِسم الله اللَّهُمَّ جنبنا الشَّيْطَان وجنب الشَّيْطَان مَا رزقتنا فَإِنَّهُ إِن يقدر بَينهمَا ولد فِي ذَلِك لم يضرّهُ الشَّيْطَان أبدا أَخْرجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ قَالَ القَاضِي عِيَاض لم يحملهُ أحد على الْعُمُوم فِي جَمِيع الضَّرَر والإغواء والوسوسة وَقَالَ بعض الْعلمَاء مَا هَا هُنَا نكره لَا يجوز أَن تكون بِمَعْنى الَّذِي لِأَنَّهَا لَا تكون لمن يعقل إِذا كَانَت بِمَعْنى الَّذِي فَيكون مَعْنَاهَا شَيْء وَقَالَ ابْن جرير فِي تَهْذِيب الْآثَار حَدثنَا مُحَمَّد بن عمَارَة الْأَسدي حَدثنِي سهل بن عَامر البَجلِيّ حَدثنَا يحيى بن يعلى الاسلمي عَن عُثْمَان بن الْأسود عَن مُجَاهِد قَالَ إِذا جَامع الرجل وَلم يسم انطوى الجان على إحليله فجامع مَعَه فَذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿لم يطمثهن إنس قبلهم وَلَا جَان﴾ وَقد قدمنَا فِي الْبَاب الرَّابِع وَالثَّلَاثِينَ قَول ابْن عَبَّاس أَن الله تَعَالَى وَرَسُوله ﷺ نهيا أَن يَأْتِي الرجل امْرَأَته وَهِي حَائِض فَإِذا أَتَاهَا سبقه إِلَيْهَا الشَّيْطَان فَحملت فَجَاءَت بالمخنث ذكره الطرطوشي فِي كتاب تَحْرِيم الْفَوَاحِش
стр. 222
الْبَاب الثَّالِث بعد الْمِائَة حُضُور الشَّيْطَان الْمَوْلُود حِين يُولد
فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا من بني آدم من مَوْلُود إِلَّا نخسه الشَّيْطَان فَيَسْتَهِل صَارِخًا من نخسه إِيَّاه الا مَرْيَم وَابْنهَا وَفِي رِوَايَة عِنْد مُسلم إِلَّا نخسه الشَّيْطَان فَيَسْتَهِل صَارِخًا من نخسة الشَّيْطَان وفيهَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَة اقرأوا إِن شِئْتُم ﴿وَإِنِّي أُعِيذهَا بك وذريتها﴾ الْآيَة وَفِي لفظ عِنْد البُخَارِيّ كل بني آدم يطعن الشَّيْطَان فِي عَيْنَيْهِ بِأُصْبُعِهِ حِين يُولد إِلَّا عِيسَى بن مَرْيَم ذهب يطعن فطعن فِي الْحجاب وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ صياح الْمَوْلُود حَيْثُ يَقع نزغة من الشَّيْطَان أخرجه أَبُو حَاتِم قَالَ السُّهيْلي وَلِأَن عِيسَى ﵇ لم يخلق من مني الرِّجَال فأعيذ من مغمزه وَإِنَّمَا خلق من نفخة روح الْقُدس قَالَ وَلَا يدل هَذَا على فضل عِيسَى ﵇ على مُحَمَّد ﷺ لِأَن مُحَمَّدًا ﷺ قد نزع مِنْهُ ذَلِك المغمز وملئ قلبه حِكْمَة وإيمانا بعد أَن غسله روح الْقُدس بالثلج وَالْبرد وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك المغمز فِيهِ لموْضِع الشَّهْوَة المحركة للمني والشهوات يحضرها الشَّيْطَان لَا سِيمَا شَهْوَة من لَيْسَ بِمُؤْمِن فَكَانَ ذَلِك المغمز فِيهِ رَاجعا إِلَى الْأَب لَا إِلَى الابْن المطهر ﷺ وَلِهَذَا قَالَ شقّ صَدره فَأخْرج مِنْهُ مغمز الشَّيْطَان وعلق الدَّم فنبين أَن الَّذِي التمس فِيهِ هُوَ الَّذِي يغمزه الشَّيْطَان من كل مَوْلُود وَالله أعلم
стр. 223
الْبَاب الرَّابِع بعد الْمِائَة فِي أَن للشَّيْطَان لمة بِابْن آدم
روى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث بن مَسْعُود قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن للشَّيْطَان لمة بِابْن آدم وللملك لمة فَأَما الشَّيْطَان فإيعاد بِالشَّرِّ وَتَكْذيب بِالْحَقِّ وَأما لمة الْملك فوعد بِالْخَيرِ وتصديق بِالْحَقِّ فَمن وجد ذَلِك فَليعلم أَنه من الله تَعَالَى فبحمد الله تَعَالَى وَمن وجد الْأُخْرَى فليتعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان ثمَّ قَرَأَ ﴿الشَّيْطَان يَعدكُم الْفقر ويأمركم بالفحشاء﴾ وَالله تَعَالَى أعلم
الْبَاب الْخَامِس بعد الْمِائَة فِي انه يجْرِي من ابْن آدم مجْرى الدَّم
ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث صَفِيَّة بنت حييّ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن الشَّيْطَان يجْرِي من ابْن آدم مجْرى الدَّم وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث أنس وَرَوَاهُ غير وَاحِد من أهل السّنَن مِنْهُم الْحَافِظ أَبُو جَعْفَر الطَّحَاوِيّ أوردهما بأسانيده من حَدِيث صَفِيَّة وَحَدِيث أنس وَقَالَ ابْن أبي الدُّنْيَا حَدثنَا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله الْمَدِينِيّ حَدثنَا حسان بن إِبْرَاهِيم عَن سعيد يَعْنِي ابْن مَرْزُوق عَن محَارب بن دثار عَن ابْن عمر قَالَ كَيفَ ننجو من الشَّيْطَان وَهُوَ يجْرِي منا مجْرى الدَّم وَقَالَ أَبُو بكر بن أبي دَاوُد فِي كتاب الوسوسة حَدثنَا الْحُسَيْن بن مَنْصُور حَدثنَا يزِيد أَنبأَنَا سُفْيَان عَن الْمُغيرَة عَن إِبْرَاهِيم قَالَ ان الشَّيْطَان ليجري فِي الأحليل ويبيض فِي الدبر وَقد قدمنَا فِي بَاب دُخُول الْجِنّ فِي بدن المصروع وَفِي بَاب الوسوسة القَوْل فِي ذَلِك وَإِمْكَان جريه وتداخل الْأَجْسَام فَلْينْظر هُنَاكَ
стр. 224
الْبَاب السَّادِس بعد الْمِائَة فِي انتشار الشَّيْطَان جنح اللَّيْل وتعرضه للصبيان
فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث جَابر بن عبد الله قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا كَانَ جنح اللَّيْل وأمسيتم فكفوا صِبْيَانكُمْ فَإِن الشَّيْطَان ينتشر حِينَئِذٍ إِذا ذهب سَاعَة من اللَّيْل فخلوهم وَأَغْلقُوا الْأَبْوَاب واذْكُرُوا اسْم الله تَعَالَى وخمروا آنيتكم واذْكُرُوا اسْم الله وَلَو ان تعرضوا عَلَيْهَا شَيْئا واطفئوا مصابحكم وَفِي رِوَايَة فَإِن الشَّيْطَان لَا يفتح غلقا
الْبَاب السَّابِع بعد الْمِائَة فِي مَا يلهي الشَّيْطَان عَن الصّبيان
قَالَ حَرْب الْكرْمَانِي حَدثنَا الْحسن بن مهْدي بن مَالك حَدثنَا عبيد الله بن مُوسَى حَدثنَا أَبُو عُبَيْدَة الْبَلْخِي عَن الْحسن قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ اتَّخذُوا الحمامات المقصوصات فِي الْبيُوت فَإِنَّهَا تلهي الشَّيْطَان عَن صِبْيَانكُمْ وَقَالَ حَرْب سَمِعت أَحْمد يَقُول لَا بَأْس أَن يتَّخذ الرجل فِي منزله الطُّيُور والحمامات المقصوصة يسْتَأْنس اليها فَإِن تلهى بهَا فَإِنِّي أكرهه
стр. 225
الْبَاب الثَّامِن بعد الْمِائَة فِي نوم الشَّيْطَان على الْفراش الَّذِي لَا ينَام عَلَيْهِ أحد
قَالَ الْقرشِي حَدثنَا أبي حَدثنَا هشيم عَن اسماعيل بن أبي خَالِد عَن قيس بن أبي حَازِم قَالَ مَا من فرَاش يكون فِي بَيت مفروشا لَا ينَام عَلَيْهِ أحد إِلَّا نَام عَلَيْهِ الشَّيْطَان
قلت لَيْسَ هَذَا على إِطْلَاقه بل إِذا فرش وَلم يسم عَلَيْهِ وَلَيْسَ مَخْصُوصًا بالفراش بل كل مَا لم يسم عَلَيْهِ من طَعَام أَو شراب أَو لِبَاس أَو غير ذَلِك مِمَّا ينْتَفع بِهِ فللشيطان فِيهِ تصرف وَاسْتِعْمَال إِمَّا بِإِتْلَاف عينه كالطعام وَالشرَاب وَإِمَّا مَعَ بَقَاء عينه مِمَّا ينْتَفع بِهِ مَعَ بَقَاء الْعين وَقد قدمنَا فِي الْأَحَادِيث مَا يدل على ذَلِك وَالله أعلم
الْبَاب التَّاسِع بعد الْمِائَة فِي عدم قيلولة الشَّيَاطِين
قَالَ عبد الله بن احْمَد كَانَ أبي ينَام نصف النَّهَار شتاء كَانَ أَو صيفا ويأخذني بذلك وَيَقُول قَالَ عمر بن الْخطاب ﵁ قيلوا فَإِن الشَّيَاطِين لَا تقيل وَقَالَ جَعْفَر بن مُحَمَّد نومَة نصف النَّهَار تزيد فِي الْعقل وَذكر قَتَادَة عَن أنس بن مَالك قَالَ يلْزم من ضبطهن ضبط الصَّوْم من قَالَ وتسحر وَأكل قبل أَن يشرب
الْبَاب الْعَاشِر بعد الْمِائَة فِي عقد الشَّيْطَان على رَأس النَّائِم
روى البُخَارِيّ وَمُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ يعْقد الشَّيْطَان على قافية رَأس أحدكُم إِذا هُوَ نَام ثَلَاث عقد يضْرب على كل عقدَة مَكَانهَا عَلَيْك ليل طَوِيل فارقد فَإِن اسْتَيْقَظَ فَذكر الله انْحَلَّت عقدَة فَإِن تَوَضَّأ انْحَلَّت عقدَة فَإِن صلى انْحَلَّت عقدَة كلهَا فَأصْبح نشيطا طيب النَّفس وَإِلَّا أصبح خَبِيث النَّفس كسلان
стр. 226
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث ابْن مَسْعُود قَالَ ذكر عِنْد النَّبِي ﷺ رجل فَقيل مَا زَالَ نَائِما حَتَّى أصبح مَا قَامَ إِلَى الصَّلَاة فَقَالَ ذَاك رجل بَال الشَّيْطَان فِي أُذُنه أَو قَالَ فِي أُذُنَيْهِ قلت هَذَا لمن لم يقْرَأ آيَة الْكُرْسِيّ أَو خَوَاتِيم سُورَة الْبَقَرَة أَو مَا يتحرز بِهِ من الشَّيَاطِين من الْقُرْآن وَأما من قَرَأَ ذَلِك فَلَا سَبِيل للشَّيْطَان عَلَيْهِ بِدَلِيل مَا قدمْنَاهُ من الْأَحَادِيث الدَّالَّة على أَن من قَرَأَهَا لَا يقربهُ شَيْطَان حَتَّى يصبح والقافية الْقَفَا قَالَه الْجَوْهَرِي وَالله تَعَالَى أعلم
الْبَاب الْحَادِي عشر بعد الْمِائَة فِي أَن الحكم الْمَكْرُوه من الشَّيْطَان
روى البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي قَتَادَة سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول الرُّؤْيَا من الله والحلم من الشَّيْطَان فَإِذا حلم أحدكُم الْحلم يكرههُ فليبصق عَن يسَاره وليستعذ بِاللَّه مِنْهُ فَلَنْ يضرّهُ وَفِي البُخَارِيّ من حَدِيث أبي سعيد أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِذا رأى أحدكُم الرُّؤْيَا يُحِبهَا فَإِنَّهَا من الله فيحمد الله عَلَيْهَا وليحدث بهَا وَإِذا رأى غير ذَلِك مِمَّا يكره فَإِنَّمَا هِيَ من الشَّيْطَان فليستعذ بِاللَّه من شَرها وَلَا يذكرهَا لَاحَدَّ فَإِنَّهَا لن تضره قَالَ السُّهيْلي الرُّؤْيَا عِنْد أهل الْعلم مَا يرَاهُ الْإِنْسَان فِي مَنَامه والرؤية مَا يرَاهُ بِعَيْنِه فِي الْيَقَظَة فرؤية النَّبِي ﷺ لم تكن إِلَّا لمن رَآهُ فِي حَيَاته وَأما رُؤْيا النَّبِي ﷺ فِي الْمَنَام فرؤيا وَلَا تكون رُؤْيا حق لقَوْله ﵊ من رَآنِي فقد رأى الْحق وَهُوَ مُشْتَرك بَين الرُّؤْيَة والرؤيا وَأما قَوْله ﵊ من رَآنِي فِي الْمَنَام فسيراني فِي الْيَقَظَة أول الْكَلَام من الرُّؤْيَا وَآخره من الرُّؤْيَة قَالَ الْمَازرِيّ كثر كَلَام النَّاس
стр. 227
فِي حَقِيقَة الرُّؤْيَا فَقَالَ فِيهَا غير الإسلامين أقاويل كَثِيرَة مُنكرَة لما حاولوا الْوُقُوف على حقائق لَا تعلم بِالْعقلِ وَلَا يقوم عَلَيْهَا برهَان وهم لَا يصدقون بِالسَّمْعِ فاضطربت لذَلِك مقالاتهم فَمن ينتمي إِلَى الطِّبّ ينْسب جَمِيع الرُّؤْيَا إِلَى الأخلاط وَيَقُول من غلب عَلَيْهِ البلغم رأى السباحة فِي المَاء أَو مَا شابهه لمناسبة المَاء فِي طَبِيعَته طبيعة البلغم وَمن غلب عَلَيْهِ الصَّفْرَاء رأى النيرَان والصعود فِي الجو وَشبهه لمناسبة النَّار طبيعة الصَّفْرَاء وَلِأَن خفتها وإنفاذها تخيل إِلَيْهِ الطيران فِي الجو والصعود فِي الْعُلُوّ وَهَكَذَا يصنعون فِي بَقِيَّة الأخلاط وَهَذَا مَذْهَب وَإِن جوزه الْعقل وامكن عندنَا أَن يجْرِي البادي جلت قدرته الْعَادة بِأَن يخلق مثل مَا قَالُوا عِنْد غَلَبَة هَذِه الأخلاط فَإِنَّهُ لم يقم عَلَيْهِ دَلِيل وَلَا اطردت بِهِ عَادَة وَالْقطع فِي مَوضِع التجويز غلط وجهالة هَذَا لَو نسبوا ذَلِك إِلَى الأخلاط على جِهَة الِاعْتِبَار واما إِن أضافوا الْفِعْل إِلَيْهَا فَإنَّا نقطع بخطئهم وَلَا نجوز مَا قَالُوهُ إِذْ لَا فَاعل إِلَّا الله تَعَالَى ولبعض أَئِمَّة الفلاسفة تَخْلِيط طَوِيل فِي هَذَا وَكَأَنَّهُ يرى أَن صور مَا يجْرِي فِي الْعَالم الْعلوِي كالمنقوش وَكَأَنَّهُ يَدُور بدوران الأكر فَمَا حَاذَى بعض النُّفُوس مِنْهُ انتقش فِيهَا وَهَذَا أوضح فَسَادًا من الأول مَعَ كَونه تحكما بِمَا لم يقم عَلَيْهِ برهَان والانتقاش من صِفَات الْأَجْسَام وَكَثِيرًا مَا تجْرِي فِي الْعَالم والأعراض لَا تنتقش وَلَا ينتقش فِيهَا وَالْمذهب الصَّحِيح مَا عَلَيْهِ أهل السّنة وَهُوَ أَن الله يخلق فِي قلب النَّائِم اعتقادات كَمَا يخلقها فِي قلب الْيَقظَان وَهُوَ ﵎ يفعل مَا يَشَاء وَلَا يمْنَع من فعله نوم وَلَا يقظة فَإِذا خلق هَذِه الاعتقادات فَكَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ جعلهَا علما على أُمُور أخر يخلقها فِي ثَانِي حَال أَو كَانَ خلقهَا فَإِذا خلق فِي قلب النَّائِم اعْتِقَاد الطيران وَلَيْسَ بطائر فقصارى مَا فِيهِ أَنه اعْتقد امرا على خلاف مَا هُوَ عَلَيْهِ علما وَكم فِي الْيَقَظَة مِمَّن يعْتَقد أمرا على خلاف مَا هُوَ عَلَيْهِ فَيكون ذَلِك الِاعْتِقَاد علما على غَيره كَمَا يكون خلق الله تَعَالَى الْغَيْم علما على الْمَطَر والجميع خلق الله وَلَكِن يخلق الرُّؤْيَا والاعتقادات الَّتِي جعلهَا علما على مَا يسر بِحَضْرَة الْملك أَو بِغَيْر حَضْرَة الشَّيْطَان ويخلق ضدها مِمَّا هُوَ علم على مَا يضرّهُ بِحَضْرَة الشَّيْطَان فينسب إِلَيْهِ مجَازًا واتساعا هَذَا الْمَعْنى بقوله ﷺ الرُّؤْيَا من الله والحلم من الشَّيْطَان لَا على أَن الشَّيْطَان يفعل شَيْئا فِي غَيره وَتَكون الرُّؤْيَا
стр. 228
اسْما لما يحب والحلم اسْم لما يكره أنْتَهى قَول الْمَازرِيّ وَحكى السُّهيْلي فِي حَقِيقَة الرُّؤْيَا قَول الأسفرائي أَبُو إِسْحَاق فِيمَا بلغه عَنهُ أَن الرُّؤْيَا إِدْرَاك بِجُزْء من الْقلب كَمَا أَن الرُّؤْيَة إِدْرَاك بِجُزْء من الْعين وَإِذا غشى الْقلب كُله النّوم لم ير شَيْئا فَإِذا ذهب عَنهُ النّوم أَو عَن أَكثر الْقلب كَانَت الرُّؤْيَا أصفى وَأجلى كرؤيا السحر قَالَ وَقَالَ القَاضِي الرُّؤْيَا اعتقادات يعتقدها الرَّائِي فِي النّوم وَلَيْسَت بِإِدْرَاك كإدراك الحاسة وَقَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو بكر ابْن فورك الرُّؤْيَا أَوْهَام يتوهمها الْمَرْء فِي حَال النّوم ثمَّ قَالَ أما قَول الأسفرائيني فقد يجوز أَن يكون فِي بعض الْأَحْوَال لَا فِي جَمِيع أَحْوَال الرُّؤْيَا فَإِن الرَّائِي قد يرى فِي الْمَنَام مَا هُوَ مَعْدُوم فِي تِلْكَ الْحَال والمعدوم لَا تتَعَلَّق بِهِ الإدراكات وَأما قَول القَاضِي اعتقادات فَحق لِأَنَّهُ قد يعْتَقد الشَّيْء على مَا هُوَ عَلَيْهِ وَقد يَعْتَقِدهُ على خلاف مَا هُوَ عَلَيْهِ كَالَّذي يرى اللَّبن فِي النّوم فيعتقده لَبَنًا وَهُوَ عبارَة عَن الْعلم وَقد يحضر فِي حَال النّوم أَنه عبارَة عَن الْعلم وَلَيْسَ بِلَبن وَأما قَول أبي بكر هِيَ أَوْهَام فَصَحِيح وَلَيْسَ بمناقض لقَوْل القَاضِي لِأَن النَّائِم يتوهمه الشَّيْء فِي تصَوره فِي خلده ثمَّ يعْتَقد مَعَ ذَلِك التَّوَهُّم أَن الشَّيْء كَمَا يُوهِمهُ لعزوب عقله فِي النّوم فَإِذا ثاب إِلَيْهِ عقله فِي الْيَقَظَة انحل عَنهُ الِاعْتِقَاد وَعلم أَن الَّذِي توهمه لَيْسَ على الصُّورَة الَّتِي توهمها كَالَّذي يتَوَهَّم فِي الْيَقَظَة وَهُوَ فِي السَّفِينَة مَاشِيَة أَن الْبَحْر يمشي مَعَه وعقله يدْفع مَا فاجأه بِهِ الْوَهم وَلَوْلَا ذَلِك لاعتقد صِحَة مَا توهم فَإِذا عزب الْعقل تحكم الْوَهم اعتقدت النَّفس صِحَة مَا يتَوَهَّم فثم إِذا وهم إِمَّا صَادِق وَإِمَّا كَاذِب وَتمّ فِي تِلْكَ الْحَالة اعْتِقَاد تَصْدِيق الْوَهم انْتهى مَا ذكره فِي حَقِيقَة الرُّؤْيَا قَالَ الْمَازرِيّ وَأما قَوْله ﷺ فَإِنَّهَا لن تضره فَقيل مَعْنَاهُ أَن الروع يذهب بِهَذَا النفث الْمَذْكُور وَفِي الحَدِيث إِذا كَانَ فَاعله مُصدقا بِهِ متكلا على الله جلت قدرته فِي دفع الْمَكْرُوه وَقيل يحْتَمل ان يُرِيد أَن هَذَا الْفِعْل مِنْهُ يمْنَع من نُفُوذ مَا دلّ عَلَيْهِ الْمَنَام من الْمَكْرُوه وَيكون ذَلِك سَببا فِيهِ كَمَا تكون الصَّدَقَة تدفع الْبلَاء إِلَى غير ذَلِك من النَّظَائِر الْمَذْكُورَة عِنْد أهل الشَّرِيعَة وَالله تَعَالَى أعلم
стр. 229
الْبَاب الثَّانِي عشر بعد الْمِائَة
فِي أَن الشَّيْطَان لَا يتَمَثَّل بِالنَّبِيِّ ﵇
فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف أَن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ سَمِعت أَن رَسُول الله ﷺ يَقُول من رَآنِي فِي الْمَنَام فسيراني فِي الْيَقَظَة أَو كَمَا رَآنِي فِي الْيَقَظَة لَا يتَمَثَّل الشَّيْطَان بِي قَالَ وَقَالَ أَبُو سَلمَة قَالَ أَبُو قَتَادَة قَالَ رَسُول الله ﷺ من رَآنِي فقد رأى الْحق وَفِي رِوَايَة من رَآنِي فِي الْمَنَام فقد رَآنِي فَإِن الشَّيْطَان لَا يتَمَثَّل بِي ذهب القَاضِي أَبُو بكر بن الطّيب إِلَى أَن المُرَاد بقوله ﷺ من رَآنِي فِي الْمَنَام فقد رَآنِي أَنه رأى الْحق وَأَن رُؤْيَاهُ لَا تكون أضغاثا وَلَا من التشبيهات فِي الشَّيْطَان ويعضد مَا قَالَه بقوله ﷺ فِي بعض الطّرق من رَآنِي فقد رأى الْحق إِن كَانَ المُرَاد بِهِ مَا أُرِيد بِالْحَدِيثِ الأول من الْمَنَام وَقَوله ﷺ فَإِن الشَّيْطَان لَا يتَمَثَّل بِي إِشَارَة إِلَى أَن رُؤْيَاهُ لَا تكون أضغاثا وَإِنَّمَا تكون حَقًا وَقد يرَاهُ الرَّائِي على غير صفته المنقولة إِلَيْنَا كَمَا لَو رَآهُ شَيخا ابيض اللِّحْيَة أَو على خلاف لَونه أَو يرَاهُ رائيان فِي زمَان وَاحِد أَحدهمَا بالمشرق وَالْآخر بالمغرب وَيَرَاهُ وكل مِنْهُمَا مَعَه فِي مَكَانَهُ وَقَالَ السُّهيْلي رُؤْيا النَّبِي ﷺ فِي الْمَنَام رُؤْيا وَلَا تكون إِلَّا رُؤْيَة حق لقَوْله ﷺ من رَآنِي فقد رأى الْحق وَهُوَ مُشْتَرك بَين الرُّؤْيَة والرؤيا وَأما قَوْله من رَآنِي فِي الْمَنَام فسيراني فِي الْيَقَظَة أول الْكَلَام من الرُّؤْيَا وَالثَّانِي من الرُّؤْيَة وَقَالَ آخَرُونَ بل الحَدِيث مَحْمُول على ظَاهره وَالْمرَاد أَن من رَآهُ فقد أدْركهُ ﷺ وَلَا مَانع يمْنَع من ذَلِك وَلَا عقل يحيله حَتَّى يضْطَر إِلَى صرف الْكَلَام عَن ظَاهره وَأما الاعتلال أَنه قد يرى على خلاف صفته الْمَعْرُوفَة وَفِي مكانين مُخْتَلفين مَعًا فَإِن ذَلِك غلط فِي صِفَاته وتخيل لَهَا على غير مَا هِيَ عَلَيْهِ وَقد يظنّ بعض الخيالات مرئيات لكَون مَا يتخيل مرتبطا لما يرى فِي الْعَادة فَتكون ذَاته ﷺ مرئية
стр. 230
وَصِفَاته متخيلة غير مرئية والإدراك لَا يشْتَرط فِيهِ تحديق الْأَبْصَار وَلَا قرب المسافات وَلَا كَون المرئي مَدْفُونا فِي الأَرْض وَلَا ظَاهرا عَلَيْهَا وَإِنَّمَا يشْتَرط كَونه مَوْجُودا وَقد ثَبت وجوده وَتَكون الصِّفَات المتخيلة ثَمَرَتهَا اخْتِلَاف الدلالات وَقد ذكر الْكرْمَانِي فِي بَاب رُؤْيا النَّبِي ﷺ قَالَ وَقد جَاءَ فِي الحَدِيث انه إِذا رئى فِي الْمَنَام شَيخا فَهُوَ عَام سلم وَإِذا رئى شَابًّا فَهُوَ عَام حَرْب وَكَذَلِكَ أحد جوابهم عَنهُ ﷺ لَو رَآهُ امْرُؤ يَأْمُرهُ بقتل من لَا يحل قَتله فَإِن ذَلِك من الصِّفَات المتخيلة لَا المرئية وجوابهم الثَّانِي منع وُقُوع مثل هَذَا قَالَ الْمَازرِيّ لَا وَجه عِنْدِي لمنعهم إِيَّاه مَعَ قَوْلهم فِي تخيل الصِّفَات فَهَذَا انْفِصَال هَؤُلَاءِ عَمَّا احْتج بِهِ القَاضِي وَأما قَوْله ﷺ من رَآنِي فِي الْمَنَام فسيراني فِي الْيَقَظَة اَوْ كَأَنَّمَا رَآنِي فِي الْيَقَظَة فتأويله مَأْخُوذ مِمَّا تقدم قَالَ الْمَازرِيّ إِن كَانَ الْمَحْفُوظ فسيراني فِي الْيَقَظَة فَيحْتَمل أَن يُرِيد أهل عصره مِمَّن لم يُهَاجر اليه ﷺ فَإِنَّهُ إِذا رَآهُ فِي الْمَنَام فسيراه فِي الْيَقَظَة وَيكون الْبَارِي جلت قدرته جعل رُؤْيا الْمَنَام علما على رُؤْيَة الْيَقَظَة وَأوحى إِلَيْهِ بذلك ﷺ
وَقَالَ السُّهيْلي فِي ضمن أسئلة فِي الرُّؤْيَا كَيفَ تكون الرُّؤْيَا حَقًا وَهِي كلهَا قد يرى على صور مُخْتَلفَة مِنْهَا مَا هِيَ صُورَة لَهُ وَمِنْهَا مَا لَيْسَ بِصُورَة لَهُ وَأجَاب بعد تَقْرِير الْكَلَام فِي حَقِيقَة الرُّؤْيَا وَقَالَ إِذا رأى فِي حَال النّوم مُحَمَّدًا ﷺ مثلا على غير صورته الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فقد رَآهُ حَقًا وَلَكِن من الرُّؤْيَا لَا من الرُّؤْيَة فَتوهم الصُّورَة أَنَّهَا صورته وَأَنَّهَا صفة لَهُ واعتقد فِي تِلْكَ الْحَال لعزوب الْعقل تَصْدِيق الْوَهم وَلم يقْدَح ذَلِك التَّوَهُّم فِي صِحَة الرُّؤْيَا كَمَا لم يقْدَح من الْيَقظَان الرَّاكِب الْبَحْر توهمه لمشي الْبَحْر فِي صِحَة رُؤْيَة الْبَحْر وَكَذَلِكَ من رأى رجلا من مَكَان بعيد جدا فتوهمه صَبيا أَو طائرا فقد رَآهُ بِعَيْنِه وَلم يقْدَح فِي صِحَة رُؤْيَته توهم الصُّورَة على غير مَا هِيَ لكنه فِي الْيَقَظَة يكذب الْوَهم فِي ذَلِك التَّوَهُّم لحُصُول الْعقل وَلَا يكذب الْعقل الْوَهم فِي حَال النّوم بل يعْتَقد صدقه لعزوب الْعقل عَن النّظر فِي الدَّلِيل فيعتقد الصُّورَة الدَّاخِلَة فِي الخيال لَا وجود لَهَا من خَارج فَإِذا اسْتَيْقَظَ انحل الِانْعِقَاد بتجديد النّظر وَبَقِي النّظر فِي تِلْكَ الصُّورَة المتوهمة فَإِن الله تَعَالَى لم
стр. 231
يخلقها دَاخل الخيال إِلَّا ليتعلق بهَا تَأْوِيل الرُّؤْيَا فيختلف التَّأْوِيل على حسب الصُّورَة المتوهمة الَّتِي لَا وجود لَهَا من خَارج
تَعْلِيق
فصل
لَا شكّ أَنه لم يجز للشَّيْطَان أَن يتَمَثَّل على صُورَة النَّبِي ﷺ فأحرى أَن لَا يتَمَثَّل بِاللَّه وأجدر بِأَن تكون رُؤْيا الله تَعَالَى فِي الْمَنَام حَقًا وَأَن لَا يكون تَخْلِيطًا من الشَّيْطَان هَذَا على قَول طَائِفَة مِنْهُم أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ وَأما على قَول طَائِفَة أُخْرَى من الْعلمَاء فَإِنَّهُم ذَهَبُوا إِلَى أَن الْعِصْمَة من تصور الشَّيْطَان وتمثله إِنَّمَا هِيَ فِي حق النَّبِي ﷺ لِأَنَّهُ بشر تجوز عَلَيْهِ الصُّور فصرف الله الشَّيْطَان أَن يتَمَثَّل بِهِ لِئَلَّا تختلط رُؤْيَاهُ بالرؤيا الكاذبة وَهَذَا الْكَلَام لَهُ تَتِمَّة ذكرهَا ابْن بطال فِي شرح البُخَارِيّ اختصرتها وَمن تَأمل الْفَصْل من أَوله عرف القَوْل وضده ودله ذَلِك على معنى مَا تركته وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير﴾
بَيَان صغر الشَّيْطَان يَوْم عَرَفَة
فصل
فِي بَيَان صغر الشَّيْطَان ودحره وحقارته وغيظه يَوْم عَرَفَة روى مَالك فِي الْمُوَطَّأ من حَدِيث طَلْحَة بن عبد الله بن كريز أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لم ير الشَّيْطَان يَوْمًا مَا هُوَ فِيهِ أَصْغَر وَلَا أَدْحَر وَلَا أَحْقَر وَلَا أَغيظ مِنْهُ فِي يَوْم عَرَفَة وَمَا ذَاك إِلَّا لما يرى من تنزل الرَّحْمَة وَتجَاوز الله تَعَالَى عَن الذُّنُوب الْكِبَار إِلَّا مَا رأى يَوْم بدر فَإِنَّهُ رأى جِبْرِيل يَزع الْمَلَائِكَة
الْبَاب الثَّالِث عشر بعد الْمِائَة فِي بَيَان طُلُوع قرن الشَّيْطَان من نجد
روى البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا من حَدِيث عبد الله بن عمر سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول وَهُوَ على الْمِنْبَر أَلا إِن الْفِتْنَة هُنَا يُشِير إِلَى الْمشرق من حَيْثُ يطلع قرن الشَّيْطَان وَفِي رِوَايَة قَالَ وَهُوَ مُسْتَقْبل
стр. 232
الْمشرق إِن الْفِتْنَة هَهُنَا ثَلَاثًا وَذكر نَحوه وَفِي أُخْرَى أَنه سمع رَسُول الله ﷺ مُسْتَقْبل الْمشرق يَقُول أَلا الْفِتْنَة هَهُنَا من حَيْثُ يطلع قرن الشَّيْطَان وَزَاد البُخَارِيّ فِي رِوَايَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ اللَّهُمَّ بَارك لنا فِي شامنا اللَّهُمَّ بَارك لنا فِي يمننا قَالُوا يَا رَسُول الله وَفِي نجدنا فأظنه قَالَ فِي الثَّالِثَة هُنَالك الزلازل والفتن وَمِنْهَا يطلع قرن الشَّيْطَان
فصل
ذكر أهل السّير أَن قُريْشًا لما بنت الْكَعْبَة اخْتلفت فِيمَن يضع الرُّكْن وَأَن رَسُول الله ﷺ هُوَ الَّذِي وَضعه بِيَدِهِ وَأَن إِبْلِيس تمثل فِي صُورَة شيخ نجدي حِين حكمُوا رَسُول الله ﷺ فِي أَمر الرُّكْن فصاح إِبْلِيس بِأَعْلَى صَوته يَا معشر قُرَيْش أقد رَضِيتُمْ أَن يضع هَذَا الرُّكْن وَهُوَ شرفكم غُلَام يَتِيم دون ذوى أسنتكم فكاد يثير شرا فِيمَا بَينهم ثمَّ سكنوا ذَلِك وَكَذَلِكَ لما اجْتمعت قُرَيْش للتشاور فِي أَمر النَّبِي ﷺ تمثل لَهُم إِبْلِيس أَيْضا فِي صُورَة شيخ جليل وانتسب إِلَى نجد فَأَما فِي الْكَعْبَة فتمثل نجديا لِأَن نجدا يطلع مِنْهَا قرن الشَّيْطَان كَمَا تقدم وَأما فِي وَقت التشاور فَذكر بعض أهل السّير أَن قُريْشًا لما اجْتمعت قَالَت لَا يدخلن مَعكُمْ فِي الْمُشَاورَة أحد من تهَامَة لِأَن هواهم مَعَ مُحَمَّد ﷺ فانضم انتسابه إِلَى نجد لينتفي من تهَامَة إِلَى كَون قرنه يطلع من نجد فتناسب المعنيان وَقد ورد فِي حَدِيث ابْن عمر أَن النَّبِي ﷺ حِين قَالَ هَذَا الْكَلَام وقف عِنْد بَاب عَائِشَة ﵂ وَنظر إِلَى الْمشرق يحذر من الْفِتْنَة قَالَ السُّهيْلي وَفِي وُقُوفه عِنْد بَاب عَائِشَة ﵂ نَاظرا إِلَى الْمشرق يحذر من الْفِتْنَة عِبْرَة وفكر فِي خُرُوجهَا إِلَى الْمشرق عِنْد وُقُوع الْفِتْنَة تفهم الْإِشَارَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى واضمم إِلَى هَذَا قَوْله ﷺ حِين ذكر نزُول الْفِتَن أيقظوا صَوَاحِب الْحجر وَالله أعلم
стр. 233
الْبَاب الرَّابِع عشر بعد الْمِائَة فِي بَيَان طُلُوع الشَّمْس بَين قَرْني الشَّيْطَان
روى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث عَمْرو بن عبسة قَالَ قلت يَا رَسُول الله أَي اللَّيْل أسمع قَالَ جَوف اللَّيْل الآخر فصل مَا شِئْت فَإِن الصَّلَاة مَشْهُودَة مَكْتُوبَة حَتَّى تصلي الصُّبْح ثمَّ أقصر حَتَّى تطلع الشَّمْس فترتفع قيد رمح أَو رُمْحَيْنِ فَإِنَّهَا تطلع بَين قَرْني شَيْطَان فَيصَلي لَهَا الْكفَّار ثمَّ صل مَا شِئْت فَإِن الصَّلَاة مَشْهُودَة مَكْتُوبَة حَتَّى يعدل الرمْح ظله ثمَّ أقصر فَإِن جَهَنَّم تسجر وتفتح أَبْوَابهَا فَإِذا زاغت الشَّمْس فصل مَا شِئْت فَإِن الصَّلَاة مَشْهُودَة مَكْتُوبَة حَتَّى تصلي الْعَصْر ثمَّ أقصر حَتَّى تغرب الشَّمْس فَإِنَّهَا تغرب بَين قَرْني شَيْطَان وَيُصلي لَهَا الْكفَّار
وروى مَالك عَن زيد بن أسلم عَن عَطاء بن يسَار عَن عبد الله الصنَابحِي أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن الشَّمْس تطلع وَمَعَهَا قرن الشَّيْطَان فَإِذا ارْتَفَعت فَارقهَا ثمَّ إِذا اسْتَوَت قارنها فَإِذا دنت للغروب قارنها وَنهى رَسُول الله ﷺ عَن الصَّلَاة فِي تِلْكَ الْأَوْقَات
قَالَ ابْن عبد الْبر تَابع يحيى على قَوْله فِي هَذَا الحَدِيث عَن عبد الله الصنَابحِي جُمْهُور الروَاة مِنْهُم العقبي وَغَيره وَقَالَ مطرف عَن مَالك عَن زيد بن أسلم عَن عَطاء بن يسَار عَن أبي عبد الله الصنَابحِي وَتَابعه إِسْحَاق بن عِيسَى الطباع وَهُوَ الصَّوَاب وَهُوَ أَبُو عبد الله الصنَابحِي واسْمه عبد الرَّحْمَن بن غسيلة وَهُوَ من كبار التَّابِعين وَلَا صُحْبَة لَهُ توفّي رَسُول الله ﷺ قبل قدومه الْمَدِينَة بِخمْس لَيَال وللعلماء فِي معنى الحَدِيث قَولَانِ
أَحدهمَا أَن ذَلِك اللَّفْظ على حَقِيقَته وَأَنَّهَا تغرب وتطلع على قرن شَيْطَان وعَلى رَأس شَيْطَان وَبَين قَرْني شَيْطَان على ظَاهر الحَدِيث حَقِيقَة لَا مجَازًا
стр. 234
من غير تكييف لِأَنَّهُ لَا يكيف مَا لَا يرى وَحجَّة من قَالَ هَذَا القَوْل حَدِيث عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ لَهُ أرايت مَا جَاءَ عَن النَّبِي ﷺ فِي أُميَّة بن أبي الصَّلْت آمن شعره وَكفر قلبه قَالَ هُوَ حق فَمَا أنكرتم من شعره قَالُوا أَنْكَرْنَا قَوْله ... وَالشَّمْس تطلع كل آخر لَيْلَة ... حَمْرَاء يصبح لَوْنهَا يتورد
لَيست بطالعة لَهُم فِي رسلها ... إِلَّا معذبة وَإِلَّا تجلد ...
فَمَا بَال الشَّمْس تجلد فَقَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا طلعت الشَّمْس قطّ حَتَّى ينخسها سَبْعُونَ ألف ملك وَيَقُولُونَ لَهَا اطلعِي اطلعِي فَتَقول لَا أطلع على قوم يعبدونني من دون الله فيأتيها ملك من الله يأمرها بالطلوع فيستقبل الضياء بني آدم فيأتيها شَيْطَان يُرِيد أَن يصدها عَن الطُّلُوع فَتَطلع بَين قرنيه فيحرقه الله تَعَالَى تحتهَا وَمَا غربت الشَّمْس قطّ إِلَّا خرت لله تَعَالَى سَاجِدَة فيأتيها شَيْطَان يُرِيد أَن يصدها عَن السُّجُود فتغرب بَين قرنيه فيحرقه الله تَعَالَى تحتهَا فَذَلِك قَول رَسُول الله ﷺ مَا طلعت إِلَّا بَين قَرْني شَيْطَان وَلَا غربت إِلَّا بَين قَرْني شَيْطَان
وَقَالَ آخَرُونَ معنى هَذَا الحَدِيث عندنَا على الْمجَاز واتساع الْكَلَام وَأَنه أُرِيد بقرن الشَّيْطَان هُنَا أمة تعبد الشَّمْس وتسجد لَهَا وَتصلي فِي حِين غُرُوبهَا وطلوعها تقصد بذلك الشَّمْس من دون الله وَكَانَ ﷺ يكره التَّشَبُّه بالكفار وَيجب مخالفتهم فَنهى عَن الصَّلَاة فِي هَذِه الْأَوْقَات لذَلِك وَهَذَا التَّأْوِيل جَائِز فِي لُغَة الْعَرَب مَعْرُوف فِي لسانها لِأَن الْأمة تسمى عِنْده قرنا والأمم قرونا وَقَالَ ﴿وَكم أهلكنا قبلهم من قرن﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وقرونا بَين ذَلِك كثيرا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَمَا بَال الْقُرُون الأولى﴾ وَقَالَ رَسُول الله ﷺ خير النَّاس قَرْني وَجَائِز أَن يُضَاف الْقرن إِلَى الشَّيْطَان لطاعتهم لَهُ وَقد سمى الله تَعَالَى الْكفَّار حزب الشَّيْطَان وَمن حجَّة من تَأَول هَذَا التَّأْوِيل من طَرِيق الْآثَار حَدِيث
стр. 235
عَمْرو بن عبسة السّلمِيّ الَّذِي قدمْنَاهُ وَحَدِيث أبي أُمَامَة عَن رَسُول الله ﷺ وَالله أعلم
الْبَاب الْخَامِس عشر بعد الْمِائَة فِي بَيَان مقْعد الشَّيْطَان
قَالَ أَبُو بكر الْخلال فِي كتاب الْأَدَب أخبرنَا أَحْمد بن مُحَمَّد ابْن عبد الله بن صَدَقَة حَدثنَا أَبُو الْقَاسِم الزُّهْرِيّ حَدثنَا عمي حَدثنَا شُعْبَة عَن مُغيرَة الْعَبْسِي الْأَعْمَى عَن الشّعبِيّ عَن عبد الله بن عَمْرو قَالَ قعُود الرجل بعضه فِي الشَّمْس وَبَعضه فِي الظل مقْعد الشَّيْطَان أخبرنَا أَحْمد حَدثنَا أَبُو الْقَاسِم حَدثنَا عمي حَدثنَا شُعْبَة عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ بِمثل ذَلِك أخبرنَا يحيى بن جعدة حَدثنَا عبد الْوَهَّاب حَدثنَا قُرَّة بن خَالِد عَن نفيع عَن سعيد بن الْمسيب أَنه كَانَ يَقُول مقيل الشَّيْطَان بَين الظل وَالشَّمْس أخبرنَا يحيى أَنبأَنَا عبد الْوَهَّاب أَنبأَنَا سعيد عَن قَتَادَة كَانَ يُقَال مقْعد الشَّيْطَان بَين الظل وَالشَّمْس وَيكرهُ الْقعُود فِيهِ أَخْبرنِي أَحْمد بن مُحَمَّد بن حَازِم أَن إِسْحَاق بن مَنْصُور حَدثهمْ أَنه قَالَ لِابْنِ عبد الله يكره أَن يجلس بَين الظل وَالشَّمْس قَالَ هَذَا مَكْرُوه أَلَيْسَ قد نهى عَن ذَلِك قَالَ إِسْحَاق ابْن مَنْصُور قَالَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه قد صَحَّ النَّهْي فِيهِ عَن النَّبِي ﷺ وَلَكِن لَو ابْتَدَأَ فَجَلَسَ فِيهِ كَانَ أَهْون
стр. 236
الْبَاب السَّادِس عشر بعد الْمِائَة فِي لُزُوم الشَّيْطَان القَاضِي الجائر
روى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عبد الله بن أبي أوفى قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الله مَعَ القَاضِي مَا لم يجر فَإِذا جَار تخلى عَنهُ وَلَزِمَه الشَّيْطَان
الْبَاب السَّابِع عشر بعد الْمِائَة فِي ادباره إِذا نُودي للصَّلَاة
فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا نُودي بِالصَّلَاةِ أدبر الشَّيْطَان لَهُ ضراط حَتَّى لَا يسمع المنادين حَتَّى إِذا قضى التثويب أقبل حَتَّى يخْطر بَين الْمَرْء وَنَفسه يَقُول اذكر كَذَا وَاذْكُر كَذَا مَا لم يكن يذكر قبل حَتَّى يظل الرجل مَا يدْرِي كم صلى وَفِي رِوَايَة أَن الشَّيْطَان إِذا سمع النداء بِالصَّلَاةِ أحَال لَهُ حَتَّى لَا يسمع صَوته فَإِذا أنْتَهى رَجَعَ فوسوس وَفِي أُخْرَى إِذا أذن الْمُؤَذّن أدبر الشَّيْطَان وَله حصاص قَالَ الْجَوْهَرِي الضراط الردام ضرط يضرط ضرطا مثل خبق يخبق خبقا وَرَأَيْت فِي الجمهرة ضبط ابْن خالويه خبقا بِسُكُون الْبَاء والحصاص بِالضَّمِّ شدَّة الْعَدو وسرعته عَن الْأَصْمَعِي وَقد حص يحص حصا قَالَ حَمَّاد بن سَلمَة قلت لعاصم بن أبي النجُود مَا الحصاص قَالَ مَا رَأَيْت الْحمار إِذا صر بأذنيه ومصغ بِذَنبِهِ وَعدا فَذَلِك حصاصه قَالَ أَبُو عبيد يُقَال هُوَ الضراط فِي قَول بَعضهم قَالَ وَقَول عَاصِم أحب إِلَى وَهُوَ قَول الْأَصْمَعِي أَو نَحوه وَالله أعلم
стр. 237
الْبَاب الثَّامِن عشر بعد الْمِائَة فِي مشْيَة الشَّيْطَان فِي نعل وَاحِدَة
قَالَ حَرْب حَدثنَا مُحَمَّد بن الْوَزير الدِّمَشْقِي حَدثنَا الْوَلِيد بن مُسلم حَدثنَا اللَّيْث بن سعد عَن جَعْفَر بن ربيعَة عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا يمشي أحدكُم فِي نعل وَاحِدَة فَإِن الشَّيْطَان يمشي فِي نعل وَاحِدَة قَالَ حَرْب وَسمعت أَحْمد يكره أَن يمشي الرجل فِي نعل وَاحِدَة كَرَاهِيَة وَاحِدَة قَالَ حَرْب حَدثنَا يحيى ابْن عبد الحميد حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش عَن أبي رزين عَن أبي هُرَيْرَة سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِذا انْقَطع شسع أحدكُم فَلَا يمش فِي الْأُخْرَى حَتَّى يصلحها
الْبَاب التَّاسِع عشر بعد الْمِائَة فِي اعتزاله ابْن آدم إِذا تَلا السَّجْدَة
إِذا تَلا ابْن آدم السَّجْدَة اعتزل الشَّيْطَان يبكي وَيَقُول يَا ويله أَمر ابْن آدم بِالسُّجُود فَسجدَ فَلهُ الْجنَّة وَأمرت بِالسُّجُود فأبيت فلي النَّار قَالَ ابْن أبي الدُّنْيَا حَدثنَا أَبُو مُسلم عبد الرَّحْمَن بن يُونُس حَدثنَا حَاتِم بن إِسْمَاعِيل عَن مُحَمَّد بن عجلَان عَن عبيد الله بن مقسم قَالَ إِذا لعنت الشَّيْطَان قَالَ لعنت ملعنا فَإِذا استعذت مِنْهُ يَقُول قطعت ظَهْري وَإِذا سجدت يَقُول يَا ويله أَمر ابْن آدم بِالسُّجُود فأطاع وَأمر الشَّيْطَان فعصى فلابن آدم الْجنَّة وللشيطان النَّار
стр. 238
الْبَاب الموفي عشْرين بعد الْمِائَة فِي أَن التثاؤب وَالنُّعَاس والعطاس فِي الصَّلَاة من الشَّيْطَان
فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث عبد الله بن زيد بن عَاصِم الْمَازِني قَالَ شكي إِلَى النَّبِي ﷺ الرجل يخيل إِلَيْهِ أَنه يجد الشَّيْء فِي الصَّلَاة قَالَ لَا ينْصَرف أحدكُم حَتَّى يسمع صَوتا أَو يجد ريحًا قَالَ أَو بكر قَالَ أَبُو بكر ابْن مُحَمَّد حَدثنَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن جرير عَن الْأَعْمَش عَن الْمنْهَال بن عَمْرو عَن قيس بن سكن قَالَ قَالَ عبد الله إِن الشَّيْطَان يطِيف بأحدكم فِي الصَّلَاة فَإِذا أعياه أَن ينْصَرف نفخ فِي دبره ليريه أَنه قد أحدث فَلَا ينصرفن حَتَّى يجد ريحًا أَو يسمع صَوتا
وَقَالَ إِسْحَاق حَدثنَا مُحَمَّد بن جَابر عَن حَمَّاد عَن إِبْرَاهِيم قَالَ قَالَ عبد الله إِن الشَّيْطَان يجْرِي من ابْن آدم فِي الْعُرُوق مجْرى الدَّم حَتَّى أَنه يَأْتِي أحدكُم وَهُوَ فِي الصَّلَاة فينفخ فِي دبره ويبل إحليله ثمَّ يَقُول أحدثت فَلَا ينصرفن أحدكُم حَتَّى يجدن ريحًا أَو يسمع صَوتا أَو يجد بللا وَقَالَ الطَّبَرَانِيّ فِي المعجم الْكَبِير حَدثنَا مُحَمَّد بن النَّضر حَدثنَا أَبُو غَسَّان النَّهْدِيّ حَدثنَا قيس بن الرّبيع عَن زر عَن عبد الله قَالَ النعاس عِنْد الْقِتَال امنة من الله تَعَالَى وَالنُّعَاس فِي الصَّلَاة من الشَّيْطَان ثمَّ سَاقه عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن عبد الرَّزَّاق عَن الثَّوْريّ عَن أبي زريرة عَن عبد الله حَدثنَا مُحَمَّد بن النَّضر الْأَزْدِيّ حَدثنَا مُعَاوِيَة بن عَمْرو أَنبأَنَا زَائِدَة عَن يزِيد بن أبي ظبْيَان عَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ التثاؤب والعطاس فِي الصَّلَاة من الشَّيْطَان
стр. 239
الْبَاب الْحَادِي وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَة فِي أَن العجلة من الشَّيْطَان
قَالَ ابْن السّني فِي كتاب الإيجاز حَدثنَا أَحْمد بن دَاوُد ابْن عبد الْغفار حَدثنَا أَبُو مُصعب الزُّهْرِيّ حَدثنَا عبد الْمُهَيْمِن بن الْعَبَّاس ابْن سهل عَن أَبِيه عَن جده ان رَسُول الله ﷺ قَالَ الأناة من الله والعجلة من الشَّيْطَان
الْبَاب الثَّانِي وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَة فِي أَن نهيق الْحمار عِنْد رُؤْيَة الشَّيْطَان
روى البُخَارِيّ وَمُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِذا سَمِعْتُمْ صياح الديكة فاسألوا الله من فَضله فَإِنَّهَا رَأَتْ ملكا وَإِذا سَمِعْتُمْ نهيق الْحمار فتعوذوا بِاللَّه من الشَّيْطَان فَإِنَّهُ رأى شَيْطَانا
الْبَاب الثَّالِث وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَة فِي تعرض الشَّيْطَان لأهل الْمَسْجِد
قَالَ أَحْمد فِي مُسْنده حَدثنَا أَبُو بكر الْحَنَفِيّ حَدثنَا الضَّحَّاك ابْن عُثْمَان عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن أحدكُم إِذا كَانَ فِي الْمَسْجِد جَاءَ الشَّيْطَان فأنس بِهِ كَمَا يأنس الرجل بدابته فَإِذا سكن لَهُ رنقه وألجمه قَالَ أَبُو هُرَيْرَة وانتم ترَوْنَ ذَلِك أما الْمرْفق فتراه مائلا كَذَا لَا يذكر الله وَأما الملجم ففاتح فَاه لَا يذكر الله تَعَالَى وَقَالَ أَحْمد حَدثنَا ابان حَدثنَا قَتَادَة عَن أنس أَن نَبِي الله ﷺ كَانَ يَقُول راصوا صفوفكم وقاربوا بَينهَا وحاذوا بَين الاعناق فوالذي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ إِنِّي لأرى الشَّيْطَان يدْخل من خلل الصَّفّ كَأَنَّهُ الْحَذف وروى ابْن السّني فِي كتاب عمل الْيَوْم وَاللَّيْلَة بِسَنَدِهِ عَن أبي امامة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن أحدكُم إِذا أَرَادَ أَن يخرج من الْمَسْجِد تداعت جنود إِبْلِيس واجتلبت كَمَا يجْتَمع النَّحْل على
стр. 240
بعسوبها فَإِذا قَامَ أحدكُم على بَاب الْمَسْجِد فَلْيقل اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من إِبْلِيس وَجُنُوده فَإِنَّهَا لن تضره اليعسوب ذكر النَّحْل وَقيل أميرها والحذف بِالتَّحْرِيكِ غنم سود صغَار من غنم الْحجاز الْوَاحِدَة حذفة وَفِي حَدِيث كَأَنَّهَا بَنَات حذف
الْبَاب الرَّابِع وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَة فِي تكبر إِبْلِيس عَن السُّجُود لآدَم ووسوسته لَهُ حَتَّى أكل من الشَّجَرَة
قَالَ ابْن جرير اخْتلف السّلف من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فِي السَّبَب الَّذِي سَوَّلت لَهُ نَفسه من أَجله الاستكبار فروى عَن ابْن عَبَّاس فِي ذَلِك أَقْوَال
أَحدهَا مَا رَوَاهُ الضَّحَّاك أَن إِبْلِيس لما قتل الْجِنّ الَّذين عصوا الله وأفسدوا فِي الأَرْض وشردهم أَعْجَبته نَفسه وَرَأى فِي نَفسه أَن لَهُ من الْفَضِيلَة مَا لَيْسَ لغيره
وَالْقَوْل الثَّانِي من الْأَقْوَال المروية عَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ ملك السَّمَاء وسائسها وسائس مَا بَينهَا وَبَين الأَرْض وخازن الْجنَّة مَعَ اجْتِهَاده فِي الْعِبَادَة فأعجب بِنَفسِهِ وَرَأى أَن لَهُ بذلك فضلا فاستكبر على ربه حَدثنَا مُوسَى بن هَارُون حَدثنَا عمر بن حَمَّاد حَدثنَا أَسْبَاط عَن السّديّ فِي خبر ذكره عَن أبي مَالك وَعَن أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس وَعَن مرّة الهمذاني عَن ابْن مَسْعُود عَن أنَاس من اصحاب رَسُول الله ﷺ لما فرغ الله من خلق مَا أحب اسْتَوَى على الْعَرْش فَجعل إِبْلِيس على ملك سَمَاء الدُّنْيَا وَكَانَ من قَبيلَة يُقَال لَهَا الْجِنّ وَإِنَّمَا سموا الْجِنّ لانهم خزان الْجنَّة وَكَانَ إِبْلِيس مَعَ ملكه خَازِنًا فَوَقع فِي صَدره كبر وَقَالَ مَا أَعْطَانِي الله تَعَالَى على هَذَا الْأَمر إِلَّا لمزية هَكَذَا حَدثنِي مُوسَى بن هَارُون وحد ثني بِهِ أَحْمد عَن خَيْثَمَة عَن عَمْرو بن حَمَّاد وَقَالَ لمزية لي على الْمَلَائِكَة فَلَمَّا وَقع ذَلِك الْكبر فِي نَفسه اطلع الله على ذَلِك مِنْهُ فَقَالَ الله للْمَلَائكَة ﴿إِنِّي جَاعل فِي الأَرْض خَليفَة﴾
стр. 241
وَالْقَوْل الثَّالِث من الْأَقْوَال عَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ يَقُول السَّبَب فِي ذَلِك أَنه كَانَ من بقايا خلق خلقهمْ الله فَأَمرهمْ الله بِأَمْر فَأَبَوا طَاعَته حَدثنِي مُحَمَّد بن سِنَان حَدثنَا أَبُو عَاصِم عَن شريك عَن رجل عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ إِن الله تَعَالَى خلق خلقا فَقَالَ ﴿اسجدوا لآدَم﴾ فَقَالُوا لَا نَفْعل فَبعث الله عَلَيْهِم نَارا تحرقهم ثمَّ خلق خلقا آخر فَقَالَ ﴿إِنِّي خَالق بشرا من طين﴾ فاسجدوا لآدَم قَالَ فَأَبَوا فَبعث الله تَعَالَى عَلَيْهِم نَارا فَأَحْرَقَتْهُمْ قَالَ ثمَّ خلق هَؤُلَاءِ فَقَالَ ﴿اسجدوا لآدَم﴾ قَالُوا نعم وَكَانَ إِبْلِيس من أُولَئِكَ الَّذين أوا أَن يسجدوا لآدَم قَالَ أَبُو الْفِدَاء اسماعيل ابْن كثير هَذَا غَرِيب وَلَا يكَاد يَصح إِسْنَاده فَإِن فِيهِ رجلا مُتَّهمًا وَمثله لَا يحْتَج بِهِ وَالله أعلم
وَقَالَ آخَرُونَ بل السَّبَب أَنه كَانَ من بقايا الْجِنّ الَّذين كَانُوا فِي الأَرْض فسفكوا الدِّمَاء فِيهَا وأفسدوا وعصوا رَبهم فقاتلتهم الْمَلَائِكَة حَدثنَا ابْن حميد حَدثنَا يحيى بن وَاضح حَدثنَا أَبُو سعيد اليحمدي إِسْمَاعِيل ابْن إِبْرَاهِيم حَدثنَا سوار بن أبي الْجَعْد عَن شهر بن حَوْشَب قَوْله كَانَ من الْجِنّ قَالَ كَانَ إِبْلِيس من الْجِنّ الَّذين طردتهم الْمَلَائِكَة فَأسرهُ بعض الْمَلَائِكَة فَذهب بِهِ إِلَى السَّمَاء حَدثنِي عَليّ بن الْحُسَيْن حَدثنَا أَبُو نصر أَحْمد ابْن مُحَمَّد الْخلال حَدثنَا سُهَيْل بن دَاوُد حَدثنَا هشيم أَنبأَنَا عبد الرَّحْمَن ابْن يحيى عَن مُوسَى بن نمير وَعُثْمَان بن سعيد عَن سعد بن مَسْعُود قَالَ كَانَت الْمَلَائِكَة تقَاتل الْجِنّ فسبي إِبْلِيس وَكَانَ صَغِيرا وَكَانَ مَعَ الْمَلَائِكَة فتعبد مَعهَا فَلَمَّا أمروا أَن يسجدوا لآدَم سجدوا وأبى إِبْلِيس فَلذَلِك قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِلَّا إِبْلِيس كَانَ من الْجِنّ﴾ قَالَ أَبُو جَعْفَر وَأولى الْأَقْوَال فِي ذَلِك بِالصَّوَابِ أَن يُقَال كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِذ قُلْنَا للْمَلَائكَة اسجدوا لآدَم فسجدوا إِلَّا إِبْلِيس كَانَ من الْجِنّ﴾ ففسق عَن أَمر ربه وَجَائِز أَن يكون فسوقه عَن أَمر ربه كَانَ من أجل أَنه كَانَ من الْجِنّ وَجَائِز أَن يكون من أجل إعجابه بِنَفسِهِ لشدَّة اجْتِهَاده فِي عبَادَة ربه وَكَثْرَة علمه وَمَا كَانَ أُوتِيَ من ملك سَمَاء الدُّنْيَا وَالْأَرْض وخزن الْجنان وَجَائِز أَن يكون كَانَ ذَلِك لأمر من الْأُمُور وَلَا يدْرك علم ذَلِك إِلَّا بِخَبَر تقوم بِهِ الْحجَّة وَلَا خبر بذلك عندنَا وَالِاخْتِلَاف فِي أمره مَا حكيناه ورويناه
стр. 242
وَقد قيل إِن سَبَب هَلَاكه كَانَ من أجل أَن الأَرْض كَانَ فِيهَا من قبل آدم الْجِنّ فَبعث الله تَعَالَى إِبْلِيس قَاضِيا يقْضِي بَينهم فَلم يزل يقْضِي بَينهم بِالْحَقِّ ألف سنة حَتَّى سمي حكما وَسَماهُ الله بِهِ وَأوحى إِلَيْهِ اسْمه فَعِنْدَ ذَلِك دخله الْكبر فتعظم وتكبر وَألقى بَين الَّذين كَانَ الله بَعثه اليهم حكما الْبَأْس والعداوة والبغضاء فَاقْتَتلُوا عِنْد ذَلِك فِي الأَرْض ألفي سنة فِيمَا زَعَمُوا حَتَّى أَن خيولهم تخوض فِي دِمَائِهِمْ قَالُوا فَذَلِك قَول الله ﴿أفعيينا بالخلق الأول بل هم فِي لبس من خلق جَدِيد﴾ وَقَول الْمَلَائِكَة ﴿أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا ويسفك الدِّمَاء﴾ فَبعث الله تَعَالَى عِنْد ذَلِك نَارا فَأَحْرَقَتْهُمْ قَالُوا فَلَمَّا رأى إِبْلِيس مَا نزل بقَوْمه من الْعَذَاب عرج إِلَى السَّمَاء فَأَقَامَ عِنْد الْمَلَائِكَة يعبد الله تَعَالَى فِي السَّمَاء مُجْتَهدا لم يعبده شَيْء من خلقه مثل عِبَادَته فَلم يزل مُجْتَهدا فِي الْعِبَادَة حَتَّى خلق الله تَعَالَى آدم فَكَانَ من أمره ومعصيته ربه مَا كَانَ فَلَمَّا أَرَادَ الله تَعَالَى إطلاع الْمَلَائِكَة على مَا قد علم من انطواء إِبْلِيس على الْكبر وَإِظْهَار أمره لَهُم حِين دنا أمره للبوار وَملكه وسلطانه للزوال قَالَ ﴿إِنِّي جَاعل فِي الأَرْض خَليفَة﴾ فَأَجَابُوهُ ﴿أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا ويسفك الدِّمَاء﴾
روى عَن ابْن عَبَّاس أَن الْمَلَائِكَة قَالَت ذَلِك لما كَانُوا عهدوا من أَمر إِبْلِيس وَأمر الْجِنّ الَّذين كَانُوا فِيهَا فَكَانُوا يسفكون الدِّمَاء فِيهَا ويفسدون فِي الأَرْض ويعصونك ﴿وَنحن نُسَبِّح بحَمْدك ونقدس لَك﴾ فَقَالَ ﴿إِنِّي أعلم مَا لَا تعلمُونَ﴾ من انطواء إِبْلِيس على التكبر وعزمه على خلاف أَمْرِي وتسويل نَفسه لَهُ بِالْبَاطِلِ واعتزازه وَأَنا مبد ذَلِك لكم لتروا ذَلِك مِنْهُ عيَانًا
حَدثنَا مُوسَى بن هَارُون بِسَنَدِهِ عَن ابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود وأناس من اصحاب رَسُول الله ﷺ لما قَالَت الْمَلَائِكَة مَا قَالَت وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنِّي أعلم مَا لَا تعلمُونَ﴾ يَعْنِي من شَأْن إِبْلِيس فَبعث الله جِبْرِيل ﵊ إِلَى الأَرْض ليَأْتِيه بطين مِنْهَا فَقَالَت الأَرْض إِنِّي أعوذ بِاللَّه مِنْك أَن تقبض مني أَو تشينني فَرجع فَلم يَأْخُذ مِنْهَا شَيْئا وَقَالَ يَا رب إِنَّهَا عاذت فأعذتها فَبعث الله تَعَالَى مِيكَائِيل فعاذت مِنْهُ فأعاذها فَرجع فَقَالَ كَمَا قَالَ جِبْرِيل ﵊ فَبعث اليها ملك الْمَوْت فعاذت مِنْهُ فَقَالَ وَأَعُوذ بِاللَّه أَن أرجع وَلم أنفذ أمره فَأخذ من وَجه الأَرْض
стр. 243
وخلط فَلم يَأْخُذ من مَكَان وَاحِد وَأخذ من تربة حَمْرَاء وبيضاء وسوداء وَلذَلِك خرج بَنو آدم مُخْتَلفين فَصَعدَ بِهِ قبل التُّرَاب حَتَّى عَاد طينا لازبا واللازب الَّذِي يلتزق بعضه بِبَعْض ثمَّ ترك حَتَّى تغير وأنتن وَذَلِكَ حِين يَقُول حمأ مسنون قَالَ منتن
حَدثنَا ابْن حميد حَدثنَا يَعْقُوب الْعمي عَن جَعْفَر بن أبي الْمُغيرَة عَن سعيد ابْن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس قَالَ بعث رب الْعِزَّة إِبْلِيس فَأخذ من آديم الأَرْض من عذبها وملحها فخلق مِنْهُ آدم وَمن ثمَّ سمي آدم لِأَنَّهُ خلق من أَدِيم الأَرْض وَمن ثمَّ قَالَ إِبْلِيس ﴿أأسجد لمن خلقت طينا﴾ أَي هَذِه الطينة أَنا جِئْت بهَا حَدثنَا أَبُو كريب حَدثنَا عُثْمَان بن سعيد حَدثنَا بشر بن عمَارَة عَن أبي روق عَن الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس قَالَ أَمر الله تَعَالَى بتربة آدم فَرفعت فخلق آدم من طين لازب من حمأ مسنون قَالَ وَإِنَّمَا كَانَ مسنونا بعد التُّرَاب قَالَ فخلق مِنْهُ آدم بِيَدِهِ فَمَكثَ أَرْبَعِينَ لَيْلَة جسدا ملقى فَكَانَ إِبْلِيس يَأْتِيهِ فيضربه بِرجلِهِ فيصلصل أَي يصوت قَالَ فَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿من صلصال كالفخار﴾ يَقُول كالشيء المنفرج الَّذِي لَيْسَ بمصمت قَالَ ثمَّ يدْخل من فِيهِ وَيخرج من دبره وَيدخل من دبره وَيخرج من فِيهِ ثمَّ يَقُول لست شَيْئا للصلصلة ولشيء مَا خلقت وَلَئِن سلطت عَلَيْك لأهلكتك وَلَئِن سلطت على لأعصينك
حَدثنَا مُوسَى بِسَنَدِهِ عَن ابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود وأناس من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ قَالَ الله تَعَالَى للْمَلَائكَة ﴿إِنِّي خَالق بشرا من طين فَإِذا سويته ونفخت فِيهِ من روحي فقعوا لَهُ ساجدين﴾ فخلقه تَعَالَى بِيَدِهِ لكيلا يتكبر إِبْلِيس عَنهُ ليقول أتتكبر عَمَّا عملت بيَدي وَلم أتكبر أَنا عَنهُ فخلقته بشرا فَكَانَ جسدا من طين أَرْبَعِينَ سنة من مِقْدَار يَوْم الْجُمُعَة فمرت بِهِ الْمَلَائِكَة ففزعوا مِنْهُ لما رَأَوْهُ وَكَانَ أَشَّدهم مِنْهُ فَزعًا إِبْلِيس فَكَانَ يمر بِهِ فيصوت الْجَسَد كَمَا يصوت الفخار يكون لَهُ صلصلة فَذَلِك حِين يَقُول ﴿من صلصال كالفخار﴾ وَيَقُول لأمر مَا خلقت وَدخل فِيهِ وَخرج
стр. 244
من دبره فَقَالَ للْمَلَائكَة لَا ترهبوا من هَذَا فَإِن ربكُم صَمد وَهَذَا أجوف وَلَئِن سلطت عَلَيْهِ لأهلكنه
حَدثنَا مُوسَى بن هَارُون بِسَنَدِهِ قَالُوا فَلَمَّا بلغ آدم الْحِين الَّذِي يُرِيد الله أَن ينْفخ فِيهِ الرّوح قَالَ للْمَلَائكَة إِذا نفخت فِيهِ من روحي فاسجدوا لَهُ فَلَمَّا نفخ فِيهِ الرّوح فَدخل الرّوح فِي رَأسه عطس فَقَالَت الْمَلَائِكَة قل الْحَمد لله فَقَالَ الْحَمد لله فَقَالَ الله يَرْحَمك رَبك يَا آدم فَلَمَّا دخل الرّوح فِي عَيْنَيْهِ نظر إِلَى ثمار الْجنَّة فَلَمَّا دخل إِلَى جَوْفه اشْتهى الطَّعَام فَوَثَبَ قبل أَن يبلغ الرّوح رجلَيْهِ عجلَان إِلَى ثمار الْجنَّة فَذَلِك حِين يَقُول ﴿خلق الْإِنْسَان من عجل﴾ فَسجدَ الْمَلَائِكَة كلهم أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيس أَبى واستكبر وَكَانَ من الْكَافرين قَالَ الله تَعَالَى ﴿مَا مَنعك أَلا تسْجد إِذْ أَمرتك﴾ قَالَ ﴿أَنا خير مِنْهُ﴾ لم أكن لأسجد لبشر خلقته من طين قَالَ الله لَهُ ﴿اخْرُج مِنْهَا﴾ فَمَا يكون لَك أَن تتكبر فِيهَا يَعْنِي فَمَا يَنْبَغِي لَك أَن تتكبر فِيهَا ﴿فَاخْرُج إِنَّك من الصاغرين﴾
ولبعض هَذَا السِّيَاق وَمَا قبله من حَدِيث السّديّ شَاهد من الْأَحَادِيث وَإِن كَانَ كثير مِنْهُ متلقى من الْإسْرَائِيلِيات وَقَوله تَعَالَى لإبليس اهبط مِنْهَا فَمَا يكون لَك أَن تتكبر فِيهَا وَقَوله ﴿اخْرُج مِنْهَا﴾ دَلِيل على أَنه كَانَ فِي السَّمَاء فَأمر بالهبوط مِنْهَا وَالْخُرُوج من الْمنزلَة والمكانة الَّتِي كَانَ نالها بِعِبَادَتِهِ وتشبهه بِالْمَلَائِكَةِ ثمَّ سلب ذَلِك فاهبط إِلَى الأَرْض مذموما مَدْحُورًا
قَالَ ابْن جرير حَدثنَا كريب حَدثنَا عُثْمَان بن سعيد حَدثنَا بشر ابْن عمَارَة عَن أبي روق عَن الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس قَالَ فَلَمَّا نفخ الله تَعَالَى فِيهِ يَعْنِي فِي آدم من روحه أَتَت النفخة من قبل رَأسه فَجعل لَا يجْرِي شَيْء مِنْهَا فِي جسده إِلَّا صَار لَحْمًا فَلَمَّا انْتَهَت النفخة إِلَى سرته نظر إِلَى جسده فأعجبه مَا رأى من حسنه فَذهب لينهض فَلم يقدر فَهُوَ قَول الله تَعَالَى ﴿خلق الْإِنْسَان من عجل﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَكَانَ الْإِنْسَان عجولا﴾ قَالَ ضجرا لَا صَبر لَهُ على سراء وَلَا ضراء قَالَ فَلَمَّا نمت النفخة فِي جسده عطس
стр. 245
فَقَالَ الْحَمد لله رب الْعَالمين بإلهام الله لَهُ فَقَالَ الله تَعَالَى لَهُ يَرْحَمك الله تَعَالَى يَا آدم قَالَ ثمَّ قَالَ للْمَلَائكَة الَّذين كَانُوا من إِبْلِيس خَاصَّة دون الْمَلَائِكَة الَّذين فِي السَّمَوَات ﴿اسجدوا لآدَم فسجدوا إِلَّا إِبْلِيس أَبى واستكبر﴾ لما كَانَ حدث بِهِ نَفسه من كبره واغتراره فَقَالَ لَا أَسجد لَهُ وَأَنا خير مِنْهُ وأكبر سنا وَأقوى خلقا ﴿خلقتني من نَار وخلقته من طين﴾ يَقُول إِن النَّار أقوى من الطين قَالَ فَلَمَّا أَبى إِبْلِيس أَن يسْجد أبلسه الله أَي أيأسه من الْخَيْر كُله وَجعله شَيْطَانا رجيما عُقُوبَة لمعصيته وَهَذَا الَّذِي ذكره ابْن جرير فِيهِ انْقِطَاع وَفِي السِّيَاق نَكَارَة وَقد رَجحه بعض الْمُتَأَخِّرين وَالْجُمْهُور على أَن المُرَاد بِالْمَلَائِكَةِ المأمورين بِالسُّجُود جَمِيع الْمَلَائِكَة لَا الْمَلَائِكَة الَّذين كَانُوا فِي الأَرْض مَعَ إِبْلِيس وَهُوَ الَّذِي دلّ عَلَيْهِ عُمُوم الْآيَات وَهُوَ الَّذِي يظْهر من السياقات وَيدل عَلَيْهِ الحَدِيث وَقَوله وأسجد لَك مَلَائكَته وَهَذَا عُمُوم أَيْضا
قَالَ ابْن جرير حَدثنَا ابْن حميد حَدثنَا سَلمَة عَن مُحَمَّد بن اسحاق قَالَ فَيُقَال وَالله اعْلَم أَنه لما انْتهى الرّوح إِلَى رَأسه عطس فَقَالَ الْحَمد لله فَقَالَ لَهُ ربه يَرْحَمك رَبك وَوَقع الْمَلَائِكَة حِين اسْتَوَى سجودا لَهُ حفظا لعهد الله الَّذِي عهد اليهم وَطَاعَة لأَمره الَّذِي أَمرهم بِهِ وَقَامَ عَدو الله إِبْلِيس فَلم يسْجد متكبرا متعظما بغيا وحسدا فَقَالَ لَهُ يَا إِبْلِيس ﴿مَا مَنعك أَن تسْجد لما خلقت بيَدي﴾ إِلَى قَوْله ﴿لأملأن جَهَنَّم مِنْك وَمِمَّنْ تبعك مِنْهُم أَجْمَعِينَ﴾ قَالَ فَلَمَّا فرغ الله تَعَالَى من إِبْلِيس ومعاتبته وأبى إِلَّا الْمعْصِيَة أوقع عَلَيْهِ اللَّعْنَة وَأخرجه من الْجنَّة قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَاخْرُج مِنْهَا فَإنَّك رجيم وَإِن عَلَيْك لَعْنَتِي إِلَى يَوْم الدّين﴾ اسْتحق هَذَا من الله تَعَالَى لِأَنَّهُ استلزم تنقصة لآدَم وازدراءه بِهِ وترفعه عَلَيْهِ مُخَالفَة الْأَمر الإلهي ومعاندة الْحق فِي النَّص على آدم على التَّعْيِين وَشرع فِي الِاعْتِذَار بِمَا لَا يجدي عَنهُ شَيْئا فَكَانَ اعتذاره أَشد من ذَنبه كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الْإِسْرَاء ﴿وَإِذ قُلْنَا للْمَلَائكَة اسجدوا لآدَم﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَكفى بِرَبِّك وَكيلا﴾ قَالَ ابْن جرير حَدثنَا مُوسَى بن هَارُون بِسَنَدِهِ عَن ابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود وَعَن أنَاس من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ قَالَ لما خرج إِبْلِيس من الْجنَّة حِين لعن
стр. 246
وأسكن آدم الْجنَّة فَكَانَ يمشي فِيهَا وحشيا لَيْسَ لَهُ زوج يسكن إِلَيْهَا فَنَامَ نومَة فَاسْتَيْقَظَ فَإِذا عِنْد رَأسه امْرَأَة قَاعِدَة خلقهَا الله تَعَالَى من ضلعه فَسَأَلَهَا مَا انت فَقَالَت امْرَأَة قَالَ وَلم خلقت قَالَت لتسكن إليى قَالَت لَهُ الْمَلَائِكَة ينظرُونَ مَا مبلغ علمه مَا اسْمهَا قَالَ حَوَّاء قَالُوا لم سميت حَوَّاء قَالَ لِأَنَّهَا خلقت من شَيْء حَيّ قَالَ الله ﴿يَا آدم اسكن أَنْت وزوجك الْجنَّة وكلا مِنْهَا رغدا حَيْثُ شئتما﴾
وَهَذَا الَّذِي سَاقه ابْن جرير من حَدِيث مُوسَى بن هَارُون منتزع من نَص التَّوْرَاة الَّتِي بأيدي أهل الْكتاب وَسِيَاق الْآيَات وظاهرها يقتضى أَن خلق حَوَّاء كَانَ قبل دُخُول آدم ﵇ إِلَى الْجنَّة كَقَوْلِه ﴿يَا آدم اسكن أَنْت وزوجك الْجنَّة﴾ وَهَذَا قد صرح بِهِ ابْن اسحاق وَذكر ابْن اسحاق عَن ابْن عَبَّاس ان حَوَّاء خلقت من ضلعه الأقصر وَهُوَ نَائِم ولثم مَكَانَهُ لحم ومصداق هَذَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّاس اتَّقوا ربكُم الَّذِي خَلقكُم من نفس وَاحِدَة وَخلق مِنْهَا زَوجهَا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي خَلقكُم من نفس وَاحِدَة وَجعل مِنْهَا زَوجهَا ليسكن إِلَيْهَا﴾ قَالَ ابْن جرير لما أسكن الله تَعَالَى آدم وزوجه جنته أطلق الله لَهما تبَارك اسْمه أَن يأكلا كل مَا شَاءَ أكله من كل مَا فِيهَا من ثمارها غير ثَمَرَة شَجَرَة وَاحِدَة ابتلاء مِنْهُ لَهما بذلك وليمضي قَضَاء الله فيهمَا وَفِي ذريتهما كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَيَا آدم اسكن أَنْت وزوجك الْجنَّة فكلا من حَيْثُ شئتما وَلَا تقربا هَذِه الشَّجَرَة فتكونا من الظَّالِمين فوسوس لَهما الشَّيْطَان ليبدي لَهما مَا ووري عَنْهُمَا﴾ أكل مَا نهاهما رَبهَا عَن أكله من ثَمَر تِلْكَ الشَّجَرَة وَحسن لَهما حَتَّى أكلا مِنْهَا فَبَدَا لَهما من سوآتهما مَا كَانَ توارى عَنْهُمَا مِنْهَا وَكَانَ وُصُول عَدو الله إِبْلِيس إِلَى تَزْيِين ذَلِك مَا ذكر فِي الْخَبَر الَّذِي حَدثنِي مُوسَى بن هَارُون حَدثنَا عَمْرو بن حَمَّاد حَدثنَا اسباط عَن السّديّ فِي خبر ذكره عَن ابي مَالك وَعَن أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس وَعَن مرّة الْهَمدَانِي عَن ابْن مَسْعُود وَعَن اناس من اصحاب رَسُول الله ﷺ قَالَ لما قَالَ الله تَعَالَى لآدَم ﴿اسكن أَنْت وزوجك الْجنَّة وكلا مِنْهَا رغدا حَيْثُ شئتما وَلَا تقربا هَذِه الشَّجَرَة فتكونا من الظَّالِمين﴾
стр. 247
أَرَادَ إِبْلِيس أَن يدْخل عَلَيْهِمَا الْجنَّة فمنعته الخزنة فَأتى الْحَيَّة هِيَ دَابَّة لَهَا أَربع قَوَائِم كَأَنَّهَا الْبَعِير وَهِي كأحسن الدَّوَابّ فكلمها أَن تدخله فِي فمها حَتَّى يدْخل إِلَى آدم فأدخلته فِي فمها فمرت الْحَيَّة على الخزنة فَدخلت وهم لَا يعلمُونَ مَا أَرَادَ الله تَعَالَى من الامر فَكَلمهُ من فمها فَلم ينل كَلَامه فَخرج إِلَيْهِ فَقَالَ ﴿يَا آدم هَل أدلك على شَجَرَة الْخلد وَملك لَا يبْلى﴾ يَقُول هَل أدلك على شَجَرَة إِذا أكلت مِنْهَا كنت ملكا وَتَكون من الخالدين فَلَا تَمُوت أبدا وَحلف لَهما بِاللَّه ﴿إِنِّي لَكمَا لمن الناصحين﴾ وَإِنَّمَا أَرَادَ بذلك ليبدي لَهما مَا توارى عَنْهُمَا من سوآتهما يهتك لباسهما وَكَانَ قد علم أَن لَهما سوآت لما كَانَ يقْرَأ من كتاب الْمَلَائِكَة وَلم يكن آدم يعلم ذَلِك وَكَانَ لباسهما الظفر فَأبى آدم أَن يَأْكُل مِنْهَا فتقدمت حَوَّاء فَأكلت مِنْهَا ثمَّ قَالَت يَا آدم كل فَإِنِّي قد أكلت فَلم يضرني فَلَمَّا أكل آدم بَدَت لَهما سوآتهما فطفقا يخصفان عَلَيْهِمَا من ورق الْجنَّة طفقا أَقبلَا أَي جعلا يلصقان عَلَيْهِمَا من ورق التِّين حَدثنَا ابْن حميد حَدثنَا سَلمَة عَن ابْن اسحاق عَن لَيْث بن أبي سليم عَن طَاوس الْيَمَانِيّ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ إِن عَدو الله إِبْلِيس عرضه نَفسه على دَوَاب الارض أَيهَا يحملهُ حَتَّى يدْخل بِهِ مَعَه حَتَّى يكلم آدم وَزَوجته فَكل الدَّوَابّ أَبى ذَلِك عَلَيْهِ حَتَّى كلم الْحَيَّة فَقَالَ لَهَا امنعك من بني آدم فَأَنت فِي ذِمَّتِي إِن أَنْت أدخلتني الْجنَّة فَجَعَلته بَين نابين من أنيابها ثمَّ دخلت بِهِ فكلمهما من فِيهَا وَكَانَت كاسية تمشي على أَربع قَوَائِم فأعراها الله تَعَالَى وَجعلهَا تمشي على بَطنهَا قَالَ يَقُول ابْن عَبَّاس اقتلوها حَيْثُ وجدتموها اخفروا ذمَّة عَدو الله تَعَالَى فِيهَا قَالَ ابْن جرير حدثت عَن عمار بن الْحسن حَدثنَا عبد الله بن أبي جَعْفَر عَن أَبِيه عَن الرّبيع قَالَ حَدثنِي مُحدث أَن الشَّيْطَان دخل الْجنَّة فِي صُورَة دَابَّة ذَات قَوَائِم فَكَانَ يرى أَنه الْبَعِير قَالَ فلعن فَسَقَطت قوائمه فَصَارَ حَيَّة قَالَ الرّبيع وحَدثني أَبُو الْعَالِيَة أَن من الْإِبِل مَا كَانَ وَلها من الْجِنّ
حَدثنَا ابْن حميد حَدثنَا سَلمَة حَدثنَا مُحَمَّد بن اسحاق عَن بعض أهل الْعلم أَن آدم حِين دخل الْجنَّة وَرَأى مَا فِيهَا من الْكَرَامَة وَمَا اعطاه الله مِنْهَا قَالَ لَو أَن لي خلدا فِيهَا فاغتنم مِنْهُ إِبْلِيس لما سَمعهَا مِنْهُ فَأَتَاهُ من قبل الْخلد
стр. 248
قَالَ ابْن اسحاق حدثت أَن أول مَا ابتدأهما بِهِ من كَيده إيَّاهُمَا أَنه ناح عَلَيْهِمَا نياحة حزنتهما حِين سمعاها فَقَالَا لَهُ مَا يبكيك قَالَ أبْكِي عَلَيْكُمَا تموتان فتفارقان مَا أَنْتُمَا فِيهِ من النِّعْمَة والكرامة فَوَقع ذَلِك فِي أَنفسهمَا ثمَّ أتاهما فوسوس إِلَيْهِمَا فَقَالَ ﴿يَا آدم هَل أدلك على شَجَرَة الْخلد وَملك لَا يبْلى﴾ ﴿وَقَالَ مَا نهاكما رَبكُمَا عَن هَذِه الشَّجَرَة إِلَّا أَن تَكُونَا ملكَيْنِ أَو تَكُونَا من الخالدين وقاسمهما إِنِّي لَكمَا لمن الناصحين﴾ أَي تَكُونَا ملكَيْنِ أَو تخلدان إِن لم تَكُونَا ملكَيْنِ فِي نعْمَة الْجنَّة فَلَا تموتان قَالَ الله تَعَالَى ﴿فدلاهما بغرور﴾ قا ل ابْن جرير حَدثنِي يُونُس أَنبأَنَا ابْن وهب قَالَ قَالَ أَبُو زيد وسوس الشَّيْطَان إِلَى حَوَّاء فِي شَجَرَة حَتَّى أَتَى بهَا إِلَيْهَا ثمَّ حسنها فِي عينهَا ثمَّ حسنها فِي عين آدم قَالَ فَدَعَاهَا آدم لحَاجَة قَالَت لَا إِلَّا أَن تَأتي هَهُنَا فَلَمَّا أَتَى قَالَت لَا إِلَّا أَن تَأْكُل من هَذِه الشَّجَرَة فَأكل مِنْهَا فبدت لَهما سوآتهما قَالَ وَذهب آدم هَارِبا فِي الْجنَّة فناداه ربه يَا آدم مني تَفِر قَالَ لَا يَا رب وَلَكِن حَيَاء مِنْك قَالَ يَا آدم أَنِّي أتيت قَالَ من قبل حَوَّاء يَا رب فَقَالَ تَعَالَى فَإِن لَهَا على أَن أدميها فِي كل شهر مرّة وَأَن أجعلها سَفِيهَة فقد كنت خلقتها حليمة وَأَن أجعلها تحمل كرها وتضع كرها فقد كنت جَعلتهَا تحمل يسرا وتضع يسرا قَالَ أَبُو زيد وَلَوْلَا البلية الَّتِي أَصَابَت حَوَّاء لَكَانَ نسَاء الدُّنْيَا لَا يحضن وَكن حليمات وَكن يحملن يسرا ويضعن يسرا فَلَمَّا أكل آدم وحواء من الشَّجَرَة أخرجهُمَا الله من الْجنَّة وسلبهما كل ماكانا فِيهِ من النِّعْمَة والكرامة وأهبطهما وعدويهما إِبْلِيس والحية فَقَالَ تَعَالَى ﴿اهبطوا بَعْضكُم لبَعض عَدو﴾ وَهَذَا قَول ابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود فِي آخَرين من الصَّحَابَة وَغَيرهم من التَّابِعين فِي قَوْله تَعَالَى ﴿اهبطوا بَعْضكُم لبَعض عَدو﴾ لآدَم وحواء وإبليس والحية قَالَ ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وأناس من اصحاب رَسُول الله ﷺ فلعن الْحَيَّة وَقطع قَوَائِمهَا وَتركهَا تمشي على بَطنهَا وَجعل رزقها فِي التُّرَاب
стр. 249
الِاخْتِلَاف على جنَّة آدم
فصل اخْتلف الْمُفَسِّرُونَ فِي الْجنَّة الَّتِي ادخلها آدم هَل هِيَ فِي السَّمَاء أَو فِي الأَرْض وَإِذا كَانَت فِي السَّمَاء هَل هِيَ جنَّة الْخلد أَو جنَّة أُخْرَى فالجمهور على أَنَّهَا هِيَ الَّتِي فِي السَّمَاء وَهِي جنَّة المأوى لظَاهِر الْآيَات وَالْأَحَادِيث كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَقُلْنَا يَا آدم اسكن أَنْت وزوجك الْجنَّة﴾ وَالْألف وَاللَّام لَيست للْعُمُوم وَلَا لمعهود لَفْظِي وَإِنَّمَا تعود على مَعْهُود ذهني وَهُوَ المستقر شرعا من جنَّة المأوى وكقول مُوسَى لآدَم عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام اخرجتنا ونفسك من الْجنَّة وروى مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي مَالك الْأَشْجَعِيّ واسْمه سعد بن طَارق عَن أبي حَازِم سَلمَة بن دِينَار عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يجمع الله النَّاس فَيقوم الْمُؤْمِنُونَ حِين تزلف لَهُم الْجنَّة فَيَأْتُونَ آدم فَيَقُولُونَ يَا أَبَانَا استفتح لنا الْجنَّة فَيَقُول وَهل اخرجكم من الْجنَّة إِلَّا خَطِيئَة أبيكم وَرَوَاهُ مُسلم أَيْضا من حَدِيث أبي مَالك عَن ربعي عَن حُذَيْفَة وَهَذَا فِيهِ قُوَّة جَيِّدَة ظَاهِرَة فِي الدّلَالَة على أَنَّهَا جنَّة المأوى وَقَالَ آخَرُونَ بل الْجنَّة الَّتِي أسكنها آدم لم تكن جنَّة الْخلد لِأَنَّهُ كلف فِيهَا أَن لَا يَأْكُل من تِلْكَ الشَّجَرَة وَلِأَنَّهُ نَام فِيهَا وَأخرج مِنْهَا وَدخل عَلَيْهِ إِبْلِيس فِيهَا وَهَذَا مِمَّا يُنَافِي أَن تكون جنَّة المأوى وَهَذَا القَوْل محكي عَن أبي بن كَعْب وَعبد الله بن عَبَّاس ووهب ابْن مُنَبّه وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَاخْتَارَهُ ابْن قُتَيْبَة فِي المعارف وَالْقَاضِي مُنْذر ابْن سعيد البلوطي فِي تَفْسِيره وَحَكَاهُ عَن أبي حنيفَة الإِمَام وَأَصْحَابه وَنَقله أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عمر الرَّازِيّ عَن أبي الْقَاسِم وَأبي مُسلم الْأَصْبَهَانِيّ وَنَقله الْقُرْطُبِيّ فِي تَفْسِيره عَن الْمُعْتَزلَة والقدرية وَحكى الْخلاف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة أَبُو مُحَمَّد بن حزم فِي الْملَل والنحل وَأَبُو مُحَمَّد بن عَطِيَّة فِي تَفْسِيره وَأَبُو عِيسَى الرماني فِي تَفْسِيره وَحكى عَن الْجُمْهُور الأول وَأَبُو الْقَاسِم الرَّاغِب وَالْقَاضِي الْمَاوَرْدِيّ فِي تَفْسِيره فَقَالَ وَاخْتلف فِي الْجنَّة الَّتِي أسكنها يَعْنِي آدم وحواء على قَوْلَيْنِ أَحدهمَا إِنَّهَا جنَّة الْخلد وَالثَّانِي أَنَّهَا جنَّة أعدهَا الله تَعَالَى لَهما وَجعلهَا دَار ابتلاء وَلَيْسَت جنَّة الْخلد الَّتِي جعلهَا
стр. 250
دَار جَزَاء وَمن قَالَ بِهَذَا القَوْل اخْتلفُوا على قَوْلَيْنِ أَحدهمَا إِنَّهَا فِي السَّمَاء لِأَنَّهُ أهبطهما مِنْهَا وَهَذَا قَول الْحسن وَالثَّانِي أَنَّهَا فِي الأَرْض لِأَنَّهُ امتحنهما فِيهَا بِالنَّهْي عَن الشَّجَرَة الَّتِي نهيا عَنْهَا دون غَيرهَا من الثِّمَار وَهَذَا قَول ابْن يحيى وَكَانَ ذَلِك بعد أَمر إِبْلِيس بِالسُّجُود لآدَم وَالله أعلم بصواب ذَلِك هَذَا كَلَامه فقد تضمن كَلَامه حِكَايَة ثَلَاثَة أَقْوَال وَكَلَامه مشْعر بِالْوُقُوفِ وَلِهَذَا حكى الرَّازِيّ فِي تَفْسِيره أَرْبَعَة أَقْوَال وَجعل الْوَقْف هُوَ الرَّابِع وَحكى القَوْل بِأَنَّهَا فِي السَّمَاء وَلَيْسَت جنَّة المأوى عَن أبي عَليّ الجبائي وَقد أورد أَصْحَاب القَوْل الثَّانِي سؤالا يحْتَاج مثله إِلَى جَوَاب فَقَالُوا لَا شكّ أَن الله تَعَالَى طرد إِبْلِيس حِين امْتنع من السُّجُود عَن الحضرة الإلهية وَأمره بِالْخرُوجِ عَنْهَا والهبوط مِنْهَا وَهَذَا الْأَمر لَيْسَ من الْأَوَامِر الشَّرْعِيَّة بِحَيْثُ يُمكنهُ مُخَالفَته وَإِنَّمَا هُوَ أَمر قدري لَا يُخَالف وَلَا يمانع وَلِهَذَا قَالَ ﴿فَاخْرُج مِنْهَا فَإنَّك رجيم﴾ وَالضَّمِير عَائِد إِلَى الْجنَّة أَو السَّمَاء أَو الْمنزلَة وأيا مَا كَانَ فمعلوم أَنه لَيْسَ لَهُ الْكَوْن قدرا فِي الْمَكَان الَّذِي طرد عَنهُ وَأبْعد مِنْهُ لَا على سَبِيل الِاسْتِقْرَار وَلَا على الْمُرُور والاجتياز قَالُوا وَمَعْلُوم من سياقات الْقُرْآن أَنه وسوس لآدَم وخاطبه بقوله ﴿هَل أدلك على شَجَرَة الْخلد وَملك لَا يبْلى﴾ وَبِقَوْلِهِ ﴿مَا نهاكما رَبكُمَا عَن هَذِه الشَّجَرَة﴾ إِلَى قَوْله ﴿بغرور﴾ وَهَذَا ظَاهر فِي اجتماعه مَعَهُمَا فِي جنتهما وأجيبوا عَن هَذَا بِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن يجْتَمع بهما فِي الْجنَّة على سَبِيل الْمُرُور لَا على سَبِيل الِاسْتِقْرَار بهَا أَو أَنه وسوس لَهما وَهُوَ على بَاب الْجنَّة أَو من تَحت السَّمَاء وَفِي الثَّالِثَة نظر وَالله أعلم وَمِمَّا احْتج بِهِ أَصْحَاب هَذِه الْمقَالة مَا رَوَاهُ عبد الله بن الإِمَام أَحْمد فِي الزِّيَادَات عَن هدبة ابْن خَالِد عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن حميد عَن الْحسن الْبَصْرِيّ عَن يحيى بن ضَمرَة عَن أبي بن كَعْب قَالَ إِن آدم لما احْتضرَ اشْتهى قطفا من عِنَب الْجنَّة فَانْطَلق بنوه ليطلبوه فلقيتهم الْمَلَائِكَة فَقَالُوا أَيْن تُرِيدُونَ يَا بني آدم فَقَالُوا إِنَّا أَبَانَا اشْتهى قطفا من عِنَب الْجنَّة فَقَالُوا لَهُم ارْجعُوا فقد كفيتموه فَانْتَهوا إِلَيْهِ فقبضوا روحه وغسلوه وحنطوه وكفنوه وَصلى عَلَيْهِ جِبْرِيل ﵊ وَالْمَلَائِكَة وَبَنوهُ خلف الْمَلَائِكَة ودفنوه وَقَالُوا هَذِه سنتكم فِي مَوْتَاكُم قَالُوا فلولا أَن الْوُصُول إِلَى الْجنَّة الَّتِي كَانَ فِيهَا آدم الَّتِي
следующие страницы →