Полный текст (195 стр.). Показаны 176–195 · переход к 181.
стр. 176
الْأَكْبَر وَقد قصد الشَّرْع تَقْرِير وجوده فَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾ ﴿نزل بِهِ الرّوح الْأمين﴾ ﴿وَهَذَا كتاب أَنزَلْنَاهُ﴾ وأثبته فِي الْقُلُوب بقوله ﴿فِي صُدُور الَّذين أُوتُوا الْعلم﴾ العنكبوت ٤٩ وَفِي الْمَصَاحِف بقوله ﴿فِي لوح مَحْفُوظ﴾ ﴿وَإنَّهُ لفي زبر الْأَوَّلين﴾ الشُّعَرَاء ١٩٦ فَقَالَ قوم من هَؤُلَاءِ هُوَ مَخْلُوق فاسقطوا حرمته من النُّفُوس وَقَالُوا لم ينزل وَلَا يتَصَوَّر نُزُوله وَكَيف نفصل الصّفة عَن الْمَوْصُوف وَلَيْسَ فِي الْمُصحف إِلَّا حبر وورق فعادوا إِلَى مَا بعث الشَّارِع فِي إثْبَاته بالمحو كَمَا قَالُوا إِن الله لَيْسَ فِي السَّمَاء وَلَا يُقَال اسْتَوَى على الْعَرْش وَلَا ينزل إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا بل ذَاك رَحمته فمحوا من الْقُلُوب مَا أُرِيد إثْبَاته فِيهَا وَلَيْسَ هَذَا مُرَاد الشَّارِع
وَجَاء آخَرُونَ فَلم يقفوا على مَا حَده الشَّرْع بل عمِلُوا فِيهِ بآرائهم فَقَالُوا الله على الْعَرْش وَلم يقنعوا بقوله ﴿ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش﴾
قَالَ وَدفن لَهُم أَقوام من سلفهم دفائن وَوضعت لَهُم الْمَلَاحِدَة أَحَادِيث فَلم يعلمُوا مَا يجوز عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ مِمَّا لَا يجوز فأثبتوا بهَا صِفَاته وَجُمْهُور الصَّحِيح مِنْهَا آتٍ على توسع الْعَرَب فَأَخَذُوهُ هم على الظَّاهِر فَكَانُوا فِي ضرب الْمثل كجحا فَإِن أمه قَالَت لَهُ احفظ الْبَاب فقلعه وَمَشى بِهِ فَأخذ مَا فِي الدَّار فَلَامَتْهُ أمه فَقَالَ إِنَّمَا قلت لي احفظ الْبَاب وَمَا قلت احفظ
стр. 177
الدَّار وَلما تخايلوا صُورَة عَظِيمَة على الْعَرْش أخذُوا يتأولون مَا يُنَافِي وجودهَا على الْعَرْش مثل قَوْله وَمن أَتَانِي يمشي أَتَيْته هرولة فَقَالُوا لَيْسَ المُرَاد بِهِ دنو الذَّات وَإِنَّمَا المُرَاد قرب المنهل والحظ وَقَالُوا فِي قَوْله ﴿إِلَّا أَن يَأْتِيهم الله فِي ظلل﴾ الْبَقَرَة ٢١٠ هُوَ مَحْمُول على ظَاهره فِي مَجِيء الذَّات فهم يحلونه عَاما ويحرمونه عَاما ويسمون الإضافات إِلَى الله تَعَالَى صِفَات فَإِنَّهُ قد أضَاف إِلَيْهِ النفخ وَالروح وأثبتوا خلقه بِالْيَدِ وَقَالُوا هِيَ صفة تولى بهَا خلق آدم دون غَيره وَإِلَّا فَأَي مزية كَانَت تكون لآدَم فشغلهم النّظر فِي فَضِيلَة آدم عَن النّظر إِلَى مَا يَلِيق بِالْحَقِّ فَإِنَّهُ لَا يجوز عَلَيْهِ الْمس وَلَا الْعَمَل بالآلات وَقَالُوا نطلق على الله اسْم الصُّورَة لقَوْله خلق آدم على صورته وَقَالُوا فِي حَدِيث الرَّحِم وَأَنَّهَا تعلّقت بحقو الرحمان الحقو صفة ذَات
قَالَ وَذكروا أَحَادِيث لَو رويت فِي نقض الْوضُوء مَا قبلت وعمومها وَضعته الْمَلَاحِدَة كَمَا يرْوى عَن عبد الله بن عَمْرو قَالَ خلق الله الْمَلَائِكَة من نور الذراعين والصدر فَقَالُوا نثبت هَذَا على ظَاهره ثمَّ أرضوا الْعَوام بقَوْلهمْ وَلَا نثبت جوارح فكأنهم يَقُولُونَ قَائِم مَا هُوَ قَائِم وَاخْتلف قَوْلهم هَل يُطلق على الله عز
стр. 178
وَجل أَنه جَالس أَو قَائِم كَقَوْلِه ﴿قَائِما بِالْقِسْطِ﴾ آل عمرَان ١٨ وَهَؤُلَاء هم أخس فهما من جحا لِأَن قَوْله ﴿قَائِما بِالْقِسْطِ﴾ لَا يُرَاد بِهِ الْقيام وَإِنَّمَا هُوَ كَمَا يُقَال الْأَمِير قَائِم بِالْعَدْلِ
قَالَ وَإِنَّمَا ذكرت بعض أَقْوَالهم لِئَلَّا يسكن إِلَى شَيْء مِنْهَا فالحذر من هَؤُلَاءِ وَإِنَّمَا الطَّرِيق طَرِيق السّلف على أنني أَقُول لَك قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل من ضيق علم الرجل أَن يُقَلّد فِي دينه الرِّجَال فَلَا يَنْبَغِي أَن تسمع عَن مُعظم فِي النُّفُوس شَيْئا فِي الْأُصُول فتقلده فِيهِ وَلَو سَمِعت عَن أَحْمد بن حَنْبَل مَا لَا يُوَافق الْأُصُول الصَّحِيحَة فَقل هَذَا من الرَّاوِي لِأَنَّهُ قد ثَبت عَن ذَلِك الإِمَام وَأَنه لَا يَقُول فِي شَيْء بِرَأْيهِ فَلَو قَدرنَا صِحَّته عَنهُ فَإِنَّهُ لَا يُقَلّد فِي الْأُصُول وَلَا أبوبكر وَعمر
قَالَ فَهَذَا أصل يجب الْبناء عَلَيْهِ فَلَا يهولنك ذكر مُعظم فِي النُّفُوس فَإِن الْمُحَقق الْعَارِف لَا يهوله ذَلِك كَمَا قَالَ رجل لعَلي ابْن أبي طَالب أتظن أَنا نظن أَن طَلْحَة وَالزُّبَيْر كَانَا على الْبَاطِل وَأَنت على الْحق فَقَالَ لَهُ عَليّ إِن الْحق لَا يعرف بِالرِّجَالِ اعرف الْحق تعرف أَهله ولعمري إِنَّه قد وقر فِي النُّفُوس تَعْظِيم أَقوام فَإِذا نقل عَنْهُم شَيْء فَسَمعهُ جَاهِل بِالشَّرْعِ قبله لتعظيمهم فِي نَفسه كَمَا نقل عَن أبي يزِيد البسطامي أَنه قَالَ تراغبت عَليّ نَفسِي فَحَلَفت لَا أشْرب المَاء سنة وَهَذَا إِن صَحَّ عَنهُ كَانَ خطأ قبيحا وزلة فَاحِشَة لِأَن المَاء ينفذ الأغذية إِلَى الْبدن وَلَا يقوم مقَامه شَيْء فَإِن لم يشرب فقد سعى فِي أَذَى بدنه وضرر نَفسه الَّتِي لَيست لَهُ وَأَنه لَا يجوز لَهُ التَّصَرُّف فِيهَا إِلَّا عَن إِذن مَالِكهَا
стр. 179
وَقَالَ أَيْضا قدم إِلَى بَغْدَاد جمَاعَة من أهل الْبدع الْأَعَاجِم فارتقوا مَنَابِر التذكيري للعوام فَكَانَ مُعظم مجَالِسهمْ أَنهم يَقُولُونَ لَيْسَ لله فِي الأَرْض كَلَام وَهل الْمُصحف إِلَّا ورق وعفص وزاج وَإِن الله لَيْسَ على الْعَرْش وَلَا فِي السَّمَاء وَإِن الْجَارِيَة الَّتِي قَالَ لَهَا النَّبِي ﷺ أَيْن الله كَانَت خرساء فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاء أَي لَيْسَ هُوَ من الْأَصْنَام الَّتِي تعبد فِي الأَرْض
ثمَّ يَقُولُونَ أَيْن الحروفية الَّذين يَزْعمُونَ أَن الْقُرْآن حرف وَصَوت هَذَا عبارَة جِبْرِيل فَمَا زَالُوا كَذَلِك حَتَّى هان تَعْظِيم الْقُرْآن فِي صُدُور أَكثر الْعَوام وصاروا يَقُولُونَ هَذَا هُوَ الصَّحِيح ودس الشَّيْطَان دسائس الْبدع فَقَالَ قوم هَذَا الْمشَار إِلَيْهِ مَخْلُوق مَعَ أَن الإِمَام أَحْمد ثَبت فِي ذَلِك ثبوتا لم يُثبتهُ غَيره على دفع هَذَا القَوْل لِئَلَّا يتَطَرَّق إِلَى الْقُرْآن مَا يمحو تَعْظِيمه من النُّفُوس ويخرجه عَن الْإِضَافَة إِلَى الله تَعَالَى وَرَأى أَن ابتداع مَا لم يقل بِهِ لَا يجوز فَقَالَ كَيفَ أَقُول مَا لم يقل
ثمَّ لم يخْتَلف النَّاس فِي ذَلِك إِلَى أَن جَاءَ بعض الْمُتَكَلِّمين فَقَالَ إِن الْكَلَام صفة قَائِمَة بِالنَّفسِ فتخبطت العقائد مَعَ أَن الله تَعَالَى وَرَسُوله قنعا من الْخلق بِالْإِيمَان الإجمالي وَلم يكلفهم معرفَة التفاصيل وَالْوُقُوف على الْمَاهِيّة إِمَّا لِأَن الإطلاع على ذَلِك
стр. 180
يخبط العقائد وَإِمَّا لِأَن قوى الْبشر تعجز عَن مطالعة ذَلِك وَنهى عَن الْخَوْض فِيمَا يثير غُبَار شُبْهَة وَإِذا كَانَ قد نهى عَن الْخَوْض فِي الْقدر فَكيف يجوز الْخَوْض فِي صِفَات الْمُقدر وَإِذا كَانَت الظَّوَاهِر تثبت وجود الْقُرْآن وَأَنه كَلَام الله حَقِيقَة فَقَالَ قَائِل لَيْسَ كَذَلِك فقد نفى الظَّوَاهِر الَّتِي تَعب الرَّسُول فِي إِثْبَاتهَا وَقرر وجودهَا فِي النُّفُوس وَهل للمخالف دَلِيل إِلَّا أَن يَقُول قَالَ الله فَيثبت مَا نفى فَلَيْسَ الصَّوَاب لمن وفْق إِلَّا الْوُقُوف مَعَ ظواهر الشَّرْع
وَأما قَوْلهم لَيْسَ فِي الْمُصحف إِلَّا ورق وعفص وزاج فَهُوَ كَقَوْل الْقَائِل هَل الْآدَمِيّ إِلَّا لحم وَدم هَيْهَات إِن معنى الْآدَمِيّ هُوَ الرّوح فَمن نظر إِلَى اللَّحْم وَالدَّم وقف مَعَ الْحس
وَإِثْبَات الْإِلَه بظواهر الْآيَات وَالْأَحَادِيث ألزم للعوام من تحديثهم بالتنزيه وَإِن كَانَ التَّنْزِيه لَازِما
وَقد كَانَ ابْن عقيل يَقُول الْأَصْلَح لاعتقاد الْعَوام ظواهر الْآيَات وَالْأَحَادِيث لأَنهم يأنسون بالإثبات فَمَتَى محونا ذَلِك من قُلُوبهم زَالَت السياسات والخشية
وتهافت الْعَوام فِي التَّشْبِيه أحب إِلَيّ من إغراقهم فِي التَّنْزِيه لِأَن التَّشْبِيه يغمسهم فِي الْإِثْبَات فيطمعوا ويخافوا شَيْئا قد تخايلوا مثله يُرْجَى وَيخَاف وَأما التَّنْزِيه فَإِنَّهُ يَرْمِي بهم إِلَى النَّفْي وَلَا طمع وَلَا مَخَافَة من النَّفْي
стр. 181
قَالَ وَمن تدبر الشَّرِيعَة عرف سر ذَلِك
وَقَالَ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية مَا ملخصه مَا قَالَه الله تَعَالَى وَرَسُوله وَالسَّابِقُونَ الْأَولونَ وَمَا قَالَه أَئِمَّة الْهدى هُوَ الْوَاجِب على جَمِيع الْخلق فِي هَذَا الْبَاب وَغَيره فَإِن الله تَعَالَى بعث مُحَمَّدًا ﷺ بِالْهدى وَدين الْحق ليخرج النَّاس من الظُّلُمَات إِلَى النُّور وَشهد لَهُ بِأَنَّهُ بَعثه دَاعيا إِلَيْهِ بِإِذْنِهِ وسراجا منيرا فَمن الْمحَال فِي الْعقل وَالدّين أَن يكون السراج الْمُنِير الَّذِي أخبر الله تَعَالَى بِأَنَّهُ أكمل لَهُ ولأمته دينهم أَن يكون قد ترك بَاب الْإِيمَان بِاللَّه وَالْعلم بِهِ ملتبسا مشتبها وَلم يُمَيّز مَا يجب لله من الْأَسْمَاء الْحسنى وَالصِّفَات العلى وَمَا يجوز عَلَيْهِ أَو يمْتَنع
فَإِن معرفَة هَذَا أصل الدّين وأساس الْهِدَايَة وَأفضل مَا اكتسبته الْقُلُوب وحصلته النُّفُوس وأدركته الْعُقُول وَقَالَ فِيمَا صَحَّ عَنهُ مَا بعث الله نَبيا إِلَّا كَانَ حَقًا عَلَيْهِ أَن يدل أمته على خير مَا يُعلمهُ لَهُم وينهاهم عَن شَرّ مَا يُعلمهُ لَهُم
فَمن الْمحَال مَعَ تَعْلِيمه ﵇ لأمته كل شَيْء لَهُم فِيهِ مَنْفَعَة وَإِن دقَّتْ أَن يتْرك تعليمهم مَا يَقُولُونَهُ بألسنتهم وَقُلُوبهمْ فِي رَبهم ومعبودهم الَّذِي مَعْرفَته غَايَة المعارف وعبادته أشف الْمَقَاصِد والوصول إِلَيْهِ غَايَة المطالب فَكيف يتَوَهَّم من فِي قلبه
стр. 182
أدنى مسكة من إِيمَان وَحِكْمَة أَن لَا يكون بَيَان هَذَا الْبَاب قد وَقع من الرَّسُول على غَايَة التَّمام ثمَّ إِذا كَانَ قد وَقع ذَلِك مِنْهُ فَمن الْمحَال أَن خير أمته وَأفضل الْقُرُون قصروا فِي هَذَا الْبَاب زائدين فِيهِ أَو ناقصين عَنهُ
ثمَّ من الْمحَال أَيْضا أَن تكون الْقُرُون الفاضلة الْقرن الَّذِي بعث فيهم رَسُول الله ﷺ ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ كَانُوا غير عَالمين وَلَا قائلين فِي هَذَا الْبَاب بِالْحَقِّ الْمُبين فَهَذَا لَا يَعْتَقِدهُ مُسلم وَلَا عَاقل عرف حَال الْقَوْم وَلَا أَن يعْتَقد أَن الْخلف أعلم من السّلف أَو أَن طَريقَة اللاسلف أسلم وَطَرِيقَة الْخلف أعلم وَأحكم ظنا أَن طَريقَة السّلف هِيَ مُجَرّد الْإِيمَان بِأَلْفَاظ الْقُرْآن والْحَدِيث من غير فقه ذَلِك وَأَن طَريقَة الْخلف هِيَ اسْتِخْرَاج مَعَاني النُّصُوص المصروفة عَن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللُّغَات فَهَذَا الظَّن فَاسد أوجب تِلْكَ الْمقَالة وَسبب ذَلِك اعْتِقَادهم أَنه لَيْسَ فِي نفس الْأَمر صفة دلّت عَلَيْهَا النُّصُوص فَلَمَّا اعتقدوا انْتِفَاء الصِّفَات فِي نفس الْأَمر وَكَانَ مَعَ ذَلِك لَا بُد للنصوص من معنى بقوا مترددين بَين الْإِيمَان بِاللَّفْظِ وتفويض الْمَعْنى وَهِي الَّتِي يسمونها طَريقَة السّلف وَبَين صرف اللَّفْظ إِلَى معَان بِنَوْع تكلّف وَهِي الَّتِي يسمونها طَريقَة الْخلف وَصَارَ هَذَا الْبَاطِل مركبا من فَسَاد الْعقل والتكذيب بِالسَّمْعِ فَإِن النَّفْي إِنَّمَا اعتمدوا فِيهِ على أُمُور عقلية ظنوها بَيِّنَات وَهِي شُبُهَات والسمع حرفوا فِيهِ الْكَلم عَن موَاضعه فَلَمَّا انبنى أَمرهم على هَاتين المقدمتين كَانَت النتيجة استجهال السَّابِقين الْأَوَّلين وَأَنَّهُمْ لم يتبحروا فِي حقائق الْعلم بِاللَّه وَلم
стр. 183
يتفطنوا لدقيق الْعلم الإلهي وَأَن الْخلف الْفُضَلَاء حازوا قصب السَّبق فِي هَذَا كُله
وَهَذَا القَوْل إِذا تدبره الْإِنْسَان وجده فِي غَايَة الْجَهَالَة بِمِقْدَار السّلف فَكيف يكون الْخلف أعلم بِاللَّه وأسمائه وَصِفَاته وَأحكم فِي بَاب ذَاته وآياته من السَّابِقين الْأَوَّلين من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَالَّذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان من وَرَثَة الْأَنْبِيَاء وأعلام الْهدى الَّذين بهم قَامَ الْكتاب وَبِه قَامُوا وبهم نطق الْكتاب وَبِه نطقوا الَّذين وهبهم الله من الْعلم وَالْحكمَة وَأَحَاطُوا من حقائق المعارف وبواطن الْحَقَائِق بِمَا لَو جمعت حِكْمَة غَيرهم إِلَيْهَا لاستحيا من يطْلب الْمُقَابلَة
ثمَّ قَالَ وَلم يقل أحد مِنْهُم قطّ إِن الله لَيْسَ على الْعَرْش وَلَا إِنَّه فِي كل مَكَان وَلَا إِنَّه لَا دَاخل الْعَالم وَلَا خَارجه وَلَا مُتَّصِلا بِهِ وَلَا مُنْفَصِلا عَنهُ وَلَا إِنَّه لَا تجوز الْإِشَارَة إِلَيْهِ
فَإِن كَانَ الْحق فِيمَا يَقُوله هَؤُلَاءِ النافون للصفات الثَّابِتَة فِي الْكتاب وَالسّنة من هَذِه الْعبارَات وَنَحْوهَا دونما يفهم من الْكتاب وَالسّنة إِمَّا نصا وَإِمَّا ظَاهرا فَكيف يجوز على الله وَرَسُوله ثمَّ على خير الْأمة أَنهم يَتَكَلَّمُونَ دَائِما بِمَا هُوَ نَص أَو ظَاهر فِي خلاف الْحق ثمَّ الْحق الَّذِي يجب اعْتِقَاده لَا يبوحون بِهِ قطّ وَلَا يدلون عَلَيْهِ حَتَّى جَاءَ المتوغلون فِي عُلُوم الفلاسفة فبينوا للْأمة العقيدة الصَّحِيحَة ودفعوا بِمُقْتَضى عُقُولهمْ مَا دلّ عَلَيْهِ الْكتاب وَالسّنة نصا أَو ظَاهرا فَإِن كَانَ الْحق فِي قَوْلهم فَلَقَد كَانَ
стр. 184
ترك النَّاس بِلَا كتاب وَلَا سنة أهْدى لَهُم وأنفع على هَذَا التَّقْدِير
فَإِن حَقِيقَة الْأَمر على مَا يَقُوله هَؤُلَاءِ إِنَّكُم يَا معشر الْعباد لَا تَطْلُبُوا معرفَة الله وَمَا يسْتَحقّهُ من الصِّفَات لَا من الْكتاب وَلَا من السّنة وَلَا من طَرِيق سلف الْأمة وَلَكِن انْظُرُوا أَنْتُم فِيمَا وجدتموه مُسْتَحقّا لَهُ من الصِّفَات فِي عقولكم فصفوه بِهِ سَوَاء كَانَ مَوْجُودا فِي الْكتاب وَالسّنة أَو لم يكن وَمَا لم تَجِدُوهُ مُسْتَحقّا لَهُ فِي عقولكم فَلَا تصفوه بِهِ
ثمَّ هم هُنَا فريقان أَكْثَرهم يَقُول مَا لم تثبته عقولكم فانفوه وَمِنْهُم من يَقُول بل توقفوا فِيهِ وَكَأن الله تَعَالَى قَالَ لَهُم مَا نَفَاهُ قِيَاس عقولكم مِمَّا اختلفتم فِيهِ أنفوه وَإِلَيْهِ عِنْد التَّنَازُع فَارْجِعُوا فَإِنَّهُ الْحق الَّذِي تعبدتكم بِهِ وَمَا كَانَ مَذْكُورا فِي الْكتاب وَالسّنة مِمَّا يُخَالف قياسكم هَذَا أَو يثبت مَا لم تُدْرِكهُ عقولكم فاعلموا أَنِّي امتحنتكم بتنزيله لَا لِتَأْخُذُوا الْهدى مِنْهُ لَكِن لتجتهدوا فِي تحريفه على شواذ اللُّغَة وَوَحْشِي الْأَلْفَاظ وغرائب الْكَلَام وَأَن تسكتوا عَنهُ مفوضين علمه إِلَى الله مَعَ نفي دلَالَته على كل شَيْء من الصِّفَات هَذَا حَقِيقَة الْأَمر على رَأْي هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمين
قَالَ وَهَذَا الْكَلَام قد رَأَيْته صرح بِمَعْنَاهُ طَائِفَة من الْمُتَكَلِّمين وَأَن كتاب الله لَا يهتدى بِهِ فِي معرفَة الله وَأَن الرَّسُول مَعْزُول عَن التَّعْلِيم بِصِفَات من أرْسلهُ وَمَا أشبه حَال هَؤُلَاءِ بقوله تَعَالَى ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذين يَزْعمُونَ أَنهم آمنُوا بِمَا أنزل إِلَيْك وَمَا أنزل من قبلك يُرِيدُونَ أَن يتحاكموا إِلَى الطاغوت وَقد أمروا أَن يكفروا بِهِ﴾ إِلَى قَوْله ﴿ثمَّ جاؤوك يحلفُونَ بِاللَّه إِن أردنَا إِلَّا إحسانا وتوفيقا﴾
стр. 185
النِّسَاء ٦٠ فَإِن هَؤُلَاءِ إِذا دعوا إِلَى مَا أنزل الله من الْكتاب وَإِلَى الرَّسُول أَي إِلَى سنته أَعرضُوا عَن ذَلِك وهم يَقُولُونَ إِنَّا قصدنا الْإِحْسَان علما وَعَملا بِهَذِهِ الطَّرِيق الَّتِي سلكناها والتوفيق بَين الدَّلَائِل الْعَقْلِيَّة والنقلية
قَالَ فَيُقَال لَهُم يَا سُبْحَانَ الله كَيفَ لم يقل الرَّسُول يَوْمًا من الدَّهْر وَلَا أحد من سلف الْأمة هَذِه الْآيَات وَالْأَحَادِيث لَا تعتقدوا مَا دلّت عَلَيْهِ لَكِن اعتقدوا الَّذِي تَقْتَضِيه مقاييسكم فَإِنَّهُ الْحق
ثمَّ الرَّسُول قد أخبر بِأَن أمته سَتَفْتَرِقُ ثَلَاثًا وَسبعين فرقة فقد علم مَا سَيكون ثمَّ قَالَ إِنِّي تَارِك فِيكُم مَا إِن تمسكتم بِهِ لن تضلوا كتاب الله
стр. 186
وَقَالَ فِي صفة الْفرْقَة النَّاجِية هُوَ من كَانَ على مثل مَا أَنا عَلَيْهِ الْيَوْم وأصحابي
فَهَلا قَالَ من تمسك بِظَاهِر الْقُرْآن فِي بَاب الإعتقاد فَهُوَ ضال وَإِنَّمَا الْهدى رجوعكم إِلَى مقاييس عقولكم وَمَا يحدثه المتكلمون مِنْكُم بعد الْقُرُون الثَّلَاثَة
قَالَ ثمَّ أصل هَذِه الْمقَالة مقَالَة التعطيل للصفات إِنَّمَا هُوَ مَأْخُوذ من تلامذة الْيَهُود وَالصَّابِئِينَ فَإِن أول من حفظ عَنهُ أَنه قَالَ هَذِه الْمقَالة فِي الْإِسْلَام أَعنِي أَن الله لَيْسَ على الْعَرْش وَإِنَّمَا اسْتَوَى استولى وَنَحْو ذَلِك هُوَ الْجَعْد بن دِرْهَم وَأَخذهَا عَنهُ الجهم بن صَفْوَان وأظهرها فنسبت مقَالَة الْجَهْمِية إِلَيْهِ
وَقد قيل إِن الْجَعْد أَخذ مقَالَته هَذِه من أبان بن سمْعَان وَأَخذهَا أبان من طالوت ابْن أُخْت لبيد بن أعصم وَأَخذهَا طالوت
стр. 187
من لبيد بن أعصم الْيَهُودِيّ السَّاحر الَّذِي سحر النَّبِي ﷺ
وَكَانَ الْجَعْد هَذَا فِيمَا قيل من أهل حران وَكَانَ فيهم خلق كثير من الصابئة والفلاسفة بقايا أهل دين النمرود الكنعانيين والنمرود اسْم لملك المصائبين كَمَا أَن كسْرَى اسْم لملك الْفرس وَالْمَجُوس
وعلماء الصابئين هم الفلاسفة وَكَانَ أُولَئِكَ الصابئون إِذْ ذَاك كفَّارًا مُشْرِكين وَكَانُوا يعْبدُونَ الْكَوَاكِب ويبنون لَهَا الهياكل
وَمذهب نفاة صِفَات الرب من هَؤُلَاءِ أَنه لَيْسَ لَهُ تَعَالَى إِلَّا صِفَات سلبية أَو إضافية أَو مركبة مِنْهُمَا وهم الَّذين بعث إِلَيْهِم إِبْرَاهِيم الْخَلِيل ﵇ فَيكون الْجَعْد قد أَخذهَا عَن الصابئة الفلاسفة وَأَخذهَا الجهم أَيْضا فِيمَا ذكره الإِمَام أَحْمد وَغَيره
وَلما كَانَ فِي حُدُود المئة الثَّانِيَة انتشرت هَذِه الْمقَالة الَّتِي كَانَ السّلف يسمونها مقَالَة الْجَهْمِية بِسَبَب بشر المريسي وطبقته وَكَانَ الْأَئِمَّة مثل مَالك وسُفْيَان وَابْن الْمُبَارك وَأبي يُوسُف وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق والفضيل بن عِيَاض وَبشر الحافي يبالغون فِي ذمّ الْكَلَام وَفِي ذمّ بشر المريسي هَذَا وتضليله حَتَّى إِن هَارُون الرشيد قَالَ يَوْمًا بَلغنِي أَن بشرا المريسي يَقُول الْقُرْآن
стр. 188
مَخْلُوق وَللَّه عَليّ إِن أَظْفرنِي بِهِ لأقتلنه قتلة مَا قتلتها أحدا فَأَقَامَ بشر متواريا أَيَّام الرشيد نَحوا من عشْرين سنة
قَالَ وَهَذِه التأويلات الْمَوْجُودَة الْيَوْم بأيدي النَّاس مثل أَكثر التأويلات الَّذِي ذكرهَا أَبُو بكر بن فورك فِي كتاب التأويلات وَذكرهَا الْفَخر الرَّازِيّ فِي كِتَابه الَّذِي سَمَّاهُ تأسيس التَّقْدِيس وَيُوجد كثير مِنْهَا فِي كَلَام كثير غير هَؤُلَاءِ مثل أبي عَليّ الجبائي وعبد الجبار بن أَحْمد الْهَمدَانِي وَأبي الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ وَأبي الْوَفَاء بن عقيل وَأبي حَامِد الْغَزالِيّ وَغَيرهم هِيَ بِعَينهَا التأويلات الَّتِي ذكرهَا بشر المريسي فِي كِتَابه
قَالَ وَيدل على ذَلِك كتاب الرَّد الَّذِي صنفه الإِمَام الدَّارمِيّ عُثْمَان بن سعيد أحد الْأَئِمَّة الْمَشَاهِير فِي زمَان البُخَارِيّ صنف كتابا سَمَّاهُ رد عُثْمَان بن سعيد على الْكَاذِب العنيد فِيمَا افترى على الله من التَّوْحِيد حكى فِيهِ هَذِه التأويلات بِأَعْيَانِهَا عَن بشر المريسي بِكَلَام يقتضى أَن المريسي أقعد بهَا وَأعلم بالمعقول وَالْمَنْقُول من هَؤُلَاءِ الْمُتَأَخِّرين الَّذين اتَّصَلت إِلَيْهِم من جِهَته ثمَّ رد الدَّارمِيّ ذَلِك بِكَلَام إِذا طالعه الْعَاقِل الذكي يسلم حَقِيقَة مَا كَانَ عَلَيْهِ السّلف ويتبين لَهُ ظُهُور الْحجَّة لطريقهم وَضعف حجَّة من خالفهم ثمَّ إِذا رأى أَئِمَّة الْهدى قد أَجمعُوا على ذمّ المريسية وَأَكْثَرهم كفروهم أَو ضللوهم تبين لَهُ الْهدى
стр. 189
قَالَ والعاقل يسير فَينْظر فَكَلَام السّلف فِي هَذَا الْبَاب مَوْجُود فِي كتب كَثِيرَة لَا يُمكن أَن نذْكر هُنَا إِلَّا قَلِيلا مثل كتاب السّنَن للالكائي والإبانة لِابْنِ بطة وَالسّنة لأبي ذَر الْهَرَوِيّ وَلأبي عبد الله بن مَنْدَه وَالْأُصُول لأبي عمر الطلمنكي وَكَلَام أبي عمر بن عبد البر والأسماء وَالصِّفَات للبيهقي وَقبل ذَلِك السّنة للطبراني وَلأبي الشَّيْخ الْأَصْبَهَانِيّ وَقبل ذَلِك السّنة للخلال والتوحيد لِابْنِ خُزَيْمَة وَكَلَام أبي الْعَبَّاس بن سُرَيج وَالرَّدّ على الْجَهْمِية لجَماعَة وَقبل ذَلِك السّنة لعبد الله بن الإِمَام أَحْمد وَالسّنة لأبي بكر الْأَثْرَم وَالسّنة لحنبل وللمروزي وَلأبي دَاوُد وَلابْن أبي شيبَة وَالسّنة لِابْنِ أبي حَاتِم وَكتاب الرَّد على الْجَهْمِية لعبد الله بن مُحَمَّد شيخ البُخَارِيّ وَكتاب الرَّد على الْجَهْمِية للدارمي وَكتاب نعيم ابْن حَمَّاد الْخُزَاعِيّ وَكتب عبد الرحمن بن أبي حَاتِم وَكَلَام الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَيحيى بن يحيى النَّيْسَابُورِي وأمثالهم
قَالَ وَعِنْدنَا من الدَّلَائِل السمعية والعقلية مَا لَا يَتَّسِع هَذَا
стр. 190
الْموضع لذكره
قَالَ ثمَّ القَوْل الشَّامِل فِي جَمِيع هَذَا الْبَاب أَن يُوصف الله بِمَا وصف بِهِ نَفسه أَو وَصفه بِهِ رَسُوله وَبِمَا وَصفه بِهِ السَّابِقُونَ الْأَولونَ لَا نتجاوز الْقُرْآن والْحَدِيث
قَالَ الإِمَام أَحْمد ﵀ لَا يُوصف الله إِلَّا بِمَا وصف بِهِ نَفسه أَو وَصفه بِهِ رَسُوله لَا نتجاوز الْقُرْآن والْحَدِيث
وَمذهب السّلف أَنهم يصفونَ الله بِمَا وصف بِهِ نَفسه وَبِمَا وَصفه بِهِ رَسُوله من غير تَحْرِيف وَلَا تَعْطِيل وَمن غير تكييف وَلَا تَمْثِيل ونعلم أَن مَا وصف الله بِهِ نَفسه من ذَلِك فَهُوَ حق لَيْسَ فِيهِ لغز وَلَا أحاجي بل مَعْنَاهُ يعرف من حَيْثُ يعرف مَقْصُود الْمُتَكَلّم بِكَلَامِهِ وَهُوَ سُبْحَانَهُ مَعَ ذَلِك لَيْسَ كمثله شَيْء لَا فِي نَفسه المقدسة الْمَذْكُورَة بأسمائها وصفاتها وَلَا فِي أفعالها فَكَمَا تَيَقّن أَن الله سُبْحَانَهُ لَهُ ذَات حَقِيقَة وَله أَفعَال حَقِيقَة فَكَذَلِك لَهُ صِفَات حَقِيقَة وَهُوَ ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ لَا فِي ذَاته وَلَا فِي صِفَاته وَلَا فِي أَفعاله وكل مَا أوجب نقصا أَو حدوثا فَإِن الله تَعَالَى منزه عَنهُ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ مُسْتَحقّ للكمال الَّذِي لَا غَايَة فَوْقه
وَمذهب السّلف بَين التعطيل والتمثيل فَلَا يمثلون صِفَات الله بِصِفَات خلقه كَمَا لَا يمثلون ذَاته بِذَات خلقه وَلَا ينفون عَنهُ مَا وصف بِهِ نَفسه أَو وَصفه بِهِ رَسُوله فيعطلون أسماءه الْحسنى وَصِفَاته الْعلَا ويحرفون الْكَلم عَن موَاضعه فَإِن من حرفوا لم يفهموا من أَسمَاء الله وَصِفَاته إِلَّا مَا هُوَ اللَّائِق بالمخلوق ثمَّ شرعوا
стр. 191
فِي نفي تِلْكَ المفهومات فقد جمعُوا بَين التَّمْثِيل والتعطيل مثلُوا أَولا وعطلوا آخرا فَهَذَا تَشْبِيه وتمثيل مِنْهُم للمفهوم من أَسْمَائِهِ وَصِفَاته بِالْمَفْهُومِ من أَسمَاء خلقه وصفاتهم وتعطيل لما يسْتَحقّهُ هُوَ سُبْحَانَهُ من الْأَسْمَاء وَالصِّفَات اللائقة بِهِ تَعَالَى
قَالَ ثمَّ المخالفون للْكتاب وَالسّنة وَسلف الْأمة من المتأولين لهَذَا الْبَاب فِي أَمر مريج فَإِن من يُنكر الرُّؤْيَة زعم أَن الْعقل يحيلها وَأَنه مُضْطَر إِلَى التَّأْوِيل وَمن يحِيل أَن لله علما وقدرة وَأَن كَلَامه غير مَخْلُوق وَنَحْو ذَلِك يَقُول إِن الْعقل أحَال ذَلِك فاضطر إِلَى التَّأْوِيل بل من يُنكر حَقِيقَة حشر الأجساد وَالْأكل وَالشرب الْحَقِيقِيّ فِي الْجنَّة يزْعم أَن الْعقل أحَال ذَلِك وَأَنه مُضْطَر إِلَى التَّأْوِيل وَمن يزْعم أَن الله لَيْسَ فَوق الْعَرْش يزْعم أَن الْعقل أحَال ذَلِك وَأَنه مُضْطَر إِلَى التَّأْوِيل
وَيَكْفِيك دَلِيلا على فَسَاد قَول هَؤُلَاءِ أَنه لَيْسَ بِوَاحِد مِنْهُم قَاعِدَة مستمرة فِيمَا يحيله الْعقل بل مِنْهُم من يزْعم أَن الْعقل جوز أَو أوجب مَا يَدعِي الآخر أَن الْعقل أَحَالهُ
يَا لَيْت شعري بِأَيّ عقل يُوزن الْكتاب وَالسّنة فَرضِي الله عَن مَالك بن أنس الإِمَام حَيْثُ قَالَ أَو كلما جَاءَنَا رجل أجدل من رجل تركنَا مَا جَاءَ بِهِ جِبْرِيل إِلَى مُحَمَّد ﷺ لجدل هَؤُلَاءِ وكل من هَؤُلَاءِ مخصوم بِمثل مَا خصم بِهِ الآخر فَكل من ظن أَن غير الرَّسُول وَالسَّلَف أعلم بِهَذَا الْبَاب أَو أكمل بَيَانا أَو أحرص على هدى الْخلق فَهُوَ من الْمُلْحِدِينَ لَا من الْمُؤمنِينَ
стр. 192
قَالَ والمنحرفون عَن طَريقَة السّلف ثَلَاث طوائف أهل التخييل وَأهل التَّأْوِيل وَأهل التجهيل
فَأهل التخييل هم المتفلسفة وَمن سلك سبيلهم من مُتَكَلم ومتصوف ومتفقه فَإِنَّهُم يَقُولُونَ إِن مَا ذكره الرَّسُول من أَمر الْإِيمَان بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر إِنَّمَا هُوَ تخييل للحقائق لينفع بِهِ الْجُمْهُور لَا أَنه يبين بِهِ الْحق وَلَا هدى بِهِ الْخلق وَلَا أوضح الْحَقَائِق
ثمَّ هم على قسمَيْنِ
مِنْهُم من يَقُول إِن الرَّسُول لم يعلم الْحَقَائِق على مَا هِيَ عَلَيْهِ وَيَقُولُونَ إِن من الفلاسفة الإلهية من علمهَا وَكَذَلِكَ من الْأَشْخَاص الَّذين يسمونهم أَوْلِيَاء من علمهَا ويزعمون أَن من الفلاسفة والأولياء من هُوَ أعلم بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر من الْمُرْسلين وَهَذِه مقَالَة غلاة الْمُلْحِدِينَ من الفلاسفة الباطنية باطنية الشِّيعَة وباطنية الصُّوفِيَّة
وَمِنْهُم من يَقُول بل الرَّسُول علمهَا لَكِن لم يبينها وَإِنَّمَا تكلم بِمَا يناقضها وَأَرَادَ من الْخلق فهم مَا يناقضها لِأَن مصلحَة الْخلق فِي هَذِه الإعتقادات الَّتِي لَا تطابق الْحق
وَيَقُول هَؤُلَاءِ يجب على الرَّسُول أَن يَدْعُو النَّاس إِلَى إعتقاد التجسيم مَعَ أَنه بَاطِل وَإِلَى اعْتِقَاد معاد الْأَبدَان مَعَ أَنه بَاطِل ويخبرهم أَن أهل الْجنَّة يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ مَعَ أَن ذَلِك بَاطِل لِأَنَّهُ لَا يُمكن دَعْوَة الْخلق إِلَّا بِهَذِهِ الطَّرِيق الَّتِي تَتَضَمَّن الْكَذِب لمصْلحَة الْعباد
стр. 193
فَهَذَا قَول هَؤُلَاءِ فِي نُصُوص الْإِيمَان بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر
وَأما الْأَعْمَال فَمنهمْ من يقرها وَمِنْهُم من يجريها هَذَا المجرى وَيَقُول إِنَّمَا يُؤمر بهَا بعض النَّاس دون بعض وَيُؤمر بهَا الْعَامَّة دون الْخَاصَّة وَهَذِه طَريقَة الباطنية الْمَلَاحِدَة والإسماعيلية وَنَحْوهم
وَأما أهل التَّأْوِيل فَيَقُولُونَ إِن النُّصُوص الْوَارِدَة فِي الصِّفَات لم يقْصد بهَا الرَّسُول أَن يعْتَقد النَّاس بهَا الْبَاطِل وَلَكِن قصد بهَا مَعَاني وَلم يبين لَهُم ذَلِك وَلَا دلهم عَلَيْهَا وَلَكِن أَرَادَ أَن ينْظرُوا فيعرفوا الْحق بعقولهم ثمَّ يجتهدوا فِي صرف تِلْكَ النُّصُوص عَن مدلولها ومقصوده امتحانهم وتكليفهم وإتعاب أذهانهم وعقولهم فِي أَن يصرفوا كَلَامه عَن مَدْلُوله وَمُقْتَضَاهُ ويعرفوا الْحق من غير جِهَته وَهَذَا قَول المتكلمة والجهمية والمعتزلة وهم وَإِن تظاهروا بنصر السّنة فِي مَوَاضِع كَثِيرَة لَكِن فِي الْحَقِيقَة لَا لِلْإِسْلَامِ نصروا وَلَا للفلاسفة كسروا لَكِن أُولَئِكَ الْمَلَاحِدَة ألزموهم فِي نُصُوص الْمعَاد نَظِير مَا أَدْعُوهُ فِي نُصُوص الصِّفَات فَقَالُوا نَحن نعلم بالإضطرار أَن الرُّسُل جَاءَت بمعاد الْأَبدَان وَقد علمنَا فَسَاد الشّبَه الْمَانِعَة مِنْهُ
وَالسَّلَف وَمن تَبِعَهُمْ يَقُولُونَ لَهُم وَنحن نعلم بالإضطرار أَن الرُّسُل جَاءَت بِإِثْبَات الصِّفَات ونصوص الصِّفَات فِي الْكتب الإلهية أَكثر وَأعظم من نُصُوص الْمعَاد وَيَقُولُونَ لَهُم مَعْلُوم أَن مُشْركي الْعَرَب وَغَيرهم كَانُوا يُنكرُونَ الْمعَاد وَقد أنكروه على الرَّسُول وناظروه عَلَيْهِ بِخِلَاف الصِّفَات فَإِنَّهُ لم يُنكر شَيْئا مِنْهَا أحد من الْعَرَب فَعلم أَن إِقْرَار الْعُقُول بِالصِّفَاتِ أعظم من إِقْرَارهَا بالمعاد
стр. 194
هَذَا وَالْحق ظَاهر فِي نَفسه وَعَلِيهِ نور وَالْحق يقبل من كل من يتَكَلَّم بِهِ
وَكَانَ معَاذ بن جبل ﵁ يَقُول كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه اقْبَلُوا الْحق من كل من جَاءَ بِهِ وَإِن كَانَ كَافِرًا أَو قَالَ فَاجِرًا واحذروا زيغة الْحَكِيم قَالُوا كَيفَ نعلم أَن الْكَافِر يَقُول الْحق قَالَ إِن على الْحق نورا أَو كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ
قَالَ ابْن تَيْمِية وَالله يعلم أَنِّي بعد الْبَحْث التَّام ومطالعة مَا أمكن م ﵃ كرم الله وَجهه الله ﵎ الله سُبْحَانَهُ صلوَات الله عَلَيْهِم ﷺ الله ﵎ الرب الله جلّ ذكره الرب ﵎ ﵄ الرب الرب ﵎ الله جلّ ذكره ﵅ ن كَلَام السّلف مَا رَأَيْت كَلَام أحد مِنْهُم يدل لَا نصا وَلَا ظَاهرا وبالقرائن على نفي الصِّفَات الخبرية فِي نفس الْأَمر بل الَّذِي رَأَيْته أَنهم يثبتون جِنْسهَا فِي الْجُمْلَة وَمَا رَأَيْت أحدا مِنْهُم نفاها وَإِنَّمَا ينفون التَّشْبِيه وَيُنْكِرُونَ على المشبهة الَّذين يشبهون الله بخلقه مَعَ إنكارهم على من يَنْفِي الصِّفَات كَقَوْل نعيم بن حَمَّاد الْخُزَاعِيّ شيخ البُخَارِيّ من شبه الله بخلقه فقد كفر وَمن جحد مَا وصف الله بِهِ نَفسه فقد كفر وَلَيْسَ من وصف الله بِهِ نَفسه وَلَا رَسُوله تَشْبِيها
وَكَانُوا إِذا رَأَوْا الرجل قد أغرق فِي نفي التَّشْبِيه من غير إِثْبَات الصِّفَات قَالُوا هَذَا جهمي معطل وَهَذَا كثير فِي كَلَامهم
стр. 195
والجهمية والمعتزلة إِلَى الْيَوْم يسمون من أثبت شَيْئا من الصِّفَات مشبها كذبا مِنْهُم وإفتراء حَتَّى قَالَ ثُمَامَة بن أَشْرَس من رُؤَسَاء الْجَهْمِية ثَلَاثَة من الْأَنْبِيَاء مشبهة مُوسَى حَيْثُ قَالَ ﴿إِن هِيَ إِلَّا فتنتك﴾ الْأَعْرَاف ١٥٥ وَعِيسَى حَيْثُ قَالَ ﴿تعلم مَا فِي نَفسِي وَلَا أعلم مَا فِي نَفسك﴾ الْمَائِدَة ١١٦ وَمُحَمّد حَيْثُ قَالَ ينزل رَبنَا كل لَيْلَة إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا وَحَتَّى إِن جلّ الْمُعْتَزلَة يدْخل عَامَّة الْأَئِمَّة مثل مَالك وَأَصْحَابه وَالثَّوْري وَأَصْحَابه وَأبي حنيفَة وَأَصْحَابه وَالْأَوْزَاعِيّ وَأَصْحَابه وَالشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه وَأحمد وَأَصْحَابه وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَأبي عبيد وَغَيرهم فِي قسم المشبهة
وَأطَال ابْن تَيْمِية الْكَلَام على ذَلِك وعَلى تأييد مَذْهَب السّلف فِي عدَّة كراريس
ثمَّ قَالَ وَمن كَانَ عليما بِهَذِهِ الْأُمُور تبين لَهُ بذلك حذق السّلف وعلمهم وخبرتهم حَيْثُ حذروا عَن الْكَلَام ونهوا عَنهُ وذموا أَهله وعابوهم وَعلم أَن من ابْتغى الْهدى فِي غير الْكتاب وَالسّنة لم يَزْدَدْ إِلَّا بعدا فنسأل الله الْعَظِيم أَن يهدينا ﴿الصِّرَاط الْمُسْتَقيم صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين﴾ قَالَ مُؤَلفه تمّ وكمل فِي جُمَادَى الْآخِرَة بِمصْر المحروسة عَام اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف