Полный текст (69 стр.). Показаны 36–69 · переход к 41.
стр. 36
وَمن هَذَا مَا رَوَاهُ ابْن إِسْحَاق قَالَ حَدثنِي عَاصِم بن عمر بن قَتَادَة عَن شيخ من بني قُرَيْظَة قَالَ هَل تَدْرِي عَمَّا كَانَ إِسْلَام أسيد وثعلبة ابْني سعية وَأسد بن عبيد نفر من هُذَيْل لم يَكُونُوا من بني قُرَيْظَة وَلَا النَّضِير كَانُوا فَوق ذَلِك قلت لَا قَالَ فَإِنَّهُ قدم علينا رجل من الشَّام من يهود يُقَال لَهُ ابْن الهيبان فَأَقَامَ عندنَا وَالله مَا رَأينَا رجلا قطّ لَا يُصَلِّي الْخمس خيرا مِنْهُ فَقدم علينا قبل مبعث النَّبِي ﷺ بسنين وَكُنَّا إِذا قحطنا أَو فل علينا الْمَطَر نقُول يَا ابْن الهيبان أخرج فاستق لنا فَيَقُول لَا وَالله حَتَّى تقدمُوا أَمَام مخرجكم صَدَقَة فَنَقُول كم فَيَقُول صَاع من تمر أَو مَدين من شعير فنخرجه ثمَّ يخرج إِلَى ظَاهر حرتنا وَنحن مَعَه فيستقي فوَاللَّه مَا نقوم من مَجْلِسه حَتَّى تمر السَّحَاب وَقد فعل ذَلِك غير مرّة وَلَا مرَّتَيْنِ وَلَا ثَلَاثَة فحضرته الْوَفَاة فَاجْتَمَعْنَا إِلَيْهِ فَقَالَ يَا معشر يهود مَا تَرَوْنَهُ أخرجني من أَرض الْخمر والخمير إِلَى أَرض الْبُؤْس والجوع قَالُوا أَنْت أعلم قَالَ فَإِنَّهُ إِنَّمَا أخرجني أتوقع خُرُوج نَبِي قد أظل زَمَانه هَذِه الْبِلَاد مهاجره فَاتَّبعُوهُ وَلَا تسبقن إِلَيْهِ إِذا خرج يَا معشر يهود فَإِنَّهُ يبْعَث بسفك الدِّمَاء وَسبي الذَّرَارِي وَالنِّسَاء فَمن يُخَالِفهُ فَلَا يمنعكم ذَلِك مِنْهُ ثمَّ مَاتَ فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلَة الَّتِي فتحت فِيهَا قُرَيْظَة قَالَ أُولَئِكَ الثَّلَاثَة الْفتية وَكَانُوا شبانا أحداثا يَا معشر يهود وَالله إِنَّه الَّذِي ذكر لكم ابْن الهيبان فَقَالُوا مَا هُوَ بِهِ قَالُوا بلَى وَالله إِنَّه بِصفتِهِ ثمَّ نزلُوا فأسلموا وخلوا أَمْوَالهم وَأَوْلَادهمْ وأهاليهم فَلَمَّا فتح الْحصن رد ذَلِك عَلَيْهِم
وَأخرج البُخَارِيّ فِي تَارِيخه وَالْبَيْهَقِيّ فِي دَلَائِل النُّبُوَّة عَن مُحَمَّد بن عمر بن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن جُبَير بن مطعم عَن أَبِيه قَالَ سَمِعت أبي جُبَير يَقُول لما بعث الله نبيه وَظهر أمره بِمَكَّة خرجت إِلَى الشَّام فَلَمَّا كنت ببصرى أَتَتْنِي جمَاعَة من النَّصَارَى فَقَالُوا لي أَمن الْحرم أَنْت قلت نعم قَالُوا تعرف هَذَا الَّذِي تنبأ فِيكُم قلت نعم قَالَ
стр. 37
فَأخذُوا بيَدي فأدخلوني ديرا لَهُم فِيهِ تماثيل وصور قَالُوا لي أنظر هَل ترى صُورَة هَذَا الَّذِي بعث فِيكُم فَنَظَرت فَلم أر صورته قلت لَا أرى صورته فأدخلوني ديرا أكبر من ذَلِك الدَّيْر الَّذِي فِيهِ صور أَكثر مِمَّا فِي ذَلِك الدَّيْر فَقَالُوا لي أنظر هَل ترى صورته فَنَظَرت فَإِذا أَنا بِصفة رَسُول الله ﷺ وَصورته وَإِذا أَنه بِصفة أبي بكر وَصورته وَهُوَ آخذ بعقب رَسُول الله ﷺ فَقَالُوا لي انْظُر هَل ترى صفته قلت نعم قَالُوا هُوَ هَذَا وأشاروا إِلَى صفة رَسُول الله ﷺ قلت اللَّهُمَّ نعم قَالُوا أتعرف هَذَا الَّذِي أَخذ بعقبه قلت نعم قَالُوا تشهد أَن هَذَا هُوَ صَاحبكُم وَأَن هَذَا الْخَلِيفَة من بعده
وَقَرِيب من هَذِه الْقِصَّة مَا رَوَاهُ مُوسَى بن عقبَة بن هِشَام بن الْعَاصِ ونعيم بن عبد الله وَرجل آخر قد سَمَّاهُ بعثوا إِلَى ملك الرّوم زمن أبي بكر قَالَ فَدَخَلْنَا على جبلة بن الْأَيْهَم وَهُوَ بالغوطة فَذكر الحَدِيث وَأَنه انْطلق بهم إِلَى الْملك وَأَنَّهُمْ وجدوا عِنْده شبه الربعة الْعَظِيمَة مذهبَة وَإِذا فِيهَا أَبْوَاب صغَار فَفتح فِيهَا بَابا فاستخرج مِنْهُ حريرة وفيهَا صُورَة نوح ثمَّ إِبْرَاهِيم ثمَّ حريرة فِيهَا صُورَة مُحَمَّد ﷺ وَقَالَ هَذَا آخر الْأَبْوَاب وَلَكِنِّي عجلته لأنظر مَا عنْدكُمْ
وأمثال هَذَا كَثِيرَة جدا يطول الْمقَام ببسط بَعْضهَا فضلا عَن كلهَا وَفِي الْقُرْآن الْكَرِيم من دَلَائِل إِثْبَات النبوات على الْعُمُوم وَإِثْبَات نبوة نَبينَا ﷺ على الْخُصُوص مَا لَا يخفى على من يعرف الْقُرْآن وَيفهم كَلَام الْعَرَب فَإِنَّهُ مُصَرح بِثُبُوت جَمِيع الْأَنْبِيَاء من لدن آدم إِلَى مُحَمَّد ﷺ وَفِيه ذكر كل وَاحِد مِنْهُم بِصفتِهِ والى من أرسل وَفِي أَي زمَان كَانَ مَعَ تَقْدِيم الْمُتَقَدّم وَتَأْخِير الْمُتَأَخر وَذكر مَا وَقع لكل وَاحِد مِنْهُم من إِجَابَة قومه لَهُ وامتناعهم عَلَيْهِ وردهم لما جَاءَ بِهِ وَمَا وَقع بَينه وَبينهمْ من المقاولة والمحاولة والمقاتلة
стр. 38
وَمن نظر فِي التَّوْرَاة وَمَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ من حِكَايَة حَال الْأَنْبِيَاء من لدن آدم إِلَى مُوسَى وجد الْقُرْآن مُوَافقا لما فِيهَا غير مُخَالف لَهَا وَهَكَذَا مَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ التَّوْرَاة مِمَّا اتّفق الموسى وَبني إِسْرَائِيل فِي مصر مَعَ فِرْعَوْن وَمَا كَانَ من تِلْكَ الْحَوَادِث من الْآيَات الْبَينَات الَّتِي جَاءَ بهَا
وَمن تِلْكَ الْعُقُوبَات الَّتِي عُوقِبَ بهَا فِرْعَوْن وَقَومه ثمَّ مَا كَانَ من بني إِسْرَائِيل مَعَ مُوسَى من بعد خُرُوجهمْ من مصر إِلَى عِنْد موت مُوسَى مَعَ طول تِلْكَ الْمدَّة وَكَثْرَة تِلْكَ الْحَوَادِث فَإِن الْقُرْآن حكى ذَلِك كَمَا هُوَ وَذكره بِصفتِهِ من غير مُخَالفَة ثمَّ مَا كَانَ من الْأَنْبِيَاء الَّذين جَاءُوا بعد مُوسَى إِلَى عِنْد قيام الْمَسِيح فَإِن الْقُرْآن الْكَرِيم حكى قصصهم وَمَا جرى لَهُم وَمَا قَالُوهُ لقومهم وَمَا قَالَه قَومهمْ لَهُم وَمَا وَقع بَينهم من الْحَوَادِث وَكَانَ مَا حَكَاهُ الْقُرْآن مُوَافقا لما فِي كتب نبوة أُولَئِكَ الْأَنْبِيَاء من غير مُخَالفَة
ثمَّ هَكَذَا مَا حَكَاهُ الْقُرْآن عَن نبوة الْمَسِيح وَمَا جرى لَهُ وأحواله وحوادثه فَإِنَّهُ مُوَافق لما اشْتَمَل عَلَيْهِ الْإِنْجِيل من غير مُخَالفَة
وَمَعْلُوم لكل عَاقل يعرف أَحْوَال نَبينَا ﷺ أَنه كَانَ أُمِّيا لَا يقْرَأ وَلَا يكْتب وَكَانَ مُنْذُ ولد إِلَى أَن بَعثه الله بَين قومه وهم قوم مشركون لَا يعْرفُونَ شَيْئا من أَحْوَال الْأَنْبِيَاء وَلَا يَدْرُونَ بِشَيْء من الشَّرَائِع وَلَا يخالطون أحدا من الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَلَا يعْرفُونَ شَيْئا من شرائعهم وَإِن عرفُوا فَردا مِنْهَا فَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا فِي مثل مَا هُوَ متقرر بَينهم يعْملُونَ بِهِ فِي عباداتهم ومعاملاتهم بِاعْتِبَار مَا يشْتَهر عَنْهُم فِي ذَلِك كَمَا يبلغ بعض أَنْوَاع الْعَالم عَن الْبَعْض الآخر فَإِنَّهُ قد يبلغهم بعض مَا يتمسكون بِهِ فِي دينهم بِاعْتِبَار اشتهار ذَلِك عَنْهُم
وَأما الْعلم بأحوال الْأَنْبِيَاء وَمَا جَاءُوا بِهِ والى من بَعثهمْ الله وَمَا قَالُوا لقومهم وَمَا أجابوهم بِهِ وَمَا جرى بَينهم من الْحَوَادِث كلياتها وجزئياتها وَفِي أَي عصر كَانَ كل وَاحِد مِنْهُم والى من بَعثه الله وَكَون هَذَا النَّبِي كَانَ مُتَقَدما على هَذَا وَهَذَا كَانَ مُتَأَخِّرًا عَن هَذَا مَعَ كَثْرَة عَددهمْ وَطول مددهم وَاخْتِلَاف أَنْوَاع قَومهمْ وَاخْتِلَاف ألسنتهم وتباين
стр. 39
لغاتهم فَهَذَا أَمر لَا يُحِيط بِعِلْمِهِ إِلَّا الله وَلَوْلَا اشْتِمَال التَّوْرَاة على حِكَايَة أَحْوَال من قبل مُوسَى من الْأَنْبِيَاء لانقطع علم ذَلِك عَن الْبشر وَلم يبْق لأحد مِنْهُم طَرِيق إِلَيْهِ البته فَلَمَّا جَاءَنَا هَذَا النَّبِي الْعَرَبِيّ الْأُمِّي الْمَبْعُوث من بَين طَائِفَة مُشركَة تعبد الْأَوْثَان وتكفر بِجَمِيعِ الْأَدْيَان قد دبروا دنياهم بِأُمُور جَاهِلِيَّة تلقاها الآخر عَن الأول وسمعها اللَّاحِق من السَّابِق لَا يرجع شَيْء مِنْهَا إِلَى مِلَّة من الْملَل الدِّينِيَّة وَلَا إِلَى كتاب من الْكتب الْمنزلَة وَلَا إِلَى رَسُول من الْأَنْبِيَاء الْمُرْسلَة بل غَايَة علمهمْ وَنِهَايَة مَا لديهم مَا يجْرِي بَين أسلافهم من المقاولة والمقاتلة وَمَا يَحْفَظُونَهُ من شعر شعرائهم وخطب خطبائهم وبلاغات بلغائهم وجود أجوادهم وإقدام أهل الجرأة والجسارة مِنْهُم لَا يلتفتون مَعَ ذَلِك إِلَى دين وَلَا يقبلُونَ على شَيْء من أَعمال الْآخِرَة وَلَا يشتغلون بِأَمْر من الْأُمُور الَّتِي يشْتَغل بهَا أهل الْملَل فَإِن راموا مطلبا من مطَالب الدُّنْيَا وَرَغبُوا فِي أَمر من أمورها قصدُوا أصنامهم وطلبوا حُصُولهَا مِنْهَا وقربوا إِلَيْهَا بعض أَمْوَالهم ليبلغوا بذلك إِلَى مقاصدهم ومطالبهم
وَكَانَ هَذَا النَّبِي الْعَرَبِيّ الْأُمِّي لَا يعلم إِلَّا بِمَا يعلمُونَ وَلَا يدْرِي إِلَّا بِمَا يَدْرُونَ بل قد يعلم الْوَاحِد مِنْهُم المتمكن من قِرَاءَة الْكتب وَكِتَابَة المقروء بِغَيْر مَا يُعلمهُ هَذَا النَّبِي
فَبَيْنَمَا هُوَ على هَذِه الصّفة بَين هَؤُلَاءِ الْقَوْم الْبَالِغين فِي الْجَهَالَة إِلَى هَذَا الْحَد جَاءَنَا بِهَذَا الْكتاب الْعَظِيم الحاكي لما ذَكرْنَاهُ من تفاصيل أَحْوَال الْأَنْبِيَاء وقصصهم وَمَا جرى لَهُم مَعَ قَومهمْ على أكمل حَال وَأتم وَجه ووجدناه مُوَافقا لما فِي تِلْكَ الْكتب غير مُخَالف لشَيْء مِنْهَا كَانَ هَذَا من أعظم الْأَدِلَّة الدَّالَّة على ثُبُوت نبوته على الْخُصُوص وَثُبُوت نبوة من قبله من الْأَنْبِيَاء على الْعُمُوم
وَمثل دلَالَة هَذَا الدَّلِيل لَا يَتَيَسَّر لجاحد وَلَا لمكابر وَلَا لزنديق مارق أَن يقْدَح فِيهَا بقادح أَو يعارضها بِشُبْهَة من الشّبَه كائنة مَا كَانَت إِن
стр. 40
كَانَ مِمَّن يعقل وَيفهم ويدري بِمَا يُوجِبهُ الْعقل من قبُول الْأَدِلَّة الصَّحِيحَة الَّتِي لَا تقَابل بِالرَّدِّ وَلَا تدفع بالمعارضة وَلَا تقبل التشكيك وَلَا تحْتَمل الشُّبْهَة
وَمَعَ هَذَا فقد كَانَ النَّبِي ﷺ الْأُمِّي الْمَبْعُوث بَين هَؤُلَاءِ يُصَرح بَين ظهرانيهم بِبُطْلَان مَا هم عَلَيْهِ ويزيف مَا هم فِيهِ أبلغ تزييف ويقدح فِيهِ أعظم قدح وَيبين لَهُم أَنهم أَعدَاء الله وَأَنَّهُمْ مستحقون لغضبه وَسخطه وعقوبته وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا على شَيْء فَبِهَذَا السَّبَب صَارُوا جَمِيعًا أَعدَاء لَهُ يطعنون عَلَيْهِ بالمطاعن الَّتِي يعلمُونَ أَنه منزه عَنْهَا مبرأ مِنْهَا كَقَوْلِهِم إِنَّه كَذَّاب وَإنَّهُ مَجْنُون وَإنَّهُ سَاحر
فَلَو علمُوا أَنه تعلم من أحد من أهل الْكتاب أَو أَخذ عَن فَرد من أفرادهم لجاءوا بِهَذَا المطعن بادئ بَدْء وجعلوه عنوانا لتِلْك المطاعن الكاذبة بل لَو وجدوا إِلَى ذَلِك سَبِيلا لعولوا عَلَيْهِ وَلم يحتاجوا إِلَى غَيره فَلَمَّا لم يَأْتُوا بذلك وَلَا تكلمُوا بِهِ وَلَا وجدوا إِلَيْهِ سَبِيلا علم كل عَاقل أَنه لم يتَعَلَّم من أحد من الْيَهُود وَلَا من النَّصَارَى وَلَا من غير هَاتين الطَّائِفَتَيْنِ إِذْ لم يطعن عَلَيْهِ بذلك هَؤُلَاءِ الَّذين هم قومه وَقد ولد بَينهم وعاش فِي دِيَارهمْ يخالطهم ويخالطونه ويواصلهم ويعرفون جَمِيع أَحْوَاله وَلَا سِيمَا من كَانَ من قرَابَته مِنْهُم الَّذين صَارُوا لَهُ بعد الْبعْثَة أَشد الْأَعْدَاء وَأعظم الْخُصُوم كَأبي لَهب وَأَمْثَاله فَإِنَّهُ لَا شكّ وَلَا ريب أَنه لَا يخفى عَلَيْهِم مَا هُوَ دون هَذَا من أَحْوَاله
وَأَيْضًا لَو كَانَ قد تعلم من أحد من أهل الْكتاب لم يخف ذَلِك على أهل الْكتاب الَّذين صرح لَهُم بِأَنَّهُم إِن لم يُؤمنُوا بِهِ فهم من أَعدَاء الله وَمن الْمُسْتَحقّين لسخطه وعقوبته وَأَنَّهُمْ على ضَلَالَة وَأَنَّهُمْ قد غيروا كِتَابهمْ وحرفوه وبدلوه وَأَنَّهُمْ أحقاء بلعنة الله وغضبه فَلَو كَانَ لَهُ معلم مِنْهُم أَو من أمثالهم من أهل الْكتاب لجعلوا هَذَا المطعن عَلَيْهِ مقدما على كل مطْعن يطعنونه بِهِ من تِلْكَ المطاعن الكاذبة بل كَانَ هَذَا
стр. 41
المطعن مستغنيا عَن كل مَا طعنوا بِهِ عَلَيْهِ لِأَن مسافته قريبَة وتأثيره ظَاهر وَقبُول عقول الْعَامَّة لَهُ من أهل الْكتاب وَمن الْمُشْركين أيسر من قبُولهَا لتِلْك المطاعن الكاذبة الَّتِي جَاءُوا بهَا هَذَا مَعْلُوم لكل عَاقل لَا يشك فِيهِ شَاك وَلَا يتلعثم عِنْده متلعثم وَلَا يكابره فِيهِ مكابر
فَلَمَّا لم يطعن عَلَيْهِ أحد مِنْهُم بِشَيْء من ذَلِك علمنَا علما يَقِينا انْتِفَاء ذَلِك وَأَنه لم يتَعَلَّم من أحد مِنْهُم
وَإِذا تقرر هَذَا الْبُرْهَان الَّذِي هُوَ أوضح من شمس النَّهَار أَنه لم يكن لَهُ معلم من الْيَهُود وَلَا من النَّصَارَى وَلَا من غَيرهم مِمَّن لَهُ علم بأحوال الْأَنْبِيَاء فَلم يبْق إِلَّا أَن يكون اطلع بِنَفسِهِ مُنْفَردا عَن النَّاس على مثل التَّوْرَاة وَالزَّبُور وَالْإِنْجِيل وَنَحْو ذَلِك من كتب الْأَنْبِيَاء وَقد علمنَا علما يقينيا بِأَنَّهُ كَانَ أُمِّيا لَا يقرا الْمَكْتُوب وَلَا يكْتب المقروء ثَبت هَذَا بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتر عَن أَصْحَابه مَعَ عدم مُخَالفَة الْمُخَالفين لَهُ فِي ذَلِك فَإِنَّهُ لم يسمع عَن وَاحِد مِنْهُم أَنه نسب اليه أَنه يقدر على قِرَاءَة الْمَكْتُوب أَو كِتَابَة المقروء وَحِينَئِذٍ انْتَفَت هَذِه الطَّرِيقَة أَعنِي كَونه اطلع على الْكتب الْمُتَقَدّمَة بِنَفسِهِ مُنْفَردا عَن النَّاس وَإِنَّمَا قُلْنَا مُنْفَردا عَن النَّاس لأَنا لَو فَرضنَا قدرته على ذَلِك فِي محْضر أحد من النَّاس لم يخف ذَلِك على أَتْبَاعه وَلَا على أعدائه
فَإِذا انْتَفَت قدرته على قِرَاءَة الْمَكْتُوب من حَيْثُ كَونه أُمِّيا وانتفى اطلَاع أحد من النَّاس على شَيْء من ذَلِك علمنَا أَنه لم يَأْخُذ شَيْئا من ذَلِك لَا بطرِيق التَّعْلِيم وَلَا بطرِيق الْمُبَاشرَة مِنْهُ لتِلْك الْكتب وَلم يسمع عَن أحد لَا من أَتْبَاعه وَلَا من أعدائه أَنه كَانَ بِمَكَّة من يعرف أَحْوَال الْأَنْبِيَاء وقصصهم وَمَا جَاءُوا بِهِ من الشَّرَائِع وَلَا كَانَ بِمَكَّة من كتب الله سُبْحَانَهُ الْمنزلَة على رسله شَيْء وَلَا كَانَت قُرَيْش مِمَّن يرغب إِلَى ذَلِك أَو يَطْلُبهُ أَو يحرص على مَعْرفَته وَمَعَ هَذَا فقد كَانَ أعداؤه من كفار قُرَيْش معترفون بصدقه ويقرون بِأَنَّهُم لم يجربوا عَلَيْهِ كذبا وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا فِي قصَّة سُؤال هِرقل لأبي سُفْيَان أَنه قَالَ لَهُ فَهَل كُنْتُم تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قبل أَن يَقُول مَا قَالَ فَقَالَ أَبُو سُفْيَان لَا
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود أَن سعد بن
стр. 42
معَاذ لما قَالَ لأمية بن خلف أَن النَّبِي ﷺ ذكر أَنه سيقتل فَقَالَ ذَلِك لامْرَأَته فَقَالَت وَالله مَا يكذب مُحَمَّد وعزم على أَلا يخرج خوفًا من هَذَا
وَأخرج البُخَارِيّ فِي صَحِيحه من حَدِيث ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لقريش لَو أَخْبَرتكُم أَن خيلا بالوادي تُرِيدُ أَن تغير عَلَيْكُم أَكُنْتُم مصدقي قَالُوا نعم مَا جربنَا عَلَيْك إِلَّا صدقا
وَأخرج البُخَارِيّ فِي تَارِيخه وَأَبُو زرْعَة فِي دلائله وَابْن اسحق أَن أَبَا طَالب لما قَالَ للنَّبِي ﷺ أَن يكف عَن قُرَيْش فَقَالَ وَالله مَا أقدر على أَن أدع مَا بعثت بِهِ فَقَالَ أَبُو طَالب لقريش وَالله مَا كذب قطّ فَارْجِعُوا راشدين
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه فِي كتاب التَّفْسِير وَأَبُو يعلى الْموصِلِي فِي مُسْنده وَعبد بن حميد أَن عتبَة بن ربيعَة قَالَ لقريش وَقد علمْتُم أَن مُحَمَّدًا إِذا قَالَ شَيْئا لم يكذب
٥ - اخباره ﷺ بالمغيبات من دَلَائِل نبوته
وَمن أعظم دَلَائِل نبوته ﷺ الَّتِي لَا يجد الجاحدون إِلَى جَحدهَا سَبِيلا وَلَا يُمكن إسنادها إِلَى تَعْلِيم بشر وَلَا نسبتها إِلَى سحر أَنه ﷺ كَانَ يسْأَل عَن أُمُور ماضيه يتعنته بهَا أهل الْكتاب وَالْمُشْرِكُونَ فَينزل جِبْرِيل فِي تِلْكَ الْحَالة فيخبره بهَا فِي الْموضع الَّذِي سَأَلُوهُ فِيهِ من غير أَن يُفَارِقهُ أَو يذهب إِلَى أحد من النَّاس يستعلم وَذَلِكَ كسؤالهم لَهُ عَن أهل الْكَهْف وَعَن ذِي القرنين وَعَن الرّوح وَنَحْو ذَلِك من الْأُمُور الَّتِي غالبها غير مَذْكُور فِي التَّوْرَاة وَنَحْوهَا بل قد يُخْبِرهُمْ ابْتِدَاء بِشَيْء من أَحْوَال الْأَنْبِيَاء لم يكن فِي التَّوْرَاة الَّتِي هِيَ مرجع أهل الْملَل فِي تعرف أَحْوَال الْأَنْبِيَاء من لدن آدم إِلَى مُوسَى وَذَلِكَ كقصة هود وَصَالح وَشُعَيْب وَكثير من أَحْوَال إِبْرَاهِيم وَإِسْحَق وَإِسْمَاعِيل وَيَعْقُوب ويوسف وَمثل قصَّة الْخضر مَعَ مُوسَى وَمثل أَحْوَال سُلَيْمَان كقصة الْبسَاط وقصته العفريت وقصة الهدهد فَإِن هَذِه لم تكن فِي التَّوْرَاة وَلم يسمع عَن أحد من أهل الْكتاب أَنه زور ذَلِك أَو كذبه بل انبهروا وأعجبوا مِنْهُ
стр. 43
فِي صَحِيح البُخَارِيّ من حَدِيث أنس قَالَ جَاءَ عبد الله بن سَلام إِلَى رَسُول الله ﷺ بعد مقدمه الْمَدِينَة فَقَالَ إِنِّي سَائِلك عَن ثَلَاثَة لَا يعلمهَا إِلَّا نَبِي مَا أول أَشْرَاط السَّاعَة وَمَا أول طَعَام يَأْكُلهُ أهل الْجنَّة وَالْولد ينْزع إِلَى أمه أَو إِلَى أَبِيه
قَالَ أَخْبرنِي جِبْرِيل آنِفا قَالَ عبد الله ذَاك عَدو الْيَهُود من الْمَلَائِكَة
أما أول أَشْرَاط السَّاعَة فَنَار تَحْشُرهُمْ من الْمشرق إِلَى الْمغرب
وَأما أول طَعَام يَأْكُلهُ أهل الْجنَّة فَزِيَادَة كبد الْحُوت
وَأما الْوَلَد فَإِذا سبق مَاء الرجل مَاء الْمَرْأَة نزع الْوَلَد إِلَى أَبِيه وَإِذا سبق مَاء الْمَرْأَة مَاء الرجل نزع الْوَلَد إِلَى أمه فَقَالَ عبد الله بن سَلام أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأشْهد أَنَّك رَسُول الله
وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث ثَوْبَان قَالَ كنت قَائِما عِنْد رَسُول الله ﷺ فجَاء حبر من أَحْبَار الْيَهُود وَقَالَ السَّلَام عَلَيْك يَا مُحَمَّد فَدَفَعته دفْعَة كَاد يصرع مِنْهَا فَقَالَ لم تدفعني قَالَ قلت أَلا تَقول يَا رَسُول الله قَالَ إِنَّمَا سميته باسمه الَّذِي سَمَّاهُ بِهِ أَهله فَقَالَ رَسُول الله ينفعك شَيْء إِن حدثتك قَالَ أسمع بأذني فنكث بِعُود مَعَه فَقَالَ لَهُ سل فَقَالَ الْيَهُودِيّ أَيْن النَّاس يَوْم تبدل الأَرْض غير الأَرْض وَالسَّمَوَات فَقَالَ رَسُول الله ﷺ فِي الظلمَة دون الْحَشْر قَالَ فَمن أول النَّاس إجَازَة قَالَ فُقَرَاء الْمُهَاجِرين فَقَالَ الْيَهُودِيّ فَمَا تحفتهم حِين يدْخلُونَ قَالَ زِيَادَة كبدنون قَالَ وَمَا غذاؤهم على أَثَره قَالَ ينْحَر لَهُم ثَوْر الْجنَّة الَّذِي كَانَ يَأْكُل من أطرافها قَالَ فَمَا شرابهم عَلَيْهِ قَالَ من عين فِيهَا تسمى سلسبيلا قَالَ صدقت قَالَ وَجئْت أَسأَلك عَن شَيْء لَا يُعلمهُ أحد من أهل الأَرْض إِلَّا نَبِي أَو رجل أَو رجلَانِ قَالَ ينفعك إِن حدثتك قَالَ اسْمَع بأذني قَالَ جِئْت أَسأَلك عَن
стр. 44
الْوَلَد قَالَ مَاء الرجل أَبيض وَمَاء الْمَرْأَة أصفر فَإِذا اجْتمعَا فعلى مني الرجل مني الْمَرْأَة أذكرا بِإِذن الله وَأما إِذا على مني الْمَرْأَة مني الرجل آنثا بِإِذن الله فَقَالَ الْيَهُودِيّ صدقت وَإنَّك لنَبِيّ ثمَّ انْصَرف فَقَالَ النَّبِي ﷺ إِنَّه سَأَلَني هَذَا الَّذِي سَأَلَني عَنهُ ومم أعلم شَيْئا مِنْهُ حَتَّى أَتَانِي بِهِ الله تَعَالَى
وَأخرج أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ حضرت عِصَابَة من الْيَهُود يَوْمًا إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالُوا يَا رَسُول الله حَدثنَا عَن خلال نَسْأَلك عَنْهَا لَا يعلمهَا إِلَّا نَبِي فَقَالَ سلوني عَمَّا شِئْتُم وَلَكِن اجعلوا لي ذمَّة الله وَمَا أَخذ يَعْقُوب على بنيه إِن أَنا حدثتكم بِشَيْء تعرفونه صدقا لتتابعوني على الْإِسْلَام قَالُوا لَك ذَلِك قَالَ فسلوني عَمَّا شِئْتُم
قَالُوا أخبرنَا عَن أَربع خلال
أخبرنَا عَن الطَّعَام الَّذِي حرم إِسْرَائِيل على نَفسه من قبل أَن تنزل التَّوْرَاة
وَأخْبرنَا عَن مَاء الرجل كَيفَ يكون الذّكر مِنْهُ حَتَّى يكون ذكرا وَكَيف تكون الْأُنْثَى مِنْهُ حَتَّى تكون أُنْثَى
وَأخْبرنَا كَيفَ هَذَا النَّبِي فِي النّوم وَمن وليك من الْمَلَائِكَة
فَقَالَ عَلَيْكُم عهد الله وميثاقه لَئِن أَنا حدثتكم لتتابعوني فَأَعْطوهُ مَا شَاءَ من عهد وميثاق قَالَ أنْشدكُمْ بِاللَّه الَّذِي أنزل التَّوْرَاة على مُوسَى هَل تعلمُونَ أَن إِسْرَائِيل يَعْقُوب مرض مَرضا شَدِيدا طَال سقمه فِيهِ فَنَذر لله نذرا ألئن شفَاه الله من سقمه ليحرمن أحب الشَّرَاب إِلَيْهِ وَأحب الطَّعَام إِلَيْهِ وَكَانَ أحب الشَّرَاب إِلَيْهِ ألبان الْإِبِل واحب الطَّعَام إِلَيْهِ لُحُوم الْإِبِل فَقَالُوا اللَّهُمَّ نعم
فَقَالَ رَسُول الله اللَّهُمَّ اشْهَدْ عَلَيْهِم قَالَ فأنشدكم الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الَّذِي أنزل التَّوْرَاة على مُوسَى هَل تعلمُونَ أَن مَاء الرجل
стр. 45
غليظ وأبيض وَأَن مَاء الْمَرْأَة رَقِيق اصفر فَأَيّهمَا علا كَانَ الْوَلَد والشبه لَهُ بِإِذن الله قَالُوا اللَّهُمَّ نعم قَالَ اللَّهُمَّ أشهد قَالَ أنْشدكُمْ الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَأنزل التَّوْرَاة على مُوسَى هَل تعلمُونَ أَن هَذَا عَيناهُ وَلَا ينَام قلبه قَالُوا اللَّهُمَّ نعم قَالَ الله اشْهَدْ
قَالُوا أَنْت الْآن حَدثنَا من وليك من الْمَلَائِكَة فَعندهَا نجامعك أَو نُفَارِقك قَالَ وليي جِبْرِيل ﵇ وَلم يبْعَث الله نَبيا قطّ إِلَّا وَهُوَ وليه قَالُوا فَعندهَا نُفَارِقك لَو كَانَ غَيره لاتبعناك وَصَدَّقنَاك قَالَ فَمَا يمنعكم أَن تُصَدِّقُوهُ قَالُوا إِنَّه عدونا من الْمَلَائِكَة فَأنْزل الله ﴿قل من كَانَ عدوا لجبريل فَإِنَّهُ نزله على قَلْبك بِإِذن الله مُصدقا لما بَين يَدَيْهِ وَهدى وبشرى للْمُؤْمِنين من كَانَ عدوا لله وَمَلَائِكَته وَرُسُله وَجِبْرِيل وميكال فَإِن الله عَدو للْكَافِرِينَ﴾
فَفِي هَذِه الْأَحَادِيث اعْتِرَاف هَؤُلَاءِ السَّائِلين من الْيَهُود أَن تِلْكَ الْمسَائِل الَّتِي سَأَلُوهُ عَنْهَا لَا يعلمهَا إِلَّا نَبِي وَقد أخْبرهُم بِمَا سَأَلُوهُ وَصَدقُوهُ فِي جَمِيع ذَلِك فَانْدفع بذلك شكّ كل حَاسِد وَبَطل عِنْده ريب كل ملحد
٦ - الْقُرْآن معْجزَة الرَّسُول الخالدة
وَاعْلَم أَن دَلَائِل نبوة نَبينَا ﷺ يطول تعدادها ويتعسر ذكرهَا وَقد صنف أهل الْعلم فِي ذَلِك مصنفات مبسوطة مُشْتَمِلَة على كثير مِنْهَا وَلَو لم يكن مِنْهَا إِلَّا هَذَا الْكتاب الْعَزِيز الَّذِي جَاءَ بِهِ من عِنْد الله سُبْحَانَهُ مُشْتَمِلًا على مصَالح المعاش والمعاد وتحدى بِهِ فرسَان الْكَلَام وأبطال البلاغة وأفراد الدَّهْر فِي الْعلم بِهَذِهِ اللُّغَة الْعَرَبيَّة وَقَالَ لَهُم ليأتوا بِحَدِيث مثله إِن كَانُوا صَادِقين ثمَّ قَالَ لَهُم ﴿فَأتوا بِعشر سور مثله مفتريات وَادعوا من اسْتَطَعْتُم من دون الله إِن كُنْتُم صَادِقين﴾
стр. 46
ثمَّ قَالَ لَهُم فَأتوا بِسُورَة وَاحِدَة مِنْهُ فَلم يقدروا على ذَلِك وكاعوا عَنهُ وعجزوا على رُؤُوس الأشهاد وَكَانَ أكَابِر بلغائهم وأعاظم فصحائهم إِذا سمعُوا الْقُرْآن اعْتَرَفُوا بِأَنَّهُ لَا يشبه نظمهم وَلَا نثرهم وأقروا ببلاغته كَمَا قَالَ الْوَلِيد بن الْمُغيرَة لما سمع النَّبِي ﷺ يقْرَأ ﴿إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان وإيتاء ذِي الْقُرْبَى وَينْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر وَالْبَغي يعظكم لَعَلَّكُمْ تذكرُونَ﴾ فَقَالَ أعد فَأَعَادَ النَّبِي ﷺ فَقَالَ وَالله لَهُ لحلاوة وَإِن عَلَيْهِ لطلاوة وَإِن أَعْلَاهُ لمثمر وَإِن أَسْفَله لمغدق وَمَا يَقُول هَذَا الْبشر
وروى ابْن اسحق من حَدِيث ابْن عَبَّاس قَالَ قَامَ النَّضر بن الْحَارِث فَقَالَ يَا معشر قُرَيْش وَالله لقد نزل بكم أَمر مَا ابتليتم بِمثلِهِ لقد كَانَ مُحَمَّد فِيكُم غُلَاما حَدثا أرضاكم فِيكُم وأصدقكم حَدِيثا وأعظمكم أَمَانَة حَتَّى إِذا رَأَيْتُمْ فِي صدغيه الشيب وَجَاءَكُم بِمَا جَاءَكُم بِهِ قُلْتُمْ سَاحر لَا وَالله مَا هُوَ سَاحر قد رَأينَا السَّحَرَة ونفثهم وعقدهم وقلتم شَاعِر وكاهن لَا وَالله مَا هُوَ بكاهن قد رَأينَا الكهنة وَسَمعنَا سمعهم وقلتم شَاعِر لَا وَالله مَا هُوَ بشاعر لقد رَأينَا الشّعْر وَسَمعنَا أصنافه كلهَا بهزجه ورجزه وقريضه وقلتم مَجْنُون لَا وَالله مَا هُوَ بمجنون لقد رَأينَا الْمَجْنُون فَمَا هُوَ بخنقه وَلَا تخليطه يَا معشر قُرَيْش انْظُرُوا فِي شَأْنكُمْ فَإِنَّهُ وَالله قد نزل بكم أَمر عَظِيم إِنِّي لأعْلم أَنما يَقُول مُحَمَّد حق وَلَكِن بني قصي قَالُوا فِينَا الندوة فَقُلْنَا نعم فِينَا الحجابة فَقُلْنَا نعم فِينَا السِّقَايَة فَقُلْنَا نعم
وَفِي لفظ تنازعنا نَحن وَبَنُو عبد منَاف الشّرف اطعموا فأطعمنا وحملوا فحملنا وأعطوا فأعطينا ثمَّ إِذا تجاثينا على الركب وَكُنَّا
стр. 47
كفرسي رهان قَالُوا منا نَبِي يَأْتِيهِ الْوَحْي من السَّمَاء فَمَتَى ندرك هَذِه وَالله لَا نؤمن بِهِ وَلَا نصدقه أبدا
دع عَنْك مَا حصل للإنس من استعظام أَمر الْقُرْآن والتعجب مِنْهُ وتصديقه هَؤُلَاءِ الْجِنّ قد وَقع مِنْهُم ذَلِك كَمَا حَكَاهُ الله سُبْحَانَهُ عَنْهُم فِي كِتَابه وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث ابْن عَبَّاس قَالَ انْطلق رَسُول الله ﷺ إِلَى طَائِفَة من أَصْحَابه عَامِدين إِلَى سوق عكاظ وَقيل حيل بَين الشَّيَاطِين وَبَين خبر السَّمَاء وَأرْسلت عَلَيْهِم الشهب فَرَجَعت الشَّيَاطِين إِلَى قَومهمْ فَقَالُوا مَا لكم قَالُوا حيل بَيْننَا وَبَين خبر السَّمَاء وَأرْسلت علينا الشهب قَالُوا مَا ذَاك إِلَّا من شَيْء حدث فاضربوا مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا فانظروا مَا هَذَا الَّذِي حَال بَيْننَا وَبَين خبر السَّمَاء ... فَانْطَلقُوا يضْربُونَ مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا فَمر النَّفر الَّذين أخذُوا نَحْو تهَامَة فوجدوا النَّبِي ﷺ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاة الْفجْر فَلَمَّا سمعُوا الْقُرْآن اسْتَمعُوا لَهُ وَقَالُوا هَذَا الَّذِي حَال بَيْننَا وَبَين خبر السَّمَاء فَرَجَعُوا إِلَى قَومهمْ فَقَالُوا يَا قَومنَا ﴿إِنَّا سمعنَا قُرْآنًا عجبا يهدي إِلَى الرشد فَآمَنا بِهِ وَلنْ نشْرك بربنا أحدا﴾ فَأنْزل الله على نبيه مُحَمَّد ﷺ ﴿قل أُوحِي إِلَيّ أَنه اسْتمع نفر من الْجِنّ﴾ وَالْأَحَادِيث فِي هَذَا كَثِيرَة جدا
وَاعْلَم أَنه قد صنف جمَاعَة من الْحفاظ فِي دَلَائِل النُّبُوَّة مصنفات اشْتَمَلت على أَنْوَاع مِمَّا فِيهِ الدّلَالَة على نبوة نَبينَا ﷺ بعضه يحصل عِنْده الْعلم ضَرُورِيّ فضلا عَن كلهَا
فَمن المصنفين فِي ذَلِك الإِمَام أَبُو بكر بن عبد الله بن أبي الدُّنْيَا وَالْإِمَام أَبُو اسحق الْحَرْبِيّ وَالْإِمَام أَبُو جَعْفَر الْفرْيَابِيّ وَالْإِمَام أَبُو زرْعَة الرَّازِيّ وَالْإِمَام ابو الْقَاسِم الطَّبَرَانِيّ وَالْإِمَام أَبُو الشَّيْخ الْأَصْبَهَانِيّ وَالْإِمَام أَبُو نعيم الْأَصْفَهَانِي وَالْإِمَام أَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ وَالْإِمَام أَبُو الْفرج ابْن الْجَوْزِيّ وَالْإِمَام أَبُو عبد الله الْمَقْدِسِي وَغير هَؤُلَاءِ
стр. 48
٧ - عود إِلَى الْأَخْبَار بالغيبيات كدلائل على نبوته ﷺ
وَلَو لم يكن من دَلَائِل نبوته ﷺ إِلَّا مَا وَقع من الْإِخْبَار بالأمور الغيبية الَّتِي وَقعت كَمَا أخبر بِهِ وَلم يتَخَلَّف شَيْء مِنْهَا وَهِي كَثِيرَة جدا وَقد اشْتَمَل الْقُرْآن الْكَرِيم على شَيْء من ذَلِك كَقَوْلِه ﴿هُوَ الَّذِي أرسل رَسُوله بِالْهدى وَدين الْحق لِيظْهرهُ على الدّين كُله وَكفى بِاللَّه شَهِيدا﴾ فَوَقع صدق هَذَا الْخَبَر وَأظْهر الله سُبْحَانَهُ دين الْإِسْلَام على جَمِيع الْأَدْيَان
وَكَذَا قَوْله ﴿الم غلبت الرّوم فِي أدنى الأَرْض وهم من بعد غلبهم سيغلبون فِي بضع سِنِين﴾ فَوَقع مَا أخبر بِهِ الْقُرْآن بعد الْمدَّة الَّتِي ذكرهَا وَذَلِكَ مَعْلُوم لَا يخْتَلف فِيهِ النَّاس وَكَذَا قَوْله سُبْحَانَهُ فِي شَأْن الْيَهُود ﴿ضربت عَلَيْهِم الذلة أَيْن مَا ثقفوا إِلَّا بِحَبل من الله وحبل من النَّاس وباؤوا بغضب من الله وَضربت عَلَيْهِم المسكنة ذَلِك بِأَنَّهُم كَانُوا يكفرون بآيَات الله وَيقْتلُونَ الْأَنْبِيَاء بِغَيْر حق ذَلِك بِمَا عصوا وَكَانُوا يعتدون﴾
وَقد كَانَ هَذَا كَمَا أخبر بِهِ الْقُرْآن فَإِنَّهُم مَا زَالُوا تَحت الذلة والمسكنة فِي جَمِيع أقطار الأَرْض لم يجْتَمع لَهُم جَيش وَلَا انتصروا فِي موطن من المواطن وَلَا ثبتَتْ لَهُم دولة قطّ بل كل طَائِفَة مِنْهُم فِي جَمِيع بقاع الدُّنْيَا مضطهدون متمسكنون يسلمُونَ الْجِزْيَة إِلَى غَيرهم ويذلون لمن جاورهم
وَكَذَلِكَ قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿قل لَئِن اجْتمعت الْإِنْس وَالْجِنّ على أَن يَأْتُوا بِمثل هَذَا الْقُرْآن لَا يأْتونَ بِمثلِهِ وَلَو كَانَ بَعضهم لبَعض ظهيرا﴾
стр. 49
وَقَوله ﴿وَإِن كُنْتُم فِي ريب مِمَّا نزلنَا على عَبدنَا فَأتوا بِسُورَة من مثله﴾
وَقد كَانَ هَذَا فَإِنَّهُ لم يُعَارض الْقُرْآن معَارض وَلَا جَاءَ بِمثل بعضه أحد لَا من مُسلم وَلَا كَافِر وَلَا من إنس وَلَا جن وَقد نفى سُبْحَانَهُ أَن يَفْعَلُوا ذَلِك كَمَا قَالَ ﴿فَإِن لم تَفعلُوا وَلنْ تَفعلُوا فَاتَّقُوا النَّار الَّتِي وقودها النَّاس وَالْحِجَارَة﴾
فَأخْبر سُبْحَانَهُ أَنهم لم يَفْعَلُوا وَلم يَقع مَا يُخَالف هَذَا النَّفْي الْمُؤَكّد البته
وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿قل يَا أَيهَا الَّذين هادوا إِن زعمتم أَنكُمْ أَوْلِيَاء لله من دون النَّاس فتمنوا الْمَوْت إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ وَقَالَ مُخَاطبا للْيَهُود ﴿قل إِن كَانَت لكم الدَّار الْآخِرَة عِنْد الله خَالِصَة من دون النَّاس فتمنوا الْمَوْت إِن كُنْتُم صَادِقين وَلنْ يَتَمَنَّوْهُ أبدا بِمَا قدمت أَيْديهم وَالله عليم بالظالمين﴾
وَقد كَانَ هَذَا فَإِنَّهُ لم يسمع أَن يَهُودِيّا تمنى الْمَوْت إِلَى هَذِه الْغَايَة فَإِن الْيَهُود الْمَوْجُودين على ظهر البسيطة إِذا قَالَ لَهُم قَائِل تمنوا الْمَوْت لم يَتَمَنَّوْهُ أبدا وَلَا يساعد على ذَلِك وَاحِد مِنْهُم قطّ
وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿لتدخلن الْمَسْجِد الْحَرَام إِن شَاءَ الله آمِنين مُحَلِّقِينَ رؤوسكم وَمُقَصِّرِينَ لَا تخافون فَعلم مَا لم تعلمُوا فَجعل من دون ذَلِك فتحا قَرِيبا﴾ وَوَقع هَذَا كَمَا أخبر بِهِ سُبْحَانَهُ فَدَخَلُوا الْمَسْجِد الْحَرَام آمِنين مُحَلِّقِينَ وَمُقَصِّرِينَ كَمَا وعدهم وَهَذَا قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿إِذا جَاءَ نصر الله وَالْفَتْح وَرَأَيْت النَّاس يدْخلُونَ فِي دين الله أَفْوَاجًا فسبح بِحَمْد رَبك وَاسْتَغْفرهُ إِنَّه كَانَ تَوَّابًا﴾
стр. 50
وَقد دخل النَّاس فِي دين الله أَفْوَاجًا وَمَا قبض ﷺ إِلَّا بعد أَن دخل جَمِيع الْعَرَب فِي دين الله وَلم يبْق أحد مِنْهُم على الْكفْر
وَمَعَ ذَلِك مَا وَقع من إخْبَاره سُبْحَانَهُ عَن أُمُور مُسْتَقْبلَة وَكَانَت كَمَا أخبر بِهِ وَذَلِكَ كثير جدا كإخباره عَن بعض الْكفَّار بِأَنَّهُ لَا يُؤمن وَأَنه من أهل النَّار كَأبي لَهب فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ ﴿سيصلى نَارا ذَات لَهب﴾ فَمَاتَ على الْكفْر
وَقَالَ فِي الْوَلِيد ﴿سأصليه سقر﴾ فَمَاتَ على الْكفْر
وَقد ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث حُذَيْفَة أَنه قَالَ قَامَ فِينَا رَسُول الله ﷺ مقَاما مَا ترك شَيْئا يكون فِي مقَامه ذَلِك إِلَى قيام السَّاعَة إِلَّا حدث بِهِ حفظه من حفظه ونسيه من نَسيَه قد علمه أَصْحَابِي هَؤُلَاءِ وَأَنه ليَكُون مِنْهُ الشَّيْء قد نَسِيته فَأرَاهُ فأذكره كَمَا يذكر الرجل وَجه الرجل إِذا غَابَ عَنهُ ثمَّ إِذا رَآهُ عرفه وناهيك بِهَذَا فَإِن الْإِخْبَار بِجَمِيعِ الْحَوَادِث الْمُسْتَقْبلَة إِلَى قيام السَّاعَة أَمر عَظِيم
وَقد كَانَ حُذَيْفَة رَاوِي هَذَا الحَدِيث مرجعا للصحابة فِي معرفَة أَحْوَال الْفِتَن وَمَعْرِفَة أهل النِّفَاق وتمييز أهل الْحق من أهل الْبَاطِل لما حفظ فِي هَذَا الْمقَام الَّذِي قامه رَسُول الله ﷺ
وَمن ذَلِك سُؤال عمر بن الْخطاب ﵁ لَهُ عَن الْفِتَن فَقَالَ إِن بَيْنك وَبَينهَا بَابا فَقَالَ هَل يفتح أَو يكسر فَقَالَ بل يكسر فَعرف عمرا أَنه الْبَاب وَأَنه يقتل كَمَا أخبر حُذَيْفَة من سَأَلَهُ عَن ذَلِك هَل علم عمر ذَلِك فَقَالَ نعم كَمَا يعلم أَن دون غَد اللَّيْلَة فَإِنِّي حدثته بِحَدِيث لَيْسَ بالأغاليط وَهَذَا ثَابت فِي الصَّحِيح
وَمن ذَلِك مَا ثَبت فِي البُخَارِيّ أَنه ﷺ قَالَ لعدي بن حَاتِم لَئِن طَالَتْ لَك حَيَاة لتفتحن كنوز كسْرَى فَقَالَ عدي كسْرَى بن هُرْمُز فَقَالَ ﷺ كسْرَى بن هُرْمُز وَقد كَانَ هَذَا كَمَا أخبر بِهِ ﷺ فَفتح
стр. 51
الْمُسلمُونَ مملكة كسْرَى بن هُرْمُز وَأخذُوا كنوزه واستولوا على بِلَاده وضربوا على رَعيته الْخراج والجزية قَالَ عدي وَكنت فِيمَن فتح كنوز كسْرَى بن هُرْمُز وَقَالَ لَهُ أَيْضا كَمَا فِي البُخَارِيّ وَلَئِن طَالَتْ لَك حَيَاة لترين الظعينة ترحل من الْحيرَة حَتَّى تَطوف الْكَعْبَة لَا تخَاف أحدا إِلَّا الله قَالَ قلت فِيمَا بيني وَبَين نَفسِي فَأن طَيء الَّذين قد سعروا الْبِلَاد ثمَّ قَالَ عدي فَرَأَيْت الظعينة ترتحل من الْحيرَة حَتَّى تَطوف بِالْكَعْبَةِ لَا تخَاف إِلَّا الله
وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث نَافِع بن عتبَة قَالَ حفظت من النَّبِي ﷺ أَربع كَلِمَات أعدهن فِي يَدي (تغزون جَزِيرَة الْعَرَب فيفتحها الله ثمَّ تغزون بِلَاد فَارس فيفتحها الله ثمَّ تغزون الرّوم فيفتحها الله ثمَّ تغزون الدَّجَّال فيفتحه الله) وَقد وَقعت الثَّلَاث كَلِمَات الأول وستقع الرَّابِعَة إِن شَاءَ الله
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى تخرج نَار من أَرض الْحجاز تضيء لَهَا أَعْنَاق الْإِبِل ببصرى) قلت وَقد خرجت هَذِه النَّار فِي الْحجاز فِي بضع وَخمسين سِتّمائَة وأضاءت لَهَا أَعْنَاق الْإِبِل ببصرى
وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ من حَدِيث أبي بكرَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ فِي الْحسن بن عَليّ ﵁ (إِن ابْني هَذَا سيد وسيصلح بِهِ الله بَين فئتين عظيمتين من الْمُسلمين) قلت وَقد كَانَ هَذَا فَإِن الْحسن أصلح بَين طائفتين عظيمتين من الْمُسلمين وهما جَيش الْعرَاق الَّذين كَانُوا مَعَه وجيش الشَّام الَّذين كَانُوا مَعَ مُعَاوِيَة
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي سعيد وَأَسْمَاء أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ فِي عمار بن يَاسر تقتله الفئة الباغية قلت وَقد قتلته الفئة الباغية أهل الشَّام
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا عَن مُحَمَّد بن جُبَير بن مطعم عَن أَبِيه أَن امْرَأَة سَأَلت رَسُول الله ﷺ شَيْئا فَأمرهَا أَن ترجع إِلَيْهِ فَقَالَت إِن
стр. 52
جِئْت فَلم أجدك يَا رَسُول الله قَالَ جُبَير بن مطعم كَأَنَّهَا تعنى الْمَوْت قَالَ إِن لم تجديني فَأتي أَبَا بكر قلت وَقد كَانَ ذَلِك فَإِنَّهُ ولي أَمر الْمُسلمين أَبُو بكر ﵁ بعد مَوته ﷺ
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (زويت لي الأَرْض مشارقها وَمَغَارِبهَا وسيبلغ ملك أمتِي مَا زوى لي مِنْهَا قلت وَقد كَانَ ذَلِك وَللَّه الْحَمد
وَفِي صَحِيح مُسلم عَن أبي ذَر عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (ستفتح مصر وَهِي أَرض يُسمى فِيهَا القيراط فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خيرا)
قلت وَقد فتحت وَللَّه الْحَمد فِي أَيَّام الصَّحَابَة
وَفِي صَحِيح مُسلم عَن عبد الله بن عمر أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (إِذا فتحت عَلَيْكُم فَارس وَالروم أَي قوم أَنْتُم قَالَ عبد الرَّحْمَن من بن عَوْف نَكُون كَمَا أمرنَا الله قَالَ رَسُول الله ﷺ أَو غير ذَلِك تتنافسون ثمَّ تتحاسدون ثمَّ تتدابرون ثمَّ تتباغضون ثمَّ تنطلقون فِي مسَاكِن الْمُهَاجِرين فيحملون بَعضهم عل رِقَاب بعض) قلت وَقد كَانَ هَذَا فَإِنَّهُم فتحُوا فَارس وَالروم ثمَّ وَقع مِنْهُم مَا ذكره ﷺ فِي آخر أَيَّام عُثْمَان ﵁ ثمَّ عِنْد قَتله ثمَّ فِيمَا بعد ذَلِك كَمَا هُوَ مَعْلُوم لكل عَارِف
وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ من حَدِيث سُلَيْمَان بن صرد قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول حِين أَجلي الْأَحْزَاب عَنهُ الْآن نغزوهم وَلَا يغزونا
قلت وَقد كَانَ ذَلِك فَإِن كفار قُرَيْش لم يغزوا النَّبِي ﷺ بعْدهَا ثمَّ غَزَاهَا غَزْوَة الْفَتْح
وَثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من طرق أَن النَّبِي ﷺ قَالَ الَّذِي الْخوَيْصِرَة
стр. 53
(إِنَّه يخرج من ضئضئ هَذَا أَقوام يحقر أحدكُم صلَاته مَعَ صلَاته) الحَدِيث على اخْتِلَاف أَلْفَاظه وَقد خرج بعد ذَلِك الْخَوَارِج فِي خلَافَة عَليّ ﵁ ثمَّ مازالت تخرج مِنْهُم على الْمُسلمين طَائِفَة بعد طَائِفَة وَمِنْهُم شرذمة بَاقِيَة إِلَى الْآن يُقَال لَهُم الإباضية بأطراف الْهِنْد لَا يزالون يخرجُون على الْمُسلمين فِي برهم وبحرهم
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا أَن النَّبِي ﷺ سارر فَاطِمَة ابْنَته ﵂ فِي مرض مَوته أَنه سيموت فِي ذَلِك الْمَرَض ثمَّ أخْبرهَا أَنَّهَا أول أَهله لُحُوقا بِهِ قلت وَقد مَاتَ ﷺ فِي ذَلِك الْمَرَض وَمَاتَتْ فَاطِمَة ﵂ بعده بِسِتَّة أشهر
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أنس أَن أم حرَام بنت ملْحَان طلبت من رَسُول الله ﷺ أَن يدعوا لَهَا أَن تكون مِمَّن يركب الْبَحْر فَدَعَا لَهَا قلت وَقد ركبت الْبَحْر فِي زمن مُعَاوِيَة فَلَمَّا خرجت مِنْهُ صرعت عَن دابتها فَمَاتَتْ
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ رَسُول الله ﷺ يَوْمًا (أَيّكُم بسط ثَوْبه فَيَأْخُذ من حَدِيثي فيجمعه إِلَى صَدره فَإِنَّهُ لن ينسى شَيْئا سَمعه فبسطت بردة عَليّ حَتَّى فرغ من حَدِيثه ثمَّ جمعتها إِلَى صَدْرِي فَمَا نسيت بعد ذَلِك الْيَوْم شَيْئا سمعته مِنْهُ قلت وَقد كَانَ أَبُو هُرَيْرَة ﵁ أحفظ الصَّحَابَة لما يرويهِ وأتقنهم لما سَمعه
وَفِي صَحِيح مُسلم عَن أَسمَاء بنت أبي بكر ﵂ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ (سَيكون فِي ثَقِيف كَذَّاب ومبير) قلت وَقد كَانَ ذَلِك فالكذاب الْمُخْتَار بن أبي عبيد الثَّقَفِيّ والمبير الْحجَّاج بن يُوسُف
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا عَن سهل بن سعد أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ يَوْم خَيْبَر (لَأُعْطيَن الرَّايَة غَدا رجلا يحب الله وَرَسُوله وَيُحِبهُ الله وَرَسُوله يفتح الله على يَدَيْهِ وَهُوَ عَليّ ﵁)
стр. 54
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ شَهِدنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ حنينا فَقَالَ لرجل مِمَّن يَدعِي الْإِسْلَام (هَذَا من أهل النَّار) فَلَمَّا حضر الْقِتَال قَاتل الرجل قتالا شَدِيدا فأصابته جِرَاحَة فَقيل يَا رَسُول الله الرجل الَّذِي قلت لَهُ آنِفا إِنَّه من أهل النَّار قَاتل الْيَوْم قتالا شَدِيد اوقد مَاتَ فَقَالَ النَّبِي ﷺ إِلَى النَّار فكاد بعض الْمُسلمين أَن يرتاب فَبينا هم على ذَلِك إِذْ قيل انه لم يمت وَلَكِن بِهِ جرح شَدِيد فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل لم يصبر على الْجرْح فَقتل نَفسه فَأخْبر بذلك النَّبِي ﷺ فَقَالَ (الله أكبر أشهد أَنِّي عبد الله وَرَسُوله)
وَلِهَذَا الحَدِيث أَلْفَاظ هَذَا حاصلها وَفِي رِوَايَة أَن بعض الصَّحَابَة مَا زَالَ يرصده بعد أَن سمع من رَسُول الله ﷺ أَنه من أهل النَّار حَتَّى قتل نَفسه
وَثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث عَليّ أَن رَسُول الله ﷺ أمره وَأمر الزبير بن الْعَوام وَأَبا مرْثَد الغنوي أَن ينطلقوا حَتَّى يَأْتُوا رَوْضَة خَاخ فَإِن بهَا امْرَأَة مَعهَا كتاب إِلَى مُشْركي قُرَيْش فوجدوها ووجدوا ذَلِك الْكتاب من حَاطِب بن أبي بلتعة
قلت والقصة مَشْهُورَة وفيهَا اعتذار حَاطِب ونزول قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا عدوي وَعَدُوكُمْ أَوْلِيَاء﴾ الْآيَة
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﷺ أخبر بِمَوْت النَّجَاشِيّ فِي الْيَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَخرج إِلَى الْمصلى وَكبر عَلَيْهِ أَربع تَكْبِيرَات
قلت وَكَانَ الْأَمر كَذَلِك فَإِنَّهُ جَاءَ الْخَبَر بِمَوْت النَّجَاشِيّ فِي ذَلِك الْيَوْم الَّذِي أخْبرهُم فِيهِ رَسُول الله ﷺ
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث حميد السَّاعِدِيّ قَالَ خرجنَا مَعَ رَسُول
стр. 55
الله ﷺ فِي عزوة تَبُوك فَقَالَ (ستهب عَلَيْكُم اللَّيْلَة ريح شَدِيدَة فَلَا يقم فِيهَا أحد مِنْكُم فَمن كَانَ لَهُ بعير فليشد عقله فَقَامَ رجل فَحَملته الرّيح حَتَّى ألقته بجبل طَيء
وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ أَنه أرسل النَّبِي ﷺ الْجَيْش فِي غَزْوَة مُؤْتَة وَأمر عَلَيْهِم زيد بن حَارِثَة وَقَالَ (إِن قتل فجعفر فَإِن قتل فعبد الله ابْن رَوَاحَة فَقتلُوا) وَأخْبر النَّبِي ﷺ فِي الْيَوْم الَّذِي قتلوا فِيهِ
وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ أَن النَّبِي ﷺ أخبر بقتل الْقُرَّاء فِي بِئْر مَعُونَة لما أخبرهُ جِبْرِيل أَنهم قد لقوا رَبهم فَرضِي عَنْهُم وأرضاهم
قلت وَقد كَانَ ذَلِك قُرْآنًا يُتْلَى حَتَّى نسخ لَفظه
فَهَذِهِ شُعْبَة يسيرَة من إخْبَاره ﷺ بالأمور الغيبية الَّتِي وَقعت كَمَا أخبر وَقد اقتصرنا على مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَفِيهِمَا غير ذَلِك مِمَّا يطول بَسطه ويتسع اسْتِيفَاؤهُ وَأما مَا كَانَ فِي غير الصَّحِيحَيْنِ من كتب الحَدِيث وَالسير فَلَا يَتَّسِع لذَلِك إِلَّا مؤلف بسيط
٨ - من الْآيَات والدلائل على نبوته ﷺ
وَمن دَلَائِل نبوته وبراهين رسَالَته مَا وَقع لَهُ من الْآيَات الْبَينَات والبراهين المعجزات فَمن ذَلِك إنشقاق الْقَمَر وَقد نطق بذلك الْكتاب الْعَزِيز قَالَ الله ﴿اقْتَرَبت السَّاعَة وَانْشَقَّ الْقَمَر وَإِن يرَوا آيَة يعرضُوا ويقولوا سحر مُسْتَمر﴾
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أنس أَن أهل مَكَّة سَأَلُوا رَسُول الله ﷺ أَن يُرِيهم آيَة فَأَرَاهُم انْشِقَاق الْقَمَر مرَّتَيْنِ وَمثله فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضا عَن ابْن مَسْعُود وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضا أَن ابْن مَسْعُود قَالَ رَأَيْت الْقَمَر منشقا شقين بِمَكَّة قيل يخرج النَّبِي ﷺ شقة على جبل أبي قبيس
стр. 56
وشقة على السويداء فَقَالَ كفار قُرَيْش يَا أهل مَكَّة هَكَذَا سحركم ابْن أبي كَبْشَة انْظُرُوا السفار فَإِن كَانُوا رَأَوْا مثل مَا رَأَيْتُمْ فقد صدق وَإِن لم يَكُونُوا رَأَوْا مثل مَا رَأَيْتُمْ فَهُوَ سحر قَالَ فَسئلَ السفار وَقدمُوا من كل وَجه فَقَالُوا رَأينَا
وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ انْشَقَّ الْقَمَر على زمَان رَسُول الله ﷺ وَفِي صَحِيح مُسلم عَن ابْن عمر فِي قَوْله تَعَالَى ﴿اقْتَرَبت السَّاعَة وَانْشَقَّ الْقَمَر﴾ قَالَ قد كَانَ ذَلِك على عهد رَسُول الله ﷺ انْشَقَّ الْقَمَر فلقَتَيْنِ فلقه من دون الْجَبَل وَفلقَة من خلف الْجَبَل فَقَالَ رَسُول الله ﷺ اللَّهُمَّ اشْهَدْ
قلت وَقد رُوِيَ فِي غير الصَّحِيحَيْنِ من غير طَرِيق هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين
وَمن دَلَائِل نبوته ﷺ صُعُوده لَيْلَة الْمِعْرَاج إِلَى مَا فَوق السَّمَوَات وَقد نطق بِهَذَا الْكتاب الْعَزِيز وتواترت بِهِ الْأَحَادِيث تواترا لَا يشك من لَهُ أدنى إِلْمَام بِعلم السّنة وَلَا يُنكر ذَلِك إِلَّا متزندق وَلَيْسَ بِيَدِهِ إِلَّا مُجَرّد الاستبعاد وَلَيْسَ ذَلِك مِمَّا تدفع بِهِ الْأَدِلَّة وَيبْطل بِهِ الضروريات وَإِلَّا لَكَانَ مُجَرّد إِنْكَار وُقُوع الشَّيْء المبرهن على وُقُوعه كَافِيا فِي دَفعه وَذَلِكَ خلاف الْعقل وَالنَّقْل
وَقد رفع الله سُبْحَانَهُ إِلَى السَّمَاء إِدْرِيس ﵇ وَثَبت فِي السّفر الثَّانِي من أسفار الْمُلُوك فِي التَّوْرَاة أَن إيليا رفع إِلَى السَّمَاء وَبَعض تلامذته ينظر إِلَيْهِ وشاع ذَلِك وَلم يُخَالف فِيهِ أحد من الْيَهُود وإيليا هَذَا هُوَ الْمُسَمّى فِي الْقُرْآن إلْيَاس
وَهَكَذَا ثَبت فِي الأناجيل كلهَا أَن الله سُبْحَانَهُ رفع عِيسَى ﵇ بعد الصلب فِي زعمهم كَمَا هُوَ مُحَرر هُنَالك وَلَا يُخَالف فِي ذَلِك أحد من النَّصَارَى وَقد نطق الْقُرْآن الْكَرِيم بِأَنَّهُ رَفعه إِلَيْهِ وَلم يصلب والى ذَلِك ذهب بعض طوائف النَّصَارَى
стр. 57
وَالْحَاصِل أَن رَفعه إِلَى السَّمَاء مُتَّفق عَلَيْهِ بَين جَمِيع الْمُسلمين وَجَمِيع النَّصَارَى وَلم يَقع الْخلاف بَينهم إِلَّا فِي كَونه رفع قبل الصلب أَو بعده
وَمن دَلَائِل نبوته ﷺ مَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا أَن رجلا دخل يَوْم الْمَسْجِد وَالنَّبِيّ ﷺ قَائِم يخْطب فَقَالَ يَا رَسُول الله أهلكت الْأَمْوَال وانقطعت السبل فَادع الله يغيثنا فَرفع رَسُول الله ﷺ يَده ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ أغثنا اللَّهُمَّ أغثنا
قَالَ أنس وَلَا وَالله مَا نرى فِي السَّمَاء من سَحَاب وَإِن السَّمَاء لمثل الزجاجة فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ مَا وضع يَده حَتَّى ثار السَّحَاب أَمْثَال الْجبَال ثمَّ لم ينزل عَن منبره حَتَّى رَأَيْت الْمَطَر يتحادر على لحيته ثمَّ دخل رجل من ذَلِك الْبَاب فِي الْجُمُعَة الْمُقبلَة وَرَسُول الله قَائِم يخْطب فَقَالَ يَا رَسُول الله هَلَكت الْأَمْوَال وانقطعت السبل فَادع الله يمْسِكهَا عَنَّا فَرفع رَسُول الله ﷺ يَده ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ حوالينا لَا علينا اللَّهُمَّ على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشّجر
فَمَا يُشِير بِيَدِهِ إِلَى نَاحيَة إِلَّا تفرجت حَتَّى رَأَيْت الْمَدِينَة فِي مثل الجون وسال وَادي قناة شهرا وَلم يَجِيء أحد من نَاحيَة إِلَّا أخبر بجود
وَمن دَلَائِل نبوته ﷺ مَا ثَبت فِي البُخَارِيّ وَغَيره فِي قصَّة أبي رَافع الْيَهُودِيّ وَأَن عبد الله بن عتِيك لما فرغ من قَتله انْكَسَرت سَاقه فوصل إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ أبسط رجلك فبسطها فمسحها قَالَ وكأنما لم أشكها قطّ والقصة مبسوطة فِي كتب الحَدِيث وَالسير
وَمن دَلَائِل نبوته ﷺ مَا فِي البُخَارِيّ وَغَيره أَنَّهَا أَصَابَت سَلمَة ابْن الْأَكْوَع يَوْم خَيْبَر ضَرْبَة فِي سَاقه فنفث فِيهَا رَسُول الله ﷺ ثَلَاث نفثات قَالَ فَمَا اشتكيت مِنْهَا حَتَّى السَّاعَة
وَمن دَلَائِل نبوته ﷺ مَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث جَابر قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا خطب يقوم إِلَى جذع من جُذُوع
стр. 58
النّخل فَلَمَّا صنع الْمِنْبَر وَقَامَ عَلَيْهِ سمعُوا لذَلِك الْجذع صَوتا كصوت العشار حَتَّى جَاءَ النَّبِي ﷺ فَوضع يَده عَلَيْهَا فسكنت
وَلِهَذَا الحَدِيث طرق وألفاظ ثَابِتَة فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا
وَمن دَلَائِل نبوته ﷺ تكليم الشّجر لَهُ وَمن ذَلِك مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا عَن معن بن عبد الرَّحْمَن قَالَ سَمِعت أبي يَقُول سَأَلت مسروقا من أذن النَّبِي ﷺ بالجن لَيْلَة اسْتَمعُوا الْقُرْآن قَالَ حَدثنِي أَبوك يَعْنِي عبد الله بن مَسْعُود أَنه قَالَ أذنته بهم شَجَرَة
وَمن دَلَائِل نبوته ﷺ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا عَن أنس أَن النَّبِي ﷺ دَعَا بِمَاء فَأتي بقدح رحراح فَجعل الْقَوْم يَتَوَضَّئُونَ
وَفِي لفظ فَانْطَلق رجل من الْقَوْم فجَاء بقدح فِيهِ مَاء يسير
وَفِي لفظ لَهما فَرَأَيْت المَاء يَنْبع من تَحت أَصَابِعه ﷺ
وَفِي لفظ لَهما فَتَوَضَّأ النَّاس وَشَرِبُوا
وَفِي لفظ البُخَارِيّ فشربنا وتوضأنا فَقلت كم كُنْتُم
قَالَ لَو كُنَّا مائَة ألف لَكَفَانَا كُنَّا خمس عشرَة مائَة
وَلِلْحَدِيثِ طرق وألفاظ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا حاصلها أَنهم شربوا وتوضأوا مِنْهُم هَذَا الْعدَد الْمَذْكُور
وَمن ذَلِك مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث الْمَرْأَة الَّتِي وجدوها وَمَعَهَا مزادتين من مَاء فَانْطَلقُوا بهَا إِلَى رَسُول الله ﷺ فَشَرِبُوا مِنْهَا وهم أَرْبَعُونَ قد أَصَابَهُم الْجهد من الْعَطش وملأ كل وَاحِد مِنْهُم قربته وَلم يظْهر فِي المزادتين نقص فَلَمَّا رجعت الْمَرْأَة إِلَى قَومهَا قَالَت لقد لقِيت أَسحر النَّاس أَو إِنَّه نَبِي كَمَا زعم كَانَ من أمره
стр. 59
ذيت وذيت فهدى الله ذَلِك الْقَوْم بِتِلْكَ الْمَرْأَة فَأسْلمت وَأَسْلمُوا
وَمن دَلَائِل نبوته ﷺ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهَا من حَدِيث جَابر أَن شاته الَّتِي ذَبحهَا لرَسُول الله ﷺ مَعَ صَاع من شعير قد أكل مِنْهَا من كَانَ يحْفر الخَنْدَق مَعَ رَسُول الله ﷺ وهم ألف وَذَلِكَ لِأَن رَسُول الله بَصق فِي البرمة وبصق فِي الْعَجِين وَبَارك فِي ذَلِك قَالَ جَابر فأقسم بِاللَّه لأكلوا حَتَّى تَرَكُوهُ وانحرفوا وَإِن برمتنا لتغط كَمَا هِيَ وَإِن عجيننا ليخبز كَمَا هُوَ
وَمن هَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أنس فِي قصَّة أبي طَلْحَة وَامْرَأَته أم سليم أَنَّهَا أخرجت أقراصا من شعير وعصرت عَلَيْهِ عكة لَهَا فَقَالَ فِيهِ رَسُول الله ﷺ مَا شَاءَ الله أَن يَقُول ثمَّ قَالَ إئذن لعشرة فَأذن لَهُم فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثمَّ كَذَلِك حَتَّى أكل الْقَوْم كلهم وهم سَبْعُونَ رجلا أَو ثَمَانُون رجلا ثمَّ أكل رَسُول الله ﷺ وَأَبُو طَلْحَة وَأم سليم وَأنس قَالَ وَفضل فضلَة فأهديناها لجيراننا
وَمن ذَلِك مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا عَن أبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد وَسَلَمَة بن الْأَكْوَع قَالُوا كُنَّا فِي مسير لنا مَعَ رَسُول الله ﷺ فنفدت أزواد الْقَوْم حَتَّى هموا بنحر بعض حمائلهم فَقَالَ عمر يَا رَسُول الله لَو جمعت مَا بَقِي من أزواد الْقَوْم فدعوت الله عَلَيْهَا قَالَ فَفعل فجَاء ذُو الْبر ببره وَذُو التَّمْر بتمره وَذُو النَّوَى بنواه فَدَعَا رَسُول الله ﷺ عَلَيْهَا ثمَّ قَالَ خُذُوا فِي أوعيتكم فَأخذُوا فِي أوعيتهم حَتَّى مَا تركُوا فِي المعسكر وعَاء إِلَّا ملأوه فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا وفضلت فضلَة فَقَالَ عِنْد ذَلِك رَسُول الله ﷺ أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنِّي رَسُول الله لَا يلقى الله بهَا عبد غير شَاك فيهمَا إِلَّا دخل الْجنَّة
стр. 60
وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث سَلمَة فِي غَزْوَة خَيْبَر قَالَ أمرنَا أَن نجمع مَا فِي أزوادنا يَعْنِي من التَّمْر فَبسط نطعا فنثرنا عَلَيْهِ أزوادنا قَالَ فتطاولت فَنَظَرت فحرزته كربضة شَاة وَنحن أَربع عشرَة مائَة فأكلنا ثمَّ تطاولت فحرزته كربضة الشَّاة وَفِي البُخَارِيّ فتطاولت لأحرزه كم هُوَ فحرزته كربضة الْمعز وَنحن أَربع عشرَة مائَة فأكلنا حَتَّى شبعنا جَمِيعًا ثمَّ حشونا جريبنا
وَمن ذَلِك مَا فِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث جَابر قَالَ جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ يستطعمه فأطعمه شطر وسق شعير فَمَا زَالَ الرجل يَأْكُل مِنْهُ وَامْرَأَته وضيفهما حَتَّى كاله فَأتى النَّبِي ﷺ فَقَالَ لَو لم تكله لأكلتم مِنْهُ ولقام لكم
وَفِي صَحِيح مُسلم أَيْضا من حَدِيث جَابر أَن أم مَالك كَانَت تهدي للنَّبِي ﷺ فِي عكة لَهَا سمنا فَيَأْتِي بنوها فَيسْأَلُونَ الْأدم وَلَيْسَ عِنْدهم شَيْء فتعمد إِلَى الَّذِي كَانَت تهدي فِيهِ للنَّبِي ﷺ فتجد فِيهَا سمنا فَمَا زَالَ يُقيم لَهَا أَدَم بنيها حَتَّى عصرته فَأَتَت النَّبِي ﷺ فَقَالَ عصرتيها قَالَت نعم قَالَ لَو تركتيها مَا زَالَ قَائِما
وَمن ذَلِك مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أنس قَالَ زوج النَّبِي ﷺ زَيْنَب فَدخل بأَهْله قَالَ فصنعت أُمِّي أم سليم حَيْسًا فَجَعَلته فِي تور من حِجَارَة فَقَالَت يَا أنس إذهب بِهَذَا إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ اذْهَبْ فَادع فلَانا وَفُلَانًا وَفُلَانًا وَمن لقِيت وسمى رجَالًا قَالَ فدعوت من سمى وَمن لقِيت قَالَ الْجَعْد وَهُوَ الرَّاوِي عَن أنس كم كَانَ عددكم قَالَ زهاء ثَلَاثمِائَة قَالَ فَقَالَ لي رَسُول الله ﷺ يَا أنس هَات التور قَالَ فَدَخَلُوا حَتَّى امْتَلَأت الصّفة والحجرة فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 61
ليتحلق عشرَة عشرَة وليأكل كل إِنْسَان مِمَّا يَلِيهِ قَالَ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا قَالَ فَخرجت طَائِفَة وَدخلت طَائِفَة حَتَّى أكلُوا كلهم يَا أنس ارْفَعْ فَرفعت فَمَا أَدْرِي حِين وضعت كَانَ أَكثر أم حِين رفعت الحَدِيث
وَمن ذَلِك مَا فِي البُخَارِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَنه أهْدى إِلَى النَّبِي ﷺ قدح لبن فَدَعَا أهل الصّفة فَشرب كل وَاحِد مِنْهُم مِنْهُ حَتَّى رُوِيَ ثمَّ شرب أَبُو هُرَيْرَة حَتَّى رُوِيَ ثمَّ شرب النَّبِي ﷺ
وَمن ذَلِك مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر الصّديق قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِي ﷺ ثَلَاثِينَ وَمِائَة فَاشْترى النَّبِي ﷺ شَاة وذبحها لَهُم وَأمر بِسوار الْبَطن أَن يشوى قَالَ وأيم الله مَا فِي الثَّلَاثِينَ وَالْمِائَة إِلَّا من قد حز لَهُ النَّبِي ﷺ حزة من سوار بَطنهَا إِن كَانَ شَاهدا أعطَاهُ وَإِن كَانَ غَائِبا خبأ لَهُ فَجعل مِنْهَا قَصْعَة وأكلوا أَجْمَعُونَ فشبعنا وَذكر أَنهم حملُوا الفضلة على الْبَعِير
وَمن دَلَائِل نبوته ﷺ مَا فِي صَحِيح البُخَارِيّ من حَدِيث جَابر أَن وَالِده اسْتشْهد وَترك دينا وَترك سِتّ بَنَات فَلَمَّا حضر جدَاد النّخل قَالَ أتيت النَّبِي ﷺ فَقلت قد علمت أَن وَالِدي قد اسْتشْهد يَوْم أحد وَترك دينا كثيرا وَأَنِّي أحب أَن تراك الْغُرَمَاء قَالَ اذْهَبْ فبيدر كل ثَمَر على نَاصِيَة فَفعلت ثمَّ دَعوته ﷺ فَلَمَّا نظرُوا إِلَيْهِ كَأَنَّهُمْ أغروا بِي تِلْكَ السَّاعَة فَلَمَّا رأى مَا يصنعون أطاف حول أعظمها بيدرا ثَلَاث مَرَّات ثمَّ جلس عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ ادْع لي أَصْحَابك فَمَا زَالَ يَكِيل لَهُم حَتَّى أدّى إِلَيْهِم عَن وَالِدي أَمَانَته وَأَنا أرْضى أَن يُؤَدِّي إِلَيْهِم عَن وَالِدي أَمَانَته وَلَا أرجع إِلَى أخواتي بتمرة فَسلم الله البيادر كلهَا حَتَّى إِنِّي لأنظر إِلَى البيدر الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ النَّبِي ﷺ كَأَنَّهَا لم تنقص تَمْرَة وَاحِدَة
стр. 62
وَفِي رِوَايَة أَن جَابِرا قد كَانَ عرض على أهل الدّين أَن يَأْخُذُوا التَّمْر كُله فَأَبَوا
وَمن دَلَائِل نبوته ﷺ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من جَابر بن سَمُرَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (إِنِّي لأعرف حجرا بِمَكَّة كَانَ يسلم عَليّ قبل أَن أبْعث إِنِّي لأعرفه الْآن
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أنس قَالَ صعد النَّبِي ﷺ أحدا وَمَعَهُ أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان فَرَجَفَ بهم الْجَبَل فَقَالَ اسكن وضربه بِرجلِهِ فَلَيْسَ عَلَيْك إِلَى نَبِي وصديق وشهيدان
وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث سَلمَة بن الْأَكْوَع أَن النَّبِي ﷺ فِي غَزْوَة حنين قبض قَبْضَة من الأَرْض واستقبل بهَا وُجُوههم فَقَالَ (شَاهَت الْوُجُوه فَمَا خلق الله مِنْهُم إنْسَانا إِلَّا مَلأ عَيْنَيْهِ تُرَابا بِتِلْكَ القبضة فَوَلوا مُدبرين فَهَزَمَهُمْ الله)
وَفِي صَحِيح مُسلم أَيْضا من حَدِيث الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب أَن رَسُول الله ﷺ فِي غَزْوَة حنين أَخذ حَصَيَات فَرمى بهَا وُجُوه الْكفَّار ثمَّ قَالَ (انْهَزمُوا وَرب الْكَعْبَة)
وَمن دَلَائِل نبوته ﷺ مَا نطق بِهِ الْقُرْآن الْكَرِيم من تأييد الله سُبْحَانَهُ لَهُ بِالْمَلَائِكَةِ كَقَوْلِه ﴿أَنِّي مُمِدكُمْ بِأَلف من الْمَلَائِكَة مُردفِينَ﴾ وَقَوله ﴿ألن يكفيكم أَن يمدكم ربكُم بِثَلَاثَة آلَاف من الْمَلَائِكَة منزلين بلَى إِن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هَذَا يمددكم ربكُم بِخَمْسَة آلَاف من الْمَلَائِكَة مسومين﴾ وَقَوله ﴿فَأَرْسَلنَا عَلَيْهِم ريحًا وجنودا لم تَرَوْهَا﴾ وَقَوله ﴿وَأنزل جُنُودا لم تَرَوْهَا﴾ وَنَحْو ذَلِك من الْآيَات
стр. 63
وَقد شوهدت الْمَلَائِكَة فِي بعض حروبه ﷺ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ بَيْنَمَا رجل من الْمُسلمين يَوْمئِذٍ يشْتَد فِي إِثْر رجل من الْمُشْركين أَمَامه إِذْ سمع ضَرْبَة سَوط فَوْقه وَصَوت الْفَارِس يَقُول أقدم حيزوم فَنظر إِلَى الْمُشرك أَمَامه فَخر مُسْتَلْقِيا فَنظر إِلَيْهِ فَإِذا قد حطم أَنفه وشق وَجهه كَضَرْبَة السَّوْط فأحضر ذَلِك أجمع فجَاء الْأنْصَارِيّ فَحدث ذَلِك رَسُول الله ﷺ فَقَالَ صدقت ذَلِك من مدد السَّمَاء الثَّالِثَة وَذَلِكَ يَوْم بدر
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا عَن سعد بن أبي وَقاص قَالَ رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يَوْم أحد عَن يَمِين النَّبِي ﷺ وَعَن يسَاره رجلَيْنِ عَلَيْهِمَا ثِيَاب بيض يقاتلان عَن رَسُول الله ﷺ أَشد الْقِتَال مَا رأيتهما قبل ذَلِك الْيَوْم وَلَا بعده يَعْنِي جِبْرِيل وَمِيكَائِيل ﵉
وَفِي البُخَارِيّ عَن أنس قَالَ كَأَنِّي أنظر إِلَى الْغُبَار ساطعا فِي زقاق بني غنم موكب جِبْرِيل ﵇ حِين سَار رَسُول الله ﷺ إِلَى بني قُرَيْظَة
وَمن دَلَائِل نبوته ﷺ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ أَبُو جهل هَل يعفر مُحَمَّد وَجهه بَين أظْهركُم قيل نعم قَالَ وَاللات والعزى لَئِن رَأَيْته يفعل ذَلِك لَأَطَأَن على رقبته فَمَا جَاءَهُم مِنْهُ إِلَّا وَهُوَ يَنْكص على عَقِبَيْهِ وَيَتَّقِي بيدَيْهِ فَقيل لَهُ مَالك قَالَ إِن بيني وَبَينه لَخَنْدَقًا من نَار وَهولا وَأَجْنِحَة
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث الْبَراء بن عَازِب فِي قصَّة هجرته ﷺ عَن ابي بكر قَالَ وَاتَّبَعنَا سراقَة بن مَالك بن جعْشم وَنحن فِي جدد من الأَرْض فَقلت يَا رَسُول الله أَتَيْنَا فَقَالَ لَا تحزن إِن الله مَعنا فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ فارتطمت فرسه إِلَى بَطنهَا فَقَالَ قد علمت أنكما دعوتما عَليّ فَادعوا لي وَالله لَكمَا أَن أرد عنكما الطّلب فَدَعَا الله فنجا الحَدِيث
стр. 64
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث سراقَة نَفسه قَالَ ساخت يدا فرسي فِي الأَرْض حَتَّى بلغتا الرُّكْبَتَيْنِ فَخَرَرْت عَنْهَا ثمَّ زجرتها فَنَهَضت فَلم تكد تخرج يَديهَا فَلَمَّا اسْتَوَت قَائِمَة إِذا لأثر يَديهَا غُبَار سَاطِع فِي السَّمَاء مثل الدُّخان الحَدِيث
وَمن دَلَائِل نبوته ﷺ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا عَن جَابر قَالَ غزونا مَعَ رَسُول الله ﷺ غزَاة قبل نجد فَأَدْرَكنَا رَسُول الله ﷺ فِي القائلة فِي وَاد كثير الْعضَاة فَنزل رَسُول الله ﷺ تَحت شَجَرَة فعلق سَيْفه بِغُصْن من اغصانها وتفرق النَّاس فِي الْوَادي يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ قَالَ رَسُول الله ﷺ (إِن رجلا أَتَانِي وَأَنا نَائِم فَأخذ السَّيْف فَاسْتَيْقَظت وَهُوَ قَائِم على رَأْسِي وَالسيف صَلتا فِي يَده فَقَالَ من يمنعك مني قلت الله فَشَام السَّيْف فها هُوَ جَالس ثمَّ لم يعرض لرَسُول الله ﷺ وَكَانَ ملك قومه فَانْصَرف حِين عَفا عَنهُ فَقَالَ لَا أكون فِي قوم هم حَرْب لَك)
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا عَن أنس قَالَ كَانَ رجل نَصْرَانِيّ فَأسلم وَقَرَأَ الْبَقَرَة وَآل عمرَان وَكَانَ يكْتب للنَّبِي ﷺ فَعَاد نَصْرَانِيّا فَكَانَ يَقُول مَا يدْرِي مُحَمَّد إِلَّا مَا كتبت لَهُ فَقَالَ رَسُول الله اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ آيَة فأماته الله فَأصْبح وَقد لفظته الأَرْض فَقَالُوا هَذَا فعل أَصْحَابه لما هرب مِنْهُم نبشوا عَن صاحبنا فألقوه فَحَفَرُوا لَهُ وأعمقوا مَا اسْتَطَاعُوا فَأَصْبحُوا وَقد لفظته الأَرْض فَقَالُوا مثل الأول فَحَفَرُوا لَهُ فأعمقوا فلفظته الثَّالِثَة فَعَلمُوا أَنه لَيْسَ من فعل النَّاس فَتَرَكُوهُ مَنْبُوذًا
стр. 65
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا عَن ابْن مَسْعُود قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ (اللَّهُمَّ عَلَيْك بِأبي جهل بن هِشَام وَعقبَة بن ربيعَة وَشَيْبَة بن ربيعَة والوليد بن عتبَة وَأُميَّة بن خلف وَعقبَة بن أبي معيط) قَالَ ابْن مَسْعُود فوالذي بعث مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ لقد رَأَيْت الَّذِي سمى صرعى يَوْم بدر ثمَّ سحبوا إِلَى القليب قليب بدر وَكَانَ هَذَا الدُّعَاء مِنْهُ ﷺ عَلَيْهِم لما وضعُوا عَلَيْهِ سلا الْجَزُور
وَمن إِجَابَة دُعَائِهِ ﷺ مَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا أَنه ﷺ دَعَا لأنس بن مَالك فَقَالَ (اللَّهُمَّ أَكثر مَاله وَولده وَبَارك لَهُ فِيمَا أَعْطيته) فَكَانَ من أَكثر الْأَنْصَار مَالا وَولدا حَتَّى روى عَنهُ أَنه دفن لصلبه إِلَى عِنْد مقدم الْحجَّاج بن يُوسُف بضعا وَعشْرين وَمِائَة
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا أَنه ﷺ قَالَ لعبد الرَّحْمَن بن عَوْف (بَارك الله لَك أَو لم وَلَو بِشَاة) فَبلغ مَال عبد الرَّحْمَن مبلغا عَظِيما قَالَ الزُّهْرِيّ إِنَّه تصدق بِأَرْبَع مائَة ألف دِينَار وَحمل على خَمْسمِائَة فرس فِي سَبِيل الله وَخَمْسمِائة بعير فِي سَبِيل الله وَكَانَ عَامَّة مَاله فِي التِّجَارَة
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا أَنه ﷺ دَعَا لِابْنِ عَبَّاس فَقَالَ (اللَّهُمَّ فقهه فِي الدّين وَعلمه التَّأْوِيل) فَكَانَ لَهُ من الْعلم والدراية بالتفسير مَا هُوَ مَعْلُوم عِنْد كل عَارِف حَتَّى كَانُوا يسمونه الْبَحْر
وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ أَن عبد الله بن هِشَام كَانَ يخرج إِلَى السُّوق فيتلقاه ابْن الزبير وَابْن عمر فَيَقُولَانِ أشركنا فَإِن رَسُول الله ﷺ قد دَعَا لَك بِالْبركَةِ فيشركهم فَرُبمَا أصَاب الرَّاحِلَة كَمَا هِيَ فيبعث بهَا إِلَى الْمنزل
وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث مسلمة أَن رجلا أكل عِنْد رَسُول
стр. 66
الله ﷺ بِشمَالِهِ فَقَالَ لَهُ كل بيمينك فَقَالَ لَا أَسْتَطِيع قَالَ لَا اسْتَطَعْت مَا مَنعه إِلَّا الْكبر قَالَ فَمَا رَفعهَا إِلَى فِيهِ
وَاعْلَم أَرْشدنِي الله وَإِيَّاك أَن دَلَائِل نبوة نَبينَا مُحَمَّد ﷺ لَا يُحِيط بهَا الْقَلَم وَإِن طَال شوطه وَقد صنف أهل الْعلم فِي ذَلِك مؤلفات مبسوطة مُطَوَّلَة كَمَا عرفناك سَابِقًا وأرشدناك إِلَى مصنفات بعض المصنفين فِي هَذَا الشان وَلم نذْكر هَاهُنَا أَلا نزرا يَسِيرا وَقدرا حَقِيرًا مِمَّا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَو أَحدهمَا وَقد بَقِي فِيهَا غير مَا ذكرنَا كَمَا لَا يخفى على الْعَارِف بهَا وَلَو ذكرنَا جَمِيع مَا فِيهَا وَمَا فِي بَقِيَّة الْأُمَّهَات السِّت وَمَا فِي سَائِر كتب الحَدِيث وَالسير لجاء من ذَلِك كتابا مطولا ومؤلفا حافلا
وَلَكِن لما كَانَ الْغَرَض هَاهُنَا هُوَ التَّنْبِيه على اتِّفَاق جَمِيع الشَّرَائِع على إِثْبَات الثَّلَاثَة الْمَقَاصِد الَّتِي جَمعنَا هَذَا الْمُخْتَصر لَهَا كَانَ فِيمَا ذَكرْنَاهُ مَا يُفِيد ذَلِك وَلَو كتبنَا هَاهُنَا الْآيَات القرآنية الدَّالَّة على كل مقصد من هَذِه الْمَقَاصِد لأتينا على غَالب الْآيَات القرآنية وعَلى كثير من الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة
ثمَّ اعْلَم ثَانِيًا أَن دَلَائِل نبوة سَائِر الْأَنْبِيَاء قد اشْتَمَل على كثير مِنْهَا الْقُرْآن الْكَرِيم وَالسّنة المطهرة وَكَذَلِكَ التَّوْرَاة وَالزَّبُور وَسَائِر كتب أَنْبيَاء بني إِسْرَائِيل وَالْإِنْجِيل وَإِنَّمَا اقتصرنا على ذكر بعض دَلَائِل نبوة نَبينَا ﷺ لِأَن ثُبُوت نبوته تَسْتَلْزِم ثُبُوت نبوة جَمِيع الْأَنْبِيَاء ﵈ لِأَنَّهُ ﷺ قد أخبرنَا بِأَنَّهُم أَنْبيَاء الله سُبْحَانَهُ كَمَا اشْتَمَل على ذَلِك الْقُرْآن الْكَرِيم وَالسّنة المطهرة
فثبوت نبوته يسْتَلْزم ثُبُوت نبوة سَائِر الْأَنْبِيَاء
وَوجه ذَلِك أَن ثُبُوت نبوته يسْتَلْزم ثُبُوت جَمِيع مَا أخبر بِهِ وَصِحَّته
وَمِمَّا أخبر بِهِ ثُبُوت نبوة جَمِيع الْأَنْبِيَاء فَكَانَ فِي ذكر دَلَائِل نبوته ﷺ مَا يُغني عَن ذكر دَلَائِل نبوة سَائِر الْأَنْبِيَاء وَلِهَذَا اقتصرنا على ذَلِك
стр. 67
وبمجموع مَا ذَكرْنَاهُ تقرر اتِّفَاق الشَّرَائِع جَمِيعهَا على إِثْبَات تِلْكَ الْمَقَاصِد الثَّلَاثَة وَهُوَ الْمَطْلُوب
وَالْحَمْد لله أَولا وآخرا وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه كَانَ الْفَرَاغ من تَحْرِير هَذَا الْمُخْتَصر يَوْم الْأَرْبَعَاء لَعَلَّه السَّابِع وَالْعشْرُونَ من شهر ربيع الآخر من شهور سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ بعد المئتين وَالْألف بقلم مُؤَلفه المفتقر إِلَى رَحْمَة الله ومغفرته ورضوانه مُحَمَّد بن عَليّ الشَّوْكَانِيّ غفر الله لَهما
стр. 68
مُلْحق فِي بَيَان فضل النُّبُوَّة على الْخلق
وَهُوَ خَاتِمَة كتاب هِدَايَة الحيارى فِي أجوبة الْيَهُود وَالنَّصَارَى للْإِمَام مُحَمَّد بن أبي بكر بن قيم الجوزية سنة ٧٥٠ هـ
إشراق الأَرْض بِالنُّبُوَّةِ وظلماتها بفقدها
فَأهل الأَرْض كلهم فِي ظلمات الْجَهْل والغي إِلَّا من أشرق عَلَيْهِ نور النُّبُوَّة كَمَا فِي الْمسند وَغَيره من حَدِيث عبد الله بن عمر عَن النَّبِي ﷺ قَالَ (إِن الله خلق خلقه فِي ظلمَة وَألقى عَلَيْهِم من نوره فَمن أَصَابَهُ من ذَلِك النُّور اهْتَدَى وَمن أخطأه ضل فَلذَلِك أَقُول جف الْقَلَم على علم الله) وَلذَلِك بعث الله رسله لِيخْرجُوا النَّاس من الظُّلُمَات إِلَى النُّور فَمن أجابهم خرج إِلَى الفضاء والنور والضياء وَمن لم يجبهم بَقِي فِي الضّيق والظلمة الَّتِي خلق فِيهَا وَهِي ظلمَة الطَّبْع وظلمة الْجَهْل وظلمة الْهوى وظلمة الْغَفْلَة عَن نَفسه وَعَن كمالها وَعَما تسعد بِهِ فِي معاشها ومعادها فَهَذِهِ جُمْلَتهَا ظلمات خلق فِيهَا العَبْد فَبعث الله رسله لإخراجه مِنْهَا إِلَى الْعلم والمعرفة وَالْإِيمَان وَالْهدى الَّذِي لَا سَعَادَة للنَّفس بِدُونِهِ البته فَمن أخطأه هَذَا النُّور أخطأه حَظه وكماله وسعادته وَصَارَ يتقلب فِي ظلمات بَعْضهَا فَوق بعض فمدخله ظلمَة ومخرجه ظلمَة وَقَوله ظلمَة وَعَمله ظلمَة وقصده ظلمَة وَهُوَ متخبط فِي ظلمات طبعه وهواه وجهله وَقَلبه مظلم وَوَجهه مظلم لِأَنَّهُ يبْقى على الظلمَة الأصيلة وَلَا يُنَاسِبه من
стр. 69
الْأَقْوَال والأعمال والإرادات والعقائد إِلَّا ظلماتها فَلَو أشرق لَهُ شَيْء من نور النُّبُوَّة لَكَانَ بِمَنْزِلَة إشراق الشَّمْس على بصائر الخفاش
(بصائر أعشاها النَّهَار بضوئه ... ولائمها قطع من اللَّيْل مظلم)
يكَاد نور النُّبُوَّة يعمي تِلْكَ البصائر ويخطفها لِشِدَّتِهِ وضعفها فتهرب إِلَى الظُّلُمَات لموافقتها لَهَا وملاءمتها إِيَّاهَا وَالْمُؤمن عمله نور وَقَوله نور ومدخله نور ومخرجه نور وقصده نور فَهُوَ يتقلب فِي النُّور فِي جَمِيع أَحْوَاله قَالَ تَعَالَى ﴿الله نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض مثل نوره كمشكاة فِيهَا مِصْبَاح الْمِصْبَاح فِي زجاجة الزجاجة كَأَنَّهَا كَوْكَب دري يُوقد من شَجَرَة مباركة زيتونة لَا شرقية وَلَا غربية يكَاد زيتها يضيء وَلَو لم تمسسه نَار نور على نور يهدي الله لنوره من يَشَاء وَيضْرب الله الْأَمْثَال للنَّاس وَالله بِكُل شَيْء عليم﴾ ثمَّ ذكر حَال الْكفَّار وأعمالهم وتقلبهم فِي الظُّلُمَات فَقَالَ ﴿وَالَّذين كفرُوا أَعْمَالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن مَاء حَتَّى إِذا جَاءَهُ لم يجده شَيْئا وَوجد الله عِنْده فوفاه حسابه وَالله سريع الْحساب أَو كظلمات فِي بَحر لجي يَغْشَاهُ موج من فَوْقه موج من فَوْقه سَحَاب ظلمات بَعْضهَا فَوق بعض إِذا أخرج يَده لم يكد يَرَاهَا وَمن لم يَجْعَل الله لَهُ نورا فَمَا لَهُ من نور﴾