Полный текст (195 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وَكَانُوا إِذا رَأَوْا الرجل قد أغرق فِي نفي التَّشْبِيه من غير إِثْبَات الصِّفَات قَالُوا هَذَا جهمي معطل فَإِن الْجَهْمِية والمعتزلة إِلَى الْيَوْم يسمون من أثبت شَيْئا من الصِّفَات مشبها كذبا مِنْهُم وإفتراء فالروافض تسمي أهل السّنة نواصب والقدرية يسمونهم مجبرة والمرجئة يسمونهم شكاكا والجهمية يسمونهم مشبهة وَأهل الْكَلَام يسمونهم حشوية والمتصوفة يسمونهم محجوبين كَمَا كَانَت قُرَيْش تسمي النَّبِي ﷺ تَارَة مَجْنُونا وَتارَة شَاعِرًا وَتارَة كَاهِنًا وَتارَة مفتريا وَهَذِه عَلامَة الْإِرْث الصَّحِيح والمتابعة التَّامَّة
ثمَّ قَالَ ابْن تَيْمِية فِي آخر كَلَامه وجماع الْأَمر أَن الْأَقْسَام الممكنة فِي آيَات الصِّفَات وأحاديثها سِتَّة أَقسَام كل قسم عَلَيْهِ طَائِفَة من أهل الْقبْلَة
وَسَيَأْتِي الْكَلَام على ذكر هَذِه الْأَقْسَام آخر الْكتاب
стр. 72
ولنرجع إِلَى مَا نَحن بصدده فَنَقُول
وَمن الْمُتَشَابه الْكُرْسِيّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وسع كرسيه السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ الْبَقَرَة ٢٥٥ وَقد اخْتلف أهل التَّأْوِيل فِيهِ
فَقيل الْكُرْسِيّ هُوَ علمه تَعَالَى أَي أحَاط علمه سُبْحَانَهُ بِأَهْل السَّمَاء وَالْأَرْض
وَقيل هُوَ السُّلْطَان وَالْقُدْرَة
وَقيل هُوَ تَمْثِيل لِعَظَمَة شَأْنه وسعة سُلْطَانه وإحاطة علمه بالأشياء قاطبة وَلَيْسَ ثمَّة كرْسِي وَلَا قَاعد وَلَا قعُود
وَقيل هُوَ مَكَان لعبادة الْمَلَائِكَة وَالْإِضَافَة كَمَا فِي الْكَعْبَة بَيت الله
وَقيل هُوَ الْعَرْش نَفسه
وَالْمَشْهُور أَنه جسم عَظِيم بَين يَدي الْعَرْش يسع السَّبع سماوات وَالْأَرْض كَمَا دلّت عَلَيْهِ الْأَحَادِيث والْآثَار
وَعَن ابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود وناس من الصَّحَابَة السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي جَوف الْكُرْسِيّ والكرسي بَين يَدي الْعَرْش وَهُوَ مَوضِع قَدَمَيْهِ
قَالَ الْبَيْهَقِيّ كَذَا فِي هَذِه الرِّوَايَة مَوضِع قَدَمَيْهِ
وروى سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس ﴿وسع كرسيه السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ قَالَ مَوضِع الْقَدَمَيْنِ وَلَا يقدر قدر الْعَرْش
стр. 73
قَالَ الْقُرْطُبِيّ كَذَا قَالَ مَوضِع الْقَدَمَيْنِ من غير إِضَافَة
وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ الْكُرْسِيّ مَوضِع الْقَدَمَيْنِ
قَالَ فالسلف لم يفسروا مِثَال هَذَا وَلم يشتغلوا بتأويله مَعَ إعتقادهم أَن الله تَعَالَى غير متبعض وَلَا ذِي حَاجَة
قَالَ يحيى بن معِين شهِدت زَكَرِيَّا بن عدي سَأَلَ وكيعا فَقَالَ يَا أَبَا سُفْيَان هَذِه الْأَحَادِيث يَعْنِي مثل الْكُرْسِيّ مَوضِع الْقَدَمَيْنِ وَنَحْو هَذَا فَقَالَ وَكِيع أدركنا إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد وسُفْيَان ومسعرا يحدثُونَ بِهَذِهِ الْأَحَادِيث وَلَا يفسرون شَيْئا مِنْهَا
وَأما الْخلف فأولوا قَالَ ابْن عَطِيَّة يُرِيد هُوَ من عرش الرَّحْمَن كموضع الْقَدَمَيْنِ فِي أسرة الْمُلُوك فَهُوَ مَخْلُوق عَظِيم بَين يَدي الْعَرْش نسبته إِلَى الْعَرْش كنسبة الْكُرْسِيّ إِلَى سَرِير الْملك
وَقَالَ أَبُو حَيَّان إِنَّه تَعَالَى خَاطب الْخلق فِي تَعْرِيف ذَاته بِمَا اعتادوه فِي مُلُوكهمْ وعظمائهم
وَاعْلَم أَن هَذِه الْأَحَادِيث وَنَحْوهَا تروى كَمَا جَاءَت ويفوض
стр. 74
مَعْنَاهَا إِلَى الله أَو تؤول بِمَا يَلِيق بجلاله سُبْحَانَهُ وَلَا ترد بِمُجَرَّد العناد والمكابرة كَمَا ذكر الْقُرْطُبِيّ قَالَ تَكَلَّمت مَعَ بعض أَصْحَابنَا الْقُضَاة مِمَّن لَهُ علم وبصر بمنية بني خصيب فِيمَا ذكره ابْن عبد البر من قَوْله ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ فَذكرت لَهُ حَدِيث عروج الْمَلَائِكَة بِالروحِ بعد قبضهَا من سَمَاء إِلَى سَمَاء حَتَّى تَنْتَهِي إِلَى السَّمَاء الَّتِي فِيهَا الله فَمَا كَانَ إِلَّا أَن بَادر إِلَى عدم صِحَّته وَلعن رُوَاته فَقلت لَهُ الحَدِيث صَحِيح وَالَّذين رَوَوْهُ لنا هم الَّذين رووا لنا الصَّلَوَات الْخمس وأحكامها فَإِن صدقُوا هُنَاكَ صدقُوا هُنَا وَإِن كذبُوا هُنَاكَ كذبُوا هُنَا وَلَا تحصل الثِّقَة بِأحد مِنْهُم فِيمَا يرويهِ وَمعنى قَوْله إِلَّا السَّمَاء الَّتِي فِيهَا الله أَي أمره وَحكمه وَهِي السَّمَاء السَّابِعَة الَّتِي عِنْدهَا سِدْرَة الْمُنْتَهى إِلَيْهَا يصعد وَيَنْتَهِي مَا يعرج بِهِ من الأَرْض وَمِنْهَا يهْبط مَا ينزل بِهِ مِنْهَا
стр. 75
وكما اعْترض بَعضهم على الْحَنَابِلَة فِي حَدِيث رَوَوْهُ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ اسْتَوَى على الْعَرْش فَمَا يفضل مِنْهُ إِلَّا مِقْدَار أَربع أَصَابِع قَالَ المعترضون للحنابلة وَهَذَا يُوهم دُخُول كمية وإجراء هَذَا مُسْتَحِيل فِي حق الرب إِلَّا على قَول المشبهة والمجسمة الَّذين يثبتون لله ذاتا لَهَا كمية وضخامة وَهَذَا مِمَّا اتفقنا نَحن وَأَنْتُم على تَكْفِير الْقَائِل بِهِ
فَقَالَ الْحَنَابِلَة أما هَذَا الحَدِيث فَنحْن لم نَقله من عِنْد أَنْفُسنَا فقد رَوَاهُ عَامَّة أَئِمَّة الحَدِيث فِي كتبهمْ الَّتِي قصدُوا فِيهَا نقل الْأَخْبَار الصَّحِيحَة وَتَكَلَّمُوا على توثقة رِجَاله وَتَصْحِيح طرقه وَرَوَاهُ من الْأَئِمَّة جمَاعَة أحدهم إمامنا أَحْمد وَأَبُو بكر الْخلال صَاحبه وَابْن بطة وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي كتاب الصِّفَات الَّذِي جمعه وَضبط طرقه وَحفظ عَدَالَة رُوَاته وَهُوَ حَدِيث ثَابت لَا سَبِيل إِلَى دَفعه ورده إِلَّا بطرِيق العناد والمكابرة والتأويل يُمكن فَإِنَّهُ قد يُطلق الْفضل وَالْمرَاد بِهِ الْخُرُوج عَن حد الْوَصْف والإختصاص وَلِهَذَا يُقَال حقق ملك فلَان فَلم يفضل مِنْهُ إِلَّا مِقْدَار جريب بِمَعْنى أَنه لم يدْخل تَحت وصف الإختصاص
стр. 76
بالملكية إِلَّا هَذَا الْمِقْدَار وَحِينَئِذٍ فَيُقَال فَمَا خرج عَن الإختصاص بِوَصْف الإستواء إِلَّا هَذَا الْمِقْدَار وَله تَعَالَى أَن يخص مَا يَشَاء مِنْهُ بِوَصْف الإختصاص دون مَا شَاءَ وَالله أعلم
وَمن الْمُتَشَابه الإستواء فِي قَوْله تَعَالَى ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ وَقَوله ﴿ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ الْأَعْرَاف ٥٤ وَهُوَ مَذْكُور فِي سبع آيَات من الْقُرْآن
فَأَما السّلف فَإِنَّهُم لم يتكلموا فِي ذَلِك بِشَيْء جَريا على عَادَتهم فِي الْمُتَشَابه من عدم الْخَوْض فِيهِ مَعَ تَفْوِيض علمه إِلَى الله تَعَالَى وَالْإِيمَان بِهِ
وروى الإِمَام اللالكائي الْحَافِظ فِي السّنة من طَرِيق قُرَّة ابْن خَالِد عَن الْحسن عَن أمه عَن أم سَلمَة ﵂ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ قَالَت الإستواء مَعْلُوم والكيف مَجْهُول وَالْإِيمَان بِهِ وَاجِب وَالسُّؤَال عَنهُ بِدعَة والبحث عَنهُ كفر
وَهَذَا لَهُ حكم الحَدِيث الْمَرْفُوع لِأَن مثله لَا يُقَال من قبيل الرَّأْي
وَفِي لفظ آخر قَالَت الكيف غير مَعْقُول والإستواء غير مَجْهُول وَالْإِقْرَار بِهِ من الْإِيمَان والجحود بِهِ كفر
стр. 77
وروى أَيْضا عَن ربيعَة بن أبي عبد الرحمن أَنه سُئِلَ عَن قَوْله تَعَالَى ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ فَقَالَ الإستواء غير مَجْهُول والكيف غير مَعْقُول وَمن الله الرسَالَة وعَلى الرَّسُول الْبَلَاغ وعلينا التَّصْدِيق
وروى أَيْضا عَن مَالك أَنه سُئِلَ عَن الْآيَة فَقَالَ الكيف غير مَعْقُول والإستواء غير مَجْهُول والايمان بِهِ وَاجِب وَالسُّؤَال عَنهُ بِدعَة
ويروى عَن الشّعبِيّ أَنه سُئِلَ عَن الإستواء فَقَالَ هَذَا من متشابه الْقُرْآن نؤمن بِهِ وَلَا نتعرض لمعناه
وَعَن الشفاعي أَنه قَالَ لما سُئِلَ عَن الإستواء آمَنت بِلَا تَشْبِيه وصدقت بِلَا تَمْثِيل واتهمت نَفسِي فِي الْإِدْرَاك وَأَمْسَكت عَن الْخَوْض غَايَة الْإِمْسَاك
وَعَن أَحْمد بن حَنْبَل أَنه قَالَ اسْتَوَى كَمَا ذكر لَا كَمَا يخْطر للبشر
وَكَلَام السّلف مستفيض بِمثل هَذَا
وَقد قَالَ كثير من الْمُتَكَلِّمين كَابْن التلمساني وَغَيره أَن معنى قَوْلهم والإستواء مَعْلُوم يَعْنِي أَن محامل الإستواء مَعْلُومَة فِي اللُّغَة بعد نفي الإستقرار من الْقَهْر وَالْغَلَبَة وَالْقَصْد إِلَى خلق شَيْء
стр. 78
فِي الْعَرْش وَنَحْو ذَلِك من محامل الإستواء فَهَذِهِ المحامل مَعْلُومَة فِي اللِّسَان الْعَرَبِيّ والكيف مَجْهُول أَي تعْيين بعض مِنْهَا مرَادا لله مَجْهُول لنا وَالسُّؤَال عَنهُ بِدعَة يَعْنِي أَن تَعْيِينه بطرِيق الظنون بِدعَة فَإِنَّهُ لم يعْهَد عَن الصَّحَابَة التَّصَرُّف فِي أَسمَاء الله وَصِفَاته بالظنون
قلت وَهَذَا التَّفْسِير عِنْدِي غير مرضِي فَإِنَّهُ لَو كَانَ المُرَاد ذَلِك لقَالَ وَالْجَوَاب عَنهُ بِدعَة لِأَن الْمُجيب هُوَ الَّذِي يطْلب مِنْهُ التَّعْيِين وَأما السَّائِل فمجمل وَقَوله والإستواء مَعْلُوم يَعْنِي بإعتبار محامله فِي اللُّغَة وَلَو كَانَ كَذَلِك لقَالَ وَالْمرَاد مَجْهُول
وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ صَرِيح اللَّفْظ أَن المُرَاد بقَوْلهمْ الإستواء مَعْلُوم أَي وَصفه تَعَالَى بِأَنَّهُ على الْعَرْش اسْتَوَى مَعْلُوم بطرِيق الْقطع الثَّابِت بالتواتر فالوقوف على حَقِيقَته أَمر يعود إِلَى الْكَيْفِيَّة وَهُوَ الَّذِي قيل فِيهِ والكيف مَجْهُول والجهالة فِيهِ من جِهَة أَنه لَا سَبِيل لنا إِلَى معرفَة الْكَيْفِيَّة فَإِن الْكَيْفِيَّة تبع للماهية وَقَوْلهمْ وَالسُّؤَال عَنهُ بِدعَة لِأَن الصَّحَابَة لم يسْأَلُوا عَنهُ رَسُول الله ﷺ وَالتَّابِعِينَ لم يسْأَلُوا الصَّحَابَة وَلِأَن جَوَابه يتَضَمَّن الْكَيْفِيَّة وَلِهَذَا قيل فِي الْجَواب لمن دخلت عَلَيْهِم الشُّبْهَة طَالِبين بسؤالهم التكييف والكيف مَجْهُول فَالَّذِي ثَبت نَفْيه بِالشَّرْعِ وَالْعقل واتفاق السّلف إِنَّمَا هُوَ علم الْعباد بالكيفية فَعندهَا تَنْقَطِع الأطماع وَعَن دركها تقصر الْعُقُول بل هِيَ قَاصِرَة عَمَّا هُوَ دون ذَلِك هَذِه الرّوح من الْمَعْلُوم لكل أحد خُرُوجهَا من الْجَسَد وَأَن
стр. 79
الْملك يقبضهَا وَهَذَا الْمَعْلُوم لكل أحد كيفيته مَجْهُولَة لكل أحد بل كَيْفيَّة نزُول الطَّعَام وَالشرَاب إِلَى الْجوف واستقرار كل فِي مَحل وتفريق خاصيته فِي الْجَسَد مَجْهُولَة أَفلا يعْتَبر الْعقل الْقَاصِر بذلك عَن تعلقه بِإِدْرَاك كَيْفيَّة اسْتِوَاء ربه على عَرْشه
وَأما أهل التَّأْوِيل من الْخلف فقد اخْتلفُوا فِي الإستواء على نَحْو الْعشْرين قولا
وَقَالَ الْحَافِظ السُّيُوطِيّ فِي الإتقان وَحَاصِل مَا رَأَيْت فِي ذَلِك سَبْعَة أجوبة
أَحدهَا مَا روى مقَاتل والكلبي عَن ابْن عَبَّاس أَن اسْتَوَى بِمَعْنى اسْتَقر وَهَذَا إِن صَحَّ يحْتَاج إِلَى تَأْوِيل فَإِن الإستقرار مشْعر بالتجسيم
قلت وَلَعَلَّ المُرَاد أَن هَذَا إِنَّمَا هُوَ تَفْسِير لمُجَرّد معنى أصل الإستواء فَإِنَّهُ الإستقرار كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿واستوت على الجودي﴾ هود ٤٤ وَقَوله ﴿فَإِذا استويت أَنْت وَمن مَعَك على الْفلك﴾ الْمُؤْمِنُونَ ٢٨
ثَانِيهَا أَن اسْتَوَى بِمَعْنى استولى
يَعْنِي فالإستواء هُوَ الْقَهْر وَالْغَلَبَة وَمَعْنَاهُ الرَّحْمَن غلب الْعَرْش وقهره يُقَال اسْتَوَى فلَان على النَّاحِيَة إِذا غلب أَهلهَا
стр. 80
وقهرهم قَالَ الشَّاعِر ... قد اسْتَوَى بشر على الْعرَاق ... من غير سيف وَدم مهراق ...
ورد بِوَجْهَيْنِ
أَحدهمَا أَن الله تَعَالَى مستول على الكونين وَالْجنَّة وَالنَّار وأهلهما فَأَي فَائِدَة فِي تَخْصِيص الْعَرْش بِالذكر
وَلَا يَكْفِي فِي الْجَواب أَنه حَيْثُ قهر الْعَرْش على عَظمته واتساعه فَغَيره أولى لِأَن الْأَنْسَب فِي مقَام التمدح بالعظمة التَّعْمِيم بِالذكر لقهره الأكوان الْكُلية بأسرها
ثَانِيهمَا أَن الإستيلاء إِنَّمَا يكون بعد قهره وغلبته وَالله تَعَالَى منزه عَن ذَلِك
وَقد سُئِلَ الْخَلِيل بن أَحْمد إِمَام أهل اللُّغَة والنحو هَل وجدت فِي اللُّغَة اسْتَوَى بِمَعْنى استولى فَقَالَ هَذَا مِمَّا لَا تعرفه الْعَرَب وَلَا هُوَ جَار فِي لغتها سَأَلَهُ عَن ذَلِك بشر المريسي
وَأخرج اللالكائي فِي السّنة عَن ابْن الْأَعرَابِي أَنه سُئِلَ
стр. 81
عَن معنى اسْتَوَى فَقَالَ هُوَ على عَرْشه كَمَا أخبر فَقيل لَهُ يَا أَبَا عبد الله مَعْنَاهُ استولى فَقَالَ اسْكُتْ لَا يُقَال استولى على الشَّيْء إِلَّا إِذا كَانَ لَهُ مضاد فَإِذا غلب أَحدهمَا قيل استولى
وَفِي رِوَايَة أُخْرَى وَالله تَعَالَى لَا مضاد لَهُ فَهُوَ على عَرْشه كَمَا أخبر
ثَالِثهَا أَن الْكَلَام تمّ عِنْد قَوْله ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش﴾ ثمَّ ابْتَدَأَ بقوله ﴿اسْتَوَى لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض﴾ ورد بِأَنَّهُ يزِيل الأية عَن نظمها ومرادها
رَابِعهَا أَن الْوَقْف على على وَالْعرش مُسْتَأْنف
قيل وَهَذَا مِمَّا لَا يَنْبَغِي أَن يحْكى لاستحالته وَبعده عَمَّا نَقله أهل التَّوَاتُر من جر الْعَرْش وَهُوَ قد رَفعه وَلم يرفعهُ أحد من الْقُرَّاء وَقد جعل على فعلا وَهِي هُنَا حرف بِاتِّفَاق وَأَيْضًا فَلَو كَانَت فعلا لكتبت بِالْألف
وَذكر الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن ابْن الْأَعرَابِي صَاحب النَّحْو
стр. 82
قَالَ قَالَ لي أَحْمد بن أبي دَاوُد يَا أَبَا عبد الله يَصح هَذَا فِي اللُّغَة قَالَ قلت يجوز على معنى وَلَا يجوز على معنى إِذا قلت الرَّحْمَن علا من الْعُلُوّ فقد تمّ الْكَلَام ثمَّ قلت الْعَرْش اسْتَوَى يجوز إِن رفعت الْعَرْش لِأَنَّهُ فَاعل وَلَكِن إِذا قلت ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض﴾ فَهُوَ الْعَرْش فَهَذَا كفر
خَامِسهَا أَنه بِمَعْنى صعد قَالَه أَبُو عبيد
ورد بِأَنَّهُ تَعَالَى منزه عَن الصعُود
نعم الإستواء فِي اللُّغَة يُطلق على الْعُلُوّ والإستقرار نَحْو اسْتَوَى على ظهر دَابَّته وعَلى الصعُود نَحْو اسْتَوَى على السَّطْح وعَلى الْقَصْد نَحْو ﴿ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ فصلت ١١ وعَلى الإستيلاء نَحْو اسْتَوَى على الْعرَاق أَي استولى وَظهر وعَلى الإعتدال نَحْو اسْتَوَى الشَّيْء أَي اعتدل وعَلى الإنتهاء نَحْو اسْتَوَى الرجل أَي انْتهى شَأْنه
وَقَالَ بعض الْمُحَقِّقين من متكلمي الْحَنَابِلَة الإستواء يَقع على وَجْهَيْن مَا يتم مَعْنَاهُ بِنَفسِهِ وَمَا يتم بِحرف الْجَرّ
فَالْأول كَقَوْلِه اسْتَوَى النَّبَات واستوى الطَّعَام وَالْمرَاد بِهِ تمّ وكمل وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿وَلما بلغ أشده واستوى﴾
стр. 83
الْقَصَص ١٤ أَي تمّ وكمل
وَالثَّانِي يخْتَلف مَعْنَاهُ باخْتلَاف الْحُرُوف الجارة كَقَوْلِه ﴿ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ وَقَوله ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ واستوى الْأَمر بِرَأْي الْأَمِير واستوت لفُلَان الْحَال واستوى المَاء مَعَ الْخَشَبَة
سادسها أَن معنى اسْتَوَى أقبل على خلق الْعَرْش وَعمد إِلَى خلقه كَقَوْلِه ﴿ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ أَي قصد وَعمد إِلَى خلقهَا قَالَه الْفراء والأشعري وَجَمَاعَة من أهل الْمعَانِي وَقَالَ إِسْمَاعِيل الضَّرِير إِنَّه الصَّوَاب
قَالَ السُّيُوطِيّ ويبعده تعديته ب على وَلَو كَانَ كَمَا ذَكرُوهُ لتعدى ب إِلَى كَمَا فِي قَوْله ﴿ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ انْتهى
قلت وَأَيْضًا فالعرش مَخْلُوق قبل السَّمَوَات وَالْأَرْض كَمَا وَردت بِهِ النُّصُوص وَثمّ للتَّرْتِيب فَكيف عمد إِلَى خلقه بعدهمَا قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿إِن ربكُم الله الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ الْأَعْرَاف ٥٤
سابعها أَنه يحمل على الْقَصْد إِلَى خلق شَيْء فِي الْعَرْش كَمَا صَار إِلَيْهِ الثَّوْريّ
قلت هُوَ قريب لَكِن يردهُ تعديه ب على كَمَا تقدم
ثامنها أَن الإستواء بِمَعْنى الْعُلُوّ بالعضمة والعزة وَأَن صِفَاته
стр. 84
تَعَالَى أرفع من صِفَات الْعَرْش على جلالة قدره
تاسعها أَنه بِمَعْنى قدر على الْعَرْش وَهُوَ قَول الْقَدَرِيَّة وَالْفرق بَينه وَبَين قهر الْعَرْش وغلبه كَمَا مر أَن ذَاك يحصل مِنْهُ صفة فعل وَهُوَ الْقَهْر وَهَذَا يحصل مِنْهُ صفة ذَات وَهِي الْقُدْرَة
عَاشرهَا قَالَ ابْن اللبان الإستواء الْمَنْسُوب إِلَيْهِ تَعَالَى بِمَعْنى اعتدل أَي قَامَ بِالْعَدْلِ كَقَوْلِه ﴿قَائِما بِالْقِسْطِ﴾ آل عمرَان ١٨ فقيامه بِالْقِسْطِ وَالْعدْل هُوَ استواؤه وَيرجع مَعْنَاهُ إِلَى أَنه أعْطى بعزته كل شَيْء خلقه مَوْزُونا بِحِكْمَتِهِ الْبَالِغَة
قلت وَيَردهُ أَنه تعدى ب على ف يَجِيء مَا قَالَه كَمَا مر قَرِيبا
الْحَادِي عشر أَن المُرَاد بالعرش جملَة المملكة
قَالَ الْقُرْطُبِيّ وَهَذَا غير صَحِيح لقَوْله تَعَالَى ﴿وَترى الْمَلَائِكَة حافين من حول الْعَرْش﴾ الزمر ٧٥ وَمَا كَانَ حوله فَهُوَ خَارج عَنهُ وَالْمَلَائِكَة لَيست خَارِجَة عَن جملَة المملكة
الثَّانِي عشر أَن المُرَاد بالإستواء هُوَ انْفِرَاده بِالتَّدْبِيرِ فَإِنَّهُ قد اسْتَوَى لَهُ جَمِيع مَا خلقه لعدم مَا يُشَارِكهُ فِيهِ
стр. 85
قَالَ الْقُرْطُبِيّ وَهَذَا غير صَحِيح لِأَنَّهُ يُقَال انْفَرد بِكَذَا وَلَا يُقَال على كَذَا ثمَّ هُوَ يُؤَدِّي إِلَى أَنه لم يكن مُنْفَردا بِالتَّدْبِيرِ حَتَّى خلق الْعَرْش
قَالَ وَهَذَا فَسَاده يُغني عَن جَوَابه
الثَّالِث عشر أَن اسْتَوَى بِمَعْنى اسْتَوَى عِنْده الْخَلَائق الْقَرِيب والبعيد فصاروا عِنْد سَوَاء نَقله الْكَلْبِيّ عَن ابْن عَبَّاس
قَالَ الْقُرْطُبِيّ وَفِيه ركاكة وَمثله لَا يَلِيق بقول ابْن عَبَّاس وَإِذا كَانَ الاسْتوَاء بِمَعْنى اسْتَوَى الْخَلَائق فَأَي شَيْء الْمَعْنى فِي قَوْله ﴿اسْتَوَى على الْعَرْش﴾
وَقَالَ هُوَ وَغَيره الْكَلْبِيّ كَذَّاب لَا يحْتَج بِشَيْء من رِوَايَته
الرَّابِع عشر أَن الإستواء بِمَعْنى الْعُلُوّ بالغنى عَن الْعَرْش
قَالَ الْقُرْطُبِيّ وَهَذَا فَاسد لِأَن الْعَرَب تَقول اسْتغنى عَن الشَّيْء وَلَا تَقول اسْتغنى على الشَّيْء وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ معنى الإستغناء لَأَدَّى إِلَى أَن يكون إِنَّمَا اسْتغنى بعد خلق الْعَرْش
وَأَيْضًا فَلَيْسَ لتخصيص الْعَرْش بِالذكر فَائِدَة
الْخَامِس عشر أَن الإستواء صفة فعل بِمَعْنى أَنه تَعَالَى فعل فِي الْعَرْش فعلا سمى بِهِ نَفسه مستويا
وَقَالَ بِهَذَا طَائِفَة مِنْهُم الْجُنَيْد والشبلي
السَّادِس عشر أَن اسْتَوَى بِمَعْنى تجلى فالإستواء بِمَعْنى التجلي
стр. 86
وَقَالَ بِهَذَا كثير من مَشَايِخ الصُّوفِيَّة وَقَالُوا قد ثَبت لَهُ سُبْحَانَهُ صفة التجلي بقوله سُبْحَانَهُ ﴿فَلَمَّا تجلى ربه للجبل جعله دكا﴾ الْأَعْرَاف ١٤٣ وَمعنى التجلي هُوَ رفع الْحجاب عَن الْعَرْش الَّذِي كَانَ محجوبا بِهِ وَلم يرْتَفع حجابة جملَة إِذْ لَو ارْتَفع جملَة لتدكدك من هَيْبَة الله تَعَالَى جبل مُوسَى ﵇
قلت وَرُبمَا يرد هَذَا بِأَن الإستواء ذكر فِي سبع مَوَاضِع من الْقُرْآن فَلَو كَانَ المُرَاد بِهِ التجلي لعبر عَنهُ فِي بَعْضهَا بالتجلي كَمَا فِي قَوْله ﴿فَلَمَّا تجلى ربه للجبل﴾
السَّابِع عشر قَول الشَّيْخ أبي الْحسن الْأَشْعَرِيّ حَيْثُ قَالَ أثْبته مستويا على عَرْشه وأنفي كل اسْتِوَاء يُوجب حُدُوثه
قَالَ الْقُرْطُبِيّ فَجعل الإستواء فِي هَذَا القَوْل من مُشكل الْقُرْآن الَّذِي لَا يعلم تَأْوِيله انْتهى
وَقد كَانَت طَائِفَة من الأشعرية يثبتون لَفظه ويمتنعون من تَأْوِيله
الثَّامِن عشر قَول الطَّبَرِيّ وَابْن أبي زيد وَالْقَاضِي عبد الوهاب وَجَمَاعَة من شُيُوخ الحَدِيث وَالْفِقْه وَابْن عبد البر وَالْقَاضِي أبي بكر ابْن الْعَرَبِيّ وَابْن فورك أَنه سُبْحَانَهُ مستو على الْعَرْش بِذَاتِهِ وأطلقوا فِي بعض الْأَمَاكِن فَوق عَرْشه
قَالَ القَاضِي أبوبكر وَهُوَ الصَّحِيح الَّذِي أَقُول بِهِ من غير تَحْدِيد وَلَا تَمْكِين فِي مَكَان وَلَا مماسة
стр. 87
قَالَ ابْن تَيْمِية على الْوَجْه الَّذِي يسْتَحقّهُ سُبْحَانَهُ من الصِّفَات اللأئقة بِهِ
قَالَ فَإِن قَالَ قَائِل لَو كَانَ الله فَوق الْعَرْش للَزِمَ إِمَّا أَن يكون أكبر من الْعَرْش أَو أَصْغَر أَو مُسَاوِيا وَذَلِكَ كُله محَال وَنَحْو ذَلِك من الْكَلَام فَهَذَا لم يفهم من كَون الله على الْعَرْش إِلَّا مَا يثبت للأجسام وَهَذَا اللَّازِم تَابع لهَذَا الْمَفْهُوم
أما اسْتِوَاء يَلِيق بِجلَال الله وَيخْتَص بِهِ فَلَا يلْزمه شَيْء من اللوازم الْبَاطِلَة الَّتِي يجب نَفيهَا كَمَا يلْزم سَائِر الْأَجْسَام
وَصَارَ هَذَا مثل قَول الْقَائِل إِذا كَانَ للْعَالم صانع فإمَّا أَن يكون جوهرا أَو عرضا وَكِلَاهُمَا محَال إِذْ لَا يعقل مَوْجُود إِلَّا كَذَلِك وَقَوله إِذا كَانَ مستويا على الْعَرْش فَهُوَ مماثل لِاسْتِوَاء الْإِنْسَان على السرير والفلك إِذْ لَا يعلم اسْتِوَاء إِلَّا هَكَذَا لِأَن هَذَا الْقَائِل لم يفهم إِلَّا إِثْبَات اسْتِوَاء هُوَ من خَصَائِص المخلوقين
قَالَ وَالْقَوْل الْفَاصِل هُوَ مَا عَلَيْهِ الْأمة الْوسط من أَن الله مستو على عَرْشه اسْتِوَاء يَلِيق بجلاله فَكَمَا أَنه مَوْصُوف بِالْعلمِ وَالْبَصَر وَالْقُدْرَة وَلَا يثبت لذَلِك خَصَائِص الْأَعْرَاض الَّتِي للمخلوقين فَكَذَلِك سُبْحَانَهُ هُوَ فَوق عَرْشه لَا يثبت لفوقيته خَصَائِص فوقية الْمَخْلُوق على الْمَخْلُوق تَعَالَى الله عَن ذَلِك انْتهى
стр. 88
وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ أظهر الْأَقْوَال وَإِن كنت لَا أَقُول بِهِ وَلَا أختاره مَا تظاهرت عَلَيْهِ الْآي وَالْأَخْبَار والفضلاء الأخيار أَن الله سُبْحَانَهُ على عَرْشه كَمَا أخبر فِي كِتَابه بِلَا كَيفَ بَائِن من جَمِيع خلقه هَذَا جملَة مَذْهَب السّلف الصَّالح انْتهى
وَالْعجب من الْقُرْطُبِيّ حَيْثُ يَقُول وَإِن كنت لَا أَقُول بِهِ وَلَا أختاره وَلَعَلَّه خشِي من تَحْرِيف الحسدة فَدفع وهمهم بذلك
وَبِهَذَا قَالَ جمَاعَة من الْحَنَابِلَة لَكِن قَالُوا اسْتَوَى على الْوَجْه الَّذِي يسْتَحقّهُ لذاته مِمَّا لَا يُشَارِكهُ فِيهِ الْمُحدث وَلَا يشابهه وَلَا يماثله وَلَا يدل على إِثْبَات كمية وَلَا صفة كَيْفيَّة بل على الْوَجْه الَّذِي يسْتَحقّهُ الله لنَفسِهِ
قَالُوا وَإِلَى هَذَا الْإِشَارَة فِي حَدِيث أم سَلمَة ﵂ الإستواء مَعْلُوم والكيف مَجْهُول وَالْإِيمَان بِهِ وَاجِب وَالسُّؤَال عِنْد بِدعَة والبحث عَنهُ كفر وَرَضي الله تَعَالَى عَن مَالك بن أنس حَيْثُ قَالَ أوكلما جَاءَنَا رجل أجدل من رجل تركنَا مَا جَاءَ بِهِ جِبْرِيل إِلَى مُحَمَّد ﷺ لجدل هَؤُلَاءِ وكل من هَؤُلَاءِ مخصوم بِمثل مَا خصم بِهِ الآخر فَلم يبْق إِلَّا الرُّجُوع لما قَالَه الله وَرَسُوله وَالتَّسْلِيم لَهما
تَنْبِيه
قَالَ الْكَمَال بن الْهمام الْحَنَفِيّ بعد أَن تكلم على
стр. 89
الإستواء مَا حَاصله وجوب الْإِيمَان بِأَنَّهُ اسْتَوَى على الْعَرْش مَعَ نفي التَّشْبِيه وَأما كَون الإستواء بِمَعْنى الإستيلاء على الْعَرْش مَعَ نفي التَّشْبِيه فَأمر جَائِز الْإِرَادَة إِذْ لَا دَلِيل على إِرَادَته عينا فَالْوَاجِب عينا مَا ذكرنَا لَكِن قَالَ إِذا خيف على الْعَامَّة عدم فهم الإستواء إِلَّا بالإتصال وَنَحْوه من لَوَازِم الجسمية فَلَا بَأْس بِصَرْف فهمهم إِلَى الإستيلاء
قَالَ وعَلى نَحْو مَا ذكر كل مَا ورد مِمَّا ظَاهره الجسمية فِي الشَّاهِد كالإصبع وَالْيَد والقدم فَإِن الإصبع وَالْيَد صفة لَهُ تَعَالَى لَا بِمَعْنى الْجَارِحَة بل على وَجه يَلِيق بِهِ وَهُوَ سُبْحَانَهُ أعلم بِهِ
وَقد تؤول الْيَد والإصبع بِالْقُدْرَةِ والقهر وَقد يؤول الْيَمين فِي قَوْله الْحجر الْأسود يَمِين الله فِي الأَرْض على التشريف وَالْإِكْرَام لما ذكرنَا من صرف فهم الْعَامَّة عَن الجسمية
стр. 90
قَالَ وَهُوَ مُمكن أَن يُرَاد وَلَا يجْزم بإرادته على قَول أَصْحَابنَا أَنه من الْمُتَشَابه وَحكم الْمُتَشَابه انْقِطَاع معرفَة المُرَاد مِنْهُ فِي هَذِه الدَّار وَإِلَّا لَكَانَ قد علم انْتهى كَلَام ابْن الْهمام
بَاب
فِي ذكر الْوَجْه وَالْعين وَالْيَد وَالْيَمِين والأصابع والكف والأنامل وَالصُّورَة والساق وَالرجل والقدم وَالْجنب والحقو وَالنَّفس وَالروح وَنَحْو ذَلِك مِمَّا أضيف إِلَى الله تَعَالَى مِمَّا وَردت بِهِ الْآيَات وَالْأَحَادِيث مِمَّا يُوهم التَّشْبِيه والتجسيم تَعَالَى الله عَن ذَلِك علو كَبِيرا
اعْلَم أَن الله سُبْحَانَهُ مُخَالف لجَمِيع الْحَوَادِث ذَاته لَا تشبه الذوات وَصِفَاته لَا تشبه الصِّفَات لَا يُشبههُ شَيْء من خلقه وَلَا يشبه شَيْئا من الْحَوَادِث بل هُوَ مُنْفَرد عَن جَمِيع الْمَخْلُوقَات لَيْسَ كمثله شَيْء لَا فِي ذَاته وَلَا فِي صِفَاته وَلَا فِي أَفعاله لَهُ الْوُجُود الْمُطلق فَلَا يتَقَيَّد بِزَمَان وَلَا يتخصص بمَكَان والوحدة الْمُطلقَة لقِيَامه بِنَفسِهِ واستقلاله فِي جَمِيع افعاله وكل مَا توهمه قَلْبك أَو سنح فِي مجاري فكرك أَو خطر فِي بالك من حسن أَو بهاء أَو شرف أَو ضِيَاء أَو جمال أَو شبح مماثل أَو شخص متمثل فَالله تَعَالَى بِخِلَاف ذَلِك واقرأ ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ أَلا ترى أَنه لما تجلى للجبل تدكدك لعَظيم هيبته فَكَمَا أَنه لَا يتجلى لشَيْء إِلَى اندك كَذَلِك لَا يتوهمه قلب إِلَّا هلك وَارْضَ لله بِمَا رضيه لنَفسِهِ وقف عِنْد خَبره لنَفسِهِ مُسلما مستسلما مُصدقا بِلَا
стр. 91
مباحثة التنقير وَلَا مقايسة التفكير وَله تَعَالَى صِفَات مُقَدَّسَة طَرِيق إِثْبَاتهَا السّمع فنثبتها وَلَا نعطلها لوُرُود النَّص بهَا وَلَا نكيفها وَلَا نمثلها
وَقد غلت طَائِفَة فِي النَّفْي فعطلته محتجين بِأَن الإشتراك فِي صفة من صِفَات الْإِثْبَات يُوجب الإشتباه فزعموا أَنه سُبْحَانَهُ لَا يُوصف بالوجود بل يُقَال إِنَّه لَيْسَ بمعدوم وَلَا يُوصف بِأَنَّهُ حَيّ وَلَا قَادر وَلَا عَالم بل يُقَال إِنَّه لَيْسَ بميت وَلَا عَاجز ولاجاهل وَهَذَا مَذْهَب أَكثر الفلاسفة والباطنية
وغلت طَائِفَة أُخْرَى فِي الْإِثْبَات فشبهته فأثبتت لَهُ الصُّورَة والجوارح حَتَّى إِن الهشامية من غلاة الرافضة زَعَمُوا كَمَا قَالَ الْقُرْطُبِيّ أَن معبودهم سَبْعَة أشبار بشبر نَفسه وَقَالَت الكرامية إِنَّه جسم
قَالَ وَقد بَالغ بعض أهل الإغواء فَقَالَ إِنَّه على صُورَة الْإِنْسَان ثمَّ اخْتلفُوا فَمنهمْ من قَالَ إِنَّه على صُورَة شيخ أشمط الرَّأْس واللحية وَمِنْهُم من قَالَ إِنَّه على صُورَة شَاب أَمْرَد جعد قطط وَمِنْهُم من قَالَ إِنَّه مركب من لحم وَدم وَمِنْهُم من قَالَ إِنَّه على قدر مَسَافَة الْعَرْش لَا يفضل من أَحدهمَا عَن الْأُخَر شَيْء
تَعَالَى الله عَن أَقْوَالهم علو كَبِيرا وَعَن مثله نهى الله تَعَالَى بقوله ﴿يَا أهل الْكتاب لَا تغلوا فِي دينكُمْ وَلَا تَقولُوا على الله إِلَّا الْحق﴾ النِّسَاء ١٧١
стр. 92
وَقَالَ ابْن تَيْمِية وَأول من قَالَ إِن الله جسم هُوَ هِشَام بن الحكم الرافضي
وَفرْقَة أُخْرَى أَثْبَتَت مَا أثْبته السّمع من نَحْو سميع بَصِير عليم قدير وامتنعت من إِطْلَاق السّمع وَالْبَصَر وَالْعلم وَالْقُدْرَة وهم الْمُعْتَزلَة كَمَا تقدم
وَفرْقَة أُخْرَى أَثْبَتَت الصِّفَات المعنوية من نَحْو السّمع وَالْبَصَر وَالْعلم وَالْقُدْرَة وَالْكَلَام وَهُوَ مَذْهَب جُمْهُور أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَمِنْهُم أَتبَاع أَئِمَّة الْمذَاهب الْأَرْبَعَة
ثمَّ اخْتلفُوا فِيمَا ورد بِهِ السّمع من لفظ الْعين وَالْيَد وَالْوَجْه وَالنَّفس وَالروح
ففرقة أولتها على مَا يَلِيق بِجلَال الله تَعَالَى وهم جُمْهُور الْمُتَكَلِّمين من الْخلف فعدلوا بهَا عَن الظَّاهِر إِلَى مَا بحتمله التَّأْوِيل من الْمجَاز والإتساع خوف توهم التَّشْبِيه والتمثيل
وَفرْقَة أَثْبَتَت مَا أثْبته الله وَرَسُوله مِنْهَا وأجروها على ظواهرها وَنَفَوْا الْكَيْفِيَّة والتشبيه عَنْهَا قائلين إِن إِثْبَات البارئ سُبْحَانَهُ إِنَّمَا هُوَ الْكَيْفِيَّة إِثْبَات وجود بِمَا ذكرنَا لَا إِثْبَات كَيْفيَّة فَكَذَلِك إِثْبَات صِفَاته إِنَّمَا هِيَ إِثْبَات وجود لَا إِثْبَات تَحْدِيد وتكييف فَإِذا قُلْنَا يَد وَوجه وَسمع وبصر فَإِنَّمَا هِيَ صِفَات أثبتها الله لنَفسِهِ فَلَا نقُول إِن معنى الْيَد الْقُوَّة وَالنعْمَة وَلَا معنى السّمع وَالْبَصَر الْعلم وَلَا نقُول إِنَّهَا جوارح
стр. 93
وَهَذَا الْمَذْهَب هُوَ الَّذِي نقل الْخطابِيّ وَغَيره أَنه مَذْهَب السّلف وَمِنْهُم الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَبِهَذَا الْمَذْهَب قَالَ الْحَنَفِيَّة والحنابلة وَكثير من الشَّافِعِيَّة وَغَيرهم وَهُوَ إِجْرَاء آيَات الصِّفَات وأحاديثها على ظَاهرهَا مَعَ نفي الْكَيْفِيَّة والتشبيه عَنْهَا محتجين بِأَن الْكَلَام فِي الصِّفَات فرع عَن الْكَلَام فِي الذَّات فَإِذا كَانَ إِثْبَات الذَّات إِثْبَات وجود لَا إِثْبَات تكييف فَكَذَلِك إِثْبَات صِفَاته إِنَّمَا هِيَ إِثْبَات وجود لَا إِثْبَات تَحْدِيد وتكييف
وَقَالُوا إِنَّا لَا نلتفت فِي ذَلِك إِلَى تَأْوِيل لسنا مِنْهُ على ثِقَة ويقين لإحتمال أَن يكون المُرَاد غَيره لِأَن التَّأْوِيل إِنَّمَا هُوَ أَمر مَأْخُوذ بطرِيق الظَّن والتجويز لَا على سَبِيل الْقطع وَالتَّحْقِيق فَلَا يجوز أَن يبْنى الإعتقاد على أُمُور مظنونة ويعرض عَن مَا ثَبت بِالْقطعِ وَالنَّص وَهَذَا مَذْمُوم عِنْد السّلف
قَالَ القَاضِي أَبُو يعلى فِي كتاب إبِْطَال التَّأْوِيل لَا يجوز رد هَذِه الْأَخْبَار وَلَا التشاغل بتأويلها وَالْوَاجِب حملهَا على ظَاهرهَا وَأَنَّهَا صِفَات لله لَا تشبه صِفَات الْخلق وَلَا نعتقد التَّشْبِيه فِيهَا لَكِن على مَا رُوِيَ عَن الإِمَام أَحْمد وَسَائِر الْأَئِمَّة وَذكر بعض كَلَام الزُّهْرِيّ وَمَكْحُول وَمَالك وَالثَّوْري وَاللَّيْث وَحَمَّاد بن زيد وَحَمَّاد بن سَلمَة وَابْن عُيَيْنَة والفضيل بن عِيَاض ووكيع وعبد الرحمان بن مهْدي وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَأبي عبيد وَمُحَمّد بن جرير الطَّبَرِيّ وَغَيرهم فِي هَذَا الْبَاب وَفِي حِكَايَة ألفاظهم طول إِلَى أَن قَالَ وَيدل على إبِْطَال التَّأْوِيل أَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ حملوها على ظواهرها وَلم يتَعَرَّضُوا لتأويلها وَلَا صرفهَا عَن ظَاهرهَا فَلَو كَانَ التَّأْوِيل سائغا لكانوا إِلَيْهِ أسبق لما فِيهِ من
стр. 94
إِزَالَة التَّشْبِيه وَرفع الشُّبْهَة انْتهى
وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ قَالَ الإِمَام التِّرْمِذِيّ بعد ذكره حَدِيث مَا تصدق أحد بِصَدقَة إِلَّا أَخذهَا الرحمان بِيَمِينِهِ وَقد قَالَ غير وَاحِد من أهل الْعلم فِي هَذَا الحَدِيث وَمَا أشبه هَذَا من الرِّوَايَات من الصِّفَات ونزول الرب ﵎ كل لَيْلَة إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا نثبت الرِّوَايَات فِي هَذَا ونؤمن بهَا وَلَا نتوهم وَلَا يُقَال كَيفَ هَكَذَا رُوِيَ عَن مَالك بن أنس وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وعبد الله بن الْمُبَارك وَهَذَا وَقَول أهل الْعلم من أهل السّنة والجماة وَأما الْجَهْمِية فأنكرت هَذِه الرِّوَايَات وَقَالُوا هَذَا تَشْبِيه وَقد ذكر الله تَعَالَى فِي غير مَوضِع من كِتَابه الْيَد وَنَحْوهَا فتأولت الْجَهْمِية هَذِه الْآيَات وفسروها على غير مَا فسر أهل الْعلم فَقَالُوا إِن الله لم يخلق آدم بِيَدِهِ وَقَالُوا معنى الْيَد هَا هُنَا الْقُدْرَة
قَالَ الْخطابِيّ إِنَّهَا لَيست بجوارح وَلَا أَعْضَاء وَلَا أَجزَاء
стр. 95
وَلكنهَا صِفَات لَا كَيْفيَّة لَهَا وَلَا تتأول فَيُقَال معنى الْيَد النِّعْمَة أَو الْقُوَّة وَمعنى السّمع وَالْبَصَر الْعلم وَمعنى الْوَجْه الذَّات على مَا ذهب إِلَيْهِ نفات الصِّفَات
وَقَالَ ابْن عبد البر أهل السّنة مجمعون على الْإِقْرَار بِالصِّفَاتِ الْوَارِدَة كلهَا فِي الْقُرْآن وَالسّنة وَالْإِيمَان بهَا وَحملهَا على الْحَقِيقَة لَا الْمجَاز إِلَّا أَنهم لَا يكيفون شَيْئا من ذَلِك وَلَا يحدون فِيهِ صفة مَخْصُوصَة
وَأما أهل الْبدع الْجَهْمِية والمعتزلة كلهَا والخوارج فكلهم ينكرها وَلَا يحمل شَيْئا مِنْهَا على الْحَقِيقَة ويزعمون أَن من أقرّ بهَا مشبه وهم عِنْد من أقرّ بهَا نافون للمعبود
وَالْحق فِيمَا قَالَه الْقَائِلُونَ بِمَا نطق بِهِ كتاب الله وَسنة رَسُوله وهم أَئِمَّة الْجَمَاعَة انْتهى كَلَام الْحَافِظ ابْن عبد البر إِمَام أهل الْمغرب فِي عصره
وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ قَالَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم إِنَّمَا يكون التَّشْبِيه إِذا قَالَ يَد كيد أَو مثل يَد أَو سمع كسمع أَو مثل سمع فَإِذا قَالَ سمع كسمع أَو مثل سمع فَهَذَا التَّشْبِيه وَأما إِذا قَالَ لله تَعَالَى يَد وَسمع وبصر وَلَا يَقُول كيد وَلَا مثل سمع وَلَا كسمع فَهَذَا لَا يكون تَشْبِيها وَهُوَ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير﴾ الشورى ١١
стр. 96
وروى حَرْمَلَة بن يحيى قَالَ سَمِعت عبد الله بن وهب يَقُول سَمِعت مَالك بن أنس يَقُول من وصف شَيْئا من ذَات الله تَعَالَى مثل قَوْله ﴿وَقَالَت الْيَهُود يَد الله مغلولة﴾ الْمَائِدَة ٦٤ فَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى عُنُقه قطعت وَمثل قَوْله ﴿وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير﴾ فَأَشَارَ إِلَى عَيْنَيْهِ أَو أُذُنَيْهِ أَو شَيْء من بدنه قطع ذَلِك مِنْهُ لِأَنَّهُ شبه الله تَعَالَى بِنَفسِهِ
وَقَالَ بعض الْمُحَقِّقين إِن صِفَات الرب تَعَالَى مَعْلُومَة من حَيْثُ الْجُمْلَة والثبوت غير معقولة من حَيْثُ التكييف والتحديد فَيكون الْمُؤمن بهَا مبصرا من وَجه أعمى من وَجه مبصرا من حَيْثُ الْإِثْبَات والوجود أعمى من حَيْثُ التكييف والتحديد
قَالَ وَلِهَذَا يحصل الْجمع بَين الْإِثْبَات لما وصف الله بِهِ نَفسه وَبَين نفي التحريف والتشبيه وَالْوُقُوف وَذَلِكَ هُوَ مُرَاد الرب منا فِي إبراز صِفَاته لنا لنعرفه بهَا ونؤمن بحقائقها وننفي عَنْهَا التَّشْبِيه وَلَا نعطلها بالتحريف والتأويل وانْتهى
قَالَ الْخطابِيّ فَإِن قيل كَيفَ يَصح الْإِيمَان بِمَا لَا نحيط علما بحقيقته أَو كَيفَ نتعاطى وَصفا بِشَيْء لَا دَرك لَهُ فِي عقولنا
قيل لَهُ إِن إيمَاننَا صَحِيح بِحَق مَا كلفناه مِنْهَا وَعلمنَا يُحِيط بِالْأَمر الَّذِي ألزمناه فِيهَا وَإِن لم نَعْرِف لماهيتها حَقِيقَة وَكَيْفِيَّة وَقد أمرنَا أَن نؤمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَالْيَوْم الآخر وَالْجنَّة وَنَعِيمهَا وَالنَّار وأليم عَذَابهَا وعقابها وَمَعْلُوم أَنا لَا نحيط بِكُل شَيْء مِنْهَا على التَّفْصِيل وَإِنَّمَا كلفنا الْإِيمَان بهَا جملَة أَلا ترى أَنا نعلم عدد أَسمَاء الْأَنْبِيَاء وَكثير من الْمَلَائِكَة وَلَا نحيط
стр. 97
بصفاتهم وَلَا نعلم خَواص معانيهم وَلم يكن ذَلِك قادحا فِي إيمَاننَا بِمَا أمرنَا أَن نؤمن بِهِ من أَمرهم وَقد حجب عَنَّا علم الرّوح وَمَعْرِفَة كيفيته مَعَ علمنَا بِأَنَّهُ آلَة التَّمْيِيز وَبِه تدْرك المعارف وَهَذِه كلهَا مخلوقة لله فَمَا ظَنك بِصِفَات رب الْعَالمين سُبْحَانَهُ
إِذا تقرر هَذَا فَمن الْمُتَشَابه الْوَجْه فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَيبقى وَجه رَبك﴾ الرَّحْمَن ٢٧ وَقَوله ﴿فأينما توَلّوا فثم وَجه الله﴾ الْبَقَرَة ١١٥ وَقَوله ﴿إِنَّمَا نطعمكم لوجه الله﴾ الْإِنْسَان ٩
وَفِي الحَدِيث من بنى مَسْجِدا يَبْتَغِي بِهِ وَجه الله
وَفِي حَدِيث آخر أعوذ بِوَجْهِك وَالْأَحَادِيث كَثِيرَة
وتأويله عِنْد أهل التَّأْوِيل أَن المُرَاد بِالْوَجْهِ الذَّات المقدسة فَأَما صفة زَائِدَة على الذَّات فَلَا وَهُوَ قَول الْمُعْتَزلَة وَجُمْهُور الْمُتَكَلِّمين
ويروى عَن ابْن عَبَّاس الْوَجْه عبارَة عَنهُ كَمَا قَالَ ﴿وَيبقى وَجه رَبك﴾
وَقَالَ ابْن فورك قد تذكر صفة الشَّيْء وَالْمرَاد بِهِ الْمَوْصُوف
стр. 98
توسعا كَمَا يَقُول الْقَائِل رَأَيْت علم فلَان وَنظرت إِلَى علمه وَالْمرَاد بذلك نظرت إِلَى الْعَالم
وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ قَالَ الحذاق الْوَجْه رَاجِح إِلَى الْوُجُود والعبارة عَنهُ بِالْوَجْهِ من مجَاز الْكَلَام إِذْ كَانَ الْوَجْه أظهر الْأَعْضَاء فِي الْمُشَاهدَة
وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي وَأما الْوَجْه فَالْمُرَاد بِهِ وجود البارئ تَعَالَى عِنْد مُعظم أَئِمَّتنَا وَالدَّلِيل على ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وَيبقى وَجه رَبك﴾ والموصوف بِالْبَقَاءِ عِنْد تعرض الْخلق للفناء هُوَ وجود البارئ تَعَالَى
وَقَوله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا نطعمكم لوجه الله﴾ المُرَاد بِهِ لله الَّذِي لَهُ الْوَجْه أَي الْوُجُود
وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿إِلَّا ابْتِغَاء وَجه ربه الْأَعْلَى﴾ اللَّيْل ٢٠ أَي الَّذِي لَهُ الْوَجْه
وَقيل فِي قَوْله ﴿فأينما توَلّوا فثم وَجه الله﴾ أَي فثم رضَا الله وثوابه و ﴿إِنَّمَا نطعمكم لوجه الله﴾ أَي لرضاه وَطلب ثَوَابه وَمِنْه من بنى مَسْجِدا يَبْتَغِي بِهِ وَجه الله
وَقيل المُرَاد فثم الله وَالْوَجْه صلَة أَو الْوَجْه عبارَة عَن الذَّات أَي فثم ذَاته بِمَعْنى الْحُصُول العلمي أَي فَعلمه مَعكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُم
стр. 99
وَقيل المُرَاد بِالْوَجْهِ الْجِهَة الَّتِي وجهنا الله إِلَيْهَا أَي الْقبْلَة
وَحكى الْمُزنِيّ عَن الشَّافِعِي ﴿فأينما توَلّوا فثم وَجه الله﴾ أَي فثم الْوَجْه الَّذِي وجهكم إِلَيّ أَي فهناك جِهَته وقبلته الَّتِي أَمر بهَا
وَمذهب السّلف أَن الْوَجْه صفة ثَابِتَة لله ورد بهَا السّمع فتتلقى بِالْقبُولِ
وَيبْطل مَذْهَب أهل التَّأْوِيل مَا قَالَه الْبَيْهَقِيّ والخطابي فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَيبقى وَجه رَبك ذُو الْجلَال﴾ فأضاف الْوَجْه إِلَى الذَّات وأضاف النَّعْت إِلَى الْوَجْه فَقَالَ ﴿ذُو الْجلَال﴾ وَلَو كَانَ ذكر الْوَجْه صلَة وَلم يكن صفة للذات لقَالَ ذِي الْجلَال فَلَمَّا قَالَ ﴿ذُو الْجلَال﴾ علمنَا أَنه نعت للْوَجْه وَأَن الْوَجْه صفة للذات
وَقَالَت الْحَنَابِلَة لتأييد مَذْهَب السّلف إِنَّه قد ثَبت فِي الْخطاب الْعَرَبِيّ الَّذِي أجمع عَلَيْهِ أهل اللُّغَة أَن تَسْمِيَة الْوَجْه فِي أَي مَحل وَقع من الْحَقِيقَة وَالْمجَاز يزِيد على قَوْلنَا ذَات فَأَما فِي الْحَيَوَان فَذَلِك مَشْهُور حَقِيقَة وَلَا يُمكن دَفعه وَأما فِي مقامات الْمجَاز فَكَذَلِك أَيْضا لِأَنَّهُ يُقَال فلَان وَجه الْقَوْم لَا يُرَاد بِهِ ذَوَات الْقَوْم إِذْ ذَوَات الْقَوْم غَيره قطعا وَيُقَال هَذَا وَجه الثَّوْب لما هُوَ أجوده وَيُقَال هَذَا وَجه الرَّأْي أَي أَصَحه وأقومه وأتيت بالْخبر على وَجهه أَي على حَقِيقَته إِلَى غير ذَلِك مِمَّا
стр. 100
يُقَال فِيهِ الْوَجْه
فَإِذا كَانَ هَذَا هُوَ المستقر فِي اللُّغَة وَجب أَن يحمل الْوَجْه فِي حق البارئ على وَجه يَلِيق بِهِ صفة زَائِدَة على تَسْمِيَة قَوْلنَا ذَات
فَإِن قيل يلْزم أَن يكون عضوا وجارحة ذَات كمية وَكَيْفِيَّة وَهُوَ بَاطِل
فَالْجَوَاب مَا قَالُوهُ إِن هَذَا لَا يلْزم لِأَن مَا ذكره الْمُعْتَرض ثَبت بِالْإِضَافَة إِلَى الذَّات فِي حق الْحَيَوَان الْمُحدث لَا من خصيصة صفة الْوَجْه وَلَكِن من جِهَة نِسْبَة الْوَجْه إِلَى جملَة الذَّات فِيمَا ثَبت للذات من الْمَاهِيّة المركبة وَذَلِكَ أَمر أدركناه بالحس فِي جملَة الذَّات فَكَانَت الصِّفَات مُسَاوِيَة للذات بطرِيق أَنَّهَا مِنْهَا ومنتسبة إِلَيْهَا نِسْبَة الْجُزْء من الْكل
فَأَما الْوَجْه الْمُضَاف للبارئ سُبْحَانَهُ فَإنَّا ننسبه إِلَيْهِ فِي نَفسه نِسْبَة الذَّات إِلَيْهِ
وَقد ثَبت أَن الذَّات فِي حق البارئ لَا تُوصَف بِأَنَّهَا جسم مركب تدخله الكمية وتتسلط عَلَيْهَا الْكَيْفِيَّة وَلَا نعلم لَهَا مَاهِيَّة فصفته الَّتِي هِيَ الْوَجْه كَذَلِك لَا يُوصل لَهَا إِلَى مَا هية وَلَا يُوقف لَهَا على كَيْفيَّة وَلَا تدْخلهَا التجزئة الْمَأْخُوذَة من الكمية لِأَن هَذِه إِنَّمَا هِيَ صِفَات الْجَوَاهِر المركبة أجساما وَالله منزه عَن ذَلِك وَلَو جَازَ هَذَا الإعتراض فِي الْوَجْه لقيل مثله فِي السّمع وَالْبَصَر وَالْعلم فَإِن الْعلم فِي الشَّاهِد عرض قَائِم بقلب يثبت بطرِيق ضَرُورَة أَو اكْتِسَاب وَذَلِكَ غير لَازم فِي حق البارئ لِأَنَّهُ مُخَالف للشَّاهِد
стр. 101
فِي الذاتية وَغير مشارك لَهَا فِي إِثْبَات مَاهِيَّة أَو كمية أَو كَيْفيَّة
وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو الْحسن الْأَشْعَرِيّ إِن الله على عَرْشه كَمَا قَالَ ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ وَإِن لَهُ يدين بِلَا كَيفَ كَمَا قَالَ ﴿خلقت بيَدي﴾ ص ٧٥ وَإِن لَهُ عينين بِلَا كَيفَ كَمَا قَالَ ﴿تجْرِي بأعيننا﴾ الْقَمَر ١٤ وَإِن لَهُ وَجها بِلَا كَيفَ كَمَا قَالَ ﴿وَيبقى وَجه رَبك﴾ وَإنَّهُ يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة هُوَ وَمَلَائِكَته كَمَا قَالَ ﴿وَجَاء رَبك وَالْملك صفا صفا﴾ الْفجْر ٢٢ وَإنَّهُ يقرب من عباده كَيفَ شَاءَ كَمَا قَالَ ﴿وَنحن أقرب إِلَيْهِ من حَبل الوريد﴾ وندين أَنه يقلب الْقُلُوب بَين إِصْبَعَيْنِ من أَصَابِعه وَأَنه يضع السَّمَاوَات على إِصْبَع وَالْأَرضين على إِصْبَع كَمَا جَاءَت بِهِ الرِّوَايَة إِلَى أَن قَالَ ونصدق بِجَمِيعِ الرِّوَايَات الَّتِي يثبتها أهل النَّقْل من النُّزُول إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا وَأطَال الْكَلَام فِي هَذَا وَأَمْثَاله فِي كِتَابه الَّذِي سَمَّاهُ الْإِبَانَة فِي أصُول الدّيانَة وَقد ذكر أَصْحَابه أَنه آخر كتاب صنفه وَعَلِيهِ يعتمدون فِي الذب عَنهُ عِنْد من يطعن عَلَيْهِ
وَقَالَ القَاضِي ابْن الباقلاني فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا الدَّلِيل على أَن لله وَجها ويدا قيل لَهُ قَوْله ﴿وَيبقى وَجه رَبك﴾ وَقَوله ﴿لما خلقت بيَدي﴾ فَأثْبت لنَفسِهِ وَجها ويدا
وَقد تقدم كَلَام الإِمَام أبي حنيفَة ﵀ حَيْثُ قَالَ
стр. 102
وَله تَعَالَى وَجه وَيَد وَنَفس فَمَا ذكر الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن من ذكر الْوَجْه وَالْيَد وَالنَّفس فَهُوَ لَهُ صِفَات بِلَا كَيفَ وَلَا يُقَال إِن يَده قدرته أَو نعْمَته لِأَن فِيهِ إبِْطَال الصّفة وَهُوَ قَول أهل الْقدر والإعتزال إِلَى آخر مَا قَالَ كَمَا تقدم
تَنْبِيه
روى مُسلم وَابْن ماجة حَدِيث إِن الله لَا ينَام وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَن ينَام حجابه النُّور لَو كشفه لأحرقت سبحات وَجهه مَا انْتهى إِلَيْهِ بَصَره من خلقه
قَالَ النوري مَعْنَاهُ الْإِخْبَار أَنه تَعَالَى لَا ينَام وَأَنه مُسْتَحِيل فِي حَقه النّوم فَإِن النّوم انغمار وَغَلَبَة على الْعقل يسْقط بِهِ الإحساس وَالله منزه عَن ذَلِك وسبحات وَجهه نوره وجلاله وبهاؤه بِضَم السِّين وَالْبَاء
وَقيل سبحات الْوَجْه محاسنه لِأَنَّهُ يُقَال سُبْحَانَ الله عِنْد رؤيتها
والحجاب أَصله فِي اللُّغَة الْمَنْع والستر وَهُوَ إِنَّمَا يكون للأجساد وَالله منزه عَن ذَلِك
стр. 103
وَالْمرَاد هُنَا الْمَانِع من رُؤْيَته وسمى ذَلِك الْمَانِع نور لِأَنَّهُ يمْنَع فِي الْعَادة من الْإِدْرَاك كشعاع الشَّمْس وَالْمرَاد بِالْوَجْهِ الذَّات وَالْمرَاد بِمَا انْتهى إِلَيْهِ بَصَره جَمِيع الْمَخْلُوقَات لِأَن بَصَره سُبْحَانَهُ مُحِيط بِجَمِيعِ الكائنات وَالتَّقْدِير لَو زَالَ الْمَانِع من رُؤْيَته وَهُوَ الْحجاب الْمُسَمّى نورا وتجلى لخلقه لأحرق جلال ذَاته جَمِيع مخلوقاته لكنه محتجب عَن الْخلق بأنوار عزه وجلاله
وَقيل الْحجاب الْمَذْكُور فِي هَذَا الحَدِيث وَغَيره يرجع إِلَى الْخلق لأَنهم هم المحجوبون عَنهُ فالحجاب رَاجع إِلَى منع الإبصار من الْإِصَابَة بِالرُّؤْيَةِ فَلَو كشف الْحجاب الَّذِي على أعين النَّاس وَلم يثبتهم لرُؤْيَته لَاحْتَرَقُوا من جَلَاله وهيبته كَمَا خر مُوسَى صعقا وتقطع الْجَبَل دكا حِين تجلى سُبْحَانَهُ لَهُ
وَمن الْمُتَشَابه الْعين فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ولتصنع على عَيْني﴾ طه ٣٩ وَقَوله ﴿فَإنَّك بأعيننا﴾ الطّور ٤٨ وَقَوله ﴿تجْرِي بأعيننا﴾ الْقَمَر ١٤
وتأويله أَن المُرَاد ﴿تجْرِي بأعيننا﴾ أَي بمرأى منا أَي وَنحن نرَاهَا أَو أَن المُرَاد بأعيننا أَي بحفظنا وكلاءتنا أَو أَن المُرَاد بِهِ أعين المَاء أَي تجْرِي بأعين خلقناها وفجرناها فَهِيَ إِضَافَة ملك لَا إِضَافَة صفة ذاتية وَالْمرَاد تجْرِي بأوليائنا وَخيَار خلقنَا
стр. 104
وَقَوله ﴿ولتصنع على عَيْني﴾ أَي تربى وتغذى على مرأى مني وَكَذَا ﴿فَإنَّك بأعيننا﴾ أَي بمرأى منا وَفِي حفظنا كَقَوْلِهِم أَنْت بِعَين الله أَي فِي حفظه
وَقَالَ بَعضهم الْعين مؤولة بالبصر والإدراك بل قيل إِنَّهَا حَقِيقَة فِي ذَلِك خلافًا لتوهم بعض النَّاس أَنا مجَاز قَالَ وَإِنَّمَا الْمجَاز فِي تَسْمِيَة الْعُضْو بهَا
وَمذهب السّلف إِثْبَات ذَلِك صفة لَهُ تَعَالَى لحَدِيث البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا حِين ذكر الدَّجَّال عِنْد النَّبِي ﷺ فَقَالَ إِن الله لَا يخفى عَلَيْكُم إِن الله لَيْسَ بأعور وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى عَيْنَيْهِ الحَدِيث
قَالَ الْقُرْطُبِيّ قَالَ الْعلمَاء مِنْهُم الْبَيْهَقِيّ وَفِي هَذَا نفي نقص العور عَن الله تَعَالَى وَإِثْبَات الْعين لَهُ صفة وعرفنا بقوله تَعَالَى ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ أَنَّهَا لَيست بحدقة وَأَن الْوَجْه لَيْسَ بِصُورَة وَأَنَّهَا صفة ذَات انْتهى
وَقَالَت الْحَنَابِلَة قد ورد السّمع بِإِثْبَات صفة لَهُ تَعَالَى وَهِي الْعين تجْرِي مجْرى السّمع وَالْبَصَر وَلَيْسَ المُرَاد إِثْبَات عين هِيَ حدقة ماهيتها شحمة لِأَن هَذِه الْعين من جسم مُحدث وَأما الْعين الَّتِي وصف بهَا البارئ فَهِيَ مُنَاسبَة لذاته فِي كَونهَا غير
стр. 105
جسم وَلَا جَوْهَر وَلَا عرض وَلَا يعرف لَهَا مَاهِيَّة وَلَا كَيْفيَّة قَالُوا وَقد امْتنعت الْمُعْتَزلَة والأشعرية من أَن يُقَال لله عين فَأَما الْمُعْتَزلَة فيقوى ذَلِك عِنْدهم لأَنهم لَا يَقُولُونَ سميع بسمع بَصِير ببصر بل يَقُولُونَ بَصِير لذاته سميع لذاته وَأما الأشعرية فيضعف هَذَا على قَوْلهم لأَنهم يوافقون على أَنه بَصِير ببصر سميع بسمع وَإِنَّمَا امْتَنعُوا من تَسْمِيَة عين لما استوحشوا من معنى الْعين فِي الشَّاهِد فقاوا بالتأويلات وَمن الْفَاسِد قِيَاس الْغَائِب على الشَّاهِد
وَمن الْمُتَشَابه الْيَد فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَد الله فَوق أَيْديهم﴾ الْفَتْح ١٠ ﴿لما خلقت بيَدي﴾ ص ٧٥ ﴿بل يَدَاهُ مبسوطتان﴾ الْمَائِدَة ٦٤ ﴿مِمَّا عملت أَيْدِينَا﴾ يس ٧١ ﴿قل إِن الْفضل بيد الله﴾ آل عمرَان ٧٣
وتأويله أَن المُرَاد بِالْيَدِ الْقُدْرَة
وَقَالَ الْأَشْعَرِيّ الْيَد صفة ورد بهَا الشَّرْع وَالَّذِي يلوح من معنى هَذِه الصّفة أَنَّهَا قريبَة من معنى الْقُدْرَة إِلَّا أَنَّهَا أخص وَالْقُدْرَة أَعم كالمحبة مَعَ الْإِرَادَة والمشيئة فَإِن فِي الْيَد تَشْرِيفًا لَازِما
وَذَهَبت الْمُعْتَزلَة وَطَائِفَة من الأشعرية إِلَى أَن المُرَاد باليدين فِي قَوْله ﴿لما خلقت بيَدي﴾ معنى النعمتين وَطَائِفَة من الأشعرية أَن المُرَاد باليدين هُنَا الْقُدْرَة لِأَن الْيَد فِي اللُّغَة عبارَة عَن الْقُدْرَة كَقَوْلِه
стр. 106
. فَقُمْت وَمَالِي بالأمور يدان ...
ويحقق هَذَا ويوضحه أَن الْخلق من جِهَة الله إِنَّمَا هُوَ مُضَاف إِلَى قدرته لَا إِلَى يَده وَلِهَذَا يسْتَقلّ فِي إِيجَاد الْخلق بقدرته ويستغني عَن يَد وَآلَة يفعل بهَا مَعَ قدرته
وَقَوله ﴿بل يَدَاهُ مبسوطتان﴾ الْمَائِدَة ٦٤ ثنى الْيَد مُبَالغَة فِي الرَّد على الْيَهُود وَنفي الْبُخْل عَنهُ وإثباتا لغاية الْجُود فَإِن غَايَة مَا يبذله السخي من مَاله أَن يُعْطِيهِ بيدَيْهِ وتنبيها على منح الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
أَو المُرَاد بالتثينة بِاعْتِبَار نعْمَة الدُّنْيَا ونعمة الْآخِرَة
أَو بِاعْتِبَار قُوَّة الثَّوَاب وَقُوَّة الْعقَاب
وَمذهب السّلف والحنابلة أَن المُرَاد إِثْبَات صفتين ذاتيتين تسميان يدين يزيدان على النِّعْمَة وَالْقُدْرَة محتجين بِأَن الله تَعَالَى أثبت لآدَم من المزية والإختصاص مَا لم يثبت مثله لإبليس بقوله ﴿لما خلقت بيَدي﴾ ص ٧٥ وَإِلَّا فَكَانَ إِبْلِيس يَقُول وَأَنا أَيْضا خلقتني بيديك فَلَا مزية لآدَم وَلَا تشريف
فَإِن قيل إِنَّمَا أضيف ذَلِك إِلَى آدم ليوجب لَهُ تَشْرِيفًا وتظيما على إِبْلِيس وَمُجَرَّد النِّسْبَة فِي ذَلِك كَافِي فِي التشريف كناقة الله وَبَيت الله فَهَذَا كَاف فِي التشريف وَإِن كَانَت النوق والبيوت كلهَا لله
فَالْجَوَاب مَا قَالُوهُ أَن التشريف بِالنِّسْبَةِ إِذا تجردت عَن إِضَافَة إِلَى صفة اقْتضى مُجَرّد التشريف فَأَما النِّسْبَة إِذا اقترنت بِذكر صفة أوجب ذَلِك إِثْبَات الصّفة الَّتِي لولاها مَا تمت النِّسْبَة فَإِن قَوْلنَا خلق الله الْخلق بقدرته لما نسب الْفِعْل إِلَى تعلقه بِصفة
стр. 107
الله اقْتضى ذَلِك إِثْبَات الصّفة وَكَذَا أحَاط بالخلق بِعِلْمِهِ يَقْتَضِي إحاطة بِصفة هِيَ الْعلم فَكَذَلِك هُنَا لما كَانَ ذكر التَّخْصِيص مُضَافا إِلَى صفة وَجب إِثْبَات تِلْكَ الصّفة على وَجه يَلِيق بِهِ سُبْحَانَهُ لَا بِمَعْنى الْعُضْو والجارحة والجسمية والبعضية والكمية والكيفية تَعَالَى الله عَن ذَلِك
وَأَيْضًا فَلَو أَرَادَ بِالْيَدِ النِّعْمَة لقَالَ لما خلقت ليدي لِأَنَّهُ خلق لنعمة لَا بِنِعْمَة
وَأَيْضًا فقدرة الله وَاحِدَة لَا تدْخلهَا التَّثْنِيَة وَالْجمع
وَقَالَ الْبَغَوِيّ فِي قَوْله بيَدي فِي تَحْقِيق الله التَّثْنِيَة فِي الْيَد دَلِيل على أَنَّهَا لَيست بِمَعْنى الْقُدْرَة وَالْقُوَّة وَالنعْمَة وأنهما صفتان من صِفَات ذَاته
وَقَالَ ابْن اللبان فَإِن قلت فَمَا حَقِيقَة الْيَدَيْنِ فِي خلق آدم قلت الله أعلم بِمَا أَرَادَ قَالَ وَالَّذِي يظْهر أَن الْيَدَيْنِ اسْتِعَارَة لنُور قدرته الْقَائِم بِصفة فَضله وَصفَة عدله
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي كتاب الْأَسْمَاء وَالصِّفَات بَاب مَا جَاءَ فِي إِثْبَات الْيَدَيْنِ صفتين لَا من حَيْثُ الْجَارِحَة قَالَ الله ﴿يَا إِبْلِيس مَا مَنعك أَن تسْجد لما خلقت بيَدي﴾ ص ٧٥ وَقَالَ ﴿بل يَدَاهُ مبسوطتان﴾ الْمَائِدَة ٦٤ وَذكر الْأَحَادِيث الصِّحَاح فِي ذَلِك
стр. 108
كَحَدِيث يَا آدم أَنْت أَبُو الْبشر خلقك الله بِيَدِهِ وَحَدِيث أَنْت مُوسَى اصطفاك الله بِكَلَامِهِ وَخط لَك الألواح بِيَدِهِ وَفِي لفظ وَكتب لَك التَّوْرَاة بِيَدِهِ وَذكر أَحَادِيث كَثِيرَة مثل وَالْخَيْر بيديك
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ قَالَ بعض أهل النّظر قد تكون الْيَد بِمَعْنى الْقُوَّة كَقَوْلِه ﴿دَاوُد ذَا الأيد﴾ ص ١٧ ذَا الْقُوَّة وَبِمَعْنى الْملك وَالْقُدْرَة كَقَوْلِه ﴿إِن الْفضل بيد الله﴾ آل عمرَان ٧٣ وَبِمَعْنى النِّعْمَة كَقَوْلِهِم لي عِنْد فلَان يَد وَتَكون صلَة أَي زَائِدَة كَقَوْلِه ﴿مِمَّا عملت أَيْدِينَا أنعاما﴾ يس ٧١ أَي مِمَّا عَمِلْنَاهُ نَحن وَبِمَعْنى الْجَارِحَة كَقَوْلِه ﴿وَخذ بِيَدِك ضغثا﴾ ص ٤٤
قَالَ فَأَما قَوْله ﴿لما خلقت بيَدي﴾ فَلَا يحمل على الْجَارِحَة لِأَن البارئ وَاحِد لَا يَتَبَعَّض وَلَا على الْقُوَّة وَالْقُدْرَة وَالْملك وَالنعْمَة والصلة لِأَن الإشتراك يَقع حِينَئِذٍ بَين وليه آدم
стр. 109
وعدوه إِبْلِيس وَيبْطل مَا ذكره من تفضيله عَلَيْهِ لبُطْلَان معنى التَّخْصِيص إِذْ الشَّيَاطِين والأباليس وَجَمَاعَة الْكَفَرَة خلقهمْ الله بقدرته ونعمه على آدم غير منحصرة فَلم يبْق إِلَّا أَن يحملا على صفتين تعلقتا بِخلق آدم تَشْرِيفًا لَهُ دون خلق إِبْلِيس تعلق الْقُدْرَة بالمقدور لَا من طَرِيق الْمُبَاشرَة وَلَا من حَيْثُ المماسة وَلَيْسَ لذَلِك التَّخْصِيص وَجه غير مَا بَينه الله تَعَالَى فِي قَوْله ﴿لما خلقت بيَدي﴾ انْتهى
تَنْبِيه
من هَذَا النمط حَدِيث التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه إِن الله تَعَالَى لما خلق الْخلق كتب بِيَدِهِ على نَفسه إِن رَحْمَتي تغلب غَضَبي
وَفِي حَدِيث آخر إِن الله تَعَالَى خلق ثَلَاثَة أَشْيَاء بِيَدِهِ خلق آدم بِيَدِهِ وَكتب التَّوْرَاة بِيَدِهِ وغرس الفردوس بِيَدِهِ
وَحَدِيث أَحْمد وَمُسلم إِن الله تَعَالَى يبسط يَده بِاللَّيْلِ ليتوب مسييء النَّهَار ويبسط يَده بِالنَّهَارِ ليتوب مسييء اللَّيْل
стр. 110
قيل بسط الْيَد إستعارة فِي قبُول التَّوْبَة وَإِنَّمَا ورد لفظ الْيَد لِأَن الْعَرَب إِذا رَضِي أحدهم الشَّيْء بسط يَده لقبوله وَإِذا كرهه قبضهَا عَنهُ فَخُوطِبُوا بِمَا يفهمونه وَهُوَ مجَاز فَإِن يَد الْجَارِحَة مستحيلة فِي حَقه تَعَالَى
وَمن الْمُتَشَابه القبضة وَالْيَمِين فِي وَقَوله تَعَالَى ﴿وَالْأَرْض جَمِيعًا قَبضته يَوْم الْقِيَامَة وَالسَّمَاوَات مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ﴾ الزمر ٦٧
وَحَدِيث البُخَارِيّ وَمُسلم يقبض الله الأَرْض يَوْم الْقِيَامَة ويطوي السَّمَاء بِيَمِينِهِ ثمَّ يَقُول أَنا الْملك أَيْن مُلُوك الأَرْض
وَحَدِيث مُسلم يطوي الله السَّمَاوَات يَوْم الْقِيَامَة ثمَّ يأخذهن بِيَدِهِ الْيُمْنَى الحَدِيث
وَحَدِيث مُسلم أَيْضا يَأْخُذ الله سماواته وأرضيه بيدَيْهِ فَيَقُول أَنا الله ويبسطها أَنا الْملك
следующие страницы →