← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 6454

أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات والآيات المحكمات والمشتبهات

مرعي الكرمي

Полный текст (195 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الدّين بن عبد السلام لِأَن الْعِشْق فَسَاد يخيل أَن أَوْصَاف المعشوق فَوق مَا هِيَ عَلَيْهِ وَلَا يتَصَوَّر ذَلِك هُنَا وَمن الْمُتَشَابه العندية فِي قَوْله تَعَالَى ﴿بل أَحيَاء عِنْد رَبهم﴾ آل عمرَان ١٦٩ وَقَوله ﴿للَّذين اتَّقوا عِنْد رَبهم﴾ آل عمرَان ١٥ وَقَوله ﴿إِن الَّذين عِنْد رَبك﴾ الْأَعْرَاف ٢٠٦ قَالَ أهل التَّأْوِيل إِن المُرَاد بقوله ﴿بل أَحيَاء عِنْد رَبهم﴾ هُوَ مزِيد التَّقَرُّب والزلفى والتكرمة فَهِيَ عندية كَرَامَة لَا عندية قرب ومسافة كَمَا يُقَال فلَان عِنْد الْأَمِير فِي غَايَة الْكَرَامَة وَقَوله ﴿إِن الَّذين عِنْد رَبك﴾ يعْنى الْمَلَائِكَة بِالْإِجْمَاع قَالَ الْقُرْطُبِيّ وَقَالَ ﴿عِنْد رَبك﴾ وَالله سُبْحَانَهُ بِكُل مَكَان لأَنهم قريبون من رَحمته وكل قريب من رَحمته فَهُوَ عِنْده هَذَا عَن الزّجاج وَقَالَ غَيره لأَنهم فِي مَوضِع لَا ينفذ فِيهِ إِلَّا حكم الله وَقيل لأَنهم رسل الله وجنده كَمَا يُقَال عِنْد الْخَلِيفَة جَيش كثير وَقيل هَذَا على جِهَة التشريف لَهُم وَأَنَّهُمْ بِالْمَكَانِ المكرم فَهُوَ عبارَة عَن قربهم فِي الْكَرَامَة وَفِي تَفْسِير الْبَيْضَاوِيّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَله من فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمن عِنْده﴾

стр. 37

الْأَنْبِيَاء ١٩ يَعْنِي الْمَلَائِكَة المنزلين مِنْهُ لكرامتهم عَلَيْهِ منزلَة المقربين عِنْد الْمُلُوك وَهُوَ مَعْطُوف على ﴿من فِي السَّمَاوَات﴾ وإفراده للتعظيم وَالْمرَاد بِهِ نوع من الْمَلَائِكَة متعال عَن السَّمَاء وَالْأَرْض وَقَالَ ابْن اللبان وَقد جَاءَ الْكتاب الْعَزِيز بالتنبيه على أَن حَضْرَة عنديته وَرَاء دوائر السَّمَاوَات وَالْأَرْض لِأَن الْعَطف يَقْتَضِي الْمُغَايرَة فَدلَّ على أَن حَضْرَة عنديته وَرَاء دوائر السَّمَاوَات وَالْأَرْض مُحِيطَة بهَا كإحاطة رَبنَا بذلك كُله مباينة لَهَا كمباينته لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَمن الْمُتَشَابه الْجِهَة والمعية فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ القاهر فَوق عباده﴾ الْأَنْعَام ٦١ ﴿أأمنتم من فِي السَّمَاء﴾ الْملك ١٦ ﴿تعرج الْمَلَائِكَة وَالروح إِلَيْهِ﴾ المعارج ٤ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَهُوَ مَعكُمْ أَيْن مَا كُنْتُم﴾ الْحَدِيد ٤ وَقَوله ﴿إِلَّا هُوَ مَعَهم﴾ المجادلة ٧ وَغير ذَلِك من الْآيَات وَالْأَحَادِيث وَأعلم أَن أهل التَّأْوِيل افْتَرَقُوا هُنَا ثَلَاثَة فرق فَقَالَ قوم بالجهة وَإنَّهُ تَعَالَى فَوق الْعَرْش على الْوَجْه الَّذِي يسْتَحقّهُ وَقَالَ قوم بالمعية الذاتية وَإنَّهُ تَعَالَى مَعَ كل أحد بِذَاتِهِ وَقَالَ قوم إِنَّه تَعَالَى لَا دَاخل الْعَالم وَلَا خَارج الْعَالم

стр. 38

وَقد بَالغ كل فريق فِي تضليل الْفَرِيق الآخر وَفِي الرَّد عَلَيْهِ وَفِي زَعمه أَنه هُوَ الَّذِي على الْحق وَأَن خَصمه لَا على شَيْء وَأَنه هُوَ الْعَارِف بِالْحَقِّ دون خَصمه وَلَقَد تدبرت بِعَين البصيرة فَرَأَيْت كل فريق مِنْهُم لَا يعرف مَذْهَب الْفَرِيق الآخر على سَبِيل التَّفْصِيل بل من حَيْثُ الْإِجْمَال وَهَذَا هُوَ الْمُوجب للتضليل وَمَعَ ذَلِك فَرَأَيْت أهل هَذِه الْفرق الَّذين ارتكبوا غير طَريقَة السّلف إِنَّمَا هم كَمَا قيل ... وكل يدعونَ وصال ليلى ... وليلى لَا تقر لَهُم بذاكا ... وَهَا أَنا أذكر لَك شُبْهَة كل فريق مِنْهُم على سَبِيل التَّلْخِيص وَلَا أرْضى بِوَاحِدَة مِنْهَا بل بطريقة السّلف فاحتج الْقَائِل بالجهة بقوله تَعَالَى ﴿وَهُوَ القاهر فَوق عباده﴾

стр. 39

الْأَنْعَام ١٨ ٦١ ﴿تعرج الْمَلَائِكَة وَالروح إِلَيْهِ﴾ المعارج ٤ ﴿إِلَيْهِ يصعد الْكَلم الطّيب﴾ فاطر ١٠ ﴿يخَافُونَ رَبهم من فَوْقهم﴾ النَّحْل ٥٠ ﴿أأمنتم من فِي السَّمَاء أَن يخسف بكم الأَرْض﴾ تبَارك ١٦ وَفِي هُنَا بِمَعْنى على كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يتيهون فِي الأَرْض﴾ الْمَائِدَة ٢٦ وَقَوله ﴿ولأصلبنكم فِي جُذُوع النّخل﴾ طه ٧١ وَالْمرَاد بالسماء هُنَا مَا فَوق الْعَرْش لِأَن مَا علا يُقَال لَهُ سَمَاء وَبِقَوْلِهِ ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ طه ٥ وَبِقَوْلِهِ ﴿لعَلي أطلع إِلَى إِلَه مُوسَى﴾ الْقَصَص ٣٨ قَالُوا فَهَذَا يدل على أَن مُوسَى أخبرهُ بِأَن ربه فَوق السَّمَاء وَلِهَذَا قَالَ ﴿وَإِنِّي لأظنه من الْكَاذِبين﴾ الْقَصَص ٣٨ وَلَو كَانَ مُوسَى أخبرهُ أَنه فِي كل جِهَة أَو فِي كل مَكَان بِذَاتِهِ لطلبه فِي نَفسه أَو فِي بَيته وَلم يجْهد نَفسه فِي بُنيان الصرح وَبِقَوْلِهِ ﵇ إِن الله فَوق عَرْشه وعرشه فَوق سماواته وسماواته فَوق أرضه مثل الْقبَّة وَأَشَارَ ﵇ بِيَدِهِ مثل الْقبَّة

стр. 40

وَفِي حَدِيث آخر وَالْعرش فَوق ذَلِك وَالله تَعَالَى فَوق عَرْشه وبأحاديث الْمِعْرَاج وبآثار كَثِيرَة عَن الصَّحَابَة كَقَوْل أبي بكر الصّديق لما قبض رَسُول الله ﷺ من كَانَ يعبد مُحَمَّدًا فَإِن مُحَمَّدًا قد مَاتَ وَمن كَانَ يعبد الله فَإِن الله حَيّ فِي السَّمَاء لَا يَمُوت رَوَاهُ البُخَارِيّ وكقول عبد الله بن رَوَاحَة ﵁ فِي شعره الْمَشْهُور بِحَضْرَتِهِ ﵇ ... وَأَن الْعَرْش فَوق المَاء طَاف ... وَفَوق الْعَرْش رب العالمينا ... ويجد النَّاظر فِي النُّصُوص الْوَارِدَة عَن الله وَرَسُوله فِي ذَلِك

стр. 41

نصوصا تُشِير إِلَى حقائق هَذِه الْمعَانِي ويجد الرَّسُول تَارَة قد صرح بهَا مخبرا بهَا عَن ربه واصفا لَهُ بهَا وَمن الْمَعْلُوم أَنه ﵇ كَانَ يحضر فِي مَجْلِسه الشريف والعالم وَالْجَاهِل والذكي والبليد والأعرابي الجافي ثمَّ لايجد شَيْئا يعقب تِلْكَ النُّصُوص مِمَّا يصرفهَا عَن حقائقها لَا نصا وظاهرا كَمَا تأولها بعض هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمين وَلم ينْقل عَنهُ ﵇ أَنه كَانَ يحذر النَّاس من الْإِيمَان بِمَا يظْهر من كَلَامه فِي صفته لرَبه من الْفَوْقِيَّة وَالْيَدَيْنِ وَنَحْو ذَلِك وَلَا نقل عَنهُ أَن لهَذِهِ الصِّفَات مَعَاني أخر باطنة غير مَا يظْهر من مدلولها وَلما قَالَ لِلْجَارِيَةِ أَيْن الله فَقَالَت فِي السَّمَاء لم يُنكر عَلَيْهَا بِحَضْرَة أَصْحَابه كي لَا يتوهموا أَن الْأَمر على خلاف مَا هُوَ عَلَيْهِ بل أقرها وَقَالَ أعْتقهَا فَإِنَّهَا مُؤمنَة إِلَى غير ذَلِك من الدَّلَائِل الَّتِي يطول ذكرهَا وَلم يقل الرَّسُول وَلَا أحد من سلف الْأمة يَوْمًا من الدَّهْر هَذِه الْآيَات وَالْأَحَادِيث لَا تعتقدوا مَا دلّت عَلَيْهِ وَكَيف يجوز على الله وَرَسُوله وَالسَّلَف أَنهم يَتَكَلَّمُونَ دَائِما بِمَا هُوَ نَص أَو ظَاهر فِي خلاف

стр. 42

الْحق ثمَّ الْحق الَّذِي يجب اعْتِقَاده لَا يَتَكَلَّمُونَ بِهِ وَلَا يدلون عَلَيْهِ وَاحْتَجُّوا أَيْضا على أَنه فِي جِهَة الْعُلُوّ بِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي طبع الله عَلَيْهِ أهل الْفطْرَة الْعَقْلِيَّة السليمة من الْأَوَّلين والآخرين الَّذين يَقُولُونَ إِنَّه فَوق الْعَالم إِذْ الْعلم بذلك فطري عَقْلِي ضَرُورِيّ لَا يتَوَقَّف على سمع قَالُوا وَلم يُقَال قَائِل يَا ألله إِلَّا وجد من قلبه ضَرُورَة بِطَلَب الْعُلُوّ بِحَيْثُ لَا يُمكن دفع هَذِه الضَّرُورَة عَن الْقُلُوب وَلَا يلْتَفت الدَّاعِي يمنة وَلَا يسرة وَأما الْعلم بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ اسْتَوَى على الْعَرْش بعد أَن خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام فَهَذَا سَمْعِي علم من جِهَة إِخْبَار الْأَنْبِيَاء ﵈ حَتَّى قَالَ الشَّيْخ عبد القادر الجيلي قدس سره فِي كِتَابه الغنية وَهُوَ تَعَالَى بِجِهَة الْعُلُوّ مستو على الْعَرْش محتو على الْملك مُحِيط علمه بالأشياء ﴿إِلَيْهِ يصعد الْكَلم الطّيب وَالْعَمَل الصَّالح يرفعهُ﴾ فاطر ١٠ ﴿يدبر الْأَمر من السَّمَاء إِلَى الأَرْض ثمَّ يعرج إِلَيْهِ﴾ الْآيَة السَّجْدَة ٥ وَلَا يجوز وَصفه بِأَنَّهُ فِي مَكَان بل يُقَال إِنَّه على الْعَرْش كَمَا قَالَ ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ طه ٥ من غير تَأْوِيل وَكَونه على الْعَرْش فِي كل كتاب أنزل على كل نَبِي أرسل بِلَا كَيفَ انْتهى

стр. 43

وَمن التعسف قَول بَعضهم إِن قَول الشَّيْخ وَهُوَ بِجِهَة الْعُلُوّ مستو على الْعَرْش هُوَ مُبْتَدأ ومستو خَبره وبجهة الْعُلُوّ مُتَعَلق بمستو بعد تعلق على الْعَرْش وَلَوْلَا ذَلِك لنصب مستو على الْحَال فَهَذَا تعسف وتحريف للكلم عَن موَاضعه فَإِن هُوَ مُبْتَدأ وبجهة الْعُلُوّ خَبره ومستو خبر بعد خبر وبجعل مستو هُوَ الْخَبَر وَالْعرش هُوَ الَّذِي بِجِهَة الْعُلُوّ أَي فَائِدَة فِي ذَلِك وَمن الْمَعْلُوم لكل أحد أَن الْعَرْش فِي جِهَة الْعُلُوّ وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِأَن الله تَعَالَى كَانَ وَلَا مَكَان وَلَا زمَان وَلَا خلاء وَلَا ملاء مُنْفَردا فِي قدمه لَا يُوصف بِأَنَّهُ فَوق كَذَا إِذْ لَا شَيْء غَيره فَلَمَّا اقْتَضَت الْإِرَادَة حُدُوث الْكَوْن اقْتَضَت أَن يكون لَهُ جِهَة علو وسفل واقضت الْحِكْمَة الإلهية أَن يكون الْكَوْن فِي جِهَة التحت والسفل لكَونه مربوبا مخلوقا وَأَن يكون هُوَ فَوق الْكَوْن بإعتبار الْكَوْن لَا بإعتبار فردانيته تَعَالَى إِذْ لَا فَوق فِيهَا وَلَا تَحت فَإِذا أُشير إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ يَسْتَحِيل أَن يشار إِلَيْهِ من جِهَة التحت وَنَحْوهَا بل من جِهَة الْعُلُوّ والفوقية قَالُوا ثمَّ الْإِشَارَة هِيَ بِحَسب الْكَوْن وحدوثه وتسفله فالإشارة تقع على أَعلَى جُزْء من الْكَوْن حَقِيقَة وَتَقَع على عَظمَة البارئ كَمَا يَلِيق بِهِ لَا كَمَا تقع على الْحَقِيقَة المعقولة عندنَا فَإِنَّهَا إِشَارَة إِلَى جسم وَهَذِه إِشَارَة إِلَى إِثْبَات وَاحْتَجُّوا أَيْضا بالإستواء على الْعَرْش والإستواء صفة كَانَت لَهُ سُبْحَانَهُ لَكِن لم يظْهر حكمهَا إِلَّا عِنْد خلق الْعَرْش كَمَا أَن الْحساب صفة قديمَة لَهُ لَا يظْهر حكمهَا إِلَّا فِي الْآخِرَة فالإشارة تقع على الْعَرْش حَقِيقَة إِشَارَة معقولة وتنتهي الْجِهَات عِنْد

стр. 44

الْعَرْش وَيبقى مَا وَرَاءه لَا يُدْرِكهُ الْعقل وَلَا يكيفه الْوَهم فَتَقَع الْإِشَارَة عَلَيْهِ كَمَا يَلِيق بِهِ سُبْحَانَهُ مثبتا مُجملا لَا مكيفا وَلَا ممثلا وَلَا مصورا وعَلى هَذِه الْكَيْفِيَّة وَقعت الْإِشَارَة عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ فِي الحَدِيث الصَّحِيح الشُّهُور الَّذِي رَوَاهُ الْأَئِمَّة فِي كتبهمْ بأسانيدهم وَتَلَقَّتْهُ الْأمة بِالْقبُولِ أَن مُعَاوِيَة بن الحكم جَاءَ بِجَارِيَة حبشية وَقَالَ يَا رَسُول الله إِنِّي نذرت أَن أعتق رَقَبَة مسلمة أَو قَالَ مُؤمنَة فَمَا تَقول فِي هَذِه الْجَارِيَة فَقَالَ لَهَا النَّبِي ﷺ أَيْن الله فَقَالَت فِي السَّمَاء وَفِي رِوَايَة أُخْرَى فَأَشَارَتْ برأسها إِلَى السَّمَاء فَقَالَ لَهَا من أَنا فَقَالَت أَنْت رَسُول الله فَقَالَ أعْتقهَا فَإِنَّهَا مُؤمنَة وَكَذَلِكَ الحَدِيث الْمَشْهُور الَّذِي رَوَاهُ أَحْمد وَغَيره عَن أبي رزين الْعقيلِيّ ﵁ أَنه قَالَ يَا رَسُول الله أَيْن كَانَ رَبنَا قبل أَن يخلق الْعَرْش قَالَ كَانَ فِي عماء فَوْقه مَاء وَتَحْته هَوَاء والعماء بِالْمدِّ هُوَ السَّحَاب كَمَا ذكره أهل اللُّغَة

стр. 45

وَهَذَا الحَدِيث من المشكلات حَيْثُ قَالَ ﵇ كَانَ فِي عماء وَهُوَ سُبْحَانَهُ منزه عَن الظَّرْفِيَّة وَلم أر من كشف عَن حَقِيقَته بِمَا يرفع إشكاله إِلَّا أَن يُقَال إِن فِي بِمَعْنى على كَمَا قَالُوا فِي قَوْله ﴿أأمنتم من فِي السَّمَاء﴾ الْملك ١٦ وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِمَا نقل عَن السّلف من التَّلْوِيح أَو التَّصْرِيح بالْقَوْل بِجِهَة الْعُلُوّ حَتَّى قَالَ الإِمَام الْقُرْطُبِيّ فِي تَفْسِيره فِي سُورَة الْأَعْرَاف وَقد كَانَ السّلف الأول ﵃ لَا يَقُولُونَ بِنَفْي الْجِهَة وَلَا ينطقون بذلك بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تَعَالَى كَمَا نطق كِتَابه وأخبرت رسله قَالَ وَلم يُنكر أحد من السّلف الصَّالح أَنه تَعَالَى اسْتَوَى على الْعَرْش حَقِيقَة انْتهى وَقَالَ ابْن تَيْمِية قَالَ أَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ صَاحب الْحِلْية فِي عقيدة لَهُ طريقتنا طَريقَة المتبعين للْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة قَالَ فمما اعتقدوه أَن الْأَحَادِيث الَّتِي ثبتَتْ فِي الْعَرْش وإستواء الله يَقُولُونَ بهَا ويثبتونها من غير تكييف وَلَا تَمْثِيل وَلَا تَشْبِيه وَأَن الله بَائِن من خلقه والخلق بائنون مِنْهُ وَهُوَ مستو على عَرْشه فِي سمائه دون أرضه

стр. 46

وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو نعيم فِي كِتَابه محجة الواثقين وَأَجْمعُوا أَن الله فَوق سماواته عَال على عَرْشه مستو عَلَيْهِ لَا مستول عَلَيْهِ كَمَا تَقول الْجَهْمِية وسَاق الْآيَات المشعرة بالجهة وَقَالَ ابْن رشد الْمَالِكِي فِي كِتَابه الْمُسَمّى ب الْكَشْف وَأما هَذِه الصّفة يَعْنِي القَوْل بالجهة فَلم تزل أهل الشَّرِيعَة يثبتونها حَتَّى نفتها الْمُعْتَزلَة ومتأخروا الأشاعرة كَأبي الْمَعَالِي وَمن اقْتدى بقَوْلهمْ إِلَى أَن قَالَ فقد ظهر أَن إِثْبَات الْجِهَة وَاجِب شرعا وعقلا إِلَى آخر كَلَامه وروى الدَّارمِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن ابْن الْمُبَارك قيل لَهُ كَيفَ نَعْرِف رَبنَا قَالَ بِأَنَّهُ فَوق السَّمَاء السَّابِعَة على الْعَرْش بَائِن من خلقه وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو الْحسن الْأَشْعَرِيّ إِن الله مستو على عَرْشه كَمَا قَالَ ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ طه ٥ وَقَالَ ﴿إِلَيْهِ يصعد الْكَلم الطّيب﴾ فاطر ١٠ وَقَالَ ﴿لعَلي أطلع إِلَى إِلَه مُوسَى وَإِنِّي لأظنه من الْكَاذِبين﴾ غَافِر ٣٧ وَقَالَ ﴿أأمنتم من فِي السَّمَاء﴾ لِأَنَّهُ مستو على الْعَرْش الَّذِي هُوَ فَوق السَّمَاوَات وكل مَا علا فَهُوَ سَمَاء فالعرش أعلا السَّمَاوَات

стр. 47

قَالَ وَرَأَيْت الْمُسلمين جَمِيعًا يرفعون أَيْديهم نَحْو السَّمَاء إِذا دعوا لِأَن الله على الْعَرْش وَلَوْلَا أَن الله على الْعَرْش لم يرفعوا أَيْديهم نَحْو الْعَرْش كَمَا لَا يخفضونها إِذا دعوا إِلَى الأَرْض وَأطَال الْكَلَام على ذَلِك فِي كِتَابه الْإِبَانَة فَرَاجعه وَقَالَ القَاضِي أَبُو بكر ابْن الباقلاني وَهُوَ أفضل الْمُتَكَلِّمين الأشعرية فَإِن قَالَ قَائِل فَهَل تَقولُونَ إِنَّه تَعَالَى فِي كل مَكَان قيل لَهُ معَاذ الله بل هُوَ مستو على عَرْشه كَمَا أخبر وَقَالَ ﴿إِلَيْهِ يصعد الْكَلم الطّيب﴾ وسَاق الْآيَات الْمُتَقَدّمَة ثمَّ قَالَ وَلَو كَانَ فِي كل مَكَان لَكَانَ فِي بطن الْإِنْسَان والحشوش ولصح أَن يرغب إِلَيْهِ نَحْو الأَرْض وَإِلَى خلفنا ويميننا وشمالنا وَهَذَا قد أجمع الْمُسلمُونَ على خِلَافه وتخطئة قَائِله انْتهى وأختار هَذِه الْمَذْهَب شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية وَقَالَ وَلَكِن كثير من النَّاس قد صَار منتسبا إِلَى بعض طوائف الْمُتَكَلِّمين مُتَوَهمًا أَنهم حققوا فِي هَذَا الْبَاب مَا لم يحققه غَيرهم فَلَو أُتِي بِكُل آيَة مَا تبعها حَتَّى يُؤْتى بشىء من كَلَامهم ثمَّ هم مَعَ هَذَا مخالفون لأسلافهم غير متبعين لَهُم

стр. 48

قَالَ وَمن كَانَ لَا يقبل الْحق إِلَّا من طَائِفَة مُعينَة وَلَا يتبع مَا جَاءَهُ من الْحق فَفِيهِ شبه من الْيَهُود الَّذين قَالَ الله فيهم ﴿وَإِذا قيل لَهُم آمنُوا بِمَا أنزل الله قَالُوا نؤمن بِمَا أنزل علينا ويكفرون بِمَا وَرَاءه وَهُوَ الْحق مُصدقا لما مَعَهم﴾ الْبَقَرَة ٩١ قَالَ الله لَهُم ﴿قل فَلم تقتلون أَنْبيَاء الله من قبل إِن كُنْتُم مُؤمنين﴾ الْبَقَرَة ٩١ بِمَا أنزل عَلَيْكُم فَكَذَلِك حَال من يتعصب لطائفة بِلَا برهَان من الله انْتهى وَأعلم أَن كثيرا من النَّاس يظنون أَن الْقَائِل بالجهة هُوَ من المجسمة لِأَن من لَازم الْجِهَة التجسيم وَهَذَا ظن فَاسد فَإِنَّهُم لَا يَقُولُونَ بذلك لِأَن لَازم الْمَذْهَب لَيْسَ بِلَازِم عِنْد الْمُحَقِّقين فَكيف يجوز أَن ينْسب للْإنْسَان شَيْء من لَازم كَلَامه وَهُوَ يفر مِنْهُ بل قَالُوا نَحن أَشد النَّاس هربا من ذَلِك وتنزيها للباري تَعَالَى عَن الْحَد الَّذِي يحصره فَلَا يحد بِحَدّ يحصره بل بِحَدّ يتَمَيَّز بِهِ عَظمَة ذَاته من مخلوقاته هَذَا السّمع وَالْبَصَر وَالْقُدْرَة وَالْعلم من لَازم وجودهَا أَن تكون أعراضا وَلذَلِك نفاها الْمُعْتَزلَة وَلَكِن هَذَا اللَّازِم لَيْسَ بِلَازِم كَمَا هُوَ مُقَرر مَعْلُوم فَتَأمل وَلَا تخض مَعَ الخائضين وَمِنْهُم من يتَوَهَّم أَنه يلْزم على ذَلِك قدم الْجِهَة وَلَا قديم إِلَّا الله وَيلْزم أَنه يكون مظروفا فِي الْجِهَة وَهُوَ محَال وَهَذَا كُله

стр. 49

لعدم فهم مَذْهَب الْقَائِل بالجهة فَإِن الْقَائِل بالجهة يَقُول إِن الْجِهَات تَنْقَطِع بِانْقِطَاع الْعَالم وتنتهي بإنتهاء آخر جُزْء من الْكَوْن وَالْإِشَارَة إِلَى فَوق تقع على أَعلَى جُزْء من الْكَوْن حَقِيقَة كَمَا مر قَالُوا وَمِمَّا يُحَقّق هَذَا أَن الْكَوْن الْكُلِّي لَا فِي جِهَة لِأَن الْجِهَة عبارَة عَن الْمَكَان والكون الْكُلِّي لَا فِي مَكَان فَلَمَّا عدمت الْأَمَاكِن من جوانبه لم يقل إِنَّه يَمِين وَلَا يسَار وَلَا قُدَّام وَلَا وَرَاء وَلَا فَوق وَلَا تَحت وَقَالُوا إِن مَا عدا الْكَوْن الْكُلِّي وَمَا خلا الذَّات الْقَدِيمَة لَيْسَ بِشَيْء وَلَا يشار إِلَيْهِ وَلَا يعرف بخلاء وَلَا ملاء وَانْفَرَدَ الْكَوْن الْكُلِّي بِوَصْف التحت لِأَن الله تَعَالَى وصف نَفسه بالعلو وتمدح بِهِ وَقَالُوا إِنَّه سُبْحَانَهُ أوجد الأكوان فِي مَحل وحيز وَهُوَ سُبْحَانَهُ فِي قدمه منزه عَن الْمحل والحيز فيستحيل شرعا وعقلا عِنْد حُدُوث الْعَالم أَن يحل فِيهِ أَو يخْتَلط بِهِ لِأَن الْقَدِيم لَا يحل فِي الْحَادِث وَلَيْسَ هُوَ محلا للحوادث فَلَزِمَ أَن يكون بَائِنا عَنهُ وَإِذا كَانَ بَائِنا عَنهُ فيستحيل أَن يكون الْعَالم فِي جِهَة الفوق والرب فِي جِهَة التحت بل هُوَ فَوْقه بالفوقية اللائقة بِهِ الَّتِي لَا تكيف وَلَا تمثل بل تعلم من حَيْثُ الْجُمْلَة والثبوت لَا من حَيْثُ التَّمْثِيل والتكييف فيوصف الرب بالفوقية كَمَا يَلِيق بجلاله وعظمته وَلَا يفهم مِنْهَا مَا يفهم من صِفَات المخلوقين وَقَالُوا إِن الدَّلِيل الْقَاطِع دلّ على وجود البارئ وثبوته ذاتا بِحَقِيقَة الْإِثْبَات وَأَنه لَا يصلح أَن يماس المخلوقين أَو تماسه

стр. 50

الْمَخْلُوقَات حَتَّى إِن الْخصم يسلم أَنه تَعَالَى لَا يماس الْخلق قَالُوا وَمن عَنى هَذَا الْمَعْنى الْفَاسِد فَهُوَ مُبْتَدع ضال تجب استتابته فَإِذا قَامَت عَلَيْهِ الْحجَّة البلاغية فَلم يرجع ضربت عُنُقه بل وَلَا يماسونه وَإنَّهُ متميز بِذَاتِهِ مُنْفَرد مباين لخلقه متنزه عَن المماسة والإمتزاج قَالَ ابْن تَيْمِية وَمن توهم أَن كَون الله فِي السَّمَاء بِمَعْنى أَن السَّمَاء تحيط بِهِ وتحويه أَو أَنه مُحْتَاج إِلَى مخلوقاته أَو أَنه مَحْصُور فِيهَا فَهُوَ مُبْطل كَاذِب إِن نَقله عَن غَيره وضال إِن أعتقده فِي ربه فَإِنَّهُ لم يقل بِهِ أحد من الْمُسلمين بل لَو سُئِلَ الْعَوام هَل تفهمون من قَول الله وَرَسُوله إِن الله فِي السَّمَاء أَن السَّمَاء تحويه لبادر كل أحد مِنْهُم بقوله هَذَا شَيْء لَعَلَّه لم يخْطر ببالنا بل عِنْد الْمُسلمين أَن معنى كَون الله فِي السَّمَاء وَكَونه على الْعَرْش وَاحِدًا بِمَعْنى أَنه تَعَالَى فِي الْعُلُوّ لَا فِي السّفل وَلَا يتَوَهَّم أَن خلقا يحصره ويحويه تَعَالَى عَن ذَلِك قَالُوا وَالْقَوْل الْحق أَن البارئ تَعَالَى يُحِيط بِذَاتِهِ علما وَأَنه لَا يجهل نَفسه بل يعلمهَا علما حَقًا يثبت إنفصالها ويميزها عَمَّا سواهَا وَأَنَّهَا قَائِمَة بذاتها مستغية بقدرتها عَمَّا تقوم بِهِ ويقلها ويحملها وَمَا يُحِيط بِهِ علمه تَعَالَى من غايات ذَاته فَإِنَّهُ مَحْدُود بِعِلْمِهِ مَعْلُوم عِنْد نَفسه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ لَا تحيط بِهِ الْعُقُول وَلَا تُدْرِكهُ الأوهام اسْتَوَى على الْعَرْش كَمَا ذكر لَا كَمَا يخْطر للبشر

стр. 51

قَالُوا فَإِذا أَيقَن العَبْد أَن الله فَوق عَرْشه كَمَا وَردت بِهِ النُّصُوص بِلَا حصر وَلَا كَيْفيَّة وَأَنه الْآن فِي صِفَاته كَمَا كَانَ فِي قدمه صَار لِقَلْبِهِ قبْلَة فِي صلَاته وتوجهه ودعائه وَمن لَا يعرف ربه أَنه فَوق سماواته على عَرْشه فَإِنَّهُ يبْقى حائرا لَا يعرف وجهة معبوده لَكِن رُبمَا عرفه بسمعه وبصره وَقدمه وَنَحْو ذَلِك لَكِنَّهَا معرفَة نَاقِصَة بِخِلَاف من عرف أَن إلهه الَّذِي يعبده فَوق الْأَشْيَاء وَأَنه مَعَ علوه قريب من خلقه هُوَ مَعَهم بِعِلْمِهِ وسَمعه وبصره وإحاطته وَقدرته هَذَا الْبَدْر وَهُوَ من أَصْغَر مخلوقاته فِي السَّمَاء وَهُوَ مَعَ كل أحد أَيْنَمَا كَانَ فَإِذا كَانَ هَذَا الْبَدْر فَكيف بالرب سُبْحَانَهُ فَمَتَى شعر قلب العَبْد بذلك فِي صلَاته ودعائه وتوجهه أشرق قلبه واستنار وانشرح لذَلِك صَدره وَقَوي إيمَانه بِخِلَاف من لَا يعرف وجهة معبوده فَإِنَّهُ لَا يزَال حائرا مظلم الْقلب وَالْعِيَاذ بِاللَّه تَعَالَى قَالُوا وَهَذَا مشَاهد محسوس وَلَا ينبئك مثل خَبِير وَاحْتج الْقَائِل بالمعية وَأَنه تَعَالَى مَعَ كل أحد بِذَاتِهِ بقوله تَعَالَى ﴿وَهُوَ مَعكُمْ أَيْن مَا كُنْتُم﴾ الْحَدِيد ٤ وَقَوله ﴿مَا يكون من نجوى ثَلَاثَة﴾ إِلَى قَوْله ﴿إِلَّا هُوَ مَعَهم﴾ المجادلة ٧ وَقَوله ﴿وَنحن أقرب إِلَيْهِ من حَبل الوريد﴾ ق ١٦ وَقَوله ﴿وَنحن أقرب إِلَيْهِ مِنْكُم وَلَكِن لَا تبصرون﴾ الْوَاقِعَة ٨٥ وَلَا تبصر إِلَّا الذوات فَلَو أَرَادَ معية الْعلم كَمَا يَقُول الْمُخَالف لقَالَ وَلَكِن لَا تشعرون وَقَوله ﴿وَإِذا سَأَلَك عبَادي عني فَإِنِّي قريب﴾

стр. 52

الْبَقَرَة ١٨٦ وَقَوله ﵇ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ لله أقرب إِلَى أحدكُم من عنق رَاحِلَته ثمَّ انقسم أهل هَذَا القَوْل إِلَى قسمَيْنِ قسم يَقُولُونَ إِنَّه تَعَالَى حَال بِذَاتِهِ المقدسة فِي كل شَيْء قَالَ ابْن تَيْمِية وَهَذَا القَوْل يحكيه أهل السّنة وَالسَّلَف عَن قدماء الْجَهْمِية وكانو يكفرونهم بذلك وَقسم يَقُولُونَ إِنَّه تَعَالَى مَعَ كل أحد بِذَاتِهِ وَمَعَ كل شَيْء لَكِن معية تلِيق بِهِ وَهَذَا الْمَذْهَب هُوَ قَول كثير من متأخري الصُّوفِيَّة وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ تَعَالَى فَوق عَرْشه إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ وَمَا دون الْعَرْش وَمَعَ كل شَيْء معية تلِيق بِهِ فَكَمَا أَنه لَيْسَ كمثله شَيْء فِي ذَاته لَيْسَ كمثله شَيْء فِي صِفَاته فَلَيْسَ معيته وقربه كمعية أحد منا وقربه قَالُوا فلسنا معطلين لِأَن تعظيمنا أبلغ من تعظيمهم والتعطيل إِنَّمَا يكون مَعَ من خلا توحيده عَن التَّعْظِيم وَمن قَالَ إِن الله تَعَالَى عِنْد كل الْجِهَات وَإِن لم يكن فِيهَا وَمَعَ كل

стр. 53

شَيْء وَإِن لم يكن فِي شَيْء لَا بالحلول وَلَا بالمجاورة وَدَلِيله ﴿وَنحن أقرب إِلَيْهِ مِنْكُم وَلَكِن لَا تبصرون﴾ فَلَا تَعْطِيل مَعَه وَلَا تجسيم وَنقل هَذَا الَّذِي قَرّرته عَن سَيِّدي الشَّيْخ أبي السُّعُود الجارحي المدفون بِمصْر وَقَالَ عَن هَذَا فَهَذَا مَذْهَب السّلف الصَّالح من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وتابعيهم وَهُوَ الْحق الَّذِي اخْتَارَهُ الصُّوفِيَّة الْكِرَام وفقهاء الْإِسْلَام انْتهى وَرَأَيْت بعض أكَابِر مشايخهم صرح فِي تصنيف لَهُ أَنه لَا تَخْلُو ذرة من ذرات الْعَالم من ذَات البارئ تقدس وَتَعَالَى قلت وَهَذَا شَيْء ينفر مِنْهُ الطَّبْع وَالشَّرْع وَلَكِن لَعَلَّ تقريبه لِلْعَقْلِ أَن البارئ سُبْحَانَهُ كَانَ مَوْجُودا قبل وجود عَالم الْكَوْن وَهَذَا الْمِقْدَار الَّذِي وجد الْعَالم فِيهِ كَانَ غير خَال من وجود ذَات البارئ فَلَمَّا حدث الْعَالم استمرت الذَّات المقدسة على حَالهَا وَهُوَ الْآن على مَا عَلَيْهِ كَانَ فَهِيَ مَعَ الْعَالم بأسره بذاتها وَهِي ايضا بعد وجود الْعَالم كَمَا كَانَت بِلَا حد وَلَا نِهَايَة لَكِن هُنَا تتخبط الْعُقُول فِي هَذِه الْمَعِيَّة الذاتية وَرُبمَا تحصل لكثيرين الزندقة ويتدرج مِنْهَا إِلَى القَوْل بالوحدة الْمُطلقَة كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَام على ذَلِك وَقَالَ أهل التَّأْوِيل من أهل الْحق وَأَصْحَاب الْمذَاهب من الْفُقَهَاء والمفسرين إِن الْآيَات المشعرة بالمعية الذاتية مصروفة

стр. 54

عَن ظواهرها إِلَى الْمَعِيَّة بِالْعلمِ بل معية الْعلم هِيَ الظَّاهِرَة مِنْهَا فَإِن سِيَاق الْآيَات الشَّرِيفَة يدل على ذَلِك وَقَالَ الإِمَام ابْن عبد البر أجمع عُلَمَاء الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ الَّذِي حمل عَنْهُم التَّأْوِيل قَالُوا فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى ﴿مَا يكون من نجوى ثَلَاثَة إِلَّا هُوَ رابعهم﴾ هُوَ على الْعَرْش وَعلمه فِي كل مَكَان وَمَا خالفهم فِي ذَلِك من يحْتَج بقوله انْتهى فَقَوله سُبْحَانَهُ ﴿وَلَقَد خلقنَا الْإِنْسَان ونعلم مَا توسوس بِهِ نَفسه وَنحن أقرب إِلَيْهِ من حَبل الوريد﴾ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ جَمِيعًا هُوَ كِنَايَة عَن الْعلم بِهِ وبأحواله أَي وَنحن أعلم بِحَالهِ مِمَّن كَانَ أقرب إِلَيْهِ من حَبل الوريد فَهُوَ تجوز بِقرب الذَّات لقرب الْعلم لِأَنَّهُ مُوجبه بِحَيْثُ لَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء من خفياته فَكَأَن ذَاته قريبَة مِنْهُ قَالَ الإِمَام أَبُو حَيَّان كَمَا يُقَال إِنَّه تَعَالَى فِي كل مَكَان أَي بِعِلْمِهِ وَهُوَ تَعَالَى منزه عَن الْأَمْكِنَة انْتهى وَالَّذِي يدل على أَن المُرَاد بِالْقربِ هُوَ الْقرب بِالْعلمِ سِيَاق الْآيَة فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ ﴿وَلَقَد خلقنَا الْإِنْسَان ونعلم مَا توسوس بِهِ نَفسه﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وَنحن أقرب إِلَيْهِ﴾ أَي بِالْعلمِ الْمَفْهُوم من نعلم وحبل الوريد مثل فِي فرط الْقرب كَقَوْل الْعَرَب هُوَ مني مقْعد الْقَابِلَة ومعقد الْإِزَار وَالْحَبل الْعرق فَشبه بِوَاحِد

стр. 55

الحبال والوريدان عرقان مكتنفان لصفحتي الْعُنُق وَكَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ مَعكُمْ أَيْن مَا كُنْتُم﴾ أَي بِعِلْمِهِ لَا بِذَاتِهِ بِدَلِيل سِيَاق الْآيَة وَهِي قَوْله ﴿ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش يعلم مَا يلج فِي الأَرْض وَمَا يخرج مِنْهَا وَمَا ينزل من السَّمَاء وَمَا يعرج فِيهَا وَهُوَ مَعكُمْ﴾ الْحَدِيد ٤ أَي بِعِلْمِهِ الْمَفْهُوم من يعلم وَكَذَا قَوْله ﴿مَا يكون من نجوى ثَلَاثَة إِلَّا هُوَ رابعهم وَلَا خَمْسَة إِلَّا هُوَ سادسهم وَلَا أدنى من ذَلِك وَلَا أَكثر إِلَّا هُوَ مَعَهم أَيْن مَا كَانُوا﴾ أَي بِعِلْمِهِ فَإِن الْآيَة مصدرة بِالْعلمِ وَهِي ﴿ألم تَرَ أَن الله يعلم مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض مَا يكون من نجوى ثَلَاثَة﴾ الْآيَة وَالْحَاصِل أَن الْآيَات المشعرة بالمعية الذاتية إِنَّمَا هِيَ صَرِيحَة فِي الْمَعِيَّة بِالْعلمِ وَأَن المُرَاد مِنْهَا إِنَّمَا هُوَ الْإِشَارَة إِلَى إحاطة علمه بِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَات وَكَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذا سَأَلَك عبَادي عني فَإِنِّي قريب﴾ أَي قريب مِنْهُم فَهُوَ تَمْثِيل لكَمَال علمه بِأَفْعَال الْعباد وأقوالهم واطلاعه على أَحْوَالهم بِمَنْزِلَة من قرب مَكَانَهُ مِنْهُم ويوضحه مَا قيل لَو اجْتمع قوم بِمحل وناظر ينظر إِلَيْهِم من الْعُلُوّ فَقَالَ لَهُم إِنِّي لم أزل مَعكُمْ أَرَاكُم وَأعلم مناجاتكم لَكَانَ صَادِقا وَللَّه الْمثل الْأَعْلَى عَن شبه الْخلق فَإِن أَبَوا إِلَّا ظَاهر التِّلَاوَة وَقَالُوا هَذَا مِنْكُم دَعْوَى خَرجُوا عَن قَوْلهم فِي ظَاهر التِّلَاوَة لِأَن من هُوَ مَعَ الْإِثْنَيْنِ أَو أَكثر هُوَ مَعَهم لَا فيهم وَمَا قرب من الشَّيْء لَيْسَ هُوَ فِي الشَّيْء وَقَالَ ابْن تَيْمِية رَحمَه الله تَعَالَى إِن الْكتاب وَالسّنة يحصل مِنْهُمَا كَمَال الْهدى والنور لمن تدبرهما وَقصد اتِّبَاع الْحق

стр. 56

وَأعْرض عَن تَحْرِيف الْكَلم مثل أَن يَقُول الْقَائِل مَا فِي الْكتاب وَالسّنة من أَن الله فَوق الْعَرْش يُخَالِفهُ قَوْله ﴿وَهُوَ مَعكُمْ أَيْن مَا كُنْتُم﴾ الْحَدِيد ٤ وَقَوله ﵇ إِذا قَامَ أحدكُم إِلَى الصَّلَاة فَإِن الله قبل وَجهه وَنَحْو ذَلِك وَلَا مُخَالفَة وَذَلِكَ أَن الله مَعنا حَقِيقَة وَهُوَ فَوق الْعَرْش وَهُوَ ظَاهر قَوْله تَعَالَى ﴿ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش يعلم مَا يلج فِي الأَرْض﴾ إِلَى أَن قَالَ ﴿وَهُوَ مَعكُمْ أَيْن مَا كُنْتُم﴾ وَقَوله ﵇ وَالْعرش فَوق ذَلِك وَالله فَوق الْعَرْش وَهُوَ يعلم مَا أَنْتُم عَلَيْهِ وَذَلِكَ أَن كلمة مَعَ فِي اللُّغَة الَّتِي خوطبنا بهَا إِذا أطلقت فَلَيْسَ ظَاهرهَا فِي اللُّغَة إِلَّا الْمُقَارنَة الْمُطلقَة من غير وجوب مماسة فَإِذا قيدت بِمَعْنى من الْمعَانِي دلّت على الْمُقَارنَة فِي ذَلِك الْمَعْنى فَإِنَّهُ يُقَال مَا زلنا نسير وَالْقَمَر والنجم مَعنا وَإِن كَانَ فَوق رَأسك فَالله مَعَ خلقه حَقِيقَة وَهُوَ فَوق عَرْشه ثمَّ هَذِه الْمَعِيَّة تخْتَلف أَحْكَامهَا بِحَسب الْمَوَارِد فَلَمَّا قَالَ ﴿يعلم مَا يلج فِي الأَرْض﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَهُوَ مَعكُمْ أَيْن مَا كُنْتُم﴾ دلّ ظَاهر الْخطاب على أَن حكم هَذِه الْمَعِيَّة ومقتضاها أَنه مطلع عَلَيْكُم عَالم بكم وَهَذَا معنى قَول السّلف إِنَّه مَعكُمْ بِعِلْمِهِ وَلما قَالَ ﵇ فِي الْغَار لصَاحبه ﴿لَا تحزن إِن الله مَعنا﴾ التَّوْبَة ٤٠ كَانَ هَذَا أَيْضا حَقًا على ظَاهره ودلت الْحَال على النَّصْر والتأييد مَعَ الْمَعِيَّة الْعلم وَمثله قَوْله لمُوسَى وَهَارُون ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أسمع وَأرى﴾ طه ٤٦

стр. 57

وَأطَال ابْن تَيْمِية الْكَلَام فِي تَقْرِير ذَلِك وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿وَنحن أقرب إِلَيْهِ مِنْكُم وَلَكِن لَا تبصرون﴾ فَالْمُرَاد بِهِ قرب أعوان ملك الْمَوْت من المحتضر بِدَلِيل سِيَاق الْآيَة وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فلولا إِذا بلغت الْحُلْقُوم وَأَنْتُم حِينَئِذٍ تنْظرُون﴾ الْوَاقِعَة ٨٣ ٨٤ وَنحن أَي ملائكتنا وَعبر بهم عَنهُ سُبْحَانَهُ لأَنهم رسله ومأموروه أَو المُرَاد وَنحن أقرب إِلَيْهِ أَي بِالْعلمِ فَإِن قيل لَو كَانَ المُرَاد بِهِ الْعلم لما صَحَّ أَن يَقُول وَلَكِن لَا تبصرون لِأَن الْعلم لَا يبصر بل كَانَ يَقُول وَلَكِن لَا تبصرون لِأَن الْعلم لَا يبصر فَجَوَابه أَن تبصرون يُطلق على الْبَصَر بِالْعينِ وَيُطلق على الشُّعُور وَالْعلم بِالْغَيْبِ كَمَا قَالَه أهل اللُّغَة لِأَنَّهُ يُقَال بصرته بعيني وبصرته بقلبي فارتفع الْإِشْكَال وَمن الْعجب أَنِّي اجْتمعت بأكابر محققي بعض المتصوفة فحصلت المذاكرة فطعن فِي الْفُقَهَاء والمتكلمين والأشاعرة وَقَالَ إِنَّهُم يحرفُونَ مَعَاني كَلَام الله تَعَالَى وَيخرجُونَ كَلَام الله عَن مُرَاد الله بِحَسب عُقُولهمْ فَقلت لَهُ وَكَيف تقْرَأ قَوْله تَعَالَى ﴿مَا يكون من نجوى ثَلَاثَة إِلَّا هُوَ رابعهم﴾ إِلَى قَوْله ﴿إِلَّا هُوَ مَعَهم﴾ فَقَالَ هِيَ معية ذَات لَا معية علم كَمَا يَقُولُونَ وَيدل لذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وَنحن أقرب إِلَيْهِ مِنْكُم وَلَكِن لَا تبصرون﴾ فَلَو كَانَت معية علم لما صَحَّ أَن يَقُول وَلَكِن لَا تبصرون لِأَن الْعلم لَا يبصر وَإِنَّمَا تبصر الذوات فتعجبت من مقَالَته وتصميمه عَلَيْهَا وغفلته عَن كَلَام الْأَئِمَّة الْمُحَقِّقين من الْفُقَهَاء والمفسرين فنسأل الله تَعَالَى الْعَافِيَة والسلامة فِي الدّين

стр. 58

قَالَ الشَّيْخ الإِمَام الْعَيْنِيّ الْحَنَفِيّ فِي أثْنَاء تَرْجَمته للشَّيْخ تَقِيّ الدّين ابْن تَيْمِية ومدحه إِيَّاه وتنزيهه عَمَّا ينْسبهُ لَهُ بعض الْجُهَّال وَهَذَا الإِمَام مَعَ جلالة قدره فِي الْعُلُوم نقلت عَنهُ على لِسَان جم غفير من النَّاس كرامات ظَهرت مِنْهُ بِلَا التباس وأجوبة قَاطِعَة عِنْد السُّؤَال من المعضلات من غير توقف بِحَالَة من الْحَالَات وَمن جملَة مَا سُئِلَ عَنهُ وَهُوَ على كرسيه يعظ النَّاس والمجلس غاص بأَهْله فِي رجل يَقُول لَيْسَ إِلَّا الله وَيَقُول الله فِي كل مَكَان هُوَ هُوَ كفر أَو إِيمَان فَأجَاب على الْفَوْر من قَالَ إِن الله تَعَالَى بِذَاتِهِ فِي كل مَكَان فَهُوَ مُخَالف للْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْمُسلمين بل هُوَ مُخَالف للملل الثَّلَاث بل الْخَالِق بَائِن من الْمَخْلُوقَات لَيْسَ فِي مخلوقاته شَيْء من ذَاته وَلَا فِي ذَاته شَيْء من مخلوقاته بل هُوَ الْغَنِيّ عَنْهَا والبائن بِنَفسِهِ مِنْهَا وَقد اتّفق الْأَئِمَّة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَسَائِر أَئِمَّة الدّين أَن قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ مَعكُمْ أَيْن مَا كُنْتُم وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير﴾ لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنه مختلط بالمخلوقات وَحَال فِيهَا وَلَا أَنه بِذَاتِهِ فِي كل مَكَان بل هُوَ مَعَ كل شَيْء بِعِلْمِهِ وَقدرته وَنَحْو ذَلِك فَالله سُبْحَانَهُ مَعَ العَبْد أَيْنَمَا كَانَ يسمع كَلَامه وَيرى أَفعاله وَيعلم سره ونجواه رَقِيب عَلَيْهِم مهيمن عَلَيْهِم بل السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا كل ذَلِك مَخْلُوق لله لَيْسَ الله بِحَال فِي شَيْء مِنْهُ سُبْحَانَهُ ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير﴾ الشورى ١١

стр. 59

لَا فِي ذَاته وَلَا فِي صِفَاته وَلَا أَفعاله بل يُوصف الله بِمَا يُوصف بِهِ نَفسه وَإِمَّا وَصفه بِهِ رَسُوله من غير تكييف وَلَا تَمْثِيل وَمن غير تَحْرِيف وَلَا تَعْطِيل وَلَا تمثل صِفَاته بِصِفَات خلقه وَمذهب السّلف إِثْبَات بِلَا تَشْبِيه وتنزيه بِلَا تَعْطِيل وَقد سُئِلَ الإِمَام مَالك ﵁ عَن قَوْله ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ فَقَالَ الإستواء مَعْلُوم والكيف مَجْهُول وَالْإِيمَان بِهِ وَاجِب وَالسُّؤَال عَنهُ بِدعَة انْتهى مَا حَكَاهُ الشَّيْخ الْعَيْنِيّ عَن ابْن تَيْمِية رحمهمَا الله وَمن هُنَا تعرف معنى قَوْله ﵇ لله أقرب إِلَى أحدكُم من عنق رَاحِلَته أَن المُرَاد بِهِ قرب علم وَأما حَدِيث البُخَارِيّ وَمُسلم إِذا كَانَ أحدكُم يُصَلِّي فَلَا يبصق قبل وَجهه فَإِن الله قبل وَجهه فَقَالَ ابْن عبد البر هُوَ مخرج على التَّعْظِيم لشأن الْقبْلَة وَقَالَ الْخطابِيّ مَعْنَاهُ أَن توجهه إِلَى الْقبْلَة مفض بِالْقَصْدِ إِلَى ربه فَصَارَ فِي التَّقْدِير كَأَن مَقْصُوده بَينه وَبَين قبلته وَلَا حجَّة

стр. 60

فِيهِ لِلْقَائِلين بِأَنَّهُ تَعَالَى فِي كل مَكَان لِأَن فِي الحَدِيث أَنه يبزق تَحت قدمه أَو هُوَ على حذف مُضَاف أَي فَإِن قبْلَة الله أَو رَحْمَة الله قبل وَجهه وَقَالَ بَعضهم الحَدِيث حق على ظَاهره فَهُوَ سُبْحَانَهُ فَوق الْعَرْش وَهُوَ قبل وَجه الْمُصَلِّي بل هَذَا الْوَصْف يثبت للمخلوقات فَإِن الْإِنْسَان لَو ناجى السَّمَاء لكَانَتْ فَوْقه وَكَانَت أَيْضا قبل وَجهه وَقد ضرب ﵇ الْمثل بذلك وَللَّه الْمثل الْأَعْلَى وَالْمَقْصُود بالتمثيل إِنَّمَا هُوَ جَوَاز هَذَا وإمكانه لَا تَشْبِيه الْخَالِق بالمخلوق فقد قَالَ ﵇ مَا مِنْكُم من أحد إِلَّا سيرى ربه مخليا بِهِ فَقَالَ لَهُ أَبُو رزين الْعقيلِيّ كَيفَ يَا رَسُول الله وَهُوَ وَاحِد وَنحن جَمِيع فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ سأنبئك مثل ذَلِك فِي آلَاء الله هَذَا الْقَمَر كلكُمْ يرَاهُ مخليا بِهِ وَهُوَ آيَة من آيَات الله فَالله تَعَالَى أكبر أَو كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ وَأَيْضًا فالمؤمنون إِذا رَأَوْا رَبهم يَوْم الْقِيَامَة وناجوه كل يرَاهُ فَوْقه قبل وَجهه كَمَا يرى الشَّمْس وَالْقَمَر وَلذَلِك قَالَ ﵇ إِنَّكُم سَتَرَوْنَ ربكُم كَمَا ترَوْنَ الشَّمْس وَالْقَمَر فَشبه الرُّؤْيَة بِالرُّؤْيَةِ وَإِن لم يكن المرئي مشابها للمرئي انْتهى وَالله أعلم

стр. 61

وَاحْتج الْقَائِل بِأَنَّهُ تَعَالَى لَا دَاخل الْعَالم وَلَا خَارجه وَأَنه سُبْحَانَهُ لَا مُتَّصِلا بِهِ وَلَا مُنْفَصِلا عَنهُ بِأُمُور عقلية وَهَذَا مَذْهَب كثير من متأخري الأشاعرة وَمن وافقهم وَالْعقل فِي هَذَا بِمُجَرَّدِهِ لَا اعْتِبَار بِهِ مَا لم يسْتَند إِلَى النَّقْل الصَّحِيح وَاحْتَجُّوا من النَّقْل بآيَات لَا تصلح لَهُم وَإِنَّمَا تصلح لِلْقَائِلين بِأَنَّهُ مَعَ كل أحد بِذَاتِهِ فَمن جملَة مَا احْتَجُّوا بِهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَه وَفِي الأَرْض إِلَه﴾ الزخرف ٨٤ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَهُوَ الله فِي السَّمَاوَات وَفِي الأَرْض﴾ الْأَنْعَام ٣ وَقَوله ﴿فأينما توَلّوا فثم وَجه الله﴾ الْبَقَرَة ١١٥ وَقَوله ﴿وَنحن أقرب إِلَيْهِ من حَبل الوريد﴾ ﴿وَنحن أقرب إِلَيْهِ مِنْكُم وَلَكِن لَا تبصرون﴾ والقرب بِالْعلمِ لَا بالإبصار وَأَنت قد عرفت مِمَّا مر أَن أهل السّنة قاطبة جعلُوا هَذَا قرب علم لَا قرب ذَات وَسَيَأْتِي الْكَلَام على قَوْله ﴿فثم وَجه الله﴾ وَأما قَوْله ﴿فِي السَّمَاء إِلَه وَفِي الأَرْض إِلَه﴾ فَهُوَ بِاتِّفَاق الْمُفَسّرين بِمَعْنى مألوه أَي معبود فَإِنَّهُ معبود فيهمَا وَكَذَلِكَ ﴿وَهُوَ الله فِي السَّمَاوَات وَفِي الأَرْض﴾ فَإِن الْجَار وَالْمَجْرُور مُتَعَلق بِاللَّه لِأَنَّهُ بِمَعْنى مألوه أَو مُتَعَلق بِمَا بعده وَلَوْلَا ذَلِك للَزِمَ عَلَيْهِ الظَّرْفِيَّة تَعَالَى الله عَنْهَا وَعِنْدِي معنى آخر لم أر من قَالَه وَهُوَ أَن يكون على معنى

стр. 62

هُوَ الْمُسَمّى فيهمَا بِهَذَا الإسم فَهُوَ كَمَا أَنه هُوَ الله فِي السَّمَاوَات هُوَ الله فِي الأَرْض كَقَوْلِك مُوسَى أَخُو هَارُون فِي جَمِيع الدُّنْيَا والكعبة هِيَ الْبَيْت الْحَرَام فِي السَّمَاء وَالْأَرْض وكقولهم فلَان أَمِير فِي خُرَاسَان وأمير فِي بَلخ وسمرقند وَهُوَ فِي مَوضِع وَاحِد وَهَذَا مَوْجُود فِي اللُّغَة قَالَ ابْن تَيْمِية وَلم يقل أحد من السّلف إِنَّه تَعَالَى فِي كل مَكَان وَلَا إِنَّه لَا دَاخل الْعَالم وَلَا خَارجه وَلَا مُتَّصِلا بِهِ وَلَا مُنْفَصِلا عَنهُ انْتهى وَاعْلَم أَنه قد ثَبت بِلَا ريب خلافًا للفلاسفة أَن الذَّات المقدسة كَانَت مَوْجُودَة قبل حُدُوث الْعَالم قَائِمَة بِنَفسِهَا فَلَمَّا حدث الْعَالم فإمَّا أَن يكون حدث بَائِنا مِنْهَا مُنْفَصِلا عَنْهَا وَهَذَا مُسلم عِنْد كل مُسلم وَلِهَذَا حمل الْمُفَسِّرُونَ الْآيَات الدَّالَّة على الْمَعِيَّة والقرب على معية الْعلم وقربه وَإِمَّا أَن يكون حدث مماسا لَهَا قَائِما بهَا الْوُجُود بأسره كَمَا يَقُوله بعض المتصوفة أَو قَرِيبا مِنْهَا كَمَا يدل عَليّ كَلَام كثير من الصُّوفِيَّة وعَلى هذَيْن الْقَوْلَيْنِ يَصح حمل الْآيَات على الْقرب بِالذَّاتِ والمعية بِالذَّاتِ والأشاعرة وافقوا أهل السّنة والمفسرين فحملوا الْآيَات المشعرة بِقرب أَو معية الذَّات على أَن المُرَاد بهَا الْعلم وَهَذَا صَحِيح على قَوْلهم بإعتبار أَنه تَعَالَى لَا دَاخل الْعَالم وبأعتبار أَنه لَا خَارج الْعَالم فَكَانَ الْقيَاس صِحَة حملهَا أَيْضا على الْقرب بِالذَّاتِ ومعية الذَّات لكِنهمْ لم يَقُولُوا بذلك وَلم يرتكبوا فِي

стр. 63

التَّفْسِير القَوْل بذلك أصلا فَلْيتَأَمَّل وَأعلم أَيْضا أَن الَّذِي ذهب إِلَيْهِ جُمْهُور متأخري الْمُتَكَلِّمين هُوَ تَنْزِيه الله تَعَالَى عَن الْجِهَة فَلَيْسَ هُوَ مَخْصُوصًا بِجِهَة فَوق عِنْدهم وَلَا بِجِهَة غَيرهَا لِأَنَّهُ يلْزم من ذَلِك عِنْدهم أَنه مَتى اخْتصَّ بِجِهَة أَن يكون فِي مَكَان أَو حيّز وَأَنه غير قديم أَو أَنه جسم وَمَفْهُومه أَن من لَيْسَ فِي جِهَة لَا يكون متحيزا وَأَنه هُوَ الْقَدِيم المستغني عَن مَحل يقوم بِهِ وَأورد على هَذَا أَن الْكَوْن الْكُلِّي والدائر الْمُحِيط بالعالم فَإِنَّهُ لَا فِي مَكَان وَهُوَ حَادث وَغير مستغن بِنَفسِهِ وذاته وَإِن اسْتغنى عَن الْمَكَان لِأَنَّهُ لَو افْتقر إِلَى مَكَان لافتقر الْمَكَان الثَّانِي إِلَى ثَالِث ويتسلسل إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ وَهُوَ محَال وَأَيْضًا فَيلْزم الْقَائِل بِنَفْي الْجِهَة عَنهُ سُبْحَانَهُ أحد أَمريْن لَا محيص عَنْهُمَا إِمَّا أَن يَقُول إِنَّه سُبْحَانَهُ بعد انْتِهَاء الْعَالم مُحِيط بِهِ من سَائِر جوانبه وجهاته وَحِينَئِذٍ فَهُوَ تَعَالَى لَا فِي جِهَة بل فِي جَمِيع الْجِهَات لَكِن هَذَا لَا يُقَال بِهِ وَلَا أعلم أحدا قَالَ بِهِ وَإِمَّا أَن يَقُول إِنَّه سُبْحَانَهُ دَاخل الْعَالم أَو مَعَه ساريا فِي جَمِيعه كَمَا يَقُول بِهِ بعض المتصوفة حَتَّى رَأَيْت أكَابِر مشايخهم قد صرح فِي تصنيف لَهُ أَنه لَا تَخْلُو ذرة من ذرات الْعَالم من ذَات الْبَارِي سُبْحَانَهُ وَهَذَا لَا يُقَال بِهِ لِأَنَّهُ إِمَّا يُوهم الْحُلُول أَو هُوَ لَازمه وَأَنه

стр. 64

سُبْحَانَهُ مختلط بالمخلوقات تَعَالَى الله عَن ذَلِك وَهَذَا خلاف إِجْمَاع الْمُسلمين وَقد وَقع فِي هَذَا كثير من المتصوفة فَجعلُوا الْوُجُود قَائِما بالرب محدودا بِحُدُودِهِ متكلما بِحُرُوفِهِ ويجعلونه سُبْحَانَهُ هُوَ الْمُتَكَلّم على ألسنتهم كالجني على لِسَان المصروع وَاعْلَم أَيْضا أَنه قد تخبطت فِي هَذَا الْمقَام عقول كثير من ذَوي الأفهام وَتَفَرَّقُوا فِي الْأَقْوَال وهم كَقَوْل من قَالَ ... النَّاس شَتَّى وآراء مفرقة ... كل يرى الْحق فِيمَا قَالَ واعتقدا ... وَلَقَد صرح كثير من المتصوفة أَن البارئ سُبْحَانَهُ هُوَ عين مَا ظهر وَمَا بطن من الْوُجُود وَأَنه تَعَالَى هُوَ الْعَالم بأسره وَقد شافهني بعض مشايخهم المتعمقين بذلك فَقلت لَهُ وَمن أَيْن دَلِيل هَذَا فَقَالَ من قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿هُوَ الأول وَالْآخر وَالظَّاهِر وَالْبَاطِن﴾ الْحَدِيد ٣ فَإِذا كَانَ هُوَ يَقُول هُوَ الظَّاهِر وَالْبَاطِن أَتَقول أَنْت لَا فعجبت من مقَالَته وَمن تَحْسِين الشَّيْطَان لعقول هَؤُلَاءِ الخرافات والمحالات فَقَرَأَ فِي الْمجْلس قَارِئ عشر قُرْآن وَهُوَ ﴿لله مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض﴾ الْآيَة فَقلت لَهُ أَيهَا الشَّيْخ هَذِه الْآيَة ترد مَا قلت حَيْثُ جعل لله مَا فيهمَا فَهُوَ سُبْحَانَهُ غَيرهمَا لَا عينهما فَقَالَ على الْفَوْر لله مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض بِفَتْح لَام لله فعجبت من هَذِه الفلسفة والزندقة والسفسطة المحققة أعاذنا الله تَعَالَى مِنْهَا وَمن الزيغ والضلال

стр. 65

وَقد قَالَ أهل الشَّرِيعَة ﵃ كَمَا قررة أَئِمَّتنَا فِي كتب عقائدهم إِن المُرَاد بقوله سُبْحَانَهُ ﴿وَالظَّاهِر وَالْبَاطِن﴾ أَي الظَّاهِر فِي الْمعرفَة لِأَن دَلَائِل توحيده وبراهين ألوهيته وربوبيته جلية للأفهام وظاهرة عِنْد ذَوي المعارف وَاضِحَة الدَّلِيل عَن عَارض الشُّبُهَات فَهُوَ بذلك الظَّاهِر الَّذِي لَا أظهر مِنْهُ وَالْبَاطِن أَي الْبَاطِن فِي الإستتار بِذَاتِهِ فَلَا علم يُحِيط بِهِ وَلَا معرفَة تقف على كنه مَعْرفَته وَلَا فكر يصل إِلَى جَمِيع مَا يسْتَحقّهُ من صِفَات الكمالات وَلَا عقل يقف على حَقِيقَة الذَّات وَتَحْقِيق الصِّفَات فَهُوَ سُبْحَانَهُ الظَّاهِر وَالْبَاطِن بِهَذَا الإعتبار لَا أَنه تَعَالَى هُوَ عين مَا ظهر وَمَا بطن كَمَا يَقُوله الْمَلَاحِدَة وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ من هُوَ الْكل وَلَا شَيْء سواهُ الْوَاحِد فِي نَفسه المتعدد بِنَفسِهِ وَيَقُولُونَ أَيْضا ... وَمَا أَنْت غير الْكَوْن بل أَنْت عينه ... وَيفهم هَذَا السِّرّ من هُوَ ذائق ... تعاليت يَا ألله عَن ذَلِك ... وَمَا أَنْت عين الْكَوْن بل أَنْت غَيره ... وَيفهم هَذَا القَوْل من هُوَ مُسلم ... ويرتكبون القَوْل بالوحدة الْمُطلقَة ويصرحون بذلك وَتَقْرِير مَذْهَبهم على سَبِيل الْإِحَاطَة والتطويل يطول

стр. 66

وَحَاصِله أَن البارئ عِنْدهم هُوَ مَجْمُوع مَا ظهر وَمَا بطن وَأَنه لَا شَيْء خلاف ذَلِك هَكَذَا مَوْجُود فِي كتبهمْ وَمن شكّ فِي ذَلِك فَلْيُرَاجِعهَا وَقد أَشرت إِلَى شَيْء من ذَلِك فِي كتابي الْأَدِلَّة الوفية بتصويب قَول الْفُقَهَاء والصوفية وَفِي كتابي سلوك الطَّرِيقَة فِي الْجمع بَين كَلَام أهل الشَّرِيعَة والحقيقة قَالَ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية فِي أثْنَاء كَلَام طَوِيل وَهَؤُلَاء الْقَوْم الَّذين تكلمُوا فِي هَذَا الْأَمر لم يعرف لَهُم خبر وَلَا سَابِقَة إِلَّا من حِين ظَهرت دولة التتار قَالَ وَأما الْحُلُول وَهُوَ أَن الله تَعَالَى بِذَاتِهِ حَال فِي كل شَيْء فَهَذَا يحكيه أهل السّنة وَالسَّلَف عَن قدماء الْجَهْمِية وَكَانُوا يكفرونهم بذلك وَأطَال الْكَلَام على ذَلِك ابْن تَيْمِية رَحمَه الله تَعَالَى نصيحة اعْلَم وفقك الله أَنه لَيْسَ للمرء أسلم فِي دينه من ترك الْخَوْض فِي مثل هَذَا والإعراض عَن الْخَوْض فِي علم الْكَلَام المذموم واقتفاء طَريقَة السّلف فَإِنَّهُم لم يخوضوا فِي شَيْء من هَذَا وَلم يبحثوا عَنهُ معتقدين أَن لنا رَبًّا مَوْجُودا ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير﴾ أَفلا يسعنا مَا وسعهم من السُّكُوت وَالتَّسْلِيم وَمن طلب الْوُقُوف على حَقِيقَة البارئ سُبْحَانَهُ فقد طلب الْمحَال قَالَ الطوفي وَقد اعْترف أَكثر أَئِمَّة أهل الْكَلَام والفلسفة من

стр. 67

الْأَوَّلين والآخرين أَن الطرائق الَّتِي سلكوها فِي أُمُور الربوبية بالأقيسة الَّتِي ضربوها لَا تُفْضِي بهم إِلَى الْعلم وَالْيَقِين فِي الْأُمُور الإلهية مثل تكلمهم بالجسم وَالْعرض فِي دلائلهم ومسائلهم ومقالة أساطين الفلسفة من الْأَوَائِل أَنهم قَالُوا الْعلم الإلهي لَا سَبِيل فِيهِ إِلَى الْيَقِين وَإِنَّمَا يتَكَلَّم فِيهِ بِالْأولَى والأحرى قَالَ وَلِهَذَا أتفق كل من خبر مقَالَة هَؤُلَاءِ المتفلسفة فِي الْعلم الإلهي أَن غالبه ظنون كَاذِبَة وأقيسة فَاسِدَة وَأَن الَّذِي فِيهِ من الْعلم وَالْحق قَلِيل انْتهى هَذَا والفلاسفة هم أَرْبَاب النِّهَايَة فِي الْعُقُول لَكِن الْعُقُول إِذا لم تستند إِلَى الشَّرْع الْمَنْقُول وَقعت فِي الْحيرَة والضلالات وطرأت عَلَيْهَا الخيالات والإستبعادات لما جَاءَت بِهِ الرُّسُل وَلِهَذَا كَانَت الفلاسفة يَعْتَقِدُونَ أَن عِنْدهم من الْعُلُوم والمعارف مَا يستغنون بِهِ عَن علم الْأَنْبِيَاء ﵈ قَالَ أَبُو حَيَّان وَكَانُوا إِذا سمعُوا بِوَحْي الله تَعَالَى دفعوه وصغروا علم الْأَنْبِيَاء بِالنِّسْبَةِ إِلَى علمهمْ قَالَ وَلما سمع بقراط الْحَكِيم بمُوسَى ﵇ قيل لَهُ لَو هَاجَرت إِلَيْهِ فَقَالَ نَحن قوم مهديون فَلَا حَاجَة بِنَا إِلَى من يهدينا قلت وَهَذِه الْخصْلَة بِعَينهَا مَوْجُودَة فِي المتصوفة المتفلسفة

стр. 68

فَإِنَّهُم يحتقرون علم الْفُقَهَاء بِالنِّسْبَةِ لعلمهم ويزعمون أَنهم محجوبون وَأَنَّهُمْ هم الواصلون نعم وَلَكِن إِلَى سقر اتَّخذُوا الْكَلَام على الذَّات وَالصِّفَات ديدنا لَهُم فَإِذا دخل إِلَى مجلسهم الْعَاميّ وَهُوَ لَا يحسن الْوضُوء كَلمُوهُ بدقائق الْجُنَيْد وإشارات الشبلي قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ وَترى الحائك والسوقي الَّذِي لَا يعرف فَرَائض الصَّلَاة يمزق أثوابه دَعْوَى لمحبة الله وأصلحهم حَالا يتخايل بوهمه شخصا هُوَ الْخَالِق فيبكيه شوقه إِلَيْهِ لما يسمع من عَظمته وَرَحمته وجماله وَلَيْسَ مَا يتخايلونه الْإِلَه المعبود فَإِنَّهُ تَعَالَى لَا يَقع فِي خيال وَرُبمَا خايلت لَهُ الماخوليا أشباحا يظنهم الْمَلَائِكَة وَبِالْجُمْلَةِ فَالْحق هُوَ اتِّبَاع مَا كَانَ عَلَيْهِ السّلف قولا وفعلا واعتقادا وَمَا سواهُ فَهُوَ اتِّبَاع هوى قَالَ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية ﵀ مَا قَالَه الله سُبْحَانَهُ وَرَسُوله ﷺ وَالسَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَالَّذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان وَمَا قَالَه أَئِمَّة الْهدى بعد هَؤُلَاءِ الَّذِي أجمع الْمُسلمُونَ على هدايتهم ودرايتهم هُوَ الْوَاجِب على جَمِيع الْخلق فِي هَذَا الْبَاب وَفِي غَيره وَأطَال الْكَلَام فِي ذَلِك وذم المتفلسفين والمتكلمين وَقَالَ ثمَّ هَؤُلَاءِ المتكلمون المخالفون للسلف إِذا

стр. 69

حقق عَلَيْهِم الْأَمر لم يُوجد عِنْدهم من حَقِيقَة الْعلم بِاللَّه وخالص مَعْرفَته خبر وَلم يقفوا من ذَلِك على عين وَلَا أثر وَعَن الْجُنَيْد قدس الله سره قَالَ أقل مَا فِي الْكَلَام سُقُوط هَيْبَة الرب من الْقلب وَالْقلب إِذا عري من الهيبة من الله عري من الْإِيمَان وَقَالَ بعد كَلَام طَوِيل ثمَّ القَوْل الشَّامِل فِي جَمِيع هَذَا الْبَاب أَن يُوصف الله بِمَا وصف بِهِ نَفسه أَو وَصفه بِهِ رَسُوله وَبِمَا وَصفه السَّابِقُونَ الْأَولونَ لَا نتجاوز الْقُرْآن والْحَدِيث وَمذهب السّلف أَنهم يصفونَ الله بِمَا وصف بِهِ نَفسه وَبِمَا وَصفه بِهِ رَسُوله من غير تَحْرِيف وَلَا تَعْطِيل وَمن غير تكييف وَلَا تَمْثِيل قَالَ وَهَذَا هُوَ قَول الَّذين وافقوا سنة النَّبِي ﷺ ظَاهرا وَبَاطنا لَكِن لَا بُد للمنحرفين عَن سنته أَن يعتقدوا فيهم نقصا يذمونهم بِهِ ويسمونهم بأسماء مكذوبة كَقَوْل القدري من اعْتقد أَن الله أَرَادَ الكائنات وَخلق أَفعَال الْعباد فقد سلب الْعباد الإختيار وَالْقُدْرَة وجعلهم مجبورين كالجمادات الَّتِي لَا إِرَادَة لَهَا وَلَا قدرَة وكقول الجهمي من قَالَ إِن الله فَوق الْعَرْش فقد زعم أَنه مَحْصُور وَأَنه جسم مركب مشابه لخلقه وكقول الْجَهْمِية والمعتزلة من قَالَ إِن لله علما وقدرة فقد زعم أَنه جسم مركب وَهُوَ مشبه لِأَن هَذِه الصِّفَات أَعْرَاض وَالْعرض لَا يقوم إِلَّا

стр. 70

بجوهر متحيز وكل متحيز جسم مركب أَو جَوْهَر فَرد وَمن قَالَ ذَلِك فَهُوَ مشبه لِأَن الْأَجْسَام متماثلة قَالَ وَمن حكى عَن النَّاس المقالات وَسَمَّاهُمْ بِهَذِهِ الْأَسْمَاء المكذوبة أخذا من لَازم عقيدتهم فَهُوَ وربه أعلم وَالله من وَرَائه بالمرصاد ﴿وَلَا يَحِيق الْمَكْر السيء إِلَّا بأَهْله﴾ فاطر ٤٣ قَالَ وَالله يعلم أَنِّي بعد الْبَحْث التَّام ومطالعة مَا أمكن من كَلَام السّلف مَا رَأَيْت كَلَام أحد مِنْهُم يدل لَا نصا وَلَا ظَاهرا على نفي الصِّفَات الخبرية فِي نفس الْأَمر وَمَا رَأَيْت أحدا مِنْهُم نفاها وَإِنَّمَا ينفون التَّشْبِيه وَيُنْكِرُونَ على المشبهة الَّذين يشبهون الله بخلقه وَيُنْكِرُونَ على من يَنْفِي الصِّفَات كَقَوْل نعيم بن حَمَّاد شيخ البُخَارِيّ من شبه الله بخلقه فقد كفر وَمن جحد مَا وصف الله بِهِ نَفسه فقد كفر وَلَيْسَ مَا وصف الله بِهِ نَفسه وَلَا رَسُوله تَشْبِيها

стр. 71

وَكَانُوا إِذا رَأَوْا الرجل قد أغرق فِي نفي التَّشْبِيه من غير إِثْبَات الصِّفَات قَالُوا هَذَا جهمي معطل فَإِن الْجَهْمِية والمعتزلة إِلَى الْيَوْم يسمون من أثبت شَيْئا من الصِّفَات مشبها كذبا مِنْهُم وإفتراء فالروافض تسمي أهل السّنة نواصب والقدرية يسمونهم مجبرة والمرجئة يسمونهم شكاكا والجهمية يسمونهم مشبهة وَأهل الْكَلَام يسمونهم حشوية والمتصوفة يسمونهم محجوبين كَمَا كَانَت قُرَيْش تسمي النَّبِي ﷺ تَارَة مَجْنُونا وَتارَة شَاعِرًا وَتارَة كَاهِنًا وَتارَة مفتريا وَهَذِه عَلامَة الْإِرْث الصَّحِيح والمتابعة التَّامَّة ثمَّ قَالَ ابْن تَيْمِية فِي آخر كَلَامه وجماع الْأَمر أَن الْأَقْسَام الممكنة فِي آيَات الصِّفَات وأحاديثها سِتَّة أَقسَام كل قسم عَلَيْهِ طَائِفَة من أهل الْقبْلَة وَسَيَأْتِي الْكَلَام على ذكر هَذِه الْأَقْسَام آخر الْكتاب

стр. 72

ولنرجع إِلَى مَا نَحن بصدده فَنَقُول وَمن الْمُتَشَابه الْكُرْسِيّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وسع كرسيه السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ الْبَقَرَة ٢٥٥ وَقد اخْتلف أهل التَّأْوِيل فِيهِ فَقيل الْكُرْسِيّ هُوَ علمه تَعَالَى أَي أحَاط علمه سُبْحَانَهُ بِأَهْل السَّمَاء وَالْأَرْض وَقيل هُوَ السُّلْطَان وَالْقُدْرَة وَقيل هُوَ تَمْثِيل لِعَظَمَة شَأْنه وسعة سُلْطَانه وإحاطة علمه بالأشياء قاطبة وَلَيْسَ ثمَّة كرْسِي وَلَا قَاعد وَلَا قعُود وَقيل هُوَ مَكَان لعبادة الْمَلَائِكَة وَالْإِضَافَة كَمَا فِي الْكَعْبَة بَيت الله وَقيل هُوَ الْعَرْش نَفسه وَالْمَشْهُور أَنه جسم عَظِيم بَين يَدي الْعَرْش يسع السَّبع سماوات وَالْأَرْض كَمَا دلّت عَلَيْهِ الْأَحَادِيث والْآثَار وَعَن ابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود وناس من الصَّحَابَة السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي جَوف الْكُرْسِيّ والكرسي بَين يَدي الْعَرْش وَهُوَ مَوضِع قَدَمَيْهِ قَالَ الْبَيْهَقِيّ كَذَا فِي هَذِه الرِّوَايَة مَوضِع قَدَمَيْهِ وروى سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس ﴿وسع كرسيه السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ قَالَ مَوضِع الْقَدَمَيْنِ وَلَا يقدر قدر الْعَرْش

стр. 73

قَالَ الْقُرْطُبِيّ كَذَا قَالَ مَوضِع الْقَدَمَيْنِ من غير إِضَافَة وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ الْكُرْسِيّ مَوضِع الْقَدَمَيْنِ قَالَ فالسلف لم يفسروا مِثَال هَذَا وَلم يشتغلوا بتأويله مَعَ إعتقادهم أَن الله تَعَالَى غير متبعض وَلَا ذِي حَاجَة قَالَ يحيى بن معِين شهِدت زَكَرِيَّا بن عدي سَأَلَ وكيعا فَقَالَ يَا أَبَا سُفْيَان هَذِه الْأَحَادِيث يَعْنِي مثل الْكُرْسِيّ مَوضِع الْقَدَمَيْنِ وَنَحْو هَذَا فَقَالَ وَكِيع أدركنا إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد وسُفْيَان ومسعرا يحدثُونَ بِهَذِهِ الْأَحَادِيث وَلَا يفسرون شَيْئا مِنْهَا وَأما الْخلف فأولوا قَالَ ابْن عَطِيَّة يُرِيد هُوَ من عرش الرَّحْمَن كموضع الْقَدَمَيْنِ فِي أسرة الْمُلُوك فَهُوَ مَخْلُوق عَظِيم بَين يَدي الْعَرْش نسبته إِلَى الْعَرْش كنسبة الْكُرْسِيّ إِلَى سَرِير الْملك وَقَالَ أَبُو حَيَّان إِنَّه تَعَالَى خَاطب الْخلق فِي تَعْرِيف ذَاته بِمَا اعتادوه فِي مُلُوكهمْ وعظمائهم وَاعْلَم أَن هَذِه الْأَحَادِيث وَنَحْوهَا تروى كَمَا جَاءَت ويفوض

стр. 74

مَعْنَاهَا إِلَى الله أَو تؤول بِمَا يَلِيق بجلاله سُبْحَانَهُ وَلَا ترد بِمُجَرَّد العناد والمكابرة كَمَا ذكر الْقُرْطُبِيّ قَالَ تَكَلَّمت مَعَ بعض أَصْحَابنَا الْقُضَاة مِمَّن لَهُ علم وبصر بمنية بني خصيب فِيمَا ذكره ابْن عبد البر من قَوْله ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ فَذكرت لَهُ حَدِيث عروج الْمَلَائِكَة بِالروحِ بعد قبضهَا من سَمَاء إِلَى سَمَاء حَتَّى تَنْتَهِي إِلَى السَّمَاء الَّتِي فِيهَا الله فَمَا كَانَ إِلَّا أَن بَادر إِلَى عدم صِحَّته وَلعن رُوَاته فَقلت لَهُ الحَدِيث صَحِيح وَالَّذين رَوَوْهُ لنا هم الَّذين رووا لنا الصَّلَوَات الْخمس وأحكامها فَإِن صدقُوا هُنَاكَ صدقُوا هُنَا وَإِن كذبُوا هُنَاكَ كذبُوا هُنَا وَلَا تحصل الثِّقَة بِأحد مِنْهُم فِيمَا يرويهِ وَمعنى قَوْله إِلَّا السَّمَاء الَّتِي فِيهَا الله أَي أمره وَحكمه وَهِي السَّمَاء السَّابِعَة الَّتِي عِنْدهَا سِدْرَة الْمُنْتَهى إِلَيْهَا يصعد وَيَنْتَهِي مَا يعرج بِهِ من الأَرْض وَمِنْهَا يهْبط مَا ينزل بِهِ مِنْهَا

стр. 75

وكما اعْترض بَعضهم على الْحَنَابِلَة فِي حَدِيث رَوَوْهُ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ اسْتَوَى على الْعَرْش فَمَا يفضل مِنْهُ إِلَّا مِقْدَار أَربع أَصَابِع قَالَ المعترضون للحنابلة وَهَذَا يُوهم دُخُول كمية وإجراء هَذَا مُسْتَحِيل فِي حق الرب إِلَّا على قَول المشبهة والمجسمة الَّذين يثبتون لله ذاتا لَهَا كمية وضخامة وَهَذَا مِمَّا اتفقنا نَحن وَأَنْتُم على تَكْفِير الْقَائِل بِهِ فَقَالَ الْحَنَابِلَة أما هَذَا الحَدِيث فَنحْن لم نَقله من عِنْد أَنْفُسنَا فقد رَوَاهُ عَامَّة أَئِمَّة الحَدِيث فِي كتبهمْ الَّتِي قصدُوا فِيهَا نقل الْأَخْبَار الصَّحِيحَة وَتَكَلَّمُوا على توثقة رِجَاله وَتَصْحِيح طرقه وَرَوَاهُ من الْأَئِمَّة جمَاعَة أحدهم إمامنا أَحْمد وَأَبُو بكر الْخلال صَاحبه وَابْن بطة وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي كتاب الصِّفَات الَّذِي جمعه وَضبط طرقه وَحفظ عَدَالَة رُوَاته وَهُوَ حَدِيث ثَابت لَا سَبِيل إِلَى دَفعه ورده إِلَّا بطرِيق العناد والمكابرة والتأويل يُمكن فَإِنَّهُ قد يُطلق الْفضل وَالْمرَاد بِهِ الْخُرُوج عَن حد الْوَصْف والإختصاص وَلِهَذَا يُقَال حقق ملك فلَان فَلم يفضل مِنْهُ إِلَّا مِقْدَار جريب بِمَعْنى أَنه لم يدْخل تَحت وصف الإختصاص
следующие страницы →