Полный текст (195 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
قَالَ العَبْد الْفَقِير إِلَى الله تَعَالَى مرعي بن يُوسُف الْحَنْبَلِيّ الْمَقْدِسِي
الْحَمد لله المنزه عَمَّا يخْطر بالبال أَو يتَوَهَّم فِي الْفِكر والخيال المحتجب برداء الْعِزّ والجلال لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار وَهُوَ يدْرك الْأَبْصَار وَهُوَ اللَّطِيف الْخَبِير تحيرت الْعُقُول فِي حَقِيقَة ذَاته وتخبطت الأفهام فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاته واندهشت الْأَبْصَار فِي جلال حضراته لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير
وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على من منحته بغاية تكرمتك وخصصته بمشاهدة رؤيتك وَهُوَ مَعَ ذَلِك يَقُول سُبْحَانَكَ مَا عرفناك حق معرفتك يَا من لَا مثل لَهُ وَلَا نَظِير وعَلى آله وَأَصْحَابه الَّذين سلكوا طَرِيق الْأَدَب مَعَ الله وَرَسُوله وسلموا فَسَلمُوا من مزلة الْقدَم ومذلة التَّقْصِير
وَبعد فَإِن الْعلم بالتفسير أَمر مُهِمّ وَالْعلم بالتأويل أهم وتصفية الْقلب من شوائب الأوهام أَسْنَى وَأتم وَمن السَّلامَة للمرء
стр. 2
فِي دينه اقتفاء طَريقَة السّلف الَّذين أَمر أَن يَقْتَدِي بهم من جَاءَ بعدهمْ من الْخلف فمذهب السّلف أسلم ودع مَا قيل من أَن مَذْهَب الْخلف أعلم فَإِنَّهُ من زخرف الْأَقَاوِيل وتحسين الأباطيل فَإِن أُولَئِكَ قد شاهدوا الرَّسُول والتنزيل وهم أدرى بِمَا نزل بِهِ الْأمين جِبْرِيل وَمَعَ ذَلِك فَلم يَكُونُوا يَخُوضُونَ فِي حَقِيقَة الذَّات وَلَا فِي مَعَاني الْأَسْمَاء وَالصِّفَات ويؤمنون بمتشابه الْقُرْآن وَيُنْكِرُونَ على من يبْحَث عَن ذَلِك من فُلَانَة وَفُلَان
وإنكار الإِمَام مَالك على من سَأَلَهُ عَن معنى الإستواء أَمر مَشْهُور وَهُوَ فِي عدَّة من الْكتب مَنْقُول مسطور
стр. 3
هَذَا وَقد أَحْبَبْت أَن أذكر بعض كَلَام الْأَئِمَّة الخائضين فِي مَعَاني الْأَسْمَاء وَالصِّفَات الْوَارِدَة فِي الْأَحَادِيث والآيات وَإِن كَانَ الأولى ترك ذَلِك خوف الْوُقُوع فِي الزلل الذميم لَكِن لَا بَأْس بذلك مَعَ قصد الْإِرْشَاد والتعليم
هَذَا وَلم أَقف فِي هَذَا الْفَنّ على مُصَنف وَلم أظفر فِيهِ بمؤلف وَإِنَّمَا جمعته من كَلَام الْأَئِمَّة مفرقا وذممته هُنَا مُلَفقًا يحْتَاج إِلَيْهِ الطَّالِب وَهُوَ من أجل المطالب وسميته
أقاويل الثِّقَات فِي تَأْوِيل الْأَسْمَاء وَالصِّفَات
فَأَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق وَمِنْه أَرْجُو الْهِدَايَة إِلَى أقوم طَرِيق
مُقَدّمَة
أعلم وفقك الله أَن التَّفْسِير هُوَ بَيَان معنى اللَّفْظ
стр. 4
الْخَفي والتأويل هُوَ أَن يُرَاد بِاللَّفْظِ مَا يُخَالف ظَاهره أَو هُوَ صرف اللَّفْظ عَن ظَاهره لِمَعْنى آخر وَهُوَ فِي الْقُرْآن كثير وَمن ذَلِك آيَات الصِّفَات المقدسة وَهِي من الْآيَات المتشابهات
وَقد اخْتلفُوا فَقيل الْقُرْآن كُله مُحكم لقَوْله تَعَالَى ﴿كتاب أحكمت آيَاته﴾ هود ١
وَقيل كُله متشابه لقَوْله تَعَالَى ﴿نزل أحسن الحَدِيث كتابا متشابها﴾ الزمر ٢٣
وَالأَصَح إنقسامه إِلَيْهِمَا وَالْمرَاد بأحكمت آيَاته أتقنت
стр. 5
وتنزهت عَن نقص يلْحقهَا رب متشابها أَنه يشبه بعضه بَعْضًا فِي الْحق والصدق والإعجاز
وَاخْتلفُوا فِي الْمُحكم والمتشابه
فَقيل الْمُحكم مَا وضح مَعْنَاهُ والمتشابه نقيضه
وَقيل الْمُحكم مَا لَا يحْتَمل من التَّأْوِيل إِلَّا وَجها وَاحِدًا والمتشابه مَا احْتمل أوجها
وَقيل الْمُحكم مَا تَأْوِيله تَنْزِيله والمتشابه مَا لَا يدرى إِلَّا بالتأويل
وَقيل الْمُحكم مَا لم تَتَكَرَّر أَلْفَاظه والمتشابه الْقَصَص والأمثال
وَقيل الْمُحكم مَا يعرفهُ الراسخون فِي الْعلم والمتشابه مَا ينْفَرد الله بِعِلْمِهِ
وَقيل الْمُتَشَابه الْحُرُوف الْمُقطعَة فِي أَوَائِل السُّور وَمَا سوى ذَلِك مُحكم وَقيل غير ذَلِك
وَقَالَ جمَاعَة من الْأُصُولِيِّينَ الْمُحكم مَا عرف المُرَاد مِنْهُ قيل وَلَو بالتأويل والمتشابه مَا اسْتَأْثر الله بِعِلْمِهِ كالحروف الْمُقطعَة وَهُوَ معنى قَول بَعضهم إِن الْمُحكم هُوَ المكشوف الْمَعْنى الَّذِي لَا يتَطَرَّق إِلَيْهِ إِشْكَال وَاحْتِمَال والمتشابه مَا يتعارض
стр. 6
فِيهِ الإحتمال وَيجوز أَن يعبر بِهِ عَن الْأَسْمَاء الْمُشْتَركَة كالقرء وكاللمس المتردد بَين الْمس وَالْوَطْء وَقد يُطلق على ماورود فِي صِفَات الله تَعَالَى مِمَّا يُوهم ظَاهره الْجِهَة والتشبيه وَيحْتَاج إِلَى تَأْوِيله
قيل وَالْحكمَة فِي الْمُتَشَابه الإبتلاء بإعتقاده فَإِن الْعقل مبتلى بإعتقاد حَقِيقَة الْمُتَشَابه كإبتلاء الْبدن بأَدَاء الْعِبَادَة
وَقيل هُوَ لإِظْهَار عجز الْعباد كالحكيم إِذا صنف كتاب أجمل فِيهِ أَحْيَانًا ليَكُون مَوضِع خضوع المتعلم لأستاذه وكالملك يتَّخذ عَلامَة يمتاز بهَا من يطلعه على سره وَلِأَنَّهُ لَو لم يبتل الْعقل الَّذِي هُوَ أشرف مَا فِي الْإِنْسَان لاستمر فِي أبهة الْعلم على التمرد فبذلك يسْتَأْنس إِلَى التذلل بعز الْعُبُودِيَّة والمتشابه هُوَ مَوضِع خضوع الْعُقُول لبارئها استسلاما واعترافا بقصورها
وَقَالَ الْفَخر من الملحدة من طعن فِي الْقُرْآن لأجل اشتماله على المتشابهات وَقَالَ إِنَّكُم تَقولُونَ إِن تكاليف الْخلق مرتبطة
стр. 7
بِهَذَا الْقُرْآن إِلَى قيام السَّاعَة ثمَّ إِنَّه يتَمَسَّك بِهِ كل ذِي مَذْهَب على مذْهبه فالجبري يتَمَسَّك بآيَات الْجَبْر كَقَوْلِه ﴿وَجَعَلنَا على قُلُوبهم أكنة﴾ الْآيَة الْأَنْعَام ٢٥ الْإِسْرَاء ٤٦
والقدري يَقُول هَذَا مَذْهَب الْكفَّار لقَوْله ﴿وَقَالُوا قُلُوبنَا فِي أكنة مِمَّا تدعونا إِلَيْهِ وَفِي آذاننا وقر﴾ فصلت ٥ وَقَوله ﴿وَقَالُوا قُلُوبنَا غلف﴾ الْبَقَرَة ٨٨
ومنكر الرُّؤْيَة يتَمَسَّك بقوله ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾ الْأَنْعَام ١٠٢
ومثبت الْجِهَة بآيَات الْجِهَة وَغير ذَلِك ويسمي كل وَاحِد الْآيَات الْمُوَافقَة لمذهبه محكمَة والمخالفة لَهُ متشابهة فَكيف يَلِيق بالحكيم أَن يَجْعَل الْكتاب الَّذِي هُوَ الْمرجع فِي الدّين هَكَذَا
قَالَ وَالْجَوَاب أَن الْعلمَاء ذكرُوا لذَلِك فَوَائِد كمزيد الْمَشَقَّة لزِيَادَة الثَّوَاب وليجتهد فِي التَّأَمُّل فِيهِ صَاحب كل مَذْهَب يَعْنِي فَإِن أصَاب فَلهُ أَجْرَانِ وَإِن أَخطَأ فِي الْفُرُوع فَلهُ أجر وَفِي الْأُصُول خلاف إِلَى غير ذَلِك من الْفَوَائِد
وَاخْتلفُوا هَل الْمُتَشَابه مِمَّا يعلم على قَوْلَيْنِ منشؤهما الْوَقْف على الله أَو الْعلم فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله والراسخون فِي الْعلم﴾ آل عمرَان ٧
стр. 8
قَالَ الإِمَام الْخطابِيّ مَذْهَب أَكثر الْعلمَاء أَن الْوَقْف التَّام فِي هَذِه الْآيَة على الله وَأَن مَا بعده وَهُوَ قَوْله ﴿والراسخون فِي الْعلم﴾ اسْتِئْنَاف رُوِيَ ذَلِك عَن ابْن مَسْعُود وَأبي بن كَعْب وَابْن عَبَّاس وَعَائِشَة
وَمَال إِلَى هَذَا الْحَافِظ السُّيُوطِيّ فِي الإتقان وَحَكَاهُ عَن الْأَكْثَرين من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وأتباعهم وَمن بعدهمْ خُصُوصا أهل السّنة قَالَ وَهُوَ أصح الرِّوَايَات عَن ابْن عَبَّاس
قَالَ وَيدل لصِحَّة مَذْهَب الْأَكْثَرين مَا أخرجه عبد الرزاق فِي تَفْسِيره وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه عَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ يقْرَأ وَمَا يعلم تأوليه إِلَّا الله وَيَقُول الراسخون فِي الْعلم آمنا بِهِ فَهَذَا يدل على أَن الْوَاو للإستئناف لِأَن هَذِه الرِّوَايَة وَإِن لم تثبت بهَا الْقِرَاءَة فَأَقل درجاتها أَن تكون خَبرا بِإِسْنَاد صَحِيح إِلَى ترجمان الْقُرْآن فَيقدم كَلَامه فِي ذَلِك على من دونه
وَعَن الْفراء أَن فِي قِرَاءَة أبي بن كَعْب أَيْضا وَيَقُول
стр. 9
الراسخون
وَعَن الْأَعْمَش قَالَ فِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود وَإِن تَأْوِيله إِلَّا عِنْد الله والراسخون فِي الْعلم يَقُولُونَ آمنا بِهِ
وَذهب قوم إِلَى أَن الْوَاو فِي قَوْله والراسخون للْعَطْف لَا للإستئناف مِنْهُم مُجَاهِد وَالضَّحَّاك وَالربيع بن أنس وَمُحَمّد بن جَعْفَر ويروى أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس
قَالَ ابْن عَبَّاس أَنا مِمَّن يعلم تَأْوِيله
وَرجح هَذَا جماعات من الْمُحَقِّقين كَابْن فورك وَالْغَزالِيّ وَالْقَاضِي أبي بكر بن الطّيب وَقَالَ النَّوَوِيّ إِنَّه الْأَصَح وَابْن الْحَاجِب إِنَّه الْمُخْتَار محتجين أَن الله تَعَالَى لَا يُخَاطب الْعَرَب بِمَا لَا سَبِيل إِلَى مَعْرفَته لأحد من الْخلق وَأَيْضًا فالإيمان بِهِ وَاجِب على عُمُوم الْمُؤمنِينَ فَلَا يبْقى لوصفهم بالرسوخ فِي الْعلم وَأَنَّهُمْ أولُوا الْأَلْبَاب فَائِدَة تميزهم عَن عُمُوم الْمُؤمنِينَ
وَقَالَ أهل التَّحْقِيق وَالتَّحْقِيق أَن الْمُتَشَابه يتنوع
فَمِنْهُ مَا لَا يعلم بِيَقِين أَلْبَتَّة كالحروف الْمُقطعَة فِي أَوَائِل السُّور وَالروح والساعة مِمَّا اسْتَأْثر الله بغيبه وَهَذَا لَا يتعاطى علمه أحد لَا ابْن عَبَّاس وَلَا غَيره
وَمن قَالَ من الْعلمَاء الحذاق إِن الراسخين لَا يعلمُونَ
стр. 10
الْمُتَشَابه فَإِنَّمَا أَرَادَ هَذَا النَّوْع
وَأما مَا يُمكن حمله فِي وُجُوه اللُّغَة فيتأول وَيعلم تَأْوِيله الْمُسْتَقيم ويزال مَا فِيهِ من تَأْوِيل غير مُسْتَقِيم
وَقَالَ الْخطابِيّ الْمُتَشَابه على ضَرْبَيْنِ
أَحدهمَا مَا إِذا رد إِلَى الْمُحكم وَاعْتبر بِهِ عرف مَعْنَاهُ
وَالْآخر مَا لَا سَبِيل إِلَى الْوُقُوف على حَقِيقَته وَهُوَ الَّذِي يتبعهُ أهل الزيغ فيطلبون تَأْوِيله وَلَا يبلغون كنهه فيرتابون فِيهِ فيفتنون
وَقَالَ الإِمَام الرَّاغِب جَمِيع الْمُتَشَابه على ثَلَاثَة أضْرب
ضرب لَا سَبِيل إِلَى الْوُقُوف عَلَيْهِ كوقت السَّاعَة وَخُرُوج الدَّابَّة وَنَحْو ذَلِك
وَضرب للْإنْسَان سَبِيل إِلَى مَعْرفَته كالألفاظ الْعَرَبيَّة وَالْأَحْكَام الغلقة
وَضرب مُتَرَدّد بَين الْأَمريْنِ يخْتَص بمعرفته بعض الراسخين فِي الْعلم وَيخْفى على من دونهم وَهُوَ الْمشَار إِلَيْهِ بقوله ﷺ لِابْنِ عَبَّاس اللَّهُمَّ فقهه فِي الدّين وَعلمه التَّأْوِيل
стр. 11
قَالَ وَإِذا عرفت هَذَا عرفت أَن الْوُقُوف على قَوْله ﴿وَمَا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله﴾ وَوَصله بقوله ﴿والراسخون فِي الْعلم﴾ جائزان وَأَن لكل وَاحِد مِنْهُمَا وَجها حَسْبَمَا دلّ عَلَيْهِ التَّفْصِيل الْمُتَقَدّم
وَقَالَ أَيْضا والمتشابه من جِهَة الْمَعْنى أَوْصَاف الله تَعَالَى وأوصاف الْقِيَامَة فَإِن تِلْكَ الصِّفَات لَا تتَصَوَّر لنا إِذْ كَانَ لَا يحصل فِي نفوسنا صُورَة مَا لم نحسه أَو لَيْسَ من جنسه انْتهى
وَهُوَ كَلَام فِي غَايَة الْحسن وَالتَّحْقِيق
وَاخْتلفُوا هَل يجوز الْخَوْض فِي الْمُتَشَابه على قَوْلَيْنِ
مَذْهَب السّلف وَإِلَيْهِ ذهب الْحَنَابِلَة وَكثير من الْمُحَقِّقين عدم الْخَوْض خُصُوصا فِي مسَائِل الْأَسْمَاء وَالصِّفَات فَإِنَّهُ ظن وَالظَّن يُخطئ ويصيب فَيكون من بَاب القَوْل على الله بِلَا علم وَهُوَ مَحْظُور ويمتنعون من التَّعْيِين خشيَة الْإِلْحَاد فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات وَلِهَذَا قَالُوا وَالسُّؤَال عَنهُ بِدعَة فَإِنَّهُ لم يعْهَد من الصَّحَابَة التَّصَرُّف فِي أَسْمَائِهِ تَعَالَى وَصِفَاته بالظنون وَحَيْثُ عمِلُوا بالظنون فَإِنَّمَا عمِلُوا بهَا فِي تفاصيل الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة لَا فِي المعتقدات الإيمانية
وروى الشَّيْخَانِ وَغَيرهمَا عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت تَلا رَسُول الله ﷺ هَذِه الْآيَة ﴿هُوَ الَّذِي أنزل عَلَيْك الْكتاب﴾
стр. 12
إِلَى قَوْله ﴿أولُوا الْأَلْبَاب﴾ آل عمرَان ٧ قَالَت فَقَالَ رَسُول الله ﷺ فَإِذا رَأَيْت الَّذين يتبعُون مَا تشابه مِنْهُ فَأُولَئِك الَّذين سمى الله فَاحْذَرْهُمْ
وروى الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير عَن أبي مَالك الْأَشْعَرِيّ أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول لاأخاف على أمتِي إِلَّا ثَلَاث خلال أَن يكثر لَهُم المَال فيتحاسدوا فيقتتلوا وَأَن يفتح لَهُم الْكتاب فَيَأْخذهُ الْمُؤمن يَبْتَغِي تَأْوِيله وَمَا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله الحَدِيث
وَفِي حَدِيث ابْن مرْدَوَيْه إِن الْقُرْآن لم ينزل ليكذب بعضه بَعْضًا فَمَا عَرَفْتُمْ فاعملوا بِهِ وَمَا تشابه فآمنوا بِهِ
стр. 13
وروى الْحَاكِم عَن ابْن مَسْعُود ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ كَانَ الْكتاب الأول ينزل من بَاب وَاحِد على حرف وَاحِد وَنزل الْقُرْآن من سَبْعَة أَبْوَاب على سَبْعَة أحرف زجر وَأمر وحلال وَحرَام ومحكم ومتشابه وأمثال فأحلوا حَلَاله وحرموا حرَامه وافعلوا مَا أمرْتُم بِهِ وانتهوا عَمَّا نهيتم عَنهُ واعتبروا بأمثاله وَاعْمَلُوا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه وَقُولُوا آمنا بِهِ كل من عِنْد رَبنَا وروى الْبَيْهَقِيّ فِي الشّعب نَحوه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة
وروى ابْن جرير عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ قَالَ أنزل الْقُرْآن على أَرْبَعَة أحرف حَلَال وَحرَام لَا يعْذر أحد بجهالته وَتَفْسِير تفسره الْعَرَب وَتَفْسِير تفسره الْعلمَاء ومتشابه لَا يُعلمهُ إِلَّا الله وَمن ادّعى علمه سوى الله فَهُوَ كَاذِب ثمَّ رَوَاهُ من وَجه آخر عَن ابْن عَبَّاس مَوْقُوفا بِنَحْوِهِ
وروى ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق الْعَوْفِيّ عَن ابْن عَبَّاس رَضِي
стр. 14
الله عَنهُ قَالَ نؤمن بالمحكم وندين بِهِ ونؤمن بالمتشابه وَلَا ندين بِهِ وَهُوَ من عِنْد الله كُله
وروى أَيْضا عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت كَانَ رسوخهم فِي الْعلم أَن آمنُوا بمتشابهه وَلَا يعلمونه
وروى الدَّارمِيّ فِي مُسْنده عَن سُلَيْمَان بن يسَار أَن رجلا يُقَال لَهُ صبيغ قدم الْمَدِينَة فَجعل يسْأَل عَن متشابه الْقُرْآن فَأرْسل إِلَيْهِ عمر وَقد أعد لَهُ عراجين النّخل فَقَالَ من أَنْت قَالَ عبد الله بن صبيغ فَأخذ عمر عرجونا من تِلْكَ العراجين فَضَربهُ حَتَّى أدْمى رَأسه
وَفِي رِوَايَة فَضَربهُ بِالْجَرِيدِ حَتَّى ترك ظَهره دبرة ثمَّ تَركه حَتَّى برأَ ثمَّ أعَاد عَلَيْهِ الضَّرْب ثمَّ تَركه حَتَّى برأَ فَدَعَا بِهِ ليعيده عَلَيْهِ فَقَالَ إِن كنت تُرِيدُ قَتْلِي فاقتلني قتلا جميلا أَو ردني إِلَى أرضي فَأذن لَهُ إِلَى أرضه وَكتب إِلَى أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ أَن لَا يجالسه أحد من الْمُسلمين
стр. 15
وَفِي كتاب الْفُرُوع لِابْنِ مُفْلِح الْحَنْبَلِيّ وَعمر بن الْخطاب أَمر بهجر صبيغ بسؤاله عَن الذاريات والمرسلات والنازعات انْتهى
وَهَذَا مِنْهُ ﵁ لسد بَاب الذريعة
وَالْآيَة الشَّرِيفَة قد دلّت على ذمّ متبعي الْمُتَشَابه ووصفهم بالزيغ وابتغاء الْفِتْنَة وعَلى تمدح الَّذين فَوضُوا الْعلم إِلَى الله وسلموا إِلَيْهِ كَمَا مدح الله الْمُؤمنِينَ بِالْغَيْبِ
وَقَالَ الإِمَام فَخر الدّين صرف اللَّفْظ عَن الرَّاجِح إِلَى الْمَرْجُوح لَا بُد فِيهِ من دَلِيل مُنْفَصِل وَهُوَ إِمَّا لَفْظِي أَو عَقْلِي فَالْأول لَا يُمكن إعتباره فِي الْمسَائِل الْأُصُولِيَّة لِأَنَّهُ لَا يكون قَاطعا لِأَنَّهُ مَوْقُوف على انْتِفَاء الإحتمالات الْعشْرَة الْمَعْرُوفَة وانتفاؤها مظنون وَالْوُقُوف على المظنون مظنون والظني لَا يكْتَفى بِهِ فِي الْأُصُول
وَأما الْعقلِيّ فَإِنَّمَا يُفِيد صرف اللَّفْظ عَن ظَاهره لكَون الظَّاهِر محالا
وَأما إِثْبَات الْمَعْنى المُرَاد فَلَا يُمكن بِالْعقلِ لِأَن طَرِيق ذَلِك تَرْجِيح مجَاز على مجَاز وَتَأْويل على تَأْوِيل وَذَلِكَ التَّرْجِيح لَا يُمكن إِلَّا بِالدَّلِيلِ اللَّفْظِيّ وَالدَّلِيل اللَّفْظِيّ فِي التَّرْجِيح ضَعِيف لَا يُفِيد إِلَّا الظَّن وَالظَّن لَا يعول عَلَيْهِ فِي الْمسَائِل الْأُصُولِيَّة
стр. 16
القطعية فَلهَذَا اخْتَار الْأَئِمَّة الْمُحَقِّقُونَ من السّلف وَالْخلف بعد إِقَامَة الدَّلِيل الْقَاطِع على أَن حمل اللَّفْظ على ظَاهره محَال ترك الْخَوْض فِي تعْيين التَّأْوِيل انْتهى
وتوسط ابْن دَقِيق الْعِيد فَقبل التَّأْوِيل إِن قرب فِي لِسَان الْعَرَب نَحْو ﴿على مَا فرطت فِي جنب الله﴾ الزمر ٥٦ أَي فِي حَقه وَمَا يجب لَهُ لَا إِن بعد أَي كتأويل اسْتَوَى باستولى
إِذا تقرر هَذَا فَاعْلَم أَن من المتشابهات آيَات الصِّفَات الَّتِي التَّأْوِيل فِيهَا بعيد فَلَا تؤول وَلَا تفسر
وَجُمْهُور أهل السّنة مِنْهُم السّلف وَأهل الحَدِيث على الْإِيمَان بهَا وتفويض مَعْنَاهَا المُرَاد مِنْهَا إِلَى الله تَعَالَى وَلَا نفسرها مَعَ تنزيهنا لَهُ عَن حَقِيقَتهَا
فقد روى الإِمَام اللالكائي الْحَافِظ عَن مُحَمَّد بن الْحسن قَالَ اتّفق الْفُقَهَاء كلهم من الْمشرق إِلَى الْمغرب على الْإِيمَان بِالصِّفَاتِ من غير تَفْسِير وَلَا تَشْبِيه
وَقد روى اللاكائي أَيْضا فِي السّنة من طَرِيق قُرَّة بن
стр. 17
خَالِد عَن الْحسن عَن أمه عَن أم سَلمَة ﵂ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ طه ٥ الإستواء مَعْلُوم والكيف مَجْهُول وَالْإِيمَان بِهِ وَاجِب وَالسُّؤَال عَنهُ بدعه والبحث عَنهُ كفر
وَهَذَا لَهُ حكم الحَدِيث الْمَرْفُوع لِأَن مثله لَا يُقَال من قبيل الرَّأْي
وَقَالَ الإِمَام التِّرْمِذِيّ فِي الْكَلَام على حَدِيث الرُّؤْيَة الْمَذْهَب فِي هَذَا عِنْد أهل الْعلم من الْأَئِمَّة مثل سُفْيَان الثَّوْريّ وَابْن الْمُبَارك وَمَالك وَابْن عُيَيْنَة ووكيع وَغَيرهم أَنهم قَالُوا نروي هَذِه الْأَحَادِيث كَمَا جَاءَت ونؤمن بهَا وَلَا يُقَال كَيفَ وَلَا نفسر وَلَا نتوهم
وَذكرت فِي كتابي الْبُرْهَان فِي تَفْسِير الْقُرْآن عِنْد قَوْله تَعَالَى ﴿هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيهم الله فِي ظلل من الْغَمَام﴾ الْبَقَرَة ٢١٠ وَبعد أَن ذكرت مَذَاهِب المتأولين أَن مَذْهَب السّلف هُوَ عدم الْخَوْض فِي مثل هَذَا وَالسُّكُوت عَنهُ وتفويض علمه إِلَى الله تَعَالَى
стр. 18
قَالَ ابْن عَبَّاس هَذَا من المكتوم الَّذِي لَا يُفَسر فَالْأولى فِي هَذِه الْآيَة وَمَا شاكلها أَن يُؤمن الْإِنْسَان بظاهرها ويكل علمهَا إِلَى الله تَعَالَى وعَلى ذَلِك مَضَت أَئِمَّة السّلف
وَكَانَ الزُّهْرِيّ وَمَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وسُفْيَان الثَّوْريّ وَاللَّيْث بن سعد وَابْن الْمُبَارك وَأحمد بن حَنْبَل وَإِسْحَاق يَقُولُونَ فِي هَذِه الْآيَة وأمثالها أمروها كَمَا جَاءَت
وَقَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة وناهيك بِهِ كل مَا وصف الله بِهِ نَفسه فِي كِتَابه فتفسيره قِرَاءَته وَالسُّكُوت عَنهُ لَيْسَ لأحد أَن يفسره إِلَّا الله وَرَسُوله
وَسُئِلَ الإِمَام ابْن خُزَيْمَة عَن الْكَلَام فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات فَقَالَ وَلم يكن أَئِمَّة الْمُسلمين وأرباب الْمذَاهب أَئِمَّة الدّين مثل مَالك وسُفْيَان وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَيحيى بن يحيى وَابْن الْمُبَارك وَأبي حنيفَة وَمُحَمّد بن الْحسن وَأبي يُوسُف يَتَكَلَّمُونَ فِي ذَلِك وَينْهَوْنَ أَصْحَابهم عَن الْخَوْض فِيهِ ويدلونهم على الْكتاب وَالسّنة
وَسمع الإِمَام أَحْمد شخصا يروي حَدِيث النُّزُول وَيَقُول
стр. 19
ينزل بِغَيْر حَرَكَة وَلَا انْتِقَال وَلَا تغير حَال فَأنْكر أَحْمد ذَلِك وَقَالَ قل كَمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ فَهُوَ كَانَ أغير على ربه مِنْك
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ لما سُئِلَ عَن حَدِيث النُّزُول يفعل الله مَا يَشَاء
وَقَالَ الفضيل بن عِيَاض إِذا قَالَ لَك الجهمي أَنا أكفر بِرَبّ يَزُول عَن مَكَانَهُ فَقل أَنا أُؤْمِن بِرَبّ يفعل مَا يَشَاء
وَاعْلَم أَن الْمَشْهُور عِنْد أَصْحَاب الإِمَام أَحْمد أَنهم لَا يتأولون الصِّفَات الَّتِي من جنس الْحَرَكَة كالمجيء والإتيان فِي الظلل وَالنُّزُول كَمَا لَا يتأولون غَيرهَا مُتَابعَة للسلف
وَفِي كتاب الْفِقْه الْأَكْبَر فِي العقائد تصنيف الإِمَام أبي حنيفَة وَهُوَ سُبْحَانَهُ شَيْء لَا كالأشياء بِلَا جسم وَلَا جَوْهَر وَلَا عرض وَلَا حد لَهُ وَلَا ضد لَهُ وَلَا ند وَلَا مثل وَله يَد وَوجه وَنَفس فَمَا ذكر الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن من ذكر الْوَجْه وَالْيَد وَالنَّفس فَهُوَ لَهُ صِفَات بِلَا كَيفَ وَلَا يُقَال إِن يَده قدرته أَو نعْمَته لِأَن فِيهِ إبِْطَال الصّفة وَهُوَ قَول أهل الْقدر والإعتزال وَلَكِن يَده صفته بِلَا كَيفَ وغضبه وَرضَاهُ صفتان من صِفَاته بِلَا كَيفَ وَالْقَضَاء وَالْقدر والمشيئة صِفَاته فِي الْأَزَل بِلَا كَيفَ انْتهى
стр. 20
قَالَ الْعَلامَة ابْن الْهمام إِن الإصبع وَالْيَد صفة لَهُ تَعَالَى لَا بِمَعْنى الْجَارِحَة بل على وَجه يَلِيق بِهِ وَهُوَ سُبْحَانَهُ أعلم وَسَيَأْتِي تَتِمَّة كَلَامه
وَمن الْعجب أَن أَئِمَّتنَا الْحَنَابِلَة يَقُولُونَ بِمذهب السّلف ويصفون الله بِمَا وصف بِهِ نَفسه وَبِمَا وَصفه بِهِ رَسُوله من غير تَحْرِيف وَلَا تَعْطِيل وَمن غير تكييف وَلَا تَمْثِيل وَمَعَ ذَلِك فتجد من لَا يحْتَاط فِي دينه ينسبهم للتجسيم ومذهبهم أَن المجسم كَافِر بِخِلَاف مَذْهَب الشَّافِعِيَّة فَإِن المجسم عِنْدهم لَا يكفر فقوم يكفرون المجسمة فَكيف يَقُولُونَ بالتجسيم وَإِنَّمَا نسبوا لذَلِك مَعَ أَن مَذْهَبهم هُوَ مَذْهَب السّلف والمحققين من الْخلف لما أَنهم بالغوا فِي الرَّد على المتأولين للإستواء وَالْيَد وَالْوَجْه وَنَحْو ذَلِك كَمَا يَأْتِي وهم وَإِن أثبتوا ذَلِك مُتَابعَة للسلف لكِنهمْ يَقُولُونَ كَمَا هُوَ فِي كتب عقائدهم إِنَّه تَعَالَى ذَات لَا تشبه الذوات مُسْتَحقَّة للصفات الْمُنَاسبَة لَهَا فِي جَمِيع مَا يسْتَحقّهُ
قَالُوا فَإِذا ورد الْقُرْآن وصحيح السّنة فِي حَقه بِوَصْف تلقي فِي التَّسْمِيَة بِالْقبُولِ وَوَجَب إثْبَاته لَهُ على مَا يسْتَحقّهُ وَلَا يعدل بِهِ عَن حَقِيقَة الْوَصْف إِذْ ذَاته تَعَالَى قَابِلَة للصفات اللائقة بهَا
قَالُوا فَنصف الله تَعَالَى بِمَا وصف بِهِ نَفسه وَلَا نزيد عَلَيْهِ
стр. 21
فَإِن ظَاهر الْأَمر فِي صِفَاته سُبْحَانَهُ أَن تكون مُلْحقَة بِذَاتِهِ فَإِذا امْتنعت ذَاته المقدسة من تَحْصِيل معنى يشْهد الشَّاهِد فِيهِ معنى يُؤَدِّي إِلَى كَيْفيَّة فَكَذَلِك القَوْل فِيمَا أَضَافَهُ إِلَى نَفسه من صِفَاته
هَذَا كَلَام أَئِمَّة الْحَنَابِلَة وَلَا خُصُوصِيَّة لَهُم فِي ذَلِك بل هَذَا مَذْهَب جَمِيع السّلف والمحققين من الْخلف
قَالَ الْحَافِظ السُّيُوطِيّ فِي كِتَابه الإتقان من الْمُتَشَابه آيَات الصِّفَات وَلابْن اللبان فِيهَا تصنيف مُفْرد نَحْو ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ طه ٥ ﴿كل شَيْء هَالك إِلَّا وَجهه﴾ الْقَصَص ٨٨ ﴿وَيبقى وَجه رَبك﴾ الرَّحْمَن ٢٧ ﴿ولتصنع على عَيْني﴾ طه ٣٩ ﴿يَد الله فَوق أَيْديهم﴾ الْفَتْح ١٠ ﴿لما خلقت بيَدي﴾ ص ٧٥ ﴿وَالسَّمَاوَات مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ﴾ الزمر ٦٧
وَجُمْهُور أهل السّنة مِنْهُم السّلف وَأهل الحَدِيث على الْإِيمَان بهَا وتفويض مَعْنَاهَا المُرَاد مِنْهَا إِلَى الله تَعَالَى وَلَا نفسرها مَعَ تنزيهنا لَهُ عَن حَقِيقَتهَا
قَالَ وَذَهَبت طَائِفَة من أهل السّنة إِلَى أَنا نؤولها على مَا يَلِيق بجلاله تَعَالَى وَهَذَا مَذْهَب الْخلف
قَالَ وَكَانَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ يذهب إِلَيْهِ ثمَّ رَجَعَ عَنهُ فَقَالَ
стр. 22
فِي الرسَالَة النظامية الَّذِي نرتضيه رَأيا وندين الله تَعَالَى بِهِ عقدا هُوَ اتِّبَاع سلف الْأمة فَإِنَّهُم درجوا على ترك التَّعَرُّض لمعانيها ودرك مَا فِيهَا وهم صفوة الْإِسْلَام وَكَانُوا لَا يألون جهدا فِي ضبط قَوَاعِد الْملَّة والتواصي بحفظها وَتَعْلِيم النَّاس مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْهَا فَلَو كَانَ تَأْوِيل هَذِه الظَّوَاهِر سائغا لَأَوْشَكَ أَن يكون اهتمامهم بهَا فَوق اهتمامهم بِفُرُوع الشَّرِيعَة فَإِذا انصرم عصرهم وعصر التَّابِعين على الإضراب عَن التَّأْوِيل كَانَ ذَلِك هُوَ الْوَجْه المتبع فَحق على ذِي الدّين أَن يعْتَقد تَنْزِيه الْبَارِي عَن صِفَات الْمُحدثين وَلَا يَخُوض فِي تَأْوِيل المشكلات ويكل مَعْنَاهَا إِلَى الرب
وَقَالَ الإِمَام ابْن الصّلاح وعَلى هَذِه الطَّرِيقَة مضى صدر الْأمة وساداتها وَإِيَّاهَا اخْتَار أَئِمَّة الْفُقَهَاء وقاداتها وإليها دَعَا أَئِمَّة الحَدِيث وأعلامه وَلَا أحد من الْمُتَكَلِّمين من أَصْحَابنَا يصدف عَنْهَا ويأباها انْتهى
قلت وَهَذَا القَوْل هُوَ الْحق وَأسلم الطّرق فَإنَّك تَجِد كل فريق من المتأولين يُخطئ الْأُخَر وَيرد كَلَامه وَيُقِيم الْبُرْهَان على صِحَة قَوْله ويعتقد أَنه هُوَ الْمُصِيب وَأَن غَيره هُوَ الْمُخطئ وَمن طالع كَلَام طوائف الْمُتَكَلِّمين والمتصوفين علم ذَلِك علم الْيَقِين ... النَّاس شَتَّى وآراء مفرقة ... كل يرى الْحق فِيمَا قَالَ واعتقدا ...
стр. 23
قَالَ أَصْحَابنَا أسلم الطّرق التَّسْلِيم فَمَا سلم دين من لم يسلم لله وَرَسُوله وَيرد علم مَا اشْتبهَ إِلَى عالمه وَمن أَرَادَ علم مَا يمْتَنع علمه وَلم يقنع بِالتَّسْلِيمِ فهمه حجبه مرامه عَن خَالص التَّوْحِيد وصافي الْمعرفَة وَالْإِيمَان والتعمق فِي الْفِكر ذَرِيعَة الخذلان وَسلم الحرمان والإسراف فِي الْجِدَال يُوجب عَدَاوَة الرِّجَال إِذا علمت هَذَا فَهَذَا أَوَان الشُّرُوع فِي المُرَاد بعون الله تَعَالَى
اعْلَم أيدني الله وَإِيَّاك بِروح مِنْهُ أَن من الْمُتَشَابه صِفَات الله تَعَالَى فَإِنَّهُ يتَعَذَّر الْوُقُوف على تَحْقِيق مَعَانِيهَا والإحاطة بهَا بل على تَحْقِيق الرّوح وَالْعقل القائمين بالإنسان وَأهل الْإِسْلَام قد اتَّفقُوا على إِثْبَات مَا أثْبته الله لنَفسِهِ من أَوْصَافه الَّتِي نطق بهَا الْقُرْآن من نَحْو سميع وبصير وَعَلِيم وقدير ونافي ذَلِك كَافِر لِأَنَّهُ مكذب لصريح الْقُرْآن
وَاخْتلفُوا فِي المشتقات مِنْهَا فَقَالَت الْمُعْتَزلَة وَمن وافقهم إِنَّه تَعَالَى عليم بِذَاتِهِ بَصِير بِذَاتِهِ سميع بِذَاتِهِ لَا بِعلم وَسمع وبصر وَهَكَذَا بَقِيَّة الصِّفَات قد ثبتوا الْمُشْتَقّ بِدُونِ الْمُشْتَقّ مِنْهُ فِرَارًا من تعدد القدماء مَعَ الله تَعَالَى محتجين بِمَا يطول تَقْرِيره قائلين لَا يخبر عَنهُ تَعَالَى بِمَا يخبر بِهِ عَن شَيْء من خلقه إِلَّا أَن يَأْتِي نَص بِشَيْء من ذَلِك فَيُوقف عِنْده وَمَا لَا فَلَا وَلِأَن هَذِه الصِّفَات أَعْرَاض وَالْعرض لَا يقوم إِلَّا بجوهر متحيز وكل متحيز فجسم مركب أَو جَوْهَر فَرد وَمن قَالَ ذَلِك فَهُوَ مشبه لِأَن الْأَجْسَام متماثلة
стр. 24
قَالُوا وَأما كَونه لَا يعقل عليم إِلَّا بِعلم وَسميع إِلَّا بسمع وبصير إِلَّا ببصر كضارب لَا يعقل إِلَّا بِضَرْب وقائم بِقِيَام فَهَذَا فِي الشَّاهِد وَأما فِي الْغَائِب فَلَا فقد صَحَّ النَّص بِأَن لَهُ تَعَالَى عينا وَأَعْيُنًا فيلزمكم أَن تَقولُوا إِنَّه تَعَالَى ذُو حدقة وناظر لِأَنَّهُ لَا يُوجد فِي الشَّاهِد إِلَّا مثل ذَلِك وَلَا يكون أَلْبَتَّة سميع فِي الْعَالم إِلَّا بأذن ذَات صماخ
وَقَالُوا أَيْضا التَّعْلِيل بالإشتقاق فِي مثل ذَلِك لَيْسَ بِحجَّة فقد علمنَا يَقِينا أَنه تَعَالَى بنى السَّمَاء كَمَا قَالَ ﴿وَالسَّمَاء بنيناها﴾ الذاريات ٤٧ وَلَا يجوز أَن يُسمى سُبْحَانَهُ بِنَاء وَنَحْو ذَلِك
وَأجِيب بِأَنَّهُ قد صرحت النُّصُوص من الْكتاب وَالسّنة بِإِثْبَات الصِّفَات كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿أنزلهُ بِعِلْمِهِ﴾ النِّسَاء ١٦٦ وَقَوله ﴿وَمَا تحمل من أُنْثَى وَلَا تضع إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ فاطر ١١ وَقَوله ﴿إِن الله هُوَ الرَّزَّاق ذُو الْقُوَّة﴾ الذاريات ٥٨ فَأثْبت لنَفسِهِ الْقُوَّة وَهِي الْقُدْرَة بِاتِّفَاق الْمُفَسّرين
وَفِي الحَدِيث اللَّهُمَّ إِنِّي أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك
стр. 25
وَأَيْضًا قيل إِنَّه يلْزمهُم أَن تكون الذَّات علما وقدرة وحياة لثُبُوت خَصَائِص هَذِه الصِّفَات لَهَا فَإِنَّهُ قد تحقق فِي الْمَعْقُول أَن مَا يعلم بِهِ الْمَعْلُوم علم وَأَيْضًا فَهَذِهِ الصِّفَات لَا تقوم بِنَفسِهَا والذات قَائِمَة بِنَفسِهَا وَهُوَ جمع بَين النقيضين
وَأَجَابُوا بِأَن المُرَاد أنزلهُ وَهُوَ يُعلمهُ أَو أنزلهُ بِإِذْنِهِ وَأمره لِأَن مَا تعدى من الْأَفْعَال بِحرف الْبَاء فَإِن الدَّاخِلَة عَلَيْهِ يكون آلَة كضربت زيدا بِالسَّوْطِ وَأخذت المنديل بيَدي وَكَون الْعلم هُوَ الَّذِي نزل بِهِ لَا يتَصَوَّر إِذْ علمه تَعَالَى لَا ينْفَصل عَن ذَاته
والمناقشة فِي مثل هَذَا تطول وَتخرج عَن الْمَقْصُود وَالْمَقْصُود إِنَّمَا هُوَ الْإِشَارَة إِلَى أَن كل وَاحِد يَدعِي أَن الْحق بِيَدِهِ وَيُقِيم الدَّلِيل عَلَيْهِ كَمَا تقدم فنسكت نَحن عَن الْخَوْض فِي ذَلِك وَلَا نبحث فِي تَحْقِيقه فَإِنَّهُ بِدعَة ونفوض علمه إِلَى الله تَعَالَى وَلَا نكفر أحدا من أهل الْفرق بِمَا ذهب إِلَيْهِ واعتقده خُصُوصا مَعَ قيام الشُّبْهَة وَالدَّلِيل عِنْده فَإِن الْإِيمَان الْمُعْتَبر فِي الشَّرْع هُوَ تَصْدِيق الْقلب الْجَازِم بِمَا علم ضَرُورَة مَجِيء الرَّسُول بِهِ من عِنْد الله تَفْصِيلًا فِيمَا علم تَفْصِيلًا كالتوحيد والنبوة وإجمالا فِيمَا علم إِجْمَالا كالأنبياء السالفة وَالصِّفَات الْقَدِيمَة الَّتِي نطق بهَا الْقُرْآن
وَهَذَا هُوَ الْحق فَلَا نكفر بَقِيَّة الْفرق خلافًا لمن زعم من الْمُتَكَلِّمين أَن الْإِيمَان هُوَ الْعلم بِاللَّه وَصِفَاته على سَبِيل الْكَمَال والتمام فَبِهَذَا لَا جرم اقدم كل طَائِفَة على تَكْفِير من عداهُ من الطوائف لَكِن لَا بَأْس بالْقَوْل بتكفير بعض الغلاة من أهل الْبدع فَإِن من الْجَهْمِية من غلا حَتَّى رمى بعض الْأَنْبِيَاء
стр. 26
بالتشبيه فَقَالَ ثَلَاثَة من الْأَنْبِيَاء مشبهة مُوسَى حَيْثُ قَالَ ﴿إِن هِيَ إِلَّا فتنتك﴾ وَعِيسَى حَيْثُ قَالَ ﴿تعلم مَا فِي نَفسِي وَلَا أعلم مَا فِي نَفسك﴾ وَمُحَمّد حَيْثُ قَالَ ينزل رَبنَا كل لَيْلَة إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا
وَمن الْمُتَشَابه صفة الرَّحْمَة وَالْغَضَب وَالرِّضَا وَالْحيَاء والإستهزاء وَالْمَكْر وَالْعجب فِي قَوْله تَعَالَى ﴿الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ الْفَاتِحَة ١ ٣ النَّمْل ٣٠ ﴿غضب الله عَلَيْهِم﴾ المجادلة ١٤ الممتحنة ١٣ ﴿﵃﴾ الْمَائِدَة ١١٩ ﴿وَالله لَا يستحيي من الْحق﴾ الْأَحْزَاب ٥٣ ﴿الله يستهزئ بهم﴾ الْبَقَرَة ١٥ ﴿ومكروا ومكر الله﴾ آل عمرَان ٥٤ ﴿بل عجبت﴾ بِضَم التَّاء ﴿ويسخرون﴾ الصافات ١٢
стр. 27
فمذهب السّلف فِي هَذَا وَنَحْوه أَنهم يَقُولُونَ صِفَات الله تَعَالَى لَا يطلع لَهَا على مَاهِيَّة وَإِنَّمَا تمر كَمَا جَاءَت
قَالَ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية مَذْهَب سلف الْأمة وأئمتها أَن يصفو الله بِمَا وصف الله بِهِ نَفسه وَبِمَا وَصفه بِهِ رَسُوله من غير تَحْرِيف وَلَا تَعْطِيل وَلَا تكييف وَلَا تَمْثِيل وَلَا يجوز نفي صِفَات الله الَّتِي وصف بهَا نَفسه وَلَا تمثيلها بِصِفَات المخلوقين
وَمذهب الْخلف قَالُوا الرَّحْمَة لُغَة رقة الْقلب وانعطافه وَذَلِكَ من الكيفيات التابعة للمزاج وَالله منزه عَنْهَا فَالْمُرَاد بهَا فِي حَقه تَعَالَى إِرَادَة الْخَيْر وَالْإِحْسَان إِلَى من يرحمه فَإِن أَسمَاء الله تَعَالَى تُؤْخَذ بِاعْتِبَار الغايات الَّتِي هِيَ أَفعَال دون المبادئ الَّتِي هِيَ انفعالات
وَالْغَضَب هيجان النَّفس لإِرَادَة الإنتقام أَو غليان دم الْقلب وَعند إِسْنَاده إِلَيْهِ تَعَالَى يُرَاد بِهِ غَايَته فَإِن كَانَ إِرَادَة الإنتقام من العَاصِي فَإِنَّهُ من صِفَات الذَّات وَإِن كَانَ إحلال الْعقُوبَة كَانَ من صِفَات الْفِعْل
وَالْحيَاء هُوَ انقباض النَّفس عَن الْقَبِيح مَخَافَة الذَّم واشتقاقه من الْحَيَاة فَإِنَّهُ انكسار يعتري الْقُوَّة الحيوانية فيردها عَن أفعالها وَإِذا وصف بِهِ البارئ تَعَالَى كَمَا فِي قَوْله ﴿وَالله لَا يستحيي من الْحق﴾ الْأَحْزَاب ٥٣ وكما فِي حَدِيث إِن ربكُم حييّ كريم يستحيي إِذا رفع العَبْد يَدَيْهِ إِلَيْهِ فَيَرُدهُمَا صفرا حَتَّى
стр. 28
يضع فيهمَا خيرا فَالْمُرَاد بِهِ التّرْك اللَّازِم للإنقباض العرضي كَمَا أَن المُرَاد من رَحمته وغضبه إِصَابَة الْخَيْر والإنتقام
والإستهزاء من بَاب الْعَبَث والسخرية وَالله تَعَالَى منزه عَن ذَلِك فَمَعْنَى ﴿يستهزئ بهم﴾ الْبَقَرَة ١٥ أَي يجازيهم على استهزائهم وَهُوَ من بَاب المشاكلة فِي اللَّفْظ ليزدوج الْكَلَام ك ﴿جَزَاء سَيِّئَة بِمِثْلِهَا﴾ الشورى ٤٠ ﴿نسوا الله فنسيهم﴾ التَّوْبَة ٦٧ أَو الْمَعْنى يعاملهم مُعَاملَة المستهزئ أما فِي الدُّنْيَا فبإجراء أَحْكَام الْمُسلمين علهيم وإستدراجهم بالإمهال وَأما فِي الْآخِرَة فيروى أَنه يفتح لأَحَدهم بَاب إِلَى الْجنَّة فيسرع نَحوه فَإِذا صَار إِلَيْهِ سد دونه ثمَّ يفتح لَهُ بَاب آخر فَإِذا أقبل إِلَيْهِ سد دونه
وَالْمَكْر فِي الأَصْل حِيلَة يتَوَصَّل بهَا إِلَى مضرَّة الْغَيْر وَالله منزه عَن ذَلِك فَلَا يُمكن إِسْنَاده إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ إِلَّا بطرِيق المشاكلة
والضحك هُوَ رِضَاهُ تَعَالَى بِفعل عَبده ومحبته إِيَّاه وَإِظْهَار
стр. 29
نعْمَته عَلَيْهِ وَقَالَ بَعضهم الضحك اسْتِعَارَة فِي حق الرب سُبْحَانَهُ لِأَنَّهُ لَا يجوز عَلَيْهِ تغير الْحَالَات
والتعجب انفعال يحدث فِي النَّفس عِنْد الشُّعُور بِأَمْر خَفِي سَببه وَخرج عَن نَظَائِره وَلِهَذَا يُقَال إِذا ظهر السَّبَب بَطل الْعجب فَلَا يُطلق على الله أَنه متعجب لِأَنَّهُ لَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء وَلِهَذَا قَالَ شُرَيْح لما قرئَ عِنْده ﴿بل عجبت﴾ بِضَم التَّاء إِن الله لَا يعجب من شَيْء إِنَّمَا يعجب من لَا يعلم قَالَ الْأَعْمَش فَذكرت ذَلِك لإِبْرَاهِيم فَقَالَ إِن شريحا كَانَ يُعجبهُ رَأْيه إِن عبد الله يَعْنِي ابْن مَسْعُود كَانَ أعلم من شُرَيْح وَكَانَ يقْرؤهَا عبد الله ﴿بل عجبت﴾ يَعْنِي بِضَم التَّاء وَكَذَلِكَ قَرَأَ الْكُوفِيُّونَ إِلَّا عَاصِمًا قَالُوا فالعجب من الله تَعَالَى إِمَّا على الْفَرْض والتخييل أَو هُوَ مَصْرُوف للمخاطب بِمَعْنى أَنه يجب أَن يتعجب مِنْهُ أَو هُوَ على معنى الإستعظام اللَّازِم لَهُ فَإِنَّهُ روعة تعتري الْإِنْسَان عِنْد استعظامه الشَّيْء
وَقيل إِنَّه مُقَدّر بالْقَوْل أَي قل يَا مُحَمَّد بل عجبت وَحِينَئِذٍ فَمَعْنَى الْقِرَاءَتَيْن وَاحِد
وَقَالَ الْمَهْدَوِيّ يجوز أَن يكون إِخْبَار الله عَن نَفسه بالعجب مَحْمُولا على أَنه ظهر من أمره وَسخطه على من كفر بِهِ مَا يقوم مقَام الْعجب من المخلوقين كَمَا يخبر عَنهُ تَعَالَى بالضحك عَمَّن رَضِي عَنهُ بِمَعْنى أَنه أظهر لَهُ من رِضَاهُ عَنهُ مَا يقوم مقَام الضحك من
стр. 30
المخلوقين مجَازًا واتساعا وَقد يكون الْعجب بِمَعْنى وُقُوع ذَلِك الْعَمَل عِنْد الله ظيما فَقَوله ﴿بل عجبت﴾ أَي بل عظم فعلهم عِنْدِي
قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَيُشبه أَن يكون هَذَا معنى حَدِيث عقبَة بن عَامر قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول عجب رَبك من شَاب لَيست لَهُ صبوة
قَالَ الْحسن بن الْفضل التَّعَجُّب من الله إِنْكَار الشَّيْء وتعظيمه وَهُوَ لُغَة الْعَرَب وَقد جَاءَ فِي الْخَبَر عجب ربكُم
وَقَالَ الْهَرَوِيّ وَيُقَال معنى عجب ربكُم أَي رَضِي وأثاب فَسَماهُ عجبا وَلَيْسَ بعجب فِي الْحَقِيقَة كَقَوْلِه ﴿ويمكرون ويمكر الله﴾ الْأَنْفَال ٣٠ أَي يجازيهم على مَكْرهمْ
وَسُئِلَ الْجُنَيْد عَن قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن تعجب فَعجب قَوْلهم﴾ الرَّعْد ٥ فَقَالَ إِن الله لَا يعجب من شَيْء
وَقَالَ الإِمَام فَخر الدّين جَمِيع الْأَعْرَاض النفسانية أَعنِي الرَّحْمَة والفرح وَالسُّرُور وَالْغَضَب وَالْحيَاء وَالْمَكْر والإستهزاء وَنَحْو ذَلِك لَهَا أَوَائِل وَلها غايات مِثَاله الْغَضَب فَإِن أَوله غليان دم
стр. 31
الْقلب وغايته إِرَادَة إِيصَال الضَّرَر إِلَى المغضوب عَلَيْهِ فَلفظ الْغَضَب فِي حق الله لَا يحمل على أَوله الَّذِي هُوَ غليان دم الْقلب بل على غَايَته أَو غَرَضه الَّذِي هُوَ إِرَادَة الْإِضْرَار وَكَذَلِكَ الْحيَاء لَهُ أول وَهُوَ إنكسار يحصل فِي النَّفس وَله غَرَض وَهُوَ ترك الْفِعْل فَلفظ الْحيَاء فِي حَقه تَعَالَى يحمل على ترك الْفِعْل لَا على انكسار النَّفس انْتهى
قلت وعَلى هَذَا الضَّابِط فَكَذَلِك يُقَال فِي الرِّضَا وَالْكَرم والحلم وَالشُّكْر والمحبة وَنَحْو ذَلِك فَإِن الظَّاهِر أَن هَذِه كلهَا فِي حَقنا كيفيات نفسانية قيل وَالْحق أَن الكيفيات النفسانية تحْتَاج إِلَى تَعْرِيف لكَونهَا وجدانيات
وَفِي تَفْسِير الْقُرْطُبِيّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن تشكروا يرضه لكم﴾ الزمر ٧ ويرضى بِمَعْنى يثيب ويثنى فالرضا على هَذَا إِمَّا ثَوَابه فَيكون صفة فعل كَقَوْلِه ﴿لَئِن شكرتم لأزيدنكم﴾ إِبْرَاهِيم ٧ وَإِمَّا ثَنَاؤُهُ فَهُوَ صفة ذَات انْتهى
قلت وَمن هَذَا يعلم جَوَاب سُؤال كنت أوردته فِي مؤلف لطيف سميته الأسئلة عَن مسَائِل مشكلة قلت فِيهِ وَمِنْهَا أَن أهل السّنة جعلُوا الصِّفَات الْقَدِيمَة لله سُبْحَانَهُ ثَمَانِيَة وَهِي الْعلم وَالْقُدْرَة والإرادة والحياة والسمع وَالْبَصَر وَالْكَلَام والبقاء وَبَعْضهمْ يَقُول والتكوين محتجين فِي ذَلِك بالإشتقاق وَأَنه لَا يعقل مَفْهُوم عليم إِلَّا بِعلم وَسميع إِلَّا بسمع وَهَكَذَا
стр. 32
وَحِينَئِذٍ فَيُقَال موجه الإقتصار على هَذِه الصِّفَات الثمان مَعَ أَنه تَعَالَى عَزِيز فَمن أَوْصَافه الْعِزَّة وعظيم فِيمَن أَوْصَافه العظمة وحليم فَمن أَوْصَافه الْحلم فَهَل يَصح أَن يُقَال مثلا حَلِيم بحلم كَمَا يُقَال عليم بِعلم وَهَكَذَا فِي الْبَقِيَّة
وَلَعَلَّ الْجَواب على طَريقَة الْخلف أَن هَذِه الْأَوْصَاف كلهَا كيفيات وإنفعالات تحدث فِي النَّفس وَالله منزه عَنْهَا فتؤخذ كلهَا بإعتبار الغايات بِخِلَاف الْعلم وَالْقُدْرَة والسمع وَالْبَصَر وَنَحْوهمَا فَإِنَّهَا من الْأَوْصَاف الذاتية لَا من الكيفيات النفسانية
وللسلف أَن يَقُولُوا إِن هَذِه الْأَوْصَاف على ظَاهرهَا وَهَذَا التَّعْلِيل لَا يسْتَلْزم أَن يكون كَذَلِك فِي حَقه تَعَالَى كَمَا أَن الْعلم وَالْقُدْرَة والسمع وَالْبَصَر تَسْتَلْزِم من النَّقْص فِي حَقنا مَا يجب تَنْزِيه الله تَعَالَى عَنهُ من جِهَة أَنَّهَا أَعْرَاض وَنَحْوه فمذهب السّلف أسلم لَا سِيمَا وَقد نقل البُخَارِيّ وَغَيره عَن الفضيل بن عِيَاض قدس الله روحه أَنه قَالَ لَيْسَ لنا أَن نتوهم فِي الله كَيفَ هُوَ لِأَن الله وصف نَفسه فأبلغ فَقَالَ ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ السُّورَة فَلَا صفة أبلغ مِمَّا وصف بِهِ نَفسه فَهَذَا النُّزُول والضحك وَهَذِه المباهاة وَهَذَا الإطلاع كَمَا شَاءَ الله أَن ينزل وكما شَاءَ أَن يباهي وكما شَاءَ أَن يضْحك وكما شَاءَ أَن يطلع فَلَيْسَ لنا أَن نتوهم كَيفَ وَكَيف فَإِذا قَالَ الجهمي أَنا أكفر بِرَبّ يَزُول عَن مَكَانَهُ فَقل أَنا أُؤْمِن بِرَبّ يفعل مَا يَشَاء أنْتَهى
وَقَالَ بعض من انتصر لمَذْهَب السّلف ردا على الْخلف
стр. 33
جَمِيع مَا يلزمون بِهِ فِي الإستواء وَالنُّزُول وَالْيَد وَالْوَجْه والقدم والضحك والتعجب من التَّشْبِيه
فلزمهم بِهِ فِي الْحَيَاة والسمع وَالْبَصَر وَالْعلم فَكَمَا لَا يجعلونها أعراضا كَذَلِك نَحن لَا نَجْعَلهَا جوارح وَلَا مَا يُوصف بِهِ الْمَخْلُوق وَيَأْتِي كَلَامه كُله
وَمن الْمُتَشَابه الْمحبَّة فِي وَصفه تَعَالَى بهَا فِي قَوْله ﴿يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ الْمَائِدَة ٥٤ وَقَوله ﴿وألقيت عَلَيْك محبَّة مني﴾ طه ٣٩ لِأَن الْمحبَّة ميل الْقلب إِلَى مَا يلائم الطَّبْع وَالله منزه عَن ذَلِك وَحِينَئِذٍ فمحبة الله تَعَالَى للْعَبد هِيَ إِرَادَة اللطف بِهِ وَالْإِحْسَان إِلَيْهِ ومحبة العَبْد لله هِيَ محبَّة طَاعَته فِي أوامره ونواهيه والإعتناء بتحصيل مراضيه فَمَعْنَى يحب الله أَي يحب طَاعَته وخدمته أَو يحب ثَوَابه وإحسانه وَهَذَا مَذْهَب جُمْهُور الْمُتَكَلِّمين
قَالَ الْعَلامَة الطوفي ذهب طوائف من الْمُتَكَلِّمين وَالْفُقَهَاء إِلَى أَن الله تَعَالَى لَا يحب وَإِنَّمَا محبته محبَّة طَاعَته وعبادته وَقَالُوا هُوَ أَيْضا لَا يحب عباده الْمُؤمنِينَ وَإِنَّمَا محبته إِرَادَته الْإِحْسَان إِلَيْهِم قَالَ وَالَّذِي دلّ عَلَيْهِ الْكتاب وَالسّنة وَاتفقَ عَلَيْهِ سلف الْأمة وأئمتها وَجَمِيع مَشَايِخ الطَّرِيق أَن الله تَعَالَى يحب وَيُحب لذاته وَأما حب ثَوَابه فدرجة نازلة
قَالَ وَأول من أنكر الْمحبَّة فِي الْإِسْلَام الْجَعْد بن دِرْهَم أستاذ الجهم بن صَفْوَان فضحى بِهِ خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي وَقَالَ أَيهَا النَّاس ضحوا تقبل الله ضَحَايَاكُمْ فَإِنِّي مضح بالجعد
стр. 34
ابْن دِرْهَم إِنَّه زعم أَن الله لم يتَّخذ إِبْرَاهِيم خَلِيلًا وَلم يكلم مُوسَى تكليما ثمَّ نزل فذبحه بِرِضا عُلَمَاء الْإِسْلَام
قَالَ وَهَؤُلَاء الَّذِي يُنكرُونَ حَقِيقَة محبَّة الرب يُنكرُونَ التَّلَذُّذ بِالنّظرِ إِلَيْهِ وَلِهَذَا ظن كثير من المتفقهة والمتصوفة والمتكلمة أَن الْجنَّة لَيست إِلَّا التنعم بالمخلوق من أكل وَشرب ولباس وَنِكَاح وَسَمَاع أصوات طيبَة وشم رَوَائِح طيبَة لَا نعيم غير ذَلِك ثمَّ من هَؤُلَاءِ من أنكر أَن يكون الْمُؤْمِنُونَ يرَوْنَ رَبهم كالجهمية والمعتزلة وَمِنْهُم من أقرّ بِالرُّؤْيَةِ إِمَّا بِالَّتِي أخبر النَّبِي ﷺ بهَا كَأَهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَإِمَّا بِرُؤْيَة هِيَ زِيَادَة كشف أَو علم أَو بحاسة سادسة وَنَحْو ذَلِك من الْأَقْوَال
وَالْمَقْصُود هُنَا أَن طوائف مِمَّن أثبت الرُّؤْيَة أَنْكَرُوا أَن يكون الْمُؤْمِنُونَ يتنعمون بِنَفس رُؤْيَتهمْ رَبهم قَالُوا لِأَنَّهُ لَا مُنَاسبَة بَين الْمُحدث وَالْقَدِيم كَمَا ذكر ذَلِك الْأُسْتَاذ أَبُو الْمَعَالِي وَالْإِمَام ابْن عقيل حَتَّى نقل عَنهُ أَنه سمع قَائِلا يَقُول أَسأَلك لَذَّة النّظر إِلَى وَجهك فَقَالَ يَا هَذَا هَب أَن لَهُ وَجها أَله وَجه يتلذذ بِالنّظرِ إِلَيْهِ وَذكر أَبُو الْمَعَالِي أَن الله يخلق لَهُم نعيما بِبَعْض الْمَخْلُوقَات مُقَارنًا للرؤية فَأَما التنعم بِنَفس الرُّؤْيَة فَأنكرهُ وَجعل
стр. 35
هَذَا من أسرار التَّوْحِيد
قَالَ الطوفي وَأكْثر مثبتي الرُّؤْيَة يقرونَ بتنعم الْمُؤمنِينَ بِرُؤْيَة رَبهم وَكلما كَانَ الشَّيْء أحب كَانَت اللَّذَّة بنيله أعظم قَالَ وَهَذَا مُتَّفق عَلَيْهِ بَين السّلف وَالْأَئِمَّة ومشايخ الطَّرِيق
وَيدل لذَلِك حَدِيث النَّسَائِيّ وَغَيره عَن النَّبِي ﷺ وَفِيه وَأَسْأَلك لَذَّة النّظر إِلَى وَجهك وَأَسْأَلك الشوق إِلَى لقائك فِي غير ضراء مضرَّة وَلَا فتْنَة مضلة
وَفِي صَحِيح مُسلم وَغَيره عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِذا دخل أهل الْجنَّة الْجنَّة نَادَى مُنَاد يَا أهل الْجنَّة إِن لكم عِنْد الله موعدا يُرِيد أَن ينجزكموه فَيَقُولُونَ مَا هُوَ ألم يبيض وُجُوهنَا ويثقل موازيننا ويدخلنا الْجنَّة ويجرنا من النَّار قَالَ فَيكْشف الْحجاب فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَمَا أَعْطَاهُم شَيْئا أحب من النّظر إِلَيْهِ
وَقَالَ ابْن تَيْمِية إِن الْمُؤمنِينَ ينظرُونَ إِلَى خالقهم فِي الْجنَّة ويتلذذون بذلك لَذَّة تنغمر فِي جَانبهَا جَمِيع اللَّذَّات
وَأما الْعِشْق فَالله سُبْحَانَهُ لَا يعشق وَلَا يعشق قَالَ الشَّيْخ عز
стр. 36
الدّين بن عبد السلام لِأَن الْعِشْق فَسَاد يخيل أَن أَوْصَاف المعشوق فَوق مَا هِيَ عَلَيْهِ وَلَا يتَصَوَّر ذَلِك هُنَا
وَمن الْمُتَشَابه العندية فِي قَوْله تَعَالَى ﴿بل أَحيَاء عِنْد رَبهم﴾ آل عمرَان ١٦٩ وَقَوله ﴿للَّذين اتَّقوا عِنْد رَبهم﴾ آل عمرَان ١٥ وَقَوله ﴿إِن الَّذين عِنْد رَبك﴾ الْأَعْرَاف ٢٠٦
قَالَ أهل التَّأْوِيل إِن المُرَاد بقوله ﴿بل أَحيَاء عِنْد رَبهم﴾ هُوَ مزِيد التَّقَرُّب والزلفى والتكرمة فَهِيَ عندية كَرَامَة لَا عندية قرب ومسافة كَمَا يُقَال فلَان عِنْد الْأَمِير فِي غَايَة الْكَرَامَة
وَقَوله ﴿إِن الَّذين عِنْد رَبك﴾ يعْنى الْمَلَائِكَة بِالْإِجْمَاع
قَالَ الْقُرْطُبِيّ وَقَالَ ﴿عِنْد رَبك﴾ وَالله سُبْحَانَهُ بِكُل مَكَان لأَنهم قريبون من رَحمته وكل قريب من رَحمته فَهُوَ عِنْده هَذَا عَن الزّجاج وَقَالَ غَيره لأَنهم فِي مَوضِع لَا ينفذ فِيهِ إِلَّا حكم الله وَقيل لأَنهم رسل الله وجنده كَمَا يُقَال عِنْد الْخَلِيفَة جَيش كثير وَقيل هَذَا على جِهَة التشريف لَهُم وَأَنَّهُمْ بِالْمَكَانِ المكرم فَهُوَ عبارَة عَن قربهم فِي الْكَرَامَة
وَفِي تَفْسِير الْبَيْضَاوِيّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَله من فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمن عِنْده﴾
стр. 37
الْأَنْبِيَاء ١٩ يَعْنِي الْمَلَائِكَة المنزلين مِنْهُ لكرامتهم عَلَيْهِ منزلَة المقربين عِنْد الْمُلُوك وَهُوَ مَعْطُوف على ﴿من فِي السَّمَاوَات﴾ وإفراده للتعظيم وَالْمرَاد بِهِ نوع من الْمَلَائِكَة متعال عَن السَّمَاء وَالْأَرْض
وَقَالَ ابْن اللبان وَقد جَاءَ الْكتاب الْعَزِيز بالتنبيه على أَن حَضْرَة عنديته وَرَاء دوائر السَّمَاوَات وَالْأَرْض لِأَن الْعَطف يَقْتَضِي الْمُغَايرَة فَدلَّ على أَن حَضْرَة عنديته وَرَاء دوائر السَّمَاوَات وَالْأَرْض مُحِيطَة بهَا كإحاطة رَبنَا بذلك كُله مباينة لَهَا كمباينته لَا إِلَه إِلَّا هُوَ
وَمن الْمُتَشَابه الْجِهَة والمعية فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ القاهر فَوق عباده﴾ الْأَنْعَام ٦١ ﴿أأمنتم من فِي السَّمَاء﴾ الْملك ١٦ ﴿تعرج الْمَلَائِكَة وَالروح إِلَيْهِ﴾ المعارج ٤ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَهُوَ مَعكُمْ أَيْن مَا كُنْتُم﴾ الْحَدِيد ٤ وَقَوله ﴿إِلَّا هُوَ مَعَهم﴾ المجادلة ٧ وَغير ذَلِك من الْآيَات وَالْأَحَادِيث
وَأعلم أَن أهل التَّأْوِيل افْتَرَقُوا هُنَا ثَلَاثَة فرق
فَقَالَ قوم بالجهة وَإنَّهُ تَعَالَى فَوق الْعَرْش على الْوَجْه الَّذِي يسْتَحقّهُ
وَقَالَ قوم بالمعية الذاتية وَإنَّهُ تَعَالَى مَعَ كل أحد بِذَاتِهِ
وَقَالَ قوم إِنَّه تَعَالَى لَا دَاخل الْعَالم وَلَا خَارج الْعَالم
стр. 38
وَقد بَالغ كل فريق فِي تضليل الْفَرِيق الآخر وَفِي الرَّد عَلَيْهِ وَفِي زَعمه أَنه هُوَ الَّذِي على الْحق وَأَن خَصمه لَا على شَيْء وَأَنه هُوَ الْعَارِف بِالْحَقِّ دون خَصمه
وَلَقَد تدبرت بِعَين البصيرة فَرَأَيْت كل فريق مِنْهُم لَا يعرف مَذْهَب الْفَرِيق الآخر على سَبِيل التَّفْصِيل بل من حَيْثُ الْإِجْمَال وَهَذَا هُوَ الْمُوجب للتضليل وَمَعَ ذَلِك فَرَأَيْت أهل هَذِه الْفرق الَّذين ارتكبوا غير طَريقَة السّلف إِنَّمَا هم كَمَا قيل ... وكل يدعونَ وصال ليلى ... وليلى لَا تقر لَهُم بذاكا ...
وَهَا أَنا أذكر لَك شُبْهَة كل فريق مِنْهُم على سَبِيل التَّلْخِيص وَلَا أرْضى بِوَاحِدَة مِنْهَا بل بطريقة السّلف
فاحتج الْقَائِل بالجهة بقوله تَعَالَى ﴿وَهُوَ القاهر فَوق عباده﴾
стр. 39
الْأَنْعَام ١٨ ٦١ ﴿تعرج الْمَلَائِكَة وَالروح إِلَيْهِ﴾ المعارج ٤ ﴿إِلَيْهِ يصعد الْكَلم الطّيب﴾ فاطر ١٠ ﴿يخَافُونَ رَبهم من فَوْقهم﴾ النَّحْل ٥٠ ﴿أأمنتم من فِي السَّمَاء أَن يخسف بكم الأَرْض﴾ تبَارك ١٦ وَفِي هُنَا بِمَعْنى على كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يتيهون فِي الأَرْض﴾ الْمَائِدَة ٢٦ وَقَوله ﴿ولأصلبنكم فِي جُذُوع النّخل﴾ طه ٧١ وَالْمرَاد بالسماء هُنَا مَا فَوق الْعَرْش لِأَن مَا علا يُقَال لَهُ سَمَاء وَبِقَوْلِهِ ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ طه ٥ وَبِقَوْلِهِ ﴿لعَلي أطلع إِلَى إِلَه مُوسَى﴾ الْقَصَص ٣٨
قَالُوا فَهَذَا يدل على أَن مُوسَى أخبرهُ بِأَن ربه فَوق السَّمَاء وَلِهَذَا قَالَ ﴿وَإِنِّي لأظنه من الْكَاذِبين﴾ الْقَصَص ٣٨ وَلَو كَانَ مُوسَى أخبرهُ أَنه فِي كل جِهَة أَو فِي كل مَكَان بِذَاتِهِ لطلبه فِي نَفسه أَو فِي بَيته وَلم يجْهد نَفسه فِي بُنيان الصرح
وَبِقَوْلِهِ ﵇ إِن الله فَوق عَرْشه وعرشه فَوق سماواته وسماواته فَوق أرضه مثل الْقبَّة وَأَشَارَ ﵇ بِيَدِهِ مثل الْقبَّة
стр. 40
وَفِي حَدِيث آخر وَالْعرش فَوق ذَلِك وَالله تَعَالَى فَوق عَرْشه
وبأحاديث الْمِعْرَاج وبآثار كَثِيرَة عَن الصَّحَابَة كَقَوْل أبي بكر الصّديق لما قبض رَسُول الله ﷺ من كَانَ يعبد مُحَمَّدًا فَإِن مُحَمَّدًا قد مَاتَ وَمن كَانَ يعبد الله فَإِن الله حَيّ فِي السَّمَاء لَا يَمُوت رَوَاهُ البُخَارِيّ
وكقول عبد الله بن رَوَاحَة ﵁ فِي شعره الْمَشْهُور بِحَضْرَتِهِ ﵇ ... وَأَن الْعَرْش فَوق المَاء طَاف ... وَفَوق الْعَرْش رب العالمينا ...
ويجد النَّاظر فِي النُّصُوص الْوَارِدَة عَن الله وَرَسُوله فِي ذَلِك
следующие страницы →