← Акыда

Акыда · id 6453

أدلة معتقد أبي حنيفة في أبوي الرسول عليه الصلاة والسلام

الملا على القاري

Полный текст (80 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

أَدِلَّة مُعْتَقد أبي حنيفَة الْأَعْظَم فِي ابوي الرَّسُول ﵇ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ رب تمم بِالْخَيرِ الْمُقدمَة الْحَمد لله الَّذِي خص من شَاءَ من عباده فِي عَالم الْقَضَاء بِالْإِيمَان وهداه بجوده إِلَى معرفَة نور وجوده وَظُهُور شُهُوده فِي مقَام الْعرْفَان ومرام الْإِحْسَان وَالصَّلَاة وَالسَّلَام الأتمان الأكملان على سيدنَا وسندنا مُحَمَّد من أَوْلَاد عدنان وَآله الْكِرَام وَأَصْحَابه الفخام إِلَى يَوْم الْقيام وعَلى أَتْبَاعه خُلَاصَة أهل الْأَدْيَان أما بعد فَيَقُول أَحْقَر عباد الله الْبَارِي عَليّ بن سُلْطَان مُحَمَّد الْقَارِي

стр. 2

عبارَة الإِمَام أبي حنيفَة وَالتَّعْلِيق عَلَيْهَا قد قَالَ الإِمَام الْأَعْظَم والهمام الأقدم فِي كِتَابه الْمُعْتَبر الْمعبر ب الْفِقْه الْأَكْبَر مَا نَصه ووالدا رَسُول الله ﷺ مَاتَا على الْكفْر فَقَالَ شَارِحه هَذَا رد على من قَالَ بِأَن وَالِدي رَسُول الله ﷺ مَاتَا على الْإِيمَان وعَلى من قَالَ مَاتَا على الْكفْر ثمَّ رَسُول الله ﷺ دَعَا الله لَهما فأحياهما الله وأسلما ثمَّ مَاتَا على الْإِيمَان فَأَقُول وبحوله أصُول إِن هَذَا الْكَلَام من حَضْرَة الإِمَام لَا يتَصَوَّر فِي هَذَا الْمقَام لتَحْصِيل المرام إِلَّا أَن يكون قَطْعِيّ الدِّرَايَة لَا ظَنِّي الرِّوَايَة لِأَنَّهُ فِي بَاب الإعتقاد لَا يعْمل بالظنيات وَلَا يَكْتَفِي بالآحاد من

стр. 3

الْأَحَادِيث الواهيات وَالرِّوَايَات الوهميات إِذْ من الْمُقَرّر وَالْمُحَرر فِي الأَصْل الْمُعْتَبر أَنه لَيْسَ لأحد من أَفْرَاد الْبشر أَن يحكم على أحد بِأَنَّهُ من أهل الْجنَّة وَلَا بِأَنَّهُ من أهل الْعقُوبَة إِلَّا بِنَقْل ثَبت بِنَصّ من الْكتاب أَو تَوَاتر من السّنة أَو إِجْمَاع عُلَمَاء الْأمة بِالْإِيمَان المقرون بالوفاة أَو

стр. 4

بالْكفْر المنضم إِلَى آخر الْحَيَاة فَإِذا عرفت ذَلِك فنستدل على مرام الإِمَام بِحَسب مَا أطْلعنَا عَلَيْهِ فِي هَذَا الْمقَام بِالْكتاب وَالسّنة واتفاق أَئِمَّة الْأَنَام الْأَدِلَّة من الْكتاب أما الْكتاب فَقَوله تَعَالَى ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاك بِالْحَقِّ بشيرا وَنَذِيرا وَلَا تسْأَل عَن أَصْحَاب الْجَحِيم﴾ فقراءة الْجُمْهُور على الْمَجْهُول فِي النَّفْي وَقِرَاءَة نَافِع على

стр. 5

الْمَعْلُوم بِالنَّهْي وَقد أخرج وَكِيع وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَعبد الرَّزَّاق وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر عَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَيْت شعري مَا فعل أبواي فَنزلت ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاك بِالْحَقِّ بشيرا وَنَذِيرا وَلَا تسْأَل عَن أَصْحَاب الْجَحِيم﴾ فَمَا ذكرهمَا حَتَّى توفاه الله تَعَالَى وَفِيه دَلِيل وَاضح على الْمُدعى وتنبيه نبيه على أَن هَذَا حكم لم ينْسَخ بِالْإِحْيَاءِ كَمَا لَا يخفى قَالَ الْعَلامَة السُّيُوطِيّ هَذَا مُرْسل ضَعِيف الْإِسْنَاد

стр. 6

قلت الْمُرْسل حجَّة عِنْد الْجُمْهُور من الْعلمَاء فِي الْأُصُول والاعتقاد والطرق المتعددة للْحَدِيث ترفع الضعْف وتوصله إِلَى الْحسن أَو الصِّحَّة عِنْد الْكل فِي الِاعْتِمَاد وَأخرج ابْن جريرعن دَاوُد بن ابي عَاصِم ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ ذَات يَوْم أَيْن أبواي فَنزلت قَالَ السُّيُوطِيّ وَالْآخر معضل الْإِسْنَاد ضَعِيف

стр. 7

قلت المعضل عندنَا حجَّة وَضَعفه يتقوى بالتعدد وَلَا سِيمَا وَقد تعلق بِهِ اجْتِهَاد الْمُجْتَهد فَدلَّ على صِحَّته وَلَو حَدِيث ضعف بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا فِي رِوَايَته ويكتفى بِمثل ذَلِك فِي أَسبَاب النُّزُول كَمَا هُوَ مَعْقُول عِنْد أَرْبَاب النقول وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن الْأَعْرَج أَنه قَرَأَ ﴿وَلَا تسْأَل عَن أَصْحَاب الْجَحِيم﴾ أَي أَنْت يَا مُحَمَّد كَمَا فِي الدّرّ المنثور وَفِي تَفْسِير الْعِمَاد بن كثير قَالَ عبد الرَّزَّاق أنبأ الثَّوْريّ عَن مُوسَى بن عُبَيْدَة عَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَيْت شعري مَا فعل أبواي لَيْت شعري مَا فعل أبواي ثَلَاث مَرَّات فَنزل ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاك بِالْحَقِّ بشيرا وَنَذِيرا﴾ فَمَا ذكرهمَا حَتَّى توفاه الله وَهَذَا يُؤَيّد مَا قدمْنَاهُ فَتدبر وَتَأمل وَرَوَاهُ ابْن جرير عَن أبي كريب عَن وَكِيع عَن مُوسَى بن عُبَيْدَة

стр. 8

مثله وَذكر الحَدِيث الآخر بِسَنَدِهِ كَمَا تقدم ثمَّ قَالَ ابْن كثير وَقد رد ابْن جرير هَذَا القَوْل الْمَرْوِيّ عَن مُحَمَّد بن كَعْب وَغَيره فِي ذَلِك لِاسْتِحَالَة الشَّك من الرَّسُول ﷺ فِي أَمر أَبَوَيْهِ وَاخْتَارَ الْقِرَاءَة الأولى يَعْنِي النَّفْي قَالَ وَهَذَا الَّذِي سلكه هَا هُنَا فِيهِ نظر لاحْتِمَال أَن هَذَا كَانَ فِي حَال استغفاره لِأَبَوَيْهِ قبل أَن يعلم أَمرهمَا فَلَمَّا علم ذَلِك تَبرأ مِنْهُمَا وَأخْبر عَنْهُمَا أَنَّهُمَا من أهل النَّار كَمَا ثَبت هَذَا فِي الصَّحِيح وَلِهَذَا أشباه كَثِيرَة ونظائر وَلَا يلْزم مَا ذكره ابْن جرير انْتهى كَلَام ابْن كثير وَقَالَ محيي السّنة فِي تَفْسِيره معالم التَّنْزِيل قَالَ عَطاء عَن ابْن عَبَّاس ﵄ وَذَلِكَ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ ذَات يَوْم لَيْت شعري مَا فعل أبواي فَنزلت هَذِه الْآيَة

стр. 9

أَقُول وَهَذَا النَّقْل من ابْن عَبَّاس حبر الْأمة كَاف فِي الْحجَّة لَا سِيمَا وَهُوَ من أهل بَيت النُّبُوَّة وَلَو كَانَ هُنَاكَ ترددا فِي الْقَضِيَّة لما ذكر مثل هَذِه الْقِصَّة المستلزمة المغصة وَكَذَا نقل الواحدي عَن ابْن عَبَّاس ﵄ ثمَّ قَالَ وَهَذَا على قِرَاءَة من قَرَأَ ﴿وَلَا تسْأَل عَن أَصْحَاب الْجَحِيم﴾ جزما وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ قَرَأَ نَافِع وَيَعْقُوب ﴿وَلَا تسْأَل﴾ على أَنه نهى للرسول ﷺ عَن السُّؤَال عَن حَال أَبَوَيْهِ انْتهى وَالْحَاصِل أَن عَامَّة الْمُفَسّرين كالمجمعين على أَن هَذَا سَبَب نزُول الْآيَة وَمن الْمُقَرّر فِي علم الْأُصُول أَن نقل الصَّحَابِيّ فِي سَبَب النُّزُول وَلَو كَانَ مَوْقُوفا فَهُوَ فِي حكم الْمَرْفُوع الْمَوْصُول فَكيف وَقد ثَبت رَفعه بطرق مُتعَدِّدَة وأسانيد مُخْتَلفَة

стр. 10

هَذَا وَقد قَالَ جمع من أَئِمَّة التَّفْسِير كصاحب التَّيْسِير وَلما أَمر رَسُول الله ﷺ بتبشير الْمُؤمنِينَ وإنذار الْكَافرين كَانَ يذكر عقوبات الْكفَّار فَقَامَ رجل وَقَالَ يَا رَسُول الله أَيْن وَالِدي فَقَالَ فِي النَّار فَحزن الرجل فَقَالَ ﵇ إِن والداك ووالدي ووالد إِبْرَاهِيم فِي النَّار فَنزل قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تسْأَل عَن أَصْحَاب الْجَحِيم﴾ فَلم يسْأَلُوا بعد ذَلِك وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿لَا تسألوا عَن أَشْيَاء إِن تبد لكم تَسُؤْكُمْ﴾ وَفِيه تَنْبِيه على أَن قِرَاءَة النَّفْي أَيْضا تدل على الْمُدعى فَتبين مَا ذكره الْعلمَاء من الْمُفَسّرين والقراء من أَن الأَصْل فِي الْقِرَاءَتَيْن أَن يتَّفق حَالهمَا ويجتمع مآلهما ثمَّ تفطن لما فِي الحَدِيث من تَصْرِيح ذكر وَالِد إِبْرَاهِيم فِي هَذَا الْمقَام الفخيم الْأَدِلَّة من السّنة وَأما السّنة فَمَا رَوَاهُ مُسلم عَن أنس

стр. 11

أَن رجلا قَالَ يَا رَسُول الله أَيْن ابي فَقَالَ فِي النَّار فَلَمَّا قفى دَعَاهُ فَقَالَ إِن أبي وأباك فِي النَّار وَكَذَا مَا رَوَاهُ الْبَزَّار من أَنه ﷺ أَرَادَ أَن يسْتَغْفر لأمه فَضرب جِبْرِيل صَدره وَقَالَ تستغفر لمن مَاتَ مُشْركًا وَكَذَا مَا رَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه وَصَححهُ أَنه ﷺ قَالَ لِابْني مليكَة أمكُمَا فِي النَّار فشق عَلَيْهِمَا فدعاهما فَقَالَ إِن أُمِّي مَعَ أمكُمَا

стр. 12

وَتعقب الذَّهَبِيّ لَهُ بِكَوْن عُثْمَان بن عُمَيْر ضعفه الدَّارَقُطْنِيّ لم يُخرجهُ عَن كَونه ثَابتا حسنا قَابلا للاستدلال إِمَّا على الِاسْتِقْلَال وَإِمَّا مَعَ غَيره لتقوية الْحَال وَكَذَا مَا أخرجه الإِمَام أَحْمد فِي مُسْنده عَن أبي رزين الْعقيلِيّ ﵁ قَالَ قلت يَا رَسُول الله أَيْن أُمِّي قَالَ أمك فِي النَّار قلت فَأَيْنَ من مضى من أهلك قَالَ أما ترْضى أَن تكون أمك مَعَ أُمِّي وَكَذَا مَا روى ابْن جرير عَن عَلْقَمَة بن مرْثَد عَن سُلَيْمَان بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه

стр. 13

أَن النَّبِي ﷺ لما قدم مَكَّة أَتَى رسم قبر فَجَلَسَ إِلَيْهِ فَجعل يُخَاطب ثمَّ قَامَ مستعبرا فَقُلْنَا يَا رَسُول الله إِنَّا رَأينَا مَا صنعت قَالَ إِنِّي اسْتَأْذَنت رَبِّي فِي زِيَارَة قبر أُمِّي فَأذن لي واستأذنته فِي الاسْتِغْفَار لَهَا فَلم يَأْذَن لي فَمَا رُؤِيَ باكيا أَكثر من يَوْمئِذٍ وَسَيَأْتِي سَبَب بكائه ﷺ مَنْصُوصا عَن بعض الْعلمَاء وَالله أعلم وَكَذَا حَدِيث مُسلم وَأبي دَاوُد عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَنه ﷺ اسْتَأْذن فِي الإستغفار لأمه فَلم يُؤذن لَهُ

стр. 14

وَأما القَوْل بِأَنَّهُ ثمَّ استأذنه ثَانِيًا وَأذن لَهُ فَيحْتَاج إِلَى دَلِيل صَرِيح وَنقل صَحِيح ثمَّ لَا يُنَافِي الحَدِيث الأول مَا ورد من طَرِيق آخر وَلم يذكر فِيهِ إِن أبي وأباك فِي النَّار بل قَالَ إِذا مَرَرْت بِقَبْر كَافِر فبشره بالنَّار فَإِنَّهُ يُفِيد التَّعْمِيم وَالْأول يدل على التَّخْصِيص فَذكره أَولا تَسْلِيَة لَهُ وَثَانِيا لِئَلَّا يتَقَيَّد بالحكم الْمَذْكُور بل يعم من هُوَ بالْكفْر مَشْهُور كَمَا يدل عَلَيْهِ رِوَايَة ابْن مَاجَه من طَرِيق إِبْرَاهِيم بن سعد عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه قَالَ وَجَاء أَعْرَابِي إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله إِن أبي كَانَ يصل الرَّحِم وَكَانَ وَكَانَ فَأَيْنَ هُوَ قَالَ فِي النَّار قَالَ فَكَأَنَّهُ وجد من ذَلِك فَقَالَ يَا رَسُول الله فَأَيْنَ أَبوك قَالَ رَسُول الله ﷺ حَيْثُمَا مَرَرْت بِقَبْر مُشْرك فبشره بالنَّار قَالَ فَأسلم الْأَعرَابِي بعد وَقَالَ لقد كلفني رَسُول الله ﷺ تعبا مَا مَرَرْت بِقَبْر كَافِر إِلَّا بَشرته بالنَّار

стр. 15

وَفِي هَذَا التَّعْمِيم دلَالَة وَاضِحَة وَإِشَارَة لائحة بِأَن أهل الْجَاهِلِيَّة كلهم كفار إِلَّا مَا خص مِنْهُم بالأخبار عَن النَّبِي الْمُخْتَار وَمِمَّا ثَبت فِي الْكتاب وَالسّنة مَا أخرجه ابْن جرير عَن قَتَادَة قَالَ ذكر لنا أَن رجَالًا من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ قَالُوا يَا نَبِي الله إِن من آبَائِنَا من كَانَ يحسن الْجواد ويصل الْأَرْحَام ويفك العاني ويوفي بالذمم أَفلا نَسْتَغْفِر لَهُم فَقَالَ النَّبِي ﷺ وَالله لأَسْتَغْفِرَن لأبي كَمَا اسْتغْفر إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ فَأنْزل الله ﴿مَا كَانَ للنَّبِي وَالَّذين آمنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا للْمُشْرِكين﴾ الْآيَة ثمَّ عذر الله إِبْرَاهِيم ﵊ فَقَالَ ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَار إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ إِلَّا عَن موعدة وعدها إِيَّاه﴾ إِلَى قَوْله ﴿تَبرأ مِنْهُ﴾ وَذكر لنا أَن النَّبِي ﷺ قَالَ أُوحِي إِلَيّ كَلِمَات قد دخلن

стр. 16

فِي أُذُنِي ووقرن فِي قلبِي أمرت أَن لَا أسْتَغْفر لمن مَاتَ مُشْركًا وَمن أعْطى فضل مَاله فَهُوَ خير لَهُ وَمن أمسك فَهُوَ شَرّ لَهُ وَلَا يلوم الله على كفاف وَتَأْويل السُّيُوطِيّ أَن المُرَاد بِأَبِيهِ عَمه أَبُو طَالب وَأبي إِبْرَاهِيم عَمه آزر فِي غَايَة السُّقُوط فَتدبر وَسَيَأْتِي زِيَادَة الْكَلَام للرَّدّ عَلَيْهِ بِالْوَجْهِ الآخر وَأخرج ابْن جرير من طَرِيق عَطِيَّة الْعَوْفِيّ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ فِي قَوْله ﴿مَا كَانَ للنَّبِي وَالَّذين آمنُوا﴾ الْآيَة قَالَ إِن رَسُول الله ﷺ أَرَادَ أَن يسْتَغْفر لأمه فَنَهَاهُ الله عَن ذَلِك قَالَ فَإِن إِبْرَاهِيم ﵇ قد اسْتغْفر لِأَبِيهِ فَنزل ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَار إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ﴾ الْآيَة قَالَ السُّيُوطِيّ هَذَا الْأَثر ضَعِيف مَعْلُول فَإِن عَطِيَّة ضَعِيف وَهُوَ مُخَالف لرِوَايَة عَليّ بن ابي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس السَّابِقَة وَتلك اصح وَعلي ثِقَة

стр. 17

جليل قلت عَطِيَّة مُخْتَلف فِيهِ وَلَو سلم أَنه ضَعِيف فيتقوى بانضمام غَيره إِلَيْهِ ثمَّ لَا مُخَالفَة بَين الرِّوَايَتَيْنِ لِإِمْكَان الْجمع بَين القضيتين بِتَعَدُّد الْوَاقِعَة فِي الْحَالَتَيْنِ وَقد نَقله الْحَافِظ عماد الدّين فِي تَفْسِيره عَن الْعَوْفِيّ عَن ابْن عَبَّاس وَسكت عَلَيْهِ وَهَذَا دَلِيل ثُبُوته عِنْده وَقد أخرج ابْن أبي حَاتِم وَالْحَاكِم وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ خرج رَسُول الله ﷺ يَوْمًا إِلَى الْمَقَابِر فاتبعناه فجَاء حَتَّى جلس إِلَى قبر مِنْهَا فناجاه طَويلا ثمَّ بَكَى فبكينا لبكائه ثمَّ قَامَ فَقَامَ إِلَيْهِ عمر فَدَعَاهُ ثمَّ دَعَانَا فَقَالَ مَا أبكاكم قُلْنَا بكينا لبكائك قَالَ إِن الْقَبْر الَّذِي جَلَست عِنْده قبر آمِنَة وَإِنِّي أستأذنت رَبِّي فِي زيارتها فَأذن لي وَإِنِّي اسْتَأْذَنت رَبِّي بالإستغفار لَهَا فَلم يَأْذَن لي وَأنزل عَليّ ﴿مَا كَانَ للنَّبِي وَالَّذين آمنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا للْمُشْرِكين وَلَو كَانُوا أولي قربى﴾ فَأخذ فِي مَا يَأْخُذ الْوَلَد للوالدة من الرأفة فَذَلِك الَّذِي أبكاني

стр. 18

وَكَذَا ذكره الواحدي فِي أَسبَاب نُزُوله بِإِسْنَادِهِ عَن مثله وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ نَحوه كَمَا ذكره الْقُسْطَلَانِيّ قَالَ القَاضِي عِيَاض وبكاؤه ﵊ على مَا فاتها من إِدْرَاك أَيَّامه وَالْإِيمَان بِهِ وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن بُرَيْدَة ﵁ قَالَ كنت مَعَ النَّبِي ﷺ إِذْ وقف على عسفان فَنظر يَمِينا وَشمَالًا فأبصر قبر أمه آمِنَة فورد المَاء فَتَوَضَّأ ثمَّ صلى رَكْعَتَيْنِ فَلم يفجأنا إِلَّا بكاؤه فبكينا ببكائه ثمَّ قَامَ فصلى رَكْعَتَيْنِ ودعا فَلم يفاجأ إِلَّا وَقد علا بكاؤه فعلا بكاؤنا لبكائه ثمَّ انْصَرف إِلَيْنَا فَقَالَ مَا الَّذِي أبكاكم قَالُوا بَكَيْت فبكينا يَا رَسُول الله قَالَ وَمَا ظننتم قَالُوا ظننا أَن الْعَذَاب نَازل علينا بِمَا نعمل قَالَ لم يكن من ذَلِك شَيْء قَالُوا فظننا أَن أمتك كلفت من الْأَعْمَال مَا لَا يُطِيقُونَ فرحمتها قَالَ لم يكن من ذَلِك شَيْء وَلَكِن مَرَرْت بِقَبْر آمِنَة أُمِّي فَصليت رَكْعَتَيْنِ ثمَّ اسْتَأْذَنت أَن أسْتَغْفر لَهَا فنهيت فَبَكَيْت ثمَّ عدت فَصليت رَكْعَتَيْنِ فاستأذنت رَبِّي أَن أسْتَغْفر لَهَا فزجرت زجرا فعلا بُكَائِي ثمَّ دَعَا براحلته فركبها فَمَا سَار إِلَّا هنيهة حَتَّى قَامَت النَّاقة لثقل الْوَحْي فَأنْزل

стр. 19

الله ﴿مَا كَانَ للنَّبِي وَالَّذين آمنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا للْمُشْرِكين﴾ الْآيَتَيْنِ وَأخرج الطَّبَرَانِيّ وَابْن مرْدَوَيْه من طَرِيق عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن النَّبِي ﷺ لما اقبل من غَزْوَة تَبُوك اعْتَمر فَلَمَّا هَبَط من ثنية عسفان أَمر أَصْحَابه أَن يستندوا إِلَى الْعقبَة حَتَّى أرجع إِلَيْكُم فَذهب فَنزل على قبر آمِنَة فناجى ربه طَويلا ثمَّ بَكَى فَاشْتَدَّ بكاؤه فَبكى هَؤُلَاءِ لبكائه فَقَالُوا مَا بَكَى نَبِي الله هَذَا الْبكاء إِلَّا وَقد حدث فِي أمته شَيْء لم تطقه فَلَمَّا بَكَى هَؤُلَاءِ قَامَ فَرجع إِلَيْهِم فَقَالَ مَا يبكيكم قَالُوا يَا نَبِي الله مَا هَذَا الْبكاء إِلَّا وَقد حدث فِي أمتك شَيْء لم تطقه قَالَ (لَا وَقد كَانَ بعضه لكنني نزلت على قبر أُمِّي فدعوت الله ليأذن لي فِي شَفَاعَتهَا يَوْم الْقِيَامَة فَأبى أَن يَأْذَن لي فرحمتها وَهِي أُمِّي فدعوت رَبِّي أَن يرفع عَن أمتِي أَرْبعا فَرفع عَنْهُم اثْنَتَيْنِ وأبى أَن يرفع عَنْهُم اثْنَتَيْنِ دَعَوْت رَبِّي أَن يرفع عَنْهُم الرَّجْم من السَّمَاء وَالْغَرق من الأَرْض وَأَن لَا يلْبِسهُمْ شيعًا وَأَن لَا يُذِيق بَعضهم بَأْس بعض فَرفع الله عَنْهُم الرَّجْم من السَّمَاء وَالْغَرق من الأَرْض وأبى أَن يرفع عَنْهُم الْقَتْل والهرج قَالَ إِنَّمَا عدل إِلَى قبر أمه لِأَنَّهَا كَانَت مدفونة تَحت كدى وَكَانَت

стр. 20

عسفان لَهُم وَبهَا ولد النَّبِي ﷺ أَي على قَول وَقد أخرج الْعِمَاد ابْن كثير هَذَا الحَدِيث بِسَنَد الطَّبَرَانِيّ الْمُتَّصِل إِلَى ابْن عَبَّاس ﵄ مَعَ تَغْيِير قَلِيل وَزَاد فِي آخِره ثمَّ جَاءَ جِبْرِيل وَقَالَ ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَار إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ إِلَّا عَن موعدة وعدها إِيَّاه فَلَمَّا تبين لَهُ أَنه عَدو لله تَبرأ مِنْهُ﴾ فتبرأ من أمك كَمَا تَبرأ إِبْرَاهِيم من أَبِيه فرحمتها وَهِي أُمِّي ودعوت رَبِّي إِلَى آخِره وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَالطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم وَصَححهُ عَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ وَجَاء ابْنا مليكَة وهما من الْأَنْصَار فَقَالَا يَا رَسُول الله إِن أمنا كَانَت تحفظ على البعل وتكرم على الضَّيْف وَقد وَأَدت فِي الْجَاهِلِيَّة فَأَيْنَ أمنا قَالَ أمكُمَا فِي النَّار فقاما وَقد شقّ ذَلِك عَلَيْهِمَا فَدَعَا رَسُول الله ﷺ فَرَجَعَا فَقَالَ أَلا إِن أُمِّي مَعَ امكما فِي النَّار

стр. 21

وَأخرج ابْن سعد عَن الْكَلْبِيّ وَأبي بكر بن قيس الْجعْفِيّ نَحوه وَفِي المعالم قَالَ أَبُو هُرَيْرَة وَبُرَيْدَة ﵄ لما قدم النَّبِي ﷺ مَكَّة أَتَى إِلَى قبر أمه آمِنَة فَوقف عَلَيْهِ حَتَّى حميت الشَّمْس رَجَاء أَن يُؤذن لَهُ فيستغفر لَهَا فَنزلت ﴿مَا كَانَ للنَّبِي وَالَّذين آمنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا للْمُشْرِكين﴾ ثمَّ بِإِسْنَادِهِ الْمُتَّصِل إِلَى مُسلم بن الْحجَّاج عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ زار النَّبِي ﷺ قبر أمه فَبكى وأبكى من حوله فَقَالَ (اسْتَأْذَنت رَبِّي فِي أَن أسْتَغْفر لَهَا فَلم يَأْذَن لي واستأذنته فِي أَن أَزور قبرها فَأذن لي فزوروا الْقُبُور فَإِنَّهَا تذكر الْمَوْت الْإِجْمَاع وَأما الْإِجْمَاع فقد اتّفق السّلف وَالْخلف من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَسَائِر الْمُجْتَهدين على ذَلِك من غير إِظْهَار خلاف لما هُنَالك وَالْخلاف من اللَّاحِق لَا يقْدَح فِي الْإِجْمَاع السَّابِق سَوَاء يكون من جنس الْمُخَالف أَو صنف الْمُوَافق

стр. 22

الرَّد على السُّيُوطِيّ وَالْعجب من الشَّيْخ جلال الدّين السُّيُوطِيّ مَعَ إحاطته بِهَذِهِ الْآثَار الَّتِي كَادَت أَن تكون متواترة فِي الْأَخْبَار أَنه عدل عَن مُتَابعَة هَذِه الْحجَّة وموافقة سَائِر الْأَئِمَّة وَتبع جمَاعَة من الْعلمَاء الْمُتَأَخِّرين وَأورد أَدِلَّة واهية فِي نظر الْفُضَلَاء المعتبرين مِنْهَا أَن الله سُبْحَانَهُ أحيى بِهِ أَبَوَيْهِ حَتَّى آمنا بِهِ مستدلا بِمَا أخرجه ابْن شاهين فِي النَّاسِخ والمنسوخ والخطيب الْبَغْدَادِيّ فِي السَّابِق واللاحق وَالدَّارَقُطْنِيّ وَابْن عَسَاكِر كِلَاهُمَا فِي غرائب مَالك بِسَنَد ضَعِيف عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت حج بِنَا رَسُول الله ﷺ حجَّة الْوَدَاع فَمر بِي على عقبَة الْحجُون وَهُوَ باك حَزِين مُغْتَم فَنزل فَمَكثَ عني طَويلا ثمَّ عَاد إِلَيّ وَهُوَ فَرح فَتَبَسَّمَ فَقلت لَهُ فَقَالَ ذهبت لقبر أُمِّي فَسَأَلت الله أَن يُحْيِيهَا فآمنت بِي وردهَا الله عز وَجل

стр. 23

وَهَذَا الحَدِيث ضَعِيف بِاتِّفَاق الْمُحدثين كَمَا اعْترف بِهِ السُّيُوطِيّ وَقَالَ ابْن كثير إِنَّه مُنكر جدا وَرُوَاته مَجْهُولُونَ فَقَوْل الشَّيْخ ابْن حجر الْمَكِّيّ فِي شرح الهمزية هُوَ حَدِيث صَحِيح صَححهُ غير وَاحِد من الْحفاظ مَرْدُود عَلَيْهِ بل كذب صَرِيح وعيب قَبِيح مسْقط للعدالة وموهن للرواية لِأَن السُّيُوطِيّ مَعَ جلالته وَكَمَال إحاطته ومبالغته فِي رسائل مُتعَدِّدَة من تصنيفاته ذكر الِاتِّفَاق على ضعف هَذَا الحَدِيث فَلَو كَانَ لَهُ طَرِيق وَاحِد صَحِيح لذكره فِي معرض التَّرْجِيح

стр. 24

وَمن الْمَعْلُوم أَن بعده لم يحدث غير وَاحِد من الْمُحدثين الَّذين يَصح كَونهم من المصححين وَمن ادّعى فَعَلَيهِ الْبَيَان فِي معرض الميدان هَذَا وَقد قَالَ الْحَافِظ ابْن دحْيَة كَمَا نَقله الْعِمَاد ابْن كثير عَنهُ إِن هَذَا الحَدِيث مَوْضُوع يردهُ الْقُرْآن وَالْإِجْمَاع قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا الَّذين يموتون وهم كفار﴾ انْتهى وَالْمعْنَى أَنه ثَبت كفرهما بِمَا سبق من دلَالَة الْآيَة السَّابِقَة المنضمة إِلَى رِوَايَة السّنة المتقوية بِإِجْمَاع الْأمة مَعَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا الَّذين يموتون وهم كفار﴾ أَي لَيست التَّوْبَة صَحِيحَة مِمَّن مَاتَ وَهُوَ كَافِر لِأَن الْمُعْتَبر هُوَ الْإِيمَان الْغَيْبِيِّ لقَوْله تَعَالَى ﴿فَلم يَك يَنْفَعهُمْ إِيمَانهم لما رَأَوْا بأسنا﴾ وَالْحَاصِل انه لم يثبت إحياؤهما وإيمانهما وَالدَّلِيل على انتفائهما عدم استشهارهما عِنْد الصَّحَابَة لَا سِيمَا والواقعة فِي حجَّة الْوَدَاع والخلق الْكثير فِي خدمته بِلَا نزاع مَعَ منافاته للقواعد الشَّرْعِيَّة من عدم قبُول الْإِيمَان بعد مُشَاهدَة الْأَحْوَال الغيبية بِالْإِجْمَاع

стр. 25

ثمَّ دَعْوَى الخصوصية يحْتَاج إِلَى إِثْبَات الْأَدِلَّة القوية فَمن ادّعى هَذَا الدِّيوَان فَعَلَيهِ الْبَيَان وَأما الِاسْتِدْلَال بِالْقُدْرَةِ الإلهية وقابلية الخصوصية للحضرة النَّبَوِيَّة فَأمر لَا يُنكره أحد من أهل الْملَّة الحنيفية وَإِنَّمَا الْكَلَام فِي إِثْبَات هَذَا المرام بالأدلة على وَجه النظام لَا بالإحتمال الَّذِي لَا يصلح للاستدلال خُصُوصا فِي مُعَارضَة نُصُوص الْأَقْوَال وَأما قَول الْقُرْطُبِيّ فَلَيْسَ إحياؤهم يمْتَنع عقلا وَلَا شرعا فَلَا شُبْهَة فِي إِمْكَانه أصلا وفرعا وَإِنَّمَا الْكَلَام فِي ثُبُوته أَولا ونفيه ثَانِيًا وَبِهَذَا ينْدَفع مَا أوردهُ السُّهيْلي فِي الرَّوْض الْأنف بِسَنَد فِيهِ جمَاعَة مَجْهُولُونَ إِن الله أحيى لَهُ أَبَاهُ وَأمه فَآمَنا بِهِ ثمَّ قَالَ بعد إِيرَاده الله قَادر على كل شَيْء وَلَيْسَ تعجز رَحمته وَقدرته عَن شَيْء وَنبيه ﷺ أهل أَن يَخُصُّهُ بِمَا شَاءَ من فَضله وَأَن

стр. 26

ينعم بِمَا شَاءَ من كرامته قلت وَلَو صَحَّ هَذَا الْإِحْيَاء لأظهره ﷺ على الْأَعْدَاء فضلا عَن الأحباء من أكَابِر الصَّحَابَة وَلم يكتف بِذكرِهِ لعَائِشَة من بَين أحبابه على أَن رِوَايَة عَائِشَة ﵂ لَو صحت لانتشر عَنْهَا إِلَى التَّابِعين وَغَيرهم وشاعت فَإِنَّهُ لَو صَحَّ إحْيَاء أَبَوَيْهِ وإيمانهما لَكَانَ من آظهر معجزاته وأكبر كراماته ﷺ فَتبين من هَذَا أَن هَذَا من مَوْضُوعَات الرفضة وَإِنَّمَا نسبوا الحَدِيث إِلَى عَائِشَة تبعيدا عَن الظَّن بوضعهم وتأكيدا للقضية فِي ثِقَة إثباتهم وَأغْرب الْقُرْطُبِيّ حَيْثُ قَالَ لَا تعَارض بَين حَدِيث الْإِحْيَاء وَحَدِيث النَّهْي عَن الاسْتِغْفَار لَهما بِدَلِيل حَدِيث عَائِشَة ﵂ أَن ذَلِك كَانَ فِي حجَّة الْوَدَاع وَلذَلِك جعله ابْن شاهين نَاسِخا لما ذكر من الْأَخْبَار انْتهى وَلَا يخفى وَجه الغرابة فَإِن الحَدِيث إِذا كَانَ ضَعِيفا بِاتِّفَاق الْمُحدثين وموضوعا عِنْد الْمُحَقِّقين ومخالفا للْكتاب عِنْد الْمُفَسّرين كَيفَ يصلح أَن يكون مُعَارضا لحَدِيث مُسلم فِي الصَّحِيح ومناقضا لما سبق مِمَّا كَاد أَن يكون متواترا فِي التَّصْرِيح أَو كَيفَ يُمكن أَن يكون نَاسِخا والنسخ لَا يجوز فِي الْأَخْبَار عِنْد عُلَمَاء الْأَعْلَام وَإِنَّمَا هُوَ من

стр. 27

مختصات الْإِنْشَاء وَالْأَحْكَام وَإِلَّا فَيلْزم الْخلف فِي أخباره وَيتَوَجَّهُ البداء فِي آثاره وَهُوَ متعال عَن ذَلِك علوا كَبِيرا وَمِنْهَا قَول السُّيُوطِيّ إنَّهُمَا مَاتَا قبل الْبعْثَة وإنهما كَانَا من أَصْحَاب الفترة وَهَذَا كَمَا لَا يخفى مُعَارضَة لما ثَبت فِي الْكتاب وَالسّنة ومناقضة لما صرح بإشتراكهما فِيمَا سبق من صَاحب النُّبُوَّة فَمَا ذكره من تَطْوِيل الْبَحْث وتكثير الْأَدِلَّة غير مُفِيد لَهُ فِي هَذِه الْقَضِيَّة مَعَ ظُهُور التَّنَاقُض فِي كَلَامه لتَحْصِيل مرامه فَإِنَّهُمَا لَو كَانَا من أهل الفترة لما احْتَاجَ إِلَى الْإِحْيَاء وَالْإِيمَان بِالنُّبُوَّةِ بِنَاء على أَنَّهُمَا من أهل النجَاة فِي الْفطْرَة ثمَّ هَذِه الْمَسْأَلَة فِيهَا خلاف الْمُعْتَزلَة وَأكْثر أهل السّنة حَتَّى قَالَ بعض الْمُحَقِّقين لَا يُوجد صَاحب الفترة إِلَّا من ولد فِي مفازة خَالِيَة عَن سَماع بعثة صَاحب النُّبُوَّة بِالْكُلِّيَّةِ على خلاف فِي أَنه هَل هُوَ مُكَلّف بِالْعقلِ تَوْحِيد الرب وشكر نعْمَته وَوُجُوب النّظر فِي صَنعته أم لَا وَمِمَّا يتَفَرَّع عَلَيْهِ مَا ذكره الْبَغَوِيّ فِي التَّهْذِيب أما من لم تبلغه الدعْوَة فَلَا يجوز قَتله قبل أَن يدعى إِلَى الْإِسْلَام فَإِن قتل قبل أَن يدعى إِلَى الْإِسْلَام وَجب فِي قَتله الدِّيَة وَالْكَفَّارَة وَعند أبي حنيفَة ﵁ لَا يجب الضَّمَان بقتْله

стр. 28

وَقَالَ الْغَزالِيّ فِي الْبَسِيط من لم تبلغه الدعْوَة يضمن بِالدِّيَةِ وَالْكَفَّارَة لَا بِالْقصاصِ على الصَّحِيح لِأَنَّهُ لَيْسَ مُسلما على التَّحْقِيق وَإِنَّمَا هُوَ فِي معنى الْمُسلم قَالَ ابْن الرّفْعَة فِي الْكِفَايَة لِأَنَّهُ مَوْلُود على الفترة وَلم يظْهر مِنْهُ عناد انْتهى وَلَا يخفى مَا فِيهِ من الدّلَالَة على أَن أهل الفترة هُوَ الَّذِي يكون على اصل الْفطْرَة من التَّوْحِيد وَلم يظْهر مِنْهُ من الْكفْر مَا يُنَافِي التفريد كَمَا يدل عَلَيْهِ قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا لَا تَبْدِيل لخلق الله﴾ وكما ورد فِي حَدِيث كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ ويمجسانه الحَدِيث وَفِيه دَلِيل على أَن كل مَوْلُود فِي حَال عقله وَكَمَال حَالَة إِذا خلي

стр. 29

هُوَ من طبعه اخْتَار التَّوْحِيد لله فِي الذَّات والتفريد لَهُ فِي الصِّفَات كَمَا يدل عَلَيْهِ قصَّة الْمِيثَاق الَّذِي وَقع عَلَيْهِ الِاتِّفَاق على مَا هُوَ مُقَرر فِي مَحَله الْأَلْيَق وَلِهَذَا قَالَ الإِمَام فَخر الدّين من مَاتَ مُشْركًا فَهُوَ فِي النَّار وَإِن مَاتَ قبل الْبعْثَة لِأَن الْمُشْركين كَانُوا قد غيروا الحنيفية دين إِبْرَاهِيم واستبدلوا بهَا الشّرك وارتكبوه وَلَيْسَ مَعَهم حجَّة وَلم يزل مَعْلُوما من دين الرُّسُل كلهم من أَوَّلهمْ إِلَى آخِرهم قبح الشّرك والوعيد عَلَيْهِ فِي النَّار وأخبار عقوبات الله لأَهله متدوالة بَين الْأُمَم قرنا بعد قرن فَللَّه الْحجَّة الْبَالِغَة على الْمُشْركين فِي كل وَقت وَحين وَلَو لم يكن إِلَّا مَا فطر الله عباده عَلَيْهِ من تَوْحِيد ربوبية وَأَنه يَسْتَحِيل فِي كل فطْرَة وعقل أَن يكون مَعَه إِلَه آخر وَإِن كَانَ سُبْحَانَهُ لَا يعذب بِمُقْتَضى هَذِه الْفطْرَة وَحدهَا فَلم تزل دَعْوَة الرُّسُل إِلَى التَّوْحِيد فِي الأَرْض مَعْلُومَة لأَهْلهَا فالمشرك مُسْتَحقّ للعذاب فِي النَّار لمُخَالفَته دَعْوَى الرُّسُل وَهُوَ مخلد فِيهَا دَائِما كخلود أهل الْجنَّة فِي الْجنَّة انْتهى

стр. 30

وَلَا يخفى أَن مَا ورد عَنهُ ﷺ فِي حق بعض أَرْبَاب الفترة من التعذيب يدل دلَالَة صَرِيحَة للرَّدّ على مَا عَلَيْهِ بعض الشَّافِعِيَّة من أَن أهل الفترة لَا يُعَذبُونَ مُطلقًا قَالَ وَأَصله أَنه عِنْدهم محجوح عَلَيْهِ بعقله وَعِنْدنَا هُوَ غير محجوج عَلَيْهِ قبل بُلُوغ الدعْوَة إِلَيْهِ وَمِنْهَا قَول السُّيُوطِيّ إِنَّه ورد فِي أهل الفترة أَحَادِيث أَنهم يمْتَحنُونَ يَوْم الْقِيَامَة بِأَن ترفع لَهُم نَار فَيُقَال لَهُم ادخلوها فيدخلها من كَانَ فِي علم الله سعيدا لَو أدْرك الْعَمَل وَيمْتَنع من دُخُولهَا من كَانَ فِي علم الله شقيا لَو أدْرك الْعَمَل فَيَقُول ﵎ إيَّايَ عصيتم فَكيف برسلي بِالْغَيْبِ

стр. 31

وَلَا يخفى أَن هَذَا على تَقْدِير صِحَّته وقوته لمعارضة مُخَالفَته

стр. 32

وَإِنَّمَا يكون فِيمَن مَاتَ من أهل الفترة وَلم يعلم حَاله من إِحْدَاث الشّرك أَو التَّوْحِيد على الْفطْرَة وَأما من ثَبت كفره بِالْكتاب وَالسّنة واتفاق الْأَئِمَّة فَلَا وَجه لإدخاله فِي أَصْحَاب الأمتحان للطاعة كورقة بن نَوْفَل وَقس بن سَاعِدَة وَغَيرهمَا مِمَّن ثَبت توحيدهما وَلَا نَحْو صَاحب المحجن

стр. 33

وَغَيره مِمَّن ثَبت شركهما وَأغْرب من هَذَا أَنه اسْتدلَّ بقول الْحَافِظ ابْن حجر الْعَسْقَلَانِي فِي بعض كتبه الظَّن بآله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم يَعْنِي الَّذين مَاتُوا قبل الْبعْثَة أَنهم يطيعون عِنْد الامتحان إِكْرَاما لَهُ ﷺ لتقر بهم عينه انْتهى وَوجه الغرابة أَن هَذِه الْقَضِيَّة بالطريقة الظنية فِي أهل الفترة الْحَقِيقِيَّة المبهمية لَا تفِيد فِي الْمَسْأَلَة العينية وَكَذَا من العجيب مَا نسب إِلَى الْعَسْقَلَانِي فِي قَوْله

стр. 34

وَنحن نرجو أَن يدْخل عبد الْمطلب وَآل بَيته فِي جملَة من يدْخل طَائِعا فينجو إِلَّا ابا طَالب فَإِنَّهُ أدْرك الْبعْثَة وَلم يُؤمن وَثَبت فِي الصَّحِيح أَنه فِي ضحضاح من نَار انْتهى وَلَا يخفى أَن إِدْخَال عبد الْمطلب فِي الْقِصَّة خَارج عَن الصِّحَّة لما ورد فِي صَحِيح البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا أَن رَسُول الله ﷺ دخل على أبي طَالب عِنْد مَوته وَعِنْده أَبُو جهل وَابْن أبي أُميَّة قائلين أترغب عَن مِلَّة عبد الْمطلب فَلم يزل رَسُول الله ﷺ يعرضهَا عَلَيْهِ ويعيدانه بِتِلْكَ الْمقَالة حَتَّى قَالَ أَبُو طَالب آخر مَا كَلمهمْ أَنا على مِلَّة عبد الْمطلب وأبى أَن يَقُول لَا إِلَه إِلَّا الله فَنزل ﴿إِنَّك لَا تهدي من أَحْبَبْت وَلَكِن الله يهدي من يَشَاء﴾ فَهَذَا يَقْتَضِي أَن عبد الْمطلب مَاتَ على الشّرك بِلَا شكّ وَمِمَّا يقويه ويؤكده مَا فِي مُسْند الْبَزَّار وَكتاب النَّسَائِيّ من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لفاطمة ﵂ وَقد عزت قوما من

стр. 35

الْأَنْصَار عَن ميتهم لَعَلَّك بلغت مَعَهم الكدى فَقَالَ لَو كنت بلغت مَعَهم الكدى مَا رَأَيْت الْجنَّة حَتَّى يَرَاهَا جد أَبِيك

стр. 36

وَقد أخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا إِلَّا أَنه لم يذكر فِيهِ حَتَّى يَرَاهَا جد أَبِيك وَفِي هَذَا تهديد شَدِيد ووعيد أكبر على مرتكب الْمعْصِيَة وَلَو كَانَ صَاحبهَا من أَعلَى أهل بَيت النُّبُوَّة وَأما مَا ورد فِي قَوْله (أَنا النَّبِي لَا كذب ... أَنا ابْن عبد الْمطلب)

стр. 37

فَمَحْمُول على أَنه لَيْسَ من بَاب الافتخار فِي الانتساب بالأباء الْكفَّار بل لإِظْهَار الجلادة والشجاعة والاشتهار كَمَا بَينته فِي شرح الشَّمَائِل لِلتِّرْمِذِي وَأما مَا حَكَاهُ ابْن سيد النَّاس أَن الله أَحْيَاهُ بعد بَعثه النَّبِي ﷺ حَتَّى آمن بِهِ ثمَّ مَاتَ فَهُوَ مَرْدُود لِأَنَّهُ لَا دَلِيل عَلَيْهِ من حَدِيث ضَعِيف وَلَا غَيره وَإِنَّمَا حكوه عَن بعض الشِّيعَة وخلافهم غير مُعْتَبر عِنْد أهل السّنة وَكَذَا قَول الْقُرْطُبِيّ على مَا ذكره الْعِمَاد ابْن كثير عَنهُ فِي تَفْسِيره إِن الله أحيى ابا طَالب حَتَّى آمن بَاطِل مَوْضُوع بِإِجْمَاع أهل الحَدِيث ومخالف لمَذْهَب الْحق

стр. 38

على أَنه سبق أَنه لَا ينفع الْإِيمَان بعد العيان بل أَقُول لَا يتَصَوَّر هَذَا الْبَيَان إِذْ قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَو ردوا لعادوا لما نهوا عَنهُ وَإِنَّهُم لَكَاذِبُونَ﴾ وَلَا خلف فِي إخْبَاره سُبْحَانَهُ وَمِنْهَا قَول السُّيُوطِيّ وَإِن ابْن جرير ذكر فِي تَفْسِيره عَن ابْن عَبَّاس ﵄ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ولسوف يعطيك رَبك فترضى﴾ قَالَ من رضى مُحَمَّد ﷺ أَن لَا يدْخل أحد من أهل بَيته النَّار وَفِيه أَن هَذَا قَول صَحَابِيّ من قبل رَأْيه وعَلى تَسْلِيم صِحَّته ودلالته فَأهل بَيته لَا يتَنَاوَل أَقَاربه الْمُتَقَدِّمين من الْكفَّار بِالْإِجْمَاع نعم يُفِيد أَن من كَانَ نسبه ثَابتا إِلَى صَاحب النُّبُوَّة يُرْجَى لَهُ حسن الخاتمة وَحُصُول الشَّفَاعَة أَو توفيق التَّوْبَة عَن الْمعْصِيَة إِذا كَانَ من أهل الْملَّة لما أخرجه أَبُو سعيد فِي شرف النُّبُوَّة والملا فِي السِّيرَة عَن عمرَان بن حُصَيْن قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ سَأَلت رَبِّي أَن لَا يدْخل النَّار أحدا من أهل بَيْتِي فَأَعْطَانِي

стр. 39

ذَلِك على أَنه يُمكن أَن يُقَال المُرَاد بِالنَّفْيِ دُخُول الْآبَاء فَيكون بِشَارَة إِلَى موت أهل الْبَيْت على الْإِسْلَام ودخولهم دَار السَّلَام وَلَو كَانَ بعد مُضِيّ الْأَيَّام وَأما مَا أخرج تَمام الرَّازِيّ فِي فَوَائده بِسَنَد ضَعِيف عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة شفعت لأبي وَأمي وَعمي أبي طَالب وَأَخ لي كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة أَي

стр. 40

بالرضاعة كَمَا فِي رِوَايَة فَهُوَ حجَّة لنا لَا علينا لإدراجه أَبَوَيْهِ مَعَ عَمه أبي طَالب الْمجمع على كفره فَالْحَدِيث إِن ثَبت فَهُوَ مَحْمُول على مَا ورد فِي الصَّحِيح من تَخْفيف الْعَذَاب عَنْهُم بِشَفَاعَتِهِ ﷺ وَالله سُبْحَانَهُ أعلم ثمَّ أغرب السُّيُوطِيّ فِي قَوْله وَمِمَّا يرشح مَا نَحن فِيهِ مَا أخرجه ابْن أبي الدُّنْيَا عَن ابي هُرَيْرَة ﵁ مَرْفُوعا قَالَ سَأَلت رَبِّي ابناء الْعشْرين من أمتِي فوهبهم لي ثمَّ قَالَ
следующие страницы →