← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 6454

أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات والآيات المحكمات والمشتبهات

مرعي الكرمي

Полный текст (195 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

مَوْصُوف بالعز فلاذت الرحمم بعزه من القطيعة وعاذت بِهِ قلت وَمَا اتَّفقُوا على تَأْوِيله خلافًا للمتصوفة قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ مَعكُمْ أَيْن مَا كُنْتُم﴾ الْحَدِيد ٤ وَنَحْوه مِمَّا مر فَإِن الْمَعِيَّة مَحْمُولَة على معية الْعلم والإحاطة والمشاهدة كَمَا قَالَ الله تَعَالَى لمُوسَى وَهَارُون ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أسمع وَأرى﴾ طه ٤٦ وَكَذَا قَوْله ﵇ الْحجر الْأسود يَمِين الله فِي أرضه أَي مَحل عَهده الَّذِي أَخذ بِهِ الْمِيثَاق على بني آدم وَكَذَا قَوْله ﵇ حِكَايَة عَن الله عَبدِي مَرضت فَلم تعدني فَيَقُول رب كَيفَ أعودك وَأَنت رب الْعَالمين فَيَقُول أما علمت أَن عَبدِي فلَانا مرض فَلَو عدته لَوَجَدْتنِي عِنْده عَبدِي جعت فَلم تطعمني فَيَقُول رب كَيفَ أطعمك وَأَنت رب الْعَالمين فَيَقُول أما علمت أَن عَبدِي فلَانا جَاع فَلَو أطعمته لوجدت ذَلِك عِنْدِي قَالَ ابْن تَيْمِية ﵀ ففسر فِي هَذَا الحَدِيث أَنه تَعَالَى إِنَّمَا أَرَادَ بذلك مرض وجوع عَبده ومحبوبه لقَوْله لوجدت ذَلِك عِنْدِي وَلم يقل لَوَجَدْتنِي إِيَّاه لِأَن الْمُحب والمحبوب كالشيء الْوَاحِد من حَيْثُ يرضى أَحدهمَا وَيبغض أَحدهمَا مَا يرضاه الآخر أَو يبغضه وَلِهَذَا قَالَ ﴿إِن الَّذين يُبَايعُونَك إِنَّمَا يبايعون الله﴾ الْفَتْح ١

стр. 142

قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ وَلِهَذَا أكده تَأْكِيدًا على طَرِيق التخييل فَقَالَ ﴿يَد الله فَوق أَيْديهم﴾ يرد أَن يَد رَسُول الله ﷺ الَّتِي تعلو يَدي الْمُبَايِعين هِيَ يَد الله وَالله تَعَالَى منزه عَن الْجَوَارِح وَعَن صِفَات الأجرام وَإِنَّمَا الْمَعْنى تَقْرِير أَن عقد الْمِيثَاق مَعَ الرَّسُول كعقده مَعَ الله تَعَالَى من غير تفَاوت بَينهمَا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿من يطع الرَّسُول فقد أطَاع الله﴾ النِّسَاء ٨٠ انْتهى قَالَ ابْن تَيْمِية وكما فِي الصَّحِيح وَلَا يزَال عَبدِي يتَقرَّب إِلَيّ بالنوافل حَتَّى أحبه فَإِذا أحببته كنت سَمعه الَّذِي يسمع بِهِ الحَدِيث فَأخْبر سُبْحَانَهُ بمحبة العَبْد على هَذَا الْوَجْه قَالَ وَقد غلط من زعم أَن هَذَا قرب النَّوَافِل وَأَن قرب الْفَرَائِض أَن يكون هُوَ إِيَّاه تَعَالَى الله عَن ذَلِك وَعَن قَول الْقَائِلين إِن عين وجود الْحق هُوَ عين وجود الْخلق تَعَالَى الله عَن ذَلِك وَمن الْمُتَشَابه النَّفس فِي قَوْله تَعَالَى ﴿كتب ربكُم على نَفسه الرَّحْمَة﴾ الْأَنْعَام ٥٤ وَقَوله ﴿واصطنعتك لنَفْسي﴾ طه ٤١ وَقَوله ﴿ويحذركم الله نَفسه﴾ آل عمرَان ٢٨ وَقَوله ﵇ عَن الله فَإِن ذَكرنِي فِي نَفسه ذكرته فِي نَفسِي قَالَ أهل التَّأْوِيل كَمَا ذكره الْبَيْهَقِيّ النَّفس فِي كَلَام

стр. 143

الْعَرَب على وُجُوه نفس مُتَفَرِّقَة مجسمة مروحة وَمِنْهَا مجسمة غير مروحة تَعَالَى الله عَن هذَيْن وَنَفس بِمَعْنى إِثْبَات الذَّات وَعَلِيهِ فَيُقَال فِي الله سُبْحَانَهُ إِنَّه نفس لَا أَن لَهُ نفسا منفوسة أَو جسما مروحا وَقد قيل فِي قَوْله تَعَالَى ﴿تعلم مَا فِي نَفسِي وَلَا أعلم مَا فِي نَفسك﴾ الْمَائِدَة ١١٦ تعلم مَا أخفيه فِي نَفسِي وَلَا أعلم مَا تخفيه من معلوماتك وَقَوله ﴿فِي نَفسك﴾ للمشاكلة والمشاكلة وَإِن ساغت هُنَا لَا تسوغ فِي غَيره وَمثله فَإِن ذَكرنِي فِي نَفسه ذكرته فِي نَفسِي أَي حَيْثُ لَا يعلم بِهِ أحد وَلَا يطلع عَلَيْهِ وَقَالَ الزّجاج فِي قَوْله ﴿ويحذركم الله نَفسه﴾ أَي ويحذركم الله إِيَّاه وَقَالَ السُّهيْلي النَّفس عبارَة عَن حَقِيقَة الْوُجُود دون معنى زَائِد وَقد اسْتعْمل من لَفظهَا النفاسة وَالشَّيْء النفيس فصلحت للتعبير عَنهُ تَعَالَى وَقَالَ ابْن اللبان أَولهَا الْعلمَاء بتأويلات مِنْهَا أَن النَّفس عبر بهَا عَن الذَّات قَالَ وَهَذَا وَإِن كَانَ سائغا فِي اللُّغَة لَكِن تعدِي الْفِعْل إِلَيْهَا ب فِي المفيدة للظرفية محَال وَقَالَ القَاضِي أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ فِي قَوْله ﵇ إِنِّي لأجد نفس ربكُم من قبل الْيمن أَي تنفيسه الكرب بالأنصار

стр. 144

ومعاضدتهم لَهُ أَو بِفَتْح مَكَّة تَنْبِيه وَقد ظهر بِمَا مر أَن النَّفس تطلق على الله مرَادا بهَا الذَّات وَأما الشَّخْص فَفِي حَدِيث البُخَارِيّ وَمُسلم لَا شخص أغير من الله وَلَا شخص أحب إِلَيْهِ الْعذر من الله وَمن أجل ذَلِك بعث الْمُرْسلين مبشرين ومنذرين وَلَا شخص أحب إِلَيْهِ المدحة من الله وَمن أجل ذَلِك وعد الله الْجنَّة قَالَ الْبَيْهَقِيّ قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ ﵀ إِطْلَاق الشَّخْص فِي صفة الله غير جَائِز لِأَن الشَّخْص لَا يكون إِلَّا جسما مؤلفا وخليق أَن لَا تكون هَذَا اللَّفْظَة صَحِيحَة وَأَن تكون تصحيفا من الرَّاوِي قَالَ وَلَيْسَ كل الروَاة يراعون لفظ الحَدِيث حَتَّى لَا يتعدوه بل كثير مِنْهُم يحدث على الْمَعْنى وَلَيْسَ كلهم بفقيه كَقَوْل بعض السّلف فِي كَلَام لَهُ نعم الْمَرْء رَبنَا لَو اطعناه مَا عصانا فَقَائِل هَذِه الْكَلِمَة لم يقْصد بهَا الْمَعْنى الَّذِي لَا يَلِيق بِصِفَات الله فَإِن لفظ الْمَرْء للذّكر الْآدَمِيّ وَلكنه أرسل الْكَلَام على بديهة الطَّبْع من غير تَأمل للمعنى فَلفظ الشَّخْص إِنَّمَا جرى من

стр. 145

الرَّاوِي على هَذَا السَّبِيل إِن لم يكون غَلطا من قبل التَّصْحِيف قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَلَو ثبتَتْ هَذِه اللَّفْظَة لم يكن فِيهَا مَا يُوجب أَن يكون الله شخصا فَإِنَّهُ إِنَّمَا قصد إِثْبَات صفة الْغيرَة لله وَالْمُبَالغَة فِيهِ وَإِن أحدا من الْأَشْخَاص لَا يبلغ ذَلِك وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ مَا ذكره عَن الْخطابِيّ ﵀ وَرَضي عَنهُ من أَن هَذَا اللَّفْظ لم يَصح يُؤَدِّي إِلَى عدم الثِّقَة فِي النقلَة بِمَا نقلوه من ذَلِك وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء بل النَّقْل صَحِيح ويدخله التَّأْوِيل فقد قيل مَعْنَاهُ لَا مترفع لِأَن الشَّخْص مَا شخص وارتفع وَقَالَ القَاضِي أبوبكر بن الْعَرَبِيّ قَالَ بَعضهم إِذا كَانَ الله غيورا وَنبيه كَذَلِك وَهَذَا مِمَّا يجب إعتقاده فَكيف جَاءَ إِلَيْهِ رجل فَقَالَ يَا رَسُول الله إِن امْرَأَتي لَا ترد يَد لامس فَقَالَ لَهُ طَلقهَا فَقَالَ إِنِّي أحبها فَقَالَ استمتع بهَا وَأجِيب بِأَنَّهُ ﵇ خشِي على عقله أَو أَن المُرَاد باللامس السَّائِل فَهُوَ كِنَايَة عَن جودها أَو معنى استمتع بهَا أَي خُذ مِنْهَا مَا يَأْخُذ الرِّجَال من النِّسَاء إِلَّا الْجِمَاع ورد ابْن الْعَرَبِيّ هَذِه الْأَجْوِبَة كلهَا لبعدها وَجعل الْجَواب السديد أَن هَذَا الحَدِيث لم يثبت

стр. 146

وَمن الْمُتَشَابه الرّوح فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ويسألونك عَن الرّوح﴾ الْإِسْرَاء ٨٥ وَقَوله ﴿فَإِذا سويته ونفخت فِيهِ من روحي﴾ الْحجر ٢٩ وَقَوله ﴿فنفخنا فِيهَا من رُوحنَا﴾ الْأَنْبِيَاء ٩١ وَقَوله ﴿وروح مِنْهُ﴾ النِّسَاء ١٧١ قَالَ الإِمَام الْفَخر الْمُخْتَار أَنهم سَأَلُوهُ عَن الرّوح الَّذِي هُوَ سَبَب الْحَيَاة وَإِن الْجَواب وَقع على أحسن الْوُجُوه وَبَيَانه أَن السُّؤَال عَن الرّوح يحْتَمل أَن يكون عَن الْمَاهِيّة وَهل هِيَ متحيزة أم لَا وَهل هِيَ حَالَة فِي متحيز أم لَا وَهل هِيَ قديمَة أَو حَادِثَة وَهل تبقى بعد انفصالها من الْجَسَد أَو تفنى وَمَا حَقِيقَة تعذيبها وتنعيهما وَغير ذَلِك إِلَّا أَن الْأَظْهر أَنهم سَأَلُوهُ عَن الْمَاهِيّة وَهل الرّوح قديمَة أَو حَادِثَة وَقَالَ أَبُو حَيَّان وَالظَّاهِر أَنهم سَأَلُوا عَن ماهيتها وحقيقتها وَقيل عَن كَيْفيَّة مدخلها الْجَسَد الحيواني وانبعاثها فِيهِ وَصُورَة ملابستها لَهُ وَكِلَاهُمَا مُشكل لَا يُعلمهُ إِلَّا الله تَعَالَى انْتهى وَقَوله تَعَالَى ﴿قل الرّوح من أَمر رَبِّي﴾ الْإِسْرَاء ٨٥ أَي من خلق رَبِّي أَو من فعل رَبِّي إِذْ الْأَمر بِمَعْنى الْفِعْل وَارِد قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وَمَا أَمر فِرْعَوْن برشيد﴾ هود ٩٧ أَي فعله وَالْجَوَاب وَقع من قبيل صرف الأهم أَي إِن عقولكم لَا تدْرك هَذَا فَإِن لَهُ مُقَدمَات طبيعية تدق عَن الأفهام وتقصر دونهَا الأوهام لَكِن الأهم أَن تعلمُوا أَن الرّوح من عَالم الْأَمر أَي الْخلق

стр. 147

وَقَالَ بعض عُلَمَاء التصوف إِن عَالم الْأَمر هُوَ الْعَالم الْمَعْنَوِيّ الَّذِي لَا يَقع تَحت الْحَواس كعالم المعقولات الْمُجَرَّدَة الَّتِي لَا تقع تَحت مَادَّة وَاعْلَم أَن الرّوح لم يقف أحد لَهَا على حَقِيقَة مَاهِيَّة وَمَعْرِفَة كَيْفيَّة حَتَّى قَالَ الْجُنَيْد قدس الله سره الرّوح شَيْء اسْتَأْثر الله بِعِلْمِهِ وَلم يطلع عَلَيْهِ أحدا من خلقه فَلَا يجوز لِعِبَادِهِ الْبَحْث عَنهُ بِأَكْثَرَ من أَنه مَوْجُود وَقَالَهُ بَعضهم وعَلى هَذَا ابْن عَبَّاس وَأكْثر السّلف وَقد ثَبت عَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ لَا يُفَسر الرّوح وَنقل أَبُو الْقَاسِم السَّعْدِيّ فِي الإفصاح أَن أماثل الفلاسفة توقفوا عَن الْكَلَام فِيهَا وَقَالُوا هَذَا أَمر غير محسوس لنا وَلَا سَبِيل للعقول إِلَيْهِ قَالَ أَبُو حَيَّان وَقد رَأَيْت كتابا يترجم بالنفخ والتسوية لبَعض الْفُقَهَاء المتصوفة يذكر فِيهِ أَن الْجَواب فِي قَوْله ﴿قل الرّوح من أَمر رَبِّي﴾ إِنَّمَا هُوَ للعوام وَأما الْخَواص عِنْده فهم يعْرفُونَ الرّوح قَالَ أَبُو حَيَّان وَأجْمع عُلَمَاء الْإِسْلَام على أَن الرّوح مخلوقة وَذهب كفرة الفلاسفة وَكثير مِمَّن ينتمي إِلَى الْإِسْلَام أَنَّهَا قديمَة قَالَ وَاخْتِلَاف النَّاس فِي الرّوح بلغ إِلَى سبعين قولا انْتهى

стр. 148

وَقد رَأَيْت فِي شرح الزّبد للشَّيْخ الرَّمْلِيّ أَن الْأَقْوَال فِي الرّوح تزيد عَن ألف قَول وَقد أفردت الْكَلَام على الرّوح فِي مؤلف سميته أَرْوَاح الأشباح فِي الْكَلَام على الْأَرْوَاح وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿ونفخت فِيهِ من روحي﴾ الْحجر ٢٩ فَقَالَ أهل التَّأْوِيل كَمَا فِي النَّهر لأبي حَيَّان أَي خلقت الْحَيَاة فِيهِ إِذْ لَا نفخ هُنَاكَ وَلَا منفوخ حَقِيقَة وَإِنَّمَا هُوَ تَمْثِيل لتَحْصِيل مَا يَجِيء بِهِ فِيهِ وَإِضَافَة الرّوح إِلَيْهِ تَعَالَى على سَبِيل التشريف نَحْو بَيت الله وناقة الله أَو على سَبِيل الْملك إِذْ هُوَ الْمُتَصَرف فِي الْإِنْشَاء للروح والمودعها حَيْثُ يَشَاء وَقَالَ بَعضهم كَمَا فِي الْبَيْضَاوِيّ وأصل النفخ إِجْرَاء الرّيح فِي تجويف جسم آخر وَلما كَانَ الرّوح يتَعَلَّق أَولا بالبخار اللَّطِيف المنبعث من الْقلب وَيفِيض عَلَيْهِ الْقُوَّة الحيوانية فيسري حَامِلا لَهَا فِي تجويف الشرايين إِلَى أعماق الْبدن جعل تعلقه بِالْبدنِ نفخا وإضافته إِلَى نَفسه سُبْحَانَهُ لشرفه وطهارته لِأَنَّهُ من ألطف الْمَخْلُوقَات وأعجب المصنوعات وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ قَالَ الْعلمَاء الرّوح الَّذِي نفخ فِي آدم ﵇ كَانَ خلقا من خلق الله تَعَالَى جعل الله تَعَالَى حَيَاة الأجساد بِهِ وَإِنَّمَا أَضَافَهُ إِلَى نَفسه على طَرِيق الْخلق وَالْملك لَا

стр. 149

أَنه جُزْء مِنْهُ وَهُوَ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وسخر لكم مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض جَمِيعًا مِنْهُ﴾ الجاثية ١٣ أَي من خلقه وَالْحَاصِل أَن قَوْله ﴿ونفخت فِيهِ من روحي﴾ مُتَرَدّد بَين البعضية وَهُوَ بَاطِل فننفيه وَبَين إِضَافَة التشريف والتعظيم وَهُوَ حق فنعينه فَتَأمل وَالله أعلم وَأما قَوْله ﴿فنفخنا فِيهَا من رُوحنَا﴾ الْأَنْبِيَاء ٩١ فَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ بعد أَن اسْتشْكل مَعْنَاهُ نفخنا الرّوح فِي عِيسَى فِيهَا أَي أحييناه فِي جوفها وَنَحْو ذَلِك أَن يَقُول الزمار نفخت فِي بَيت فلَان أَي نفخت فِي المزمار فِي بَيته انْتهى وَقَالَ أَبُو حَيَّان لَا إِشْكَال فِي ذَلِك لِأَنَّهُ على حذف مُضَاف أَي فنفخنا فِي ابْنهَا من رُوحنَا قَالَ وَقَوله نفخنا الرّوح فِي عِيسَى فِيهَا اسْتعْمل نفخ مُتَعَدِّيا وَالْمَحْفُوظ أَن لَا يتَعَدَّى فَيحْتَاج فِي تعديه إِلَى سَماع وأضاف الرّوح إِلَيْهِ تَعَالَى على جِهَة التشريف أَي نفخنا فِيهَا أَو فِي فرجهَا من روح خلقناه بِلَا توَسط أصل وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ وَغَيره وَقَوله ﴿فنفخنا فِيهِ﴾ يُرِيد درع مَرْيَم ﵍ نفخ فِي جيب درعها فوصل النفخ إِلَيْهَا وَقَالَ ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس خرجت وَعَلَيْهَا جلبابها فَأخذ

стр. 150

بكمها فَنفخ فِي جيب درعها وَكَانَ مشقوقا من قدامها فَدخلت النفخة فِي صدرها فَحملت قَالَ الْمَسِيح روح الله لِأَنَّهُ كَانَ بنفخة جِبْرِيل فِي درع مَرْيَم وَنسب الرّوح إِلَيْهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ بأَمْره وَأما قَوْله تَعَالَى لعيسى ﴿إِذْ أيدتك بِروح الْقُدس﴾ الْمَائِدَة ١١٠ أَي بِالروحِ المقدسة وَهُوَ جِبْرِيل سمي بذلك لِأَن جِسْمه روحاني وَيَأْتِي بِمَا فِيهِ روح الْقُلُوب وحياتها وأضيف للقدس وَهُوَ الطَّهَارَة لِأَنَّهُ لَا يقترف ذَنبا وَقيل هُوَ الرّوح الَّذِي بِهِ حَيَاة الْبدن وَخص روحه ﵇ بوصفه بالقدس لِأَنَّهُ لم تضمه الأصلاب وَلَا أَرْحَام الطوامث لِأَن أمه لم تَحض صلى الله عَلَيْهِ وَعَلَيْهَا وَمن الْمُتَشَابه النُّور فِي قَوْله تَعَالَى ﴿الله نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ النُّور ٣٥ قَالَ أهل التَّأْوِيل النُّور هُوَ الْمدْرك بالبصر فإسناده إِلَى الله مجَاز كَمَا تَقول زيد عدل وَإِسْنَاده بإعتبارين إِمَّا على أَنه بِمَعْنى اسْم الْفَاعِل أَي منور كَمَا قرئَ بِهِ أَو على الْحَذف أَي ذُو نور وَيُؤَيِّدهُ قَوْله ﴿مثل نوره﴾ وإضافته للسماوات وَالْأَرْض للدلالة على سَعَة إشراقه أَو لاشتمالهما على الْأَنْوَار الحسية والعقلية وقصور الإدراكات البشرية عَلَيْهِمَا وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِيهِ سِتَّة أَقْوَال إِمَّا أَنه بِمَعْنى منور أَو ذُو النُّور أَو هادي أَو مزين أَو ظَاهر أَو أَنه تَعَالَى نور لَا كالأنوار قَالَه الشَّيْخ أَبُو الْحسن

стр. 151

قَالَ وَقَالَت الْمُعْتَزلَة لَا يُقَال إِنَّه نور إِلَّا بِالْإِضَافَة قَالَ وَالصَّحِيح عندنَا أَنه نور لَا كالأنوار قَالَ الْقُرْطُبِيّ وَقَول الْأَشْعَرِيّ إِنَّه نور لَيْسَ كالأنوار لَا يَصح أَن يُرِيد أَنه جسم نوراني لَيْسَ كالأجسام النورانية لمعرفتنا بمذهبه وتنزيه الله تَعَالَى بل بِاعْتِبَار أَنه من نوره تستمد جَمِيع الْأَنْوَار كَمَا سمي الْعلم نورا وَالْقُرْآن نورا لاستنارة الْقُلُوب بِهِ وَيُسمى النَّبِي نور لِأَنَّهُ مُنِير فِي ذَاته ويستنير بِهِ غَيره والمنير فِي ذَاته بنوره الذاتي والمنير غَيره بنوره الْفعْلِيّ هُوَ الله وَحده وَقَالَ بَعضهم إِن الْعَرَب تسمي كل مَا جلا الشُّبُهَات وأزال الإلتباس وأوضح الْحق نورا قَالَ تَعَالَى ﴿وأنزلنا إِلَيْكُم نورا﴾ النِّسَاء ١٧٤ يَعْنِي الْقُرْآن وعَلى هَذَا الْمَعْنى سمى نبيه سِرَاجًا منيرا قَالَ الْخطابِيّ وَلَا يجوز أَن يتَوَهَّم أَن الله تَعَالَى نور من الْأَنْوَار فَإِن النُّور يضاد الظلمَة وتعاقبه فتزيله وَتَعَالَى الله عَن أَن يكون لَهُ ضد وَفِي صَحِيح مُسلم عَن أبي ذَر ﵁ قَالَ سَأَلت رَسُول الله ﷺ هَل رَأَيْت رَبك قَالَ نور أَنى أرَاهُ وصحفه بَعضهم فَقَالَ نوراني وَالْمعْنَى غلبني نور أَو غشيني نور كَيفَ أرَاهُ فَأنى اسْتِفْهَام على جِهَة الإستبعاد لغَلَبَة النُّور على بَصَره كنور الشَّمْس فَإِنَّهُ يغشى الْبَصَر ويحيره إِذا نظر إِلَيْهِ

стр. 152

قَالَ الْقُرْطُبِيّ وَلَا يُعَارضهُ الرِّوَايَة الْأُخْرَى رَأَيْت نورا فَإِنَّهُ عِنْد وُقُوع بَصَره على النُّور رَآهُ ثمَّ غَلبه عَلَيْهِ بعد فضعف عَنهُ بَصَره كالرائي عين الشَّمْس عِنْد كَثْرَة شعاعها قَالَ هَكَذَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا تَنْبِيه اخْتلف الْعلمَاء هَل رأى مُحَمَّد ﷺ ربه بِعَين رَأسه أَو بِعَين قلبه فمذهب ابْن عَبَّاس وَطَائِفَة أَنه رَآهُ بِعَين رَأسه وَإِلَى هَذَا ذهب أَبُو الْحسن الْأَشْعَرِيّ وَمن وَافقه وَمذهب عَائِشَة أَنه لم يره بِعَين رَأسه لحَدِيث مُسلم السَّابِق وعَلى هَذَا طَائِفَة من الْعلمَاء وَرجح هَذَا القَوْل شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية وَقَالَ قد تدبرنا عَامَّة مَا صنفه الْمُسلمُونَ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَمَا تلقوهُ فِيهَا قَرِيبا من مئة مُصَنف فَلم أجد أحدا يروي بِإِسْنَاد ثَابت وَلَا صَحِيح وَلَا عَن صَاحب وَلَا عَن إِمَام أَنه رَآهُ بِعَين رَأسه قَالَ فَالْوَاجِب اتِّبَاع مَا كَانَ عَلَيْهِ السّلف وَالْأَئِمَّة وَهُوَ إِثْبَات مُطلق الرُّؤْيَة أَو رُؤْيَة مُقَيّدَة بالفؤاد وَقَالَ لم يثبت عَن الإِمَام

стр. 153

أَحْمد التَّصْرِيح بِأَنَّهُ ﵇ رأى ربه بِعَين رَأسه لَكِن حكى النقاش عَن أَحْمد بن حَنْبَل أَنه قَالَ أَنا أَقُول بِحَدِيث ابْن عَبَّاس بِعَيْنِه رَآهُ رَآهُ حَتَّى انْقَطع نَفسه لَكِن ابْن تَيْمِية أعلم بنقول أَحْمد وَغَيره من النقاش وَأحمد أجل من أَن يكون عِنْده من عدم السكينَة مَا يتَكَلَّم بِمثل هَذَا حَتَّى يَنْقَطِع نَفسه إِنَّمَا هِيَ حكايات المجازفين فِي النقول عَن الْأَئِمَّة فَتَأمل وَصَاحب الْبَيْت أدرى وَكم للنَّاس من مجازفات فِي الْمَنْقُول والمعقول والمرجع فِي ذَلِك إِنَّمَا هُوَ لأقوال الْمُحَقِّقين وَالْعُلَمَاء الراسخين وَالْأَئِمَّة الربانيين وَمن الْمُتَشَابه الْمَجِيء فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَجَاء رَبك وَالْملك صفا صفا﴾ الْفجْر ٢٢ وَقَوله ﴿هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيهم الله﴾ الْبَقَرَة ٢١٠ فمذهب السّلف فِي هَذَا وَأَمْثَاله السُّكُوت عَن الْخَوْض فِي مَعْنَاهُ وتفويض علمه إِلَى الله تَعَالَى كَمَا مرت الْإِشَارَة إِلَيْهِ أول الْكتاب وَمذهب أهل التاويل قَالُوا ﴿إِلَّا أَن يَأْتِيهم الله﴾ الْبَقَرَة ٢١٠

стр. 154

أَي أمره وبأسه وَجعل ذَلِك مجيئا لَهُ تَعَالَى على سَبِيل التفخيم والتهويل لِأَن الْإِتْيَان حَقِيقَة هُوَ الإنتقال من حيّز إِلَى حيّز وَذَلِكَ مُسْتَحِيل عَلَيْهِ تَعَالَى عِنْد الْجُمْهُور أَو المُرَاد إِلَّا أَن يَأْتِيهم الله بأَمْره وبأسه فَحذف المأتي بِهِ لدلَالَة الْحَال عَلَيْهِ إيهاما عَلَيْهِم لِأَنَّهُ أبلغ فِي الْوَعيد لانقسام خواطرهم وَذَهَاب فكرهم فِي كل وَجه أَو المأتي بِهِ مَذْكُور وَهُوَ قَوْله ﴿فِي ظلل﴾ وَفِي بِمَعْنى الْبَاء وَقيل المُرَاد بذلك غَايَة الهيبة وَنِهَايَة الْفَزع لشدَّة مَا يكون يَوْم الْقِيَامَة والإلتفات إِلَى الْغَيْبَة بعد قَوْله ﴿فاعلموا﴾ للإيذان بِأَن سوء صنيعهم مُوجب للإعراض عَنْهُم وَترك الْخطاب مَعَهم وإيراد الإنتظار للإشعار بِأَنَّهُم لانهماكهم فِيمَا هم فِيهِ من مُوجبَات الْعقُوبَة كَأَنَّهُمْ طالبون لَهَا مترقبون لوقوعها وَقَالَ مسلمة بن الْقَاسِم فِي كتاب غرائب الْأُصُول حَدِيث تجلي الله يَوْم الْقِيَامَة ومجيئه فِي الظلل مَحْمُول على أَنه تَعَالَى يُغير أبصار خلقه حَتَّى يروه كَذَلِك وَهُوَ على عَرْشه غير متغير عَن عَظمته وَلَا متنقل عَن ملكه كَذَلِك جَاءَ مَعْنَاهُ عَن عبد الْعَزِيز الْمَاجشون قَالَ فَكل حَدِيث جَاءَ فِي التنقل والرؤية فِي الْمَحْشَر فَمَعْنَاه أَنه تَعَالَى يُغير أبصار خلقه فيرونه نازلا ومتجليا ويناجي خلقه ويخاطبهم وَهُوَ غير متغير عَن عَظمته وَلَا متنقل عَن ملكه انْتهى وَهُوَ تَأْوِيل حسن يطرد فِي كثير من الْمَوَاضِع وَمن الْمُتَشَابه النُّزُول فِي حَدِيث أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه عَن عَائِشَة ﵂ عَن النَّبِي ﷺ إِن الله ينزل لَيْلَة النّصْف من شعبات إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا ليغفر لأكْثر من عدد شعر

стр. 155

غنم بني كلب وَحَدِيث أَحْمد وَمُسلم عَن أبي سعيد وَأبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ إِن الله تَعَالَى يُمْهل حَتَّى إِذا كَانَ ثلث اللَّيْث الْأَخير نزل إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا فَنَادَى هَل من مُسْتَغْفِر هَل من تائب هَل من سَائل هَل من دَاع حَتَّى ينفجر الْفجْر وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ ينزل رَبنَا إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا وَقَالَ الْحَافِظ ابْن حجر وَقد اخْتلف فِي معنى النُّزُول على أَقْوَال فَمنهمْ من حمله على ظَاهره وَحَقِيقَته وهم المشبهة تَعَالَى الله عَن قَوْلهم وَمِنْهُم من أنكر صِحَة الْأَحَادِيث وهم الْخَوَارِج وَمِنْهُم من أجراه على مَا ورد مُؤمنا بِهِ على طَرِيق الْإِجْمَال منزها لله تَعَالَى عَن الْكَيْفِيَّة والتشبيه وهم جُمْهُور السّلف وَنَقله الْبَيْهَقِيّ وَغَيره عَن الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة والسفيانين والحمادين وَالْأَوْزَاعِيّ

стр. 156

وَاللَّيْث وَغَيرهم وَمِنْهُم من أَوله على وَجه يَلِيق مُسْتَعْمل فِي كَلَام الْعَرَب وَمِنْهُم من أفرط فِي التَّأْوِيل حَتَّى كَاد يخرج إِلَى نوع من التحريف قَالَ الْبَيْهَقِيّ وأسلمها الْإِيمَان بِلَا كَيفَ وَالسُّكُوت عَن المُرَاد إِلَّا أَن يرد ذَلِك عَن الصَّادِق فيصار إِلَيْهِ قَالَ وَمن الدَّلِيل على ذَلِك اتِّفَاقهم على أَن التَّأْوِيل الْمعِين غير وَاجِب فَحِينَئِذٍ التَّفْوِيض أسلم انْتهى قلت وبمذهب السّلف أَقْوَال وأدين الله تَعَالَى بِهِ وأسأله سُبْحَانَهُ الْمَوْت عَلَيْهِ مَعَ حسن الخاتمة فِي خير وعافية وَقَالَ الْعَلامَة الطوفي فِي قَوَاعِد وجوب الإستقامة والإعتدال وَالْمَشْهُور عِنْد أَصْحَاب الإِمَام أَحْمد أَنهم لَا يتأولون الصِّفَات الَّتِي من جنس الْحَرَكَة كالمجيء والإتيان وَالنُّزُول والهبوط والدنو والتدلي كَمَا لَا يتأولون غَيرهَا مُتَابعَة للسلف الصَّالح قَالَ وَكَلَام السّلف فِي هَذَا الْبَاب يدل على إِثْبَات الْمَعْنى الْمُتَنَازع فِيهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيّ لما سُئِلَ عَن حَدِيث النُّزُول يفعل الله مَا يَشَاء وَقَالَ حَمَّاد بن زيد يدنو من خلقه كَيفَ يَشَاء قَالَ وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ الْأَشْعَرِيّ عَن أهل السّنة والْحَدِيث وَقَالَ الفضيل بن عِيَاض إِذا قَالَ لَك الجهمي أَنا أكفر بِرَبّ

стр. 157

يَزُول عَن مَكَانَهُ فَقل أَنا أُؤْمِن بِرَبّ يفعل مَا يَشَاء وَقَالَ أَبُو الطّيب حضرت عِنْد أبي جَعْفَر التِّرْمِذِيّ وَهُوَ من كبار فُقَهَاء الشَّافِعِيَّة وَأثْنى عَلَيْهِ الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيره فَسَأَلَهُ سَائل عَن حَدِيث إِن الله ينزل إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا وَقَالَ لَهُ فالنزول كَيفَ يكون يبْقى فَوْقه علو فَقَالَ أَبُو جَعْفَر التِّرْمِذِيّ النُّزُول مَعْقُول والكيف مَجْهُول وَالْإِيمَان بِهِ وَاجِب وَالسُّؤَال عَنهُ بِدعَة فقد قَالَ فِي النُّزُول كَمَا قَالَ مَالك فِي الإستواء وَهَكَذَا القَوْل فِي سَائِر الصِّفَات وَقَالَ أَبُو عبد الله أَحْمد بن سعيد الرباطي حضرت مجْلِس الْأَمِير عبد الله بن طَاهِر وَحضر إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فَسئلَ عَن حَدِيث النُّزُول أصحيح هُوَ قَالَ نعم فَقَالَ لَهُ بعض قواد الْأَمِير يَا أَبَا يَعْقُوب أتزعم أَن الله ينزل كل لَيْلَة قَالَ نعم قَالَ كَيفَ ينزل قَالَ لَهُ إِسْحَاق أثبت الحَدِيث حَتَّى أصف لَك النُّزُول فَقَالَ لَهُ الرجل أثْبته فَقَالَ لَهُ إِسْحَاق قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَجَاء رَبك وَالْملك صفا صفا﴾ فَقَالَ الْأَمِير عبد الله بن طَاهِر يَا أَبَا يَعْقُوب هَذَا يَوْم الْقِيَامَة فَقَالَ إِسْحَاق أعز الله الْأَمِير وَمن يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة من يمنعهُ الْيَوْم وَقَالَ حَرْب بن إِسْمَاعِيل سَمِعت إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم يَقُول لَيْسَ فِي النُّزُول وصف قَالَ وَقَالَ إِسْحَاق لَا يجوز الْخَوْض فِي أَمر الله كَمَا يجوز الْخَوْض فِي أَمر المخلوقين لقَوْل الله تَعَالَى ﴿لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون﴾ وَلَا يجوز أَن يتَوَهَّم على الله

стр. 158

بصفاته وأفعاله بفهم مَا يجوز التفكر وَالنَّظَر فِي أَمر المخلوقين وَذَلِكَ أَنه يُمكن أَن يكون الله مَوْصُوفا بالنزول كل لَيْلَة إِذا مضى ثلثهَا إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا كَمَا شَاءَ وَلَا يسْأَل كَيفَ نُزُوله لِأَن الْخَالِق يصنع مَا شَاءَ كَمَا شَاءَ انْتهى كَلَام الطوفي وَقَالَ بعض الْمُحَقِّقين من الشَّافِعِيَّة وَالَّذِي شرح الله صَدْرِي فِي حَال الْمُتَكَلِّمين الَّذين أولُوا الإستواء بالإستيلاء وَالنُّزُول بنزول الْأَمر وَالْيَدَيْنِ بالنعمتين والقدرتين أَنهم مَا فَهموا فِي صِفَات الرب إِلَّا مَا يَلِيق بالمخلوقين فَمَا فَهموا عَن الله تَعَالَى اسْتِوَاء يَلِيق بِهِ وَلَا نزولا يَلِيق بِهِ وَلَا يدين تلِيق بعظمته بِلَا تكييف وَلَا تَشْبِيه فَلذَلِك حرفوا الْكَلم عَن موَاضعه وعطلوا مَا وصف الله بِهِ نَفسه أَو وَصفه بِهِ رَسُوله قَالَ وَلَا ريب أَنا نَحن وهم متفقون على إِثْبَات صفة الْحَيَاة والسمع وَالْبَصَر وَالْعلم وَالْقُدْرَة والإرادة وَالْكَلَام لله تَعَالَى وَنحن قطعا لَا نعقل من الْحَيَاة والسمع وَالْبَصَر وَالْعلم إِلَّا أعراضا تقوم بجوارحنا فَكَمَا يَقُولُونَ حَيَاته تَعَالَى وَعلمه وسَمعه وبصره لَيست بأعراض بل هِيَ صِفَات كَمَا تلِيق بِهِ لَا كَمَا تلِيق بِنَا فَمثل ذَلِك بِعَيْنِه فوقيته واستواؤه ونزوله وَنَحْو ذَلِك فَكل ذَلِك ثَابت مَعْلُوم غير مكيف بحركة أَو انْتِقَال يَلِيق بالمخلوق بل كَمَا يَلِيق بعظمته وجلاله فَإِن صِفَاته مَعْلُومَة من حَيْثُ الْجُمْلَة والثبوت غير معقولة من حَيْثُ التكييف والتحديد وَلَا فرق بَين الإستواء وَالنُّزُول والسمع وَالْبَصَر الْكل ورد فِي النَّص فَإِن قَالُوا فِي الإستواء وَالنُّزُول شبهتم فَنَقُول لَهُم فِي السّمع وَالْبَصَر

стр. 159

شبهتم ووصفتم ربكُم بِالْعرضِ فَإِن قَالُوا لَا عرض بل كَمَا يَلِيق بِهِ تَعَالَى قُلْنَا والإستواء وَالنُّزُول كَمَا يَلِيق بِهِ تَعَالَى قَالَ فَجَمِيع مَا يلزموننا بِهِ فِي الإستواء وَالنُّزُول وَالْيَد وَالْوَجْه والقدم والضحك والتعجب من التَّشْبِيه نلزمهم بِهِ فِي الْحَيَاة والسمع وَالْبَصَر وَالْعلم فَكَمَا لَا يجعلونها أعراضا كَذَلِك نَحن لَا نَجْعَلهَا جوارح وَلَا مَا يُوصف بِهِ الْمَخْلُوق وَلَيْسَ من الْإِنْصَاف أَن يفهموا فِي الإستواء وَالنُّزُول وَالْوَجْه وَالْيَد صِفَات المخلوقين فيحتاجوا إِلَى التَّأْوِيل والتحريف وَلَا يفهموا ذَلِك فِي الصِّفَات السَّبع وَحَيْثُ نزهوا رَبهم فِي الصِّفَات السَّبع مَعَ إِثْبَاتهَا فَكَذَلِك يُقَال فِي غَيرهَا فَإِن صِفَات الرب كلهَا جَاءَت فِي مَوضِع وَاحِد وَهُوَ الْكتاب وَالسّنة فَإِذا أثبتنا تِلْكَ بِلَا تَأْوِيل وأولنا هَذِه وحرفناها كُنَّا كمن آمن بِبَعْض الْكتاب وَكفر بِبَعْض وَفِي هَذَا بَلَاغ وكفاية أنْتَهى وَقَالَ أهل التَّأْوِيل إِن الْعَرَب تنْسب الْفِعْل إِلَى من أَمر بِهِ كَمَا تنسبه إِلَى من فعله وباشره بِنَفسِهِ كَمَا يَقُولُونَ كتب الْأَمِير إِلَى فلَان وَقطع يَد اللص وضربه وَهُوَ لم يُبَاشر شَيْئا من ذَلِك بِنَفسِهِ وَلِهَذَا احْتِيجَ للتَّأْكِيد فَيَقُولُونَ جَاءَ زيد نَفسه وَفعل كَذَا بِنَفسِهِ وَتقول الْعَرَب جَاءَ فلَان إِذْ جَاءَ كِتَابه أَو وَصيته وَيَقُولُونَ أَنْت ضربت زيدا لمن لم يضْربهُ وَلم يَأْمر إِذا كَانَ قد رَضِي بذلك قَالَ تَعَالَى ﴿فَلم تقتلون أَنْبيَاء الله﴾ الْبَقَرَة ٩١ والمخاطبون بِهَذَا لم يقتلوهم لكِنهمْ لما رَضوا بذلك ووالوا القتلة نسب الْفِعْل إِلَيْهِم وَالْمعْنَى هُنَا أَن الله تَعَالَى يَأْمر ملكا بالنزول إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا فينادي بأَمْره وَقَالَ بَعضهم إِن قَوْله ينزل رَاجع إِلَى أَفعاله لَا إِلَى ذَاته

стр. 160

المقدسة فَإِن النُّزُول كَمَا يكون فِي الْأَجْسَام يكون فِي الْمعَانِي أَو رَاجع إِلَى الْملك الَّذِي ينزل بأَمْره وَنَهْيه تَعَالَى فَإِن حملت النُّزُول فِي الحَدِيث على الْجِسْم فَتلك صفة الْملك الْمَبْعُوث بذلك وَإِن حَملته على الْمَعْنَوِيّ بِمَعْنى أَنه لم يفعل ثمَّ فعل فَسمى ذَلِك نزولا عَن مرتبَة إِلَى مرتبَة فَهِيَ عَرَبِيَّة صَحِيحَة وَالْحَاصِل أَن تَأْوِيله بِوَجْهَيْنِ إِمَّا بِأَن المُرَاد ينزل أمره أَو الْملك بأَمْره وَإِمَّا بِمَعْنى أَنه اسْتِعَارَة بِمَعْنى التلطف بالداعين والإجابة لَهُم وَنَحْو ذَلِك كَمَا يُقَال نزل البَائِع فِي سلْعَته إِذا قَارب المُشْتَرِي بعد مباعدة وَأمكنهُ مِنْهَا بعد مَنْعَة وَالْمعْنَى هُنَا أَن العَبْد فِي هَذَا الْوَقْت أقرب إِلَى رَحْمَة الله مِنْهُ فِي غَيره من الْأَوْقَات وَأَنه تَعَالَى يقبل عَلَيْهِم والعطف فِي هَذَا الْوَقْت بِمَا يلقيه فِي قُلُوبهم من التَّنْبِيه والتذكر الباعثين لَهُم على الطَّاعَة وَقد حكى ابْن فورك أَن بعض الْمَشَايِخ ضبط رِوَايَة البُخَارِيّ بِضَم أَوله على حذف الْمَفْعُول أَي ينزل ملكا ويقويه مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَغَيره عَن أبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد ﵄ قَالَا قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله يُمْهل حَتَّى يمْضِي شطر اللَّيْل الأول ثمَّ يَأْمر مناديا يَقُول هَل من دَاع يُسْتَجَاب لَهُ هَل من مُسْتَغْفِر يغْفر لَهُ هَل من سَائل يعْطى

стр. 161

قَالَ الْقُرْطُبِيّ صَححهُ أَبُو مُحَمَّد عبد الحق قَالَ وَهَذَا يرفع الْإِشْكَال ويزيل كل احْتِمَال وَالسّنة يُفَسر بَعْضهَا بَعْضًا وَكَذَلِكَ الْآيَات وَلَا سَبِيل إِلَى حمله على صِفَات الذَّات المقدسة فَإِن الحَدِيث فِيهِ التَّصْرِيح بتجدد النُّزُول واختصاصه بِبَعْض الْأَوْقَات والساعات وصفات الرب يجب اتصفاها بالقدم وتنزيهها عَن الْحُدُوث والتجدد بِالزَّمَانِ قيل وكل مَا لم يكن فَكَانَ وَلم يثبت فَثَبت من أَوْصَافه تَعَالَى فَهُوَ من قبيل صِفَات الْأَفْعَال فالنزول والإستواء من صِفَات الْأَفْعَال وَالله تَعَالَى أعلم تَنْبِيه قَالَ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية جماع الْأَمر أَن الْأَقْسَام الممكنة فِي آيَات الصِّفَات وأحاديثها سِتَّة أَقسَام كل قسم عَلَيْهِ طَائِفَة من أهل الْقبْلَة قِسْمَانِ يَقُولُونَ تجرى على ظواهرها

стр. 162

وقسمان يَقُولُونَ على خلاف ظواهرها وقسمان يسكتون أما الْأَولونَ فقسمان أَحدهمَا من يجريها على ظَاهرهَا من جنس صِفَات المخلوقين فَهَؤُلَاءِ المشبهة ومذهبهم بَاطِل أنكرهُ السّلف وإليهم توجه الرَّد بِالْحَقِّ الثَّانِي من يجريها على ظَاهرهَا اللَّائِق بِجلَال الله كَمَا يجْرِي اسْم الْعَلِيم والقدير والرب والإله وَالْمَوْجُود والذات وَنَحْو ذَلِك على ظَاهرهَا اللَّائِق بِجلَال الله تَعَالَى فَإِن ظواهر هَذِه الصِّفَات فِي حق المخلوقين إِمَّا جَوْهَر مُحدث وَإِمَّا عرض قَائِم فالعلم وَالْقُدْرَة وَالْكَلَام والمشيئة وَالرَّحْمَة وَالرِّضَا وَالْغَضَب وَنَحْو ذَلِك فِي حق العَبْد أَعْرَاض وَالْوَجْه وَالْيَد وَالْعين فِي حَقه أجسام فَإِذا كَانَ الله مَوْصُوفا عِنْد عَامَّة أهل الْإِثْبَات بِأَن لَهُ علما وقدرة وكلاما ومشيئة وَإِن لم تكن أعراضا يجوز عَلَيْهَا مَا يجوز على صِفَات المخلوقين فَكَذَلِك الْوَجْه وَالْيَد وَالْعين صِفَات لَهُ تَعَالَى لَيست كصفات المخلوقين وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَب الَّذِي حَكَاهُ الْخطابِيّ وَغَيره عَن السّلف وَعَلِيهِ يدل كَلَام جمهورهم وَكَلَام البَاقِينَ لايخالفه وَهُوَ أَمر وَاضح فَإِن الصِّفَات كالذات فَكَمَا أَن ذَات الله ثَابِتَة حَقِيقَة من غير أَن تكون من جنس ذَوَات المخلوقين فَكَذَلِك صِفَاته ثَابِتَة من

стр. 163

غير أَن تكون من جنس صِفَات الْمَخْلُوقَات فَمن قَالَ لَا أَعقل علما ويدا إِلَّا من جنس الْعلم وَالْيَد المعهودتين قيل لَهُ فَكيف تعقل ذاتا من غير جنس ذَوَات المخلوقين وَمن الْمَعْلُوم أَن صِفَات كل مَوْصُوف تناسب ذَاته وتلائم حَقِيقَته فَمن لم يفهم من صِفَات الرب الَّذِي لَيْسَ كمثله شَيْء إِلَّا مَا يُنَاسب الْمَخْلُوق فقد ضل فِي عقله وَدينه وَمَا أحسن مَا قَالَ بَعضهم إِذا قَالَ لَك الجهمي كَيفَ اسْتَوَى أَو كَيفَ ينزل إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا أَو كَيفَ يَدَاهُ وَنَحْو ذَلِك فَقل لَهُ كَيفَ هُوَ فِي نَفسه فَإِذا قَالَ لَا يعلم مَا هُوَ إِلَّا هُوَ وكنه الْبَارِي غير مَعْلُوم للبشر فَقل لَهُ فالعلم بكيفية الصّفة يسْتَلْزم الْعلم بكيفية الْمَوْصُوف فَكيف يُمكن أَن تعلم كَيْفيَّة لموصوف لم تعلم كيفيته وَإِنَّمَا تعلم الذَّات وَالصِّفَات من حَيْثُ الْجُمْلَة على الْوَجْه الَّذِي يَنْبَغِي لَهُ بل هَذِه الرّوح قد علم الْعَاقِل اضْطِرَاب النَّاس فِيهَا وإمساك النُّصُوص عَن بَيَان كيفيتها أَفلا يعْتَبر الْعَاقِل بهَا عَن الْكَلَام فِي كَيْفيَّة الله تَعَالَى مَعَ أَنا نقطع بِأَن الرّوح فِي الْبدن وَأَنَّهَا تخرج مِنْهُ وتعرج إِلَى السَّمَاء وَأَنَّهَا تسل مِنْهُ وَقت النزع كَمَا نطقت بذلك النُّصُوص الصَّحِيحَة لَا نغالي فِي تجريدها غلو المتفلسفة وَمن وافقهم حَيْثُ نفوا عَنْهَا الصعُود وَالنُّزُول والإتصال بِالْبدنِ والإنفصال عَنهُ وتخبطوا فِيهَا حَيْثُ رأوها من غير جنس الْبدن وَصِفَاته فَعدم مماثلتها للبدن لَا يَنْبَغِي أَن تكون هَذِه الصِّفَات ثَابِتَة لَهَا بحسبها

стр. 164

قَالَ وَأما القسمان اللَّذَان يَقُولُونَ هِيَ على خلاف ظواهرها فقسمان قسم يتأولونها ويعينون المُرَاد مثل قَوْلهم اسْتَوَى بِمَعْنى استولى أَو بِمَعْنى علو المكانة وَالْقدر أَو بِمَعْنى ظُهُور نوره للعرش أَو بِمَعْنى انْتِهَاء الْخلق إِلَيْهِ إِلَى غير ذَلِك من مَعَاني المتكلفين وَقسم يَقُولُونَ الله أعلم بالمراد بهَا لَكنا نعلم أَنه لم يرد بهَا إِثْبَات صفة خَارِجَة عَمَّا علمناه قَالَ وَأما القسمان الواقفان فقسم يَقُولُونَ يجوز أَن يكون المُرَاد ظَاهرهَا اللَّائِق بِاللَّه تَعَالَى وَيجوز أَن لَا يكون صفة لله وَهَذِه طَريقَة كثير من الْفُقَهَاء وَغَيرهم وَقسم يمسكون عَن هَذَا كُله وَلَا يزِيدُونَ على تِلَاوَة الْقُرْآن وَقِرَاءَة الحَدِيث معرضين بقلوبهم وألسنتهم عَن هَذِه التقديرات قَالَ فَهَذِهِ الْأَقْسَام السِّتَّة لَا يُمكن أَن يخرج الرجل عَن قسم مِنْهَا قَالَ وَالصَّوَاب فِي كثير من آيَات الصِّفَات وأحاديثها الْقطع بالطريقة الثَّانِيَة انْتهى كَلَام ابْن تَيْمِية

стр. 165

خَاتِمَة قَالَ الإِمَام الْحَافِظ ابْن الْجَوْزِيّ الْحَنْبَلِيّ ﵀ فِي كِتَابه صيد الخاطر من أضرّ الْأَشْيَاء على الْعَوام كَلَام المتأولين والنفاة للصفات والإضافات فَإِن الْأَنْبِيَاء ﵈ بالغوا فِي الْإِثْبَات ليقرروا فِي أنفس الْعَوام وجود الْخَالِق فَإِن النُّفُوس تأنس بالإثبات فَإِذا سمع الْعَاميّ مَا يُوجب النَّفْي طرد عَن قلبه الْإِثْبَات فَكَانَ من أعظم الضَّرَر عَلَيْهِ وَكَانَ هَذَا المنزه من الْعلمَاء على زَعمه مقاوما لإِثْبَات الْأَنْبِيَاء بالمحو وشارعا فِي إبِْطَال مَا بعثوا بِهِ قَالَ وَبَيَان هَذَا أَن الله أخبر بإستوائه على الْعَرْش فأنست النُّفُوس بِإِثْبَات الْإِلَه ووجوده وَقَالَ ﴿وَيبقى وَجه رَبك﴾ الرَّحْمَن ٢٧ وَقَالَ ﴿بل يَدَاهُ مبسوطتان﴾ الْمَائِدَة ٦٤ وَقَالَ ﴿غضب الله عَلَيْهِم﴾ الْفَتْح ٦ ﴿﵃﴾ الْمَائِدَة ١١٩ وَأخْبر الرَّسُول أَنه ينزل إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا وَقَالَ قُلُوب الْعباد بَين إِصْبَعَيْنِ من أَصَابِع الرحمان وَقَالَ كتب

стр. 166

التَّوْرَاة بِيَدِهِ وَكتب كتابا فَهُوَ عِنْده فَوق الْعَرْش إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يطول ذكره فَإِذا امْتَلَأَ الْعَاميّ وَالصَّبِيّ من الْإِثْبَات وَكَاد يأنس من الْأَوْصَاف بِمَا يفهمهُ الْحس قيل لَهُ ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ فمحا من قلبه مَا نقشه وَتبقى أَلْفَاظ الْإِثْبَات متمكنة وَلِهَذَا أقرّ الشَّارِع على مثل هَذَا فَسمع منشدا يَقُول ... وَإِن الْعَرْش فَوق المَاء طَاف ... وَفَوق الْعَرْش رب العالمينا ... فَضَحِك وَقَالَ لَهُ الآخر أويضحك رَبنَا فَقَالَ نعم وَقَالَ إِنَّه على عَرْشه هَكَذَا وَأَشَارَ بِيَدِهِ مثل الْقبَّة كل هَذَا ليقرر الْإِثْبَات فِي النُّفُوس وَأكْثر الْخلق لَا يعْرفُونَ من الْإِثْبَات إِلَّا بِمَا يعلمُونَ من الشَّاهِد فيقنع مِنْهُم بذلك إِلَى أَن يفهموا التَّنْزِيه وَلِهَذَا صحّح الشَّارِع إِسْلَام من اعْتصمَ من الْقَتْل بِالسُّجُود قَالَ فَأَما إِذا ابْتَدَأَ الْعَاميّ الفارغ الْقلب من فهم الْإِثْبَات فَقيل لَهُ لَيْسَ فِي السَّمَاء وَلَا على الْعَرْش وَلَا يُوصف بيد

стр. 167

١ - وَكَلَامه إِنَّمَا هُوَ الصّفة الْقَائِمَة بِذَاتِهِ وَلَيْسَ عندنَا مِنْهُ شَيْء وَلَا يتَصَوَّر نُزُوله انمحى من قلبه تَعْظِيم الْمُصحف الَّذِي الإستخفاف بِهِ كفر وَلم ينتقش فِي سره إِثْبَات إِلَه وَهَذِه جِنَايَة عَظِيمَة على الْأَنْبِيَاء توجب نقض مَا تعبوا فِي إثْبَاته قَالَ فَلَا يجوز للْعَالم أَن يَأْتِي إِلَى عقيدة عَامي قد أنس بالإثبات فيكدرها فَإِنَّهُ يُفْسِدهُ ويصعب علاجه فَأَما الْعَالم فَإنَّا قد أمناه فَإِنَّهُ لَا يخفى عَلَيْهِ اسْتِحَالَة تجدّد صفة لله وَأَنه لَا يجوز أَن يكون اسْتَوَى كَمَا يعلم وَلَا يجوز أَن يكون سُبْحَانَهُ مَحْمُولا وَلَا أَن يُوصف بملاصقة ومماسة وَلَا أَن ينْتَقل وَلَا يخفى عَلَيْهِ أَن المُرَاد بتقليب الْقُلُوب بَين إِصْبَعَيْنِ إِنَّمَا هُوَ الْإِعْلَام بالتحكم فِي الْقُلُوب فَإِن مَا يديره الْإِنْسَان بَين إِصْبَعَيْنِ هُوَ متحكم فِيهِ إِلَى الْغَايَة وَلَا يحْتَاج إِلَى تَأْوِيل من قَالَ الإصبع الْأَثر الْحسن وَلَا إِلَى تَأْوِيل من قَالَ يَدَاهُ نعمتاه لِأَنَّهُ إِذا فهم أَن الْمَقْصُود الْإِثْبَات وَقد حَدثنَا بِمَا نعقل وَضربت لنا الْأَمْثَال وَبِمَا نعلم وَقد ثَبت عندنَا بِالْأَصْلِ الْمَقْطُوع بِهِ أَنه لَا يجوز عَلَيْهِ تَعَالَى مَا يعرفهُ الْحس فهمنا الْمَقْصُود بِذكر ذَلِك قَالَ فَأصْلح مَا نقُول للعوام أمروا هَذِه الْأَشْيَاء كَمَا جَاءَت وَلَا تتعرضوا لتأويلها كل ذَلِك لقصد حفظ الْإِثْبَات الَّذِي جَاءَ بِهِ الْأَنْبِيَاء وَهَذَا هُوَ الَّذِي قَصده السّلف وَكَانَ الإِمَام أَحْمد يمْنَع أَن يُقَال لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوق أَو غير مَخْلُوق كل ذَلِك ليحمل النَّاس على الإتباع لَا الإبتداع وَتبقى أَلْفَاظ الْإِثْبَات على حَالهَا وأجهل النَّاس من جَاءَ إِلَى مَا قصد النَّبِي ﷺ تَعْظِيمه فأضعف

стр. 168

فِي النُّفُوس قوى التَّعْظِيم فَإِن النَّبِي ﷺ قا لَا تسافروا بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرض الْعَدو وَيُشِير إِلَى الْمُصحف وَمنع الإِمَام الشَّافِعِي أَن يحملهُ الْمُحدث بعلاقته تَعْظِيمًا لَهُ فَإِذا جَاءَ متحذلق فَقَالَ الْكَلَام صفة قَائِمَة بِذَات الْمُتَكَلّم فَمَعْنَى قَوْله هَذَا أَنه مَا هَاهُنَا شَيْء يحترم فَهَذَا قد ضاد مَا أَتَى بِهِ مَقْصُود الشَّرْع قَالَ وَيَنْبَغِي أَن تفهم أوضاع الشَّرْع ومقاصد الْأَنْبِيَاء وَقد منعُوا من كشف مَا قد قنع الشَّرْع بستره فَنهى رَسُول الله ﷺ عَن الْكَلَام فِي الْقدر وَنهى عَن الإختلاف فَإِن الباحث عَن الْقدر إِذا بلغ فهمه إِلَى أَن يَقُول قضى وعاقب تزلزل إيمَانه بِالْعَدْلِ وَإِن قَالَ لم يقدر وَلم يقْض تزلزل إيمَانه بِالْقدرِ فَكَانَ الأولى ترك الْخَوْض فِي هَذِه الْأَشْيَاء قَالَ وَلَعَلَّ قَائِلا يَقُول هَذَا منع لنا عَن الإطلاع على الْحَقَائِق وَأمر بِالْوُقُوفِ مَعَ التَّقْلِيد

стр. 169

فَأَقُول لَا إِنَّمَا أعلمك أَن المُرَاد مِنْك الْإِيمَان بالمجمل فَإِن قوى فهمك تعجز عَن إِدْرَاك الْحَقَائِق فَإِن الْخَلِيل ﵇ قَالَ ﴿أَرِنِي كَيفَ تحيي الْمَوْتَى﴾ الْبَقَرَة ٢٦٠ فَأرَاهُ مَيتا حييّ وَلم يره كَيفَ أَحْيَاهُ لِأَن قواه تعجز عَن إِدْرَاك ذَلِك يَعْنِي وَمثله كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿ويسألونك عَن الرّوح قل الرّوح من أَمر رَبِّي﴾ الْإِسْرَاء ٨٥ ﴿يَسْأَلُونَك عَن الْأَهِلّة قل هِيَ مَوَاقِيت للنَّاس﴾ الْبَقَرَة ١٨٩ لعجز النَّفس عَن إِدْرَاك الْحَقَائِق على مَا هِيَ عَلَيْهِ قَالَ وَقد كَانَ النَّبِي ﷺ الَّذِي بعث ليبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم يقنع من الْمُسلم بِنَفس الْإِقْرَار وإعتقاد الْمُجْمل وَكَذَلِكَ الصَّحَابَة يَعْنِي وَمَا نقل عَنْهُم أَنهم قَالُوا يجب أَن تعلم أَن لمولانا من الْأَوْصَاف كَذَا وَكَذَا ويستحيل عَلَيْهِ كَذَا وَكَذَا على سَبِيل التَّفْصِيل قَالَ وَمَا نقل عَنْهُم أَنهم تكلمُوا فِي تِلَاوَة متلو وَقِرَاءَة ومقروء وَلَا أَنهم قَالُوا اسْتَوَى بِمَعْنى استولى وَينزل بِمَعْنى يرحم بل قنعوا بالإثبات الْمُجْمل الَّتِي تثبت التَّعْظِيم عِنْد النُّفُوس وَكفوا توهم الخيال بقوله تَعَالَى ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ قَالَ ثمَّ هَذَا مُنكر وَنَكِير إِنَّمَا يسألان عَن الْأُصُول المجملة فَيَقُولُونَ من رَبك وَمَا دينك وَمن نبيك وَمن فهم هَذَا الْفَصْل سلم من تَشْبِيه المجسمة وتعطيل

стр. 170

المعطلة ووقف على جادة السّلف وَقَالَ الْحَافِظ ابْن الْجَوْزِيّ فِي مَوضِع آخر رَأَيْت كثيرا من الْخلق وَالْعُلَمَاء لَا ينتهون عَن الْبَحْث عَن أصُول الْأَشْيَاء الَّتِي أمروا بِعلم جملها من غير بحث عَن حقائقها كالروح مثلا فَإِن الله تَعَالَى سترهَا بقوله ﴿قل الرّوح من أَمر رَبِّي﴾ الْإِسْرَاء ٨٥ فَلم يقنعوا وَأخذُوا يبحثون عَن ماهيتها وحقيقتها وَلَا يقعون بِشَيْء وَلَا يثبت لأَحَدهم برهَان على مَا يَدعِيهِ وَكَذَلِكَ الْعقل فَإِنَّهُ مَوْجُود بِلَا شكّ كَمَا أَن الرّوح مَوْجُودَة بِلَا شكّ وَكِلَاهُمَا إِنَّمَا يعرف بآثاره لَا بِحَقِيقَة ذَاته قَالَ فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا السِّرّ فِي كتم هَذِه الْأَشْيَاء قلت لِأَن النَّفس لَا تزَال تترقى من حَالَة إِلَى حَالَة فَلَو اطَّلَعت على هَذِه الْأَشْيَاء لترقت إِلَى خَالِقهَا فَكَانَ ستر مَا دونه زِيَادَة فِي تَعْظِيمه لِأَنَّهُ إِذا كَانَ بعض مخلوقاته لَا تعلم حَقِيقَته فَهُوَ سُبْحَانَهُ أجل وأعلا وَلَو قَالَ قَائِل مَا الصَّوَاعِق وَمَا الْبَرْق وَمَا الزلازل قُلْنَا شَيْء مزعج وَيَكْفِي والسر فِي هَذَا أَنه لَو كشفت حقائقه لخف مِقْدَار تَعْظِيمه قَالَ فَإِذا ثَبت هَذَا فِي الْمَخْلُوقَات فالخالق أجل وأعلا فَيَنْبَغِي أَن يُوقف فِي إثْبَاته على دَلِيل وجوده ثمَّ يسْتَدلّ على

стр. 171

جَوَاز بَعثه رسله ثمَّ تتلقى أَوْصَافه من كتبه وَرُسُله وَلَا يُزَاد على ذَلِك وَلَقَد بحث خلق كثير عَن صِفَاته تَعَالَى بآرائهم فَعَاد وبال ذَلِك عَلَيْهِم فَإِذا قُلْنَا إِنَّه مَوْجُود وَعلمنَا من كَلَامه أَنه سميع بَصِير حَيّ قَادر كفانا هَذَا فِي صِفَاته وَلَا نَخُوض فِي شَيْء آخر وَكَذَلِكَ نقُول مُتَكَلم وَالْقُرْآن كَلَامه وَلَا نتكلف مَا فَوق ذَلِك وَلم تقل السّلف تِلَاوَة ومتلو وَقِرَاءَة ومقروء وَلَا قَالُوا اسْتَوَى على الْعَرْش بِذَاتِهِ وَلَا قَالُوا ينزل بِذَاتِهِ بل أطْلقُوا مَا ورد من غير زِيَادَة وَنَفَوْا مَا لم يثبت بِالدَّلِيلِ مِمَّا لَا يجوز عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَقَالَ أَيْضا فِي مَوضِع آخر عجبت من أَقوام يدعونَ الْعلم ويميلون إِلَى التَّشْبِيه بحملهم الْأَحَادِيث على ظَاهرهَا فَلَو أَنهم أمروها كَمَا جَاءَت سلمُوا لِأَن من أَمر مَا جَاءَ من غير اعْتِرَاض وَلَا معرض فَمَا قَالَ شَيْئا لَا لَهُ وَلَا عَلَيْهِ وَلَكِن أَقوام قصرت علومهم فَرَأَوْا أَن حمل الْكَلَام على غير ظَاهره نوع تَعْطِيل وَلَو فَهموا سَعَة اللُّغَة لم يَظُنُّوا هَذَا وَمَا هم إِلَّا بِمَثَابَة قَول الْحجَّاج لكَاتبه وَقد مدحنه الخنساء أَو ليلى الأخيلية

стр. 172

. إِذا نزل الْحجَّاج أَرضًا مَرِيضَة ... تتبع أقْصَى داءها فشفاها ... شفاها من الدَّاء العضال الَّذِي بهَا ... غُلَام إِذا هز الْقَنَاة شفاها ... فَلَمَّا تمت القصيدة قَالَ الْحجَّاج لكَاتبه اقْطَعْ لسانها فجَاء ذَاك الْكَاتِب الْمُغَفَّل بِالْمُوسَى فَقَالَت لَهُ وَيلك إِنَّمَا قَالَ أجزل لَهَا الْعَطاء ثمَّ ذهبت إِلَى الْحجَّاج فَقَالَ كَاد وَالله يقطع مقولي فَكَذَلِك الظَّاهِرِيَّة الَّذين لم يسلمُوا بِالتَّسْلِيمِ فَإِنَّهُ من قَرَأَ الْآيَات وَالْأَحَادِيث وَلم يزدْ لم يلم وَهَذِه طَريقَة السلفة فَأَما من قَالَ الحَدِيث يَقْتَضِي كَذَا وَيحمل على كَذَا مثل أَن يَقُول اسْتَوَى على الْعَرْش بِذَاتِهِ وَينزل إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا بِذَاتِهِ فَهَذِهِ زِيَادَة فهمها قَائِلهَا من الْحس لَا من النَّقْل قَالَ وَقد تكلمُوا بأقبح مَا يتَكَلَّم بِهِ المتأولون ثمَّ عابوا الْمُتَكَلِّمين قَالَ وَاعْلَم أَنه قد سبق إِلَيْنَا من الْعقل وَالنَّقْل أصلان راسخان عَلَيْهِمَا نمر الْأَحَادِيث كلهَا أما النَّقْل فَقَوله سُبْحَانَهُ ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ وَمن فهم هَذَا لم يحمل وَصفا لَهُ تَعَالَى على مَا يُوجِبهُ الْحس وَأما الْعقل فقد علم مباينة الصَّانِع للمصنوعات وَاسْتدلَّ على حدوثها بتغيرها وَدخُول الإنفعال عَلَيْهَا واعجباه من رأى

стр. 173

وَلم يفهم السِّرّ فِي الحَدِيث الصَّحِيح أَن الْمَوْت يذبح بَين الْجنَّة وَالنَّار أوليس الْعقل إِذا استفتي فِي هَذَا صرف الْأَمر عَن حَقِيقَته لما ثَبت عِنْده من فهم مَاهِيَّة الْمَوْت فَقَالَ الْمَوْت عرض يُوجب بطلَان الْحَيَاة فَكيف يَمُوت الْمَوْت أَو يذبح فَإِذا قيل لَهُ فَمَا تصنع فِي الحَدِيث فَقَالَ هَذَا ضرب مثل بِإِقَامَة صُورَة ليعلم بِتِلْكَ الصُّورَة الحسية موت ذَلِك الْمَعْنى قُلْنَا لَهُ قد ورد فِي الحَدِيث الصَّحِيح تَأتي الْبَقَرَة وَآل عمرَان كَأَنَّهُمَا غمامتان فَقَالَ الْكَلَام لَا يكون غمامة وَلَا يشبه بهَا قُلْنَا أفتعطل النَّقْل قَالَ لَا وَلَكِن يَأْتِي ثوابهما قُلْنَا فَمَا الدَّلِيل الصَّارِف لَك عَن هَذِه الْحَقَائِق قَالَ علمي بِأَن الْكَلَام لَا يشبه بالأجسام وَالْمَوْت لَا يذبح ذبح الْأَنْعَام وَلَو علمْتُم سَعَة لُغَة الْعَرَب مَا ضَاقَتْ أعطانكم من سَماع مثل هَذَا

стр. 174

فَقَالَ الْعلمَاء صدقت هَكَذَا نقُول فِي تَفْسِير مَجِيء سُورَة الْبَقَرَة وَفِي ذبح الْمَوْت فَقَالَ وَاعجَبا لكم صرفتم عَن الْمَوْت وَالْكَلَام مَا لَا يَلِيق بهما حفظا لما علمْتُم من حقائقهما فَكيف لم تصرفوا عَن الْإِلَه الْقَدِيم مَا يُوجب التَّشْبِيه لَهُ بخلقه مِمَّا قد دلّ الدَّلِيل على تنزيهه عَنهُ سُبْحَانَهُ وَقَالَ أَيْضا اعْلَم أَن شرعنا مضبوط الْأُصُول محروس الْقَوَاعِد لَا خلل فِيهِ وَلَا دخل وَكَذَلِكَ جَمِيع الشَّرَائِع إِنَّمَا الآفة تدخل من المبتدعين فِي الدّين أَو الْجُهَّال مثل مَا فعل النَّصَارَى حِين رَأَوْا إحْيَاء الْمَوْتَى على يَد عِيسَى ﵇ فَإِنَّهُم تأملوا الْفِعْل الخارق للْعَادَة الَّذِي لَا يصلح للبشر فنسبوا الْفَاعِل إِلَى الإلهية وَلَو تأملوا ذَاته لعلموا أَنَّهَا مركبة على النقائص والحاجات وَهَذَا الْقدر يَكْفِي فِي عدم صَلَاح الإلهية وَيعلم حِينَئِذٍ أَن الَّذِي جرى عَليّ يَدَيْهِ إِنَّمَا هُوَ فعل غَيره وَقد يَقع مثل ذَلِك فِي الْفُرُوع مثل مَا رُوِيَ أَنه فرض على النَّصَارَى صَوْم شهر فزادوا عشْرين يَوْمًا ثمَّ جَعَلُوهُ فِي فصل من السّنة بآرائهم وَمن هَذَا الْجِنْس تخبيط الْيَهُود فِي الْأُصُول وَالْفُرُوع وَقد ثارت الضلالات فِي هَذِه الْأمة أَيْضا وَإِن كَانَ عمومهم قد حفظ من الشّرك لأَنهم أَعقل الْأُمَم وأفهمها غير أَن الشَّيْطَان قَارب ببعضهم الْكفْر وَأغْرقَ بَعضهم فِي بحار الضلال

стр. 175

قَالَ فَمن ذَلِك أَن رَسُول الله ﷺ جَاءَ بِكِتَاب عَزِيز من عِنْد الله قيل فِي صفته ﴿مَا فرطنا فِي الْكتاب من شَيْء﴾ الْأَنْعَام ٣٨ وَبَين مَا عساه يشكل مِمَّا يحْتَاج إِلَى بَيَانه بسنته كَمَا قيل ﴿لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم﴾ النَّحْل ٤٤ ثمَّ قَالَ بعد الْبَيَان تَركتهم عَلَيْهَا بَيْضَاء نقية فجَاء أَقوام بعده فَلم يقنعوا بتبيينه وَلم يرْضوا بطريقة أَصْحَابه فَبَحَثُوا ثمَّ انقسموا فَمنهمْ من تعرض لما تَعب الشَّرْع فِي إثْبَاته فِي الْقُلُوب فمحاه مِنْهَا فَإِن الْقُرْآن والْحَدِيث يثبتان الْإِلَه بأوصاف تقرر وجوده فِي النُّفُوس كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ وَقَوله ﴿بل يَدَاهُ مبسوطتان﴾ الْمَائِدَة ٦٤ وَقَوله ﴿ولتصنع على عَيْني﴾ طه ٣٩ وَقَوله ﵇ ينزل الله إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا ويبسط يَده لمسيء اللَّيْل وَالنَّهَار ويضحك وكل هَذِه الْأَشْيَاء وَإِن كَانَ ظَاهرهَا يُوجب تخايل التَّشْبِيه فَالْمُرَاد مِنْهَا إِثْبَات مَوْجُود فَلَمَّا علم الشَّرْع مَا يطْرق الْقُلُوب من التوهمات عِنْد سماعهَا قطع ذَلِك بقوله ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ قَالَ ثمَّ إِن هَؤُلَاءِ الْقَوْم عَادوا إِلَى الْقُرْآن الَّذِي هُوَ المعجز

стр. 176

الْأَكْبَر وَقد قصد الشَّرْع تَقْرِير وجوده فَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾ ﴿نزل بِهِ الرّوح الْأمين﴾ ﴿وَهَذَا كتاب أَنزَلْنَاهُ﴾ وأثبته فِي الْقُلُوب بقوله ﴿فِي صُدُور الَّذين أُوتُوا الْعلم﴾ العنكبوت ٤٩ وَفِي الْمَصَاحِف بقوله ﴿فِي لوح مَحْفُوظ﴾ ﴿وَإنَّهُ لفي زبر الْأَوَّلين﴾ الشُّعَرَاء ١٩٦ فَقَالَ قوم من هَؤُلَاءِ هُوَ مَخْلُوق فاسقطوا حرمته من النُّفُوس وَقَالُوا لم ينزل وَلَا يتَصَوَّر نُزُوله وَكَيف نفصل الصّفة عَن الْمَوْصُوف وَلَيْسَ فِي الْمُصحف إِلَّا حبر وورق فعادوا إِلَى مَا بعث الشَّارِع فِي إثْبَاته بالمحو كَمَا قَالُوا إِن الله لَيْسَ فِي السَّمَاء وَلَا يُقَال اسْتَوَى على الْعَرْش وَلَا ينزل إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا بل ذَاك رَحمته فمحوا من الْقُلُوب مَا أُرِيد إثْبَاته فِيهَا وَلَيْسَ هَذَا مُرَاد الشَّارِع وَجَاء آخَرُونَ فَلم يقفوا على مَا حَده الشَّرْع بل عمِلُوا فِيهِ بآرائهم فَقَالُوا الله على الْعَرْش وَلم يقنعوا بقوله ﴿ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ قَالَ وَدفن لَهُم أَقوام من سلفهم دفائن وَوضعت لَهُم الْمَلَاحِدَة أَحَادِيث فَلم يعلمُوا مَا يجوز عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ مِمَّا لَا يجوز فأثبتوا بهَا صِفَاته وَجُمْهُور الصَّحِيح مِنْهَا آتٍ على توسع الْعَرَب فَأَخَذُوهُ هم على الظَّاهِر فَكَانُوا فِي ضرب الْمثل كجحا فَإِن أمه قَالَت لَهُ احفظ الْبَاب فقلعه وَمَشى بِهِ فَأخذ مَا فِي الدَّار فَلَامَتْهُ أمه فَقَالَ إِنَّمَا قلت لي احفظ الْبَاب وَمَا قلت احفظ

стр. 177

الدَّار وَلما تخايلوا صُورَة عَظِيمَة على الْعَرْش أخذُوا يتأولون مَا يُنَافِي وجودهَا على الْعَرْش مثل قَوْله وَمن أَتَانِي يمشي أَتَيْته هرولة فَقَالُوا لَيْسَ المُرَاد بِهِ دنو الذَّات وَإِنَّمَا المُرَاد قرب المنهل والحظ وَقَالُوا فِي قَوْله ﴿إِلَّا أَن يَأْتِيهم الله فِي ظلل﴾ الْبَقَرَة ٢١٠ هُوَ مَحْمُول على ظَاهره فِي مَجِيء الذَّات فهم يحلونه عَاما ويحرمونه عَاما ويسمون الإضافات إِلَى الله تَعَالَى صِفَات فَإِنَّهُ قد أضَاف إِلَيْهِ النفخ وَالروح وأثبتوا خلقه بِالْيَدِ وَقَالُوا هِيَ صفة تولى بهَا خلق آدم دون غَيره وَإِلَّا فَأَي مزية كَانَت تكون لآدَم فشغلهم النّظر فِي فَضِيلَة آدم عَن النّظر إِلَى مَا يَلِيق بِالْحَقِّ فَإِنَّهُ لَا يجوز عَلَيْهِ الْمس وَلَا الْعَمَل بالآلات وَقَالُوا نطلق على الله اسْم الصُّورَة لقَوْله خلق آدم على صورته وَقَالُوا فِي حَدِيث الرَّحِم وَأَنَّهَا تعلّقت بحقو الرحمان الحقو صفة ذَات قَالَ وَذكروا أَحَادِيث لَو رويت فِي نقض الْوضُوء مَا قبلت وعمومها وَضعته الْمَلَاحِدَة كَمَا يرْوى عَن عبد الله بن عَمْرو قَالَ خلق الله الْمَلَائِكَة من نور الذراعين والصدر فَقَالُوا نثبت هَذَا على ظَاهره ثمَّ أرضوا الْعَوام بقَوْلهمْ وَلَا نثبت جوارح فكأنهم يَقُولُونَ قَائِم مَا هُوَ قَائِم وَاخْتلف قَوْلهم هَل يُطلق على الله عز

стр. 178

وَجل أَنه جَالس أَو قَائِم كَقَوْلِه ﴿قَائِما بِالْقِسْطِ﴾ آل عمرَان ١٨ وَهَؤُلَاء هم أخس فهما من جحا لِأَن قَوْله ﴿قَائِما بِالْقِسْطِ﴾ لَا يُرَاد بِهِ الْقيام وَإِنَّمَا هُوَ كَمَا يُقَال الْأَمِير قَائِم بِالْعَدْلِ قَالَ وَإِنَّمَا ذكرت بعض أَقْوَالهم لِئَلَّا يسكن إِلَى شَيْء مِنْهَا فالحذر من هَؤُلَاءِ وَإِنَّمَا الطَّرِيق طَرِيق السّلف على أنني أَقُول لَك قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل من ضيق علم الرجل أَن يُقَلّد فِي دينه الرِّجَال فَلَا يَنْبَغِي أَن تسمع عَن مُعظم فِي النُّفُوس شَيْئا فِي الْأُصُول فتقلده فِيهِ وَلَو سَمِعت عَن أَحْمد بن حَنْبَل مَا لَا يُوَافق الْأُصُول الصَّحِيحَة فَقل هَذَا من الرَّاوِي لِأَنَّهُ قد ثَبت عَن ذَلِك الإِمَام وَأَنه لَا يَقُول فِي شَيْء بِرَأْيهِ فَلَو قَدرنَا صِحَّته عَنهُ فَإِنَّهُ لَا يُقَلّد فِي الْأُصُول وَلَا أبوبكر وَعمر قَالَ فَهَذَا أصل يجب الْبناء عَلَيْهِ فَلَا يهولنك ذكر مُعظم فِي النُّفُوس فَإِن الْمُحَقق الْعَارِف لَا يهوله ذَلِك كَمَا قَالَ رجل لعَلي ابْن أبي طَالب أتظن أَنا نظن أَن طَلْحَة وَالزُّبَيْر كَانَا على الْبَاطِل وَأَنت على الْحق فَقَالَ لَهُ عَليّ إِن الْحق لَا يعرف بِالرِّجَالِ اعرف الْحق تعرف أَهله ولعمري إِنَّه قد وقر فِي النُّفُوس تَعْظِيم أَقوام فَإِذا نقل عَنْهُم شَيْء فَسَمعهُ جَاهِل بِالشَّرْعِ قبله لتعظيمهم فِي نَفسه كَمَا نقل عَن أبي يزِيد البسطامي أَنه قَالَ تراغبت عَليّ نَفسِي فَحَلَفت لَا أشْرب المَاء سنة وَهَذَا إِن صَحَّ عَنهُ كَانَ خطأ قبيحا وزلة فَاحِشَة لِأَن المَاء ينفذ الأغذية إِلَى الْبدن وَلَا يقوم مقَامه شَيْء فَإِن لم يشرب فقد سعى فِي أَذَى بدنه وضرر نَفسه الَّتِي لَيست لَهُ وَأَنه لَا يجوز لَهُ التَّصَرُّف فِيهَا إِلَّا عَن إِذن مَالِكهَا

стр. 179

وَقَالَ أَيْضا قدم إِلَى بَغْدَاد جمَاعَة من أهل الْبدع الْأَعَاجِم فارتقوا مَنَابِر التذكيري للعوام فَكَانَ مُعظم مجَالِسهمْ أَنهم يَقُولُونَ لَيْسَ لله فِي الأَرْض كَلَام وَهل الْمُصحف إِلَّا ورق وعفص وزاج وَإِن الله لَيْسَ على الْعَرْش وَلَا فِي السَّمَاء وَإِن الْجَارِيَة الَّتِي قَالَ لَهَا النَّبِي ﷺ أَيْن الله كَانَت خرساء فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاء أَي لَيْسَ هُوَ من الْأَصْنَام الَّتِي تعبد فِي الأَرْض ثمَّ يَقُولُونَ أَيْن الحروفية الَّذين يَزْعمُونَ أَن الْقُرْآن حرف وَصَوت هَذَا عبارَة جِبْرِيل فَمَا زَالُوا كَذَلِك حَتَّى هان تَعْظِيم الْقُرْآن فِي صُدُور أَكثر الْعَوام وصاروا يَقُولُونَ هَذَا هُوَ الصَّحِيح ودس الشَّيْطَان دسائس الْبدع فَقَالَ قوم هَذَا الْمشَار إِلَيْهِ مَخْلُوق مَعَ أَن الإِمَام أَحْمد ثَبت فِي ذَلِك ثبوتا لم يُثبتهُ غَيره على دفع هَذَا القَوْل لِئَلَّا يتَطَرَّق إِلَى الْقُرْآن مَا يمحو تَعْظِيمه من النُّفُوس ويخرجه عَن الْإِضَافَة إِلَى الله تَعَالَى وَرَأى أَن ابتداع مَا لم يقل بِهِ لَا يجوز فَقَالَ كَيفَ أَقُول مَا لم يقل ثمَّ لم يخْتَلف النَّاس فِي ذَلِك إِلَى أَن جَاءَ بعض الْمُتَكَلِّمين فَقَالَ إِن الْكَلَام صفة قَائِمَة بِالنَّفسِ فتخبطت العقائد مَعَ أَن الله تَعَالَى وَرَسُوله قنعا من الْخلق بِالْإِيمَان الإجمالي وَلم يكلفهم معرفَة التفاصيل وَالْوُقُوف على الْمَاهِيّة إِمَّا لِأَن الإطلاع على ذَلِك

стр. 180

يخبط العقائد وَإِمَّا لِأَن قوى الْبشر تعجز عَن مطالعة ذَلِك وَنهى عَن الْخَوْض فِيمَا يثير غُبَار شُبْهَة وَإِذا كَانَ قد نهى عَن الْخَوْض فِي الْقدر فَكيف يجوز الْخَوْض فِي صِفَات الْمُقدر وَإِذا كَانَت الظَّوَاهِر تثبت وجود الْقُرْآن وَأَنه كَلَام الله حَقِيقَة فَقَالَ قَائِل لَيْسَ كَذَلِك فقد نفى الظَّوَاهِر الَّتِي تَعب الرَّسُول فِي إِثْبَاتهَا وَقرر وجودهَا فِي النُّفُوس وَهل للمخالف دَلِيل إِلَّا أَن يَقُول قَالَ الله فَيثبت مَا نفى فَلَيْسَ الصَّوَاب لمن وفْق إِلَّا الْوُقُوف مَعَ ظواهر الشَّرْع وَأما قَوْلهم لَيْسَ فِي الْمُصحف إِلَّا ورق وعفص وزاج فَهُوَ كَقَوْل الْقَائِل هَل الْآدَمِيّ إِلَّا لحم وَدم هَيْهَات إِن معنى الْآدَمِيّ هُوَ الرّوح فَمن نظر إِلَى اللَّحْم وَالدَّم وقف مَعَ الْحس وَإِثْبَات الْإِلَه بظواهر الْآيَات وَالْأَحَادِيث ألزم للعوام من تحديثهم بالتنزيه وَإِن كَانَ التَّنْزِيه لَازِما وَقد كَانَ ابْن عقيل يَقُول الْأَصْلَح لاعتقاد الْعَوام ظواهر الْآيَات وَالْأَحَادِيث لأَنهم يأنسون بالإثبات فَمَتَى محونا ذَلِك من قُلُوبهم زَالَت السياسات والخشية وتهافت الْعَوام فِي التَّشْبِيه أحب إِلَيّ من إغراقهم فِي التَّنْزِيه لِأَن التَّشْبِيه يغمسهم فِي الْإِثْبَات فيطمعوا ويخافوا شَيْئا قد تخايلوا مثله يُرْجَى وَيخَاف وَأما التَّنْزِيه فَإِنَّهُ يَرْمِي بهم إِلَى النَّفْي وَلَا طمع وَلَا مَخَافَة من النَّفْي
следующие страницы →